به فلا خيار له بلا خلاف؛ لأنه دخل على بصيرة. أشبه ما لو صرح بالرضى به. وحيث وجد ذلك فإن المشتري يخير (بين رد) أي: رد المبيع على بائع بلا
نزاع في ملكه الرد؛ لأن مطلق العقد يقتضي السلامة. وحيث ظهر معيبا ثبت له خيار الرد؛ استدراكا لما فاته، وإزالة لما يلحقه من الضرر في بقائه في ملكه ناقصا عن حقه.
(ومُؤنته) أي: الرد (عليه) أي: على مشتر؛ لأنه باختيار الرد انتقل
المبيع عنه إلى بائع. فتعلق بالمشتري حق التوفية.
(ويأخذ) المشتري (ما دفع) لبائع من ثمنه (أو) بدل ما (أبرأ) بائع من
ثمنه مشتريا إن لم يكن أقبضه شيئا.
(أو) يأخذ ما (وهب) له بائع (من ثمنه) إن لم يكن أقبضه شيئا.
وإن أقبضه البعض وأبرأ من البعض، أو وهب له البعض أخذ الجميع؛ لأن المشتري بالفسخ استحق استرجاع جميع الثمن؛ كزوج طلق قبل دخول وقد وهبته الصداق فإنه يرجع بنصفه.
(وبين إمساك مع أرش)؛ وذلك لأن المتبايعين تراضيا على أن العوض في
مقابلة المعوض. فكل جزء من العوض يقابله جزء من المعوض، ومع العيب فات جزء منه. فله الرجوع ببدله وهو الأرش.
وفيه روأية: لا أرش لممسك حذرا من أن يلزم البائع ما لم يرض به. فإنه لم
يرض بإخراجه عن ملكه إلا بهذا العوض. فإلزامه بالأرش إلزام له بما لا يلزمه، يحققه حديث المصراة.
وجوابه: أن المصراة ليس فيها عيب، وإنما ملك الخيار فيها بالتدليس، لا
لفوات جزء. فلذلك لم يستحق أرشا. بخلاف المعيب فإنه يستحقه عند تعذر الرد. فلم يصح الإلحاق.
ويجوز ان يسقط المشتري خيار الرد بعوض يبذله له البائع على حسب ما
يتفقان عليه وليس من الأرش في شيء. ذكره القاضي وابن عقيل في الشفعة.
стр. 2067
ونص أحمد على مثله في خيار المعتقة تحت عبد. قاله في القاعدة التاسعة والخمسين.
(وهو) أي: الأرش: (قسط ما بين قيمته صحيحا ومعيبا من ثمنه) نص عليه.
فعلى هذا يُقوّم المبيع صحيحاً ثم معيباً. فيؤخذ قسط ما بينهما من الثمن، كما
إذا قوم صحيحا بعشرة ومعيبا بثمانية والثمن خمسة عشر مثلا فالنقص خمس القيمة. فيرجع بخمس الثمن وهو ثلاثة، لأن المبيع مضمون على المشتري بثمنه. ففوات جزء منه يسقط (١) عنه ضمان ما قابله من الثمن؛ لأنا لو ضمناه نقص القيمة لأفضى إلى اجتماع الثمن والمثمن للمشتري في صورة ما إذا اشترى شيئا بعشرة وقيمته عشرون فوجد به عيبا ينقصه النصف فأخذها. وهذا لا سبيل إليه.
ومحل ذلك: (ما لم يفض) أخذ الأرش (إلى ربا). وصورة ذلك: (كشراء حلي فضة بزنته دراهم، أو) شراء (قفيز مما يجري فيه ربا)، كبر وشعير (بمثله، ويجده) أي: الحلي أو القفيز (معيبا. ف) إن المشتري في هذه الصورة ليس له إلا أن (يرد أو يمسك مجانا) أي: من غير أرش " لأن أخذ الأرش يؤدي إلى ربا الفضل.
(وإن تعيب) أي: الحلي أو القفيز المعيب (أيضا) أي: بعيب آخر (عنده) أي: عند المشتري: (فسخه) أي: العقد (حاكم)، لتعذر فسخ كل من البائع والمشتري، لأن الفسخ من أحدهما إنما هو لاستدراك ظلامته؛ لكون الحق له. وأما هنا فإن فَسَخَ البائع فالحق عليه؛ لكونه باع معيبا، وإن فسخ المشتري فالحق عليه؛ لكون المبيع تعيب عنده. فكل واحد منهما إذا فسخ يفر مما عليه، والعيب الموجود قبل الشراء وبعد الشراء لا يهمل، وقد تعذر الفسخ من المتبايعين بلا رضاهما فما لنا طريق إلى التوصل إلى الحق إلا بفسخ الحاكم. كذا علله المنقح في " حواشيه على التنقيح ".
(ورد بائع الثمن) المقبوض، (وطالب) مشتريا (بقيمة المبيع) معيباً بالعيب الأول.
стр. 2068
ومحل هذا: اذا لم يرض المشتري بإمساكه بالعيب الأول بدليل قولهم؛
(لأن العيب) من حيث هو (لا يهمل بلا رضاً، ولا أخذ أرش)؛ لأن المشتري لم يرض بإمساكه مجاناً ولم يمكنه أخذ أرش العيب الأول، ولا رده مع أرش العيب الحادث عنده؛ لإفضاء كل منهما إلى ربا الفضل.
(وإن لم يعلم) المشتري للحلي بالدراهم أو لما يجري فيه الربا بمثله (عيبه) أي: عيب ذلك (حتى تلف عنده) المبيع، (ولم يرض بعيبه: فسخ العقد)؛ لأنه وسيلة إلى استدراك ظلامته.
(ورد) مشتر (بدله) أي: بدل المبيع المعيب التالف عنده، (واسترجع الثمن) الذي كان أقبضه للبائع. وإنما كان الأمر كذلك؛ لتعذر أخذ الأرش المفضي إلى ربا الفضل.
(وكسبُ مبيع) معيب من عقد إلى رد (لمشتر)؛ لأن المبيع لو هلك كان
من ماله.
(ولا يرد) مشتر مع مبيع معيب (نماء منفصلا) منه؛ كثمرة شجرة، وولد بهيمة، (إلا لعذر؛ كولد أمة). والعذر هنا: تحريم التفريق.
(وله) أي: للمشتري] (قيمته) أي: الولد على بائع؛ لأنه نماء ملكه.
وعنه: لا يرد معيب إلا مع نمائه.
(وله) أي: المشتري [ (١) (رد) مبيعة (ثيب وطئها) المشتري قبل اطلاعه على عيبها (مجانا) أي: من غيرشيء معها.
] وعنه: يرد معها [ (٢) مهر مثلها.
وعنه: أن الوطء يمنع الرد.
ووجه الأول: أنه لم يحصل بذلك نقص جزء ولا صفة؛ كما لو كانت مزوجة فوطئها الزوج.
стр. 2069
(وإن وطئ) المشتري (بكرًا، أو تعيَّب) المبيع عنده، كثوب قطع،
(أو) كان عبداً (نسي صنعة عنده). ثم بان المبيع معيباً: (فله) أي: المشتري أحد شيئين: (الأرش) للعيب الذي بان به، (او ردَّه) على بائعه (مع أرش نقصه) الحادث عند المشتري. وهو: زوال البكارة، وقطع الثوب،
ونسيان الصنعة.
والأرش هنا: ما بين قيمه البكر معيبة بالعيب الأول وقيمتها ثيبا بالعيب
إلأول. وقيمة الثوب معيباً غير مقطوع وقيمته معيبا مقطوعا. وقيمة العبد معيبا
ناسياً للصنعة وقيمته معيبا حافظا لها؛ لما روى الخلال بإسناده عن ابن سيرين " أن عثمان رضى الله تعالى عنه قال في رجل اشترى ثوباً ولبسه ثم اطلع على عيب. فرده (١) وما نقص ".
فأجاز الرد مع النقصان. وعليه اعتمد الإمام.
ولأنه عيب حدث عند أحد المتعاقدين. فلم يمنع الخيار المذكور، كالعيب
الحادث عند البائع قبل القبض.
وعنه: ليس له إلا الأرش.
(و) على المذهب. لو رده ورد معه أرش العيب الحادث عنده " كنسيان
الصنعة. (لا يرجع به) أي: بأرش العيب الحادث عنده (إن زال) بأن ذكر الصنعة التى نسيها؛ لأن المشتري لما فسخ العقد بسبب العيب القديم صار المبيع مضموناً عليه بقيمته معيباً بالعيب الأول فقط. بخلاف ما إذا أخذ المشتري أرش
العيب من البائع ثم زال سريعاً. فإنه يرد الأرش؛ لزوال نقص المعيب الذي
وجب لأجله الأرش.
(وإن دلّس بائع) العيب بأن علمه وكتمه (فلا أرش) له بتعيبه عند مشتر
بفعله كوطء البكر، وخنثى غير مختتن ونحو ذلك مما هو مأذون فيه شرعاً.
стр. 2070
بخلاف قطع عضو، وقلع سن ونحو ذلك. فإنه لا يذهب هدراً. أو فعل المبيع؛ كإباقة، أو فعل أجنبي؛ كجنايته. أو فعل] الله تعالى [ (١) ؛ كالمرض.
