(وأجرة كيَّالٍ) لمكيل، (ووزَّانٍ) لموزون، (وعدَّادٍ) لمعدود، (وذرَّاعٍ) لمذروع، (ونقَّادٍ) لمنقود، (ونحوهم)؛ كمصفي المبيع من غلته (على باذل) لذلك؛ لأنه تعلق به حق التوفية، ولا تحصل إلا بذلك. أشبه السقي على بائع الثمرة.
(ونقل) لمبيع يحصل به قبضه به (على مشتر)؛ لأنه لايتعلق به حق توفية. نص عليه.
(ولا يضمن ناقدٌ حاذقٌ أمين خطأ) وجد منه في المنصوص. سواء كان متبرعاً أو بأجرة.
(و) يحصل القبض (في صُبْرة) بيعت جزافاً (وما ينقل)؛ كأحجار الطواحين: (بنقله) فيهما، وفي حيوان بتمشيته.
(و) في (ما يتناول)؛ كالدراهم والدنانير والجواهر (بتناوله) با ليد.
(و) في (غيره) أي: غير ما ذكر؛ كالأرض والبناء والشجر (بتخلية)
بينه وبين مشتريه، لا حائل دونه؛ لأن القبض مطلق في الشرع. فوجب الرجوع فيه إلى العرف؛ كالإحراز والتفرق. والعرف في قبض هذه الأشياء ما ذكرناه.
(لكن يعتبر في قبض) جزء (مشاع)؛ كنصف وربع من شيء (ينقل، إذنُ شريكه) أي: شريك البائع. (فلو أباه) أي: أبى الشريك الإذن في القبض (وكَّل فيه. فإن أبى) أن يوكل فيه (نصب حاكم من يقبض)؛ مراعاة لحق الشريكين.
(ولو سلمه) البائع (بلا إذنه) أي: الشريك (فالبائع غاصب)؛ لتعديه. (وقرار الضمان) فيما إذا تلف (على مشتر: إن علم) أن له فيه شريكاً لم يأذن.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم ذلك (فعلى بائع).
стр. 2102
[فصل: - في الإقالة]
(فصل. والإقالة) في البيع مستحبة لأحد المتعاقدين مع ندم الآخر؛ لما روى ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً قال: " من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة " (١) . ورواه ابو داود. وليس فيه ذكر: يوم القيامة.
وفيها عن الإمام روايتان:
إحداهما: انها بيع؛ لأنها نقل ملك بعوض على وجه التراضي. فكانت بيعاً؛ كالأول.
والثانية التي هي المذهب: أنها (فسخ)؛ لأنها (تصح قبل قبض) فيما
بيع بكيل أو وزن أو عدّ أو ذرع، وفي سلم.
قال ابن المنذر: وفي إجماعهم أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلَم فيه: دليلُ على أن الإقالة ليست بيعاً.
(و) تصح (بعد نداء جمعة). بخلاف البيع.
(و) تصح (من مضارب وشريك ولو بلا إذن) من رب المال ومن الشريك الآخر.
(و) تصح (من مفلس بعد حجر) عليه (لمصلحة) فيهن.
(و) تصح (بلا شروط بيع) كما لو تقايلا في آيق أو شارد فإنها تصح. بخلاف البيع.
وتصح بلفظها، (وبلفظ صلح، و) بلفظ (بيع).
стр. 2103
قال ابن رجب: ظاهر كلام كثير من الأصحاب انعقادها بذلك، وتكون معاطاة.
(و) مراده: أنها تصح ب (ما يدل على معاطاة.
ولا خيار فيها) أي: في الإقالة في مجلس ولا شرط (١) . (ولا شفعة) فيها أيضاً. نص عليه في رواية ابن الحكم؛ لأن ما كان فسخاً في حق المتعاقدين كان فسخاً في حق غيرهما؛ كالرد بالعيب.
(ولا يحنث بها) أي: بالإقالة (من حَلَفَ: لا يبيع).
ولا يبر من (٢) حلف: ليبيعن. ولا يقع بها طلاق ولا عتق معلق على بيع. (ومُؤْنة رد) مبيع تقايلا فيه (على بائع)؛ لأن المبيع يبقى بيد المشتري بعد التقايل أمانة. فلا تلزمه مُؤْنة رده؛ كمودع (٣) .
(ولا تصح مع تلف مثمن) مطلقاً، (و) لا مع (موت عاقد) أيهما كان؛
لأن خيار الإقالة يبطل بالموت.
وفيه وجه: إن قيل انها بيع.
وفيه وجه وقيل (٤) : إنها فسخ.
(ولا) تصح إن قيل إنها فسخ أو بيع في الأصح (بزيادة على ثمن) وقع العقد عليه، (أو) مع (نقصه، أو بغير جنسه). ولا ينتقل ملك المشتري عنه بذلك؛ لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد إلى الذي له. فلو قال المشتري للبائع: أقلني ولك كذا ففعل فقد نص الإمام على كراهة ذلك معللاً بشبهه بمسائل العينة؛ لأن السلعة ترجع إلى صاحبها ويبقى له على المشتري فضل دراهم.
стр. 2104
قال ابن رجب: لكن محذور الربا هنا بعيد جداً؛ لأنه لا يقصد أحد أن يرفع عشرة ثم يأخذ نقداً خمسة مثلاً، لا سيما والدافع هنا هو الطالب لذلك الراغب فيه.
وذكر أيضاً من فوائد الخلاف أنه لو تقايلا بيعاً فاسداً ثم بعد التقايل حكم حاكم بصحته: فإن قيل: أنها بيع نفذ حكمه بصحته، وإن قلنا فسخ لم ينفذ؛ لأن العقد ارتفع بالإقالة فصار كأنه لم يوجد.
وظاهر ما تقدم أنها تصح مع تلف الثمن وهو كذلك، ولعله قولا واحداً.
(والفسخ) بإقالة أو غيرها: (رفع عقد) وقع (من حين فسخ). فما حصل من كسب أونماء منفصل فلمشتر (١) .
стр. 2105
[باب: الربا والصرف]
هذا (باب) أحكام (الربا و) أحكام (الصرف).
والربا: محرم بالإجماع، وسنده قوله تعالى) وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة: ٢٧٥].
وما روى أبو هريرة مرفوعاً: " اجتنبوا السبع الموبقات. وذكر منها أكل الربا " (١) .
ثم (الربا) لغة: الزيا دة.
وشرعاً: (تفاضل في أشياء). وهي: المكيلات بجنسها، والموزونات بجنسها.
(ونَسَاء في أشياء). وهي: المكيلات بالمكيلات. سواء كانت من جنسها أم من غير جنسها، والموزونات بالموزونات كذلك ما لم يكن أحدهما نقداً. وسيأتي في المتن تفاصيل ذلك.
(يختص) التحريم (بأشياء ورد الشرع بتحريمها). وسيأتي تعريف الصرف في المتن (٢) .
(فيحرم ربا فضل: في كل مكيل) مطعوم؛ كالبر، وغير مطعوم؛ كالأشنان والنور (٣) ، (أو موزون) مطعوم؛ كالسكر، أو غير مطعوم؛ كالكتان (بجنسه)؛ لما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح
стр. 2106
بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد " (١) . رواه الإمام أحمد ومسلم.
وعن أبي سعيد مرفوعاً نحوه (٢) . متفق عليه.
(وإن قل) المبيع؛ (كتمرة بتمرة)؛ لأنه مال يجوز بيعه بحيث من حلف
لا يبيع مكيلاً حنث به. فيكال وإن خالف عادة؛ كموزون.
و (لا) يحرم الربا (في ماء) لإباحته أصلاً، وعدم تموله عادة ولو قيل إنه مكيل. وفيه وجه.
(ولا فيما لا يوزن عُرفاً لصناعته)؛ لارتفاع سعره بها (من غير ذهب أو فضة).
