[فصل: فيما يميز الثمن عن المُثمن]
(فصل. ويتميز ثمن عن مثمن ب) دخول (باء البدلية) عليه، (ولو أن أحدهما) أي: أحد العوضين (نقد) والآخر عوض. فبعتك هذا الدينار بهذا الثوب. الثمن الثوب لدخول الباء عليه.
والمثمن: الدينار.
وقيل: إن كان أحدهما نقداً فهو الثمن. وإلا تميز بالباء.
قال المنقح: وهو أظهر.
(ويصح اقتضاء نقد من) نقد (آخر)؛ كذهب من فضة وفضة من ذهب.
(إن حضر أحدهما) أي: أحد النقدين، (أو كان) أحدهما (أمانة والآخر مستقر في الذمة. بسعر يومه)؛ لما روى أبو داود والأثرم في " سننهما " عن ابن عمر قال: " كنت أبيع (١) الإبل بالبقيع. فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه. فأتيت النبي ﷺ في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله! رويدك أسالك. إنى أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه. فقال رسول- الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء " (٢) .
ولأنه صرف بعين وذمة. فجاز؛ كما لو لم يسبقه اشتغال الذمة.
(ولا يشترط حلوله) أي: حلول ما في الذمة إذا قضاه بسعر يومها ولم يجعل للمقضي فضلاً لأجل تأجيل ما في الذمة؛ لأنه إذا لم ينقصه عن سعرها شيئاً فقد رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض. فأشبه ما لو قضاه من جنس الدين.
стр. 2137
ولم يستفصل النبي ﷺ ابن عمر حين سأله. ولو افترق الحال لسأل واستفصل.
وفيه وجه. وتوقف الإمام.
(ومن اشترى) من آخر (شيئاً) ثوباً أو فرساً أو غيرهما (بنصف دينار
لزمه) نصف دينار (شق. ثم إن اشترى) منه شيئاً (آخر بنصف آخر لزمه) نصف آخر (شق أيضاً، ويجوز إعطاؤه) أي: إعطاء المشتري البائع (عنهما) أي: عن الشقيقين ديناراً (صحيحاً)؛ لأنه زاده خيراً. بخلاف ما لو اشترى
شيئاً بمكسرة فإنه لا يجوز له (١) أن يعطي عنها صحيحاً أقل منها.
وكذا لو اشترى بصحاح لم يجز أن يعطي عنها مكسره أكثر منها؛ لحصول التفاضل فيهما
(لكن: إن شُرط ذلك في العقد الثانى) أي: شرط أن يعطيه ديناراً صحيحاً
في العقد الثانى (أبطله)؛ لأنه تضمن اشتراط زيادة عن العقد الأول.
(و) اشتراط ذلك (قبل لزوم) العقد (الأول)، كما لو لم يفترقا (يبطلهما) أي: العقد الأول والثانى؛ لأنه وجد ما يفسده قبل انبرامه.
وإن كان بعد تفرقهما ولزومه لم يؤثر ذلك فيه. ولم يلزمه أكثر من ثمنه الذي
عقد البيع به.
(وتتعين دراهم ودنانير بتعيين في جميع عقود المعاوضات) نصاً، لأنها
أحد العوضين. فتتعين بالتعيين؛ كالآخر.
ولأن ما تعين بالغصب تعين بالعقد؛ كالقرض.
ومعنى تعينه في الغصب: أنه إذا طولب به لزمه (٢) تسليمه ولا يجوز
العدول عنه.
(وتملك به) أي: بعقد المعاوضة. (فلا يصح إبدالها)؛ لأن العقد وقع
стр. 2138
على عينها. (ويصح تصرفه فيها) قبل القبض؛ كسائر أملاكه.
قال (المنقح: إن لم تحتج إلى وزن أو عد)؛ لأن الوزن والعد قبض لما
بيع به، ولا يصح التصرف فيه قبل قبضه.
(فإن تلفت) الدراهم أو الدنانير المعينة المحتاجة إلى وزن أو عد قبله (فمن ضمانه) أي: ضمان بائعها كسائر المبيعات بوزن أو عد. بخلاف ما لم يحتج إلى ذلك فإنه إذا تلف يكون من ضمان مشتريه.
(ويبطل غير نكاح وخلع وعتق) على معين من دراهم أو دنانير، (وصلح) عليها (عن دم عمد). فيبطل البيع، والصلح بمعناه، ونحوهما (بكونها) أي: الدنانير او الدراهم المعينة تظهر (مغصوبة)؛ كالمبيع (١) إذا ظهر مستحقاً. (أو) تظهر (معيبة) بعيب (من غير جنسها)؛ كما لو بانت الدراهم نحاساً أو رصاصاً؛ لأنه باعه غير ما سمى له.
(و) يبطل العقد (في بعض هو كلذلك) أي: يظهر معيباً بعيب من غير جنسه (فقط) أي: دون الباقي. بناء على صحة تفريق الصفقة.
(و) متى ظهرت معيبة بعيب (من جنسها) لم يبطل العقد: (يخير) مشتر
لها (بين فسخ) للعقد (أو إمساك بلا أرش، إن تعاقدا على مثلين)؛ كدرهم فضة بمثله؛ لأن أخذ الأرش هنا يفضي إلى التفاضل المحرم إن كان الأرش من جنس الثمن.
(وإلا) أي: وإن لم يحصل العقد على مثلين (فله) أي: من وجدها معيبة (أخذه) أي: أخذ الأرش بمجلس العقد؛ لأن أكثر ما فيه حصول زيادة من أحد (٢) الطرفين ولا يمنع ذلك من الجنسين.
(لا بعد المجلس. إلا إن كان) الأرش (من غير الجنس)؛ لحصول الفرقة قبل القبض المعتبر.
стр. 2139
وعنه: لا تتعين النقود بالتعيين.
(ويحرم الربا بدار حرب)؛ لعموم الكتاب والسنة.
ولأن دار الحرب كدار البغي؛ لأنه لا يد للإمام عليها.
(ولو بين مسلم وحربي) بأن يأخذ المسلم زيادة من الحربي؛ لما تقدم.
ولنص الإمام على تحريمه مطلقاً.
وعنه: لا يحرم بين مسلم وحربي لا أمان بينهما؛ لما روى مكحول مرفوعاً: " لا ربا بين المسلم وأهل الحرب في دار الحرب ".
ورد: بأنه خبر مجهول لا يترك به تحريم ما دل عليه القرآن والسنة.
(لا بين سيد ورقيقه ولو) كان الرقيق (مدبراً، أو) كان (أم ولد). نص عليه؛ لأن المال كله للسيد. (أو مكاتباً في مال كتابة) فقط.
стр. 2140
[باب: بيع الأصول والثمار]
هذا (باب) أحكام (بيع الأصول و) أحكام بيع (الثمار).
ثم (الأصول) هنا: (أرض ودور وبساتين، ونحوها)؛ كالمعاصر والطواحين. (والثمار)؛ ككتاب جمع ثمر كجبل: (أعم مما يؤكل) فيشمل القرظ (١) بالظاء ثمر السنط ونحوه.
(ومن باع أو وهب أو رهن أو وقف) داراً (أو أقر أو أوصى بدار: تناول)
ذلك (أرضها بمعدنها الجامد)، حيث لا مانع؛ كما لو كانت من سواد العراق ونحوه، (وبناءَها) أي: الدار؛ لأنهما داخلان في مسماها (وفِناءَها) بكسر الفاء. وهو: ما اتسع أمامها (إن كان) لها فناء. إذ غالب الدور ليس لها فناء. (و) تناول (متصلاً بها) أي: الدار (لمصلحتها؛ كسلاليم) من خشب جمع سُلَّم- بضم السين وفتح اللام المشددوة - وهو (٢) : المرقاة. ولفظه: مأخوذ من السلامة. مسمرة، (ورفوف مسمَّرة، وأبواب) منصوبة وحلقها، (ورحى منصوبة، وخوابي مدفونة)؛ لأن ذلك كله متصل بها لمصلحتها. أشبه الحيطان. .
وعلم مما تقدم أن السلاليم والرفوف إذا لم تكن مسمرة، والباب والرحى
إذا لم يكونا منصوبين، والخوابي إذا لم تكن مدفونة: لا تدخل؛ لأنه منفصل عنها. أشبه الطعام في الدار.
(و) يدخل (٣) (ما فيها) أي: الدار: (من شجر) مغروس (وعرش) جمع عريش وهي الظلة؛ لأنهما متصلان بها.
стр. 2141
) لا كنز وحجر مدفونين)؛ لأنهما مودعان فيها للنقل عنها. أشبها الفرش
والستور.
(ولا منفصل) عنها؛ (كحبل ودلو وبكرة وقُفل وفرش)؛ لأن اللفظ لايشمله ولا هو من مصلحتها.
(و) لا (مفتاج) للدار، (وحجر رحىً فوقاني)؛ لأن اللفظ لا يتناوله
ولا هو متصل بها.
وفي المفتاج وحجر الرحى الفوقانى إذا كان السفلانى منصوباً وجه؛ لأنهما
من مصلحتها.