(وذهَبَ) المبيع (عليه) أي: على البائع (إن تلف) المبيع بغير فعل المشتري؛ كما لو مات، (أو أبق). نص عليه في رواية حنبل وابن القاسم. ويحكى عن الحكم ومالك؛ لأنه غره، ويتبع البائع عبده حيث كان.
(وإلا) أي: وإن لم يكن البائع دلس العيب، (فتلف) المبيع العيب في يد المشتري، (أو عتق، أو لم يعلم) المشتري (عيبه حتى صبغ) الثوب، (أو نسج) الغزل، (أو وهب) المبيع، (أو باعه، أو) وهب أو باع (بعضه: تعين أرش) نص عليه؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، ولم يوجد منه الرضى به ناقصا. فكان له الرجوع عليه؛ كما لو أعتقه.
وعلم من هذا: أنه إن فعل ذلك عالما بعيبه انه لا أرش له؛ لأنه قد رضي بالمبيع ناقصا. فسقط حقه من الأرش؛ كالرد.
وعنه: فيمن باعه غير عالم بعيبه لا شيء عليه (٢) . إلا أن يرد عليه المبيع. فيكون له حينئذ الرد او الأرش.
وعلم مما تقدم أيضا: أنه إذا تصرف في البعض امتنع عليه الرد في الباقي. وعنه: له رده بقسطه من الثمن.
وعنه: فيما إذا صبغ المبيع أو نسج: أن له الرد، ويكون شريكاً بصبغه ونسجه. (ويقبل قوله) أي: قول مشتر تصرف في المعيب قبل علمه بعيبه (في قيمته). ذكره في "المنتخب " واقتصر عليه في " الفروع "؛ لاتفاق المتعاقدين على عدم قبض جزء من المبيع وهو ما يقابل الأرش. فقبل قول المشتري في قدره.
(لكن لو رُدّ عليه) أي: على من باع المعيب غير عالم بعيبه: (فله) أي:
стр. 2071
للمردود (١) عليه أحد شيئين: (أرشه) أي: العيب، (أو ردُّه) أي: المعيب
على بائعه؛ لأنه إذا عاد ملكه ثبتت له الخيرة؛ كما لو لم يبعه.
(وإن باعه) المشتري قبل العلم بعيبه (لبائعه) ثم علم بالعيب: (فله رده)
على البائع الثانى، (ثم للبائع الثاني رده) أي: المبيع المردود (عليه) أي:
على البائع الأول.
(وفائدته) أي: فائدة وجود الرد من الجانبين: (اختلاف الثمنين) أي:
تظهر في اختلاف الثمنين.
وكذا إذا اختار الأرش؛ لما تقدم من أن الأرش: قسط ما بين قيمته صحيحاً
ومعيبا من ثمنه.
وفيه احتمال: لا رد؛ كما لو اتفق الثمنان.
(وإن كسَر) مشتر (ما) أي: مبيعا (مأكوله في جوفه)؛ كالجوز واللوز
والرمان ونحو ذلك، (فوجده) أي: المأكول (فاسداً، و) كان المبيع (ليس لمكسوره قيمة؛ كبيض الدجاج: رجع بثمنه)؛] لأنا تبينا فساد العقد من أصله؛ لكونه نفيع على ما لا يقيع فيه؛ كبيع الحشرات.
وإن كان مما يمكن أن يكون بعضه فاسداً دون البعض؛ كالجوز والرمان
ووجد بعضه فاسداً: رجع بقسطه من الثمن. وليس عليه رد فاسد من ذلك إلى بائعه؛ لعدم الفائده فيه] (٢) .
(وإن كان له)] أي: لمكسوره [ (٣) (قيمة؛ كبيض النعام، وجوز الهند:
خُيِّر) مشتر (بين) أخذ (أرشه، وبين رده مع أرش كسره) الذي تبقى له معه قيمة، (وأخذ ثمنه)، لأن عقد البيع يقتضي السلامة من كل (٤) عيب لم يطلع
عليه المشتري. فإذا بان معيبا ثبت له الخيار؛ كالعيب.
стр. 2072
واما كونه إذا رده يرد معه أرش كسره؛ فلنقصه (١) به.
(ويتعين أرش) لمشتر (مع كسر لا تبقى معه قيمة)؛ لأنه أتلفه.
(وخيار عيب متراخ)؛ لأنه خيار شرع لدفع ضرر متحقق (٢) . فلم يبطل بالتأخير الخالي عن الرضى به؛ كخيار القصاص.
(لا يسقط) طلب المشتري به. (إلا إن وجد دليل رضاه؛ كتصرفه) فيه، عالما بعيبه بإجارة أو إعاره أو نحو ذلك.
(واستعماله لغير تجربة)؛ كالوطء والحمل على الدابة. (فيسقط أرشٌ كرد)؛ لأن دليل الرضى منزل منزلة التصريح به.
وعنه: أنه على الفور.
(ولا يفتقر رد) أي: الاعتداد به شرعا (إلى حضور بائع، ولا) إلى (رضاه، ولا) إلى (قضاء) أي: قضاء حاكم؛ لأنه رفع عقد مستحق له. فلم يفتقر إلى رضى صاحبه ولا حضوره ولا حكم حاكم؛ كالطلاق.
(ولمشتر) اشترى (مع غيره) بأن اشترى إنسان هو وآخر، أو هو واثنان أو أكثر (معيبا) صفقة واحدة، (أو) معيبا (بشرط خيار إذا رضي الآخر) أي: إذا رضي من المشتري معه من واحد أو أكثر بالعيب، أو اختار لزوم البيع: (الفسخ في نصيبه) من المعيب أو من المبيع المشترط فيه الخيار؛ لأنه رد جميع ما ملكه بالعقد فجاز؛ (كشراء واحد من اثنين) شيئا ثم ظهر به عيب. فله رده منهما، ورد نصيب أحدهما عليه، وإمساك نصيب الآخر؛ لأنه يرد على البائع جميع ما باعه، ولم يحصل برده تشقيص؛ لأنه كان مشقصا قبل البيع.
وفيه رواية: ليس له ذلك؛ لأن المبيع خرج عن ملكه دفعه غير متشقص (٣) . فإذا رده مشتركا رده ناقصا. أشبه ما لو تعيب عنده.
стр. 2073
وجوابه: أن الشركة حصلت بإيجاب البائع؛ لأنه باع كل واحد جزءاً منها. فخرجت السلعة عن ملك البائع متشقصة. بخلاف العيب الحادث.
(لا إذا وُرث) أي: ليس الحكم في ذلك كما لو وَرث اثنان فأكثر عن مورثهما خيار عيب ورضي أحدهما أو أحدهم بالعيب فإنه يسقط حق الباقي من الرد لا الأرش؛ لأنه لو رد من لم يرض لتشقصت السلعة على البائع، وقد أخرجها عن ملكه غير متشقصه؛ لكونه باعها لواحد. بخلاف المسألة التي قبلها. فإن عاقد الواحد مع الاثنين عقدان، ومع الثلاثة ثلاثة عقود. فإذا رد عليه واحد حصته كان ردا لجمييع ما باعه له.
(وللحاضر من مشتريين) مع غيبة الآخر (نقد نصف ثمنه) أي: ثمن ما اشترياه صفقة، (وقبض نصفه) أي: نصف المبيع؛ لخروجه عن ملك البائع مشقصاً. (وإن نقده) أي: الثمن (كله لم يقبض إلا نصفه) أي: نصف المبيع؛ لكونه لم يملك بالعقد غيره.
ومحل هذا في مبيع ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؛ كالمكيل والموزون. أما
لو كان عبداً أو نحوه لم يكن للبائع إقباضه بغير إذن الآخر.
(ورجع) أي: مقبض كل الثمن (على الغائب) بنظير ما عليه منه، حيث
نوى الرجوع.
(ولو قال) واحد لاثنين: (بعتكما) هذا بكذا، (فقال احدهما: قبلت) وسكت الآخر: (جاز) أي: صح البيع في نصف المبيع بنصف الثمن؛ لأن البائع رضي بخروج المبيع عن ملكه مشقصا. فصح البيع في نصفه بنصف الثمن. (ومن اشترى معيبين) من واحد، (أو معيبا في وعائين صفقة) واحدة:
(لم يملك رد أحدهما) أي: أحد المعيبين، أو ما في أحد الوعائين مع وجود الآخر؛ لأن في رد أحدهما تفريقا (١) للصفقة، مع إمكان أن لا يفرقها. أشبه رد بعض المعيب الواحد.
стр. 2074
وله مع الإمساك (١) الأرش.
وعنه: له رد أحدهما (بقسطه) من الثمن.
(إلا إن تلف الآخر) فيكون له رد الباقي بقسطه؛ لأن رده لا ضرر فيه على البائع. فجاز؛ كما لو رد الجميع.
(ويقبل قوله) أي: المشتري (بيمينه في قيمته) أي: قيمة التالف؛ لأنه منكر لما يدعيه البائع من زيادة قيمته.
ولأنه بمنزلة الغارم.
وقيل: يقبل قول البائع.
