أو نحو ذلك فهو على أمانه في نفسه وماله، لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام. فأشبه الذمي إذا دخل لذلك.
وإن عاد إلى دار الحرب مستوطناً أو محارباً، (أو انتقض عهد ذمي):بطل الأمان في نفسه، و (بقي أمان ماله)،لأنه بدخول دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه. فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله؛ لاختصاص المبطل بنفسه. فيختص البطلان به. (ويُبعث) ماله إليه (إن طلبه)؛ لبقاء الأمان فيه.
وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما صح تصرفه؛ لأنه ملكه.
(وإن مات) في دار الحرب (فـ) يكون المال (لوارثه)؛لأن الأمان حمتى لازم متعلق بالمال. فإذا مات ربه انتقل إلى الوارث بحقه؛ كسائر الحقوق من الرهن والضمان والشفعة.
(فإن عُدم) بأن لم يترك وارثاً (ففيء) يعني: فيكون فيئاً لبيت المال؛ كمال الذمي إذا مات ولم يترك وارثاً.
(وإن استُرق) رب المال (وُقفَ) الأمر في ماله حتى يحلم آخر أمره. (فإن عَتَقَ أخذه) يعني: كان له أخذه.
(وإن مات) حال كونه (قناً ففيء) يعني: كان ماله فيئاً؛ لأن الرقيق لا يورث.
وإن دخل دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه؛ لأن ثبوت الأمان لماله (١) لا يثبت الأمان لنفسه، كما لو كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب.
(وإن أُسر مسلم) أي: أسره الكفار، (فأُطلِقَ بشرط أن يُقيم عندهم مدة) معينة، (أو) أن يقيم عندهم (أبداً) ورضي بإطلاقه على الشرط المذكور: لزمه الوفاء لهم بذلك، ولم يكن له أن يهرب. نص عليه، لقول النبي ﷺ :
стр. 1927
" المؤمنون عند شروطهم " (١) .
(أو) أطلقوه بشرط (أن يأتي) إلى بلاد الإسلام (ويرجع) إليهم، (أو) أن (يبعث) إليهم (مالاً، وإن عجز) عنه (عاد إليهم) ورضي: (لزم) عليه (الوفاء)؛ لقول الله : ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل:٩١].
ولما صالح النبي ﷺ أهل الحديبية على رد من جاء مسلما وفى لهم وقال:"إنا لا يصلح في ديننا الغدر " (٢) .
ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى، وفي الغدر مفسدة في حقهم؛ لأنهم لا يؤمنون بعده. والحاجة داعية إليه. فيلزمه الوفاء؛ كما يلزم بعقد الهدنة.
ولأنه إذا عاهدهم على مال لزمه الوفاء به لهم (٣) ؛ كثمن المبيع.
وإن أكرهوه على ذلك ولو مع حلفه مكرهاً لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء، لقول النبي ﷺ :" عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٤) .
(إلا المرأة) الأسيرة إذا أطلقوها بشرط أن ترجع إليهم (فلا ترجع)،ولا يحل لها ذلك
"لقول الله : ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠].
ولأن في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً، وقد منع الله ورسوله (٥) رد النساء إلى الكفار بعد صلحه على ردهن في قصة الحديبية وفيها:
" فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن " (٦) . رواه أبو داود وغيره.
стр. 1928
(و) إن أطلق الكفار الأسير (بلا شرط، أو) شرطوا (كونه رقيقاً فإن أمَّنوه فله الهرب) منهم (فقط) ولو مع رضاه بالشرط؛ لأن كونه رقيقاً حكم شرعي لا يثبت عليه بقوله.
(وإلا) أي: وإن لم يؤمنوه (فـ) يهرب و (يقتل ويسرق أيضاً) يعني: أن له أن يفعل ذلك؛ لأنه لم يؤمنهم ولم يؤمنوه.
(ولو جاء عِلْجٌ) من الكفار (بأسير) من المسلمين (على أن يُفادى) المسلم (بنفسه. فلم يجد)، قال الإمام أحمد: (لم يُردَّ، ويفديه المسلمون إن لم يُفْدَ من بيت المال).
قال أحمد: والخيل أهون من السلاح، ولا يبعث السلاح.
(ولو جاءنا حربي بأمان، ومعه مسلمة لم تُردَّ معه) إلى دار الحرب، (ويُرضَّى) على تركها ببلاد الإسلام.
(و) إن كان معه رجل ولم يرض بتركه فإنه (يرد الرجل).
ولو سبيت كافرة وجاء ابنها يطلبها وقال: إن عندي أسيراً مسلماً فأطلقوها حتى أحضره. فقال الإمام: أحضره فأحضره لزم إطلاقها؛ لأن المفهوم من هذا إجابته إلى ما سأل. فإن قال الإمام: لم أرد إجابته لم يجبر على ترك أسيره ورُدَّ إلى مأمنه؛ لأن هذا يفهم منه الشرط. فوجب الوفاء به؛ كما لو صرح به.
ولأن الكافر فهم منه ذلك وبنى عليه. فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة.
والله أعلم.
***
стр. 1929
] باب: الهدنة [
هذا (باب) يذكر فيه جملة من أحكام الهدنة.
وهي لغة: الدَّعة والسكون.
ثم (الهدنة) شرعاً: (عقدُ إمام أو نائبه على ترك القتال) معِ الكفار (مدة معلومة، لازمة. وتسمى: مُهَاَدَنَة، ومُوادَعَة، ومعاهدة، ومسالمة).
والأصل في جوازها قوله : ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
وقوله (١) : ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].
وما روى مروان والمسور بن مخرمة:" أن النبي ﷺ صالح سهيل بن عمرو على وضع القتال عشر سنين " (٢) .
ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف. فتكون المصلحة في مهادنة الكفار إلى أن يقوى المسلمون.
(ومتى زال مَن عقدها) بأن مات الإمام العاقد للهدنة مع الكفار أو عزل:
(لزم) الإمام (الثاني الوفاء) بما فعله الأول؛ لأن الإمام عقده باجتهاد. لم يجز نقضه باجتهاد غيره؛ كما لا يجوز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاده.
(ولا تصح) الهدنة إلا من الإمام أو نائبه؛ لأنه عقد مع (٣) جملة الكفار وليس ذلك لغيره.
стр. 1930
ولأن تجويز عقدها لغير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية أو بتلك الناحية التي هادن أهلها، وفي ذلك افتيات على الإمام.
ولا يصح أيضاً (إلا حيث جاز تأخير الجهاد)، للطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، أو غير ذلك من المصالح.
(فمتى رآها) الإمام (مصلحة ولو بمال منا ضرورة) مثل: أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر، (مدة معلومة)؛ لأن مهادنتهم مطلقاً يفضي إلى تعطيل الجهاد بالكلية؛ لكونها تقتضي التأبيد. فلم يجز ذلك. وإنما جازت مع طول المدة على الأصح؛ لما يراه الإمام من المصلحة في ذلك: (جاز وإن طالت) المدة؛ لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال. كذا هذا.
ولأن بذل المال وإن كان صَغاراً فإنه يجوز تحمله لدفع صَغار أعظم منه وهو القتل أو الأسر وسبي الذرية الذين (١) يفضي سبيهم إلى كفرهم.
وقد روى عبد الرزاق في المغازي عن الزهري قال: " أرسل رسول الله ﷺ
إلى عيينة بن حصن وهو مع أبي سفيان يعني يوم الأحزاب: أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان أو تخذل بين الأحزاب؟ فأرسل إليه عيينة (٢) : إن جعلت الشطر فعلت " (٣) .
ولولا أن ذلك جائز لما بذله النبي ﷺ .
(فإر زاد) الإمام (على) مدة (الحاجة) إلى الهدنة (بطلت الزيادة) فقط في الأصح، بناء على تفريق الصفقة.
(وإن أطلقت) المدة (أو عُلِّقت) الهدنة أو المدة (بمشيئة لم تصح).
أما إطلاق المدة، فلإفضاء الهدنة إلى التأبيد.
وأما تعليقها أو تعليق الهدنة بالمشيئة؛ فلأن الهدنة عقد. يشترط فيه معرفة
стр. 1931
المعقود عليه، وانبرامه؛ كعقد الإجارة. فلو قال: هادنتكم ما شئتم أو شئنا أو شاء فلان لم تصح؛ لأن ذلك ينافي مقتضى العقد. فلم يصح؛ كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح.