[قال المنقح في " حواشي التنقيح ": الذي يظهر أن محل ما لا يوزن لصناعته
في غير الذهب والفضة. فأما الذهب والفضة فلا يصح فيهما مطلقاً، ولهذا لم نرهم مثلوا بهما. إنما يمثلون بالنحاس والرصاص والحديد ونحوها] (٣) . (كمعمول من نحاس) خواتم ونحوها، (و) معمول من (٤) (حديد)؛ كسكاكين ونحوها، (و) معمول من (حرير وقطن)؛ كالثياب، (و) معمول من (نحو ذلك)؛ كالأكسية المتخذة من الصوف والثياب المتخذة من الكتان. (ولا في فلوس.) حيث كانت المعاملة بها (عدداً ولو) كانت (نافقة)؛
لأن هذه الأشياء ليست بمكيل ولا بموزون. إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والإجماع فيه.
وفيه (٥) رواية؛ لأن أصله الوزن.
стр. 2107
وعلم مما تقدم أن علة الربا في الذهب والفضة كونهما موزونى جنس. وفي
البر والشعير والتمر والملح؛ كونهن مكيلات جنس. نقل ذلك الجماعة عن الإمام. وفعل المكيال شرط.
فعلى هذا يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه؛ كالحبوب كلها، والأشنان والنورة والقطن والصوف والكتان والورس والحناء والعصفر والحديد والنحاس والرصاص؛ لأن القياس دليل شرعي. فيجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه.
ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن؛ كالبيض والجوز والحيوان.
ويشترط في بيع (١) مكيل أو موزون بجنسه مع التماثل الحلول والتقابض بالمجلس. وسيأتى التنبيه على ذلك في المتن. والتعيين صرح به في " المستوعب " وهو مراد من أطلق.
قال في " المستوعب ": وإذا تبايعا جنساً فيه الربا بجنسه لم يجز إلا متماثلاً
عيناً بعين، وإذا تبايعا جنسين علة ربا الفضل فيهما واحدة متساويين أو متفاضلين عيناً بعين، أو في الذمم بالصفة (٢) ثم تقابضا قبل التفرق: فكل ذلك جائز. انتهى.
وعنه: لا يحرم ربا الفضل إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم آدمي. فتكون العلة في الأثمان الثمنّية. وفيما عداها كونه مطعوم جنس. فيختص بالمطعومات.
وعنه: لا يحرم إلا في الذهب والفضة والمطعوم إذا كان مكيلاً أو موزوناً. وقيل: لا يحرم إلا في الأعيان الستة المنصوص عليها؛ لتعارض الأدلة فيما سواها وخفاء العلة.
стр. 2108
ورجح هذا القول ابن عقيل في " عمدة (١) الأدلة ".
(ويصح بيع صُبْرة) من مكيل أو موزون (بجنسها)؛ كصُبْرة بر بصُبْرة بر، وكومة من جبن بكومة من جبن يجانسه (إن علما كيلهما) أي: الصبرتين، (و) علما (تساويهما) في الكيل أو الوزن؛ لوجود التماثل المشترط.
(أو لا) أي: وكذا يصح البيع إن لم يعلما كيلهما أو وزنهما (وتبايعاهما) على أن يكون المبيع (مثْلاً بمثل. فكِيلتا) أو وزنتا (فكانتا سواء)؛ لوجود التماثل المشترط.
(و) يصح بيع (حب جيد بخفيف) من جنسه متساويين كيلاً؛ لأنهما تساويا في معيارهما الشرعي. فلا يؤثر اختلافهما في القيمة.
(لا) بيع حب جيد (بمُسوّس)؛ لأنه لا طريق لنا إلى العلم بالمماثلة وهو حب. والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
(ولا) يصح بيع (مكيل) أي: أصله الكيل؛ كالبر والشعير والتمر والملح (بجنسه وزناً)؛ كرطل بُرّ برطل بُرّ ونحو ذلك.
(ولا) بيع (موزون) أي: أصله الوزن؛ كالذهب (٢) والفضة والنحاس والرصاص (بجنسه كيلاً)؛ لقوله ﵊: " الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل، والشعير بالشعير كيلاً بكيل ". رواه الأثرم من حديث عبادة.
ولمسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " الذهب بالذهب وزناً بوزن،
مثلاً بمثل. فمن زاد أو استزاد فهو ربا " (٣) .
ولأن التماثل مشترط في المكيل بالكيل، وفي الموزون بالوزن. فمتى باع رطلاً من المكيل برطل منه حصل في الرطل من الخفيف أكثر مما حصل من
стр. 2109
الثقيل. فيختلفان (١) في الكيل، والتماثل فيه مشترط.
وكذا إذا باع الموزون كيلاً. وبكل حال لا يتحقق التماثل في المعيار الشرعي. والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. فلو كيل المكيل أو وزن الموزون فكانا سواء صح، ولهذا قال في المتن:
(إلا إذا عُلم مساواته) أي: المكيل الذي بيع وزناً، أو الموزون الذي بيع كيلاً (في معياره الشرعي.
ويصح) البيع فيما (إذا اختلف الجنس)؛ كبُر بشعير (كيلاً ووزناً وجزافاً) نصاً؛ لقوله ﵊: " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا الشعير بالبر كيف شئتم يداً بيد " (٢) . وفي لفظ: " إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً
بيد " (٣) . رواه مسلم وأبو داود.
ولأنهما جنسان يجوز التفاضل فيهما. فجازا جزافاً.
وفيه رواية: لا يجوز؛ لى " نهيه ﵊ في حديث جابر عن
بيع الصُبْرة بالصُبْرة من الطعام، لا يدرى ما كَيْل هذا وما كَيْل هذا " (٤) .
ويجاب عن هذا بأنه محمول على الجنس الواحد جمعاً بين الأدلة.
стр. 2110
(و) يصح (بيع لحم بمثله) أي: بوزنه (١) (من جنسه)؛ كلحم بقر بلحم بقر- وسيأتي تعريف الجنس (٢) - رطباً بمثله، ويابساً تناهى جفافه بمثله (إذا نُزع عظمه)؛ لأنه إذا لم ينزع (٣) أدى إلى الجهل بالتساوي. فإذا نزع صح البيع؛ كالذهب بالذهب مثلاً بمثل.
(و) يصح بيع لحم (بحيوان من غير جنسه) أي: مأكول، كقطعة من لحم ضأن أو بقر أو إبل بحمامة؛ لأنه مال ربوي بيع بغير أصله ولا جنسه. فجاز؛ (كب) حيوان (غير مأكول)، وكما لو باعه اللحم بالأثمان.
وفيه وجه: لا يصح.
ومفهوم ما تقدم: أنه لا يصح بيع اللحم بحيوان من جنسه وهو كذلك؛ لما روى سعيد " أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحي بالميت ". ذكره الإمام واحتج به (٤) . ولأنه مال ربوي بيع بأصله الذي فيه منه. فلم يجز؛ كبيع السمسم بالشيرج.
(و) يصح بيع (عسل بمثله) أي: بمماثل له في الكيل.
ومحل هذا الشرط: إذا اتحد الجنس؛ كعسل قصب بعسل قصب متحدين في (٥) النوع، وعسل نحل بعسل نحل (إذا صُفِّي) كل (٦) منهما من شمعه؛ لما تقدم في نزع العظم من اللحم.
(و) يصح بيع (فرع) من جنس- وسيأتي في المتن أن فروع الأجناس أجناس (٧) - (معه) أي: الفرع (غيره) أي: غير الفرع شيء (لمصلحته)؛ كالجبن. فإن معه ملحاً لمصلحته.
стр. 2111
(أو منفرداً) ليس معه شيء غيره (١) (بنوعه) متعلق ببيع.
فمثال بيع فرع معه غيره لمصحلته بنوعه؛ (كجبن بجبن.
و) مثال بيع فرع ليس معه غيره بنوعه بيع (سمن بسمن متماثلاً) حال (٢) من قوله: يصح. أي: في (٣) معياره الشرعي، وفي الرطوبة أو النشافة. فإن بيع الرطب من ذلك بالناشف يشبه بيع الرطب بالتمر.
(وبغيره) أي: يصح بيع الفرع بغير نوعه؛ (كزبد بمخيض. ولو) كان ذلك (متفاضلاً)؛ كرطل من زبد برطلين من مخيض؛ لاختلافهما في الجنس؛ لما يأتي من أن فروع الأجناس أجناس.