(ومع عيب أحدهما) أي: أحد المبيعين (فقط) دون الآخر: (له رده) أي: رد المعيب (بقسطه) من الثمن؛ لأنه رد للمبيع المعيب من غير ضرر على البائع.
وعنه: لا يجوز له إلا ردهما أو إمساكهما.
وعلى الأول: (لا) يرد أحدهما (إن نقص) المبيع (بتفريق؛ كـ) ما لو كان المبيع (مصْراعَي باب، و) كذا لو كان (زوجَي خف) ووجد بأحد المصراعين أو الزوجين عيبا. فإن في رد المعيب وحده ضررا على البائع بنقص القيمه وسوء المشاركة.
(أو حرُم) التفريق؛ (كـ) ــما لو كان المبيع (أخوين، ونحوهما)؛ كعبد وعمة أو وخالة. وبان أحدهما معيبا ليس له رده وحده؛ لتحريم التفريق بين كل ذي رحم محرم.
(ومثله) أي: ومثل هذه المسألة في نفي التفريق عبد (جان له ولد) ويراد
بيع الجانى في الجناية: لا يباع وحده؛ لتحريم التفريق. بل (يباعان) أي:
стр. 2075
الجانى وولده (وقيمة الولد لمولاه) " لعدم تعلق الجن h ية بقيمة الولد " لأنه إنما بيع ضرورة، لتحريم التفريق.
] (والمبيع بعد فسخ أمانة بيد مشتر). وهو أحد الأوجه في المسألة. وهو الذي صرح به أبو الخطاب في " انتصاره "، واختاره القاضي في " المجرد "، وابن عقيل في "الصداق ". نقل ذلك عنهم في " الإنصاف " " وذلك لأنه حصل في يده من غيرتعد.
لكن إن قصر في رده فتلف ضمنه، لأن ذلك تفريط منه، كما لو أطارت الريح إلى داره ثوبا فقصَّر في رده حتى تلف] (١) .
стр. 2076
[فصل: إذا اختلفا عند من حدث العيب]
(فصل. وإن اختلفا) أي: البائع والمشتري في معيب (عند من حدث العيب مع الاحتمال)؛ لوجوده عند البائع، وحدوثه عند المشتري؛ كالإباق. (ولا بينة) لواحد منهما بدعواه: (ف) القول في ذلك (قول مشتر بيمينه)؛ لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت (١) . فكان القول قول من ينفيه؛ كما لو اختلفا في قبض المبيع.
(على البَتِّ) فيحلف أنه اشتراه وبه العيب، أو أنه ما حدث عنده؛ لأن
الأيمان كلها على البتّ. إلا على النفي في فعل الغير.
ومحل هذا: (إن لم يخرج) المبيع (عن يده) أي: يد المشتري نصاً؛
لأنه إذا غاب عنه احتمل حدوثه عند من انتقل إليه. فلم يجز له الحلف على البتّ. وعنه: أن القول فيما تقدم قول البائع بيمينه.
(وإن لم يحتمل) العيب (إلا قول أحدهما)؛ كالإصبع الزائدة، والجرح
الطري الذي لا يحتمل أن يكون قبل العقد: (قُبل) قول المشتري في المثال الأول والبائع في المثال الثانى (بلا يمين)؛ لعدم الحاجة إلى استحلافه.
(ويُقبل قول بائع) بيمينه: (أن المبيع) المعيب (ليس المردود) نصاً؛ لأن
البائع منكر كون هذه سلعته، ومنكر لاستحقاق الفسخ. والقول قول المنكر.
(إلا في خيار شرط) أي: إلا إذا جاء المشتري بسلعة اشتراها بشرط الخيار
له ليردها على البائع بمقتضى الفسخ المشروط له وأنكر البائع أنها سلعته: (فقول مشتر) نصاً أنها السلعة المبتاعة بيمينه؛ لأنهما هنا اتفقا على استحقاق الفسخ. بخلاف التي قبلها.
стр. 2077
وأيضاً فالمشتري هنا لما تسلم العين - مع أن العقد غير لازم - كان (١) ذلك
نوع ائتمان من البائع له. فناسب قبول قوله. بخلاف مسأله العيب.
(و) يقبل (قول مشتر في عين ثمن معين بعقد) أراد البائع رده بعيب أنه ليس المردود بيمينه؛ لما تقدم.
(و) يقبل قول (قابض) بيمينه (في) دين (ثابت في ذمة: من ثمن مبيع، وقرض، وسلم، ونحوه) أي: ونحو ما تقدم؛ كأجرة، وقيمة متلف إذا قبضه وبان معيباً وأراد رده بعيب أنه هو المردود؛ لأن الأصل بقاءه في الذمة.
ومحل ذلك: (إن لم يخرج عن يده) أي: يد القابض؛ لما تقدم.
(ومن باع قناً) أمة أو عبداً (تلزمه عقوبة: من قصاص أو غيره)؛ كحد (ممن يعلم ذلك) أي: وجوب القصاص أو الحد: (فلا شيء له)؛ لأنه رضي به معيباً. أشبه سائر المعيبات.
(وإن علم بعد البيع: خُيّر بين رَدٍّ) وأخذ ما دفع من الثمن، (و) بين (أرش) إن أمسك؛ لأنه عيب تملك به الخيرة؛ كبقية العيوب.
(وبعد قتل) أي: وإن علم المشْتري بالواجب على القن المبيع بعد أن قتل قصاصاً أو حداً (يتعين أرش)؛ لتعذر الرد. وهو ما بين قيمته ليس عليه عقوبة وبين قيمته وعليه العقوبة.
(و) إن علم (بعد قطع) لعضو من أعضائه: (فكما لو عاب عنده) أي:
عند المشتري المبيع المعيب على ما مر؛ لأن استحقاق القطع دون حقيقته. (وإن لزمه) أي: القن المبيع (مال) بأن كانت الجناية موجبة للمال أو للقصاص وعفي عنه إلى المال (والبائع معسر: قُدِّم حق مجني عليه)؛ لأن حق الجناية سابق على حق المشتري. فإذا تعذر إمضاؤهما قدم حق السابق. (ولمشتر الخيار) حيث جهل الحال؛ لأن تمكن المجني عليه من انتزاعه عيب. فملك به الخيار؛ كغيره.
стр. 2078
ومتى اختار الإمساك والجناية مستوعبة لرقبة المبيع وأخذ بها رجع المشتري بالثمن كله؛ لأن (١) أرش مثل ذلك (٢) جميع الثمن، وإن لم تكن مستوعبة فبقدر أرشه.
(وإن كان) البائع (موسراً: تعلَّق ارشٌ) وجب بالجناية (بذمته) أي:
بذمة البائع؛ لأن الخيرة له بين تسليمه في الجناية وفدائه. فإذا باعه تعين عليه فداؤه.
ولأنه أزال ملكه عن عين تعلق بها حق المجنى عليه. فلزمه الأرش؛ كما لو قتله.
(ولا خيار) للمشتري. إذ لا ضرر عليه؛ لرجوع المجني عليه على البائع.
ومن اشترى متاعاً فوجده خيراً مما اشترى فعليه رده إلى بائعه؛ كما لو وجده أردأ كان له رده. نص عليه. قاله في " الرعاية " و" الحاوي " وغيرهما.
قال في " الإنصاف ": قلت: لعل محل ذلك: إذا كان البائع جاهلاً
به. انتهى. القسم (السادس) من أقسام الخيار: (خيار في البيع بتخبير الثمن. ويثبت في صور) في أنواعه الأربعة. وهي: التولية، والشركة، والمرابحة، والمواضعة. واختصت بهذه الأسماء؛ كاختصاص السلم (٣) باسمه.
ثم أشار الى صورة كل منها (٤) فقال: (في تولية؛ ك) قوله: (وليتكه) أي: المبيع، (أو بعتُكه برأس ماله، أو) بعتكه (بما اشتريته، أو) بعتكه (برقمه) وهو الثمن المكتوب عليه.
(و) يصح حيث كانا (يعلمانه.
стр. 2079
و) في (شركة. وهي: بيع بعضه) أي: بعض المبيع (بقسطه) من
الثمن؛ (ك) ما لو قال: (أشركتك في ثلثه، أو) أشركتك في (ربعه، ونحوهما) أي: نحو هذين المثالين؛ كأشركتك في ثلثيه أو ثمنه.
(وأشركتك) فقط (ينصرف إلى نصفه).
وقيل: لا يصح.
(ف) على الأول: (إن قاله لآخر عالم (١) بشركة الأول فله نصف نصيبه)
الربع؛ لأن طلبه الإشراك راجع (٢) إلى ما ملكه المشارك وهو النصف. فيكون بينهما.
(وإلا) أي: وإن لم يكن (٣) يعلم بشركة الأول (أخذ نصيبه كله) وهو النصف؛ لأنه طلب منه نصف المبيع.
(وإن قال) الثالث لهما ابتداء: (أشركاني فأشركاه معاً أخذ ثلثه).
وقيل: نصفه.
(ومن أشرك آخر في قفيز) اشتراه من (٤) نوع معين، (أو نحوه)؛ كالمد
والصاع مما أبيع بكيل أو وزن، والحال أنه: (قبض بعضه) فقط: (أخذ) الذي أشركه (نصف المقبوض)؛ لأن تصرف المشتري بالشركة لا يصح إلا فيما قبض منه.