(ومتى جاءوا) أي: الكفار (في) هدنة (فاسدة) بأن يتولى عقدها غير الإمام أو نحو ذلك، (معتقدين الأمان: رُدُّوا آمنين) إلى مأمنهم. ولا يقرون في دار الإسلام؛ لأن الأمان لم يصح.
(وإن شَرط فيها) أي: في الهدنة (أو) شرط (في عقد ذمة شرطاً فاسداً؛ كرد امرأة) إلى الكفار، (أو) رد (صداقها، أو) رد (صبي، أو) رد (سلاح، أو) شرط (إدخالهم) أي: إدخال الكفا ر (الحرم: بطل) الشرط. أما كونه لا يجوز رد النساء المسلمات؛ فلقوله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وقال النبي ﷺ : " إن الله منع الصلح في النساء ".
وذلك لأن المرأة تفارق الرجل من وجوه:
أحدها: أنه لا يؤمن أن تزوج بكافر يستحلها أو يكرهها من ينالها. وإلى ذلك أشار الله بقوله: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠].
الثانى: أنها ربما فتنت عن دينها؛ لأنها أضعف قلباً، وأقل معرفة من الرجل.
الثالث: أن المرأة لا يمكنها الهرب عادة. بخلاف الرجل.
وأما كونه لا يجوز رد الصبيان العقلاء إذا جاؤوا مسلمين؛ فلأنهم بمنزلة المرأة في ضعف العقل والمعرفة والعجز عن التخلص والهرب.
أما الطفل الذي لا يصح إسلامه فيجوز شرط رده؛ أنه ليس بمسلم شرعاً.
وأما كونه لا يصح شرط إدخالهم الحرم؛ فلقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨].
стр. 1932
وإذا بطل الشرط فإنه يبطل (دون عقد) في الأصح، بناء على الشروط الفاسدة في البيع.
(وجاز) في عقد الهدنة (شرطُ ردِّ رجل جاء) منهم (مسلماً للحاجة)؛"لأن النبي ﷺ شرط ذلك في صلح الحديبية، ووفى لهم به. فرد أبا جندل وأبا بصير " (١) .
(و) جاز للإمام (أمرُه) أي: أن يأمر من جاءه مسلماً (سراً بقتالهم والفرار) منهم. (ولا يمنعهم أخذَه، ولا يُجبره عليه). فإن أبا بصير لما جاء إلى النبي ﷺ وجاء الكفار في طلبه قال له النبي ﷺ :" إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدناهم عليه، ولعل الله أن يجعل لك فرجاً ومخرجاً.
فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه، ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال له (٢) :
يا رسول الله! قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم وأنجانى الله منهم. فلم ينكر عليه النبى ﷺ ولم يلمه، بل قال: ويل أمه مُسَعِّر حرب لو كان معه رجال. فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر، وانحاز إليه أبو جندل بن سهيل من معه من المستضعفين بمكة. فجعلوا لا تمر عليهم عير لقريش إلا عرضوا لها وأخذوها وقتلوا من معها. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم أن يضمهم إليه ولا يرد إليهم أحدأ جاءه ففعل " (٣) .
فيجوز إذا لمن أسلم من الكفار المهادنين أن يتحيزوا بناحية وأن يقتلوا من قدروا عليه من الكفار، ويأخذون أموالهم، ولا يدخلون في الصلح. فإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار دخلوا في الصلح وحرم عليهم قتال الكفار وأخذ أموالهم.
(ولو هرب منهم قن فأسلم لم يُردَّ) إليهم (وهو حر)؛لأنه ملك نفسه بإسلامه، y
стр. 1933
وإذا عقد الإمام الهدنة من غير شرط فجاءنا منهم إنسان مسلماً أو بأمان لم يجب رده إليهم ولم يجز ذلك. سواء كان حراً أو عبداً، رجلاً أو امرأة. ولا يجب رد مهر المرأة (١) .
(ويؤخذون) يعني: الكفار والمهاجرين زمن الهدنة (بجنايتهم على مسلم: من مال، وقود، وحد)؛ كقذف وسرقة في الأصح.
قال في"الإنصاف": وإن قتل مسلماً لزمه القود، وإن قذفه حُد، وإن سرق ماله قطع، على الصحيح. انتهى.
ووجه ذلك: أن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم، وأمانهم من المسلمين في النفس والمال والعرض. فلزمهم ما يجب في ذلك. ولا يُحدون لحق الله ؛ لأنهم ليسوا بملتزمين أحكامنا.
(ويجوز قتل رهائنهم: إن قتلوا رهائننا) على الأصح.
(وعلى الإمام حمايتهم) من المسلمين ومن أهل الذمة؛ لأنه أمّنهم ممن هو في قبضته وتحت يده، كما أمّن من في قبضته وتحت يده منهم. فمن أتلف من المسلمين أو أهل الذمة على أهل الهدنة شيئاً فعليه ضمانه.
(إلا من أهل الحرب) فلا يلزم الإمام حمايتهم عنهم؛ لأن الهدنة التزام كف الإمام ومن في قبضته فقط عنهم.
(وإن سباهم كافر ولو) كان الكافر (منهم لم يصح لنا شراؤهم)؛ لأنهم في عهدنا. وليس علينا استنقاذهم؛ لأن السابي لهم ليس في قبضتنا.
(وإن سبى بعضُهم ولد بعض، وباعه أو ولد نفسه أو أهليه صح) في الأصح؛ (كحربي) باع ولده أو أهله. (لا ذمي).
قال في "الإنصاف":الصحيح من"المذهب":شراء أولاد الكفار المهادنين منهم وأهليهم؛ كحربي باع أهله وأولاده. جزم به ابن عبدوس في "تذكرته"، وقدمه في"الفروع"، وصححه في " النظم ".
стр. 1934
وعنه: يحرم شراؤهم، كذمي باعهم. انتهى.
(وإن خيف) من المهادنين (نقضُ عهدهم) أي: ما بيننا وبينهم من العهد (نُبذَ) بضم النون (إليهم) أي: نبذ الإمام إليهم العهد الذي بينه وبينهم. بأن يعلمهم بأنه لم ييق بينه وبينهم عهد، لقول الله : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ [الأنفال: ٥٨]. أي: أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم.
ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى تكون عن إمارة تدل عليه. ولا يفعل ذلك إلا الإمام؛ لأن نقضها لخوف الخيانة يحتاج إلى نظر واجتهاد. فافتقر إلى الحاكم.
ومتى نقضها وفي دارنا منهم أحد وجب رده إلى مأمنه؛ لأنه فى خل بأمان. فوجب رده إلى مأمنه؛ كما لو أفرده بالأمان.
وإن كان عليهم حق استوفي منهم.
ولا يجوز أن يبدأهم بقتال ولا غارة قبل إعلامهم بنقض العهد؛ للآية.
(بخلاف) عقد (ذمة). فإنه ليس له نبذه إذا خاف من أهل الذمة الخيانة. والفرق: أن عقد الذمة آكد من عقد الهدنة؛ لأنه يجب على الإمام إجابتهم إليه، وهو نوع معاوضة وعقده مؤبد. بخلاف الهدنة والأمان. ولهذا لو نقضه بعضهم لم ينتقض عهد الباقين. بخلاف الهدنة (١) .
ولأن أهل الذمة في قبضة الإمام وتحت ولايته ولا يخشى منهم ضرر كثير. بخلاف أهل الهدنة. فإنه يخشى منهم الغارة والضرر الكثير (٢) .
(ويجب إعلامهم) أي: إعلام أهل الهدنة بنبذ العهد الذي بيننا وبينهم
(قبل الإغارة) عليهم، للآية.
стр. 1935
(ويَنْتَقِضُ عهد نساء وذرية) أي: نساء أهل الهدنة وذريتهم (تبعاً) لرجالهم؛"لأن النبي ﷺ قتل رجال بني قريظة حين نقضوا عهدهم (١) ، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم " (٢) .
ولما هادن قريشاً فنقضوا عهده حل له منهم ما كان حرم عليه منهم.
ولأن الهدنة عقد مؤقت ينتهى بانقضاء مدته. فيزول بنقضه وفسخه؛ كعقد الإجارة. بخلاف عقد الذمة.
