] فصل: في غنيمة سرايا الجيش [
(فصل. وتُضم غنيمة سرايا الجيش إلى غنيمته) أي: غنيمة الجيش؛ لما روي " أن النبي ﷺ لما غزا هوازن بعث سرية من الجيش قِبَل أوطاس فغنمت السرية فأشرك بينها وبين الجيش ".
قال ابن المنذر: وروينا أن النبي ﷺ قال: " وترد سراياهم على قعدهم " (١) .
و" في تنفيل النبي ﷺ في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث " (٢) : دليل على اشتراكهم فيما سوى ذلك؛ لأنهم لو اختصوا بما غنموه لم يكن ثلثه نفلاً.
ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهم ردء لصاحبه. فيشتركون " كما لو غنم
أحد جانبي الجيش دون الجانب الاخر.
وإن نفذ الإمام من بلد الإسلام جيشين (٣) أو سريتين فكل واحدة تنفرد بما غنمته؛ لأن كل واحدة منهما انفردت بالغزو فانفردت بالغنيمة. بخلاف ما إذا بعثهما الإمام من دار الحرب فإن جميعهم اشتركوا في الجهاد فاشتركوا بالغنيمة. (ويَبدأ في قَسم: بدفع سَلَب) إلى أهله.
وإن كان فيها مال لمسلم أو ذمي دفع إلى صاحبه؛ لأن صاحبه متعين.
ولأنه استحقه بسبب سابق.
(ثم بأجرة جمع) للغنيمة، (وحمل وحفظ) لها. (و) دفع (جُعل من
دَلّ على مصلحة) للمسلمين.
(ثم يُخمَّس الباقي) بعد ذلك. (ثم) يخمس (خُمُسَه على خمسة اسهم):
стр. 1892
منها (سهم لله تعالى ولرسوله ﷺ . مصرفُه كالفيء) يعني: يصرف في مصالح المسلمين على الأصح.
وعنه: يصرف في المقاتلة.
وعنه: في كراع وسلاح.
وعنه: في الثلاثة.
وفي " الانتصار " (١) : لمن يلي الخلافة بعد النبي ﷺ (٢) .
وعن عمر بن عبدالعزيز: " انه جمع بني مروان حين استخلف. فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فَدَك. فكان ينفق منها ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منهم أيّمهم، وإن فاطمة ساًلته أن يجعلها لها فأبى، وكانت كذلك في حياته، ثم عمل فيها أبو بكر بذلك، ثم عمر، ثم (٣) أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبدالعزيز. رأيت أمرا منعه رسول الله ﷺ فاطمة ليس لي بحق، وإنى أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت " (٤) . حديث حسن رواه أبو داود. (وكان) النبي ﷺ (قد خُص) بضم الخاء أي: خصه الله (من المغنم بالصَّفِيّ. وهو) أي: والصفي: (ما يختاره) رسول الله ﷺ (قبل قسمة) للغنيمة منها؛ (كجارية وثوب وسيف) ونحو ذلك. وانقطع ذلك بموت رسول الله ﷺ . نص أحمد على ذلك.
ووجه ذلك: ان الخلفاء الراشدين لم يأخذوه ولا من بعدهم. ولا يجمعون
إلا على الحق.
ويدل لثبوت الصفي للنبي ﷺ ما روى أبو داود بإسناده إلى النبي ﷺ :
" أنه
стр. 1893
كتب إلى بني زهير بن أُقَيش: إنكم إن شهدتم ان لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، واتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم الصفي، إنكم امنون باًمان الله ورسوله " (١) .
وفي حديث وفد عبدالقيس الذي رواه ابن عباس: " وأن تعطوا سهم النبي ﷺ والصفي " (٢) .
وقالت عائشة: " كانت صفية من الصَّفي " (٣) . رواه أبو داود.
(وسهم لذوي القربى، وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب) أبناء عبد مناف.
دون غيرهم من بني عبد مناف، لما روى جبير بن مطعم قال: " لما قسم رسول الله ﷺ من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب أتيت أنا وعثمان بن عفان. فقلنا: يا رسول الله! أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم. فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال: إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبَّك بين اصابعه " (٤) . رواه أحمد والبخاري.
فرعى لهم النبي ﷺ نصرتهم وموافقتهم بني هاشم.
ولا يستحق من كانت أمه منهم وأبوه من غيرهم، لأن النبي ﷺ لم يدفع إلى أقارب أمه. وهم (٥) بنو زهرة شيئا.
ولم يدفع أيضا إلى بني عماته، كالزبير بن العوام، وعبدالله بن جحش ونحوهم.
стр. 1894
فبنو هاشم وبنو المطلب يستحقون هذا السهم (حيث كانوا). فيقسم بينهم
(للذكر مثل حظ الأنثيين) على الأصح. (غنيُّهم وفقيرُهم فيه سواء) في الأصح؛ لعموم قوله : ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى … ﴾ الاية] الأنفال: ٤١].وهو عام لا يجوز تخصيصه بغير دليل.
ولأن النبي ﷺ كان يعطي اقاربه كلهم وفيهم الغني؛ كالعباس وغيره.
ولأنه مال مستحق بالقرابة. فاستوى فيه الغني والفقير؛ كالميراث والوصية
للأقارب.
(وسهم لفقراء اليتامى. وهم) اي: واليتامى: (من لا اب له ولم يبلغ) الحلم؛ لقول النبي ﷺ : " لا يُتم بعد احتلام " (١) .
واعتبر فيهم (٢) الفقر؛ لأن ذا الأب لا يستحق. والمال أنفع من وجود الأب.
ولأن الصرف إليهم لحاجتهم. فإن اسم اليتيم يطلق عليهم في العرف للرحمة. ومن كان إعطاوه لذلك اعتبرت الحاجة فيه.
(وسهم للمساكين). وهم: أهل الحاجة. فيدخل في عمومهم الفقراء. فالفقراء والمساكين صنفان في الزكاة وصنف واحد هاهنا وفي سائر الأحكام. ويعم به جميعهم في جميع البلاد؛ كسهم ذي القربى واليتامى. (وسهم لأبناء السبيل). وقد ذكر ابن السبيل في الباب الذي ذكرت فيه أهل الزكاة. (فيُعطَون كزكاة) أي: كما يعطون من الزكاة.
(بشرط إسلام الكل). فلا حق في الخمس لكافر؛ لأنه عطية من الله . فلم يكن لكافر (٣) فيه حق؛ كالزكاة. ولا لقن؛ لأن ما يعطاه لسيده دونه.
стр. 1895
(ويعمُّ من جميع البلاد، حسب الطاقة)، لأنه سهم مستحق بوصف. فوجب دفعه إلى كل مستحقيه كالميراث.
فعلى هذا يبعب الإمام إلى عماله بالأقاليم وينظر كم حصل من ذلك. فإن استوت فرّق كل خمس فيمن قاربه، وإن اختلفت أمر بحمل الفضل ليدفع إلى مستحقه،
كالميراث.
(فإن لم تأخذ بنو هاشم وبنو المطلب: رُذَّ) سهمهما (في كُرَاع) وهو الخيل، (و) في (سلاح) عدة في سبيل الله " كفعل أبي بكر وعمر. ذكره أبو بكر. ولا شيء لمواليهم.
(ومن فيه) من مستحقي الخمس (سببان فأكثر)، كابن سبيل مسكين من ذوي القربى: (اخذَ بهما (١) أي: بما فيه من الأسباب، لأنها أسباب لأحكام. فوجب ان تثبت أحكامها، كما لو انفردت.
(ثم بنَفَل) بفتح الفاء. ثم يعطى النفل بعد ذلك. (وهو) أي: النفل هو القدر (الزائد على السهم لمصلحة)؛ لأنه حق ينفرد به بعض الغانمين. فقدم على القسمة كالأسلاب والنفل من أربعة أخماس الغنيمة.
(ويرضخ). وهو: العطاء من الغنيمة دون السهم لمن لا سهم له فيرضخ
(لمميز وقِنّ وخنثى وامرأة) من الغنيمة. (على ما يراه) الإمام فيفضل العبد المقاتل وذا البأس على من ليس مثله. وتفضل المرأة المقاتله والتي تسقي الماء وتداوي الجرحى على من ليست مثلها.
(إلا أنه لا يبلغ به لراجل سهم الراجل، ولا لفارس سهم الفارس، ولمبعض بالحساب من رضخ وإسهام). كما أنه لا يبلغ بالتعزير الحد، ولا بالحكومة دية العضو.