ولو كانت الصيغة المتلفظ بها الطاحونة أو المعصرة دخل الفوقانى وجهاً وحداً (١) .
(ولا) يدخل (معدن جارٍ، وماء نبع)؛ لأن ذلك يجري من تحت الأرض
إلى ملكه. فأشبه الماء الجاري في النهر إلى ملكه.
ولأن ذلك لا يملك إلا بالحوز في الآنية.
وفيه رواية.
(و) من باع أو وهب أو رهن أو وقف أرضاً أو أقر أو وصى (بأرض أو بستان: دخل غراس وبناء) في الأرض (ولو لم يقل بحقوقها)؛ لأنهما من حقوقها وما كان كذلك فيدخل فيها بالإطلاق.
وفي عدم دخولهما إن لم يقل بحقوقها وجه.
وأما دخولهما في البستان؛ فلأن البستان اسم للأرض والشجر والحائط.
بدليل أن الأرض المكشوفة لا تسمى به.
و (لا) يدخل في بيع الأرض ونحوه مما تقدم (ما فيها من زرع لا يحصد إلا مرة؛ كبر وشعير) وسمسم وأرز (وقطنيات ونحوها) مما المقصود منه مستتر؛
стр. 2142
(كجزر وفجل وثوم، ونحوه)؛ كلفت وبصل؛ لأنه مودع في الأرض يرادان للنقل. فأشبه الثمرة المؤبرة.
(ويبقى) في الأرض (لبائع إلى أول وقت أخذه) وإن كان بقاوه لثمرة.
(بلا أجرة) على بائع؛ لأن المنفعة حصلت مستثناة له.
(ما لم يشترطه) أي: الزرع (مشتر) أو نحوه؛ كمتهب.
ولا يضر جهله في بيع ولا عدم كماله لكونه دخل تبعاً للارض.
(وإن كان) ما في الأرض من الزرع (يجز مرة بعد أخرى؛ كرَطبة) بفتح
الراء وهي: الفصة. فإذا يبست فهي قت، (وبقول)؛ كنعناع وهندباء.
(أو تتكرر ثمرته؛ كقثاء وباذنجان)، أو يتكرر أخذ زهر؛ كورد وياسمين: (فأصول) من جميع ذلك في بيع (لمشتر)؛ لأن ذلك يراد للبقاء. أشبه الشجر.
(وجزَّة ظاهرة) وقت بيع، (ولقطة أولى)، وزهر تفتح وقت (١) بيع:
(لبائع)؛ لأنه يجنى مع بقاء أصله. أشبه ثمرة (٢) الشجرة المؤبرة (٣) .
(وعليه) أي: على بائع (قطعها) أي: الأشياء التي قلنا إنها له (في الحال) أي: على الفور؛ لأن ذلك ليس له حد ينتهي إليه، وربما ظهر غير ما كان ظاهراً فيعسر تمييز حق كل منهما.
(ما لم يشترطه مشتر) على بائع دخول ما قلنا إنه لبائع؛ لأنه لو اشترى شجراً عليه ثمر أبر واشترطه كان له. فكذا هنا.
(وقصب سكر كزرع) فيبقى لبائع إلى أوان حصده (٤) . فإن حصده بائع قبل أوانه لينتفع بالأرض في غيره لم يكن له ذلك؛ لأن منفعة الأرض إنما حصلت
стр. 2143
مستثناة عن مقتضى العقد ضرورة بقاء الزرع. فيتقدر ببقائه؛ كالثمرة على الشجرة. وكما لو كان المبيع بدار ولا ينقل مثله عادة إلا في شهر فتكلف المشتري نقله
في يوم لينتفع (١) بالدار في غيره لم يكن له ذلك.
(و) قصب (فارسي كثمرة) تتكرر. إن ظهر منه شيء فلبائع، ويقطعه
على الفور، (وعروقه لمشتر)؛ لأنها تترك في الأرض للبقاء فيها. أشبهت الشجر.
(وبذر) لشيء (بقي أصله)؛ كالبقول التي تجز مرة بعد أخرى لمشتر (كشجر)؛ لأنه يترك في الأرض للبقاء.
ولأنه لو كان ظاهراً كان له فالمشتري أولى.
(وإلا) أي: وإن لم يبق أصله (ف) يكون لبائع. إلا أن يشترطه المبتاع؛ (كزرع.
ولمشتر جَهِله) أي: جهل أنه في الأرض (الخيار بين فسخ) للبيع؛ لأنه يفوت عليه منفعة الأرض عاماً، (و) بين (إمضاء مجاناً) أي: من غير أرش؛ لأن المبيع ليس به نقص يقابل به الأرش.
(ويسقط) خيار مشتر (إن حوَّله) أي: البذر (بائع) من الأرض (مبادراً)
إلى ذلك (بزمن يسير)؛ لأنه أزال العيب بالنقل على وجه لا يضر بمنافع الأرض. (أو وهبه) أي: وهب البائع المشتري (ما هو من حقه)؛ لأنه زاده خيراً. فلزمه قبوله؛ لأن فيه تصحيحاً للعقد.
(وكذا مشتر نخلاً) عليها طلْع و (ظن) المشتري أن (طلعها) له لكونه (لم يُؤبر. فبان مؤبراً) في ثبوت الخيار وسقوطه بهبة البائع ذلك للمشتري.
(لكن لا يسقط) خيار المشتري (بقطع) للطلع؛ لأنه لا تأثير له؛ لأنه قد فات المشتري ثمرة ذلك العام.
стр. 2144
(ويثبت) الخيار أيضاً (لمشتر) أرضاً أو شجراً (ظن دخول زرع) بالأرض، (أو) دخول (ثمرة) على شجر (١) مما يكون (لبائع) في عقد البيع؛ (كما لو جهل وجودهما) أي: وجود الزرع في الأرض والثمر على الشجر.
ولأنه إنما رضي ببذل ماله عوضاً عن الأرض والشجر بما فيهما. فإذا بان خلاف ذلك ثبت له الخيار؛ كالمشتري للمعيب يظنه صحيحاً.
(والقول قوله) أي: قول المشتري بيمينه (٢) (في جهل ذلك إن جهله مثله)؛ لكونه عامياً. فإن هذا مما يجهله كثير من الناس.
وإن لم يجهل مثله ذلك لم يقبل قوله؛ لمخالفته لظاهر الحال.
(ولا تدخل مزارع قرية) فيما. إذا قال: بعتك هذه القرية (بلا نص)
عليها، كما لو قال: بمزارعها، (أو قرينة) تدل على دخولها؛ كالمساومة على الجميع، أو بذل ثمن لا يصلح إلا فيها وفي أرضها؛ لأن اسم القرية يجوز
أن يطلق عليها مع أرضها والقرينة صارفة إليه ودالة عليه. فأشبه ما لو صرح به. وإن لم يكن نص ولا قرينة لا يتناول البيع إلا البيوت والحصن الدائر عليها.
فإن القرية اسم لذلك.
(وشجر) مبتدأ (بين بنيانها) أي: بنيان القرية، (وأصول بقولها) في الحكم (كما تقدم) في بيع الأرض.
стр. 2145
[فصل: في حكم بيع النخل المتشقق طلعه]
(فصل. ومن باع أو رهن أو وهب نخلاً) وقد (تشقَّق طلعه ولو لم يؤبر)
أي: يُلقّح.
والتلقيح: وضع طلع الفُحّال في طلع الثمر.
(أو) نخلاً به (طلع فُحَّال يراد للتلقيح، أو صالح به) أي: بالنخل الذي
به ذلك، (أو جعله أجرة أو صداقاً أو عوض خلع: فثمر) وطلع فُحّال (لم يشترطه) كله آخذ، (أو) يشترط (بعضه المعلوم آخذ) كأن يقول: إلا ثمرة هذه الشجرة من هذا البستان فإنها لي ويكون ما عدا ذلك (لمعط، متروكاً) في رؤوس النخل (إلى جذاذ).
أما كون من باع نخلاً قد تشقق طلعه فثمرتها للبائع ما لم يشترطها المبتاع؛ فلقول النبي ﷺ : " من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع " (١) . متفق عليه.
وعلم من ذلك أن ما قبل ذلك للمشتري؛ لأنه جعل التأبير حداً لملك البائع للثمرة. وإلا لم يكن حداً، ولا يكون (٢) ذكر التأبير مفيداً.
ولأنه نماء كامن لظهوره غاية. فكان تابعاً لأصله فبل ظهرره وغير تابع له
بعد ظهرره؛ كالحمل في الحيوان.
وإنما نص على التأبير، والحكم منوط بالتشقق؛ لملازمته له غالباً.
وأما كون ذلك يجري في بقية عقود المعاوضات؛ فبالقياس (٣) على البيع
стр. 2146
المنصوص عليه.
وأما إلحاق الهبة بذلك؛ فلأن الملك يزول فيها بغير فسخ، ويتصرف المتهب فيها بما شاء. أشبه المالك بالشراء.