(وإن نقضها) أي: نقض الهدنة (بعضهم) أي: بعض المهادنين، (فأنكر الباقون) على الناقضين وكان إنكارهم (بقول أو فعل ظاهراً، أو كاتبونا) أي: كاتبنا الذين لم ينقضوا بنقض الناقضين: (أُقِرُّوا) أي: أقر من لم ينقض (بتسليم من نَقَض) إن قدر على ذلك، (أو تمييزه) أي: تمييز من نقض (عنهم) أي: عمن لم ينقض.
(فإن أبَوْهما) أي: أبوا التسليم والتمييز حال كونهم (قادرين) على واحد منهما: (انتقض عهدُ الكل) بذلك.
***
стр. 1936
] باب: عقد الذمة [
هذا (باب عقد الذمة).
والذمة لغة: العهد والضمان والأمان؛ لقوله ﷺ : " يسعى بذمتهم أدناهم " (١) . وهي فِعلة من أذمَّه يذمه: إذا جعل له عهداً.
ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الله.
والأصل في ذلك قوله : ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وما روى المغيرة بن شعبة: "أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية " (٢) . رواه البخاري.
وعن بريدة قال:" كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحداً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه ومن معه (٣) من المسلمين خيراً. وقال له: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث:
ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " (٤) .رواه مسلم.
стр. 1937
(ويجب) عقد الذمة (إذا اجتمعت شروطُه). وستأتي في الباب.
ومحل وجوبه: (ما لم تُخَفْ غائلتهم) أي: ما لم يخف منهم الغدر بتمكينهم من الإقامة بعقد الذمة في بلاد الإسلام.
(ولا يصح) عقد الذمة (إلا من إمام أو نائبه) أي: نائب الإمام؛ لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة.
ولأنه عقد مؤبد. فلا يجوز أن يفتات به على الإمام.
(وصفتُه) أي: وصفة عقد الذمة أن يقول الإمام ونائبه: (أقررتكم بجزية واستسلام. أو يبذلون ذلك) من أنفسهم (فيقول: أقررتكم عليه، أو نحوهما) أي: نحو هاتين الصفتين؛ كقوله: عاهدتكم (١) على أن تقيموا بدارنا بجزية.
ولا يعتبر في العقد ذكر قدر الجزية في الأصح.
(والجزية: مال يؤخذ منهم) أي: من الكفار (على وجه الصَّغار) بفتح الصاد المهملة أي: على وجه الذلة والامتهان، (كل عام) أي: عن كل عام، (بدلاً عن قتلهم و) عن (٢) (إقامتهم بدارنا) فإنهم لو لم يبذلوها لم يكف عنهم.
(ولا تُعقَد) أي: ولا يصح عقد الذمة (إلا لأهل الكتاب) أعني: (اليهود والنصارى) على اختلاف طوائفهم. والمراد بكتاب اليهود: التوراة، وبكتاب النصارى: الإنجيل.
(و) كذا (من يَدين بالتوراة؛ كالسامِرَة) فإنهم يدينون بشريعة موسى. وإنما يخالفون اليهود في فروع من دينهم.
(او) يدين بـ (الإنجيل؛ كالفِرِنْج والصابئين) والروم والأرمن. وكذا كل من انتسب إلى دين عيسى والعمل بشريعته. فإنه من أهل الإنجيل.
стр. 1938
ونقل عن الإمام أحمد في الصابئين رواية: بلغني أنهم يُسبتون. فإذا سبتوا فهم من اليهود.
ونقل عنه حنبل: من ذهب (١) مذهب عمر فإنه قال: هم يسبتون، جعلهم بمنزلة اليهود. انتهى.
(أو من له شُبهة كتاب) يعني: أنه يصح عقد الذمة أيضاً لمن له شبهة كتاب؛ (كالمجوس) فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع. فصار لهم بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم، وأخذ الجزية منهم، ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم. هذا قول أكثر أهل العلم.
ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب وتحل ذبائحهم ونساوهم؛ لما روي عن علي أنه قال: " أنا أعلم الناس بالمجوس. كان لهم علم يعلَمونه وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على بنته أو أخته. فاطلع علية بعض أهل مملكته. فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم. ودعا أهل مملكته وقال: تعلمون ديناً خيراً من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته فأنا على دين آدم.
قال: فبايعه قوم، وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلوهم. فأصبحوا وقد أسري بكتابهم، ورفع العلم الذي في صدورهم. فهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وأراه قال وعمر منهم الجزية " (٢) . رواه الشافعي وسعيد وغيرهما.
ولأن النبي ﷺ قال: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (٣) .
] ولنا على أنهم ليسوا من أهل الكتاب قوله ] ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦ [والمجوس من غير الطائفتين.
وقول النبي ﷺ : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " [ (٤) : يدل على أنهم غيرهم.
стр. 1939
وروى البخاري بإسناده عن بجالة أنه قال: "ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى حدَّثه عبدالرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر" (١) .
ولو كانوا أهل كتاب لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم. مع أمر الله بأخذ الجزية] من أهل الكتاب.
وما روي عن علي فقال أبو عبيد: لا أحسبه محفوظاً.
إذا تقرر هذا فإن أخذ الجزية [ (٢) من أهل الكتابين والمجوس إذا لم يكونوا من العرب ثابت بالإجماع.
(وإذا اختار كافر لا تعقد له) الجزية (ديناً من هؤلاء) الثلاثة، (أُقِرَّ وعقدت له) الذمة على أخذ الجزية.
(ونصارى العرب ويهودُهم ومَجُوسُهم من بئي تغلب وغيرهم)، كمن تنصر من تنوخ وبهزا، أو تهود من كنانة وحمير، أو تمجس من بني تميم: (لاجزية عليهم ولو بذلوها).
قال في " الإنصاف " عند قوله في " المقنع ": ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب: ظاهر كلام المصنف: أنها لا تؤخذ منهم ولو بذلوها، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وقطعوا به.
وفي " المغني " ومن تابعه احتمال: تقبل إذا بذلوها.
والأصل في ذلك ما روي " أن عمر دعاهم إلى بذل الجزية فأبوا وأنِفوا وقالوا: نحن عرب. خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقه. فلحق بعضهم بالروم. فقال النعمان بن زرعة:
يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة وهم عرب يأنفون من الجزية. فلا تُعِن
стр. 1940
عليك عدوك بهم، خذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم فردهم وضَّعف عليهم من الإبل في كل خمس شاتان، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعان، ومن كل عشرين دينار (١) ديناراً، ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم، وفيما سقت السماء الخممس، وفيما سقي بنضح أو دولاب أو عزب العشر " (٢) .
فاستقر ذلك من قول عمر ولم يخالفه أحد من الصحابة فصار إجماعاً. فلا يكون لإمام بعد عمر نقض عهدهم أو تجديد الجزية عليهم.
قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب؛ لأن عقد الذمة مؤبد.
وقد عقده (٣) عمر"معهم هكذا. وعليه أكثر الأصحاب. واختار ابن عقيل جواز ذلك؛ لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة. انتهى.
(ويؤخذ عوضها) أي: عوض الجزية (زكاتان من أموالهم) يعني: مثلي ما يؤخذ من المسلمين (مما) تجب (فيه زكاة) على ما ذُكر من فعل عمر. (حتى) أننا نأخذها (ممن لا تلزمه جزية).فنأخذها من أموال نسائهم وصغارهم ومجانينهم. (ومصرفُها) أي: مصرف هذه الزكاة المضعفة (كجزية) أي: مصرف الجزية على الأصح؛ لقول أحمد في رواية محمد بن موسى: تضاعف عليهم الجزية.
وعنه: أن مصرفها الزكاة؛ لقول أحمد في رواية ابن القاسم: إنما هي الزكاة، الصغير والكبير سواء.
(ولا جزية على صبي وامرأة)؛لأن الجزية بدل من القتل. وقتل الصبي والمرأة ممتنع.
ولأنهما ليسا من أهل القتال؛] لقوله [ (٤) : [قَاتِلُوا [التوبة: ٢٩ [والمقاتلة إنما تكون بين اثنين.
стр. 1941
و"كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان " (١) . رواه سعيد.