إلا ما استثني من ذلك بقوله: (إلا مثل زبد بسمن) أي: فلا يصح بيعه به؛
(لاستخراجه) أي: السمن (منه) أي: من الزبد. أشبه بيع السمسم بالشيرج. (لا) بيع (ما) أي: نوع (معه ما) أي: شيء (ليس لمصلحته؛ ككَشْك بنوعه) أي: بكشك؛ لأنه مختلط بغيره فهو كمسألة مد عجوة.
(ولا) بيع فرع (بفرع غيره) مع اتحاد الأصل؛ ككشك بجبن أو بهريسة؛
لأنه إذا لم يمكن التماثل في (٤) الفرع الواحد ففي الفرعين (٥) أولى.
(ولا) بيع (فرع بأصله؛ كأقط)؛وزبد أو سمن أو مخيض (بلبن)؛ لاستخراج ذلك منه. أشبه بيع لحم الحيوان بحيوان (٦) من جنسه.
(ولا) يصح بيع (نوع مسته النار)؛ كخبز البر (بنوعه الذي لم تمسه)؛ كعجين البر؛ لأن النار عقدت أجزاء أحدهما وذهبت ببعض رطوبته. فجهل التساوي بينهما، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
стр. 2112
ثم أخذ في تعريف الجنس فقال: (والجنس: ما) أي: مسمى خاص
(شمل أنواعاً)، واحدها نوع. وهو: ما شمل أشياء مختلفة بالشخص. وقد يكون النوع جنساً باعتبار ما تحته والجنس نوعاً باعتبار ما فوقه.
ثم مثل الجنس بقوله: (كالذهب) فإنه يشمل البندقي والتكروري وغيرهما، (والفضة والبر والشعير والتمر والملح) نص عليه؛ لشمول كل اسم
من ذلك لأنواع.
(وفروعها) أي: فر وع (١) الأجناس (أجناس).
و" الفروع "؛ (كالأدقَّة والأخباز والأدهان) والخلول وعصير الأشياء المختلفة.
وعلم. مما تقدم أن زيت الزيتون جنس، وزيت البطم جنس، وزيت الفجل
جنس، وزيت القرطم جنس، وزيت السلجم جنس، وزيت الكتان جنس، يجوز بيع زيت كل (٢) منها بآخر متساوياً ومتفاضلاً.
(واللحم واللبن) كل منهما (أجناس ب) سبب (اختلاف أصولهما).
فلحم الغنم جنس ولبنها جنس، ولحم البقر جنس ولبنها جنس، ولحم الإبل جنس ولبنها جنس. وكذلك لحم سائر الحيواناب ولبنها.
وعنه: أن اللحم كله جنس، [واللبن كله جنس] (٣) ؛ لأنه يشمله اسم
واحد؛ كالطلع.
وينتقض بعسل النحل وعسل القصب.
وعنه: في اللحم أنه أربعة أجناس: لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم
الطير، ولحم دواب الماء.
(والشحم والمخ والألية، والقلب والطحال والرئة، والكلية والكبد
стр. 2113
والكارع: أجناس). فيجوز بيع رطل من شحم البقر برطلين من مخ البقر. وهو: ما يخرج من العظام، وبرطلين من الأَلْية ونحو ذلك؛ لأنهما جنسان. فجاز التفاضل بينهما؛ كاللحم باللبن.
(ويصح بيع دقيق ربوي)؛ كدقيق بر (بدقيقه) مثلاً بمثل، (إذا استويا) أي: الدقيقان (نعومة)؛ لأنهما تساويا حال العقد على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان. فجاز؛ كبيع التمر.
(ومطبوخه بمطبوخه) أي: يصح بيع مطبوخ جنس ربوي بمطبوخه؛ كسمن بقري بسمن بقري مثلاً بمثل.
(وخُبزه) أي: وخبز ربوي كبُر أو شعير أو دخن أو ذرة (بخبزه إذا استويا) أي: الخبزان (نَشَافاً أو رطوبة) مثلاً بمثل في المعيار الشرعي.
(وعصيره بعصيره)؛ كماء عنب بماء عنب، (ورطبه برطبه)؛ كالعنب بالعنب، والرطب بالرطب، (ويابسه بيابسه)؛ كالزبيب بالزبيب، والتمر بالتمر، (ومنزوع نواه) من التمر والزبيب (بمثله) أي: التمر المنزوع النوى بتمر منزوع النوى، والزبيب المنزوع النوى بزبيب منزوع النوى؟ كما لو كان في كل واحد منهما نواه.
(لا) منزوع نواه (مع نواه بما) أي: منزوع نواه (مع نواه)؛ لأن التبعية
قد زالت بالنزع. فصار كمسألة مد عجوة.
(ولا منزوع نواه بما نواه فيه.
ولا) يصح بيع (حب)؛ كبر وشعير وذرة ودخن (بدقيقه أو سويقه)؛ لتعذر التساوي بانتشار أجزاء الحب بالطحن.
ولأخذ النار من السويق. وفيه رواية.
(ولا دقيق حب)؛ كبر (بسويقه)؛ لأن النار قد اخذت من أحدهما. فلم يجز بيع بعضه ببعض؛ كالمقلية بالنيئة.
(ولا خبز بحبه أو دقيقه أو سويقه). نص على الخبز بحبه ودقيقه في رواية
стр. 2114
ابن القاسم؛ لأن في الخبز ماء.
(ولا نيئه) أي: نئ (١) جنس (بمطبوخه)؛ لأخذ النار من المطبوخ.
(ولا أصله بعصيره)؛ لأنه مال ربوي بيع بأصله الذي فيه منه. فلم يجز؛ كبيع اللحم بحيوان من جنسه.
(ولا خالصه) أي: خالص جنس ربوي (أو مَشُوبه بمشوبه)؛ لانتفاء التساوي المشترط في (٢) خالص بمشوب، وللجهل به في مشوب بمشوب. (ولا رطبه) أي: رطب جنس ربوي (بيابسه)؛ كرطب بتمر، وعنب بزبيب؛ لما روى سعد بن أبي وقاص " أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر. قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك " (٣) . رواه مالك وابو دا ود.
وفي رواية الأثرم قال: " فلا إذاً ".
نهى، وعلل بالنقصان (٤) إذا يبس، وهو موجود في كل رطب بِيع بيابسه.
ولأنه جنس ربوي بيع بعضه ببعض على وجه ينفرد أحدهما بالنقصان. فلم يجز؛ كبيع المقلي بالنيء.
(ولا) بيع (المحاقلة)؛ لقول أنس: " نهى النبي ﷺ عن المحاقلة " (٥)
رواه البخاري.
والنهي يقتضي التحريم والقساد.
(وهي: بيع الحب الشتد في سنبله) من بر أو شعير (بجنسه).
ولأن التساوي مجهول. والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
стр. 2115
(ويصح) بيع الحب المشتد في سنبله (ب) حب (غير جنسه)؛ كما لو كان أحدهما براً والآخر شعيراً؛ لأن اشتراط التساوي منتف مع الجنسين. وفيه وجه. (ولا) بيع (المزابنة)؛ لقول ابن عمر: " نهى النبي ﷺ عن المزابنة " (١) .
متفق عليه.
(وهي: بيع الرطب على النخل بالتمر)؛ لما تقدم في بيع رطب جنسر ربوي بيابسه.
(إلا في العرايا. وهي) أي: العرايا: (بيعه) أي: الرطب على النخل.
فلو كان على وجه الأرض لم يجز للنهي عنه، والرخصة وردت في ذلك؛ ليؤخذ شيئاً فشيئاً لحاجة التفكه.
(خَرْصاً) وهو: أن ينظر الخارص إلى العرية فيحزر كم يجيء منها تمراً فيشتريها المشتري (بمثل ما يؤول إليه) الرطب (إذا جف) أي: صار تمراً (كيلاً)؛ لأن الأصل اعتبار الكيل من الجانبين، سقط في أحدهما وأقيم الخرص مكانه للحاجة. فيبقى الآخر على مقتضى الأصل.
(فيما دون خمسة اوسق)؛ لما روى أبو هريرة " أن رسول الله ﷺ رخص
في العرايا بأن تباع بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو خمسة أوسق " (٢) . متفق عليه.
فلا يجوز في الخمسة؛ لوقوع الشك فيها.
وعنه: بلى.
стр. 2116
فأما ما زاد فلا يجوز رواية واحدة.