(وإن غزا قِنّ على فرس سيده: رضخ له) أي: للعبد، (وقسم لها) أي: للفرس التي تحته، لأن مالكها يستحق سهمها. وكذا لو كان مع العبد
стр. 1896
فرس أخرى فإنه يقسم لها أيضاً؛ كما لو كانتا مع السيد. نص على ذلك أحمد. ومحل قسمه لما معه من فرس أو فرسين: (إن لم يكن مع سيده فرسان)؛
لأنه لا يسهم لأكثر من فرسين على ما يأتي (١) .
وأما إن غزا الصبي على فرس له أو المرأة على فرس لها: رضخ للفرس ولراكبها من غير إسهام للفرس؛ لأنه لو أسهم للفرس كان سهمها لمالكها. فإذا لم يستحق مالكها السهم بحضوره للقتال فبفرسه أولى. بخلاف العبد إذا غزا على فرس سيده فإن سهمها لغير راكبها وهو سيده.
(ثم يَقسم) الإمام (الباقي) بعد ما ذكر (بين من شهد الوقعة) أي: وقعة
الحرب (لقصد قتال)، قاتل أو لم يقاتل من تجار العسكر وأجرائهم الذين يستعدون للقتال.
وإنما كانت الغنيمة لمن شهد الوقعة وإن لم يقاتل؛ لما روي عن عمر أنه قال:
" الغنيمة لمن شهد الوقعة " (٢) .
ولأن غير المقاتل ردء للمقاتل ومعين له. فشاركه؛ كردء المحارب.
ويسهم للخياط والخباز والبيطار ونحوهم إذا حضروا الوقعة. نص عليه أحمد.
(أو بُعث في سرية) يعني: أنه يقسم الباقي بين من شهد الوقعة وبين من بعثه الإمام في سرية. (أو) بعثه (لمصلحة؛ كرسول، ودليل، وجاسوس. و) كذا (من خلّفه الأمير ببلاد العدو وغزا، ولم يمرَّ به فرجع)؛ لأن الذي في مصلحة الجيش والمسلمين ممن ذكر أولى بالإسهام ممن شهد الوقعة ولم يقاتل. فيسهم لمن ذكر. (ولو مع منع غريم) له، (أو) منع (أب) له من الغزو
وغزا بدون إذن غريمه وابيه؛ لتعين الجهاد عليه بحضوره الصف.
(لا من لا يمكنه قتال) لمرض، (ولا دابة لا يمكن) القتال (عليها
стр. 1897
لمرض) يعني: فإنه لا يسهم له ولا للفرس " لأن المرض لا يتمكن معه من القتال كالزمانة والشلل. فخرج (١) به عن أهلية الجهاد. بخلاف الحمى اليسيرة والصداع ووجع الضرس ونحو ذلك. فإنه يسهم لمن قام به ذلك لأنه لم يخرج به عن أهلية الجهاد.
(ولا مخذِّل ومرجِف ونحوهما) ممن تعين منعه من الدخول لأنه ممنوع
من الدخول مع الجيش. أشبه الفرس العجيف.
(ولو ترك ذلك) أي: ترك التخذيل وا لإرجاف (وقاتل.
ولا يرضخ له) أي: للمخذل ولا للمرجف، (ولا لمن نهاه الأمير ان يحضر). فلم ينته، لأنهم عصاة.
(و) لا (كافر لم يستأذنه) اي: يستاًذن الأمير.
(و) لا (عبد لم يأذن) له (سيده) في الغزو.
(و) لا (طفل، و) لا (مجنون، و) لا (من فر من اثنين) كافرين.
ذكره في " الروضة " و" الروايتين " و" الحاويين ".
وكيفية القسم بين من شهد الوقعة: أن يكون (للرّاجل ولو) كان (كافراً سهم،
و) أن يكون (للفارس على فرس عربي، ويسمى العتيق: ثلاثة) أي: ثلاثه أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه العتيق، لما روى ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه وسهم له " (٢) . متفق عليه.
وقال خالد الحذاء: " لا يُختلف فيه عن رسول الله ﷺ أنه اسهم هكذا (٣) : للفرس سهمين ولصاحبه سهماً. وللراجل سهما " (٤) .
стр. 1898
(و) للفارس (على فرس هَجين. وهو: ما أبوه فقط عربي.
او) على فرس (مُقرِفٍ، عكس الهجين) وهو: ما أمه فقط عريبة (١) .
(أو) على فرس (بِرذَون. وهو: ما ابواه نبطيان: سهمان) سهم له وسهم لفرسه على الأصح.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه اكثر الأصحاب. انتهى.
ويدل لذلك ما روى مكحول: " أن النبي ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين. واعطى الهجين سهماً " (٢) . رواه سعيد.
وروى سعيد أيضأ بإسناده عن أبي الأقمر قال: " أغارت الخيل على الشام. فأدركت العراب من يومها، وادركت الكوادن (٣) ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له: المنذر بن أبي حميصة. فقال: لا اجعل الذي ادرك من يومه مثل الذي لم يدرك. ففضّل الخيل العراب. فقال عمر: هبلت (٤) الوادعيَّ امه. أمضوها على ما قال " (٥) .
ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا القول.
(وإن غزا اثنان على فرسهما) اي: على فرس مشتركة بينهما (فلا بأس) بذلك، (وسهمه) اي: سهم الفرس الذي بينهما (لهما)، ويكون بينهما بقدر ما لكل واحد منهما من الفرس.
(وسهم) فرس (مغصوب) غزا عليه غاصبه أو غيره (لمالكه). نص أحمد على ذلك؛ لأنه فرس قاتل عليه من يستحق. السهم. فاستحق الفرس السهم؛ كما لو كان مع صاحبه.
стр. 1899
وإذا ثبت أن للفرس سهما كان لمالكه؛ " لأن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما " (١) .
وما كان للفرس كان لمالكه.
] ولأن سهم الفرس مستحق بنفعه ونفعه لمالكه. فوجب أن يكون ما يستحق
به لمالكه [ (٢) .
(و) سهم فرس (معار ومستأجر وحِبيس لراكبه) إن كان من أهل الإسهام؛ لأنه قاتل عليه من يستحق سهما وهو مستحق لنفع (٣) الفرس. فاستحق سهمه، ولا يمنع من ذلك كونه حبيسا؛ لأنه إنما حبس على من يغزو عليه.
(ويُعطى) راكب الحبيس (نفقة الحبيس) من سهمه؛ لأنه نماؤه.
(ولا يُسهم لأكثر من فرسين) يعني: أنه إذا كان مع الرجل خيل كثيرة أسهم لفرسين منها. فيعطى صاحبه خمسة أسهم، سهم له وأربعه للفرسين. ولم يُزد على ذلك؛ لما روى الأوزاعي: " أن رسول الله ﷺ كان يسهم للخيل. وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشره أفراس " (٤) .
وعن أزهر بن عبدالله " أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراج:
أن يسهم للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبها سهم. فذلك خمسة أسهم. وما كان فوق الفرسين فهي جنائب " (٥) . رواهما سعيد.
ولأن للمقاتل إلى الثانى حاجه. فإن إدامة ركوب فرس واحد يضعفه ويمنع
القتال عليه. فيسهم للثانى كالأول. بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه.
стр. 1900
(ولا شيء) اي: لا سهم ولا رضخ (لغير الخيل) على الأصح.
قال في " الفروع ": ولا شيء لغير خيل.
وعنه: لراكب بغير سهم.
وعنه: عند عدم غيره.
واختار جماعة: يسهم له مطلقا. منهم أبو بكر والقاضي. وظاهر كلام بعضهم: كفرس.
وقيل: له ولفيل سهم هجين. انتهى.
ووجه المذهب: أنه لم ينقل عن النبي ﷺ ] انه اسهم [ (١) لغير الخيل من البهائم
وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا. ولم تخلُ غزاة من غزواته من الإبل، بل
هي غالب دوابهم. فلم ينقل أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل.
وكذا أصحاب النبي ﷺ من بعده لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه انه اسهم لبعير، ولو أسهموا له لم يَخفَ ذلك.
ولأنه لا يمكن صاحبه الكر والفر. فلم يسهم له؛ كالبغل.
***
стр. 1901
] فصل: في أحكام الغنيمة [
(فصل. ومن أسقَط حقه) من الغانمين (ولو) كان (مفلساً. لا) إن كان (سفيهاً: فـ) إن سهمه يكون (للباقي) من أهل الغنيمة؛ لأن المسقط حقه قد ملك التملك بالاستيلاءعلى الغنيمة (١) .
ولأن اشتراك الغانمين في الغنيمة اشتراك تزاحم. فإذا أسقط أحدهم حقه كان للباقين.