(ولو بذلتها) أي: بذلت المرأة الجزية (لدخول دارنا) فلا نأخذها.
(وتمكن) من دخول دارنا (مجاناً) أي: من غير شيء.
وإن كانت أعطت شيئاً رُدّ عليها؛ لأن من أدى مالاً يظن أنه عليه. فتبين أن لا شيء عليه وجب رده على من أداه؛ لتبين فساد القبض.
وإن بذلتها امرأة من غير سبب أُخبرت أنه لا جزية عليها. فإن قالت: أنا أتبرع بها قبلت منها ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض. فإن شرطت ذلك على نفسها تم رجعت فلها ذلك.
(و) لا جزية على (مجنون، و) لا (قِنّ، و) لا (زَمِن، و) لا (أعمى، و) لا (شيخ فان، و) لا (راهب بصومعة)؛ لأنهم لا يقتلون. فلا تجب عليهم الجزية؛ كالنساء والصبيان.
(ويؤخذ) من الراهب مما بيده من مال (ما زاد على بُلغته) بضم الباء الموحده. فلا يبقى بيده إلا بلغته فقط. قاله الشيخ تقي الدين.
قال: ويؤخذ منهم ما لنا؛ كالرزق الذي للذيورة والمزارع إجماعاً.
قال: ويجب ذلك.
قال: ومن في تجارة أو زراعة وهو مخالط لهم أو معاونهم على دينهم؛ كمن يدعو إليه من راهب وغيره تلزمه إجماعاً وحكمه حكمهم بلا نزاع. انتهى.
وقوله: بصومعه: يقتضي أنه لو لم يكن مقيماً بصومعته بل يتردد بين الناس ويخالطهم كأحدهم ويبيع ويشتري ويتكسب: أنه تؤخذ منه الجزية. وبذلك أفتى القاضي محب الدين بن نصر الله في رهبان بالقدس بهذه الصفة.
стр. 1942
] (و) لا جزية على (حنثى)؛لأن الأصل براءة ذمته منها. (فإن بان) الخنثى (رجلاً أخذ) منه (للمستقبل) من الزمان (فقط) أي: دون قسط الزمن الماضي.
قال في "الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وقطع به من ذكره منهم.
وقا ل في "الفروع": ويتوجه وللما ضي. انتهى [ (١) .
(ولا) جزية (على دقير غير مُعتَمِل يعجز عنها)؛ " لأن عمر جعل الجزية على ثلات طبقات جعل أدناها على الفقير المعتمل". فدل على أن (٢) غير المعتمل لا شيء عليه.
ولأن الله قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ولأن الجزية مال يجب بحلول الحول. فلم يلزم الفقير العاجز؛ كالزكاة.
(والغني منهم) أي: ممن تجب عليه الجزية: (مَن عدَّه الناس غنياً).وليس ذلك بمقد؛ لأن التقديرات بابها التوقيف ولا توقيف في هذا. فيرجع فيه إلى العادة والعرف.
(وتجب على معتَق ولو لمسلم) على الأصح؛ لأنه حر مكلف موسر من أهل القتل. فلم يقر في دارنا بغير جزية؛ كالحر الأصلي.
إذا ثبت هذا فإن حكمه فيما يستقبل من زمن حريته، حكم من بلغ من صبيانهم أو أفاق من مجانينهم.
(و) تجب الجزية على (مبَّعض بحسابه) أي: بقدر ما فيه من الحرية؛ لأنه حكم يتجزأ، يختلف بالرق والحرية. فينقسم على قدر ما فيه؛ كالإرث.
(ومن صار أهلاً) لأن تؤخذ منه الجزية، بأن بلغ الصبي، أو أفاق الجنون، أو استغنى الفقير أو عتق العبد (بأثناء حول: أُخد منه) عند تمام الحول (بقسطه) ولم يترك حتى يتم حوله؛ لئلا يحتاج إلى إفراده بحول، وربما
стр. 1943
أفضى ذلك إلى أن يصير لكل واحد حول مفرد.
ويكون الأخذ منه (بالعقد الأول) في الأصح؛ لأنه لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه تجديد عقد لهؤلاء.
ولأن العقد يكون مع ساداتهم. فيدخل فيه سائرهم.
ولأن الصغار والمجانين دخلوا في العقد. فلم يحتج إلى تجديده لهم عند تغير (١) أحوالهم.
(ويلفَّق من إفاقة مجنون حول، ثم يؤخذ) منه لذلك الحول الملفق في الأصح؛ لأن أخذها قبل ذلك أخذ للجزية قبل كمال حولها، وليس ذلك بجائز (٢) .
(ومتى بذلوا ما) وجب (عليهم) من الجزية: (لزم قبوله) منهم.
(و) لزم (دفع من قصدهم بأذى: إن لم يكونوا بدار حرب. وحرُم قتلُهم وأخذُ مالهم) حتى ولو كانوا منفردين ببلد.
قال في"الترغيب":والمنفردون ببلد غير متصل ببلدنا يجب ذب أهل الحرب عنهم على الأشبه، ولو شرطنا أن لا نذب عنهمو لم يصح. انتهى، واقتصر عليه في "الفروع ".
(ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه) الجزية. نص عليه. وأنه يدخل في قوله:"من أسلم على شيء فهو له"؛ لأنها عقوبة لا أجرة عن السكنى.
وفي "الفنون":أنها عقوبة، وأن بقاء النفس مع الذل ليس بقيمة عند العقلاء. ومن عدَّ الحياة مع الذل نعمة فقد أخطأ طريق الإصابة.
وفي " الفنون " أيضاً عن القول بأنها عوض عن كف الأذى: لا بأس به.
وفي " الإيضاح": لا تسقط بإسلام.
ويدل للمذهب قوله : ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ
стр. 1944
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " ليس على المسلم جزية " (١) .
رواه الخلال.
وقد ذكر ان أحمد سُئل عنه قال: ليس يرويه غير جرير.
قال: وقد روي عن عمر أنه قال: " إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها عليه ".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج يعني:
الجزية ".
وروي " أن ذمياً أسلم فطولب بالجزية وقيل: إنما أسلم تعوذاً. قال إن في الإسلام معاذاً. فرفع إلى عمر فقال: إن في الإسلام معاذاً، وكتب: أن لا تؤخذ منه الجزية" (٢) . رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى.
ولأن الجزية صَغار. فلا تؤخذ من مسلم؛ كما لو أسلم قبل الحول.
(لا إن مات) من وجبت عليه الجزية (أو جُنَّ، ونحوه)؛ كما لو عمى وقد حال الحول قبل ذلك. فإنها لا تسقط بشيء من ذلك؛ لأن الجزية دَين وجب (٣)
عليه قبل موته أو جنونه أوعماه. فلم يسقط بشيء من ذلك؛ كديون الآدميين.
وفارق ذلك الإسلام فإنه الأصل. والجزية بدل عنه. فإذا أتى بالأصل استغنى عن البدل؛ كمن وجد الماء لا يحتاج معه إلى التيمم.
وفارق سقوط الحد بالموت؛ لتعذر استيفائه بفوات محله.
إذا تقرر هذا (فتؤخذ) الجزية (من تركة ميت، ومال حي.
و) أما إذا طرأ المانع (في أثنائه) أي: أثناء الحول. فإن الجزية لذلك الحول (تسقط)؛ لأن الجزية لا تجب ولا تؤخذ قبل كمال حولها.
стр. 1945
(وتؤخذ) الجزية (عند انقضاء كل سنة)؛ لأنها مال يتكرر وجوبه بتكرر السنين. فلم يؤخذ قبل مضي سنة؛ كالزكاة.
(فإن انقضت سنون) ولم تؤخذ (استوفيت كلها) ولم تتداخل؛ لأن الجزية حق يجب في آخر كل حول. فلم تتداخل؛ كالدية على العاقلة.
(ويُمْتَهنون) أي: الذين يعطون الجزية (عند أخذها) منهم، (ويُطال قيامُهم، وتُجّرُّ أيديهم) عند ذلك وجوباً؛ لقول الله : ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وقيل: إن الصغار: التزام الجزية وجريان أحكامنا عليهم.
(ولا يُقبل) ممن وجبت عليه الجزية (إرسالُها)؛ لزوال الصغار، بل يحضر الذمي بنفسه ويؤديها وهو قائم والآخذ جالس.