وأما الرهن؛ فلأنه يراد للبيع ليستوفي الدين من ثمنه فألحق به.
وأما كون الثمرة تترك في رؤوس النخل إلى الجذاذ؛ لأن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع داراً فيها طعام لم يجب نقله إلا على حسب العادة في ذلك. وهو: أن ينقله نهاراً شيئاً بعد شيء. ولا يلزمه النقل ليلاً، ولا جمع دواب البلد لنقله. كذلك هاهنا تفرغ النخل من الثمرة في أوان تفريغها وهو أوان جذاذها.
إذا تقرر هذا فالمرجع في جذه إلى ما جرت به العادة. فإذا كان المبيع نخلاً فحين يتناهى حلاوة ثمره.
(ما لم تجر عادة بأخذه بُسراً، أو يكن) بسره (خيراً من رطبه). فإنه يجذه حين يستحكم حلاوة بسره؛ لأن هذا هو العادة.
ومحل ذلك: (إن لم يشترط قطعه) على بائع، (ولم يتضرر النخل ببقائه.
فإن تضررت قُطع). والتفصيل المتقدم في عقود المعاوضات والرهن والهبة. (بخلاف وقف ووصية: فإن الثمرة تدخل فيهما) نصاً، أبرت أو لم تؤبر؛ (كفسخ) في بيع أو نكاج قبل دخول (لعيب، ومقايلة في بيع، ورجوع أب في هبة). وإنما دخلت الثمرة مطلقاً في هذه الصور ونحوها؛ لأنها نماء متصل. أشبهت السِّمن.
(وكذا) أي: وكالطلع إذا تشقق في الحكم (ما بدا) أي: ظهر على الشجرة (من) ثمرة لا قشر عليها ولا نَوْر لها؛ ك (عنب وتين وتوت) وجميز. أو يظهر في قشره ويبقى فيه إلى حين الأكل، (و) ذلك ك (رمان) وموز.
أو يظهر في فشرين (و) ذلك ك (جوز).
وفي هذا وجه: أنه إن تشقق القشر الأعلى فهو للبائع، وإن لم يتشقق فهو
стр. 2147
للمشتري؛ كالطلع. وَرُدّ.
(أو ظهر من نَوره) أي: وكالطلع إذا تشقق في الحكم ما ظهر من نَوره مما
له نَور يتناثر؛ (كمشمش وتفاج وسفرجل ولوز) وخوخ وأجاص.
(أو خرج من أكمامه) جمع كم وهو الغلاف؛ (كورد) وياسمين ونرجس وبنفسج (وقطن) يحمل في كل سنة؛ لأن ذلك كله بمثابة تشقق الطلع.
(وما قبله) أي: قبل ذلك (لآخذ)؛ كمشتر ومتهب ومؤجر؛ لأن ذلك
يتبع الأصل. فوجب أن يكون لآخذ؛ (كورق) أي: ورق الشجر؛ لأنه من أجزائها، خلق لمصلحتها. فهو كأجزاء سائر المبيع.
وقيل: ورق التوت المقصود كثمرة.
(وكزرع قطن يحصد كل عام.
ويقبل قول معط)؛ كبائع وواهب (في بُدوٍّ) للثمرة قبل العقد؛ لأنها نماء ملكه، والآخذ يدعي انتقاله إليه. فلا يحكم له فيه إلا بسبب ظاهر، ولا حجة معه. فيبقى على الأصل وهو: عدم انتقال الملك فيه، وعليه اليمين؛ لقطع الخصومة.
(ويصح شرط بائع) ونحوه (ما لمشتر) ونحوه؛ كمن باع نخلاً عليها طلع
لم يتشقق، واشترط: أن ذلك كله له.
(أو جزءاً منه معلوماً)؛ كنصف أو ثلث أو عشر (١) هذه النخلة. وله تبقيته
إلى جذاذه، ما لم يشترط عليه قطع غير المشاع.
(وإن ظهر أو تشقق) من شجر سوى النخل أو النخل (بعض ثمرة أو) بعض (طلع ولو من نوع) واحد: (فلبائع) ونحوه ما ظهر من الثمرة أو تشقق من الطلع.
(وغيره) أي: وغير ما ظهر أو تشقق (لمشتر) ونحوه.
مثال ذلك: لو باع عشر شجرات من تين أو توت منها خمس ظهرت ثمرتها
دون الباقي. فثمره الخمسة التي ظهرت لبائع، وثمرة الباقي لمشتر. وكذا لو
стр. 2148
كانت (١) نخلاً: ما تشقق طلعها فلبائع، ومالم يتشقق طلعها فلمشتر. نص عليه؛ لأن صريح الخبر الذي عليه مبنى هذه المسألة: أن ما أُبّر للبائع، ومفهومه: أن ما لم يؤبر للمشتري.
(إلا) إذا تشقق بعض طلع (في شجرة) دون البعض (فالكل) أي: الطلع الذي تشقق والذي لم يتشقق من الشجرة (لبائع).
وعنه: أن بقية نوع تشقق بعض طلعه لبائع أيضاً.
وقيل: وكذا الجنس من بستان.
(ولكل) من معط وآخذ (السقي) من ماله (لمصلحة).
وقيل: لحاجة. ويرجع في ذلك إلى قول أهل الخبرة.
(ولو تضرر الآخر) بذلك؛ لأنهما دخلا في العقد على ذلك.
وعلم مما تقدم أنه ليس له السقي لغير مصلحة؛ لأن سقيه يتضمن التصرف
في ملك غيره.
والأصل: المنع. وإنما أباحته المصلحة.
(ومن اشترى شجرة) فأكثر، (ولم يشترط قطعها أبقاها في أرض بائع)؛ كالثمر على الشجرة بلا أجرة.
(ولا يغرس) المشتري (مكانها لو بادت)؛ لأنه لم يملك المغرس إذ اللفظ قاصر عنه.
والمغرس: أصل. فلا يكون تبعاً.
(وله) أي: المشتري (الدخول لمصالحها)؛ لأنه قد ثبت له حق الاختيار.
стр. 2149
[فصل: في بيع الثمرة قبل بُدو صلاحها]
(فصل. ولا يصح بيع ثمرة قبل بُدوِّ صلاحها، ولا زرعٍ قبل اشتداد حبه
لغير مالك الأصل أو الأرض.
ولا يلزمهما) أي: مالك الأصل ومالك الأرض (قطع شرط. إلا معهما)
أي: إلا الثمرة (١) مع الشجر، أو الزرع مع الأرض، (أو بشرط القطع في الحال). أما كون الثمرة لا يصح بيعها مفردة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع؛
" فلأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. نهى البائع والمبتاع " (٢) . متفق عليه.
والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث.
وأما كونه يصح بشرط القطع في الحال؛ فلأن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها. بدليل ما روى أنس: " أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي. قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه " (٣) . رواه البخاري.
وهذا مأمون فيما يقطع. فصح بيعه؛ كما لو بدا صلاحه.
وأما كون الزرع لا يصح بيعه مفرداً قبل اشتداد حبه إلا بشرط القطع في
стр. 2150
الحال؛ فلما روى مسلم عن ابن عمر " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهوَ، وعن بيعِ السنبلِ حتى يبيض ويأمنَ العَاهةَ. نهى البائع والمشتري" (١) . قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً يعدل عن القول به.
وأما صحة بيعهما لمالك الشجر والأرض، أو مع الشجر والأرض من غير شرط القطع المستفاد حكم ذلك من مفهوم كلام المتن؛ فلأن الثمر إذا بيع مع الشجر أو الزرع مع الأرض حصل تبعاً في البيع. فلم يضر احتمال الغرر فيه، كما احتملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع الشاة والنوى في التمر مع التمر وأساسات الحيطان في بيع الدار.
ولأن الثمرة إذا بيعت مفردة قبل بدو صلاحها لمالك الأصل. أو الزرع قبل اشتداد حبه لمالك الأرض فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال؛ لكونه مالكاً للأصل والقرار. فصح؛ كبيعهما معهما.
وفيه وجه ما لم يشرط القطع. فيصح وجهاً واحداً.
وأما كونه (٢) لا يلزم رب الأصل ولا رب الأرض قطع شرط عليه؛ فلأن (٣) الأصل له (٤) .
ومحل الصحة في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها والزرع قبل اشتداد حبه مفرداً لغير مالك الأصل والأرض بشرط القطع: (إن انتفع بهما) أي: بالثمرة والزرع. فلو لم ينتفع بهما؛ كثمرة الجوز وزرع الترمس لم يصح؛ لما تقدم في شروط البيع.
(وليسا) [أي: الثمرة والزرع] (٥) (مشاعين)؛ كبيع نصف الثمرة أو الزرع
أو نحو ذلك؛ لأنه لا يمكن قطعه إلا بقطع ملك غيره. فلم يصح اشتراطه.
стр. 2151
(وكذا رَطبة وبُقُول) أبيعت مفردة لغير مالك الأرض. فإنه لايصح بيعهما (١) إلا بشرط القطع في الحال.