(وإن أسقط الكل) حقهم من الغنيمة (فـ) هي (فيء) يعني: تصرف مصرف الفيء.
(وإذا لحق) بالجيش (مدد أو أسير) تفلّت قبل تقضّي الحرب، (أو صار الفارس راجلاً، أو عكسه) بأن صار الراجل فارساً قبل تقضي الحرب، (أو أسلم) ممن شهد الوقعة كافراً، (أو بلغ) صبي، (أو عتق) قن (قبل تقضّي الحرب: جُعلوا كمن كان فيها كلها كذلك) أي: على الحال الذي تقضّت الحرب وهم عليه؛ لأن الغنيمة لمن شهد الوقعة، وقد شهدوها.
ولأن من تغيّر حاله قبل تقضّي الحرب لم تنتقل الغنيمة إلى ملك المسلمين إلا وهم على الهيئة التي صاروا إليها. فجعلوا كما لو كانوا في أول الحرب كذلك.
(ولا قِسْمَ لمن مات أو انصرف أو أُسر قبل ذلك) أي: قبل تقضي الحرب؛ لأن الغنيمة لمن شهد الوقعة، وهؤلاء لم يشهدوا إلا بعضها، ولم يكونوا عند انتقال ملك الغنيمة إلى المسلمين؛ لأن الغنيمة لا تملك إلا بالاستيلاء عليها عند تقضي الحرب، وهؤلاء لم يكونوا حضوراً عند ذلك.
(ويحرُم قول الإمام: من أخذ شيئاً فهو له) على الأصح.
стр. 1902
(و) من أخذ شيئاً بقول الإمام ذلك فإنه (لا يستحقه)؛لأن النبي ﷺ كان يقسم الغنائم، وكذا الخلفاء بعده.
ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال وظفر العدو بهم.
ولأن الاغتنام سبب في استحقاقهم الغنيمة على سبيل التساوي. فلا يزول ذلك بقول الإمام.
وأما قول النبي ﷺ يوم بدر:" من أخذ شيئاً فهو له " (١) : فمنسوخ حكمه. فإنهم اختلفوا فيها فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ … ﴾ الأنفال: ١].
ويستثنى من ذلك صوره أشير إليها بقوله:
(إلا فيما تعذّر حملُه)؛ كالأحجار الكبار، والقدور الكبار والحطب ونحو ذلك (وتُرك فلم يُشتر) أي: فلم يرغب أحد في شرائه: فإنه يجوز للإمام أن يقول: من أخذ شيئاً من ذلك فهو له.
(وللإمام أخذه) أي: أخذ ذلك (لنفسه، و) له (إحراقه) أي: إحر اق ما يحرق منه؛ كما لو كان حطباً أو تبناً ونحوهما (٢) إنكاء للعدو؛ لئلا ينتفعون به.
(وإلا) أي: وإن لم يكن كما ذكر (حرُم) على الإمام أن يقول: من أخذ شيئاً فهو له. وإنما جاز ذلك فيما ذكر؛ لأنه كالمرغوب عنه.
(ويصح تفضيل بعض الغانمين لمعنى فيه) بأن يرضخ له زيادة عن سهمه وقد تقدم.
(ويَخص إمام بكلب) يجوز اقتناؤه (من شاء) من الجيش. ولا يدخل في غنيمة.
(ويُكسر الصليب، ويُقتل الخنزير). قاله أحمد.
стр. 1903
(ويُصب الخمر، ولا يُكسر الإناء). نقله أبو داود.
(ولا تصح الإجارة للجهاد) على الأصح.
وعليه: إن كان قد أخذ شيئاً من الأجرة رده.
(فيسهم له) أي: لمن استؤجر للجهاد؛ (كأجير الخدمة)؛ لأنه حضر الوقعة، وهو من أهل القتال. فيسهم له؛ كغير الأجير.
ولقول عمر: " الغنيمة لمن شهد الوقعة " (١) .
ومن أجر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة أو حملها أو سوقها أو رعيها أبيح له أخذ الأجرة على ذلك، ولم يسقط من سهمه شيء؛ لأن ذلك من مؤنة الغنيمة. فهو كعلف الدواب وطعام السبي، يجوز للإمام بذله.
ويباح للأجير أخذ الأجره عليه؛ لأنه قد أجّر نفسه لفعلٍ للمسلمين إليه حاجة. فحلت له الأجرة؛ كالدليل على الطريق.
وتصح الإجارة على ذلك بدابة معينة من المغنم (٢) .
(ومن مات بعد تقضَّي الحرب فسهمُه لوارثه)؛ لأنه مات بعد ثبوت ملكه عليها. فكان سهمه لورثته؛ كسائر أمواله. حتى ولو كان موته قبل إحراز الغنيمة. وبعد الاستيلاء عليها؛ لأنه أدركها في حال لو قسمت فيه صحت قسمتها، وكان له سهمه منها. فيجب أن يستحق سهمه فيها؛ كما لو مات بعد إحرازها في فى دار الإسلام.
(ومن وطئ جارية منها) أي: من الغنيمة، (وله) أي: للواطئ (فيها)
أي: في الغنيمة (حق، أو لولده) أي: ولد الواطئ فيها حق: (أُدِّب) الواطئ؛ لأنه فعل ما لا يحل. (ولم يبلغ به) أي: بتأديبه (الحد)؛ لأن الملك يثبت للغانمين في الغنيمة. فيكون للواطئ حق في الجارية الموطوءة. وإن قلّ فيدرأ عنه الحد للشبهة؛ كوطء جارية له فيها شرك.
стр. 1904
وعموم قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢ [مخصوص بوطء الجارية المشتركة وجارية ابنه. فيقاس عليه وطء الجارية من الغنيمة.
(وعليه مهرُها) يطرح في المقسم. (إلا أن تلد منه فـ) تكون عليه (قيمتها) تطرح في المقسم؛ لأن استيلادها كإتلافها. (وتصيرُ أمَّ ولده)؛ لأنه وطء يلحق به النسب. أشبه الملك. فتصير به أم ولد؛ كوطء جارية ابنه.
(وولده حر) لا تلزمه قيمته على الأصح؛ لأنه ملكها حين علقت. ولم يثبت ملك الغانمين في الولد بحال. فأشبه ولد الأب من جارية ابنه إذا وطئهما.
ولأنه يعتق عليه حين علوقها به ولا قيمة له حينئذ.
(وإن أعتق) بعض الغانمين (قِنّاً) من الغنيمة؛ (أو كان) في الغنيمة من الأسرى المسترقين من (يَعتِق عليه: عَتَق) ممن أعتقه، أو عتق عليه (قدر حقه، والباقي) منه حكمه (كعتقه شِقْصاً) من قِنّ مشترك يأتي حكمه.
وعلم مما تقدم أن بعض الغانمين لو عتق أسيراً من الرجال قبل أن يخير الإمام فيهم، أو كان ممن يعتق على بعض الغانمين لو كان رقيقاً: لم يعتق؛ لأن العباس عم النبي ﷺ وعم علي وعقيل أخي علي كانا في أسرى بدر فلم يعتقا عليهما.
ولأن الرجل لا (١) يصير رقيقاً بنفس السبي.
(والغالّ. وهو: من كتم ما غَنِمَ، أو) كتم (بعضه لا يُحْرَم سهمه) من الغنيمة على الأصح؛ لأن سبب الاستحقاق موجود. فيستحق كما لو لم يغلّ.
ولم يثبت حرمان سهمه في خبر ولا يدل عليه قياس. فبقي بحاله. ولا يحرق؛ لأنه ليس من رحله.
(ويجبُ حرق رحلِه كله وقتَ غُلوله) وبه قال الحسن، وفقهاء الشام، منهم مكحول والأوزاعي والوليد بن هشام ويزيد بن يزيد بن جابر.
стр. 1905
] و" قد أتي سعيد بن عبدالملك بغالّ. فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبد العزيز حاضر فلم يعبه " (١) .
وقال يزيد بن يزيد بن جابر [ (٢) : " السُّنّة في الذي يغل أن يحرق رحله ".رواهما سعيد في "سننه".
وقال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي: لا يحرق؛" لأن النبي ﷺ لم يحرق " (٣) .
فإن عبد الله بن عمرو روى:"أن رسول الله ﷺ كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس. فيجيئون بغنائمهم. فيخمسه ويقسمه. فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر. فقال: يا رسول الله! هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة. فقال: سمعت بلالاً ينادي ثلاثاً؛ قال: نعم. قال: فما منعك أن] تجئ به؟ فاعتذر. فقال: إن أنت [ (٤) تجيءبه يوم القيامة فلن أقبله منك " (٥) .أخرجه أبو داود.