(ولا يَتداخل الصَّغار) يعني: من اجتمعت (١) عليه جزية سنين وأريد استيفاؤها منه. فإنه يمتهن عند استيفاء الأولى، ثم يعاد امتهانه عند دفعه عن السنه الثانية، ثم كذلك إلى أن تستوفى كلها. .
(ولا يصح شرط تعجيله) أي. تعجيل الامتهان (٢) ، (ولا يقتضيه الإطلاق).
قال في "الفروع": قال أصحابنا: لأنّا (٣) لا نأمن نقض أمانه فيسقط حقه من العوض. وعند أبي الخطا ب وغيره: يصح (٤) ، ويقتضيه الإطلاق. انتهى.
ولا يعذبون في أخذها ولا يشتط عليهم." فإن عمر أتي بمال كثير قال أبو عبيد: أحسبه الجزية فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس. قالوا: لا.
والله! ما أخذنا إلا عفواً صفواً. قال: بلا سوط ولا نوط؟ قالوا: نعم. قال:
الحمد الله الذي لم يجعل دلك على يدي ولا في سلطاني " (٥) . رواه أبو عبيد.
стр. 1946
(ويصح أن يّشرط عليهم) أي: على المقيمين بدارنا من الكفار تحت الجزية (ضيافة من يمر بهم من المسلمين، و) علف (دوابهم)؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الأحنف بن قيس:" أن عمر شرط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته " (١) .
قال ابن المنذر: وروي عن عمر: " أنه قضى على أهل الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وعلف دوابهم وما يصلحهم ".
وروي " أن النبي ﷺ ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار، وكانوا ثلاثمائة
نفس في كل سنة (٢) ، وأن يضيفوا مت يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام " (٣) .
ولأن في هذا ضرباً من المصلحة؛ لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسملمين إضراراً بهم. فإذا شرطت عليهم الضيافة أمن ذلك (٤) .
(و) يصح (أن يكتفى بها) أي: بالضيافة (عن الجزية) في الأصح.
قال في "الإنصاف":لو جعل الضيافة مكان الجزية صح على الصحيح من"المذهب ". اختاره القاضي، واقتصر عليه في "المغني"، وقدمه في "الشرح" ونصره. انتهى.
ووجه المذهب: ما روي " أن عمر كتب لراهب من أهل الشام: إنني إن وليت هذه الأرض أسقطت عنك خراجك. فلما قدم عمر (٥) الجابية وهو أمير المؤمنين جاءه بكتابه فعرفه. وقال: إنني جعلت لك ما ليس لي. ولكن اختر إن شئت أداء الخراج، وإن شئت أن تضيف المسملمين فاختار الضيافة ".
стр. 1947
لكن يشترط: أن تكون الضيافة يبلغ قدرها ما يقابل ما يجب عليهم من الدراهم والدنانير (١) .
(و) إذا ثبت صحة ذلك: فإنه (يعتبر بيان قدرها) أي: قدر الضيافة،
(و) قدر (أيامها، وعدد من يُضاف) من الرجالة والفرسان. فيقول: تضيفون في كل سنة مائة يوم. في كل يوم عشرة من المسلمين، من خبز كذا، وأدم كذا. وللفرس من الشعير كذا، ومن التبن كذا؛ لأن ذلك من الجزية. فاعتبر العلم به؛ كالنقود.
ويعتبر له أيضاً: بيان ما ينزلهم فيه، وما على الغني والفقير.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب في ذلك كله، اختاره القاضي. وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وقدمه في " الفروع " و"الرعاية الكبرى ".
وقيل: يجوز إطلاق ذلك كله، وقدمه في " الكافي " واختاره.
وقيل: تقسم الضيافة على قدر جزيتهم. ذكره في " الرعاية ". انتهى.
وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع. فـ " إن عمر صالح أهل الشام على أن يوسعوا أبواب بيعهم وكنائسهم لمن يجتاز بهم من المسلمين ليدخلوها ركباناً" (٢) .
فإن لم يجدوا مكاناً فلهم النزول في الأفنية وفضول المنازل.
وليس لهم تحويل صاحب المنزل منه. والسابق إلى منزل أحق به ممن يأتي بعده.
فإن امتنع بعضهم من القيام مما يجب عليه أجبر عليه. فإن امتنع الجميع أجبروا. فإن. لم يمكن إلا بالقتال قوتلوا، فإن قاتلوا انتقض عهدهم.
(ولا تجب) عليهم ضيافة (بلا شرط) في الأصح.
стр. 1948
وقيل: تجب يوم وليلة.
(وإذا تولى إمام. فعرف) فدر (ما عليهم) أي: على أهل الذمة من جزية، (أو قامت به بينة، أو ظهر) ما عليهم وكان عقد الإمام الذي قبله صحيحاً: (أقرهم عليه) ولم يحتج إلى تجديد عقد؛ لأن الخلفاء أقروا عقد عمر ولم يجددوا عقداً سواه.
ولأن عقد الذمة مؤبد.
وإن كان فاسداً رده إلى الصحة.
(وإلا) أي: وإن لم يكن يعرف ما عليهم ولم تقم به بينة ولم يكن أمره ظاهراً: (رجع إلى قولهم) أي: قول أهل الذمة، (إن ساغ) أي: إن كان يصلح أن يكون جزية على مثلهم.
(وله تحليفُهم مع تهمة) أي: مع اتهامه إياهم فيما يذكرونه.
(فإن بان) لَه بعد ذلك (نقص) أي: أنهم أخبروه بنقص عما كانوا يؤدونه] للإمام الأول (أخذه) أي: رجع به عليهم.
وإن قالوا: كنا نؤدي كذا وكذا جزية وكذا هدية استحلفهم يميناً واحدة؛ لأن الظاهر فيما يدفععونه [ (١) أنه كله جزية.
وإن قال (٢) بعضهم: كنا نؤدي ديناراً، وقال بعضهم: كنا نؤدي دينارين: أخذ كل واحد منهم بما أقر به. ولا يقبل قول بعضهم على بعض؛ لأن أقوالهم غير مقبولة. وهذا المذهب.
واختار أبو الخطاب: أنه إذا تولى إمام يستأنف العقد معهم.
وما يذكر عن بعض أهل الذمة من أن معهم كتاب النبي ﷺ بإسقاط الجزية عنهم لايصح.
وسئل ابن شريح عن ذلك فقال: لم ينقل ذلك أحد من المسلمين.
стр. 1949
وروي: أنهم طولبوا بذلك فأخرجوا كتاباً ذكروا أنه بخط علي بن أبي طالب كتبه عن النبي ﷺ ، وأن فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية فوجد تاريخه بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية. فاستدل بذلك على بطلانه.
(وإذا عقدها) أي: عقد الإمام الذمة مع الكفار (كتب أسماءهم وأسماء آبائهم) فيكتب فلان بن فلان الفلانى، (وحُلاهم) جمع حلية. فيكتب طويل أو قصير أو رَبْعة، أو أسمر أو أخضر أو أبيض، مقرون الحاجبين أو مفروقهما، أدعج العين، أو أقنى الأنف، أو ضدهما. ونحو ذلك من الصفات اللازمة التي يتميز بها كل واحد عن الآخر.
(ودينهم) فيكتب يهودي أو نصرانى أو مجوسي.
(وجعل لكل طائفة عريفاً) يجمعهم عند أداء الجزية، و (يكشف حال من تغير حاله) فيعلمنا بمن بلغ من غلمانهم، أو أفاق من مجانينهم، أو استغنى من فقرائهم، وبمن يسافر أو يموت أو يسلم منهم؛ لأن ذلك أمكن لاستيفاء الجزية وأحوط. وبمن سقطت عنه الجزية؛ كعمى أو نحوه.
(أو نقَض العهد، أو خرَق شيئاً من الأحكام) أي: أحكام الذمة؛ ليفعل فيه الإمام ما يجب عليه.
ومن أُخذت منه الجزية فأراد أن يُكتب له براءة بذلك ليكون له حجة إذا احتاج إليها أجيب (١) .
والله أعلم.
***
стр. 1950
] باب: أحكام أهل الذمة [
هذا (باب) يذكر فيه جملة من أحكام أهل الذمة.