أما كون البيع لا يصح مع عدم شرط القطع في الحال؛ فلأن ما في الأرض مستور مغيب، وما يحدث منه معدوم. فلم يجز بيعه؛ كالذي يحدث من الثمرة. وأما صحته مع الشرط؛ فلأن الظاهر منه مبيع معلوم لا جهاله فيه ولا غرر.
أشبه ما جاز بيعه من غير ذلك.
(ولا) بيع (قثاء، ونحوه)؛ كخيار وباذنجان، (إلا لَقْطَة) موجودة
ف (لَقْطَة) موجودة (٢) ؛ لأن ما لم يخلق لم يجز بيعه.
(أو) إلا (مع أصله)؛ لأنه أصل يتكرر فيه الثمرة. أشبه الشجر.
(وحصاد) لزرع (ولِقاط) لما يباع لقطة لقطة. (وجذاذ) لثمر (على مشتر) لذلك؛ لأن نقل المبيع وتفريغ ملك البائع منه على المشتري؛ كنقل الطعام المبيع من دار البائع. ويفارق الكيل والوزن (٣) فإنهما على البائع؛ لأنهما من مؤْنة التسليم إلى المشتري. وهو على البائع، وهنا حصل التسليم بالتخلية بدون القطع. بدليل جواز بيعها والتصرف فيها.
(وإن ترك) المشتري (ما) أي: مبيعاً (شُرط قطعه) ولا يصح بدونه،
كما لو ترك ثمراً أبيع مفرداً حتى زاد: (بطل البيع بزيادته)؛ " لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها " (٤) .
فاستثني منه ما اشتراه بشرط القطع فقطعه بالإجماع. فيبقى ما عداه على أصل التحريم.
ولأن التبقية معنى حرم الشرع اشتراطه لحق الله تعالى. فأبطل العقد
стр. 2152
وجوده؛ كالنسيئة فيما يحرم فيه النساء، وترك التقابض فيما يشترط فيه القبض، أو الفضل فيما يجب فيه التساوي.
ولأن صحة البيع تجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها. ووسائل الحرام حرام؛ كبيع العِينة (١) .
وفيه رواية: لا يبطل.
(و) على المذهب (يُعفى عن يسيرها) أي: الزيادة (عرفاً)، لعسر التحرز منه.
(وكذا) في بطلان البيع بالترك (لو اشترى رطباً عرية) ليأكلها (فأتمرت)
أي: صارت تمراً؛ لقوله ﵊: " يأكلها أهلها رطباً " (٢) . ولأن شراءها إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب. فإذا أتمر تبينا عدم الحاجة.
ولا فرق بين كون ذلك لعذر أو غيره.
وحيث بطل البيع رجعت الثمرة كلها للبائع تبعاً للأصل؛ كسائر نماء المبيع المتصل إذا رجيع إلى البائع بفسخ أو بطلان.
ونقل ابن أبي موسى في " الإرشاد ": أنهما يكونان شريكين في الزيادة. فتُقوّم الثمرة وقت العقد وبعد الزيادة.
وعنه: لا يبطل. والزيادة لهما.
وقال القاضي: للمشتري.
وعنه: يتصدقان بها على الروايتين وجوباً.
وقيل: ندباً.
وعنه: يفسد إن أخره عمداً بلا عذر.
стр. 2153
وعنه: يفسد لقصد حيلة.
(وإن حدث مع ثمرة) لبائع (انتقل ملك أصلها)؛ كمن باع [شجراً عليه
ثمرة] (١) أو نحوه؛ كباذنجان ونحوه. فإن الثمرة التي كانت واللقطة الأولى تكون لبائع متروكة إلى حين بلوغها ما لم يشترطها مشتر (ثمرةٌ) فاعل حدث (أخرى) أي: غير التي كانت واختلطتا (٢) .
(أو اختلطت) لقطة (مشتراة بغيرها) أي: بثمرة حدثت، (ولم تتميز) إحداهما من الأخرى: (فإن عُلم قدرها) أي: قدر الحادثة بالنسبة إلى
الأولى؛ كثلث أو ربع (فالآخذ) للحادثة (شريك به) أي: بالجزء المعلوم قدره حادثاً، (وإلا) أي: وإن لم يعلم ذلك (اصطلح) عليها. (ولا يبطل البيع)؛ لأن المبيع لم يتعذر تسليمه، وإنما اختلط بغيره. فهو كما لو اشترى [طعاماً في مكان فانثال عليه طعام للبائع ولم يعرف قدر كل واحد منهما.
ويفارق هذا ما لو اشترى] (٣) ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع فتركها حتى
بدا صلاحها. فإن البيع يبطل على الأصح؛ لكون اختلاط المبيع بغيره حصل بارتكاب نهي. وكونه يتخذ حيلة على شراء الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها.
ويفارق ما لو اشترى عرية فتركها حتى أثمرت. فإنه يتخذ حيلة على شراء الرطب بالتمر من غير كيل ولا حاجة إلى أكله رطباً.
وعنه: يبطل البيع.
وعلى بقاء البيع يكون الحكم (كتأخير قطع خشب) اشتراه (مع شرطه)
أي: شرط القطع فزاد: فإن البيع لا يبطل.
(ويشتركان) أي: البائع والمشتري (في زيادته). نص عليه في رواية ابن منصور، قياساً على ما تقدم.
стр. 2154
وعنه: أنها لصاحب الأرض.
وقيل: للمشتري.
(ومتى بدا صلاج ثمر، أو اشتد حب: جاز بيعه) أي: بيع الثمر أو بيع الحب، (مطلقاً) أي: من غير شرط، (وبشرط التبقية) أي: تبقية الحب إلى الحصاد أو الثمر إلى الجذاذ؛ " لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تبدو صلاحها وتأمن العاهة " (١) .
وتعليله بأمن العاهة يدل على التبقية؛ لأن ما يقطع في الحال لا يخاف العاهة عليه، وإذا بدا الصلاح فقد أمنت العاهة. فيجب أن يجوز بيعه يبقى؛ لزوال علة المنع.
وكذا يقال في الحب.
(ولمشتر بيعه) أي: الثمرالذي بدا صلاحه والتصرف فيه بغير البيع (قبل جذه)؛ لأنه مبيع مقبوض بالتخلية. فجاز له التصرف فيه؛ كسائر المبيع. (وقطعه) في الحال، (وتبقيته) أي: قطع الثمر أو الزرع المشتد الحب وتبقيته إلى حصاد وجذاذ؛ لأن العرف يقتضي ذلك.
(وعلى بائع سقيه) أي: الثمر. يسقي الشجر الذي هو عليها ولو لم يحتج
إليه؛ لأنه يجب عليه تسليمه كاملاً. بخلاف ما إذا باع الأصل وعليه ثمر للبائع. فإنه لا يلزم المشتري سقيها؛ لأن البائع لم يملكها من جهته وإنما بقي ملكه عليها.
(ولو تضرر أصل) بالسقي.
(ويجبر إن أبى)؛ لكونه دخل على ذلك.
(وما تلف) من ثمر على أصوله قبل أوان جذاذه (سوى يسير) منه (لا ينضبط)؛ لعلته، (بجائحة) متعلق بتلف.
стр. 2155
(وهي) أي: الجائحه: (ما) أي: كل آفة سماوية (لا صُنع لآدمي فيها)؛ كالريح والحر والبرد والعطش.
(ولو) كان التلف (بعد قبض) بالتخلية: (ف) ضمانه (على بائع)؛ لما روى جابر [" أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح " (١) .
وعنه] (٢) : أن النبي ﷺ قال: " إن بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " (٣) . رواهما مسلم. ولأن التخلية في ذلك ليس بقبض تام؛ لأن على البائع المؤْنة إلى تتمة صلاحه. فوجب كونه من ضمان بائع؛ كما لو لم يقبض.
ولأن الثمر على الشجر كالمنافع في الإجارة يؤخذ شيئاً فشيئاً. ثم لو تلفت المنافع قبل استيفائها كانت من ضمان الآجر (٤) . كذا هنا.
ومحل ذلك: (ما لم تُبع مع أصلها)؛ لحصول القبض التام وانقطاع علق البائع عنه. (أو يؤخر أخذها عن عادته) لتفريط المشتري.
وعنه: إن أتلف الثلث فصاعداً ضمنه بائع، وإلا فلا.
(وإن تعيبت) الثمرة (بها) أي: بالجائحه في وقب يكون تلفها بالجائحة من (٥) ضمان بائع: (خُير) مشتر (بين إمضاء) للبيع (و) أخذ (أرش) للعيب، (أو ردٍّ) للبيع (٦) (وأخذ ثمن كاملاً)؛ لأن ما ضمن تلفه بسبب في وقت كان ضمان تعيبه فيه بذلك من باب أولى.
(و) إن تلف ما ضمن بالجائحة (بصنع آدمي). وظاهره: ولو كان البائع
بأن يحرقه أو يسرقه ونحوه: (خُيّر) مشتر (بين فسخ) للبيع ومطالبة بائع بما
стр. 2156
قبضه من الثمن، (أو إمضاء) له (ومطالبة متلف)؛ كالمكيل إذا أتلفه آدمي قبل القبض.