ولأن إحراق المتاع إضاعة له، وقد "نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال " (٦) .
стр. 1906
ولنا: ما روى صالح بن محمد بن زائدة قال:" دخلت مع مسلمة أرض الروم. فأتي برجل قد غلّ. فسأل سالماً عنه.] فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعه واضربوه. قال: فوجدنا في متاعه مصحفاً. فسأل سالماً عنه [ (١) .فقال: بعه وتصدق بثمنه " (٢) . رواه سعيد وأبو داود والأثرم.
وأما حديثهم فلا حجة لهم فيه. فإن الرجل لم يعترف أنه غله، وإنما توانى في المجيء به معتذراً عن توانيه. وليس الخلاف فيه.
وأما النهي عن إضاعة المال فمحله: إن لم يكن فيه مصلحة، وأما معها فلا بأس، ولا يعد تضييعاً؛ كإلقاء المتاع في البحر عند خوف الغرق، وكقطع يد العبد السارق. مع أن كل المال لا تكاد المصلحة تحصل به إلا بذهابه. فأكله إتلافه وإنفاقه إذهابه. ولا يعد شيء من ذلك تضييعاً.
ومحل وجوب إحراقه: (ما لم يخرج عن ملكه).فإن إحراقه حينئذ يكون عقوبة لغير الجانى.
ومحله أيضاً: (إذا كان) الغالّ (حياً). فإن مات قبل إحراقه لم يحرق. نص عليه، لأنه عقوبة. فتسقط بالموت، كالحدود.
ومحله أيضاً: إذا كان الغال (حراً مكلفاً ملتزماً).
أما مع كونه رقيقاً " فلأن المتاع لسيده، ولا يعاقب السيد بجناية عبده.
وأما مع كونه غير مكلف؛ فلأن الإحراق عقوبة، وليس يخير المكلف من أهلها.
وأما مع كونه غير ملتزم أحكام المسلمين؛ فإنه لا يعاقب على ما لا يعتقد تحريمه.
стр. 1907
قال في"الفروع":والمر اد ملتزماً. ذكره الآمدي البغدادي.
لكن لا تشترط ذكورية الغال ولا إسلامه. فيحرق رحله. (ولو) كان (أنثى، و) لو كان (ذمياً)؛لأنهما من أهل العقوبة، ولذلك يقطعان في السرقة.
ويستثنى من متاع الغال أشياء يحرم حرقها أشير إليها بقوله:
(إلا سلاحاً، ومصحفاً، وحيواناً بآلته ونفقته، وكتب علم، وثيابه التي عليه، وما لا تأكله النار: فـ) يكون (له) أي: للغال في الأصح.
وقيل: يباع المصحف ويتصدق بثمنه.
(ويُعزّر) الغال من أجل غلوله، لأنه فعل شيئاً محرماً.
(ولا يُنفى).نص عليه.
(ويؤخذُ ما غَلّ) من الغنيمة (للمغنَم) أي: للمقسم؛ لأنه حق للغانمين. فتعين رده إلى أهله.
(فإن تاب بعد قسم: أَعطى الإمام خمسه، وتَصدق ببقيته)؛لما روى سعيد بن منصور، عن عبدالله بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن حوشب بن سيف. قال:" غزا الناس الروم وعليهم عبدالرحمن] بن خالد بن الوليد [ (١) .فغل رجل مائة دينار.] فلما قسمت الغنيمة وتفرق الناس ندم. فأتى عبد الرحمن فقال: قد غللت مائة دينار [ (٢) فاقبضها. فقال: قد تفرق الناس فلن أقبضها منك حتى توافي الله (٣) بها يوم القيامة- يشير بذلك إلى قوله : ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١ [-. فأتى معاوية فذكر ذلك له. فقال له مثل ذلك. فخرج وهو يبكي. فمر بعبدالله بن الشاعر السكسكي فقال: ما يبكيك؟ (٤) فأخبره. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أمُطيعي
стр. 1908
انت يا عبدالله؟ قال: نعم. قال: فانطلق إلى معاوية فقل له: خُذ مني خمسك. فأعطه عشرين ديناراً وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش. فإن الله يعلم أسماءهم ومكانهم. فإن (١) الله يقبل التوبة عن عباده. فقال معاوية: أحسن. والله! لأن أكون أفتيته بهذا أحب إلي من أن يكون لي مثل كل شيء امتلكت " (٢) .
وعن ابن مسعود: "أنه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ".
فقد قال به ابن مسعود ومعاوية ومن بعدهم، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. فكان إجماعاً.
(وما أُخذ من فدية) أي: فديه أسرى الكفار فغنيمة. فـ " إن النبي ﷺ قسم فداء أسارى بدر (٣) بين الغانمين ".
ولأنه مال حصل بقوة الجيش. أشبه الخيل والسلاح.
(أو أُهدي للأمير) أي: أمير الجيش، (أو) أهدي (لبعض قواده، أو) بعض (الغانمين بدار حرب: فغنيمة)؛لأن الظاهر أنهم لم يفعلوا ذلك إلا للخوف من المسلمين.
(و) ما أهدي (بدارنا فلمُهدى له). سواء كان الإمام أو غيره؛" لأن النبي ﷺ قبل هدية (٤) المقوقس ". فكانت له دون غيره. والله أعلم.
***
стр. 1909
] باب: في الأراضي المغنومة [
(باب. الأرَضُون المغنومة ثلاث) أي: ثلاثة أصناف:
الأول منها: (عَنوَة. وهي: ما أَجْلوا عنها) أهلها بالسيف. (ويخير إمام) فيها (بين قسمها) بين الغانمين (كمنقول).
قال في " شرح المقنع ": ولم نعلم أن شيئاً مما فتح عنوة قسم بين الغانمين إلا خيبر. فـ " إن رسول الله ﷺ قسم نصفها " (١) . فصار لأهله لا خراج عليه.
وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر رضى الله تعالى عنه ومن بعده؛ كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء. فروى أبو عبيد في " كتاب الأموال ": " أن عمر قدم الجابية. فأراد قسم الأرضين بين المسلمين. فقال له معاذ رضي الله تعالى عنه: والله! إذاً ليكونن ما تكره. إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم. ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة. ثم يأتى من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسداً، وهم لا يجدون شيئاً. فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم. فصار عمر إلى قول معاذ " (٢) .
وروى أيضاً قال: قال الماجشون:" قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا، وخذ خمسها. فقال عمر: لا. هذا عين المال. ولكني أحبسه فيئاً يجري عليهم وعلى المسلمين. فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا. فقال عمر: اللهم! اكفني بلالاً وذويه. فما حال الحول ومنهم عين تطرف " (٣) .
стр. 1910
(و) بين (وقفها لامسلمين بلفظ يحصل به) الوقف. (ويضرب عليها خراجاً) مستمراً (يؤخذ ممن هي بيده، من مسلم وذمي) يكون أجرة لها في كل عام.
الصنف الثانى ما أشير إليه بقوله:
(الثانية: ما جَلَوا عنها خوفاً منا، وحكمُها كالأولى).فيخير الإمام فيها؛ كما تقدم على الأصح.
وعنه: أنها تصير وقفاً بنفس الاستيلاء عليها.
الصنف الثالث ما أشير إليه بقوله:
(الثالثة: المُصالَح عليها). وهي نوعان. أشير إلى الأولى بقوله:
(فما صُولحوا على أنها) أي: على أن الأرض (لنا) ونقرها معهم بالخراج: (فـ) هذه (كالعنوة) على الأصح، لا يسقط خراجها بإسلام.
وعنه: أنها تصير وقفاً بذلك.
النوع الثانى ما أشير إليه بقوله:
(وعلى أنها) أي: على أن الأرض (لهم، ولنا الخراج عنها: فهو) أي: فالخراج المأخوذ عنها (كجزية. إن أسلموا) سقط عنهم، (أو انتقلت إلى مسلم سقط) عنهم؛ كما تسقط الجزية بالإسلام.
وإن انتقلت إلى ذمي من غير (١) أهل الصلح لم يسقط عنه الخراج في الأصح، وتبقى الأرض ملكاً لهم، وتسمى دار عهد، لا يمنعون فيها من إحداث كنيسة ولا بيعة.
(ويُقَرُّون فيها بلا جزية)؛لأنهم في غير الإسلام. (بخلاف ما قبل) أي: ما قبل ذلك من الأرضين المذكورة.