(وإن باعه) أي: باع مشتري القفيز الشخص الآخر (من كله) أي: كل
القفيز (جزءاً)؛ كنصفه أو ثلثه (يساوي) في القدر (ما قبض) من القفيز: (انصرف) البيع (إلى المقبوض)؛ لأن البيع ينصرف إلى ما يجوز له بيعه.
(و) في (مرابحة. وهي: بيعه) أي: المبيع (بثمنه) أي: برأس ماله
стр. 2080
(وربح معلوم)؛ كقوله: رأس مالي فيه مائة بعتكه بها وربح عشرة. وهذه الصورة ونحوها تجوز من غير كراهة.
(وإن قال: عليِّ أن أربح في كل عشرة درهماً: كُره) نصاً. واحتج الإمام بكراهة ابن عمر وابن عباس.
وإن قال: ده يازده، أو قال: ده دوازده: كُره أيضاً.
قال الإمام:؛ لأنه بيع الأعاجم.
ولأن الثمن قد لا يعلم في الحال.
ومعنى ده يازده: العشرة أحد عشر. ومعنى ده دوازده: العشرة اثناعشر. (و) في (مواضعة. وهي: بيع بخسران)؛ كقوله: رأس مالي فيه مائة بعتكه بها ووضيعة عشرة.
(وكره فيها) أي: في المواضعة (ما كُره في مرابحة. فما ثمنه) أي: رأس ماله (مائة وباعه به) أي: بالثمن الذي هو مائة (ووضيعة درهم من كل عشرة: وقع بتسعين)؛ لأنه إذا سقط من كل عشرة درهم يبقى تسعون.
(و) به ووضيعة درهم (لكل) عشرة (أو) به ووضيعة درهم (عن كل عشرة:
يقع بتسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم)؛ لأنه اقتضى أن يكون الحط في الصورتين من غير العشرة. فيكون من (١) كل أحد عشر درهماً درهم. فيجب أن يسقط من تسعة وتسعين تسعة، ومن درهم جزء. فيبقى ما ذُكر.
(ولا تضرُّ الجهالة) الموجودة (حينئذ) أي: حين إذ وجد العقد؛
(لزوالها) بعد ذلك (بالحساب.
ويعتبر للأربعة) أي: التولية والشركة والمرابحة والمواضعة: (علمُهما) أي: المتعاقدين (برأس المال)؛ لأن ذلك شرط لصحة البيع. فمتى فات لم يصح.
стр. 2081
هكذا ذكر الشيخ في " المقنع " من كون الخيار يثبت في بيع الشركة والتولية والمرابحة والمواضعة. وهو رواية.
(والمذهب) المنصوص: (أنه) أي: أن رأس المال (متى بان أقل) مما
أخبر به البائيع في التولية أو الشركة أو المرابحة أو المواضعة، (أو) بان (مؤجلاً) ولم يبينه: (حط الزائد) في الأربعة.
(ويحط) أيضاً (قسطه في مرابحة، وينقصه) أي: الزائد (في مواضعة، وأُجِّل) الثمن (في مؤجل. ولا خيار) للمشتري؛ لأن الثمن إذا بان أقل مما أخبر به بعشرة وسقطت عنه فقد زيد خيراً. فلم يكن له خيار؛ كما لو اشتراه على أنه معيب فبان صحيحاً، وكما لو وكل من يشتري له معيباً بمائة فاشتراه بتسعين. وعنه: في مؤجل يأخذ به حالاًّ أو يفسخ.
(ولا تقبل دعوى بائع غلطاً) في الإخبار برأس المال. بأن يخبر أنه عشرون
ثم يقول: إنما هو ثلاثون وغلطت، (بلا بينة) تشهد بدعواه؛ لأنه مدع لغلطه على غيره. فلم يقبل إلا ببينة؛ كالمضارب إذا ادعى الغلط في الربح.
وعنه: لا يقبل، وإن أتى ببينة.
وعنه: يقبل قوله بيمينه. فيخير مشترٍ. وله يمين بائع أنه لم يعلم وقت البيع
أن شراءها أكثر.
وعنه: قولُ معروف بالصدق.
(فلو ادعى عِلْمَ مشتر) بذلك (لم يحلف) المشتري. وفيه وجه.
(وإن باع) السلعة (بدون ثمنها) أي: رأس مالها (عالماً بذلك) أي: بالنقص عن رأس مالها: (لزمه) أي: البائع البيع. فلا يثبت له خيار.
(وإن اشتراه) أي: ما باعه تولية أو شركة أو مرابحة أو مواضعة (ممن ترد شهادته له)؛ كأبيه وابنه وزوجته، (أو ممن حاباه) بأن اشتراه منه بأكثر من قيمته محاباة له، (أو لرغبة تخصه) أي: تخص المشتري حتى اشتراه بأكثر من قيمته كما لو كان منزلاً بجوار منزله.
стр. 2082
(أو) اشتراه لأجل (موسم ذهب)؛ كالأشياء التي تباع على العيد إذا اشتراها وبقيت عنده إلى بعده.
(أو باع بعضه) أي: بعض المبيع (بقسطه) من الثمن.
(و) الحال أن المبيع بعضه (ليس من المتماثلات المتساوية) الأجزاء. وهي (كزيت ونحوه) من المائعات. فإن لم تكن من ذلك؛ كما لو اشترى شجرة مثمرة وأراد بيعها دون ثمرتها مرابحة أونحوها: (لزمه) جواب الشرط (أن يبين) ذلك للمشتري؛ لأن ذلك كله مما قد لا يرضى به المشتري إذا علمه. (فإن كتم) شيئاً من ذلك (خير مشتر بين رد وإمساك) كالتدليس.
(وما يزاد في ثمن) أي: في رأس المال، (أو) في (مثمن) أي: في العين المبيعة، (أو) في (أجل) للثمن، (أو) في (خيار) إن كان في البيع خيار مشترط، (أو يحط) من ثمن أو مثمن أو أجل أو خيار (زمن الخيارين) متعلق بيزاد أو يحط. والمراد خيار المجلس وخيار الشرط: (يُلحق به) أي: بالعقد. فيجب ان يخبر به؛ كأصله.
(لا) إن زيد شيء أو حط فيما ذكر (بعد لزومه) أي: العقد. فإنه لا يلحق
به فلا يكون عوضاً فلا يجب أن يخبر به.
(ولا إن جنى) المبيع (ففدي) من قبل المشتري لم يلحق بالثمن؛ لأنه لم
يزد به المبيع قيمة ولا ذاتاً وإنما هو مزيل لنقصه بالجناية. فأما الأدوية والمُؤْنة والكسوة فلا تلحق بالثمن. وذكره في " الشرح " وجهاً واحداً.
وإن أخبر بالحال (١) فحسن.
(وهبة مشتر) شيئاً (لوكيل باعه) أي: تولى بيعه؛ (كزيادة) في الثمن. (ومثله عكسه) وهو: ما إذا وهب بائع وكيلاً اشترى منه فإنه يكون كنقص
من الثمن.
стр. 2083
(وإن أخذ) البائع في مرابحة أو نحوها (أرشاً لعيب أو) ل (جناية) عليه: (أخبر به)؛ لأن الأرش في مقابلة جزء من المبيع.
وهل معنى الإخبار به أن يقول: أخذت أرشه كذا، أو يحط من الثمن ويخبر بالباقي فيه وجهان.
و (لا) يلزمه أن يخبر (بأخذ نماء، واستخدام، ووطء ما لم ينقصه) أي: ينقص الوطء المبيع؛ كوطء البكر أو الثيب التي تنقص به. فيجب عليه الإخبار به، كما لو وطئها غيره وأخذ الأرش.
(وإن اشترى ثوباً بعشرة، وعمل) بنفسه (أو) عمل (غيره فيه) أي: في الثوب (ولو بأجرة ما يساوي عشرة) بأن صبغه أو قصره: (أخبر به) على وجهه؛ لأنه لو ضم ذلك إلى الثمن ثم أخبر به كان كذباً وتغريراً للمشتري.
(ولا يجوز) أن يقول: (تحصَّل) عليّ (بعشرين)؛ لأن فيه تلبيساً.
وفيه- إذا لم يعمل فيه بنفسه- وجه.
[(ومثله) أي: ومثل ذلك في الحكم (أجرة مكانه، و) أجرة (كيله، و)
أجرة (وزنه): فإنه يخبر (١) بذلك على وجهه] (٢) .
(وإن باعه) أي: الثوب الذي اشتراه بعشرة (بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة: أخبر به) على وجهه؛ لأنه أقرب إلى الحق وأبلغ في الصدق.
(أو حطَّ الربح) الذي هو خمسة (من الثمن الثانى) الذي هو عشرة (وأخبر
بما بقي) وهو خمسة؛ لأن الربح أحد نوعي النماء. فوجب أن يخبر به في المرابحة؛ كالنماء من (٣) نفس المبيع؛ كالثمرة ونحوها.
(فلو لم يبق شيء)؛ كما لو اشتراه بعشرة ثم باعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة ثم باعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة: (أخبر بالحال.