(وأصل ما) أي سبب (يتكرر حمله من قثاء، ونحوه)؛ كباذنجان وخيار ودباء؛ (كشجر) فيما تقدم.
(وثمرته) أي: ثمرة ما يتكرر حمله؛ (كثمر) على الأشجار الكبار (في جائحة وغيرها.
وصلاح بعض ثمرة شجرة، صلاح لجميع) أشجار (نوعها الذي بالبستان) الواحد؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق [ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي. فوجب أن يتبع ما لم يبد صلاحه من نوعه لما بدا] (١) ، وكالشجرة الواحد ة.
وعنه: لا يكون صلاحاً إلا لبقية ثمرة الشجرة.
وعنه: يكون صلاحاً لذلك النوع وما قاربه مما بالبستان.
(والصلاح فيما) أي: في ثمر (يظهر فماً واحداً؛ كبلح وعنب: طِيبُ أكله، وظهور نُضجه) موافقة لأكثر الأخبار.
وهو ما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع الثمر حتى يطيب " (٢) .
متفق عليه.
(و) الصلاح (فيما يظهر فماً بعد فم؛ كقثاء: أن يؤكل عادة).
وقيل: أن يتناهى عظمه.
ورُدّ: بأن ذلك آخر صلاحه.
стр. 2157
(و) الصلاح (في حب: أن يشتد أو يبيض)؛ لأن النبي ﷺ جعل اشتداد الحب غاية لصحة بيعه (١) ؛ كبدو الصلاح في الثمرة.
(ويشمل بيع دابة)؛ كفرس (عذاراً) وهواللجام (ومِقْوداً) بكسر الميم (ونعلاً) حيث كان ذلك بها.
(و) يشمل بيع (قن) ذكراً أو أنثى (لباساً معتاداً) عليه؛ لأن ذلك مما يتعلق به حاجة المبيع أو مصلحته، وجرت العادة ببيعها معه.
(ولا يأخذ مشتر ما) أي: حلياً أو ثياباً (لجمَال) (٢) ؛ لأنها زيادة على العادة ولا يتعلق بها حاجة المبيع، وإنما يلبسه إياها لينفقه بها. وهذه حاجة البائع لا حاجة المبيع. أشبه ما لو زين الدار بفرش أو ستور.
(ولا) يأخذ مشتر (مالاً معه) أي: مع القن (أو بعض ذلك) أي: بعض ثياب الجمال أو بعض المال. (إلا بشرط) بأن يشترط المشتري ذلك على البائع عند العقد؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " (٣) . رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
ولأن العبد وماله للبائع. فإذا باع العبد اختص البيع به.
(ثم إن قصد) ما لم يدخل في البيع إلا باشتراط المشتري (اشتُرط له شروط البيع) جميعها؛ كالعلم به، وأن لا يكون بينه وبين الثمن رباً، كما يعتبر ذلك في العينين المبيعين؛ لأنه مبيع مقصود. فأشبه ما لو ضم إلى القن عيناً أخرى وباعهما.
стр. 2158
(وإلا) أي: وإن لم يقصد المال أو ثياب الجمال أو الحلي (فلا) يشترط
له شروط البيع؛ لأن ذلك دخل تبعاً غير مقصود. فأشبه أساسات الحيطان والتمويه بالذهب في السقوف.
وسواء قلنا إن العبد يملك بالتمليك أو لا. وهذه الطريقة هي الموافقة لأصول المذهب.
والطريقة الثانية: البناء على ملك القن وعدمه إن قلنا لا يملك اشتراط علم المال والتقابض فيما يشترط فيه، وإن قلنا يملك لم يشترط ذلك؛ لأنه غير داخل في العقد، وإنما اشترط كون القن ذا مال وذلك صفة في المبيع.
والطريقة الثالثة: أنا إن قلنا إن (١) القن يملك لم يشترط لماله شروط البيع بحال، وإن قلنا لا يملك فإن كان المال مقصوداً للمشتري اشترط له شروط البيع، وإلا فلا.
فرع:
لو رد القن المبيع المشترط ماله بعيب أو إقالة أو نحوهما رد ماله معه؛ لأن القن إذا كان معه مال كانت قيمته أكثر فأخذه ينقص قيمته. فلم يملك رده حتى يدفع ما يزيل نقصه.
فإن تلف ماله ثم أراد رده فهو بمنزلة العيب الحادث عند المشتري على ماتقدم.
стр. 2159
] باب: السلم]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام السلم.
(السلم) في الشرع هو: (عقد على) شيء يصح بيعه (موصوف) أي:
ينضبط بالصفة (في ذمة)، كجائز التصرف.
والذمة: وصف يصير به المكلف أهلا للإلزام والالتزام.
(مؤجل) أي: الموصوف (بثمن) متعلق بعقد (مقبوض) أي: الثمن
(بمجلس العقد).
وهو جائز بالإجماع. وسنده من الكتاب قوله تعالى: (يايها الذين ءامنوا
إذا تداينتم بدين إلي أجل مسمى فاكتبوه)] البقره: ٢٨٢].
روى سعيد بإسناده عن ابن عباس ﵄ انه قال: " أشهد أن
السلف المضمون إلى اجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ
هذه الآية " (١) .
وهذا اللفظ يصح للسلم ويشمله بعمومه.
ومن السنة ما روى ابن عباس عن رسول الله ﷺ " أنه قدم المدينة وهم
يسلفون في الثمار السنتين والثلاث. فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل
معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (٢) . متفق عليه.
ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد. فجاز أن يثبت في الذمة،
كالثمن.
стр. 2160
ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون
إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل. وقد تعوزهم النفقة فيجوز (١) لهم السلم،
ليرتفقوا ويرتفق المسلم با لاسترخاص.
(ويصح) السلم (بلفظه ولفظ: سلف)، لأنهما حقيقة فيه. إذهما للبيع
الذي عجل ثمنه وأجل مثمنه.
(و) بلفظ (بيع وهو نوع منه)، لأنه بيع إلى اجل. فشمله النص.
(بشروط) متعلق بيصح، سبعة تأتي مفصلة:
(أحدهما): أن يكون المسلم فيه مما يمكن (انضباط صفاته)، لأن
ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف كثيرا. فيفضي إلى المنازعة والمشاقة المطلوب شرعا عدمها.
وذلك (كموزون) من قطن وإبريسم وصوف ونحاس ورصاص وزئبق
وشب وكبريت.
(ولو) كان الموزون (شحما).
قيل لأحمد: إنه يختلف. قال: كل سلف يختلف.
(ولحما نيئا، ولو مع عظمه)، لأنه كالنوى في التمر. (إن عين محل
يقطع منه)، كاًن يقول: من الفخذ أو الجنب. نقله الجماعة.
وظاهر تخصيصه بالنيء: أنه لا يصح في اللحم المطبوخ والمشوي، لأنه
يختلف وهو المذهب. وفيهما وجه. وسياًتي أن من شروط السلم ذكر النوع وما
يتميز مختلفه. فيشترط أن يذكر في اللحم أنه لحم غنم ضاًن أو معز، جذع أو
ثني، خصي أو غيره، رضيع أو فطيم، معلوفة أو راعية، سمين أو هزيل.
(و) كـ (مكيل) من حب أو تمر أو خل أو دهن أو لبن ونحو ذلك.
(و) كـ (مذروع) من ثياب وخيوط.
стр. 2161
وعنه: لا يصح السلم في مذروع.
(و) كـ (معدود من حيوان ولو) كان الحيوان (آدميا).
وقيل: لا يجوز إلا في المكيل والموزون.
(لا في أمة وولدها)، لندرة جمعهما الصفة.
(أو) في حيوان (حامل)، لأن الصفة لا تاًتي على ذلك. والولد مجهول
وغير محقق (١) . وفيه وجه.
(ولا) على الأصح (في فواكله معدودة)، لأنها تختلف بالصغر والكبر.
(وبقول)، لأنها تختلف ولا يمكن تقديرها بالحزم.
(وجلود)، لأنها تختلف ولا يمكن ذرعها، لاختلاف الأطراف.
(ورؤوس واكارع)، لأن أكثر ذلك العظام والمشافر، واللحم فيه قليل
وليس بموزون.
(وبيض ونحوها) كجوز، لأن ذلك يختلف.
(و) لا في الأصح في (اوانى مختلفة رؤوسا وأوساطا كقماقم) جمع قمقم
بضم القافين.
(ولا في ما لا ينضبط، كجوهر) ولؤلؤ وعقيق وبلور ونحو ذلك، لأن
اثمان ذلك تختلف اختلافا متباينا بالصغر والكبر، وحسن التدوير، وزيادة
الضوء، والصفاء، ولا يمكن تقديرها ببيض العصعفور ونحوه، لأن ذلك
يختلف، ولابشيء معين، لأن ذلك يتلف.
(و) كـ (مغشوش اثمان)، لأن غش ذلك يمنع العلم بالقدر المقصود
منه. فلم يصح. ولما فيه من الغرر.