(وعلى إمام فعلُ الأصلح) للمسلمين فيما يفتحه من الأراضي، من وقف أو
стр. 1911
قسمة، (ويُرجع في) قدر (خَراج وجزية إلى تقديره) أي: تقدير الإمام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده على الأصح.
قال في " شرح المقنع ": وهو اختيار الخلال وعامة شيوخنا؛ لأنه أجرة.
فلم تتقدر بمقدار لا يختلف؛ كأجرة المساكن.
وفيه رواية ثانية: أنه يرجع إلى ما ضربه عمر لا يزاد ولا ينقص؛ لأن اجتهاد عمر أولى من قول غيره.
وعنه رواية ثالثة: أن الزيادة تجوز دون النقص؛ لما روى عمرو بن ميمون:"أنه سمع عمر يقول لحذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف: لعلكما حمّلتما الأرض ما لا تطيق. فقال عثمان: والله! لو زدت عليهم فلا يجهدهم " (١) .فدل على إباحة الزيادة ما لم يجهدهم.
وأشير إلى ما ضربه عمر وإن لم يكن المذهب ليعلم بقوله:
(ووضع عمر رضى الله تعالى عنه على كل جَريب درهماً وقفيزاً وهو) أي: القفيز: (ثمانية أرطال. قيل: بالمكيّ).قدمه في"شرح المقنع"وقال: نص عليه، واختاره القاضي.
وقال أبو بكر: قيل: أن قدره ثلاثون رطلاً.
(وقيل بالعراقيّ، وهو نصف المكيّ)،وقدمه في "المحرر"و"الرعايتين"و"الحاويين" وقالوا: نص عليه.
] قال في"الإنصاف":هذا القفيز قفيز الحجاج. وهو صاع عمر. نص عليه. والقفيز الهاشمى: مكوكان. وهو ثلاثون رطلاً عراقية. انتهى.
قال أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام: أعلا وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون يعني:"أن عمر رضى الله تعالى عنه وضع على كل جريب درهماً وقفيزاً" (٢) .
стр. 1912
وقدر القفيز: ثمانية أرطال بالمكي. نص عليه أحمد [ (١) ،واختاره القاضي.] فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي [ (٢) .
وقال أبو بكر: قد (٣) قيل أن قدره،: ثلاثون رطلاً.
وينبغي أن يكون من جنس ما تخرجه الأرض؛ لأنه روي عن عمر " أنه ضرب على الطعام درهماً وقفيز حنطة، وعلى الشعير درهماً وقفيز شعير " (٤) .ويقاس عليه غيره من الحبوب.
(والجريب: عشر قَصَبات في مثلها) أي: في عشر قصبات. (والقصبة: ستة أذرع بذراع وسط)،لا أطول ذراع ولا أقصرها، (وقبضة وإبهام قائمة).وما بين الشجر من بياض الأرض تبع لها فليس فيه إلا خراج الأرض.
(والخراج على الأرض لها ماء تُسقى به ولو لم تُزرع، لا على مال يناله ماء ولو أمكن زرعه وإحياؤه ولم يفعل)؛لأن الخراج أجرة الأرض وما لا منفعة فيه لا أجرة له.
وعنه: يجب فيه الخراج إذا كان على صفة يمكن إحياؤه؛ ليحييه من هو في يده، أو يرفع يده عنه فيحييه غيره وينتفع به.
(وما لم ينبت) إلا عاماً بعد عام، (أو ينله) الماء (إلا عاماً) بعد عام: (فـ) يجب (نصف خراجه في كل عام)؛لأن نفع هذه الأرض على النصف. فكذلك الخراج؛ لكونه في مقابلة النفع.
(وهو) أي: الخراج (على المالك)؛لأن الخراج على رقبة الأرض دون المستأجر لها، كما تجب الفطرة على مالك العبد.
стр. 1913
(و) هو أيضاً (كالدين، يُحبس به الموسر، ويُنظر المعسر)؛لأنه أجرة. أشبه أجره المساكن (١) .
(ومن عجز عن عمارة أرضه أُجْبِرَ على إجارتها، أو رفع يده عنها) يعني: أن من كانت بيده أرض خراجية فهو أحق بها بالخراج كالمستأجر، وتنتقل إلى (٢) وارثه بعده على الوجه التي كانت في يد مورثه. فإن آثر بها أحداً صار الثانى أحق بها. فإن عجز من هي في يده عن عمارتها ودفع خراجها أجبر على رفع يده عنها بإجارة أو غيرها. ويدفعها إلى من يعمرها ويقوم بخراجها؛ لأن الأرض للمسلمين. فلا يجوز تعطيلها عليهم.
(ويجوز أن يُرشَى العامل ويُهْدَى له لدفع ظلم) عن المرشي أو المهدي؛ لأنه يتوصل بذلك إلى كف اليد العادية عنه. (لا ليدع خَراجاً) عن المرشي أو المهدي؛ لأن ذلك يتوصل به إلى إبطال حق. فحرمتا على الآخذ والمعطي؛ كرشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق.
(والهدية: الدفع) إلى المهدى إليه (ابتداء) من غير طلب، (والرشوة):الدفع للمرتشي (بعد الطلب) من دافع الرشوة. (وأخذهما) أي: الرشوة والهدية (حرام).
ويكره للمسلم أن يشتري من أرض الخراج المزارع (٣) ؛ لأن في إعطاء الخراج معنى المذلة. وبهذا وردت الأخبار عن عمر وغيره. ومعنى الشراء هاهنا: أن يقبل الأرض بما عليها من خراجها؛ لأن شراء رقبتها غير جائز.
(ولا خراج على مساكن مطلقاً) أي: سواء فتحت عنوة أو صلحاً.
وإنما كان أحمد يؤدي الخراج عن داره؛ لأن بغداد كانت مزارع وقت فتحها.
(ولا) خراج على (مزارع مكة) في الأصح؛ لأن الخراج جزية الأرض
стр. 1914
ولا يجوز إعطاؤها عن أرض.
وأجازه في "الانتصار"؛ كسائر أرض العنوة.
قال صاحب "المحرر": لا أعلم من أجاز ضرب الخراج عليها سواه؛ لأن النبي ﷺ علم يضرب عليها شيئاً.
(والحرم) كله (كهي) أي: كمكة. نص عليه.
(وليس لأحد البناء والانفراد به فيهما) أي: في مكة والحرم على الأصح.
(ولا) يجوز لأحد (تفرقة خراج عليه بنفسه)؛لافتقاره إلى اجتهاد؛ لعدم تعيين مصرفه.
ولأن الخراج والغنيمة لمصالح المملكة؛ لأن بها تجتمع الجند على باب السلطان فينفذ أوامر الشرع، ويحمي البيضة، ويمنع القوي من الضعيف. فلو فرقه غيره تفرقوا وزالت حشمته وطمع فيه. فجرّ ذلك إلى الفساد.
(ومصرفه) أي: مصرف الخراج (كفيء) أي: كمصرف الفيء.
(وإن راى الإمام المصلحة في إسقاطه) أي: إسقاط الخراج (عمن) أي: عن إنسان (له) أي: للإمام (وضعه) أي: وضع الخراج (فيه) أي: في ذلك الإنسان، بأن كان ممن له حق الفيء: (جاز)؛لأنه لا فائدة في أخذه منه ثم رده إليه.
ولأنه لو أخذ الخراج وصار في يده جاز له أن يخص به شخصاً إذا رأى المصلحة فيه. فجاز له تركه بطريق الأولى.
(ولا يُحتسب بما ظُلم في خراجه من عُشْر) عليه في حب أو ثمر على الأصح.
قال الإمام أحمد: لأنه غصب.
وعنه: بلى، اختاره أبو بكر.
***
стр. 1915
] باب: الفيء [
هذا (باب) يذكر فيه أموال الفيء ومصرفها.
وأصل الفيء الرجوع. يقال: فاء الظل إذا رجع نحو المشرق. وسمي المال الحاصل من الكفار على ما يأتي تفصيله فيئاً؛ لأنه رجع من المشركين إلى المسلمين.
والأصل فيه قوله : ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر:٦ [،وقوله : ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الآية] الحشر:٧].
ثم (الفيء) هنا: (ما أُخذ من مال كافر بحق بلا قتال؛ كجزية، وخراج، وعُشر تجارة) من حربي، (ونصفه) أي: ونصف عشر تجارة من ذمي، (وما تُرك) أي: وما تركه الكفار للمسلمين (فزعاً) من المسلمين، (أو) ترك (عن ميت ولا وارث) له.