(لمحتاج لرطب ولا ثمن معه)؛ لما روي عن محمود بن لبيد قال: " قلت لزيد: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً وعندهم فضول من التمر. فرخص لهم أن يبتاعوا (١) العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطباً " (٢) . متفق عليه.
وظاهره: أنه لا يعتبر حاجة البائع. فلو احتاج إلى التمر ولا ثمر معه إلا الرطب فقال أبو بكر والمجد: بجوازه. وهو بطريق التنبيه؛ لأنه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التفكه فلحاجة الاقتيات أولى. إذ القياس على الرخصة جائز إذا فهمت العلة.
وظاهر ما تقدم أنه يعطي المشتري البائع من التمر مثل ما يؤول إليه (٣) ما في النخل عند الجفاف ارتكاباً لأخف المفسدتين وهو الجهل بالتساوي دون أعظمهما وهو العلم بالتفاضل. وهو المذهب.
وعنه: يعطيه مثل رطبه.
وبقي للعرايا شرطان نبه عليهما بقوله: (بشرط الحلول وتقابضهما) أي: المتعاقدين (بمجلس العقد)؛ لأنه بيع تمر بتمر. فاعتبر فيه شروطه إلا ما استثناه الشرع مما لم يمكن اعتباره في بيع العرايا.
والقبض في كل واحد منهما على حسبه: (ففي نخل بتخلية) بينه وبينه، (وفي تمر بكيل) أونقل لما علم كيله.
وليس من شرطه حضور التمر عند النخل. (فلو) تبايعا و (سلم أحدهما،
ثم مشيا فسلم الآخر: صح)؛ لأن التفرق لم يحصل قبل القبض.
стр. 2117
ولا يشترط في العرية كونها موهوبة؛ لأن اشتراط ذلك مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطباً ولا ثمن معه: يفضي إلى سقوط الرخصة. إذ لا يكاد يتفق ذلك.
ولأن ما جاز بيعه إذا كان موهوباً جاز وإن لم يكن موهوباً؛ كسائر الأموال.
لكن يشترط لبقاء عقد العرايا: أن يأكلها أهلها رطباً فلو تركت حتى صارت
تمراً بطل العقد. وسيأتي التنبيه على ذلك في الباب الذي بعده.
(ولا تصح في بقية الثمار)؛ لما روى الترمذي من حديث سهل ورافع مرفوعاً: "أنه نهى عن المزابنة: التمر بالتمر. إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب " (١) .
ولأن الأصل تحريم بيع العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخضة.
ولا يصح قياس غيرها عليها؛ لأن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات وسهولة الخر ص.
ولأن القياس لا يعمل به إذا خالف نصاً.
وقيل: يجور.
وقيل: في العنب فقط.
(ولا) تصح (زيادة مشتر) على القدر المرخص فيه (ولو) اشتراه (من
عدد في صفقات) بأن يشتري من زيد وسقين، ومن عمرو وسقين، ومن بكر وسقين؛ لأن النهي عن المزابنة عام استثني منه العرية فيما دون خمسة أوسق. فما زاد يبقى على العموم في التحريم.
ولأن ما لم يجز العقد عليه مرة إذا كان من نوع واحد لم يجز في عقدين؛ كالذي على وجه الأرض، وكالجمع بين الأختين.
стр. 2118
وأما إن باع رجل عريتين من (١) رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز؛ لأن المغلب في التجويز حاجة المشتري. وفيه وجه.
(ويصح بيع نوعَي جنس) مختلفي القيمة بنوع آخر أو نوعين لذلك الجنس. (أو) بعكس ذلك كبيع (نوع) من جنس (بنوعيه أو نوعه).
فمثال بيع نوعي جنس بنوع منه؛ (كدينار قُراضة. وهي) أي: القراضة: (قِطعُ ذهب أو) قطع (فضة، وصحيح) معها من جنسها (بصحيحين) من ذلك الجنس (أو قًراضَتين) منه.
وعكس ذلك بأن يبيع القراضتين أو الصحيحين بقراضة (أو صحيح بصحيح.
و) كبيع (حنطة حمراء وسمراء ببيضاء)، وبيضاء بحمراء وسمراء.
(و) كبيع (تمر مَعْقِلي وبَرْني بإبراهيمي). وإنما جاز ذلك؛ لأن الشارع اعتبر المثلية في ذلك. فدل على الإباحة عندها. والجودة ساقطة في باب الربويات فيما قوبل بجنسه. فيما لو اتحد النوع في كل واحد من الطرفين فكذلك إذا اختلفا. وفيه وجه.
(و) يصح بيع (نوى) لتمر (بتمر فيه نوى.
و) بيع (لبن ب) ناقة أو بقرة أو شاة (ذات لبن) من جنس ذلك اللبن.
(و) بيع (صوف بما) أي: بحيوان (عليه صوف) من جنس ذلك الصوف.
نصاً على الأصح.
(ودرهم فيه نحاس بنحاس أو بمساويه في غش.
وذات لبن أو) ذات (صوف بمثلها) في الأصح؛ لأن النوى الذي بالتمر، والصوف واللبن الذي بالحيوان والنحاس الذي بالدرهم: غير مقصود.
ولأن ذلك لا أثر له ولا يقابله شيء من الثمن. أشبه الملح في الشيرج، وحبات الشعير في الحنطة.
стр. 2119
(و) يصح بيع (تراب معدن و) تراب (صاغة بغير جنسه)؛ لأنه لا يشترط بينهما المماثلة. فجاز. لكن (١) إن اتفق مع ما بيع به في عله ربا الفضل اشترط الحلول والقبض بالمجلس.
(و) يصح بيع (ما مُوِّهَ بنقد: من دار، ونحوها)؛ كباب وشباك (بجنسه) أي: بجنس النقد المموه به.
(و) بيع (نخل عليه ثمر بمثله) أي: بنخل عليه ثمر، (و) بيع نخل عليه
تمر (بتمر)؛ لأن ما فيه الربا مما تقدم غير مقصود بالبيع. فوجوده كعدمه. وكذا لو اشترى عبداً له مال واشترط ماله وهو من جنس الثمن حيث كان غير مقصود.
(لا) بيع (ربوي بجنسه ومعهما) أي: الثمن والمثمن، (أو) مع (أحدهما
من غير جنسهما)؛ وذلك (كمد عجوة ودرهم بمثلهما) أي: بمد عجوة ودرهم، (أو بمدين، أو بدرهمين). أو باع شيئاً محلى بجنس حليته. فهذه المسألة تسمى مسألة مد عجوة. نص الإمام على عدم جوازها في مواضع كثيرة. وذلك لما روى فضالة بن عبيد قال: " أتي النبي ﷺ بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعه دنانير وسبعه دنانير. فقال النبي ﷺ : لا. حتى تميز بينهما. فال: فرده حتى ميز بينهما " (٢) . رواه أبو داود.
وفي لفظ لمسلم: " أن النبي ﷺ أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده.
ثم قال لهم: الذهب بالذهب وزناً بوزن " (٣) .
ثم للأصحاب في توجيه البطلان مأخذان:
أحدهما: وهو مأخذ القاضي وأصحابه أن الصفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة قُسط الثمن على قيمتهما. فيكون من (٤) باب التوزيع على
стр. 2120
الجمل. وهذا يؤدي هنا إما إلى يقين التفاضل وإما إلى الجهل بالتساوي، وكلاهما مبطل للعقد في باب الربا.
والمأخذ الثانى: أن ذلك ممنوع؛ سداً لذريعة الربا. فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح؛ كبيع مائة في كيس بمائتين يجعلاً (١) للمائة الثانية في مقابلة الكيس وقد لا يساوي درهماً. فمنع من ذلك ولو كانا غير (٢) مقصودين؛ حسماً لهذه المادة.
وفي كلام الإمام إيماء إلى هذا المأخذ.
وفيما إذا كان المدان من شجرة والدرهمان من نقد واحد وجهان:
أحدهما: الجواز.
والثاني: المنع.
قال في " الإنصاف " عن الثانى: قلت: وهو المذهب.
وفي أصل المسألة رواية بالجواز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه،
أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه.
(إلا أن يكون) ما مع الربوي (يسيراً لا يُقصد) بالعقد؛ (كخبز فيه ملح بمثله) أي: بخبز فيه ملح، (و) كخبز (بملح)؛ لأن الملح لا يؤثر في وزن. فوجوده كعدمه.