стр. 2084
ولو اشتراه بخمسة عشر ثم باعه بعشرة ثم اشتراه بأي ثمن كان: بيّنه). ولا تضم خسارة إلى ثمن ثان.
(وما باعه اثنان مرابحة فثمنه) بينهما (بحسب ملكيهما)؛ كمساومة، (لا على رأس مالهما).
ونقل ابن هانئ وحنبل عكسه.
وعنه: لكل واحد رأس ماله والربح نصفان. نص الإمام على الأول في رواية الأثرم.
ولأن الثمن عوض المبيع. فكان على قدر ملكيهما.
القسم (السابع) من أقسام الخيار: (خيار) يبثبت (لاختلاف المتبايعين)
في بعض صور الاختلاف.
(إذا اختلفا أو) اختلف (ورثتهما في قدر ثمن) بأن قال بائع: بعتكه بمائة، وقال مشترٍ: بل بثمانين، (ولا بينة) لواحد منهما (أو لهما) أي: لكل منهما بينة بما قاله: تحالفا على المشهور، ونقله الجماعة؛ لأن كلاً منهما مدع ومنكر صورة وكذا حكماً لسماع بينة كل منهما.
قال في " عيون المسائل ": ولا تسمع إلا بينة المدعي باتفاقنا.
وعنه: يقبل قول البائع بيمينه. ذكره في " الترغيب " المنصوص
وعنه: يقبل قول مشترٍ بيمينه.
ونقل أبو داود: يقبل قول البائع أو يترادان. قيل له: فإن أفام كل منهما بينة؟ قال: كذلك.
وعلى المذهب: إذا ترافعا (حلف) أولاً (بائع) ويبدأ بالنفي فيحلف:
(ما بعته بكذا) ثم الإثباب، (وإنما بعته بكذا. ثم) يحلف (مشتر) كذلك: (ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا) وإنما يبدأ بالنفي؛ لأن الأصل في اليمين أنها للنفي.
стр. 2085
(ثم) بعد التحالف (إن رضي أحدهما) أي: المتعاقدين (بقول لآخر،
أو) لم يتحالفا بل (نكل) أحدهما عن اليمين (وحلف الآخر: أقر) العقد في الصورتين.
أما في الأولى؛ فلأن من رضي صاحبه بقوله منهما قد حصل (١) له ما ادعاه.
فلم يملك خياراً.
وأما في الثانية؛ فلأن النكول بمنزلة إقامة البينة على من نكل.
(وإلا) أي: وإن لم يرض أحدهما بقول الآخر بعد التحالف (فلكل) من البائع والمشتري (الفسخ).
وقيل: ينفسخ بنفس التحالف.
ووجه المذهب: أنه عقد صحيح. فلم ينفسخ باختلافهما وتعارضهما في الحجة؛ كما لو أقام كل منهما بينة.
وعلم مما تقدم أن الفسخ لا يفتقر إلى حكم حاكم؛ لأنه فسخ لاستدراك الظلامة. أشبه رد المعيب.
وقيل: يفتقر.
(و) على المذهب: (ينفسخ) العقد بفسخ أحدهما بعد التحالف (ظاهراً وباطناً)؛ لأنه فسخ لاستدراك الظلامة. فنفذ ظاهراً وباطنا؛ كالرد بالعيب. أو يقال: إنه فسخ بالتحالف. فوقع ظاهراً وباطناً؛ كالفسخ باللعان.
وقيل: ظاهراً فقط مع ظلم البائع.
وفيل: ظاهراً وباطناً في حق المظلوم فقط، وعلى الظالم إثم الغصب.
قال (المنقح: فإن نكلا) أي: البائع والمشتري بأن امتنع كل منهما من الحلف: (صرفهما) الحاكم؛ (كما لو نكل من ترد عليه اليمين) [وصرفهما قوي في النظر لكن المقيس عليه ضعيف] (٢) وليس بظاهر؛ لأنه قد تقدم أنه متى
стр. 2086
نكل أحدهما عن اليمين أقر العقد وقضي عليه. فكيف يتصور نكولهما. والله أعلم.
(وكذا إجارة) نصاً. أي: فيما إذا اختلف المتآجران في قدر الأجرة أو
فيما يترتب على ذلك من تحالف وفسخ وباقي أحكام ذلك.
(فإذا تحالفا وفسخت) الإجارة (بعد فراغ مدة) اي: مدة (١) الإجارة:
(ف) على المستأجر (أجرة مثل) [عن العين المؤجرة زمن مدة (٢) الإجارة.
(و) إذا فسخت (في أثنائها) أي: أثناء مدة التآجر (بالقسط) من أجرة المثل] (٣) .
(ويحلف بائع فقط) إذا اختلفا في قدر الثمن (بعد قبض ثمن، وفسخ عقد) بتقايل أو غيره؛ لأن البائع منكر لما يدعيه المشتري بعد انفساخ العقد. فأشبه ما لو اختلفا في القبض.
(وإن تلف مبيع) قبل قبض ثمنٍ وفسخ عقد واختلف المتبايعان في قدر ثمنه: (تحالفا)؛ كما لو كانت قائمة، (وَغرم مشتر قيمته) أي: المبيع إن وجد فسخ. (ويُقبل قوله) أي: المشتري (فيها) أي: في قدرها. نص عليه في رواية محمد بن العباس؛ لأنه غارم.
وعنه: لا يتحالفان إذا تلف المبيع ويحلف المشتري. واستدل القائل بهذه الرواية بما روى ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا " (٤) .
وأن مفهومه لا يشرع التحالف عند عدمها.
وأجيب عن هذا بأن الإمام قال: لم يقل فيه: " والمبيع قائم " إلا يزيد بن هارون. وقد أخطأ. رواه الخلق الكثير عن المسعودي، لم يقولوا هذه الكلمة،
стр. 2087
ولكنها في حديث معن.
(و) يقبل أيضاً قول المشتري (في قدره) أي: قدر المبيع التالف إذا قال البائع: هو قفيزان، وقال المشتري: قفيز واحد ونحو ذلك.
فالقول قوله؛ لأنه غارم.
(وإن تعيب) المبيع عند مشترٍ قبل تلفه: (ضم أرشه إليه) أي: إلى ما يلزمه البائع؛ لكونه مضموناً عليه حين التعّيب.
(وكذا) أي: وكالمشتري في قبول قوله في القيمة وفي القدر والصفة (١) وضم أرش عيب حدث عنده (كل غارم).
و (لا) يقبل (وصفه) أي: وصف المشتري للمبيع التالف (بعيب)؛ لأن الأصل السلامة.
(وإن ثبت) أنه كان معيباً (قبل قوله) أي: المشتري (في تقدمه) أي:
تقدم العيب على البيع؛ لأن الأصل براءة ذمته مما يدعيه البائع. فلا يلزم المشتري إلا ما أقرّبه.
القسم (الثامن) من أقسام الخيار: (خيار يثبت للخُلف في الصفة، ولتغير
ما تقدمت رؤيته) العقد. (وتقدم) ذلك في كتاب البيع في الشرط السادس (٢) .
стр. 2088
[فصل: إذا اختلفا في صفة ثمن]
(فصل. وإن اختلفا) أي: البائع والمشتري (في صفة ثمن) اتفقا على تسميته في العقد: (أُخذ نقد البلد) نص عليه؛ لأن الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به. (ثم) إن كان في البلد نقود: أخذ (غالبه رواجاً)؛ لأنه لما كانت المعاملة
به أكثر كان الظاهر وقوع العقد به.
(فإن استوت) نقود البلد في الرواج (فالوسط) منها؛ لأن في الأخذ بالوسط توسطاً بينهما، وتسوية بين حقيهما. فالعدول عنه ميل على أحدهما. وعلى مدعي نقد البلد أو غالبه أو وسطه اليمين؛ لأن ما قاله خصمه مما لم
نأخذ به محتمل. فيحلف لوجوبها على المنكر.
(و) إن اختلفا (في شرط صحيح أو فاسد، أو أجَل أو رهن، أو قدرهما،
أو ضمين: فقول منكره) بيمينه؛ لأن الأصل عدمه. فالقول قول من ينفيه؛ كأصل العقد، و (ك) قول منكر (مفسد) إذا ادعى أحدهما ما يفسد العقد؛ كما لو قال: بعتك مكرهاً، أو وأنا صبي، أو كان عبداً وادعى عدم إذن سيده وأنكر المشتري: فإن القول قوله؛ لأن تعاطي المسلم العقد الصحيح أكثر من تعاطيه الفاسد.
(و) إن اختلفا (في قدر مبيع)؛ مثل أن يقول: بعتك مائة رطل. فيقول المشتري: بل مائة وخمسين، (أو) في (عينه)؛ كبعتنى هذا العبد. فيقول: بل هذه الجارية: (فقول بائع) فيهما. نص عليهما.
أما في الأولى؛ فلأن البائع منكر للزيادة. فكان القول قوله.
وأما في الثانية؛ فلأنهما اتفقا على وجوب الثمن واختلفا في التعيين. فكان القول قول البائع؛ لأنه كالغارم.
وقيل: يتحالفان فيهما.