(ومصرفه) أي: مصرف ما ذكر من المال (و) مصرف (خُمس خُمس الغنيمة: المصالح) أي: مصالح المسلمين في الأصح؛ لقول عمر:"ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب، إلا العبيد فليس لهم فيه شيء، وقرأ عمر: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ - حتى بلغ- ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:٧ - ١٠ [فقال: هذه استوعبت المسلمين عامة" (١) .
ولأن المصالح نفعها عام، والحاجة داعية إلى فعلها تحصيلاً لها.
وذكر أحمد الفيء. فقال فيه: لكل المسلمين، وهو بين الغني والفقير.
стр. 1916
قال القاضي: ومعنى كلام أحمد أنه بين الغني والفقير يعني: الغني الذي فيه مصلحة للمسلمين من المجاهدين والقضاة والفقهاء. قال: ويحتمل أن يكون معنى كلامه أن لجميع المسلمين الانتفاع بذلك المال؛ لكونه يصرف إلى من يعود نفعه إلى جمييع المسلمين. انتهى.
والمذهب: أنه لا يختص بالمقاتلة.
قال في"الإنصاف": وقيل: يختص بالمقاتلة. اختاره القاضي. انتهى.
(و) حيث تقرر صرفه في المصالح فإنه (يُبدأ بالأهم فالأهم: من سدّ ثغر، وكفاية أهله) أي: أهل الثغر، (وحاجة من يدفع عن المسلمين)؛ لأن أهم أمور المسلمين حفظ بلادهم، وأمنهم من عدوهم. فيعطى من يلي ذلك كفايته من مال الفيء. وسد الثغور عمارتها، وكفايتها بالخيل والسلاح.
(ثم) بـ (الأهم فالأهم من سد بَثْق) وهو: المكان المنفتح في جانبي النهر. وسده هو: جرف الجسور؛ لحصول النفع بعلو الماء بسبب ذلك.
(و) من (كَرْيِ نهر) أي: تعزيل ما يعيق ماء النهر عن جريانه، (وعمل قنطرة، ورزق قضاة، وغير ذلك)؛ كعمارة المساجد، وإصلاح الطرق، وأرزاق الأئمة والمؤذنين والفقهاء، وكل ما يعود نفعه على المسلمين.
(ولا يخمَّس) الفيء. نص أحمد على ذلك في رواية أبي طالب، واختاره أكثر الأصحاب؛ لأن الله أضافه إلى أهل الخمس، كما أضاف إليهم خمس الغنيمة. فإيجاب الخمس فيه لأهله دون باقيه منع لما جعله الله لهم بغير دليل، ولو أريد الخمس منه لذكره الله كما ذكره في خمس الغنيمة. فلما لم يذكره ظهرت إرادة الاستيعاب.
(ويقسم فاضل) عما ذكر مما يعم نفعه المسلمين (بين أحرار المسلمين، غنيهم وفقيرهم)؛لأنه مال فضل عن حاجتهم. فقسم بينهم؛ لأنهم استحقوه بمعنى مشترك. فاستووا فيه؛ كالميراث.
وهذا المذهب.
стр. 1917
وعنه: يقدم المحتاج على غيره؛ لأن المصلحة في حقه أعظم منها في حق غيره.
واختار أبو حكيم والشيخ تقي الدين: أنه لا حظ للرافضة فيه. وذكره ابن القيم في "الهدي " عن مالك وأحمد.
(وتُسن) عند القسم (بِداءة بأولاد المهاجرين، الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ ، والمراد هنا بالمهاجرين: الذين هجروا أوطانهم وخرجوا إلى رسول الله ﷺ وهم جماعة مخصوصون.
والمراد بالأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ : القرشيون؛ لما روى أبو هريرة قال:"قدم على عمر ثمانية ألف درهم. فلما أصبح أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم: قد جاء الناسَ مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا عليّ بمن أبدأ. قالوا: بك يا أمير المؤمنين! إنك ولي ذلك. قال: لا. ولكن أبدأ برسول الله ﷺ الأقرب فالأقرب. فوضع الديوان على ذلك " (١) .
إذا تقرر هذا فيبدأ ببني هاشم؛ لأنهم أقارب رسول الله ﷺ حيه لما ذكرنا من خبر
عمر.
ثم بني المطلب؛ لقول رسول الله ﷺ :" إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبَّك بين أصابعه " (٢) .
ثم بني عبد شمس؛ لأنه هو وهاشم أخوان لأب وأم.
ثم ببني نوفل؛ لأنه أخو هاشم لأبيه.
ثم ببني عبدالعزى وبني عبد الدار. ويقدم بني عبدالعزى؛ لأن فيهم أصهار رسول الله ﷺ فإن خديجة منهم. ثم الأقرب فالأقرب حتى تنقضي قريش.
стр. 1918
(وقريش قيل):إنهم (بنو النضر بن كِنانَة، وقيل): إنهم (بنو فِهْر بن مالك بن النضر) بن كنانة.
(ثم بأولاد الأنصار). والأنصار هم: الحيان الأوس والخزرج. وقُدِّموا على غيرهم؛ لسابقتهم في الإسلام.
(فإن استوى اثنان) فيما تقدم: (فأسبق إسلام. فأسن. فأقدم هجرة وسابقة. ويفضَّل بينهم) أي: بين أهل العطاء (بسابقة) في الإسلام، (ونحوها) كلمعنى فيه على الأصح. نص على ذلك؛ لأن عمر قسم بينهم على السوابق، وقال: "لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه ".
ولأن النبي ﷺ قسم النفل بين أهله متفاضلاً على قدر غنائهم. وهذا في معناه.
و" قد فضل عمر وعثمان " (١) ، و"لم يفضل أبو بكر وعلي " (٢) .
(ولا يجب عطاء إلا لبالغ عاقل حر بصير صحيح، يُطيق القتال). ويتعرف قدر حاجة أهل العطاء وكفايتهم، ويزيد ذا الولد من أجل ولده، وذا الفرس من أجل فرسه. وإن كان له عبيد في مصالح الحرب حسب مُؤْنتهم في كفايته. وإن كانوا لزينة أو تجارة لم يحسب مُؤْنتهم. وينظر في أسعار بلادهم؛ لأن الأسعار تختلف، والغرض الكفاية. ولهذا تعتبر الذرية.
(ويُخرج من المقاتلة بمرض لا يُرجى زواله؛ كزمانة، ونحوها)؛ كقطع
стр. 1919
يده، ويسقط سهمه بذلك. بخلاف المرض المرجو زواله؛ كالحمى والصداع ونحوهما؛ لأنه في حكم الصحيح؛ لأنه ليس له أن يستنيب في الحج مع وجود ذلك.
(وبيت المال ملك للمسلمين، يضمنه متلفه، ويحرُم أخذٌ منه بلا إذن إمام) لذلك الوقت؛ لأن تعيين مصارفه وترتيبها يرجع فيه إلى الإمام. فافتقر الأخذ منه إلى إذنه.
(ومن مات بعد حلول العطاء دفع لورثته حقه)؛لأنه مات؛ بعد الاستحقاق. فانتقل حقه إلى وارثه (١) ؛ كسائر حقوقه.
(ولامرأة جندي يموت، ولصغار أولاده كفايتهم) إلى أن يبلغوا؛ لما في ذلك من تطييب قلوب المجاهدين؛ لأنهم إذا علموا أن عيالهم يُكفون المؤْنة بعد موتهم توفروا للجهاد. وإذا علموا أن عيالهم خلاف ذلك توفروا على الكسب وآثروه؛ مخافة الضيعة على عيالهم.
(فإذا بلغ ذكرهم) أي: ذكر أولاد الجندي وكان (أهلاً للقتال: فرض له إن طلب) ذلك؛ لأن البالغ لا يجبر على خلاف مراده إلا على الواجب (٢) عليه.
ولا شك أن دخوله في ديوان المقاتلة ليس بواجب عليه.
(وإلا) أي: وإن لم يطلب ذلك (تُرك كالمرأة والبنات) أي: بنات الجندي (إذا تزوجن).
والله أعلم.
***
стр. 1920
] باب: الأمان [
(باب) يذكر فيه (الأمان). وهو: (ضد الخوف).
والأصل في مشروعيته قوله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
(ويحرُم به) أي: بالأمان (قتل ورِق وأسر)، والتعرض لما معه من مال.
(وشُرط) لصحة الأمان: (كونه من مسلم).فلا يصح من كافر ولو كان ذمياً أو مستأمنا.
(عاقل) فلا يصح من مجنون.
(مختار) فلا يصح من مكره عليه.