(ويصح) لو قال: (أعطني بنصف هذا الدرهم نصفاً) أي: نصف درهم، (و) بالنصف (الآخر فلوساً أو حاجة) غير الفلوس.
(أو) قال: (أعطني به) أي: با لدرهم (نصفاً وفلوساً، ونحوه) أي: ونحو ذلك القول؛ كما لو دفع إليه درهمين وقال: بعني بهذا الدرهم فلوساً وأعطني بالآخر (٣) نصفين ففعل.
стр. 2121
وإنما صح ذلك؛ لوجود التساوي. فإن قيمة النصف الذي في الدراهم كقيمة النصف الذي مع الفلوس أو الذي مع الحاجة، وقيمة الفلوس او الحاجة كقيمه النصف الآخر سواء.
(و) يصح (قوله لصائغ: صِغْ لي خاتماً) أي: من فضة (وزنه درهم، وأعطيك مثل زنته، و) أعطيك (أجرتك درهماً. وللصائغ أخذ الدرهمين، أحدهما في مقابلة الخاتم، والثانى اجرة له) وليس ذلك بيع للدرهم بدرهمين. (ومرجع) المكيل في (كيل: عُرْفُ المدينة) أي: مدينة النبي ﷺ .
(و) مرجع الموزونات في (وزن: عُرْفُ مكة على عهد النبي ﷺ في مسألة الكيل ومسألة الوزن؛ لما روى عبدالملك بن عمير عن النبي ﷺ أنه قال: " المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة " (١) .
وكلامه ﷺ إنما يحمل على تبيين الأحكام. فما كان مكيلاً بالمدينة في زمنه ﷺ انصرف التحريم بتفاضل الكيل إليه. فلا يجوز أن يتغير بعد ذلك. وهكذا الموزون.
(وما لا عُرْفُ له هناك) أي: بالمدينة ومكة (يعتبر) عرفه (في موضعه)؛
لأن ما لا حد له في الشرع يرجع فيه إلى العرف؛ كالقبض والحرز.
وفي وجه: يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز.
(ف) على الأول: (إن اختلف) العرف بالبلاد (اعتبر الغالب) منها.
(فإن لم يكن) هناك عرف غالب (رُدَّ) ذلك الشيء (إلى أقرب ما) أي: أقرب شيء (يشبهه بالحجاز)، لأن الحوادث تُرد إلى أشبه المنصوص عليه بها.
(وكلُّ مائع مكيل)؛ لما روي " أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل
стр. 2122
بالصاع (١) ، " ويغتسل هو وبعض نسائه من الفرق " (٢) .
وهذه مكاييل قدر بها الماء. فكذلك سائر المائعات.
ويؤيد ذلك أيضاً ما روي عن النبي ﷺ " أنه نهى عن بيع ما في ضروع الأنعام
إلا بكيل " (٣) . رواه ابن ماجه.
стр. 2123
[فصل: في ربا النسيئة]
(فصل. ويحرم ربا النسيئة) وهي فعيلة من النساء بالمد. وهو: التأخير
(بين ما) أي: شيئين (اتفقا في علة ربا الفضل)؛ كمكيل بمكيل وموزون بموزون، و (ك) بيع (مد بر بمثله أو) بمد (شعير. و) الموزون بالموزون؛ (ك) بيع درهم من (قز ب) رطل (خبز.
فيشترط) لمثل ذلك (حلول وقبض بالمجلس) اتفاقاً؛ لقوله ﵊: " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " (١) .
وفي لفظ: " لا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يداً بيد، وأما
نسيئة فلا " (٢) . رواه أبو داود.
ولأنهما مالان من أموال الربا علتهما متفقة. فحرم التفرق قبل القبض؛ كالصرف.
(لا إن كان أحدهما) أي: العوضين (نقداً) أي: ذهباً أو فضة؛ كبيع
رطل سكر بدرهم فضة ونحو ذلك. فإنه لا يشترط في ذلك حلول ولا قبض بغير خلاف في المذهب؛ لأن الشارع أرخص في السلم، والأصل في رأس ماله النقدان. فلو حرم النساء في (٣) ذلك لانسد باب السلم في الموزونات.
(إلا في صرفه) أي: النقد (بفلوس نافِقة) نصاً. فيشترط الحلول والقبض؛ إلحاقاً لها بالنقد. وفيه رواية.
(ويحل نَسَاء) أي: تأجيل (في) بيع (مكيل بموزون)؛ كبيع مد بر برطل
سكر إلى شهر؛ لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي علة ربا الفضل. أشبه بيع
стр. 2124
بعض غير أموال الربا ببعض. وفيه رواية.
(و) يحل نَسَاء أيضاً (في) بيع (ما لايدخله ربا فضل) بعضه ببعض؛ (كثياب) بثياب، (وحيوان) بحيوان، (وتبن) بتبن؛ " لأمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو أن يأخذ على قلائص الصدقة. فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة " (١) . رواه الإمام والدارقطني وصححه.
فإن قيل: لعله ابتاع على بيت المال لا في ذمته؛ لأنه قضاه من (٢) (الصدقة. فالجواب: أن الدين لا يثبت إلا في الذمم، ولو عينت الديون في أعيان الأموال لم يصح. فكيف إذا أطلقت.
وللإمام فعل ذلك للمصلحة ويقضيه من بيت المال.
وعنه: لا يجوزالنساء في ذلك مطلقاً.
وعنه: لا يجوز في الجنس الواحد؛ كالحيوان بالحيوان. ويجوز في الجنسين؛ كالثياب بالحيوان.
(ولا يصح بيع كالئ بكالئ) بالهمز فيهما. (وهو: دين) بيع (بدين) مطلقاً؛ "لنهي النبي ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ " (٣) . رواه أبو عبيد في " الغريب ". ولا بيع دين بنقد أو غيره حاضرَين لغير من هو عليه؛ لأن من (٤) شرط صحة البيع القدرة على التسليم، والدين على الغير ليس بمقدور على تسليمه.
(ولا) بيع الدين (ب) شيء (مؤجل لمن هو عليه) ويصح بحاضر؛ لما روى ابن عمر قال: " أتيت النبي ﷺ فقلت: إنى أبيع الإبل بالبقيع. فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع الدراهم وآخذ الدنانير. فقال: لا بأس أن تؤخذ
стр. 2125
بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء " (١) . رواه الخمسة.
فاعتبر شروط الصرف فيه ولو لم يصح لم يعتبر ذلك.
وعنه: لا يصح مطلقاً.
وعلى المذهب: (أو جعله) أي: الدين (رأس مال سلم)؛ لأنه بيع
دين بدين.
(ولا) يصح (تصارف المدينين بجنسين في ذمتيهما).
وصورة ذلك: بأن يكون لأحذ اثنين على الآخر ذهب، ولمن عليه الذهب على الآخر فضة. فيتصارفان على ذلك ولم يحضرا شيئاً فإنه لا يجوز. سواء كانا حالّين أو مؤجلين. نص عليه فيما إذا كانا نقدين؛ لأنه بيع دين بدين.
(و) لا (نحوه) أي: نحو التصارف في الذمتين؛ كما لو كان (٢) في ذمة
كل واحد ما لا يجوز بيعه بالآخر (٣) نسيئة؛ كمكيلين أو موزونين من جنسين. (ويصح) تصارفهما (إن أُحضر) بالبناء للمفعول (أحدهما) أي: أحد الدينين، (أو كان أمانة) نصاً؛ لأن هذا بيع دين بعين.
وفيه رواية: لا يصح مطلقاً.
وفيه وجه: إذا كان مؤجلاً.
(ومن) عليه دراهم أو دنانير لآخر ثم (وكَّل) من عليه الدين (غريمه) الذي عليه الحق (في بيع سلعته) للموكل، (و) أذن له في (أخذ دينه من ثمنها) أي: السلعة، (فباع) الوكيل السلعة (بغير جنس ما عليه) أي: على الموكل: (لم يصح أخذه) أي: أخذ الوكيل دينه من ثمن (٤) السلعة نصاً؛ لأنه لم يأذن له في مصارفة نفسه.
стр. 2126
ولأنه متهم.