(على الإمام) أي: يلزمه (أخذُهم) أي: أخذ أهل الذمة (بحكم الإسلام في) ضمان (نفس ومال وعرض، و) في (إقامة حد فيما يحرمونه) أي: يعتقدون تحريمه؛ (كزنى. لا فيما يحلونه) أي: يعتقدون حله؛ (كـ) شرب (خمر)؛ لأن عقد الذمة لا يصح إلا بشرطين:
أحدهما: بذل الجزية.
والثانى: التزام أحكام مله الإسلام من حقوق الآدميين في العقود، والمعاملات، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات.
فإن عقد على غير هذين الشرطين لم يصح؛ لقول الله : ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
قيل الصغار: جريان أحكام المسلمين عليهم.
فمن قتل أو قطع طرفاً، أو تعدى على مال، أو قذف، أو سب مسلماً أو ذمياً: أخذ بذلك. وكذا لو زنى أو سرق مال مسلم أو ذمي: أقيم عليه الحد بشرطه؛ لما روى أنس"أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها. فقتله رسول الله ﷺ " (١) .متفق عليه.
وروى ابن عمر"أن النبي ﷺ أتُي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما" (٢) .
стр. 1951
ولأن الزنا محرم في دينه، وقد التزم حكم الإسلام.
وأما ما يعتقدون حله؛ كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ونكاح ذوات المحارم للمجوس: فيقرون عليه، ولا حد عليهم فيه؛ لأنهم يعتقدون حله.
ولأنهم يقرون على كفرهم وهو أعظم جرماً وإثماً من ذلك. إلا أنهم يمنعون من إظهاره بين المسلمين؛ لأنهم يتأذون بذلك.
(ويلزمهم) أي: أهل الذمة (التميُّز عنا بقبورهم) تمييزاً ظاهراً؛ كالحياة وأولى. ذكره الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في "الفروع". وذلك: بأن لا يدفنون أحداً منهم في مقابرنا.
(و) يلزم التميز عنا أيضاً (بحلاهم. بحذف مقدَّم رؤوسهم) وهو: حذف الشعر عن مواضع التحذيف، وهو الشعر الذي بين العذار والنزعتين.
(لا كعادة الأشراف) وهو: أن يتخذوا شوابير.
(وأن لا يفرقوا شعورهم) وهو: أن تكون شعور رؤوسهم جمة. ولا يفرقوه؛ لأن الفرق من سنة المسلمين (١) .
والأصل في ذلك ما رواه الخلال بإسناده عن إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قال:"كتب أهل الجزية إلى عبدالرحمن بن غنم: إنا حين قدمنا بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا. على أنا شرطنا ذلك على أنفسنا: أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة، ولا فيما حولها ديراً ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نأوي فيها ولا في منازلنا جاسوساً، وان لا نكتم أمر من غش المسلمين، وألا نضرب ناقوساً إلا ضرباً خفياً (٢) في جوف
стр. 1952
كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً،] ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، ولا نخرج صليبنا [ (١) ولا كتابنا في سوق المسلمين،] وأن لا نخرج باعوثاً ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا [ (٢) مع أمواتنا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركاً، ولا نُرغّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً، ولا نتخذ شيئاً من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين، وأن لا (٣) نمنع أحداً من أقاربنا إذا أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيب ما كنا،] وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم [ (٤) ، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رووسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير في أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد بالسيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشد الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا مسلماً في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر (٥) سبيل ثلاثه أيام، ونطعمه من أوسط ما نجد. ضمنّا على ذلك أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا. وإن نحن غيّرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه: فلا ذمة لنا. وقد حل لكم (٦) منا (٧) ما يحل لأهل المعاندة والشقاق. فكتب بذلك عبدالرحمن بن غنم إلى عمر ابن الخطاب. فكتب له (٨) عمر: أن امض لهم ما سألوا، وألحق فيه حرفين
стр. 1953
اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: أن لا يشتروا من سبايانا شيئاً، ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده. فأنفذ عبدالرحمن بن غنم ذلك. وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط " (١) .
فلهذا يلزمهم التميز (٢) عن المسلمين في شعورهم، بحذف مقادم رووسهم، ويجزون شعورهم، ولا يفرقونها؛ " لأن النبي ﷺ فرق شعره " (٣) .
(و) يلزمهم التميز عن المسلمين أيضاً (بكناهم وألقابهم. فيمنعون) من التكني بكنى المسلمين، (نحو: أبي القاسم)، وأبي عبدالله.
(و) من أن يتلقبوا بألقاب المسلمين نحو: (عز الدين)، وزين الدين.
ولا يمنعون الكنى بالكلية. فإن أحمد قال لطبيب: يا أبا إسحاق، وقال " أليس النبي ﷺ حين دخل على سعد بن عبادة قال: ألا ترى ما يقول أبو الحباب ".
وقال لأسقف نجران: " أسلم يا أبا الحارث ".
وقال عمر لنصراني: " يا أبا حسان أسلم تسلم ".
(و) يلزمهم التميز عن المسلمين أيضاً (بركوبهم عَرْضاً) رجلاه إلى جانب وظهره إلى جانب.
(بإكَاف على غير خيل)؛ لما روى الخلال " أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض " (٤) .
стр. 1954
(و) يلزمهم التميز عن المسلمين أيضاً (بلباس) ثوب (١) (عسلي ليهود، و) لباس ثوب (أدكن وهو: الفاخِتيُّ لنصارى. وشدُّ خرق بقلانسهم وعمائمهم، و) شد (زُنَّار فوق ثياب نصراني وتحت ثيادب نصرانية.
ويُغاير نساء كل) من اليهود والنصارى (بين لونَي خُفٍ)؛ ليحصل التميز بذلك بين المسلم والذمي، وبين المسلمة والذمية.
ولا يمنعون فاخر الثياب ولا العمائم والطيلسان؛ لحصول التميز بالغيار والزنار.
(و) يلزمهم (لدخول حمامنا):أن يتميزوا بـ (جُلْجُل أو خاتم رصاص، ونحوه)؛ كخاتم حديد وطوق من نحو ما تقدم (برقابهم) يدخلون به الحمام. (ويحرُم قيام لهم) أي: لأهل الذمة (ولمبتدع يجب هجره، وتصديرُهم)
في المجالس على الأصح.
وعنه: يجوز ذلك لأهل الذمة لمصلحة راجحة؛ كرجاء إسلامهم. اختاره الشيخ تقي الدين، ومعناه اختيار الآجري، وأنه قول العلماء (٢) يعاد ويعرض عليه الإسلام.
ونقل أبو داود " إن كان يريد يدعوه إلى الإسلام فنعم.
ويدعو بالبقاء وكثوه المال والولد. زاد جماعة: قاصداً كثرة الجزية.
وقد كره أحمد الدعاء لكل أحد بالبقاء ونحوه؛ لأنه شيء فرغ منه.
(و) يحرم أيضاً (بداءتهم بسلام، وبـ: كيف أصبحت، أو): كيف (أمسيت، أو): كيف (أنت، أو):كيف (حالك، وتهنئتُهم، وتعزيتُهم، وعيادتُهم، وشهادة أعيادهم)؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:"لا تبدووا (٣) اليهود والنصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في الطريق
стр. 1955
فاضطروهم إلى أضيقها " (١) .أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. قال أبو داود: قلت لأبي عبدالله: تكره أن يقول الرجل للذمي: كيف أصبحت، أو كيف أنت، أو كيف حالك؛ قال: نعم أكرهه. هذا عندي أكبر من السلام.
وأما تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم وشهادة أعيادهم فهي في معنى السلام.
(لا بيعنا لهم) شيئاً (فيها) أي: في أعيادهم؛ لأن ذلك ليس فيه تعظيم لهم.
(ومن سلَّم على ذمي) لا يعلم أنه ذمي، (ثم علمه) ذمياً (سُن قوله) له:
(رُدَّ عليَّ سلامي)؛لما روي عن ابن عمر" أنه مرَّ على رجل فسلم عليه. فقيل: إنه كافر. فقال: ردَّ عليَّ ما سلمت عليك. فرد عليه. فقال: أكثر الله مالك وولدك. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أكثر للجزية ".
وقال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبدالله فقلت: نعامل اليهود والنصارى ونأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون أنسلم عليهم؛ قال: نعم. تنوي السلام على المسلمين. وسُئل عن مصافحة أهل الذمة. فكرهه.