(غير سكران)؛ لأن السكران لا يعرف المصلحة. أشبه النائم والمغمى عليه.
لا الحرية ولا الذكوزية ولا البلوغ.
فيصح الأمان من المسلم العاقل المختار غير السكران. (ولو كان قناً أوأنثى أو مميزاً). على الأصح في المميز، (أو أسيراً).نص عليه؛ لما روى علي عن النبي ﷺ أنه قال:" ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم. فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا (١) عدل".رواه البخاري.
وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف في صحة أمان العبد، إلا أن يكون مأذوناً له في القتال؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد.
стр. 1921
وجوابهما: أنه إما أن يكون أدنى المسلمين فيصح أمانه بالحديث، أو يكون غيره أدنى منه فيصح أمانه بطريق التنبيه.
ولذلك يصح أمان الأجير والتاجر في دار الحرب؛ لدخول جميع من ذكرنا في عموم الخبر.
حتى (ولو) كان الأمان (لأسير)؛ لما روي عن أم هانئ "أنها قالت: يا رسول الله! إني أجرت أحمائي وأغلقت عليهم بابي، وإن ابن أمي أراد قتلهم. فقال لها رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ. إنما يجير على المسلمين أدناهم " (١) . رواه سعيد.
(و) شرط أيضاً لصحة الأمان (عدم ضرر) على المسلمين بتأمين الكفار، (وأن لا يزيد) زمن الأمان (على عشر سنين).
قال في " الفروع " عن " الترغيب ": ويشترط للأمان عدم الضرر علينا، وأن لا تزيد مدته على عشر سنين واقتصرعليه. وقاله في"الانتصار" (٢) أيضاً عن"المستوعب". ثم قال: وقوله: وأن لا تزيد مدته عن عشر سنين، جزم به في "الرعايتين"و "الحاويين"و"تذكرة ابن عبدوس". انتهى.
(ويصح) الأمان (منجَّزاً) كقوله: أنت آمن، (ومعلقاً) بشرط كقوله:
من فعل كذا فهو آمن؛ لقوله ﷺ يوم فتح مكة:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (٣) ".
ويصح الأمان (من إمام لجميع المشركين) وآحادهم؛ لأن ولايته عامة على جميع المسلمين.
(و) يصح (من أمير لأهل بلدة جُعل) الأمير (بإزائهم).فأما في حق غيرهم فهو كآحاد المسلمين؛ لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم.
стр. 1922
(و) يصح (من كل أحد) يصح أمانه (لقافلة وحصن صغيرين عُرفاً)،كمائة فأقل؛ لما روى فضيل بن يزيد الرقاشي قال:"جهز عمر بن الخطاب جيشاً فكنت فيه. فحصرنا موضعاً فرأينا أنا سنفتحها اليوم، وجعلنا نُقبل ونروح، وبقي عبد منا. فراطنهم وراطنوه. فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا. فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب. فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم " (١) . رواه سعيد.
ولا يصح الأمان من آحاد الرعية لأهل بلدة أو رستاق أو جميع كبير؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل (٢) الجهاد والافتيات على الإمام.
ويحصل الأمان ويصح (بقول كـ: سلام) ممن يصح أمانه على حربي.
(و) كقوله: (أنت أو بعضك) آمن، (أو يدك) آمنة، (ونحوها) من الأعضاء؛ كرأسك (آمن.
وكـ) قوله: (لا بأس عليك، وَأَجَرْتُكَ، وِقفْ، وَأَلْق سلاحك، وقُم، ولا تَذْهَل، ومَتَرْس) ومعناه: لا تخف وهو بفتح الميم وسكون الراء وآخره سين مهملة.
وكذا قوله: لا تخف أو لا تخش ونحو ذلك؛ لما روي] عن عمر [ (٣) أنه قال:" إذا قلتم: لا بأس، أو لا تذهل أو مَتَرْس: فقد آمنتموهم. فإن الله تعالى يعلم الألسنة " (٤) .
стр. 1923
والذي ورد به الشرع من ذلك لفظتان: أجرتك وأمنتك.
قال الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦]. وقال النبي ﷺ : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " (١) .
وفي معنى ذلك جميع ما ذكر.
(وكشرائه) يعني: أنه يحصل الأمان للحربي إذا شراه مسلم يصح أمانه.
قال الإمام أحمد: إذا اشتراه ليقتله فلا يقتله؛ لأنه] إذا [ (٢) اشتراه فقد أمنه.
(و) يصح الأمان أيضاً (بإشارة تدل) عليه؛ (كإمرار يده) كلها (أو بعضها عليه، وبإشارة بسبابته إلى السماء)؛ لقول عمر: " لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك. فنزل إليه فقتله. لقتلته " (٣) . رواه سعيد.
وقال أحمد: إذا أشير إليه بشيء غير الأمان فظنه أمانا فهو أمان. وكل شيء يرى العلج أنه أمان فهو أمان.
فإن قلت: كيف صح الأمان بالإشارة مع القدرة على النطق بخلاف البيع والطلاق ونحوهما؟
قلنا: تغليباً لحقن الدماء، كما حقن دم من له شبهة كتاب تغليباً لحقن دمه.
مع أن الحاجة داعية إلى الإشاره؛ لأن الغالب منهم عدم فهم الكلام العربي. (ويسري) الأمان (إلى من معه) أي: مع المستأمن (من أهل ومال. إلا أن يخصص) بالأمان بأن يقول له: أنت آمن دون أهلك ومالك. فلا يسري إليهما.
стр. 1924
(ويجب رد معتقد) شيئاً (غير الأمان أماناً إلى مأمنه) أي: مأمن المعتقِد وجوباً؛ لما تقدم من أن كل شيء يرى العلج أنه أمان فهو أمان.
ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يُرد إلى مأمنه؛ لقول الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة.
(ويُقبل من عدل: إني أَّمنتُه) في الأصح؛ كإخبار اثنين أنهما أمناه؛ كالمرضعة على فعلها.
(وإن ادَّعاه) أي: ادعى الأمان (أسير) وأنكره من جاء به: (فقول منكر) على الأصح؛ لأن الأصل إباحة دم الحربي وعدم الأمان.
(ومن أسلم أو أُعطي أماناً ليفتح حصناً ففتحه، واشتبه) علينا فيهم: (حُرم قتلهم). نص عليه. (ورقهم)؛لأن كل واحد منهم إذا ادعى أنه الذي أمناه. فإنه يحتمل صدقه، وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لا ضرورة إليه. فحرم الكل؛ كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة، أو أخته بأجنبيات، أو زانٍ محصن بمعصومين.
(ويتوجه مثلُه) أي: مثل من أعطى أماناً واشتبه: (لو نُسي) بضم النون، (أو اشتَبه من لزمه قود) بمن لم يلزمه فإنه يحرم قتله. وأصل التوجيه لصاحب"الفروع"ولم أر من خالفه.
(وإن اشتبه ما أُخذ من كافر) بحق (بما أخذ من مسلم) بغير حق (فينبغي الكف) أي: أن يكف عنهما. قاله أحمد.
(ولا جزية مدة أمان) على الأصح. نص عليه.
وقال أيضاً: وذلك إذا أمنه الإمام؛ لأنه لم يلتزمها.
стр. 1925
(ويُعقد) الأمان (لرسول ومستأمن)؛"لأن النبي ﷺ كان يؤمن رسل المشركين (١) ".
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك. فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا. فتفوت مصلحة المراسلة.
(ومن جاء بلا أمان، وادعى أنه رسول أو تاجر) ومعه ما يبيعه، (وصدَّقتْه عادة: قُبل) ما يدعيه من ذلك.
قال أحمد: إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم مركب (٢) فيه تجار مشركون من أرض العدو يريدون بلاد الإسلام لم يتعرضوا لهم ولم يقاتلوهم. وكل من دخل بلاد المسلمين من أرض الحرب بتجارة بويع ولا يسأل عن شيء.
(وإلا) أي: لم تصدقه عادة، (أو كان جاسوساً فكأسير) أي: فهو كالمأخوذ (٣) في حالة الحرب، يخير الإمام فيه.
(ومن جاءت به ريح) من الكفار، (أو ضل الطريق) منهم، (أو أَبَقَ) إلينا من رقيقهم، (أو شَرَدَ إلينا) من دوابهم: (فلآخذه) أي: فهو لمن أخذه على الأصح؛ لأنه أخذ بغير قتال في دار الإسلام. فكان لآخذه؛ كالصيد والحشيش.
(ويبطل أمانٌ بردٍ) من المستأمن؛ لأنه إذا رد الأمان انتقض.