(ومن عليه دينار) ديناً (فبعث إلى غريمه) الذي له الدينار (ديناراً) دون ما عليه (وتتمته دراهم): لم يجز.
(أو أرسل) غريم من عليه دنانير رسولاً (إلى من له عليه دراهم فقال) المرسل (للرسول: خذ حقك منه دنانير. فقال الذي أُرسل إليه) للرسول: (خذ) دراهم (صِحاحاً بالدنانير: لم يجز)؛ لأنه لم يوكله في الصرف. نص عليه.
ولهذا لو بعب المدين مع الرسول بغير نقد عليه رهناً أو قضاء فذهب. فمن
مال الباعب.
стр. 2127
[فصل: في الصرف]
(فصل. والصرف) - الموعود بتعريفه أول الباب- (بيع نقد بنقد.
ويبطل) أي: الصرف (كسَلَم) أي: كما يبطل سلم (بتفرق) بأبدان تفرقاً (يُبطل خيار المجلس). إذا وقع التفرق (قبل تقابض) من الجانبين في الصرف، وقبل قبض رأس مال سَلَم في السَّلَم؛ لاشتراط ذلك لصحة عقديهما. ويدل للصرف قوله ﵊.: " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد " (١) .
وسيأتي ما يدل للسلم في بابه (٢) .
(وإن تأخر) التقابض في الصرف (في بعض) منه، أو تأخر قبض بعض رأس مال سلم عن مجلس عقد: (بطلا) أي: الصرف والسلم (فيه) أي: في البعض (٣) المتأخر (فقط)؛ لفوات شرطه. وصح فيما قبض. بناء على تفريق الصفقة.
وفيه وجه: يبطل في الكل.
(ويصح التوكليل) من أحد المتعاقدين ومنهما بعد عقد (في قبض. في صرف، ونحوه)؛ كسلم. فيصح قبض الوكيل ويقوم مقام قبض موكله، (ما دام موكله في المجلس) أي: مجلس العقد. سواء استمر الوكيل بالمجلس أو فارقه بعد أن وكل ثم عاد وقبض؛ لأنه كالآلة.
(ولا يبطل) عقد الصرف (بتخاير فيه) قبل القبض؛ لأن شرط اللزوم التقابض في المجلس وقد وجد، ولا يلزم قبله بحال.
стр. 2128
(وإن تصارفا) أي: المتصارفان (على عينين من جنسين)؛ كأن يقول: بعتك هذا الدينار بهذه الدراهم فيقبل وهما حاضران. أو يذكر وزنيهما كبعتك هذا المثقال الذهب بهذه القطعة الفضة التي وزنها عشرة دراهم. (ولو) علما ذلك (بوزن متقدم) على مجلس العقد (أو) اعتماداً على (خبر صاحبه) ثم تقابضا، (وظهر غصب أو عيب في جميعه) أي: جمييع الذهب أو الفضة. (ولو) كان العيب (يسيراً من غير جنسه) أي: المعيب، كأن يجد الدراهم نحاساً، أو الدنانير رصاصاً، أو يكون فيهما شيء من ذلك ولو يسير: (بطل العقد) نصاً، لأنه باعه غير ما سمى له. فلم يصح؛ كما لو قال: بعتك هذا البغل فوجده حماراً.
وعنه: يصح. وللمشتري الخيار بين الإمساك أو الرد، وله أخذ البدل.
بناء على غدم تعيين النقود بالتعيين.
وعنه: يصح. وليس له رد ولا بدل تغليباً للإشارة على اللفظ.
(وإن ظهر) العيب (في بعضه بطل) العقد (فيه) أي: في المعيب (فقط). وكذا لو ظهربعضه مغصوباً. بناء على تفريق الصفقة.
(وإن كان) العيب (من جنسه) أي: جنس المبيع؛ كالوضوح في الذهب، والسواد في الفضة: (فلآخذه) أي: مشتريه (الخيار) بين الإمساك والرد. وليس له أخذ البدل؛ لأن العقد وقيع على عينه. فإذا أخذ غيره أخذ ما لم يشتره.
(فإن رده) أممب: اختار الرد (بطل) العقد.
(وإن أمسك) أي: اختار الإمساك (فله أرشه) أي: العيب (بالمجلس)
ولو من (١) جنس المعيب. (لا) إن جعل (من جنس) النقد (السليم)؛ لأنه إن جعل من جنس السليم يصير كمسألة مد عجوة.
стр. 2129
أما كونه له أخذ الأرش؛ فلأن المماثلة مع الجنسين غير معتبرة. وغايته تخلف قبض بعض العوض عن بعض وهما في المجلس.
وأما كونه لا يصح أخذه بعد التفرق؛ فلأنه يفضي إلى حصول التفرق قبل القبض؛ لبعض أحد العوضين.
(وكذا بعده) أي: وكما أن له أخذ الأرش بالمجلس له أخذه بعده: (إن جعل) الأرش (من غير جنسهما) أي: المعيب والثمن المقابل له؛ كأن يأخذ عن أرش عيب الذهب أو الفضة قفيز حنطة فإنه يجوز.
(وكذا سائر أموال الربا إذا بيعت بغير جنسها) من أموال الربا (مما القبض شرط فيه)؛ كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون.
(فبُر) بِيع (بشعير وُجد بأحدهما) أي: البر أو الشعمر (عيب. فأرش بدرهم أو نحوه مما لا يشاركه في العلة) وهي: الكيل في بيع البر والشعير ونحوهما. فلا يصح أن يكون الأرش هنا من جنس المكيل.
أما إن كان من غير جنسه؛ كدينار (جاز) أخذه بعد المجلس؛ لأنه لم يحصل التفرق قبل قبض ما يشترط قبضه.
(وإن تصارفا على جنسين في الذمة) كأن يقول (١) : بعتك ديناراً نقدياً بعشرة دراهم فضة حجراً وزناً ويقبل الآخر: فيصح ذلك. سواء كانت الدراهم والدنانير عندهما أو لم يكونا (إذا تقابضا قبل الافتراق) بأن يستقرضاهما أو غير ذلك.
ولا يعارض ذلك قوله ﵊: " لا تبيعوا غائباً منها بناجز " (٢) : لأن معناه: أن لا يباع عاجل بآجل، أو مقبوض بغير مقبوض. والقبض بالمجلس يجري مجرى القبض حالة العقد.
ولأن القبض يجزئ بالمجلس. فكذا التعيين.
ومتى تقابضا ووجد أحدهما بما قبضه عيباً (والعيب من جنسه) أي: جنس الثمن: (فالعقد صحيح) مع وجود العيب.
ثم إن مشتري المعيب تارة يعلم به قبل تفرقهما وتارة بعده. (فقبل تفرق)
عن مجلس العقد (له إبداله) أي: المطالبة بسليم بدلاً عن المعيب كالسلم فيه؛ لأن العقد وقع على مطلق لا عيب فيه. (أو أرشه) إن اختار ذلك.
(وبعده) أي: بعد التفرق: (له إمساكه مع ارش (٣) أيضاً نصاً؛ لأن ما
جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده؛ كالسلم فيه. وفيه رواية.
стр. 2130
(و) له إذا اختار الرد (أخذ بدله بمجلس رد. فإن تفرقا قبله) أي: قبل أخذ البدل: (بطل) العقد؛ لقوله ﵊: "لا تبيعوا غائباً منها بناجز". (وإن لم يكن) العيب (من جنسه فتفرقا) أي: المتصارفان عن مجلس
العقد (قبل رد) للمعيب (وأخذ بدل) عنه: (بطل) العقد بالتفرق.
(وإن عُين أحدهما) أي: أحد العوضين في الصرف الذي من جنسين (دون) العوض (الآخر: فلكل) (١) من المعين والذي في الذمة (حكم نفسه) فيما (٢) تقدم.