(وإن سلَّم ذمي) على مسلم (لزم ردُّه. فيقال) له: (وعليكم)؛لما روى أحمد بإسناده عن أنس أنه قال: " نهينا أو أمرنا ألا نزيد أهل الكتاب (٢) على: وعليكم " (٣) .
وعند الشيخ تقي الدين: يرد مثل تحيته فيقول: وعليك مثل تحيتك، وأنه يجوز أن يقال للذمي: أهلاً وسهلاً.
(وإن شمَّته كافر) أي: شمت الكافر مسلماً عند عطاسه (أجابه) المسلم
بـ: يهديك الله.
стр. 1956
وأما إن عطس الذمي فقد روي عن أبي موسى: " أن اليهود كانوا يتعاطسُون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم: يرحميهمُ الله. فكان يقول لهم: يهديكم الله ويصلحُ بالَكُم " (١) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه.
(وتُكره مصافحته) أي: يصافح المسلم ذمياً. وتقدم نص أحمد على كراهة ذلك.
***
стр. 1957
[فصل: ما يمنع منه أهل الذمة]
(فصل. ويُمنعون) أي: يمنع أهل الذمة (من حمل سلاح، و) من (ثِقَاف، و) من (رمي ونحوها) أي: نحو هذه الأشياء، كلعب برمح ودبوس.
وكره أحمد بيعهم الثياب المكتوب عليها ذكر الله .
قال مهنا: سألت أبا عبدالله: هل يكره للمسلم أن يعلم غلاماً مجوسياً شيئاً من القرآن؟ قال: إن أسلم فنعم، وإلا فأكره أن يضع القرآن في غير موضعه.
قلت: فنعلمه أن يصلي على النبي ﷺ قال: نعم.
(و) يمنعون أيضاً من (تعلية بناء فقط) على الأصح (على مسلم ولو رضي) جاره المسلم بتعليته عليه؛ لأنه لو قبل بسقوط الحق برضاه لسقط حق من يحدث بعده، وليس بجائز، لقولهم في شروطهم: " ولا نطلع عليهم في منازلهم " (١) .
ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الإسلام يَعلو ولا يُعلى (٢) " (٣) .
ولأن في تعليه بنائهم تعلية رتبة على المسلمين. فمنعوا منه؛ كما منعوا التصدير في المجالس.
قال في "الفروع": لاصَقَه أو لا.
وفي " شرح المقنع ": إنما يمنع من تعليته على بناء المسلم المجاور له لا من تعليته على من ليس بمجاور له، لأن الضرر إنما يحصل على المجاور دون غيره.
стр. 1958
وقولي: فقط يعني: أنه لا يمنع من مساواة بناء جاره المسلم على الأصح؛ لأن ذلك لا يفضي إلى علو الكفر.
(و) متى فعل فإنه (يجب نقضه)؛ لما في ذلك من حق الله ؛ لقوله ﷺ : " الإسلام يعلو ولا يعلى " (١) .
(ويضمن ما تلف به) أي: بالبناء المعلى (قبله) أي: قبل نقضه؛ لتعديه بالتعلية؛ لعدم إذن الشارع فيها.
(لا إن ملكوه) أي: لا إن ملكوا بناء عالياً (من مسلم) فإنه لا يجب نقضه؛ لأنهم ملكوه على هذه الصفة، ولم تحصل منه تعلية.
(ولا يُعاد عالياً) ما ملكوه من صعسلم عالياً (لو انهدم)؛لأنه بعد انهدامه كان كأن لم يوجد.
(ولا) ينقض بناوهم (إن بنى) مسلم (داراً عندهم) أي: في محلتهم (دون بنائهم) في الأصح؛ لأنهم لم يعلوا بناءهم على بناء المسلم.
(و) يمنعون أيضاً (من إحداث كنائس، وبيَع) جمع: بيعة، (ومجتمع) أي: ومحل يجتمعون فيه (لصلاة) في شيء من أرض المسملمين. سواء كانت مما مَصّره المسلمون؛ كالبصرة وبغداد وواسط، أو مما فتحه المسلمون عُنوة؛ كالشام ومصر.
ولا يجوز صلحهم على إحداث كنيسة بمكان من أرض المسلمين.
والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال:" أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، ولا أن يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً، ولا يتخذوا فيه خنزيراً " (٢) . رواه الإمام أحمد واحتج به.
ولأن أراضي المسملمين ملك لهم. فلا يجوز أن يبنوا فيها مجامع للكفر.
стр. 1959
وما وجد في هذه البلاد من الكنائس والبيع مثل: كنيسة الروم في بغداد.
فهذه كانت في قرى أهل الذمة فأقرت على ما كانت عليه؛ وذلك لأن ما فتحه المسلمون من بلاد الكفار وفيه بيع أو كنيسة أو بيت نار لم يجب هدمه على الأصح؛ لأن الصحابة فتحوا كثيراً من البلاد عنوة. فلم يهدموا شيئاً من ذلك.
ويشهد لصحة ذلك وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة، ومعلوم أنهم لم يحدثوا شيئاً من ذلك. فيلزم أن تكون موجودة حين الفتح وأبقيت (١) .
(و) كذا حكم إحداث (صومعة لراهب)؛لأن في حديث عبدالرحمن بن غنم:" وأن لا نحدث قلاية ولا صومعة لراهب " (٢) .
(إلا إن شُرط) علينا أن يحدثوا ذلك أو شيئاً منه (فيما فُتح صلحاً على أنه) أي: أن البلد المفتوح (لنا) ونقره معهم بالخراج؛ لأنا لم نفتحها إلا على هذا الشرط. فوجب الوفاء به.
(و) يمنعون أيضاً (من بناء ما استُهدم أو هُدم ظلماً منها) أي: مما منعوا من إحداثها (ولو) كان ما استهدم أو هدم ظلماً (كلها) على الأصح؛ (كـ) ما يمنعون من (زيادتها) أي: زيادة ما منعوا من إحداثها؛ لأن في كتاب أهل الجزية لابن غنم: "ولا نجدد ما خرب من كنائسنا " (٣) .
ولما روى كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : " لا تبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها " (٤) .
ولأن إعادتها بناءُ كنيسة أو بيعة في دار الإسلام. فلم يجز؛ كما لو ابتدأ بناوها.
(لا رَمِّ شعثها) يعني: أنهم لا يمنعون رم شعث الكنائس والبيع والصوامع القديمة؛ لأنهم لما ملكوا استدامتها ملكوا رم شعثها.
стр. 1960
(و) يمنعون أيضاً (من إظهار مُنكر)، كنكاح المحارم.
(و) إظهار (عيد، و) إظهار (صليب، و) إظهار (أكل وشرب بـ) نهار (رمضان، و) إظهار (خمر وخنزير. فإن فعلوا) أي: أظهروهما (أتلفناهما. و) يمنعون أيضاً من (رفع صوت على ميت، وقراءة قرآن، و) إظهار (ضرب ناقوس، وجهر بكتابهم)؛ لأن في شروطهم لابن غنم: " وأن لا نضرب ناقوساً إلا ضربا خفياً (١) في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليباً ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثاً ولا شعانين، ولا نرفيع أصواتنا مع موتانا، وأن لا نجاورهم بالخنازير (٢) ، ولا نظهر شركاً" (٣) .
وقاس الشيخ تقي الدين على ذلك إظهار الأكل والشرب بنهار رمضان؛ لما فيه من المفاسد.
(وإن صُولحوا في بلادهم) أي: فيما فتح صلحاً على أن الأرض لهم (على جزية أو خَراج: لم يمنعوا شيئاً من ذلك) أي: من جميع ما قلنا أنهم يمنعون منه؛ لأنهم في بلادهم. أشبهوا أهل الحرب في زمن الهدنة.
(ويمنعون) أي: الكفار مطلقاً. سواء كانوا مستأمنين أو ذميين، (دخول حرم مكة)؛ لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
والمراد به الحرم (٤) بدليل قوله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].وإنما أسري به من بيت أم هانئ وهو خارج المسجد.
стр. 1961
وإنما منع من الحرم دون الحجاز؛ لأن الحرم افضل أماكن العبادات للمسلمين وأعظمها؛ لأنه محل النسك (١) . فوجب أن يمنع منه من لا يؤمن به.