стр. 2089
(وإن تشاحا في أِيهما يسلِّم قبل) بأن قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلمه حتى أقبض المبيع (والثمن عين: نُصب عدل يقبض منهما) الثمن والمثمن، (ويسلم المبيع) للمشتري (ثم الثمن) للبائع؛ لاستوائهما في تعلق حقهما بعين الثمن والمثمن.
وأما نصب العدل؛ فلأنه طريق إلى قطع النزاع من غرض كل واحد منهما. فوجب المصير إليه.
وأما كون العدل لا يُسلِّم الثمن للبائع حتى يسلم المبيع للمشتري؛ لأن قبض المبيع من تتمات البيع في بعض صوره، واستحقاق الثمن مرتب على تمام البيع. ولجريان عادة الناس بذلك.
(وإن كان) الثمن (ديناً أجبر بائع) أولاً على التسليم، لتعلق حق المشتري بعين المبيع. (ثم) يجبر (مشتر إن كان الثمن حالاًّ بالمجلس)؛ لوجوب دفعه عليه فوراً مع إمكانه وقد أمكن.
(وإن كان) حالاًّ وهو غائب (دون مسافة قصر: حُجر على مشترٍ في ماله كله) حتى المبيع، (حتى يسلمه) خوفاً من أن يتصرف في ماله تصرفاً يضر بالبائع.
(وإن غيبه) أي: غيب المشتري ماله (ب) بلد (بعيد) فوق مسافة القصر، (أو) لم يغيبه بل (كان) ماله (به، أو ظهر عسره) أي: عسر مشتر: (فلبائع الفسخ)؛لأنه لما تعذر عليه قبض الثمن صار (كمفلس.
وكذا) أي: وكبائع في هذه الأحكام (مؤجر بنقد حال.
وإن أحضر) مشتر (بعض الثمن: لم يملك أخذ ما يقابله) من (١) المبيع (إن نقص بتشقيص)؛ كمصراعي باب. خوفاً من أن يتصرف فيه ولا يقدر على باقي الثمن. فيحصل للبائع الضرربنقص قيمة ما بقي في يده.
стр. 2090
وقيل: ليس له أخذ شيء من المبيع إلا بإحضارجميع الثمن.
وقيل: له أخذ ما يقابل ما يحضره من الثمن مطلقاً.
(ولا يملك بائع مطالبة بثمن بذمة) ولو معيناً زمن خيار شرط.
(ولا) يملك (أحدهما قبض) ثمن (معين زمن خيار شرط بغير إذن صريح) في القبض (ممن الخيار له)؛ لأن مَن له الخيار لم ينقطع علقه عن المبيع. فلم يجب عليه (١) تسليم (٢) المبيع ولا الثمن.
стр. 2091
[فصل: في التصرف في المبيع قبل قبضه]
(فصل. وما) أي: أي شيء (اشتُري) بالبناء للمفعول (بكيل)؛ كقفيز
من صُبْرة، (أو وزن)؛ كرطل من حديدة، (أو عدٍ)؛ كصُبْرة جوز على أنها مائه، (أو ذرع)؛ كثوب على أنه عشرة أذرع: (مُلك) المبيع بمجرد عقد، (ولزم) البيع فيه (بعقد) لا خيار فيه؛ كبقية المبيعات.
(ولم يصح) من مشتريه (يبعه ولو لبائعه، ولا الاعتياض عنه، ولا إجارته، ولا هبته ولو بلا عوض، ولا رهنه ولو قبض ثمنه، ولا حوالة عليه: قبل قبضه)؛ لقول النبي ﷺ : "من ابتاع طعاماً فلا يبعه (١) حتى يستوفيه" (٢) . متفق عليه.
ولأنه من (٣) ضمان بائعه. فلم يجز فيه شيء من ذلك؛ كالسلم.
وعموم الخبر يشمل بيعه من بائعه، وغير البيع من التصرفات المذكورة مقيس على البيع.
وفيه رواية: يصح من بائعه.
وظاهر (٤) ما تقدم أن المكيل والموزون والمعدود والمذروع إذا اشتري جزافاً كالصُبْرة المتعينة (٥) والثوب: يجوز التصرف فيه قبل قبضه. وهو كذلك نصاً؛ لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنه (٦) : " مضت السنة أن ما أدركته الصفقة
стр. 2092
حياً مجموعاً فهي من مال المشتري " (١) .
ولأن التعيين كالقبض.
(ويصح) قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع (جزافاً إن علما قدره)؛ لحصول المقصود به.
ولأنه مع علمهما قدره يصير كالصُبْرة المتعينة.
وسيأتى أن قبضها بمجرد نقلها. .
ولما كان التصرف في المبيع المقدم ذكره قبل قبضه ينقسم إلى فاسد وهو ما تقدم ذكره، وإلى صحيح: شَرع في ذكره فقال:
(و) يصح (عتقه) أي: رقيق بِيع بعد قبل قبضه وجهاً واحداً، (وجعلُه) أي: جعل المبيع الذي لا يصح بيعه قبل قبضه (مهراً.
و) يصح (خلع عليه، ووصية به). وزاد بعضهم: وتزويجه قبل قبضه.
أما العتق؛ فلأنه كالإتلاف، وإتلاف المشتري كقبضه، ولتشوّف الشارع إليه، ولنفوذه بالملك والسراية.
وأما صحة جعله مهراً والخلع عليه؛ فلعدم فسادهما بتلف عوضهما قبل قبضه، ولاغتفار الغرر اليسير فيهما لصحتهما على ما لا قدرة لجاعل على تسليمه؛ كالآبق والشارد.
(وينفسخ العقد) أي: عقد البيع (٢) (فيما تلف بآفة) أي: مما اشتري
بكيل أو وزن أو عدِّ أو ذرع قبل قبضه؛ لأن في تلفه بفعل الآدمي تفصيلا يأتى (٣) .
وإنما انفسخ العقد فيما تلف؛ لأنه من ضمان بائعه.
стр. 2093
(ويخير مشتر إن بقي شيء) في أخذه بقسطه من الثمن، (كما) يخير (لو تعيب بلا فعل، ولا أرش) له إن أخذه معيباً؛ لأنه حيث رضيه معيباً فكأنه اشتراه معيباً عالماً بعيبه بذلك. ومع اختيار رد المبيع، له استرجاع ما دفع من الثمن. ويبرأ بمجرد اختيار الرد من جميع الثمن إن لم يكن دفع شيئا.
(و) إن تلف المبيع أو عاب قبل قبضه (بإتلاف مشتر او تعييبه) له:
(لا خيار) لمشترٍ؛ لأن إتلافه له كقبضه.
ولأنه إذا عيبه فقد عيب ملك نفسه. فلا يرجع به على غيره.
(و) إن تلف أو تعيب (بفعل بائع، أو) بفعل (أجنبي: يخير مشتر بين فسخ) أي: فسخ عقد البيع ويرجع على بائع بما أخذ من ثمنه؛ لأن التلف والتعيب حصل في يده فضمنه.
(و) بين (إمضاء، وطلب) لمتلف (بمثل مثليِّ) منه (١) . وهو: المكيل والموزون، (او قيمة متقوم) منه. وهو: المذروع والمعدود (مع تلف) أي: في مسألة التلف، أو إمضاء (و) مطالبة معيبه (بنقص) أي: بأرش نقصه (مع تعيب) أي: في مسألة التعيب؛ لتعديهما على ملك الغير في المسألتين. وقيل: ينفسخ العقد بتلفه بفعل الآدمي، كما إذا تلف بفعل الله تعالى.
وفرق بينهما: بأنه إذا تلف بفعل الله تعالى لم يوجد مقتض للضمان، سوى حكم العقد. بخلاف ما إذا أتلفه آدمي ولو البائع. فإن إتلافه يقتضي الضمان بالمثل في المثلي، وبالقيمة في المتقوم فيما إذا أمضى المشتري العقد. وحكم العقد يقتضي الضمان بالثمن فيما إذا اختار المشتري الفسخ. فكانت الخيرة إلى المشتري في التضمين بأيهما شاء.
(والتالف) بآفة مما ذكر فبل قبضه إن كان الجميع أو البعض (من مال بائع)؛ " لأنه ﵇ نهى عن ربح ما لم يضمن " (٢) .
стр. 2094
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن قوله: "نهى عن ربح ما لم يضمن "، قال: هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول ومشروب. فلا يبيعه حتى يقبضه. (ف) يتفرع على هذا (لو أبيع أو أخذ بشفعة ما) أي: مبيع (اشتري بكيل، ونحوه)؛ كمن اشترى عبداً أو شقصاً مشفوعاً بصُبْرة بر على أنها عشرة أقفزة، أو بثوب على أنه عشرة أذرع فباع العبد أو أخذ الشقص بالشفعة، (ثم تلف الثمن) وهو: الصُبْرة أو الثوب (قبل قبضه: انفسخ العقد الأول) الذي وقع على الصُبْرة أو الثوب (فقط) أي: دون الثانى. وهو: الذي وقع على العبد ثانيا وللأخذ بالشفعة؛ لأنه كمل قبل فسخ العقد الأول.