(والعقد على عينين ربويين من جنس) واحد؛ كفضة بفضة (ك) على ربويين (من جنسين. إلا أنه لا يصح) فيه (أخذ أرش مطلقاً). سواء كان عيباً من جنسه أو لا، وسواء كان الأرش من جنس الثمن أو لا؛ لأنه إن كان من الجنس أدى إلى التفاضل في الجنس، وإن كان من غير الجنس كان كمسألة مد عجوة. (وإن تلف عوض قُبض) بالبناء للمفعول (في) عقد (صرف) اتحد الجنس فيه؛ كذهب بذهب أو اختلف كذهب بفضة. (ثم عُلم عيبه وقد تفرقا:
стр. 2131
فُسخ) العقد أي: فسخه الحاكم، (ورُدّ) بالبناء للمفعول (الموجود) على بازله. (وتبقى قيمة المعيب) التالف (في ذمة من تلف بيده) لتعذر رد ٥ (١) . (فيرد مثلها) أي: مثل القيمة (أو عوضها إن اتفقا عليه) أي: على العوض. وعنه: لمن وجد العيب أخذ أرشه ولا فسخ.
(و) المذهب: أنه (٢) (يصح أخذ أرشه) أي: العيب (ما لم يتفرقا) أي: المتصارفان: (إن كان العوضان) في الصرف (من جنسين)؛ لأن الأرش كجزء في المبيع، وقدحصل قبضه بمجلس العقد.
стр. 2132
[فصل: حكم الشراء من جنس ماصرف]
(فصل. ولكل) من المتصارفين (الشراء من الآخر، من جنس ما صرف) المشترى منه، (بلا مواطأة) بينهما على ذلك؛ لما روى أبو سعيد وأبو هريرة " أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر. فجاءه بتمر جَنيب. فقال: أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل. بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جَنيباً" (١) . متفق عليه.
ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه. ولو كان ذلك محرماً لبينه له، أو عرّفه إياه.
ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط ولا مواطأة. فجاز؛ كما لو باعه من غيره.
(و) لشخص (صارف فضة بدينار، أعطى) فضة (أكثر) مما بالدينار
(ليأخذ) صاحب الدينار (قدر حقه منه) أي: مما أعطاه، (ففعل) أي: فأخذ صاحب الدينار قدر حقه من ذلك: (جاز) هذا الفعل منهما. (ولو) أفرزها الآخذ (٢) (بعد تفرق) عن مجلس العقد؛ لأن المشترط هو التقابض قبل التفرق وقد وجد (٣) . ولم يحصل بعد التفرق إلا تمييز الواجب عن (٤) غيره. (والزائد) بما يقابل الدينار (أمانة) في يد آخذه؛ لعدم المقتضي لضمانه. (و) من صارف (خمسة دراهم) ليس معه غيرها (بنصف دينار. فأُعطي)
стр. 2133
بالبناء للمفعول صاحبُ الدراهم (ديناراً: صح) الصرف؛ لحصول التقابض
بالمجلس، (وله) أي: للقابض الدينار (مصارفته) أي: معطيه (بعد) أي: بعد تفرقهما (بالباقي) أي: بالنصف الباقي؛ لأنه عنده أمانة؛ كما لو كان لإنسان عند آخر دينار وديعة فصارفه به وهو معلوم بقاؤه أو مظنون فإنه يصح. وفي صحته مع الشك [في بقائه] (١) وجهان.
(ولو اقترض) دافع الدراهم (الخمسة) التي دفها لصاحب الدينار، (وصارفه بها عن) النصف (الباقي) من الدينار، (أو) صارف (ديناراً بعشرة) دراهم صفقة واحدة (فأعطاه خمسة) من العشرة، (ثم اقترضها) أي: الخمسة التي دفعها (ودفعها) ثانياً (عن) النصف (الباقي) من الدينار: (صح) ذلك (بلا حيلة. وهي: التوسل إلى محرم بما ظاهره الإباحة.
والحيَلُ كلها غير جائزة في شيء من الدين).
ومن الدليل على تحريمها قوله ﷺ : " من أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن
أن يسبق فهو قمار. ومن أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار " (٢) . رواه أبو داود وغيره.
فجعله قماراً مع إدخاله الفرس الثالث؛ لكونه لا يمنع معنى القمار. وهو
كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك عن كونه آخذاً أو مأخوذاً منه، وإنما دخل صورة تحيّلاً على إباحه المحرم. وسائر الحيل مثل ذلك.
ولأن الله ﵎ إنما حرم المحرمات لمفسدتها والضرر الحاصل
منها، ولا يزول ذلك مع بقاء معناها.
(ومن عليه دينار) ديناً (فقضاه) حال كونه (دراهم متفرقة، كل نقدةٍ) منها (بحسابها) أي: بما يقابلها (منه) أي: من الدينار: (صح). نص عليه.
стр. 2134
(وإلا فلا) أي: وإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعد تصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز. نص عليه؛ لأنه يصير بيع دين بدين.
(ومن له على آخر عشرة) دنانير أو نحوها (وزناً. فوفَّاها) إلى العشرة (عدداً فوُجدت) أي: وجدها قابضها (وزناً أحد عشر) ديناراً: (ف) الدينار (الزائد مشاع مضمون) لمالكه؛ لأنه قبضه على أنه عوض من ماله. فكان مضموناً بهذا القبض.
(ولمالكه التصرف فيه) كيف شاء.
(ومن باع ديناراً بدينار، بإخبار صاحبه) أي: الباذل لما معه (بوزنه) للآخر فصدقه، (وتقابضا وافترقا فوجده) أي: وجد القابض الدينار (ناقصاً) عن وزن الدينار المعهود: (بطل العقد)؛ لأنهما تبايعا ذهباً بذهب متفاضلاً. (و) إن وجده (زائداً) عن الوزن المعهود في الدنانير (والعقد على عينيهما)
أي: عيني الدينارين: (بطل) العقد (أيضاً)؛ لأنه بيع ذهب بذهب متفاضلاً. (و) إن وقع العقد على ما (في الذمة) بأن قال: بعتك ديناراً بدينار. ووصفاهما. ثم لم يعلم بالزيادة إلا (وقد تقابضا وافترقا: فالزائد بيد قابض) له (مشاع مضمون) لمالكه؛ لأنه قبضه على أنه عوض ولم يفسد العقد؛ لأنه إنما باع ديناراً بمثله وإنما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه.
(وله) أي: للقابض (دفع عوضه) أي: الزائد (من جنسه) أي: جنس
الزائد (وغيره)؛ لأنه معاوضة مبتدأة. (ولكل) من المتعاقدين (فسخ العقد). أما قابض الزائد؛ فلأنه وجد المبيع مختلطاً بغيره معيباً بعيب الشركة.
وأما الدافع له؛ فلأنه لا يلزمه أخذ عوضه. إلا أن يكونا في المجلس فيسترجعه ويدفع بدله.
(ويجوز الصرف) بنقد مغشوش (والمعاملة) أيضاً كلها (بمغشوش ولو)
كان الغش (بغير جنسه) أي: جنس النقد (لمن يعرفه) أي: يعرف الغش.
نقل صالح عن الإمام في دراهم يقال لها: المسيبية عامتها نحاس إلا شيئاً
стр. 2135
فيها فضة. فقال: إذا كان شيئاً اصطلحوا عليه مثل الفلوس اصطلحوا عليها فأرجو أن لا يكون بها بأس.
ولأنه ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين لا غرر فيهما. فلا يمنع من بيعهما؛ كما لو كانا متميزين.
ولأن هذا مستفيض في الأعصار جارٍ بينهم من غير نكير.
وفي تحريمه مشقة وضرر.
وعنه: لا يجوز. نقلها حنبل. وهي محمولة على ما يخفى غشه. فإن ذلك يفضي إلى التغرير بالمسلمين.
(ويحرم كسرُ السكة الجائزة بين المسلمين. إلا أن يُختلف في شيء منها:
هل هو رديء أو جيد)؟ فيجوز.
(والكيمياء غش فتحرم) وهي: تشبيه المصنوع من ذهب أو فضة أو غيرهما بالمخلوق.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: هي باطلة في العقل محرمة بلا نزاع بين العلماء، ثبتت على الروباص أو لا. ولو كانت حقا مباحاً لوجب فيها خمس أو زكاة. [ولم يوجب] (١) عالم فيها شيئاً.
والقول بأن قارون علمها باطل.
стр. 2136
[فصل: فيما يميز الثمن عن المُثمن]
(فصل. ويتميز ثمن عن مثمن ب) دخول (باء البدلية) عليه، (ولو أن أحدهما) أي: أحد العوضين (نقد) والآخر عوض. فبعتك هذا الدينار بهذا الثوب. الثمن الثوب لدخول الباء عليه.