(او يجمع اخلاطا) مقصودة (غير متميزة كمعاجين) يتداوى بها (وند
وغالية)، لعدم ضبطها بالصفة، (وقسي ونحوها) مما يجمع اشياء لا يمكن
стр. 2162
ضبط مقدار كل منها. فإن القسى تشتمل على خشب وقرن. وعصب وتوز
وطلاء. ولا يمكن تمييز ما فيها منها.
(ويصح) السلم (فيما) اي: في شيء (فيه لمصلحته شيء غير مقصود،
كجبن) فإن فيه أنفحة، (وخبز) وعجين فإن فيه ملحا، (وخل تمر) فإن فيه
ماء، (وسكنجبين) فإن فيه خلا، (ونحوها) أي: ونحو ذلك مما فيه
لمصلحته شيء غير مقصود، كالشيرج فإن فيه ملحا، لأن الخلط يسير غير
مقصود بالمعاوضة لمصلحة المخلوط. فلم يؤثر.
(و) يصح (فيما يجمع أخلاطا متميزة، كثوب من نوعين)، كالمنسوج
من قطن وكتان او صوف وحرير.
(و) كـ (نشاب ونبل مريشين، وخفاف ورماح، ونحوها)، لإمكان
ضبط ذلك بالصفات التي لا يتفاوت الثمن معها غالبا. وفيها وجه.
(وفي أثمان) والمراد: الخالصة، لتقدم حكم المغشوشة، لأنها ثبتت في
الذمة صداقا. فيثبت سلما، كالعروض.
(ويكون راس المال غيرها) اي: غير الأثمان، كالثوب والفرس. وإنما
اشترط ذلك، لأنه لا ربا بينهما من حيب التفاضل او النساء. فصح، كإسلام
العرض في العرض.
(و) يصح السلم (في فلوس) ولو نافقة وزنا (ويكون رأس مالها عرضا)
إلحاقا لها بالنقد، كما تقدم في ربا النسيئة.
(و) يصح (في عرض بعرض)، كإسلام فرس في ثوب، وفي فرس وخبز
في تمر. (لا إن جرى بينهما) اي: بين رأس مال السلم والمسلم فيه (ربا
فيهما) اي: في مسأله إسلام العرض في الفلوس، والعرض في العرض، كما
لو أسلم في الفلوس نحاسا، أو في تمر تمرا، أو جبن جبنا ونحو ذلك، لأن
ذلك يؤدي إلى بيع المكيل والموزون بجنسه نسيئة. وكذا إن كان بغير جنسه كبر بشعير وحديد بنحاس، لأن ذلك كله ربا.
стр. 2163
(وإن جاءه) أي: جاء المسلم إليه عرضا في عرض إلى المسلم (بعينه)
اي: بعين رأس المال (عند محله)، كمن أسلم عبدا صغيرا في عبد كبير
ووصفه بصفات الصغير إلى عشر سنين. ثم جاءه به بعينه [عند الحلول] (١) وقد
كبر: (لزم) المسلم (قبوله)، لأنه أتاه بالمسلم فيه على صفته. فلزم قبوله،
كما لو كان غيره.
وقيل: لا، لأنه يفضي إلى كون الثمن [هو المثمن.
ورد: بأن المثمن] (٢) إنما هو في الذمة وهذا عوض عنه.
ومحل ذلك: ما لم تكن حيلة، كما لو اسلمه جارية صغيرة في كبيرة إلى
امد تكبر، متصفة بصفات الصغيرة، يستمتع بها ويردها عند الأمد من غير عوض للوطء أو نحو ذلك: فإن هذا لا يصح وجها واحدا.
فرع: يصح السلم في السكر والفانيد والدبس ونحو ذلك مما مسته النار،
لأن عمل النار فيه معلوم بالعادة ممكن ضبطه بالنشافة والرطوبة. فصح السلم
فيه، كالمجفف بالشمس.
الشرط (الثاني: ذكر ما يختلف به ثمنه) اي: المسلم فيه (غالبا)، لأن
السلم عوض يثبت في الذمة فاشترط العلم به كالثمن، (كنوع) وذكره مستلزم
لذكر الجنس (وما يميز مختلفه) اي: مختلف النوع. ففي سلم في قمح ونحوه
يشترط ذكر نوعه. ففي إقليم مصر يقال: صعيدي او بحيري، وفي الشام
يقال: حوراني أو شمالي، ونحو ذلك.
(و) ذكر (قدر حب) فيقال: صغار الحب او كباره، ومتطاول الحب او
مدوره.
(ولون) فيقال: احمر أو ابيض.
ومحل هذا: (إن اختلف)، ليتميز بالوصف.
стр. 2164
(وبلده) أي: الحب. فيقال: من زرع بلد كذا، بشرط أن تكون كبيرة
يبعد فيها الآفة، كما سياً نى.
(وحداثته وجودته) فيقال: حديث جيد.
(او ضدهما) أي: الحداثة والجودة. فيقال: قديم سنتين أو ثلاثة،
رديء، أو مشعر، اي: به شعير، أو مزيون اي: به زيوان.
وكذا الحكم في سائر الحبوب.
وفي سلم في حيوان ذكر جنسه. ففي غنم يقال: غنم ونوعه، كضاًن أو معز.
(و) ذكر (سن حيوان) فيقول: جذعا أو ثنيا.
(و) ما يميز مختلفه فيقول: (ذكرا وسمينا ومعلوفا، او ضدها)، كأنثى
وهزيلا وراعيا.
وفي إبل يقال: بختية او عرابية، وبنت مخاض أو بنت لبون ونحوهما،
وبيضاء او (١) حمراء أو ورقاء، ومن نتاج بني كذا.
وأوصاف الخيل كأوصاف الإبل.
(و) مصيود بعد استقصاء صفة الصيد فيقول: (صيد أحبولة، أو) صيد
(كلب، او) صيد (صقر)، أو صيد (٢) فهد أو فخ. فإن الأحبوله يؤخذ الصيد
منها سليما، والكلب أطيب نكهة من الفهد.
وفي تمر بذكر النوع، كبرنى، الجودة أو عكسها، وبالقدر نحو. كبار أو
صغار. وبالبلد نحو: بغدادي، لأنه احلى وأقل بقاء لعذوبة مائه، او بصري
وهو بخلافه، وبالحداثة وعكسها. فإذاء أطلق العتيق أجزأ، وإن شرط عتيق عام
أو عامين فله شرطه. وباللون إن كان يختلف به. والرطب كالتمر فيما ذكرنا إلا الحداثة وضدها. ولا يأخذ إلا ما أرطب كله، ولا يأخذ مشدخا ولا قديما قارب
أن يتمر.
стр. 2165
وهكذا ما جرى مجراه من العنب.
وفي (١) عسل: يذكر جنسه، كعسل نحل، أو عسل قصب. وبلده
كمصري (٢) أو نحوه.
ويجزئ ذلك عن ذكر النوع وزمنه، كربيعي أو صيفي، ولونه، كأبيض أو
أحمر. وليس له إلا مصفى من الشمع.
وفي سمن: يذكر النوع، كسمن بقر أو ضاًن. وكاللون (٣) ، كأصفر أو
أبيض، والمرعى. ولا يحتاج إلى ذكر الحداثة، لأن إطلاقه يقتضي الحديث.
ولا يصح السلم في عتيقه، لأنه عيب، ولا ينتهي إلى حد ينضبط به.
والزبد كالسمن ويزيد: زبد يومه] أو أمسه.
وفي لبن: يذكر النوع والمرعى. ولا يحتاج إلى ذكر اللون ولا حلب
يومه [ (٤) ، لأن إطلاقه يقتضي ذلك.
وفي ثوب: يذكر النوع، ككتان أو قطن. والبلد، كبغدادي، واللون
والطول والعرض والخشونة، أو النعومة والصفاقة او الرقة. ولا يذكر الوزن فإن ذكره لم يصح، لتعذر الجمع بين صفاته.
وفي غزل: يذكر النوع، كغزل كتان او قطن. والبلد واللون والوزن
والغلظ أو الرقة.
وفي صوف ووبر وشعر: يذكر البلد واللون والطول او القصر والذكورة أو
الأنوثة، لأن صوف الإناث أنعم. والزمان، لأن صوف الخريف أنظف.
وفي كاغد: يذكر البلد والطول والعرض والرقة أو الغلظ واستواء الصنعة،
واللون وما يختلف به الثمن.
стр. 2166
وفي رقيق: يذكر النوع، كحبشي أو رومي أو زنجي.
(وطول رقيق بشبر).
قال الإمام: يقول: خماسي سداسي، اسود أبيض، أعجمي أو فصيح،
والذكوريه او الأنوثية.
(وكحلاء أو دعجاء، وبكارة أو ثيوبة، ونحوها) مما يختلف به الثمن،
كسمينة أو هزيلة مما يختلف به القن.
وإن ذكر شيئا من صفات الحسن، ككونها أقنى الأنف أو زجاء
الحاجبين لزمه.