ولأن هذه الآية نزلت واليهود بالمدينة وخيبر، وغيوهما من أرض الحجاز ولم يمنعوا من الإقامة به.
وكان أول من أجلاهم من الحجاز عمر.
ولأن الحرم له شرف على غيره بتحريم شجره وصيده وأحترام الملتجئ إليه. فلا يصح قياس غيره عليه.
ولا يمكنون من دخوله (ولو بذلوا مالاً) على ذلك. يعني: أنه متى صالحهم الإمام على دخول الحرم بمال فالصلح باطل. لكنهم إن دخلوا إلى إنتهاء ما صولحوا على دخوله ملك عليهم جميع العوض المصالح به، ولا يرد عليهم منه شيء؛ لأنهم قد استوفوا ما صالحهم عليه. وإن لم يستوفوا دخولهم إلى الموضع الذي صالحوا عليه. (وما استوفي من الدخول ملك ما يقابله من المال) المصالح عليه في الأصح.
قال في " شرح المقنع ":ويحتمل أن يرد عليهم العوض بكل حال؛ لأن ما استوفوه لا قيمة له، والعقد لم يوجب العوض؛ لبطلانه.
(لا المدينة) يعني: فإن الكفار لا يمنعون من دخول حرمها؛ لأن الآية نزلت واليهود بالمدينة ولم يمنعهم النبي ﷺ ولم يأمرهم بخروجهم عند نزولها.
ويعم منع الكفار من دخول حرم مكة (حتى غير مكلف) من صغير ومجنون، (و) حتى (رسولهم) أي: رسول الكفار إذا جاء من عندهم إلى الإمام والإمام بالحرم.
(ويخرج إليه) الإمام إن أبى الرسول من أداء الرسالة إلا له. ولم يُمكّن من الدخول؛ للآية.
(ويعزَّر من دخل) حرم مكة من الكفار مع علمه بالمنع (لا جهلاً) ويهدد،
стр. 1962
(ويخرج ولو) كان مريضاً أو (ميتاً. ويُنبش إن دفُن به) أي: بحرم مكة ويخرج منه (ما لم يَبْلَ)؛ لأنه إذا وجب إخراجه حياً فإخراج جيفته أولى.
وإنما جاز دفنه بالحجاز سوى حرم مكة؛ لأن خروجه من حرم مكة إلى الحل سهل ممكن؛ لقرب الحل منه. وخروجه من أرض الحجاز إلى غيرها وهو مريض أو ميت صعب ممتنع؛ لبعد المسافة.
(و) يمنع الكفار أيضاً (من إقامة) أي: من أن يقيموا (بالحجاز؛ كالمدينة، واليمامة، وخيبر، واليَنبُع، وفَدَك) بفتح الفاء والدال المهملة، قرية بينها وبين المدينة يومان (ومَخَاليفها) وهي: القرى المجتمعة؛ كالرساتيق (١) . واحدها مخلاف. وسمي الحجاز حجازاً؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد.
قال في " الفروع ":وهو مكة والمدينة واليمامة وخيبر والينبع وفَدَك ومخاليفها.
وقال شيخنا: منه تبوك ونحوها، وما دون المنحنى وهو عقبة الصوّان من الشام؛ كمعان. انتهى.
والأصل في ذلك ما روى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع النبي ﷺ ويقول:
" لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماً" (٢) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن أبن عباس قال:"أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه، وسكت عن الثالثة " (٣) . رواه أبو داود.
стр. 1963
وجزيرة العرب: ما (١) بين الوادي إلى أقصى اليمن (٢) . قاله سعيد بن عبد العزيز.
وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولاً، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضاً.
وقال أبو عبيدة: هي حفر أبي موسى إلى اليمن طولاً، ومن رمل تبرين (٣) إلى منقطع السماوة عرضاً.
وقال الخليل: إنما قيل لها جزيرة؛ لأن بحر الحبشة وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها. ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها.
قال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها.] يعني: أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها وهو مكة والمدينة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها وما والاها] (٤) .
وهذا قول الشافعي؛ لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن ولا من فَيد بفتح الفاء، وهي: قرية بشرقي سلمى أحد جبلي طيء.
(ولا يدخلونها) أي: الأماكن التي قلنا؛ لأنهم يمنعون من الإقامة بها (إلا بإذن الإمام).
قال في "الفروع": ولهم دخوله، والأصح بإذن إمام (٥) .انتهى.
وذلك لأن دخولهم الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام، لا (٦) يجوز إلا بإذن الإمام. فيأذن لهم إذا رأى المصلحة فيه. وقد كان الكفار يتّجرون إلى المدينة في زمن عمر.
стр. 1964
وقد روي"أنه أتاه شيخ بالمدينة فقال له: أنا الشيخ النصرانى وإن عاملك عشرنى مرتين. فقال له عمر: وأنا الشيخ الحنيف، وكتب له عفر: أن لا يعشروا في السنة إلا مرة" (١) .
(ولا يُقيمون لتجارة بموضع واحد، أكثر من ثلاثة أيام) في الأصح.
وقيل: أربعة.
ووجه الأول: أنه المروي عن عمر.
(ويوكّلون في) المطالبة والقبض لدين (٢) (مؤجل، ويُجبر من لهم عليه).
دين (حّال على وفائه) لهم. (فإن تعذر) وفاؤه لمطل أو تغيب أو نحوهما (جازت إقامتُهم له) أي: لاستيفاء دينهم؛ لأن التعدي من غيرهم وفي إخراجهم قبل استيفائه ذهاب مالهم.
(ومن مرض) من الكفار ببلد من بلاد الحجاز (لم يخرج) أي: لم يلزمه أن يخرج (حتى يبرأ) من مرضه؛ لمشقة الانتقال على المريض.
(وإن مات دُفن به) أي: بالبلد الذي مرض فيه من الحجاز؛ لأنه لما جازت له الإقامة مع المرض كان جواز دفنه فيه إذا مات أولى.
ولا يمنعون من الإقامة بتيماء وفيد ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك.
(وليس لكافر دخول مسجد ولو أذن) له (مسلم) على الأصح؛"لأن أبا موسى دخل على عمر ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله. فقال له عمر: ادع الذي كتبه ليقرأه. قال: إنه لا يدخل المسجد. قال: ولم لا يدخل؟ قال: إنه نصرانى. فانتهره عمر (٣) ".
стр. 1965
وهذا يدل على اتفاق منهم على أن الكافر لا يدخل المسجد.
وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم وتقريره عندهم.
ولأن حدث الحيض والجنابة يمنع الإقامة في المسجد فحدب الكفر أولى.
قال في "الفروع": وعنه: يجوز كاستئجاره لبنائه. ذكره شيخ المذهب.
ثم منهم من أطلقها، ومنهم من قال: لمصلحة، ومنهم من قال: بإذن مسلم، ومنهم من اعتبرهما، وكلام القاضي: يجوز ليسمعوا الذكر فترق قلوبهم ويرجى إسلامهم.
واحتج بما رواه أحمد وأبو داود والإسناد جيد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص: "أن وفد ثقيف قدموا على النبى ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، واشترطوا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا. فقال النبى ﷺ : لا يحشروا ولا يعشروا، ولا خير في دين لا ركوع فيه" (١) . انتهى.
(ويجوز استئجاره) أي: استئجار الكافر (لبنائه) أي: لبناء المسجد.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(والذمي) التاجر (ولو أنثى صغيرة) من الذميين أو من لا تجب عليه الجزية لزمانة أو غيرها، (أو) كان (تغلبياً) على الأصح (إن اتجر إلى غير بلده ثم عاد، ولم يؤخذ منه الواجب فيما سافر إليه من بلادنا: فعليه نصف العشر مما معه). سواء كان سفره إلى الحجاز أو غيره؛ لما روى أبو عبيد في "كتاب الأموال " بإسناده عن لاحق بن حميد: "أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها. في كل عشرين درهماً درهاً" (٢) . وهذا كان بالعراق واشتهر وعمل به الخلفاء بعده، ولم ينكر فكان إجماعاً.
وعلم مما تقدم: أن العاشر لا يأخذ منهم شيئاً من غير مال التجارة. فلو مر