(و) يبطل الأمان أيضاً (بـ) وجود (خيانة)؛لأن خيانتهم غدر، ولا يصلح في ديننا الغدر.
(وإن أودَع) مستأمن مسلماً، (أو أقرَض مستأمن مسلماً مالاً، أو تركه) ببلاد الإسلام (ثم عاد لدار حرب). فإن كان عوده لدار الحرب لحاجة أو رسولاً
стр. 1926
أو نحو ذلك فهو على أمانه في نفسه وماله، لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام. فأشبه الذمي إذا دخل لذلك.
وإن عاد إلى دار الحرب مستوطناً أو محارباً، (أو انتقض عهد ذمي):بطل الأمان في نفسه، و (بقي أمان ماله)،لأنه بدخول دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه. فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله؛ لاختصاص المبطل بنفسه. فيختص البطلان به. (ويُبعث) ماله إليه (إن طلبه)؛ لبقاء الأمان فيه.
وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما صح تصرفه؛ لأنه ملكه.
(وإن مات) في دار الحرب (فـ) يكون المال (لوارثه)؛لأن الأمان حمتى لازم متعلق بالمال. فإذا مات ربه انتقل إلى الوارث بحقه؛ كسائر الحقوق من الرهن والضمان والشفعة.
(فإن عُدم) بأن لم يترك وارثاً (ففيء) يعني: فيكون فيئاً لبيت المال؛ كمال الذمي إذا مات ولم يترك وارثاً.
(وإن استُرق) رب المال (وُقفَ) الأمر في ماله حتى يحلم آخر أمره. (فإن عَتَقَ أخذه) يعني: كان له أخذه.
(وإن مات) حال كونه (قناً ففيء) يعني: كان ماله فيئاً؛ لأن الرقيق لا يورث.
وإن دخل دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه؛ لأن ثبوت الأمان لماله (١) لا يثبت الأمان لنفسه، كما لو كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب.
(وإن أُسر مسلم) أي: أسره الكفار، (فأُطلِقَ بشرط أن يُقيم عندهم مدة) معينة، (أو) أن يقيم عندهم (أبداً) ورضي بإطلاقه على الشرط المذكور: لزمه الوفاء لهم بذلك، ولم يكن له أن يهرب. نص عليه، لقول النبي ﷺ :
стр. 1927
" المؤمنون عند شروطهم " (١) .
(أو) أطلقوه بشرط (أن يأتي) إلى بلاد الإسلام (ويرجع) إليهم، (أو) أن (يبعث) إليهم (مالاً، وإن عجز) عنه (عاد إليهم) ورضي: (لزم) عليه (الوفاء)؛ لقول الله : ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل:٩١].
ولما صالح النبي ﷺ أهل الحديبية على رد من جاء مسلما وفى لهم وقال:"إنا لا يصلح في ديننا الغدر " (٢) .
ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى، وفي الغدر مفسدة في حقهم؛ لأنهم لا يؤمنون بعده. والحاجة داعية إليه. فيلزمه الوفاء؛ كما يلزم بعقد الهدنة.
ولأنه إذا عاهدهم على مال لزمه الوفاء به لهم (٣) ؛ كثمن المبيع.
وإن أكرهوه على ذلك ولو مع حلفه مكرهاً لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء، لقول النبي ﷺ :" عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٤) .
(إلا المرأة) الأسيرة إذا أطلقوها بشرط أن ترجع إليهم (فلا ترجع)،ولا يحل لها ذلك
"لقول الله : ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠].
ولأن في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً، وقد منع الله ورسوله (٥) رد النساء إلى الكفار بعد صلحه على ردهن في قصة الحديبية وفيها:
" فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن " (٦) . رواه أبو داود وغيره.
стр. 1928
(و) إن أطلق الكفار الأسير (بلا شرط، أو) شرطوا (كونه رقيقاً فإن أمَّنوه فله الهرب) منهم (فقط) ولو مع رضاه بالشرط؛ لأن كونه رقيقاً حكم شرعي لا يثبت عليه بقوله.
(وإلا) أي: وإن لم يؤمنوه (فـ) يهرب و (يقتل ويسرق أيضاً) يعني: أن له أن يفعل ذلك؛ لأنه لم يؤمنهم ولم يؤمنوه.
(ولو جاء عِلْجٌ) من الكفار (بأسير) من المسلمين (على أن يُفادى) المسلم (بنفسه. فلم يجد)، قال الإمام أحمد: (لم يُردَّ، ويفديه المسلمون إن لم يُفْدَ من بيت المال).
قال أحمد: والخيل أهون من السلاح، ولا يبعث السلاح.
(ولو جاءنا حربي بأمان، ومعه مسلمة لم تُردَّ معه) إلى دار الحرب، (ويُرضَّى) على تركها ببلاد الإسلام.
(و) إن كان معه رجل ولم يرض بتركه فإنه (يرد الرجل).
ولو سبيت كافرة وجاء ابنها يطلبها وقال: إن عندي أسيراً مسلماً فأطلقوها حتى أحضره. فقال الإمام: أحضره فأحضره لزم إطلاقها؛ لأن المفهوم من هذا إجابته إلى ما سأل. فإن قال الإمام: لم أرد إجابته لم يجبر على ترك أسيره ورُدَّ إلى مأمنه؛ لأن هذا يفهم منه الشرط. فوجب الوفاء به؛ كما لو صرح به.
ولأن الكافر فهم منه ذلك وبنى عليه. فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة.
والله أعلم.
***
стр. 1929
] باب: الهدنة [
هذا (باب) يذكر فيه جملة من أحكام الهدنة.
وهي لغة: الدَّعة والسكون.
ثم (الهدنة) شرعاً: (عقدُ إمام أو نائبه على ترك القتال) معِ الكفار (مدة معلومة، لازمة. وتسمى: مُهَاَدَنَة، ومُوادَعَة، ومعاهدة، ومسالمة).
والأصل في جوازها قوله : ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
وقوله (١) : ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].
وما روى مروان والمسور بن مخرمة:" أن النبي ﷺ صالح سهيل بن عمرو على وضع القتال عشر سنين " (٢) .
ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف. فتكون المصلحة في مهادنة الكفار إلى أن يقوى المسلمون.
(ومتى زال مَن عقدها) بأن مات الإمام العاقد للهدنة مع الكفار أو عزل:
(لزم) الإمام (الثاني الوفاء) بما فعله الأول؛ لأن الإمام عقده باجتهاد. لم يجز نقضه باجتهاد غيره؛ كما لا يجوز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاده.
(ولا تصح) الهدنة إلا من الإمام أو نائبه؛ لأنه عقد مع (٣) جملة الكفار وليس ذلك لغيره.
стр. 1930
ولأن تجويز عقدها لغير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية أو بتلك الناحية التي هادن أهلها، وفي ذلك افتيات على الإمام.
ولا يصح أيضاً (إلا حيث جاز تأخير الجهاد)، للطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، أو غير ذلك من المصالح.
(فمتى رآها) الإمام (مصلحة ولو بمال منا ضرورة) مثل: أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر، (مدة معلومة)؛ لأن مهادنتهم مطلقاً يفضي إلى تعطيل الجهاد بالكلية؛ لكونها تقتضي التأبيد. فلم يجز ذلك. وإنما جازت مع طول المدة على الأصح؛ لما يراه الإمام من المصلحة في ذلك: (جاز وإن طالت) المدة؛ لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال. كذا هذا.
ولأن بذل المال وإن كان صَغاراً فإنه يجوز تحمله لدفع صَغار أعظم منه وهو القتل أو الأسر وسبي الذرية الذين (١) يفضي سبيهم إلى كفرهم.
وقد روى عبد الرزاق في المغازي عن الزهري قال: " أرسل رسول الله ﷺ
إلى عيينة بن حصن وهو مع أبي سفيان يعني يوم الأحزاب: أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان أو تخذل بين الأحزاب؟ فأرسل إليه عيينة (٢) : إن جعلت الشطر فعلت " (٣) .
ولولا أن ذلك جائز لما بذله النبي ﷺ .
(فإر زاد) الإمام (على) مدة (الحاجة) إلى الهدنة (بطلت الزيادة) فقط في الأصح، بناء على تفريق الصفقة.
(وإن أطلقت) المدة (أو عُلِّقت) الهدنة أو المدة (بمشيئة لم تصح).
أما إطلاق المدة، فلإفضاء الهدنة إلى التأبيد.
وأما تعليقها أو تعليق الهدنة بالمشيئة؛ فلأن الهدنة عقد. يشترط فيه معرفة