(و) من اسلم في طير ذكر (نوع طير)، ككركي او حمام، (ولونه
وكبره) إن كان يختلف، كالأوز والدجاج والحمام.
وفي لحم طير: لا يشترط ذكر ذكورية ولا أنوثية. إلا إن أختلف بذلك،
كلحم الدجاج. ولا إلى موضع اللحم. إلا أن يكون كبيرا يؤخذ منه بعضه،
كالنعام. ولا يلزم قبول الرأس والساقين، لأنه لا لحم عليهما.
وفي سيف: ذكر نوعه، كفولاذ. وطوله وعرضه ورقته وغلظه وبلده
وقدمه، أو ضده ماض او غيره. ويصف قيمته.
وفي قصاع: ذكر نوع الخشب، كجوز، وصغر أو كبر، وعمق وضيق
وتخانة ودقة.
ويضبط العنبر بلونه ووزنه والبلد. وإن شرط قطعة أو قطعتين جاز، وإن لم
يشترط فله أن يعطيه صغار أو كبار.
ويضبط العود الهندي ببلده وما يعرف به.
ويضبط المصطكا واللبان والغراء العربي وصمغ الشجر والمسك وسائر
مايجوزالسلم فيه بما لايختلف به.
(ولا يصح شرطه اجود)، لتعذر الوصول إليه إلا نادرا. إذ ما من جيد
стр. 2167
إلا ويحتمل ان يوجد أجود منه.
(او اردا)، لأنه لا ينحصر. وفيه وجه.
(وله) أي: لرب السلم (اخذ دون ما وصف)، لأن الحق له وقد رضي بدونه.
(و) له اخذ (غير نوعه من جنسه)، لأن الموعين مع اتحاد (١) في الجنس
كالشيء الواحد. بدليل تحريم التفاضل.
(ويلزمه) أي: رب السلم (اخذ اجود منه) أي: مما اسلم فيه إذا كان
(من نوعه) إذا بذله المسلم إليه، لأنه أتى بما يتناوله العقد وزيادة نفع. وكشرطه. وعنه: يحرم قبوله.
وعلم مما تقدم انه إذا جاء بغير نوعه، كلحم معز عن ضاًن: لم يلزمه
قبوله، لأن العقد تناول ما وصفاه (٢) على الصفة التي شرطاها، والنوع صفة.
فأشبه ما لو فات غيره من الصفات. وفيه وجه.
ويجوز أخذه برضاهما، لأنه لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، ويضم
أحدهما إلى الاخر في الزكاة. فجاز، كالنوع الواحد.
وبغير جنسه، كمن أسلم في لحم غنم فجاءه بلحم بقر أو نحوه لم يجز له قبوله، لقول النبي ﷺ : " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " (٣) . رواه
ابو داود وابن ماجه من رواية عطية العوفي.
ولأن اخذ غير الجنس عن المسلم فيه بيع له. فلم يجز، كبيعه من غيره.
واما أخذه غير النوع فليس ببيع، وإنما هو قضاء للحق مع تفضيل من أحدهما.
стр. 2168
(ويجوز) لرب سلم (رد) سلم (معيب) قبضه غير عالم بعيبه، وإمساكه
(وأخذ أرشه)، كمبيع غير سلم.
(و) لمسلم إليه اخذ (عوض زيادة قدر) دفعه، لأن الزيادة هنا يجوز
إفرادها بالبيع. (لا) عوض (جودة) لو جاءه بأجود مما عليه، لأن الجودة
صفة لا يجوز إفرادها بالبيع.
(ولا) لرب سلم اخذ عوض (نقص رداءة) لو جاءه بأردأ، لما تقدم.
الشرط (الثالث) من شروط السلم: أن يذكر (قدر كيل في مكيل، و)
قدر (وزن في موزون، و) قدر (ذرع في مذروع متعارف فيهن) اي: في المسائل الثلاثه، باًن يكون كل من المكيال والرطل والذراع المقدر به معروفا عند العامة. وإنما اشترط التقذير بالمتعارف، لقول النبي ﷺ : " من اسلف في شيء
فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (١) .
ولأنه عوض غير مشاهد يثبت في الذمة. فاشترط معرفة قدره، كالثمن.
إذا ثبت هذا (فلا يصح) ان يسلم (في مكيل وزنا، ولا) في (موزون
كيلا). نص عليه، لأنه مبيع يشترط معرفة قدره. فلم يجز بغير ما هو مقدر به
في الأصل، كبيع الربويات بعضها ببعض.
ولأنه قدر المسلم فيه بغير ما هو مقدر به في الأصل. فلم يجز، كما لو
اسلم في المذروع وزناً. فإنه لا يصح بغير خلاف.
وفي السلم في المكيل وزنا، وفي الموزون كيلا رواية.
(ولا) يصح (شرط صنجة او مكيال او ذراع لا عرف له).
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم على أن السلم في
الطعام لا يجوز بقفيز لا يعرف عياره، ولا في ثوب بذراع فلان، لأن المعيار لو
تلف أو مات فلان بطل.
стр. 2169
ولأنه غرر لا يحتاج إليه العقد.
(وإن عين فردا مما له عرف) فمكيال فلان أو رطله وهما معروفان عند
العامة (صح العقد). وفيه وجه. (دون التعيين)، وفيه وجه.
وما لا يمكن وزنه بميزان، كالأحجار الكبار تحط في سفينة وينظر إلى اي
موضع تغوص فيعلم ثم يرفع، ويحط مكانه رمل أو احجار صغار إلى أن يبلغ
الماء الموضع الذي كان بلغه، ثم يوزن فما بلغ فهو زنة ذلك الشيء.
الشرط (الرابع) من شروط السلم: (ذكلر أجل معلوم) نصا، لقوله ﷺ :
" من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى اجل معلوم " (١) .
فأمر بالأجل وامره يقتضي الوجوب.
ولأنه امر بهذه الأمور تثبيتا لشروط السلم، ومنعا منه بدونها. ولذلك لا يصح إن انتفى الكيل والوزن. فكذلك الأجل.
ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل. فاذا
انتفى الأجل انتفى الرفق. فلا يصح، كالكتابة.
ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه.
] أما الاسم، فلأنه يسمى سلما وسلفا، لتعجل أحد العوضين وتأخر
الاخر. ومعناه [ (٢) : ان الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، ومع حضور ما
يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم.
ويفارق بيوع الأعيان فإنها لم تثبت على خلاف الأصل، لمعنى يختص
بالتأجيل.
واحتج من أجازه حالأ بأنه إذا جاز مؤجلا فحالأ أجوز، ومن الغرر ابعد.
واجيب بأن ذلك إنما يجزى فيما إذا كان المعنى المقتضي موجودا في الفرع
стр. 2170
بصفة التأكيد. وليس كذلك هاهنا. فإن البعد من الغرر ليس هو المقتضي لصحة
السلم المؤجل، وإنما المصحح له شيء اخر لم يذكر اجتماعهما فيه.
(له وقع في الثمن عادة)، لأن الأجل إنما اعتبر ليتحقق الرفق الذي شرع
من اجله السلم، ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن.
والأجل الذي له وقع في الثمن، (كشهر ونحوه).
وفي " الكافي ": كنصفه.
وعنه: يصح ولو يوما. ذكرها (١) القاضي.
(ويصح) أن يسلم (في جنسين) كبر وشعير (إلى اجل) واحد: (إن بين
ثمن كل جنس)، كالبيع. (وفي جنس) واحد (إلى اجلين)، لأن كل بيع
جاز إلى أجل جاز إلى أجلين واجال.
ومحل صحة ذلك: (إن بين قسط كل اجل وثمنه)، لأن الأجل الأبعد له
زيادة وقع على الأقرب. فما يقابله أقل مما يقابل الاخر. فاعتبر معرفة قسطه
وثمنه، وبهذا يحصل التمييز للأجل الاخر (٢) .
(و) يصح (ان يسلم في شيء) يصح السلم فيه (يأخذه كل يوم جزءا
معلوما مطلقا) اي: سواء بين ثمن كل قسط أو لا.
وفيه وجه: لا يصح إلا ان يبين. وسواء كان المسلم فيه لحما أو خبزا أو
غيرهما.
وظاهر كلام بعضهم اختصاص الجواز بهما.
وإنما صح مطلقا، لأن الحاجة داعية إلى ذلك في الخبز واللحم وغيرهما.
ويعتبر تبيين ثمن قسط كل يوم.
وعلى المذهب: متى قبض البعض وتعذر قبض الباقي رجع بقسطه من
стр. 2171
الثمن. ولا يجعل للمقبوض فضلا على الباقي، لأنه مبيع واحد متماثل
الأجزاء. فيقسط الثمن على أجزائه بالسويه، كما إذا اتفق أجله.
(ومن اسلم او باع) على أن الثمن مؤجل، (او اجر، او شرط الخيار
مطلقا) بأن لم يجعل له غاية، (او) جعلها المجهول، كحصاد وجذاذ،
ونحوهما)، كإلى العطاء: لم يصح غير البيع، لأنه لا بد من علم الأجل، لقوله
سبحانه وتعا لى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى .... ) الاية] البقرة: ٢٨٢].
