فصل [في شروط الوضوء]
وأما شروط الوضوء فعشرة منها ما يشاركه فيها الغسل. وإلى ذلك أشير بقوله:
(ويشترط لوضوء وغسل ولو مستحبين نية) خلافاً لأبي حنيفة.
قال في " الفروع ": لأن الإخلا ص من (١) عمل القلب وهو النية مأمور به وفاقاً؛ لخبر " انما الأعمال بالنيات " (٢) . أي: لا عمل جائز ولا فاضل. ولأن النص دل على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب في غير منوي إجماعاً. ولأن النية للتمييز. ولأنه عبادة ومن شرطها النية؛ لأن ما لم يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كصلاة وغيرها.
وهذا معنى قول الفخر إسماعيل وأبي البقاء وغيرهما: العبادة ما أمر به شرعاً من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. قيل لأبي البقاء: الإسلام والنية عبادتان ولا يفتقران إلى النية؛ فقال: الإسلام ليس بعبادة لصدوره من الكافر وليس من أهلها. سلمنا، لكن للضرورة؛ لأنه لا يصدر إلا من كافر.
واما النية فلقطع التسلسل. وفي " الخلاف " لأن ما كان طاعة لله فعبادة.
فقيل له: فقضاء الدين ورد الوديعة عبادة؛ فقال: كذا نقول. قيل له:
стр. 247
العبادة ما كان من شرطه النية؛.
فقال: إذا لم يجز أن يقال في طاعة الله والمأمور به هو الذي من شرطه النية كذلك لا يجوز ذلك في العبادة. انتهى.
قال ابن قندس في " حواشيه ": أي إذا امتنع أن يقال: الطاعة والمأمور هو الذي من شرطه النية كذلك يمتنع أن يقال: العبادة هي التي من شرطها النية. انتهى.
قال في " الفروع " بعد ذلك: ونية الصلاة تضمنت السترة واستقبال القبلة لوجودهما فيها حقيقة، ولهذا يحنث بالاستدامة. انتهى.
قال ابن قندس: هذا جواب عن سؤال وتقديره أن يقال: السترة واستقبال القبلة شرط من شروط الصلاه فلم اعتبرت النية للوضوء دونهما مع انه شرط كالسترة؛ فأجاب بأن السترة تضمنتها نية الصلاة وكذلك استقبال القبلة فلم يحتاجا إلى نية مفردة.
فان قيل: فلم لم يحكم على الوضوء بهذا الحكم وهو أن يقال: نية الصلاة تضمنت الوضوء، كما قيل في السترة واستقبال القبلة؛
فأجاب بأن السترة واستقبال القبلة موجودان في الصلاة حقيقة. والدليل على ذلك: انه لو حلف لا يستتر فاستدام السترة التي عليه، أو حلف انه لا يستقبل
وهو مستقبل فاستدامه حنث. وليس الوضوء كذلك؛ لأن استدامة الوضوء ليست وضوءاً؛ لأن الوضوء عبارة عن الهيئة المعروفة فإذا توضأ ثم دام على ذلك لا يقال أن دوامه على الوضوء يكون وضوءا. دليله: انه لو حلف لا يتوضأ وكان متوضئا ودام على ذلك لا يحنث؛ لعدم وجود الهيئة المعروفة. وانما الدائم من الوضوء حكمه وهو ارتفاع الحدث لا حقيقة الوضوء؛ لأن حقيقته هي غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، وتلك الصفة ليست دائمة، وانما الدائم حكمها وهو ارتفاع الحدث. انتهى.
стр. 248
إذا تقرر أن النية شرط لطهارة الحدث فانه يستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(سوى غسل كتابية) لزوج مسلم من حيض، (و) سوى (مسلمة ممتنعة) من غسل لزوج من حيض حتى انه لا يطؤها ما دامت كذلك. (فتغتسل قهراً) من أجل حق الزوج، ويباح له وطؤها. (ولا نية) مشترطة هنا (للعذر) كالممتنع من زكاة. (و) الصحيح (لا تصلي به) ذكره في " النهاية " نقله عنه في " الفروع "، وقياس ذلك منعها من الطواف وقراءة القرآن ونحو ذلك مما يشترط له الغسل، لأنه انما أبيح وطؤها لحق زوجها فيه فلا تستبيح به العبادة المشترط لها الغسل.
وانما لم يصح أن ينوي عنها، لعدم تعذرها منها. بخلاف الميتة.
(ويُنوى) الغسل (عن ميت ومجنونة غسلاً) " لتعذر النية منهما.
وقال أبو المعالي في المجنونة: لا نية " لعدم تعذرها مالا. بخلاف الميت، وانها تعيد الغسل إذا أفاقت.
(و) الشرط الثاني لهما: (طهورية ماء).
(و) الثالث: (إباحته) أي: الماء. فلا يصح وضوء ولاغسل بماء غير طهور ولا بماء محرم الاستعمال.
(و) الرابع: (إزالة مانع وصوله) أي: الماء إلى البشرة.
(و) الخامس: (تمييز) المتوضئ والمغتسل، لأن سن التمييز أدنى سن يعتبر قصد الصغير فيه شرعا. فلا يصح الوضوء ولا الغسل ممن لم يميز " لعدم اعتبار قصده.
(وكذا) يشترط لصحة الوضوء والغسل: (إسلام وعقل) وهما الشرط السادس والسابع (لسوى من تقدم). وما تقدم هو عدم اشتراط الإسلام في الكتابية إذا اغتسلت لزوجها المسلم من الحيض، وعدم اشتراط العقل في المجنونة إذا اغتسلت من الحيض " ليطأها زوجها.
(و) ما يشترط (لوضوء) فقط وهو الشرط الثامن: (دخول وقت على من
стр. 249
حدثه دائم لفرضه) أي: لفرض ذلك الوقت؛ لأن طهارة من حدثه دائم طهارة عذر وضرورة. فتقيدت بالوقت؛ كالتيمم.
(و) الشرط التاسع: (فراغ خروج خارج) لمنافاته للوضوء.
(و) الشرط العاشر: فراغ (استنجاء) بالماء (أو استجمار) بحجر أو نحوه. وتقدم التنبيه على ذلك في المتن.
(و) يشترط (لغسل الحيض أو نفاس فراغهما) أي: فراغ خروج دم الحيض أو دم النفاس لمنافاة وجودهما الغسل لهما.
(والنية) المشترطة في الوضوء والغسل: (قصد رفع الحدث) بذلك الوضوء أو الغسل، (او) قصد (استباحة ما) أي: فعل أو قول (تجب له الطهارة)؛ كاستباحة الطواف بالوضوء، وقراءة القرآن بالغسل.
(وتتعين) الصورة (الثانية) وهي قصد الاستباحة (لمن حدثه دائم)؛ كمستحاضة، ومن به سلس ونحوه.
قال في " الإنصاف ": ينوي من حدثه دائم الاستباحة، على الصحيح من المذهب. ثم قال: وقيل: أو ينوي رفع الحدث. وقيل: هما.
قال في " الرعايتين " و" الحاويين ": وجمعهما أولى. ولا يشكل تعين نية الاستباحة لمن حدثه دائم.
(وان انتقضت طهارته بطروء) حدث (غيره) أي: غير الدائم لتناولها الدائم والطارئ. وانما نقض الطارئ دون الدائم؛ لأن الدائم انما لم ينقض للضرورة وما عداه على الأصل.
(وتسن) النية (عند أول مسنون) في الطهارة إذا (وجد قبل واجب)؛ كغسل الكفين قبل المضمضة والاستنشاق، وغسل بقية الوجه لتشمل النية مفروض الوضوء ومسنونه فيثاب على كل منهما.
(و) يسن (نطق بها) أي: بالنية (سراً)؛ ليوافق لسانه قلبه.
قال في " الإنصاف ": لا يستحب التلفظ بالنية على أحد الوجهين، وهو المنصو ص عن أحمد قاله الشيخ تقي الدين، وقال: هو الصواب.
стр. 250
والوجه الثانى: يستحب التلفظ بها سراً، وهو المذهب قدمه في " الفروع " وجزم به ابن عبيدان و" التلخيص " وابن تميم وابن رزين.
قال الزركشي: هو الأولى عند كثير من المتأخرين. انتهى.
قال في " الفروع ": قال الشيخ تقي الدين: واتفق الأئمة انه لا يشرع الجهر بها وتكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه وكذا بقية العبادات. وقال: الجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه. لا سيما إذا آذى به أو كرره. وقال: الجهر بلفظ النية منهي عنه عند الشافعية وسائر أئمة الإسلام وفاعله مسيء، وان اعتقده ديناً خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه، ويعزل عن الإمامة ان لم ينته. قال في " سنن أبي داود ": " أن النبي ﷺ أمر بعزل إمام لأجل بصاقه في القبله " (١) . فان الإمام عليه أن يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي. انتهى.
(و) يسن (استصحابُ ذكرها) بأن يكون مستحضراً لها في جميع الطهارة؛ لتكون أفعاله كلها مقترنة بالنية.
(ويجزئ استصحاب حكمها) بأن لا ينوي قطعها. فان غربت عن خاطره لم يؤثر ذلك في الطهارة؛ كما لا يؤثر ذلك في الصلاة.
(ويجب تقديمها على الواجب) من العبادة؛ لأن النية شرط لصحة واجباتها. فيعتبر كونها كلها بعد النية. فلو فعل شيئاً من الواجبات قبل وجود النية لم يعتد به.
(ويضرّ كونه) أي: التقدم (بزمن كثير).
قال في " الإنصاف ": ولا يجوز بزمن طويل على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. وقيل: يجوز مع ذكرها وبقاء حكمها بشرط أن لا يقطعها. قال ابن تميم: وجوّز الآمدي تقديم نية الصلاة بالزمن الطويل ما لم يفسخها وكذا يُخَرّج ها هنا، وجزم به في " الجامع الكبير ".
стр. 251
وقال القاضي في " شرحه الصغير ": إذا قدم النيه واستصحب ذكرها حتى يشرع في الطهارة جاز، وان نسيها أعاد.
وقال أبو الحسين: يجوز تقديم النية ما لم يعرض ما يقطعها من اشتغال بعمل ونحوه. انتهى.
وعلم مما تقدم انه لا يضر تقدمها في الزمن اليسير؛ كالصلاة.
و (لا) يضر (سبقُ لسانه) عند تلفظه بالنية (بغير قصده)؛ كما لو أراد أن يقول: نويت الوضوء فقال: نويت الصوم؛ لأن النية محلها القلب لا اللسان. والأصح (ولا إبطالُه) الطهارة (بعد فراغه)؛ لأنه قد تم صحيحاً ولم يوجد ما يفسده مما عُدّ مفسداً.
قال في " الإنصاف ": لو أبطل الوضوء بعد فراغه منه لم يبطل على الصحيح من المذهب. وقيل: يبطل وأطلقهما ابن تميم. انتهى.
(أو شك فيها) أى النية أو الطهارة (بعده) أي: بعد فراغ الوضوء، كشكه في وجود الحدث مع تيقن الطهارة.
قال في " الإنصاف ": لو شك في الطهارة بعد فراغه منها لم يؤثر على الصحيح من المذهب. نص عليه. وقيل: يبطل. وقيل: ان شك عقب فراغه استأنف وان طال الفصل فلا. انتهى.
وعلم مما تقدم انه لو أبطل النية في أثناء طهارته بطل ما مضى منها.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. اختاره ابن عقيل والمجد في " شرحه " وقدمه في " الرعايتين " و" الحاويين ". وقيل: لا يبطل ما مضى منها. جزم به المصنف في " المغني ". انتهى.
فعلى هذا لو غسل الباقي بنية أخرى قبل طول الفصل صحت طهارته، - وان طال انبنى على وجوب الموالاه وعدمه. فأما ان غسل بعض أعضائه بنية الوضوء وبعضها بنية التبرد ثم أعاد غسل ما نوى به التبرد بنية الوضوء قبل طول الفصل أجزأ.
وعلم مما تقدم أيضاً: أنه لو شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها
стр. 252
كما لو شك في نية الصلاة وهو فيها، لأن النية هي القصد. فمتى علم انه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنا له أو سابقا عليه قريبا منه فقد وجدت النية. فمتى شك في وجود ذلك في أثناء طهارته لم يصح ما مضى منها. وهكذا ان شك في غسل عضو أو مسح رأسه، حكمه حكم من لم يأت به، لأن الأصل عدمه. إلا أن يكون وهماً كالوسواس فلا يلتفت إليه. قاله في " الشرح ".
ولما كانت نية ما يلزم منه رفع الحدث كنية رفع الحدث (١) أشير إليه بقوله:
(فلو نوى) بوضوئه (ما) أي: قولا وفعلا (تسن له الطهارة؛ كقراءة) قرآن، (وذكر الله تعالى، وأذان، ونوم، ورفع شك، وغضب، وكلام محرم، وفعل منسك) من مناسك الحج نصاً (غير طواف) فانه مما يجب له الوضوء، (و) (جلوس بمسجد. وقيل) وقدمه في " الرعاية " (ودخوله، وحديث، وتدريس علم)، وفي " المغني " وغيره: (وأكل)، وفي " النهاية ": (وزيارة قبره). وقيل: ولأكل ما مسته النار والقهقهة.
قال في " الإنصاف ": وأطلقها ابن تميم وابن حمدان وابن عبيدان والزركشي وكذا " مجمع البحرين " في القهقهة. انتهى.
وكوطء وشرب لجنب.
(أو) نوى بوضوئه (التجديد ان سنّ) التجديد (بأن صلى بينهما) أي بين الوضوئين وكان قد أحدث ونوى التجديد (ناسيا حدثه): صحت طهارته و (ارتفع) حدثه بنية المسنون والتجديد؛ لأنه نوى طهارة شرعية فينبغي أن يحصل له للخبر. ولأنه شرع له فعل التجديد وهو غير محدث، وقد نوى ذلك، فينبغي أن يحصل له. ولأنه نوى شيئاً من ضرورته صحة الطهارة وهي الفضيلة الحاصلة لمن فعل ذلك على طهارة.
وعنه: لا يرتفع حدثه في الصورتين.
стр. 253
و (لا) يرتفع (ان نوى طهارة أو وضوءاً وأطلق).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح. انتهى.
ووجهه: أن الطهارة تنقسم إلى مشروع وغيره. فلم تصح مع التردد، والطهارة المطلقة منها ما لا يرفع الحدث كالطهارة من النجاسة.
(أو) نوى (جنب الغسل وحده) أي دون الوضوء لم يرتفع حدثه الأصغر.
(أو) نوى الغسل (لمروره) في المسجد فانه لا يرتفع؛ لأن هذا القصد لا تشرع
له الطهارة. أشبه ما لو نوى بطهارته لبس ثوب ونحوه. وفي كل منهما وجه.
قال في " الفروع ": وان نوى طهارة مطلقة أو وضوءاً مطلقاً ففي رفعه وجهان. وان نوى جنب الغسل وحده أو لمروره لم يرتفع. وقيل: بلى. وقيل: في الثانية. انتهى.
(ومن نوى) غسلا (مسنونا) وعليه غسل واجب، (او) نوى غسلا (واجبا) في محل غسل مسنون: (أجزأ عن الآخر). وفي كل منهما وجه.
(وان نواهما) أي: نوى الواجب والمسنون بالغسل الواحد (حصلا) أي:
حصل له ثوابهما. نص عليه. وقيل: يحتمل وجهين.
(وان تنوعت أحداث) أي: موجبات للوضوء أو الغسل (ولو) لم توجد معا بل وجدت (متفرقة توجب) هذه الأحداث أي: كل منهما (غسلا أو وضوءا، ونوى) بوضوئه أو غسله (أحدهم، لا) أن كانت نيته (على أن لا يرتفع غيره) أي: غير المنوي من الأحداث بالوضوء والغسل. وقيل: ولو كانت نيته على أن لا يرتفع غيره: (ارتفع سائرها) في الأصح.
ووجهه: أن الأحداث تتداخل فإذا نوى بعضها غير مقيد ارتفع جميعها كما لو نوى رفع الحدث وأطلق. وأما إذا نوى رفع حدث منها على أن لا يرتفع غيره فهذا قد تطهر بنية بقاء غيره من الأحداث. فلم يرتفع سوى ما نواه وإلا لزم حصول عمل لم ينوه. والله أعلم.
стр. 254
فصل [في صفة الوضوء]
(وصفة الوضوء) أي: كيفية الوضوء الكامل: (أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض، ثم يستنشق ثلاثاً ثلاثاً) ان شاء من ست غرفات وان شاء من ثلاث.
(و) كونهما (من غر فة) واحدة (أفضل) نصاً.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يساًل أيهما أحب إليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، أو كل واحدة منهما على حدة؛ قال: بغرفة واحدة. ويشهد لهذا ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه: " انه توضأ فتمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً من كف واحد. وقال: هذا وضوء نبيكم ﷺ " (١) . رواه الإمام في " المسند ".
ويشهد للثلاث أن في لفظ آخر عن على: " أنه تمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات " (٢) . متفق عليه.
وما روي عن عثمان: " انه توضأ فدعا بماء فغسل يديه ثلاثاً ثم غرف بيمينه
ثم رفعها إلى فيه فمضمض واستنشق بكف واحد واستنثر بيساره. فعل ذلك ثلاثاً. ثم ذكر سائر الوضوء. ثم قال: ان النبي ﷺ توضأ لنا كما توضأت لكم " (٣) . رواه سعيد.
стр. 255
ويشهد للست ما في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: " رأيت النبي ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق " (١) . رواه أبو داود.
ووضوؤه كان ثلاثاً ثلاثاً. فلزم كونها من ست.
(ويصح أن يسمّيا) أي: المضمضة والاستنشاق (فرضين) في أصح الروايتين. وهما واجبان في الوضوء والغسل. فلا يسقط واحد منهما سهواً على المشهور؛ لما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: " المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه " (٢) . رواه أبو بكر في " الشافي ".
وعن أبي هريرة قال: " أمرنا رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق " (٣) .
وفي حديث لقيط بن صبرة: " إذا توضأت فتمضمض " (٤) . رواه أبو داود وأخرجهما الدارقطني. ولأن كل من وصف وضوء رسول الله ﷺ يستقصي ذكر أنه تمضمض واستنشق. ومداومته عليهما يدل على وجوبهما؛ لأن فعله يصلح أن يكون بيانا لأمر الله تعالى.
وبوجوبهما قال ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق.
وعن أحمد رواية أخرى: أن الاستنشاق وحده واجب في الطهارتين.
стр. 256
وعنه: أن المضممضة والاستنشاق واجبان في الطهارة الكبرى دون الصغرى.
وعنه: أنهما واجبان في الصغرى دون الكبرى. عكس التي قبلها. نقلها الميمونى.
وعنه: يجب الاستنشاق في الوضوء وحده. ذكرها صاحب " الهداية " و" المحرر " وغيرهما.
وعنه: عكسها. ذكرها ابن الجوزي.
وعنه: هما سنة مطلقاً.
(ثم يغسل وجهه) ثلاثاً. وحده: (من منابت شعر الرأس المعتاد غالبا).
فلا عبرة بالأفرع- بالفاء- الذي ينبت شعره في بعض جبهته، ولا بالأجلح الذي انحسر شعره-عن مقدم رأسه (إلى النازل من اللحيين). وهما: العظمان اللذان في أسفل الوجه قد اكتنفاه.
(والذقن) وهو مجمع اللحيين (طولا) أي: من جهة الطول فيجب غسل ذلك (مع مسترسل) شعر (اللحية) طولا، وما خرج منه عن حد الوجه عرضا.
قال في " الإنصاف " عن حكم المسألتين: انه الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. وعنه: لا يجب غسل ما خرج عن محاذاة البشرة طولاً وعرضا. وهو ظاهر كلام الخرقي في المسترسل، كما لا يجب مسح ما استرسل من شعر الرأس.
والأول أصح، لأن اللحية تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة، وخرج ما نزل من الرأس عنه؛ لعدم مشاركته الرأس في الترأس. وعنه: أنه قال: غسل اللحية ليس من السنة، وان لم تخلل أجزأه. فأخذ من ذلك الخلال انها لا تغسل مطلقاً فقال: الذي ثبت عن أبي عبد الله انه لا يغسلها، وليست من الوجه، ورد ذلك القاضي وغيره من الأصحاب وقالوا معنى قوله: ليس من السنة أي: غسل باطنها، ورد أبو المعالي على القاضي. نقله في " الإنصاف ".
стр. 257
(و) حد الوجه من غير جهة الطول: (من الأذن إلى الأذن عرضا).
ومفهومه: أن الأذنين ليسا من الوجه وهو صحيح.
وقال الزهري: منه؛ لقوله ﷺ : " سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره " (١) . رواه مسلم. لأنه أضاف السمع إليه كما أضاف البصر.
وأجيب عن ذلك بأن إضافتهما إلى الوجه للمجاورة، وأنه لم ينقل عن أحد ممن يعتد به انه غسلهما مع الوجه. وحيث تقرر حد الوجه طولاً وعرضاً (فيدخل) فيه (عِذار. . وهو: شعر نابت على عظم ناتئ يُسامِت) أي: يحاذي (صِماخَ الأذن) بكسر الصاد وهو خرقها.
(و) يدخل فيه أيضاً (عارض. وهو: ما تحته) أي: تحت العذار (إلى ذقن).، قال في " الشرح ": وهو الشعر النابت على الخد واللحيين.
قال الأصمعي: ما جاوزته الأذن عارض.
و (لا) يدخل (صدغ وهو ما فوق العذار يحاذي رأس الأذن وينزل عنه قليلا) وهو من الرأس؛ لأن في حديث الرُبَيِّع: " أن النبي ﷺ مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة " (٢) . رواه أبو داود.
ولم ينقل أحد أنه غسله مع الوجه. ولأنه شعر متصل بشعر الرأس ويثبت معه في حق الصغير. فكان ثابتا معه في حق الكبير.
(ولا) يدخل (تحذيفٌ. وهو): الشعر (الخارج إلى طرفي الجبين في جانبي الوجه بين النزعة ومنتهى العذار)؛ لأنه شعر متصل بشعر الرأس لم يخرج عن
стр. 258
حده أشبه الصدغ.
قال في " الإنصاف " عن الصدغ والتحذيف: هما من الرأس، على الصحيح من المذهب اختاره المصنف في " الكافي " والمجد، وقال: هو ظاهر كلام أحمد.
قال في " الرعاية الكبرى ": الأظهر أنهما من الرأس.
قال في " مجمع البحرين ": هذا أصح الوجهين، وقدمه اين رزين في الصدغ. وقيل: هما من الوجه. انتهى. وقيل: التحذيف من الوجه دون الصدغ. وقيل: عكسه.
(ولا) يدخل في الوجه أيضاً (النزعتان. وهما: ما انحسر عنه الشعر من جانبي الرأس) أى جانبي مقدمه. قال في " الشرح ": وأما النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا في جانبي الرأس فقال ابن عقيل: هما من الوجه؛ لقول الشاعر:
فلا تنكحي ان فرق الله بيننا … أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
وقال القاضي وشيخنا: هما من الرأس وهو الصحيح؛ لأنه لا تحصل بهما المواجهة، ولدخولهما في حد الرأس، لأنه ما ترأس وعلا. انتهى.
(ولا يجزئ غسل ظاهر شعر) في الوجه خفيف يصف البشرة، لأنه البشرة ظاهرة تحصل بها المواجهة فوجب غسلها كالتي لا شعر فيه، أو وجب غسل الشعر معها، لأنه نابت في محل الفرض فتبعه.
(إلا أن) يكون الشعر كثيفا (لا يصف البشرة) فانه يجزئه غسل ظاهره، لأنه لما كانت تحصل المواجهة به دون ما تحته من البشرة وجب تعلق الحكم به. وقيل: لا يجزؤه غسل ظاهره.
(و) على المذهب (يسن تخليله). وقيل: لا، وفاقاً لمالك، كتيمم.
و (لا) يسن (غسل داخل عين) في وضوء ولا غسل؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله
стр. 259
ولا أمر به.
(ولا يجب) غسله (من نجاسة ولو أمن الضرر). وقيل: يستحب غسله في وضوء وغسل مع أمن الضرر. وعنه: يجب. وعنه: في " الكبرى ". وقيل: يجب من نجاسة.
ويستحب التكثير في ماء الوجه؛ لأن فيه غضونا، جمع غضن وهو: التمني ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه.
وقد روى ابن عباس: " أن عليا رضي الله تعالى عنه قال: يا ابن عباس لِلَّهِ ألا أتوضأ لك وضوء رسول الله ﷺ ؛ قلت: بلى فداك أبي وأمي. قال: فوضع اناء فغسل يديه ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه وألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثاً، ثم أخذ كفا من ماء بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته ثم أرسلها تسيل على وجهه، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً ثم يده الأخرى مثل ذلك. وذكر بقية الوضوء. . . " (١) . رواه أحمد وأبو داود.
وقد روي عن أبي أمامة: " انه وصف وضوء رسول الله ﷺ فذكر ثلاثاً ثلاثاً قال: وكان يتعاهد المأقين " (٢) . رواه أحمد.
والمأقان: مثنى الماق وهو: مجرى الدمع من العين.
(ثم) إذا تم غسل وجهه يغسل (يديه مع مرفقيه و) مع (اصبع زائده و) مع (يد) زائدة (أصلها بمحل الفرض)؛ لأن ذلك زيادة بمحل الفرض. أشبهت الثؤلول (٣) .
(أو) أصلها (بغيره ولم تتميز) الزائدة منهما؛ ليخرج من العهدة بيقين؛
стр. 260
كما لو تنجست إحدى يديه وجهلها.
(و) مع (أظفار) وان طالت؛ لأنها متصلة بيده بأصل الخلقة فدخلت في مسمى اليد.
(ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه) كالوسخ داخل أنفه (يمنع وصول الماء)؛ لأن هذا مما يكثر وقوعه عادة فلو لم يصح الوضوء معه لبينه النبي ﷺ ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قال في " الإنصاف ": لو كانت تحت أظفاره يسير وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته لم تصح طهارته. قاله ابن عقيل، وقدمه في " القواعد الأصولية " و" التلخيص " وابن رزين في " شرحه ". وقيل: تصح، وهو الصحيح، صححه في " الرعاية الكبرى " وصاحب " حواشي المقنع " وجزم به في " الإفادات " وقدمه في " الرعاية الصغرى "، وإليه ميل المصنف واختاره الشيخ تقي الدين وأطلقهما في " الحاويين ". وقيل: يصح ممن يشق تحرزه منه؛ كأرباب الصنائع والأعمال الشاقة من الزراعة وغيرها، واختاره في " التلخيص " وأطلقهن في " الفروع ". وألحق الشيخ تقي الدين كل يسير منع حيث كان من البدن؛ كدم وعجين ونحوهما واختاره. انتهى. "
وان تقلصت جلدة من الذراع فتدلت من العضد لم يجب غسلها؛ لأنها صارت في غير محل الفرض. وان كان بالعكس وجب غسلها؛ لأنها صارت في محل الفرض. وان تقلصت من أحد المحلين، والتحم رأسها في الآخر وجب غسل ما حاذى محل الفرض من ظاهرها وباطنها وما تحتها دون ما لم يحاذه. وعلم مما تقدم انه لو كان له يد زائدة أصلها بغير محل الفرض وتميزت الأصلية من الزائد انه (١) لا يجب غسل الزائدة سواء كانت قصيرة أو طويلة وهذا المذهب. وقيل: يجب غسل ما حاذى محل الفرض منها.
(ومن خلق بلا مرفق غسل إلى قدره) أي: قدر المرفق (في غالب الناس).
стр. 261
قال في " الإنصاف ": قاله الزركشي وغيره. انتهى.
وهو ظاهر.
(ثم) إذا تم غسل يديه (يمسح جميع ظاهر رأسه) بالماء.
قال في " الإنصاف ": فلو مسح البشرة لم يجزئه كما لو غسل باطن اللحية، ولو حلق البعض فنزل عليه شعر ما لم يحلق أجزأه المسح عليه. وحده: (من حد الوجه إلى ما يسمى قفا. والبياض فوق الأذنين منه).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب ثم قال: وذكر جماعة انه ليس من الرأس إجماعاً. انتهى.
والصفة المسنونة في مسحه انه: (يمر يديه من مقدمه إلى قفاه ثم يردهما) إلى الموضع الذي بدأ منه؛ لما روي عن عبد الله بن زيد: " أن رسول الله ﷺ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه " (١) . رواه الجماعة.
قال في " الشرح ": فان كان ذا شعر يخاف أن ينتفش برد يديه لم يردهما نص عليه أحمد؛ لأنه قد روي عن الربيع: " أن رسول الله ﷺ توضأ عندها، فمسح الرأس كله من مفرق الشعر كل ناحية لمصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته " (٢) . رواه أبو داود.
стр. 262
وسُئل أحمد: كيف تمسح المرأة؛ قال: هكذا فوضع يده على وسط رأسه ثم جرها إلى مقدمه ثم رفعها فوضعها حيث منه بدا ثم جرها إلى مؤخره.
(ثم يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما). وهذه هي الصفة المسنونة في مسح الرأس، لما في النسائى عن ابن عباس: " أن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه " (١) .
قال في " الشرح ": ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف، لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر فالأذن أولى. انتهى.
قال في " القاموس ": أن الغضروف داخل قُوفِ الأذن، وقال في موضع آخر: قُوف الأذن بالضم: أعلاها، أو مُسْتدارُ سَمِّها.
(ويجزئ) المسح (كيف مسح) أي: على أى كيفية فعل بيده (وبحائل).
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب أن المسح بحائل يجزئ مطلقاً فيدخل في ذلك المسح بخشبة وخرقة مبلولتين ونحوهما. وقيل:
لا يجزئ. ثم قال: ولو وضع يده مبلولة على رأسه ولم يمرها عليه أو وضع عليه خرقة مبلولة أو بلها وهي عليه لم يجزئه في الأصح، قطع به المجد وغيره. ويحتمل أن يصح، قاله المصنف. انتهى.
(و) يجزئ (غسل) بأن يوصل الماء إلى رأسه بفعله مع إمرار يده على رأسه، لما روي عن معاوية: " انه توضأ للناس كما رأى النبي ﷺ يتوضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه " (٢) . رواه أبو داود. ولأنه إذا أمر يده مع الماء فقد وجد المسح. وعنه: يجزئه غسله وان لم يمر يده.
стр. 263
قال في " الإنصاف ": وأطلق الروايتين فيما إذا لم يمر يده، قاله المجد في " شرحه " وابن تميم. انتهى. وقيل: لا يجزئه غسله وان أمرّ يده. (أو إصابة ماء مع إمرار يده) يعني: لو أصاب الماء رأس المتوضئ من غير فعله كمطر ونحوه ثم أمر يده عليه أجزأه؛ لأن حصول الماء على رأسه بغير قصد لم يؤثر في الماء. فمتى وضع يده على ذلك البلل ومسح به فقد مسح بماء غير مستعمل. فصحت طهارته؛ كما لو حصل بقصده. قال في " الفروع ": وان أصابه ماء أجزأه أن أمر يده. وعنه: وقصده وان لم يمرها ولم يقصده فكغسله. انتهى. وقيل: يجزئ بلُّ شعر الرأس بلا مسح ولا غسل ولا يستحب تكرار مسح الرأس؛ لما روى أبو حية قال: " رأيت عليا توضأ فغسل كفيه حتى انقاهما، ثم مضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين. ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ " (١) . رواه الترمذي وصححه.
وعن ابن عباس: " أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ. فذكر الحديث كله ثلاثاً ثلاثاً وقال: مسح برأسه وأذنيه واحدة " (٢) . رواه أحمد وأبو داود.
ولأبي داود عن عثمان: " انه توضأ مثل ذلك، وقال؛ هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ " (٣) . ولأنه مسح في طهارة عن حدث. فلم يسن تكراره؛ كالمسح على الجبيرة والخفين وفي التيمم.
стр. 264
وعنه: يستحب تكراره بماء جديد. نصره أبو الخطاب وابن الجوزي.
وكذا أذنيه وفاقاً، ذكره ابن هبيرة نقله عنه في " الفروع ". ثم قال: ولا يمسح العنق. وعنه: بلى. اختاره في " الغنية " وابن الجوزي في " أسباب الهداية " وأبو البقاء وابن الصيرفي وابن رزين وفاقاً لأبي حنيفة. انتهى.
(ثم يغسل) بعد مسح رأسه وأذنيه (رجليه مع كعبيه. وهما) يعني الكعبين:
(العظمان الناتئان) اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم. وقد حكي عن محمد بن الحسين أنه قال: هما في مشط القدم وهو معقد الشراك من الرجل بدليل انه قال: (إلى الكعبين) [المائدة: ٦] فدل على أن في الرجلين كعبين لا غير، ولو أراد ما ذكر ثم كانت كعاب الرجلين أربعة. قال في "- الشرح ": ولنا أن الكعاب المشهورة هي التي ذكرنا. قال أبو عبيد: الكعب هذا الذي في أصل القدم منتهى الساق إليه بمنزلة كعاب القنا، وروي عن النعمان بن بشير قال: " كان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة ". رواه الخلاط.
وقوله: (إلى الكعبين) حجة لنا. فانه أراد كل رجل تغسل إلى الكعبين، ولو أراد جميع الأرجل لذكره بلفظ الجمع كما قال: (إلى المرافق). انتهى. وعنه: لا يجب إدخال الكعبين في الغسل. وحجة القائلين بوجوب غسل الكعبين، والقائلين بعدم الوجوب قد تقدم معناها في المرفقين، ويكون الغسل فيما يغسل ثلاثاً ثلاثاً.
(والأقطع من مفصل مرفق و) الأقطع من مفصل (كعب يغسل طرف عضد وساق) وجوباً.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب منهم القاضي، ونص عليه في رواية عبد الله وصالح. انتهى. وقيل: يستحب وحمل عليه كلام الإمام.
(و) الأقطع (من دونهما): أي من دون مفصل المرفق ومفصل الكعب يغسل
стр. 265
(ما بقي من محل فرض)؛ لقوله ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (١) . متفق عليه.
والأقطع من فوق مفصل مرفق وكعب لا يجب عليه غسل بلا نزاع. لكن يستحب له أن يمسح محل القطع بالماء؛ لئلا يخلو العضو من طهارة.
(وكذا) أي: وكالوضوء في ذلك (تيمم) فإذا قطعت اليد من مفصل الكف وجب أن يمسح محل القطع بالتراب، وان كان القطع من دونه وجب التيمم على ما بقي من محل الفرض، وان كان القطع من فوقه استحب له أن يمسح محل. القطع بالتراب. وقال القاضي: إذا قطعت اليد من مفصل الكف سقط التيمم فيها. والأول منصوص أحمد.
(وسن لمن فرغ (من الوضوء) رفع بصره إلى السماء وقول: اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)، لما روى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ- الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " (٢) . رواه مسلم.
ورواه الترمذي وزاد فيه: " اللهم لِلَّهِ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " (٣) .
ورواه الإمام أحمد وأبو داود، وفي بعض رواياته: " فأحسن الوضوء ثم
стр. 266
رفع نظره إلى السماء. . وساق الحديث " (١) .
(ويباح) للمتوضئ (تنشيف) من ماء الوضوء.
قال الخلال: المنقول عن أحمد انه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء. وممن رخص فيه الحسن وابن سيرين ومالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي " لماروى سلمان: " أن النبي ﷺ توضأ ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه " (٢) . رواه ابن ماجه والطبرانى في " المعجم الصغير ".
وعنه: يكره، لما روت ميمونة: " أن النبي ﷺ اغتسل. قالت: فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده " (٣) . متفق عليه.
قال في " الشرح ": والأول أصح، لأن الأصل الإباحه. وترك النبي ﷺ
لا يدل على الكراهة فانه قد يترك المباح. وهذه (٤) قضيه في عين يحتمل انه ترك ذلك المنديل لأمر يختص بها. ولأنه إزالة للماء عن يديه. أشبه نفضه بيديه، ولا يكره نفض الماء عن يديه بيديه، لحديث ميمونة. ويكره نفض يده. ذكره أبو الخطاب وابن عقيل. انتهى.
وعلم مما تقدم انه لا يستحب.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. انتهى.
(و) يباح (مُعين) لمتوضئ، لما روى المغيرة بن شعبة: " انه أفرغ على
стр. 267
النبي ﷺ ومن وضوئه " (١) . رواه مسلم.
وعن صفوان بن عسال قال: " صببت على النبي ﷺ الماء في الحضر والسفر في الوضوء " (٢) . رواه ابن ماجه.
ولا يستحب المعين؛ لما روى ابن عباس قال: " كان النبي ﷺ لا يكل طهوره الى أحد، ولا صدقته التي يتصدق بها. يكون هو الذي يتولاها بنفسه " (٣) . رواه ابن ماجه.
وعنه: يكره المعين من غير عذر.
قال أحمد: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد، لأن عمر قال ذلك.
والأول المذهب.
قال في " الإنصاف ": جزم به في " الهداية " و" المستوعب " و" الكافي " و" الخلاصة " و" الإفادات " و" الرعاية الصغرى " و" الوجيز " و" الحاويين " و" المنور " و" المنتخب " وابن رزين وغيرهم.
(وسن كونه) أي: المعين (عن يساره) أي: عن يسار المتوضئ.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. جزم به في " مجمع البحرين " وقدمه في " الفروع " و" شرحه ابن عبيدان ". وقيل: يقف عن يمينه اختاره الامدي. انتهى.
وانما سن كون معينه عن يساره، ليسهل تناول الماء عند الصب، (كاناء وضوء ضيق الرأس) ليصبه بيساره على يمينه.
(وإلا) أي: وان لم يكن الاناء ضيق الرأس بل كان واسعا (فـ) انه يكون (عن يمينه)، ليغترف منه بها.
стр. 268
(ومن وضئ أو غسل أو يمم) بالبناء للمفعول في الثلاث (بإذنه) أي: بإذن المفعول به (ونواه) أي: نوى الوضوء أو الغسل أو التيمم المفعول به دون الفاعل (صح). .
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقيل: يشترط أيضاً نية من يوضئه ان كان مسلما. وعنه: لايصح مطلقاً من غير عذر وهو من المفردات. انتهى.
(لا ان أُكره فاعل) يعني: لو أكره انسان انسانا على أن يوضئه أو يصب عليه الماء فوضأه أو صبه عليه مكرها لم يصح الوضوء.
قال في " الإنصاف ": قدمه في " الرعاية ": وقيل: يصح. وقيل: يصح في صب الماء فقط.
وقال في " الفروع " بعد أن ذكر حكم من يوضئه: وان أكرهه عليه لم يصح في الأصح. ففهم صاحب " القواعد الأصولية ": أن المكره بفتح الراء هو المتوضئ، فقال بعد أن حكى ذلك: كذا ذكر بعض المتأخرين قال: ومحل النزاع مشكل على ما ذكره، فانه إذا أكره على الوضوء ونوى وتوضأ لنفسه صح بلا تردد، وكذا قال الشيخ أبو محمد وغيره: إذا أكره على العبادة وفعلها لداعي الشرع لا لداعي الإكراه: صحت. وان توضأ ولم ينو لم يصح، إلا على وجه شاذ: انه لا يعتبر لطهارة الحدث نية. وقد يقال: لا يصح ولو نوى، لأن الفعل ينسب إلى الغير. فبقيت النية مجردة عن فعل فلا تصح. وقد ذكروا أن الصحيح من الروايتين في الأيمان: أن المكره بالتهديد إذا فعل المحلوف على تركه لا يحنث، لأن الفعل ينسب إلى الغير. انتهى.
ثم قال صاحب " الإنصاف ": والذي يظهر: أن مراد صاحب " الفروع " بالإكراه: إكراه من يصب الماء أو يوضئه بدليل السياق والسباق، وموافقة صاحب " الرعاية " وغيره. فتقدير كلامه: وان أكره المتوضئ لمن يوضئه. فعلى هذا يزول الإشكال الذي أورده قبله. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
стр. 269
[باب: المسح على الخفين]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام المسح على الحائل. ووجه مناسبته للباب الذي قبله: كونه بدلا عن غسل أو مسح ما تحته في الطهارة من الحدث: أما (مسح الخفين و) مسح (ما في معناهما) من الجرموقين والجوربين فهو (رخصة). وهي لغة: السهولة. وشرعا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لعارض راجح.
قال في " الإنصاف ": المسح رخصة على الصحيح من المذهب. وعنه: عزيمة. انتهى.
والعزيمة لغة: القصد المؤكد، وشرعا: حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح.
والرخصة والعزيمه وصفان للحكم الوصفي.
قال في " الفروع ": والظاهر أن من فوائدهما: المسح في سفر المعصية، وتعيين المسح على لابسه. انتهى.
قال ابن قندس: أى إذا قيل: عزيمة جاز فى سفر المعصية، وان قيل: رخصة لا يجوز، لأن الرخصة لا تباح في المعصية.
وأما قوله. وتعيين المسح على لابسه فمعناه والله أعلم: أن الذي وجب على اللابس هو المسح دون الغسل، وعلى القول بالرخصة يكون الواجب الغسل، والمسح بدلا عن الغسل. انتهى.
قال في " القواعد الأصولية " عن كلامه في " الفروع ": وفيما قال نظر.
(و) المسح (أفضل من غسل)، لأن النبي ﷺ وأصحابه انما طلبوا الفضل.
стр. 270
وهذا مذهب الشعبي والحكم وإسحاق، لأنه روي عن النبي ﷺ : " أن الله يحب أن يؤخذ برخصه " (١) . ولأن فيه مخالفة أهل البدع.
قال في " الإنصاف ": المسح أفضل من الغسل على الصحيح من المذهب. نص عليه وهو من المفردات.
قال القاضي: لم يرد المداومة على المسح. وعنه: الغسل أفضل. وقيل: انه آخر أقواله، وقدمه في " الرعايتين ". وعنه: هما سواء في الفضيلة، وأطلقهن في " الحاويين " و" الفائق ". وقيل: ان لم يداوم المسح فهو أفضل، اختاره القاضي.
قال الشيخ تقي الدين: وفصل الخطاب: أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه. فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما. ولا يتحرى لبس الخف ليمسح عليه، كما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابسا للخف. انتهى.
(و) المسح (يرفع الحدث).
قال في " الإنصاف ":. على الصحيح من المذهب نص عليه. وقيل: لا يرفعه. انتهى.
ووجه المذهب: أن المسح طهارة بالماء. فرفع الحدث، كالغسل.
(ولا يسن أن يلبس) الحائل (ليمسح) عليه، كسفره ليترخص.
(وكره) في المنصوص (لبس) ما يمسح عليه (مع مدافعة أحد الأخبثين) وفاقاً لمالك " لأن الصلاة مكروهة بهذه الطهارة فكذلك اللبس الذي يراد للصلاه.
قال في " الشرح ": والأولى أن لا يكره، وروي عن إبراهيم النخعي: انه كان إذا أراد أن يبول لبس خفيه.
стр. 271
ولأنها طهارة كاملة. أشبه ما لو لبسهما عند غلبة النعاس.
والصلاة انما كرهت للحاقن؛ لأن اشتغال قلبه بمدافعة الأخبثين تذهب بخشوع الصلاة، وتمنع الإتيان بها على الكمال، وتحمله على العجلة ولا يضر ذلك في اللبس. والله أعلم. انتهى.
(ويصح) المسح (على خف) في رجليه عند عامة أهل العلم.
قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز. وعن الحسن قال: " حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين ".
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ليس في قلبي من المسح شيء. فيه أربعون حديثا عن رسول الله ﷺ .
قال في " المبدع ": ومن أمهاتها حديث جرير قال: " رأيت النبي ﷺ بال
وتوضأ ثم مسح على خفيه ".
قال إبراهيم النخعي: فكان يعجبهم ذلك؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (١) . متفق عليه.
وقد استنبطه بعض العلماء من القرآن في قراءة من قرأ: " وأرجلِكم "
بالجر. وحمل قراءة النصب على الغسل؛ لئلا تخلو إحدى القراءتين عن فائدة. انتهى.
(و) يصح المسح أيضاً على (جرموق). وهو (خف قصير). ويسمى أيضاً الموق.
قال الجوهري: هو مثال الخف يلبس فوقه لا سيما في البلاد الباردة، وهو معرب، وكذا كل كلمة فيها جيم وقاف.
стр. 272
ويدل لصحة المسح عليه ما روى بلال قال: " رأيت رسول الله ﷺ يمسح الموقين والخمار " (١) . رواه أحمد.
ولأبي داود: " كان يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه " (٢) .
ولسعيد بن منصور في " سننه " عن بلال قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " امسحوا على النصيف والموق ".
(و) يصح المسح أيضاً على (جورب صفيق). والجورب معرب.
قال الزركشي: هو غشاء من صوف يتخذ للدفء.
قال في " القاموس ": والجورب: لفافة الرجل. الجمع جواربة وجوارب. وتجورب: لبسه، وجَورَبْتُهُ: ألبسته إياه. انتهى.
ولعله اسم لكل ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد.
قال ابن المنذر: ويروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ : علي وعمار وابن مسعود وأنس وابن عمر والبراء وبلال وابن أبي أوفى وسهل بن سعد. وهو قول عطاء والحسن وسعيد بن المسيب والثوري وابن المبارك وإسحاق ويعقوب ومحمد سواء نعلا أو لم ينعلا.
وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي وغيرهم: لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا " لأنه لا يمكن متابعة المشي فيهما. فهما كالرقيعتين.
قال في " الشرح ": ولنا ما روى المغيرة بن شعبة: " أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين " (٣) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال:
стр. 273
حسن صحيح.
وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين؛ لأنه لو كان كذلك لم يذكر النعلين. فانه لا يقال: مسحت على الخف ونعله. ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مسحوا على الجوارب، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. والجورب في معنى الخف، لأنه ملبوس ساتر لمحل الفرض يمكن متابعة المشى فيه. أشبه الخف. انتهى.
وتكلم في الحديث جماعة.
قال أبو داود: وكان ابن مهدي لا يحدث به، لأن المعروف عن المغيرة: الخفين.
قال في " المبدع ": وهذا لا يصلح مانعاً لجواز رواية لفظين. انتهى.
وعنه: لا يجوز المسح على جورب الخرقة. جزم به في " التلخيص ". إذا تقرر هذا فانه لا يشترط في لابس ما يجوز المسح عليه السلامة بل يجوز المسح. (حتى لزمن) لا يمكنه المشي لعاهة (وبرجل قطعت اخراها من فوق فرضها) فيلبس ما يصح المسح عليه في الباقية ويمسح عليه.
قال في " الإنصاف ": قاله في " الفروع " وغيره. انتهى.
وعلم من هذا انه لو لبس الخف في إحدى الرجلين فقط، وأراد المسح عليه وغسل الأخرى لم يجز له ذلك، لأنه إذا غسل واحدة غلب جانب الغسل فيجب غسل ما في الخف تبعا للتي غسلها.
(لا لمحرم لبسهما)، أى الخفين (لحاجة). قدمه في " التنقيح ". ثم قال: وقيل: يجوز وهو أظهر. انتهى.
ثم قال في حاشية (١) له عليه: انما قدمت عدم جواز المسح تبعا لظاهر كلام
" الفروع "، وانه قال: ولا تمسح امرأة عمامة، ولحاجة برد وغيره وجهان. ثم قال: ومثل الحاجة لو لبس محرم خفين لحاجة هل يمسح. انتهى.
стр. 274
فظاهر كلامه أن لبس المحرم الخفين للحاجة كلبس المرأة العمامة لحاجة برد وغيره. وقد أطلق عن المراة الوجهين في جواز مسح العمامة للحاجة وصححنا في " تصحيح الفروع " عدم الجواز قطع به في " المغني " و" الشرح " و" شرح ابن رزين " و" مجمع البحرين " وغيرهم. وكذا على هذا: لا يصح المسح لمحرم إذا لبسه لحاجة على ما قدمناه في العمامة للمراة، لكن اخترنا جواز المسح له وهو ظاهر كلام الأصحاب لإطلاقهم المسح على الخفين، ولم يستثنوا أحدا ولم أر المسألة إلا في " الفروع "، وهو عمده وعنده تحقيق. انتهى.
(و) يصح المسح (على عمامة). وبه قال أبو بكر وعمر وأنس وأبو أمامة رضي الله تعالى عنهم. وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة وابن المنذر وغيرهم.
وقال عروة والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي:
لا يمسح عليها؛ لقول الله تعالى: [وامسحوا برءوسكم) [المائدة: ٦]. ولأنه لا تلحقه المشقة بنزعها. أشبهت الكمين.
قال في " الشرح ": ولنا ما روى المغيرة بن شعبة قال: " توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفين والعمامة " (١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى مسلم: " أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار " (٢) .
وعن عمرو بن أمية قال: " رأيت النبي ﷺ مسح على عمامته وخفيه " (٣) .
رواه البخاري. انتهى.
وروى الخلال بإسناده إلى عمر رضي الله تعالى عنه انه قال: " من لم يطهره
стр. 275
المسح على العمامه فلا طهره الله ". ولأن الرأس عضو يسقط فرضه في التيمم. فجاز المسح على حائله، كالقدمين.
(و) يصح المسح أيضاً على (جبائر) مشدودة على كسر أو جرح أو نحوهما.
وبه قال ابن عمر، ولم يعرف له من الصحابة مخالف. وهو قول الحسن والنخعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي، لما روى جابر عن النبي ﷺ في صاحب الشجة: " انما كان يكفيه أن يتيمم ويعضد أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل لسائر جسده " (١) . رواه أبو داود والدارقطني.
(و) يصح أيضاً على (خُمُر نساء مُدارة تحت حُلوقهن) في إحدى الروايتين.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. صححه في " التصحيح " والمجد في " شرح الهدايه " و" مجمع البحرين " و" الحاوي الكبير ". انتهى.
و" كانت أم سلمة تمسح على خمارها " (٢) . ذكره ابن المنذر " لما روى بلال قال: " مسح رسول الله ﷺ على الخفين والخمار " (٣) . رواه مسلم. وفي لفظ لأحمد: " أن النبي ﷺ قال: امسحوا على الخفين والخمار " (٤) . ولأنه ساتر يشق نزعه. أشبه العمامة المحنكة، ولا يجوز المسح على الوقاية.
قال في " الشرح ": رواية واحدة لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنها لا يشق نزعها.
стр. 276
فهي كطاقية الرجل. انتهى.
(لا قلانس) في إحدى الروايتين.
قال في " الإنصاف ": إحداهما: لا يباح وهو المذهب. انتهى.
قال في " الفروع ". ولا يمسح قلنسوة. وعنه: بلى. وقيل: المحبوسة تحت حلقه. ولا ساتراً كخضاب نص عليه. انتهى.
ووجه المذهب: أن القلنسوة لا يشق نزعها. فلم يجز المسح عليها؛ كالطاقية. ولأن العمامه التي ليست محنكة ولا ذات ذؤابه لا يجوز المسح عليها وهذه أدنى منها.
قال في " الشرح " عند إطلاق الشيخ في " المقنع " في القلانس الروايتين:
أراد القلانس المبطنات كدنيات القضاة والمنومنات. انتهى.
قال في " الإنصاف ": القلانس مبطنات تتخذ للنوم. والدنيات قلانس كبار أيضاً كانت القضاة تلبسها قديما.
قال في " مجمع البحرين ": هي على هيئة ما تتخذه الصوفية الان. انتهى.
(و) لا يمسح (لفائف). وهي خرق تشد على الرجل.
قال في " الفروع ": في المنصو ص وفاقاً تحتها نعل أو لا، ولو مع مشقة في الأصح. انتهى.
إذا علمت ما يصح المسح عليه فمنه ما لا يتوقت (١) بزمن. وإلى ذلك أشير بقوله: (إلى حل جبيرة) يعنى: أو برئها؛ لأن مسحها للضرورة وما كان كذلك فيتقيد بقدرها، والضرورة تدعو إلى مسحها إلى حلها بخلاف غيرها.
(ولا يمسح في) الطهارة (الكبرى غيرها) أي: غير الجبيرة؛ لما روى
стр. 277
صفوان بن عسال قال: " أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين أو سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابه " (١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صصحيح. ولأن المسح على الجبيرة أبيح للضرر. أشبه التيمم.
(وهو) أي المسح (عليها) أي: على الجبيرة (عزيمة. فيجوز بسفر المعصية) كسائر العزائم.
(وغيرها) أي: غير الجبيرة وهو ما يتوقف بزمن يكون ابتداؤه (من حدث بعد لبس) الخف أو نحوه (يوماً وليلة لمقيم وعاص بسفر، وثلاثة بلياليهن لمن بسفر قصر لم يعص به)؛ لما روى شريح بن هانئ قال: " سألت عائشة على المسح على الخفين. فقالت: سل عليا فانه أعلم بهذا مني. كان يسافر مع رسول الله ﷺ . فسألته. فقال: قال رسول الله ﷺ : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة " (٢) . رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. وعن خزيمة: " سئل النبي ﷺ عن المسح على الخفين فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة " (٣) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
стр. 278
وسفر المعصية كالحضر في مدة المسح؛ لأنه لا يستباح به الرخص.
وكون ابتداء المدة من الحدث بعد اللبس كما دل عليه كلام المتن هو المذهب.
قال في " الفروع ": وابتداء المدة من حدثه بعد لبسه وفاقاً، أي: من وقت جواز مسحه بعد حدثه. فلو مضى من الحدث يوم وليلة، أو ثلاثة أن كان مسافراً، ولم يمسح انقضت المدة. وما لم يحدث لا تحتسب المدة. فلو بقي بعد لبسه يوماً على طهارة اللبس ثم أحدث استباح بعد الحدث المدة، وانتهاء المدة وقت جواز مسحه بعد حدثه. وعنه: ابتداؤها من مسحه بعد حدثه، وانتهاؤها وقت المسح. انتهى.
وكون المسح مؤقتا كما في المتن هو المذهب. فعليه لو مضت المدة وخاف النزع لمرض أو نحوه، أو تضرر رفيقه في سفر بانتظاره إذا اشتغل بنزع الخف ونحوه تيمم. فلو مسح وصلى أعاد، نص عليه. وقيل: يمسح ما عدا الجبيرة كالجبيرة. يعني إلى حين نزع ذلك الممسوح.
قال في " الفروع ": واختاره شيخنا. ويحتمل أن يمسح عاص بسفره كغيره. ذكره ابن شهاب. وقيل: لا يمسح. انتهى.
قال في " الإنصاف ": وقال يعني الشيخ تقي الدين في " الاختيارات ":
ولا تتوقف مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين. انتهى.
وحكم من سافر بعد اللبس وقبل الحدث حكم من سافر بعد الحدث وقبل المسح وهو المشار إليه بقوله: (أو سافر بعد حدث قبل مسح)؛ لأن المسح لم يوجد إلا في السفر.
(ومن مسح) حال كونه (مسافراً ثم أقام) قبل مضي ثلاثة ايام، (أو) مسح المقيم (أقل من مسح مقيم) أي: أقل من يوم وليلة (ثم سافر، أو شك) المسافر (في ابتدائه) أي: في ابتداء المسح بأن شك هل ابتدأ المسح بعد أن شرع في
стр. 279
السفر أو قبل أن يشرع فيه: فان الحكم في هذه الصور انه (لم يزد على مسح مقيم) " لأن المسح عبادة يختلف حكمها بالسفر والحضر. فلا بد من تحقق وجود جميعها بالسفر حتى يحكم عليها بحكم السفر.
(ومَنْ شك) من مقيم أو مسافر (في بقاء المدة) أي: المدة التي يجوز المسح فيها وأراد الوضوء (لم يمسح) مع وجود الشك، لأن المسح رخصة جوزت بشرط. فان لم يتيقن شرطها رجع إلى الأصل.
(فان مسح فبان بقاءها) أي: بقاء المده (صح) وضوؤه، ولا يصلي به قبل أن يتبين له بقاؤها. فان صلى قبل تبين بقائها أعاد (١) .
ولما كان مسح الحائل القائم مقام غسل ذلك العضو المستور أو مسحه متوقفا على شروط. أشير إلى الأول منها بقوله:
(بشرط تقدم كمال الطهارة بماء). فلو لبسه على طهارة تيمم لم يصح المسح عليه.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب نص عليه في رواية عبد الله، وجزم به في " المغني " و" الشرح "، وقدمه ابن عبيدان وقال: هو أولى.
وقال في رواية من قال: لا ينقض طهارته إلا وجود الماء: له أن يمسح. انتهى.
ووجه المذهب: أن التيمم لا يرفع الحدث. فقد صدق عليه أنه لبسه وهو محدث.
(ولو مسح فيها على حائل) يعني انه لو توضأ وضوءاً كاملا مسح فيه على عمامة أو جبيرة ثم لبس خفا على هذه الطهارة: صح أن يمسح عليه " لأنها
طهارة كاملة رافعة للحدث فصح المسح على ما لبس عليها، كما لو لم يمسح فيها على حائل.
стр. 280
وقيل: لايصح؛ لأنه ليس طهارة ممسوح فيها على بدل. فلم يستبح المسح باللبس فيها كما لو لبس خفا على طهارة مسح فيها على خف.
ورد بأن الممسوح عليه ليس ببدل عما لبسه. بخلاف الخف الملبوس على خف ممسوح عليه. (أو تيمم) في الطهارة بالماء المتقدمة على اللبس (لجرح) في بعض أعضائه، (أو كان حدثه) أي المتوضئ (دائما)؛ كمن به سلس وكمستحاضه فانه يصح المسح على ما يلبسه على هذا الوضوء؛ لأن من به جرح، أو حدثه دائم مضطر إلى الترخص وأحق ما يترخص المضطر. ولأن هذه الطهارة كامله في حق كل منهما.
وعنه: لا يشترط كمالها. اختاره الشيخ تقي الدين وصاحب " الفائق ". وقال: وعنه: لا يشترط الطهارة لمسح العمامة. ذكره ابن هبيرة.
وعنه: لا يشترط تقدم الطهارة رأساً لصحه المسح على حائل، فلو لبس محدث خفاً ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح عليه.
قال في " الإنصاف ": قال الزركشي: وهو غريب بعيد. قلت: اختاره الشيخ تقي الدين. وقال أيضاً: ويتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على طهارة. ويكفي فيها الطهارة المستدامة؛ لأن العادة أن من توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها، ولا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء. انتهى.
وما قاله رواية عن أحمد. حكاها غير واحد. انتهى كلامه في" الإنصاف ". وعنه: لا يشترط تقدم الطهارة رأساً لشد الجبيرة. اختارها الخلال.
ووجه المذهب ما روى المغيرة بن شعبة قال: " كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير فأفرغت عليه من الإداوة. فغسل وجهه وغسل ذراعيه ومسح برأسه، ثم
стр. 281
أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما " (١) .
متفق عليه.
ولأبي داود: " دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان فمسح عليهما" (٢) . وعن المغيرة أيضاً قال: " قلنا: يا رسول الله لِلَّهِ أيمسح أحدنا على الخفين؛ قال: نعم، إذا أدخلهما وهما طاهرتان " (٣) . رواه الحميدي في "مسنده".
وعن أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على خفيه. فقلت:
يا رسول الله لِلَّهِ رجليك لم تغسلهما. قال: إني أدخلتهما وهما طاهرتان " (٤) .
رواه أحمد.
وعن صفوان بن عسال قال: " أمرنا- يعني النبي ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة " (٥) . رواه أحمد وابن خزيمة. وقال الخطابي: وهو صحيح الإسناد.
وعن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ : " أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما " (٦) . رواه الأثرم في " سننه " وابن خزيمة والدارقطني. وقال
стр. 282
الخطابي: هو صحيح الإسناد.
فعلى المذهب لو غسل رجلاً ثم أدخلها الخف ثم الثانية ثم أدخلها الخف خلع الأولى ثم لبسها قبل الحدث وإلا لم يصح المسح، وان لبس الخفين محدث ثم توضأ وغسل رجليه داخل الخفين خلعهما ثم لبسهما قبل الحدث، وكذا لو نوى جنب رفع حدثه وغسل رجليه ثم أدخلهما في خفه.
(ويكفي من خاف نزع جبيرة لم تتقدمها طهارة: تيمم)، لأنه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه. فجاز التيمم له؛ كجرح غير مشدود. (فلو عمت محله) أي: محل التيمم (مسحها بالماء)؛ لأن كلاً من التيمم والمسح بدل عن الغسل. فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر.
الشرط الثانى: ما أشير إليه بقوله: (وستر محل فرض).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وجزم به أكثرهم. واختار الشيخ تقي الدين جواز المسح على الخف المخرق، ما دام اسمه باقياً، والمشي فيه ممكن. واختاره أيضاً جده المجد وغيره من العلماء. لكن من شرط المخرق: أن لا يمنع متابعة المشي فيه، واختار الشيخ تقي الدين أيضاً جواز المسح على الملبوس ولو كان دون الكعب. انتهى كلامه.
ووجه المذهب: أن حكم ما ظهر الغسل، وحكم ما ستر جواز المسح والغسل. ولا سبيل إلى وجوب الجمع بينهما من غير ضرورة. فغلب الغسل؛ كما لو ظهرت إحدى الرجلين بالماء فانه يجب أن تغسل الأخرى.
(و) لا يشترط في الساتر كونه صحيحا بل (لو) حصل الستر (بمخرّق أو مفتّق وينضم بلبسه، أو) كان القدم (يبدو بعضه) من الملبوس (لولا شده) أي: ربطه (أو شَرَجُه) بالشين المعجمة والجيم بأن يكون له عرى كالزربول الذي له ساق فيدخل بعضها في بعض فيستتر بذلك محل الفرض: فانه يصح المسح عليه.
قال في " الشرح ": فأما ان كان الشق ينضم فلا يبدو منه القدم لم يمنع جواز المسح نص عليه، وهو مذهب معمر وأحد قولي الشافعي.
стр. 283
وقال في موضع آخر: ولو كان للخف قدم وله شرج إذا شده يستر محل الفرض جاز المسح عليه.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز المسح عليه كاللفائف. ولنا: انه خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه. أشبه غير ذي الشرج. انتهى.
ولا فرق في المخرق الذي لا ينضم بلبسه بين كون الخرق كبيرا أو صغيراً من موضع الخرز أو من غيره. صرح به في " الشرح ".
الشرط الثالث: ما أشير إليه بقوله: (وثبوته بنفسه أو بنعلين إلى خلعهما).
قال في " الفروع ": لا بشده في المنصو ص. انتهى.
قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: لو ثبت الجوربان بالنعلين جاز المسح عليه ما لم يخلع النعلين. وهذا المذهب وعليه الأصحاب وقطعوا به. وقال الزركشي: وقد يتخرج المنع، ويجب أن يمسح على الجوربين وسيور النعلين قدْر الواجب، قاله القاضي وقدمه في ". الرعاية الكبرى ".
قال في " الصغرى " و" الحاويين ": مسحهما. وقيل: يجزئ مسح الجورب وحده. وقيل: أو النعل.
قال في " الفروع ": فقيل: يجب مسحهما. وعنه: أو أحدهما.
قال المجد في " شرحه " وابن عبيدان وصاحب " مجمع البحرين ": ظاهر كلام أحمد: إجزأء المسح على أحدهما قدر الواجب.
قلت: ينبغي أن يكون هذا المذهب، وأطلقهما في " الفروع " والزركشي وابن تميم. انتهى.
الشرط الرابع: ما أشير إليه بقوله: (وإمكان مشي عرفاً بممسوح). لا كونه يمنع نفوذ الماء، ولا كونه معتادا. وقيل: بلى فيهما.
فعلى المذهب: يصح المسح على الخف من الجلود واللبود والخشب
والحديد والزجاج الذي لا يصف البشرة ونحو ذلك حيث أمكن المشي فيه؛ لأنه
خف يمكن متابعة المشي فيه ساتر لمحل الفرض. أشبه الجلود.
стр. 284
ولأنه قد يحتاج إلى بعضها في بعض البلاد ولا يضر عدم الحاجة في غيره.
الشرط الخامس: ما أشير إليه بقوله: (وإباحته مطلقاً) أي: سواء كان هناك ضرورة تدعو إلى لبسه؛ كخوف سقوط أصابعه من شدة البرد ان نزعه، أو لم تكن ضرورة. فلا يصح المسح على مغصوب ونحوه مطلقاً على الصحيح من المذهب؛ لأن المسح رخصة. فلا يستباح بالمعصية؛ كما لا يستبيح المسافر الرخص بسفر المعصية.
قال في " الإنصاف ": وعنه: يجوز المسح عليه. حكاها غير واحد. انتهى.
قال في " الفروع ": مباح على الأصح خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، وفي " الفصول " و" النهاية " و" المستوعب " إلا لضرورة برد؛ لأن المعصية لا تختص باللبس؛ لأنه لو تركه لم يزل إثم الغصب. بخلاف سفر المعصية فانه لو تركه خرج منها. ذكره القاضي وغيره. انتهى.
الشرط السادس: ما أشير إليه بقوله: (وطهارة عينه ولو في ضرورة.
ويتيمم معها) أي: مع الضرورة (لمستور) بذلك النجس. فان كان النجس خفا تيمم مع خوف نزعه لغسل الرجلين، وان كان عمامة تيمم مع خوف نزعها لمسح الرأس، وان كان لجبيرة تيمم مع خوف نزعها لغسل ذلك العضو المشدودة عليه.
(ويعيد ما صلى به) أي بالخف النجس ونحوه.
قال في " الإنصاف ": ومنها طهارة عينه ان لم تكن ضرورة بلا نزاع. فان كان ثم ضرورة فيشترط أيضاً طهارة عينه على الصحيح من المذهب، فلا يصح المسح على جلد الكلب والخنزير والميتة (١) في بلاد الثلوج إذا خشي سقوط أصابعه لحاجة ونحو ذلك بل يتيمم للرجلين.
قال المجد وتبعه ابن عبيدان: هذا الأظهر، واختاره ابن عقيل وابن عبدوس
стр. 285
المتقدم. انتهى.
ثم قال بعد أسطر: فائدة:
لو مسح على خف طاهر العين، ولو كان بباطنه أو قدمه نجاسة لا يمكن إزالتها إلا بنزعه: جاز المسح عليه، ويستبيح بذلك مس المصحف والصلاة إذا لم يجد ما يزيل النجاسة وغير ذلك. صححه المجد وابن عبيدان وقدمه في " مجمع البحرين " وابن تميم. وقيل: فيه وجهان أصلهما الروايتان في صحة الوضوء قبل الاستنجاء " لكونها طهارة لا يمكن الصلاة بها غالبا بدون نقضها، فجعلت كالقدم. قاله في " المستوعب " وغيره.
قال الزركشي: قال كثيرون: يخرج على روايتي الوضوء قبل الاستنجاء.
وفرق المجد بينهما بأن نجاسة المحل هناك لما أوجبت الطهارتين جعلت إحداهما تابعة للأخرى، وهذا معلوم هنا، وأطلقهما في " الرعاية الكبرى ". انتهى.
الشرط السابع: ما أشير إليه بقوله: (وأن لا يصف البشرة) التي من داخله "
(لصفائه أو خفته).
قال في " الإنصاف ": ومنها: أن لا يصف القدم لصفائه. فلو وصفه لم يصح على الصحيح من المذهب؛ كالزجاج الرقيق ونحوه. وقيل: يجوز المسح عليه. انتهى.
قال في " الشرح ": وكذلك ان كان الجورب خفيفا يصف القدم لم يجز المسح عليه " لأنه غير ساتر لمحل الفرض. أشبه النعل. انتهى.
الشرط الثامن: وهو المكمل لها ما أشير إليه بقوله: (وان لا يكون واسعا يرى منه بعض محل الفرض).
قال في " المقنع ": أو كان واسعاً يرى منه الكعب لم يجز المسح.
ووجهه: أنه غير ساتر. أشبه المخرق الذي لا ينضم بلبسه.
(وان لبس) لابس خف (عليه آخر لا بعد حدث)، لأن اللبس يكون إذاً على