(وغرم المشتري الأول) وهو الذي اشترى العبد أو الشقص بالصُبْرة أو الثوب (للبائع) الذي باع العبد أولاً أو الشقص (قيمة المبيع) الذي هو العبد أو الشقص؛ لتعذر رده، (وأخذ) غارم القيمة (من الشفيع مثل الطعام)؛ لأنه عوض الشقص.
(ولو خلط) ما اشتري بكيل أو وزن أو عد أو ذرع قبل قبضه (بما) أي: بشيء
(لا يتميز) منه؛ كبر ببر وزيت بمثله: (لم ينفسخ) العقد بهذا الخلط؛ لبقاء عينه، (وهما) اي: المالكان للمختلط (شريكان) فيه بقدر ملكيهما، (ولمشترالخيار) أي: بين الفسخ والإمضاء ويكون شريكاً فيما خلط بقدر حصته.
(وما عدا ذلك) أي: عدا ما اشتري بكيل أو وزن أو عد أو ذرع؛ كالعبد والدار: (يصح التصرف فيه قبل قبضه)؛ لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنه: " كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس. فسألنا رسول الله ﷺ فقال: لا بأس أن تؤخذ بسعر يومها ما لم تتفوقا وبينكما شيء" (١) رواه الخمسه.
стр. 2095
(إلا المبيع بصفة، أو رؤية متقدمة) أي: فإنه لا يصح التصرف فيه قبل
قبضه.
(و) يكون قبل قبضه (من ضمان مشتر)؛ لقوله ﵇: " الخراج بالضمان " (١) . وهذا المبيع للمشتري فضمانه عليه.
(إلا إن منعه بائع) من مشتر نصاً، (أو كان) المبيع (ثمراً على شجر)
على ما يأتى، (أو) كان (بصفة أو برؤية متقدمة: ف) إنه إذا أتلف في المسائل الثلاث كان (من بائع) أي: من ضمان بائع.
اما في الأولى؛ فلأنه بمنعه يكون كغاصب فيضمنه ضمان غصب لا عقد ولو
أن حبسه على ثمنه؛ لأنه ليس له ذلك ولا يكون رهناً إلا أن يكون قد اشترط عليه
في نفس البيع.
وأما في الثانية؛ فلما يأتي في باب بيع الأصول والثمار (٢) .
وأما في الثالثة وهي ما إن كان المبيع بصفة أو رؤية متقدمة؛ فلأنه تعلق به حق توفية. فجرى مجرى ما اشتري بكيل أو وزن أو عد أو ذرع.
(وما لا يصح تصرف مشتر فيه، ينفسخ العقد بتلفه قبل قبضه)؛ لما تقدم
من أنه أجري مجرى ما اشترى بكيل او وزن او عد أو ذرع.
(وثمن) في مبيع (ليس في ذمة) بأن كان معيباً (كمثمن) فيما تقدم من
الأحكام.
стр. 2096
(وما) أي: والذي (في الذمة له) أي: للبائع (أخذ بدله) من المشتري؛ (لاستقراره) في ذمته.
(وحكم كل عوض ملك بعقد) متصف بأنه (ينفسخ بهلاكه) أي: العوض (قبل قبضه؛ كأجرة معينة) في عقد إجارة.
(وعوض) معين (في صلح) واقع (بمعنى بيع، ونحوهما) أي: نحو الأجرة وعوض الصلح المعينين: (حكم عوض في بيع) هذا خبر قوله: وحكم كل عوض. والمراد: التساوي في الحكم (في جواز التصرف) حيث يجوز في البيع، (ومنعه) حيث يمتنع فيه.
(وكذا) أي: وكحكم هذا العوض الذي ينفسخ العقد بهلاكه قبل قبضه في جواز التصرف وعدمه (ما) أي: عوض (لا ينفسخ) العقد (بهلاكه قبل قبضه)؛ وذلك (كعوض عتق، و) عوض (خلع، ومهر، و) عوض (مصالح به عن دم عمد، و) ك (أرش جناية، وقيمة متلف، ونحوه)؛ كعوض طلاق إلحاقاً لذلك بعقد البيع في الأصح.
وقيل: له التصرف فيه قبل قبضه فيضمنه (١) .
(لكن) يفارق البيع من حيث: إنه لا ينفسخ العقد فيه بتلف قبل القبض،
بل (يجب بتلفه مثله) إن كان مثلياً، (أو قيمته) إن كان متقوماً؛ لأنه لما لم ينفسخ العقد وجب العوض.
(ولو تعين ملكه) أي: المتصرف (في) شيء من ملكه بلا عوض من (موروث أو وصية او غنيمة: فله التصرف فيه قبل قبضه)؛ لوجود الملك التام، وعدم توهم غرر الفسخ فيه.
(وكذا) في جواز التصرف (وديعة، ومال شركة، وعارية)؛ للعلة المتقدمة.
стр. 2097
(وما) أي: ومبيع (قبضه) بمجلس العقد (شرط لصحة عقده؛ كصرف، و) كرأس مال (سَلَم: لا يصح تصرفه فيه قبل قبضه). ولم يجز؛ لأنه لم يتم الملك فيه. أشبه التصرف في ملك غيره.
(ولا يصح) ويحرم (تصرف في مقبوض بعقد فاسد)؛ لأن فساد العقد كعدمه. فلا ينفذ (١) تصرفه فيه؛ لعدم انتقال الملك. (ويضمن هو) أي: المقبوض بعقد فاسد، (و) يضمن (زيادته) أيضاً؛ (ك) ضمان (مغصوب)؛ لأنه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشرع. فأشبه المغصوب.
فعلى هذا يلزمه أجرة مثل منفعته مدة مقامه بيده ويرد معه زيادته المنفصلة
وأرش ما نقص عنده. وعليه بدل ما تلف منه أو من زيادته الحاصلة عنده.
وفيها وجه: أنها أمانة. فلا ضمان عليه بتلفها عنده؛ كعارية.
стр. 2098
[فصل: فيما يحصل به القبض]
(فصل. ويحصل قبض ما) أي: مبيع (بيع بكيل أو وزن أو عدٍّ أو ذرع: بذلك) أي: بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع؛ لما روى عثمان مرفوعاً قال:
" إذا بعت فكِل، وإذا ابتعت فاكتل " (١) . رواه الإمام وهو للبخاري بغير إسناد. ولقوله ﵊: " إذا سميت الكيل فكل " (٢) . رواه الأثرم. وظاهره: أنه لا يشترط نقله. وهو كذلك على المذهب.
وإنما يصح الكيل أو الوزن أو العد أو الذرع (٣) (بشرط حضور مستحق)؛ لقوله عليه الصلاه والسلام في الحديث المتقدم: " وإذا ابتعت فاكتل ".
(أو نائبه) أي: نائب المستحق الكيل أو الوزن أو العد أو الذرع؛ [لقيام الوكيل مقام الموكل] (٤) .
) ووعاؤه) أي: وعاء المشتري (كيده). بدليل أنهما لو تنازعا ما فيه كان لربه. وفيه وجه.
(وتكره زلزلة الكيل) نصاً عند القبض؛ لاحتمال الزيادة على الواجب بذلك.
ولأن الرجوع في كيفية الاكتيال إلى عرف الناس في أسواقهم ولم تعهد فيها.
(ويصح قبض متعين بغير رضى بائع) وقبل نقد ثمنه أيضاً؛ لأن التسليم من مقتضيات العقد، وليس للبائع حبس المبيع على ثمنه.
стр. 2099
(و) يصح قبض (وكيل من نفسه لنفسه) نصاً.
قال في " الترغيب " وغيره: [وعليه الجمهور] (١) ، بأن يكون للوكيل دين
على الموكل، ويكون للموكل مثلاً. وديعة عند الوكيل من جنس ما له عليه من الدين. فيتوكل من عليه الدين للذي (٢) له الدين في قبض دينه مما له عنده من الوديعة؛ لأنه يصح أن يشتري لنفسه من مال ولده ويقبضه لنفسه من نفسه. فكذا
هنا.
(إلا ما كان من غير جنس ماله) أي: ما للوكيل على الموكل فلا؛ لافتقار
الاستيفاء إلى عقد معاوضة (٣) ولم توجد.
(و) يصح (استنابة من عليه الحق للمستحق) بأن يقول من عليه حق لربه:
اكتل من هذه الصُبْرة قدر حقك.
(ومتى وجده) أي: وجد (قابض) المقبوض (زائداً ما) أي: قدراً (لا
يُتغابن به) في العادة: (أعلمه) أي: أعلم القابض المقبوض بالزائد وجوباً.
ولم يجب عليه رده بلا طلب.
ونقل المروذي: يرده.
(وإن قبضه) المشتري من غير اختبار بل (ثقة بقول باذل: إنه قدر حقه)
واعتماداً على صدقه (ولم يحضر كيله، أو وزنه) ثم اختبره فوجده ناقصاً:
(قُبل قوله في) قدر (نقصه) حيث لا بينة؛ لأنه منكر. فكان القول قوله بيمينه.
(وإن صدّقه) قابض (في قدره: برئ) الباذل (من عهدته). فلا (٤) يقبل
من قابض بعد تصديقه دعوى نقص.