ولأن الحصاد والجذاذ ونحوهما يختلف بالقرب والبعد. فلا يصح أن يكون
أجلا، كقدوم زيد.
وكذا لو أبهم الأجل، كما لو قال: إلى وقت أو زمن (او عيد او ربيع او
جمادى او النفر: لم يصح) مما تقدم من (١) السلم والإجارة والخيار (غير
البيع)، لأنه لا تعلق له بالأجل.
(وإن قالا) أي: المسلم والمسلم إليه: (محله رجب، او إليه) أي:
إلى رجب، (او فيه) اي: في رجب، (ونحوه) أي: نحو رجب، كمحله
شعبان ونحو ذلك: (صح) العقد (وحل) السلم (بأوله) أي: أول ذلك
الشهر المسمى، كما لو قال لامراته: أنت طالق في شهر كذا فإنه يتعلق باً وله.
فإن فيل: الطلاق يتعلق بالأخطار ويجوز تعليقه على مجهول، كنزول
المطر ونحوه. بخلاف هذه المساً لة.
قلنا: سلمنا ذلك. إلا انه إذا جعل محله في شهر معين تعلق بأوله. فلا
يكون مجهولا. وكذا السلم.
(و) إن قال: محله (إلى اوله) أي: أول شهر كذا، (او اخره: يحل
بأول جزء منهما) أي: من أوله أو اخره، كتعليق الطلاق.
(ولا يصح) إن قالا: (يؤديه فيه) أي: في شهر كذا، لجعله كله ظرفا.
فيحتمل أوله وآخره. فلم يكن الأجل معلوما.
стр. 2172
(ويصح) ان يجعلا الأجل (لشهر وعيد روميين إن عرفا)، كشباط (١)
والنيروز عند من يعرفهما، لأنهما معلومان لا يختلفان. أشبه اشهر المسلمين
وأعيادهم.
(ويقبل قول مدين) وهو المسلم إليه (في قدره) أي: قدر الأجل،
(ومضيه) بيمينه.
نقل حرب: إذا اختلفا في أجله قبل قول المسلم إليه.
أما كون القول قوله في قدر الأجل، فلأن العقد اقتضى الأجل. والأصل بقاوه.
واما كون القول قوله في أنه لم يمض، فلأن المسلم يدعي استحقاق
التسليم، والمسلم إليه منكر. والأصل معه.
(و) كذا يقبل قوله في (مكان تسليم) نصا، لأن الأصل براءة ذمته من مؤنه
نقله إلى الموضع الذي يدعي المسلم شرط التسليم فيه.
(ومن اتي بماله) اي: بدين (من سلم وغيره قبل محله) بكسر الحاء (ولا
ضرر) عليه (في قبضه) من خوف تلف أو تحمل مؤنة أو نحو ذلك. ولا يختلف
قديمه وحديثه، كالعسل: (لزمه) قبضه نصا، لأن غرضه حاصل مع زيادة
تعجيل المنفعة. فجرى مجرى زيادة الصفة.
وعلم مما تقدم انه لو كان في قبضه قبل المحل ضرر: إما لكونه مما يتغير، كالأطعمة، أو كان قديمه دون حديثه، كالحبوب، أو كان حيوانا يخشى تلفه،
او يحتاج إلى النفقة، او كان الزمن مخوفا وخشي نهب ما يقبضه (٢) او نحو
ذلك: لم يلزمه قبضه قبل محله.
وعلم مما تقدم أنه إذا أحضره في محله أو بعده لزمه قبضه مطلقا، كالمبيع
المعين.
وحيب لزم القبض (فإن ابى قال له حاكم: إما ان تقبض او تبرئ. فإن
стр. 2173
أباهما) أي: أبى القبض وا لإبراء (قبضه) الحاكم (له) أي: لرب الدين. فلو
امتنع السيد من قبض مال الكتابة قبضه الحاكم وحكم بعتقه.
نقل حرب: إن أبى مولاه الأجل ما أعلم زاده (١) إلا خيرا. وقال: فيه
حديث يروى. قلت: حديب عثمان؟ قال: نعم. قال (٢) له: ضعها في بيت
المال وخلي سبيله.
ونقل بكر وحنبل خلافه.
وإنما صح قبض الحاكم لرب الدين، لأنه يقوم مقام الممتنع بولايته. وليس
له أن يبرئ، لأنه لا يملك الإبراء.
(ومن اراد قضاء دين عن غيره فأبى ربه) أي: رب الدين قبضه من غير
المدين، (او أعسر) زوج (بنفقة زوجته. فبذلها اجنبي. فأبت) الزوجة
قبولها من الأجنبى: (لم يجبرا) اي: رب الدين والزوجة على قبض الدين
والنفقة من غير المدين والزوج.
] (وملكت) الز وجة (الفسخ) با لإعسار. ذكره في " المحرر "
و" الرعاية "، كما لو لم يبرئها أجنبي] (٣) .
وفيه احتمال: كوكيله (٤) ، او كتمليكه للزوج والمديون.
وإنما لم يجبرا، لأنه إن كان المديون يقدر على الوفاء وجب عليه وفاوه من
ماله، وإلا لم يلزمه شيء.
وعلى كلا التقديرين لا يلزم رب الدين قبول منة الدافع.
الشرط (الخامس) من شروط السلم: (غلبة مسلم فيه في محله) أي:
عند حلوله، لوجوب تسليمه إذا ولو كان معدوماً عند العقد، كالسلم في العنب
الرطب زمن الشتاء إلى الصيف. فلو عكس ذلك لم يصح، لأنه لا يمكن
стр. 2174
تسليمه غالبا عند وجوبه. اشبه بيع الآبق. بل أولى.
(ويصح) السلم (إن عين) في العقد (ناحية تبعد فيها آفة)، كمن أسلم
في تمر، وعين كونه من تمر المدينة على ساكنها أفضل الصلاه والسلام، لغلبة المسملم فيه.
و (لا) يصح إن عين (قرية صغيرة أو بستانا.
ولا) إن أسلم في حيوان وقال: (من غنم زيد، او نتعاج فحله.
او في) ثوب وقال: (مثل هذا الثوب ونحوه)، كفي مثل هدا السيف،
لما روي عن النبي ﷺ " أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى. فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان. فقال النبي ﷺ : اما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى [إلى أجل مسمى] (١) " (٢) . رواه ابن ماجه وغيره. ورواه أبو إسحاق الجوزجانى في " المترجم " وابن المنذر. وقال: المنع منه كا لاجماع.
ولأنه لا يؤمن انقطاعه ولا تلف المسلم في مثله. أشبه ما لو قدره بمكيال أو
صنجة غير معروفين.
(وإن أسلم) في شيء (إلى محل) أي: وقت (يوجد فيه) المسلم فيه
(عاما. فانقطع). فإن لم يعدم بل عسر تحصيله، (وتحقق بقاؤه: لزمه
تحصيله) ولو شق، كبقية الديون.
(وإن تعذر) المسلم (او بعضه) بأن لم لوجد: (خير) مسلم. (بين صبر)
إلى أن يوجد فيطالب به، (أو فسخ قيما تعذر)، كما لو اشترىقنا فأبق قبل
القبض.
(ويرجع) إن فسخ (براس ماله) إن كان موجودا بعينه (او عوضه) إن عدم،
لتعذر رده. وعوضه مثل مثلي وقيمه متقوم.
стр. 2175
وفيه وجه: أن العقد ينفسخ بنفس التعذر.
فرع:
لو اسلم ذمي إلى ذمي في خمر ثم أسلم أحدهما: أخذ المسلم من المسلم
إليه ما أقبضه إياه على انه رأس المال أو عوضه، لتعذر استيفائه إن كان هو
المسلم، او تعذر الإيفاء إن كان المسلم إليه هو المسلم.
الشرط (السادس) من شروط السلم: (قبض راس ماله) بمجلس العقد
(قبل تفرق) يبطل به خيار المجلس. نص على هذا الشرط الإمام واستنبطه
الشافعي رحمه الله تعالى من (١) قوله ﵊: " من اسلف [في
شئ] (٢) فليسلف " (٣) اي: فليعط.
قال: لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما سلفه قبل أن يفارق من
اسلفه. انتهى.
وحذارا ان يصير بيع. دين بدين فيدخل تحت النهي.
وإن قبض بعضه فقط فقد تقدم في باب الربا (٤) .
(وكقبض) في الحكم (ما بيده) أي: يد المسلم إليه (امانة او غصب)
من دينار أو نحوه. فجعله مالكه راس مال سلم في قنطار من (٥) جبن (٦) أو نحوه
في ذمة من تحت يده الدينار. (لا في ذمته)، كما لو كان لإنسان في ذمة اخر
دين فجعله سلما في شيء. وإنما لم يصح هنا، لأن المسلم فيه دين. فإذا جعل
الثمن دينا كان بيع دين بدين. بخلاف ما قبلها.