والمثمن: الدينار.
وقيل: إن كان أحدهما نقداً فهو الثمن. وإلا تميز بالباء.
قال المنقح: وهو أظهر.
(ويصح اقتضاء نقد من) نقد (آخر)؛ كذهب من فضة وفضة من ذهب.
(إن حضر أحدهما) أي: أحد النقدين، (أو كان) أحدهما (أمانة والآخر مستقر في الذمة. بسعر يومه)؛ لما روى أبو داود والأثرم في " سننهما " عن ابن عمر قال: " كنت أبيع (١) الإبل بالبقيع. فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه. فأتيت النبي ﷺ في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله! رويدك أسالك. إنى أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه. فقال رسول- الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء " (٢) .
ولأنه صرف بعين وذمة. فجاز؛ كما لو لم يسبقه اشتغال الذمة.
(ولا يشترط حلوله) أي: حلول ما في الذمة إذا قضاه بسعر يومها ولم يجعل للمقضي فضلاً لأجل تأجيل ما في الذمة؛ لأنه إذا لم ينقصه عن سعرها شيئاً فقد رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض. فأشبه ما لو قضاه من جنس الدين.
стр. 2137
ولم يستفصل النبي ﷺ ابن عمر حين سأله. ولو افترق الحال لسأل واستفصل.
وفيه وجه. وتوقف الإمام.
(ومن اشترى) من آخر (شيئاً) ثوباً أو فرساً أو غيرهما (بنصف دينار
لزمه) نصف دينار (شق. ثم إن اشترى) منه شيئاً (آخر بنصف آخر لزمه) نصف آخر (شق أيضاً، ويجوز إعطاؤه) أي: إعطاء المشتري البائع (عنهما) أي: عن الشقيقين ديناراً (صحيحاً)؛ لأنه زاده خيراً. بخلاف ما لو اشترى
شيئاً بمكسرة فإنه لا يجوز له (١) أن يعطي عنها صحيحاً أقل منها.
وكذا لو اشترى بصحاح لم يجز أن يعطي عنها مكسره أكثر منها؛ لحصول التفاضل فيهما
(لكن: إن شُرط ذلك في العقد الثانى) أي: شرط أن يعطيه ديناراً صحيحاً
في العقد الثانى (أبطله)؛ لأنه تضمن اشتراط زيادة عن العقد الأول.
(و) اشتراط ذلك (قبل لزوم) العقد (الأول)، كما لو لم يفترقا (يبطلهما) أي: العقد الأول والثانى؛ لأنه وجد ما يفسده قبل انبرامه.
وإن كان بعد تفرقهما ولزومه لم يؤثر ذلك فيه. ولم يلزمه أكثر من ثمنه الذي
عقد البيع به.
(وتتعين دراهم ودنانير بتعيين في جميع عقود المعاوضات) نصاً، لأنها
أحد العوضين. فتتعين بالتعيين؛ كالآخر.
ولأن ما تعين بالغصب تعين بالعقد؛ كالقرض.
ومعنى تعينه في الغصب: أنه إذا طولب به لزمه (٢) تسليمه ولا يجوز
العدول عنه.
(وتملك به) أي: بعقد المعاوضة. (فلا يصح إبدالها)؛ لأن العقد وقع
стр. 2138
على عينها. (ويصح تصرفه فيها) قبل القبض؛ كسائر أملاكه.
قال (المنقح: إن لم تحتج إلى وزن أو عد)؛ لأن الوزن والعد قبض لما
بيع به، ولا يصح التصرف فيه قبل قبضه.
(فإن تلفت) الدراهم أو الدنانير المعينة المحتاجة إلى وزن أو عد قبله (فمن ضمانه) أي: ضمان بائعها كسائر المبيعات بوزن أو عد. بخلاف ما لم يحتج إلى ذلك فإنه إذا تلف يكون من ضمان مشتريه.
(ويبطل غير نكاح وخلع وعتق) على معين من دراهم أو دنانير، (وصلح) عليها (عن دم عمد). فيبطل البيع، والصلح بمعناه، ونحوهما (بكونها) أي: الدنانير او الدراهم المعينة تظهر (مغصوبة)؛ كالمبيع (١) إذا ظهر مستحقاً. (أو) تظهر (معيبة) بعيب (من غير جنسها)؛ كما لو بانت الدراهم نحاساً أو رصاصاً؛ لأنه باعه غير ما سمى له.
(و) يبطل العقد (في بعض هو كلذلك) أي: يظهر معيباً بعيب من غير جنسه (فقط) أي: دون الباقي. بناء على صحة تفريق الصفقة.
(و) متى ظهرت معيبة بعيب (من جنسها) لم يبطل العقد: (يخير) مشتر
لها (بين فسخ) للعقد (أو إمساك بلا أرش، إن تعاقدا على مثلين)؛ كدرهم فضة بمثله؛ لأن أخذ الأرش هنا يفضي إلى التفاضل المحرم إن كان الأرش من جنس الثمن.
(وإلا) أي: وإن لم يحصل العقد على مثلين (فله) أي: من وجدها معيبة (أخذه) أي: أخذ الأرش بمجلس العقد؛ لأن أكثر ما فيه حصول زيادة من أحد (٢) الطرفين ولا يمنع ذلك من الجنسين.
(لا بعد المجلس. إلا إن كان) الأرش (من غير الجنس)؛ لحصول الفرقة قبل القبض المعتبر.
стр. 2139
وعنه: لا تتعين النقود بالتعيين.
(ويحرم الربا بدار حرب)؛ لعموم الكتاب والسنة.
ولأن دار الحرب كدار البغي؛ لأنه لا يد للإمام عليها.
(ولو بين مسلم وحربي) بأن يأخذ المسلم زيادة من الحربي؛ لما تقدم.
ولنص الإمام على تحريمه مطلقاً.
وعنه: لا يحرم بين مسلم وحربي لا أمان بينهما؛ لما روى مكحول مرفوعاً: " لا ربا بين المسلم وأهل الحرب في دار الحرب ".
ورد: بأنه خبر مجهول لا يترك به تحريم ما دل عليه القرآن والسنة.
(لا بين سيد ورقيقه ولو) كان الرقيق (مدبراً، أو) كان (أم ولد). نص عليه؛ لأن المال كله للسيد. (أو مكاتباً في مال كتابة) فقط.
стр. 2140
[باب: بيع الأصول والثمار]
هذا (باب) أحكام (بيع الأصول و) أحكام بيع (الثمار).
ثم (الأصول) هنا: (أرض ودور وبساتين، ونحوها)؛ كالمعاصر والطواحين. (والثمار)؛ ككتاب جمع ثمر كجبل: (أعم مما يؤكل) فيشمل القرظ (١) بالظاء ثمر السنط ونحوه.
(ومن باع أو وهب أو رهن أو وقف) داراً (أو أقر أو أوصى بدار: تناول)
ذلك (أرضها بمعدنها الجامد)، حيث لا مانع؛ كما لو كانت من سواد العراق ونحوه، (وبناءَها) أي: الدار؛ لأنهما داخلان في مسماها (وفِناءَها) بكسر الفاء. وهو: ما اتسع أمامها (إن كان) لها فناء. إذ غالب الدور ليس لها فناء. (و) تناول (متصلاً بها) أي: الدار (لمصلحتها؛ كسلاليم) من خشب جمع سُلَّم- بضم السين وفتح اللام المشددوة - وهو (٢) : المرقاة. ولفظه: مأخوذ من السلامة. مسمرة، (ورفوف مسمَّرة، وأبواب) منصوبة وحلقها، (ورحى منصوبة، وخوابي مدفونة)؛ لأن ذلك كله متصل بها لمصلحتها. أشبه الحيطان. .
وعلم مما تقدم أن السلاليم والرفوف إذا لم تكن مسمرة، والباب والرحى
إذا لم يكونا منصوبين، والخوابي إذا لم تكن مدفونة: لا تدخل؛ لأنه منفصل عنها. أشبه الطعام في الدار.
(و) يدخل (٣) (ما فيها) أي: الدار: (من شجر) مغروس (وعرش) جمع عريش وهي الظلة؛ لأنهما متصلان بها.