стр. 2100
(ولا يتصرف فيه) القابض؛ (لفساد القبض)؛ لأن القبض الصحيح في
ذلك بالكيل أو الوزن الموجودين في (١) حضور مستحق أو نائبه، ولم يوجد. (ولو أذن) رب دين (لغريمه في الصدقة بدينه) الذي عليه (عنه) أي: عن الآذن، (أو) في (صرفه) عنه: (لم يصح) إلإذن (ولم يبرأ) المدين بفعل ذلك؛ لأن (٢) الآذن لا يملك شيئاً مما في يد غريمه إلا بقبضه، والقبض لم يوجد. فإذا تصدق أو صرف ما ميزه لذلك فقد حصل بغير مال الآذن. فلم يبرأ بذلك. وفيه وجه.
(ومن قال) لآخر (ولو لغريمه: تصدق عني بكذا، ولم يقل: من ديني: صح) وجهاً واحداً؛ لأنه إذا أمره بالصدقة عنه ففعل لزم.
(وكان) القدر المتصدق به (اقتراضاً) من المأذون له (٣) ، وتوكيلاً له في الصدقة به.
(لكن) إن كان المأذون له مدين الآذن والمأذون فيه من نوع ما عليه له (يسقط من دين غريم بقدره) أي: المأذون فيه (بالمقاصَّة) متعلق بيسقط. (وإتلاف مشتر) المبيع مطلقاً وإتلاف (متهب) العين الموهوبة له (بإذن واهب: قبضٌ) للمبيع والموهوب. (لا غصبه) أي: لا إذا غصب المشتري المبيع الذي لا يدخل في ضمانه إلا بقبضه، ولا إذا غصب المتهب العين الموهوبة له: فإن ذلك لا يكون قبضاً. فلا يصح تصرفه فيهما.
(وغصب بائع) المشتري (ثمناً) للمبيع غير معين، (أو أخذه) أي: أخذ البائع الثمن من مال المشتري (بلا إذن) منه: (ليس قبضاً) للثمن، (إلا مع) وجود (المقاصَّة) من المشتري، بأن يوصي أن يكون ما أخذه البائع عوضاً عما عليه له من الثمن.
стр. 2101
(وأجرة كيَّالٍ) لمكيل، (ووزَّانٍ) لموزون، (وعدَّادٍ) لمعدود، (وذرَّاعٍ) لمذروع، (ونقَّادٍ) لمنقود، (ونحوهم)؛ كمصفي المبيع من غلته (على باذل) لذلك؛ لأنه تعلق به حق التوفية، ولا تحصل إلا بذلك. أشبه السقي على بائع الثمرة.
(ونقل) لمبيع يحصل به قبضه به (على مشتر)؛ لأنه لايتعلق به حق توفية. نص عليه.
(ولا يضمن ناقدٌ حاذقٌ أمين خطأ) وجد منه في المنصوص. سواء كان متبرعاً أو بأجرة.
(و) يحصل القبض (في صُبْرة) بيعت جزافاً (وما ينقل)؛ كأحجار الطواحين: (بنقله) فيهما، وفي حيوان بتمشيته.
(و) في (ما يتناول)؛ كالدراهم والدنانير والجواهر (بتناوله) با ليد.
(و) في (غيره) أي: غير ما ذكر؛ كالأرض والبناء والشجر (بتخلية)
بينه وبين مشتريه، لا حائل دونه؛ لأن القبض مطلق في الشرع. فوجب الرجوع فيه إلى العرف؛ كالإحراز والتفرق. والعرف في قبض هذه الأشياء ما ذكرناه.
(لكن يعتبر في قبض) جزء (مشاع)؛ كنصف وربع من شيء (ينقل، إذنُ شريكه) أي: شريك البائع. (فلو أباه) أي: أبى الشريك الإذن في القبض (وكَّل فيه. فإن أبى) أن يوكل فيه (نصب حاكم من يقبض)؛ مراعاة لحق الشريكين.
(ولو سلمه) البائع (بلا إذنه) أي: الشريك (فالبائع غاصب)؛ لتعديه. (وقرار الضمان) فيما إذا تلف (على مشتر: إن علم) أن له فيه شريكاً لم يأذن.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم ذلك (فعلى بائع).
стр. 2102
[فصل: - في الإقالة]
(فصل. والإقالة) في البيع مستحبة لأحد المتعاقدين مع ندم الآخر؛ لما روى ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً قال: " من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة " (١) . ورواه ابو داود. وليس فيه ذكر: يوم القيامة.
وفيها عن الإمام روايتان:
إحداهما: انها بيع؛ لأنها نقل ملك بعوض على وجه التراضي. فكانت بيعاً؛ كالأول.
والثانية التي هي المذهب: أنها (فسخ)؛ لأنها (تصح قبل قبض) فيما
بيع بكيل أو وزن أو عدّ أو ذرع، وفي سلم.
قال ابن المنذر: وفي إجماعهم أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلَم فيه: دليلُ على أن الإقالة ليست بيعاً.
(و) تصح (بعد نداء جمعة). بخلاف البيع.
(و) تصح (من مضارب وشريك ولو بلا إذن) من رب المال ومن الشريك الآخر.
(و) تصح (من مفلس بعد حجر) عليه (لمصلحة) فيهن.
(و) تصح (بلا شروط بيع) كما لو تقايلا في آيق أو شارد فإنها تصح. بخلاف البيع.
وتصح بلفظها، (وبلفظ صلح، و) بلفظ (بيع).
стр. 2103
قال ابن رجب: ظاهر كلام كثير من الأصحاب انعقادها بذلك، وتكون معاطاة.
(و) مراده: أنها تصح ب (ما يدل على معاطاة.
ولا خيار فيها) أي: في الإقالة في مجلس ولا شرط (١) . (ولا شفعة) فيها أيضاً. نص عليه في رواية ابن الحكم؛ لأن ما كان فسخاً في حق المتعاقدين كان فسخاً في حق غيرهما؛ كالرد بالعيب.
(ولا يحنث بها) أي: بالإقالة (من حَلَفَ: لا يبيع).
ولا يبر من (٢) حلف: ليبيعن. ولا يقع بها طلاق ولا عتق معلق على بيع. (ومُؤْنة رد) مبيع تقايلا فيه (على بائع)؛ لأن المبيع يبقى بيد المشتري بعد التقايل أمانة. فلا تلزمه مُؤْنة رده؛ كمودع (٣) .
(ولا تصح مع تلف مثمن) مطلقاً، (و) لا مع (موت عاقد) أيهما كان؛
لأن خيار الإقالة يبطل بالموت.
وفيه وجه: إن قيل انها بيع.
وفيه وجه وقيل (٤) : إنها فسخ.
(ولا) تصح إن قيل إنها فسخ أو بيع في الأصح (بزيادة على ثمن) وقع العقد عليه، (أو) مع (نقصه، أو بغير جنسه). ولا ينتقل ملك المشتري عنه بذلك؛ لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد إلى الذي له. فلو قال المشتري للبائع: أقلني ولك كذا ففعل فقد نص الإمام على كراهة ذلك معللاً بشبهه بمسائل العينة؛ لأن السلعة ترجع إلى صاحبها ويبقى له على المشتري فضل دراهم.
стр. 2104
قال ابن رجب: لكن محذور الربا هنا بعيد جداً؛ لأنه لا يقصد أحد أن يرفع عشرة ثم يأخذ نقداً خمسة مثلاً، لا سيما والدافع هنا هو الطالب لذلك الراغب فيه.
وذكر أيضاً من فوائد الخلاف أنه لو تقايلا بيعاً فاسداً ثم بعد التقايل حكم حاكم بصحته: فإن قيل: أنها بيع نفذ حكمه بصحته، وإن قلنا فسخ لم ينفذ؛ لأن العقد ارتفع بالإقالة فصار كأنه لم يوجد.
وظاهر ما تقدم أنها تصح مع تلف الثمن وهو كذلك، ولعله قولا واحداً.
(والفسخ) بإقالة أو غيرها: (رفع عقد) وقع (من حين فسخ). فما حصل من كسب أونماء منفصل فلمشتر (١) .
стр. 2105
[باب: الربا والصرف]
هذا (باب) أحكام (الربا و) أحكام (الصرف).
والربا: محرم بالإجماع، وسنده قوله تعالى) وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة: ٢٧٥].
وما روى أبو هريرة مرفوعاً: " اجتنبوا السبع الموبقات. وذكر منها أكل الربا " (١) .
ثم (الربا) لغة: الزيا دة.
وشرعاً: (تفاضل في أشياء). وهي: المكيلات بجنسها، والموزونات بجنسها.
(ونَسَاء في أشياء). وهي: المكيلات بالمكيلات. سواء كانت من جنسها أم من غير جنسها، والموزونات بالموزونات كذلك ما لم يكن أحدهما نقداً. وسيأتي في المتن تفاصيل ذلك.
(يختص) التحريم (بأشياء ورد الشرع بتحريمها). وسيأتي تعريف الصرف في المتن (٢) .
(فيحرم ربا فضل: في كل مكيل) مطعوم؛ كالبر، وغير مطعوم؛ كالأشنان والنور (٣) ، (أو موزون) مطعوم؛ كالسكر، أو غير مطعوم؛ كالكتان (بجنسه)؛ لما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح