البدل وجب على البائع؛ لأنه هو الذي انتفع بمبدله.
قال في " المقنع ": ويحتمل ان تبطل إن لم يكن قبضها. وحكاه في
" المحرر " و" الفروع " قولا، وقدمه في " الكافي "، وأبطل القاضي الحوالة بالثمن على غريم المشتري، لا إن (١) أحال البائع على المشتري.
(وكذا نكاح فسخ) وقد أحيلت الزوجة بالمهر، (ونحوه)؛ كعقد الإنجارة
إذا فسخ وقد احال المؤجر بالأجرة، أو أحيل عليه بها.
(ولبائع) احيل بالثمن ثم فسخ البيع (أن يحيل المشتري) مما استحقه بالفسخ (على من احاله) المشترى، (عليه في) المساًلة (الأولى)؛ لأن دينه ثابت على من احاله المشتري عليه. فصحت الحوالة عليه؛ كسائر الحقوق المستقرة.
(ولمشتر أن يحيل محالا عليه) من قبل بائع (على بائع في) المسألة (الثانية)؛ لأن دينه ثابت على البائع ثبوتا مستقرا. فصحت الحوالة عليه؛ كبقية الحقوق.
(وإن اتفقا) أي: رب دين ومدين (على) قول المدين لرب الدين: (أحلتك) على زيد، (أو) على أنه قال: (أحلتك بديني) على زيد، (وادعى احدهما إرادة الوكالة: صدق) بيمينه؛ لأن الأصل بقاء الحق على كل من المحيل والمحال عليه، ومدعي الحوالة يدعي نقله، ومدعي الوكالة ينكره. والقول قول المنكر. وفيه وجه.
ولا موضع للبينة في هذه المسألة؛ لأنهما لم يختلفا في لفظ يسمع ولا فعل يرى، وإنما يدعي المحيل نيته، وهذا لا تشهد به البينة نفيا ولا إثباتا.
(و) إن اتفقا (على) قول المدين لرب الدين: (أحلتك بدينك)، وادعى أحدهما إرادة الوكالة والآخر الحوالة: (فقول مدعي الحوالة).
قال في " المقنع ": وجها واحدا؛ لأن الحوالة بدينه لا تحتمل الوكالة.
فلم يقبل قول مدعيها.
стр. 2277
) وإن قال زيد لعمرو: أحلتني بديني على بكر، واختلفا) أي: زيد وعمرو
) هل جرى بينهما لفظ الحوالة أو غيره) أي: غير لفظ الحوالة؛ كالوكالة بأن قال زيد: أحلتني على بكر بدين بلفظ الحوالة، وقال عمرو: بل وكلتك في قبض دين بلفظ التوكيل، ولا بينة لواحد منهما، لأن اختلافهما هنا في اللفظ وهو مما يمكن إقامة البينة عليه،) صدق عمرو) بيمينه؛ لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان وينكر انتقاله، والأصل معه. (فلا يقبض زيد من بكر)؛ لعزله بالإنكار، (وما قبضه) زيد من بكر قبل ذلك (وهو) أي: المقبوض (قائم) لم يتلف ف (لعمرو أخذه) من زيد؛ لأن قبض زيد بطريق النيابة عن عمرو.
(والتالف) من المقبوض بيد زيد إن لم يحصل منه تفريط (من) مال
(عمرو)؛ لاتفاقهما على صحه قبضه من بكر، (ولزيد طلبه) أي: طلب عمرو (بدينه) عليه؛ لاعترافه ببقائه في ذمته بإنكاره الحوالة.
وفيه وجه؛ لأن دعوى زيد الحوالة براءة.
وقيل: يصدق زيد فيأخذ من بكر.
وعلى كلا الوجهين: إن كان زيد قد قبض الدين من بكر وتلف في يده بتفريط أو غيره فقد برئ كل من زيد وعمرو لصاحبه؛ لأنه إن تلف بتفريط وكان المحتال محقا فقد أتلف ماله. وإن كان مبطلا ثبت لكل واحد منهما في ذمة الآخر مثل ما في ذمته له. فيتساقطان بالمقاصة.
وإن تلف بغير تفريط فالمحتال يقول: قد قبضت حقي وتلف في يدي،
وبرئ منه عمرو بالحوالة، وبكر بتسليمه إلي، والمحيل يقول: قد تلف المال في يد وكيلي بغير تفريط: فلا ضمان عليه.
(ولو قال عمرو: أحلتك) بلفظ الحوالة، (وقال زيد: وكلتني) في قبضه
بلفظ الوكاله ولا بينة لواحد منهما: (صدق) زيد بيمينه؛ لأن عمرا يدعي انتقال الحق وزيد ينكره. والأصل معه.
ولزيد القبض من بكر؛ لأنه إما وكيل وإما محتال. فإن قبض منه بقدر ما له
стр. 2278
على عمرو فأقل قبل أخذه من عمرو فله أخذ ما قبض لنفسه؛ لأن عمرا يقول: هو لك، وزيد يقول: هو أمانة في يدي ولي مثله على عمرو. فإذا أخذه لنفسه حصل غرضه ولم يأخذ من عمرو شيئا. وإن استوفى زيد من عمرو دون بكر رجع عمرو على بكر في أحد الوجهين.
قال القاضي: وهو أصح؛ لأنه قد ثبتت الوكالة بيمين زيد وبقي الحق في
ذمه بكر لعمرو. وفي الآخر: لا يرجع عمرو على بكر؛ لاعترافه أنه قد برئ من حقه، وأن زيدا ظلمه بأخذ ما كان على بكر.
وقيل: يصدق عمرو.
وعلى الوجهين: إن كان زيد قبض المال من بكر وأتلفه، أو تلف في يده بتفريط: سقط حقه؛ لأنه إن كان محقا فقد أتلف حقه، وإن كان مبطلا فقد أتلف مثل دينه. فيثبت في ذمته فيتقاصان.
وإن تلف في يده بلا تفريط فالتالف من مال عمرو، ولزيد طلبه بحقه، وليس لعمرو الرجوع على بكر؛ لاعترافه ببراءته.
وقيل: يسقط حق زيد.
(والحوالة) ممن له حق في الديوان لغيره (على ما له في الديوان: إذن) له (في الاستيفاء) فقط، وللمحتال الرجوع ومطالبته محيله.
قال (١) الشيخ تقي الدين:؛ لأن الحوالة إنما تكون على ذمة.
(وإحالة من) أي: إنسان) لا دين عليه) إنسانا (على من دينه عليه): وكاله) له في طلبه وقبضه.
(و) إحالة (من لا دين عليه على مثله) أي: على من لا دين له: (ومحالة
في اقتراض. وكذا مدين) محيل (٢) (على بريء: فلا يصارفه). نص عليه. وفي " الموجز " و" التبصرة ": إن رضي البريء بالحوالة صار ضامنا يلزمه
الأد اء.
***
стр. 2279
] باب: الصلح]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الصلح وحكم الجوار.
(الصلح) ثابت بالإجماع. وسنده عموم قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾] الحجرات: ٩].
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾]
النساء: ١٢٨].
وما روى أبو هريره أن النبي ﷺ قال: " الصلح جائز بين المسلمين. إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما " (١) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه الحاكم.
وهو لغة: قطع المنازعة.
وشرعا: (التوفيق والسلم.
ويكون) أنواعا خمسة:
أحدها: أن يكون (بين مسلمين وأهل حرب.
و) الثانى: (بين أهل عدل و) أهل (بغي.
و) الثالث: أن يكون (بين زوجين خيف شقاق بينهما، أو خافت) الزوجة (إعراضه) أي: إعر اض زوجها عنها.
(و) الرابع: أن يكون) بين متخاصمين في غير مال).
стр. 2280
والخامس: أن يكون بين متخاصمين في مال. (وهو فيه) أي: والصلح
في المال: (معاقدة يتو صل بها إلى موافقة بين مختلفين). وهذا النوع هو المعقود له هذا (١) الباب.
(وهو) أي: هذا النوع (قسمان):
أحدهما: الصلح (على إقر ار. وهو) أي: الصلح على إقر ار (نوعان: نوع) منهما يقع (على جنس الحق؛ مثل: أن يقر له) أي: لمن يصح تبرعه (بدين) معلوم في ذمته، (أو) يقر له ب (عين) تحت يده (فيضع) المقر له عن المقر بعض الدين المقر به؛ كنصفه أو ثلثه أو نحوهما، (أو يهب) له (البعض) من العين المقر بها، (ويأخذ الباقي) بعد الوضع أو الهبة: (فيصح)؛ لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه أو هبته؛ كما لا يمنع من استيفائه؛ " لأنه ﷺ كلم غرماء جابر ليضعوا عنه " (٢) .
وقضية كعب مع ابن أبي حدرد شاهدة بذلك (٣) .
قال الإمام: إذا كان للرجل على الرجل الدين ليس عنده وفاء فوضع عنه بعض حقه وأخذ منه الباقي كان ذلك جائزا لهما.
) لا بلفظ الصلح) في اشهر الروايتين؛ لأنه هضم للحق.
والثانية: يصح. وهو ظاهر ما في " الموجز " و" التبصر ة ".
(أو بشرط أن يعطيه الباقي) فلا يصح ولو لم يذكر لفظ الشرط؛ كما لو
стр. 2281
قال: علي أن تعطيني كذا منه أو تعوضني منه كذا؛ لأن ذلك كله يقتضي المعاوضة فكأنه عاوض بعض حقه ببعض وهو باطل. وفيه وجه.
وهذا المعنى ملحوظ أيضاً في لفظ الصلح؛ لأنه لا بد له من حرف يتعدى
به؛ كالباء وعلى ونحوهما. وذلك يقتضي المعاوضة. فلا يصح بلفظ الصلح. (أو يمنعه) أي: يمنع من عليه الحق ربه (حقه بدونه) أي: بدون أن
يعطيه منه. فلا يصح؛ لأنه أكل لمال الغير بالباطل.
(ولا) يصح ذلك (ممن لا يصح تبرعه؛ كمكاتب، و) قن (مأذون له)
في تجارة، (وولي) لصغير أو سفيه؛ لأنه تبرع، وهؤلاء لا يملكونه.
(إلا ان أنكر) من عليه الحق (ولا بينة) لربه؛ لأن استيفاء البعض عند
العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه.
(ويصح) ويباج للولي: أن يصالح (عما ادعي على موليه) بدفع ويبرئ
مما سواه.
(و) محل ذلك: إذا كان للمدعي (به بينة)؛ لأن ذلك إذا يكون فيه مصلحه.
(ولا يصح) الصلح (عن) دين (مؤجل ببعضه) أي: إلمؤجل (حالأ)
نصاّ. نقله الجماعة؛ لأنه يبذل القدر الذي يحطه عوضا عن تعجيل ما في ذمته. وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز؛ كما لا يجوز أن يعطيه عشرة حالة بعشرين مؤجله. ولأنه يبيعه عشرة بعشرين (١) . فلم يجز؛ كما لو كانت معينة.
وفيه رواية اختارها الشيخ تقي الدين لبراءة الذمة هنا.
والمذهب: لا يصح.
(إلا في) مال (كتابة) إذا عجل المكاتب لسيده بعض كتابته على أن يعتقه (٢) ويسقط عنه الباقي، جزم به الأصحاب، ونقله ابن منصور.
стр. 2282
(وإن وضع) رب دين (بعض حال، وأجّل باقيه: صح الوضع) إذ لا مانع
من صحته؛ لأنه ليس في مقابلته تأجيل؛ كما لو وضعه كله. وفيه رواية.
(لا التأجيل)؛ لأن الحالّ لا يتأجل. ولأنه وعد. وفيه رواية.
والخلاف: فيما إذا صالح بمائة صحاح بخمسين مكسرة هل هو إبراء من الخمسين ووعد في ال آخر ى؟.
(ولا يصح) الصلح (عن حق؛ كدية خطأ، أو قيمة متلف غير مثليّ بأكثر
من حقه) أي: من ذلك الحق الذي هو الدية وقيمه المتلف، (من جنسه)؛ لأن الدية والقيمة ثبتت في الذمة بقدره. فلم يجز أن يصالح عنها بأكثر من جنسها؛ كالثابت عن قرض. إذ الزائد لا مقابل له. فيكون حراما؛ لأنه من أكل المال بالباطل.
(ويصح) الصلح (عن متلف مثلي بأكثر من قيمته، و) كذا (بعرض قيمته أكثر) من الدية أو قيمة المتلف (فيهما) أي: المسألتين؛ لأنه لا ربا بين العوض والمعوض. فصح؛ كما لو باعه ما يساوي عشرة دراهم بدرهم.
(ولو صالحه) أي: صالح المدعى عليه المدعي (عن بيت) ادعى عليه
به، و (أقر) له (به على بعضه) أي: البيت، (أو سكناه) أي: على أن يسكنه المدعى عليه (مدة) معلومة؛ كسنة كذا، أو مجهولة؛ كما عاش ونحو ذلك، (أو) على (بناء غرفة له) أي: للمدعى عليه (فوقه) أي: فوق البيت.
(أو ادعى) إنسان (رق) إنسان (مكلف أو زوجية) امرأة (مكلفة. فأقرا) أي: المدعى رقه والمدعى زوجيتها له) أي: للمدعي بالرق أو الزوجية (بعوض منه) أي: من المدعي: (لم يصح) الصلح ولا الإقرار
أما كون الصلح لا يصح؛ فلأنه مصالحة عن ملكه أو على منفعة ملكه.
وإن فعل ذلك على سبيل المصالحة معتقدا وجوبه عليه بالصلح رجع عليه بأجر ما سكن وأجر ما في يده من الدار؛ لأنه أخذه بعقد فاسد. فأشبه المبيع
стр. 2283
والمؤجر بعقد فاسد.
وإن بنى فوق البيت غرفة أجبر على نقضها.
وإذا آجر السطح مدة مقامه في يده وله أخذ اّلته. فإن (١) اتفقا على أن يصالحه صاحب البيت عن بنائه بعوض جاز.
وإن أسكنه أو أعطاه بعض الدار غير معتقد وجوبه كان تبرعاً منه. ومتى شاء انتزعه منه.
وأما كون إقرار المدعى عليه الرق أو الزوجية بهما لم يصح " فلقوله ﷺ :
" إلا صلحا أحل حراما " (٢) . وهذا يحل حراما " لأنه يثبت الرق على من لم يثبت رقه، والزوجية على من لم يثبت نكاحها.
ولو أراد الحر بيع نفسه أو المراة بذل نفسها بعوض لم يجز.
(وإن بذلا) أي: المدعى عليه العبودية والمدعى عليه الزوجية (مالا) إلى مدعي ذلك، حال كون البذل (صلحا عن دعواه، أو) بذلت امرأة مالا (لمبينها ليقر) لها (ببينونتها: صح).
أما كون المدعى عليه العبودية يصح بذله المال لمدعيها " فلأنه يجوز العتق على عوض، ويشرع ذلك في حق الدافع " لقطع الخصومة المتوجهة عليه.
وأما كون المدعى عليها الزوجية يصح منها ذلك، فلأن المدعي يأخذ ذلك عوضا عن حقه في النكاح. فجاز، كعوض الخلع. والمرأة تبذله، لقطع الخصومة، وإزالة الشرور.
وفي هذه المسألة وجه: لا يصح ذلك.
وعلى المذهب: لو ثبتت زوجيتها بعد ذلك فهل يحكم ببينونتها بأخذ العوض " لأنه أخذه عما كان يستحقه من نكاحها. فكان خلعا " كما لو أقرت له بالزوجية فخالعها، أو ببقاء النكاح " لأنه لم يوجد منه طلاق ولا خلع؟ فيه وجهان.
стр. 2284
قال في " الإنصاف " عن هذا: قلت: وهو الصواب.
وأما كون المرأة يصح أن تبذل مالا لمبينها ليقر ببينونتها؛ فلأنه يجوز أن تبذل له مالا ليبينها.
قال في " الإنصاف " عن هذا: قلت: يجوز لها أن تدفع إليه، ويحرم عليه
أن يأخذ منها. انتهى.
وقيل: لا يجوز دفعها المال في ذلك، وصححه في " الإنصاف. ".
(و) من قال لغريمه: (أقر لي بديني وأعطيك) منه مائة، (أو) أقر لي بديني و (خذ منه مائة. ففعل) أي: فأقر: (لزمه) ما أقر به؛ لأنه أقر بحق يحرم عليه إنكاره، (ولم يصح الصلح)؛ لأنه يجب عليه الإقرار بما عليه من الحق. فلم يحل له أخذ العوض عما يجب عليه. فيرد ما أخذ، ويعطي ما أقر به.
(النوع الثاني) من قسم الصلح على الإقرار: أن (١) يصالح عن الحق (على
غير جنسه)، وهذا النوع معاوضة؛ كما لو اعترف له بعين في يده أو دين في ذمته، ثم يعوضه فيه ما يجوز تعويضه عنه.
(ويصح بلفظ الصلح)؛ لأنا إنما منعناه في النوع الذي قبله؛ لأنه يقتضي المعاوضة. وهي هناك محذورة وهنا مقصودة. وتقدم في أول كتاب البيع (٢) : أنه ينعقد بلفظ الصلح. وفيه وجه.
ثم لما كان هذا النوع ينقسم إلى أقسام نبّه عليها بقوله: (فبنقد عن نقد: صرف) أي: إذا أقر له بذهب وصالحه (٣) عنه بفضة أو عكس. فتكون هذه المصالحة صرفأّ؛ لأنها بيع أحد النقدين ب الآخر. فيشترط لها ما يشترط للصرف من التقابض بالمجلس.
وكذا لو أقر له بقمح وعوضه عنه شعيرا أو نحوه مما لا يباع به نسيئة.
стр. 2285
(و) المصالحة (بعرض) عن نقد؛ كما لو أقر له بدينار أو دراهم فصالحه
عن ذلك بثوب، (أو) صالحه (عنه) أي: عن عرض أقر له به؛ كما لو أقر له بفرس فصالحه عنها (بنقد) ذهب أو فضة، (أو عرض)؛ كما لو صالحه عن الفرس بدار أو ثوب: (بيعٌ) في الصور الثلاثة، يشترط له ما يشترط للبيع من العلم به وسائر شروط البيع.
(و) الصلح عن نقد أو عرض أقر به (بمنفعة؛ كسكنى) دار، (وخدمة
عبد معينين: إجارةٌ) تبطل بتلف الدار وموت العبد؛ كسائر الإجارات.
ثم إن كان التلف قبل استيفاء شيء من المنفعة انفسخت الإجارة ورجع بما صولح عنه.
وإن كان عن إنكار رجع بالدعوى.
وإن كان بعد استيفاء بعضها انفسخت فيما بقي فيرجع بقسطه.
وقيل: تبطل في الجميع.
وإن باع العبد أو الدار المالك قبل استيفاء المنفعة أو بعضها صح البيع، ويكون للمشتري مسلوب المنفعة إلى انقضاء المدة، وللمشتري الفسخ إن لم يعلم؛ لأنه (١) عيب.
وإن أعتق العبد نفذ عتقه. وللمصالح أن يستوفي نفعه إلى انقضاء المدة؛ لأنه أعتقه بعد أن ملك منفعته لغيره. فأشبه ما لو أعتق الأمة المزوجة بحر. ولا يرجع العبد على سيده بشيء؛ لأنه ما أزال ملكه بالعتقد] إلا عن الرقبة، والمنافع حينئذ مملوكة لغيره. فلم تتلف منافعه بالعتق [ (٢) فلا يرجع بشيء.
ولأنه اعتقه مسلوب المنفعة. فلم يرجع بشيء.
وذكر القاضي وابن عقيل وجها: أنه يرجع على سيده بأجر مثله؛ لأن العتق
стр. 2286
اقتضى إزالة ملكه (١) عن الرقبة والمنفعة جميعا. فكأنه حال بينه وبين منفعته. ورد: بأن إعتاقه لم يصادف سوى ملك الرقبة. فلم يؤثر إلا فيه؛ كما لو وصى لرجل برقبة عبد ولآخر بنفعه فأعتق صاحب الرقبة.
وبأنه إنما اقتضى زوال الملك عن المنفعة إذا كانت مملوكه له. أما إذا كانت مملوكة لغيره. فلا يقتضي إعتاقه إزالة ما ليس بموجود.
وإن تبين أن الدار والعبد (٢) مستحق تبين بطلان الصلح؛ لفساد العوض، ورجع المدعي فيما أقر له به.
وإن تبين له أن الدار والعبد (٣) معيب عيباً ينقص به المنفعة فله رده وفسخ الصلح. .
وإن صالحه بتزويج أمته صح بشرطه وكان المصالح به صداقها. فإن انفسخ النكاح قبل الدخول بأمر يسقط الصداق رجع الزوج بما صالحه عنه. وأن طلقها قبل الدخول رجع بنصفه.
(و) الصلح (عن دين يصح بغير جنسه مطلقا) أي: سواء كان أقل منه؛ كما لو صالح عن مد قمحا قرضاً بنصف مد سمسماً، أو أكثر؛ كما لو صالح عنه بمدين شعيرا.
(لا بجنسه) أي: لا (بـ) قمح (أقل أو أكثر على سبيل المعاوضة)؛ لأن
ذلك يفضي إلى ربا الفضل.
ومحل ذلك: إذا كان المصالح به معينا.
(و) أما إن كان الصلح (بشيء في الذمة) في نحو المسائل المتقدمة فإنه (يحرم التفرق قبل القبض)؛ لأنه إذا حصل التفرق قبل القبض كان كل واحد من العوضين دينا؛ لأن محله الذمة. فيصير بيع دين بدين وهو منهي عنه شرعاً.
стр. 2287
(ولو (١) صالح الورثة من) أي: إنسانا (وصّىَ له) من قبل مورثهم (بخدمة) من رقيق معين من التركة، (أو سكنى) دار معينة، (أو حمل أمة) معينة (بدراهم مسماة: جاز) ذلك صلحا لا بيعا أي: لا أن يبيع ذلك للورثة؛ لعدم العلم به.
(ومن صالح عن عيب في مبيعه بشيء) من عين؛ كما لو أعطى للمشتري دينارا، أو منفعة؛ كما لو صالحه على سكنى داره شهرا: (رجع به) أي: بذلك الشيء المصالح به. (إن بان عدمه) أي: عدم العيب؛ كما لو كانت بطن الأمة منتفخة وظن أنها حامل ثم بان لهما الحال، (أو زال سريعا) بأن كانت حاملا فوضعته في الحال، أو كان المبيع مريضا فعوفي أو نحو ذلك؛ لحصول الجزء الذي قد نقصه العيب من المبيع.
(وترجع امرأة صالحت عنه) أي: عن عيب في مبيعها (بتزويجها) إن بان
عدمه أو زال سريعا (بأرشه) أي: بقدر أرش العيب لو كان أو لم يزل، أو بان المبيع فاسدا؛ كما لو وقع العقد على قن فبان حرا وظهر المبيع مستحقا للغير؛ لأنها رضيت الأرش مهرا لها.
(ويصح الصلح عما) أي: عن مجهول (تعذر علمه: من دين)؛ كالرجلين
يكون بينهما المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه الزمن الطويل، (أو عين). نقل عبدالله: إذا اختلط قفيز حنطة بقفيز شعير وطحنا. فإن عرفت قيمة
دقيق الحنطة ودقيق الشعير بيع هذا وأعطي كل واحد منهما قيمة ماله. إلا أن يصطلحاعلى شيءويتحالا.
(بـ) مال (معلوم نقد ونسيئة)؛ " لقوله ﷺ لرجلين اختصما في مواريث
درست بينهما: استهما وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه " (٢) . رواه أحمد وأبو داود.
стр. 2288
ولأنه إسقاط حق. فصح في المجهول للحاجة.
ولأنه إذا صح الصلح مع العلم وإمكان أداء الحق بعنيه. فلأن يصح مع الجهل أولى.
وذلك لأنه إذا كان معلوما فلهما طريق إلى التلخيص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه، ومع الجهل لا يمكن ذلك، ولو لم يجز الصلح أفضى إلى ضياع المال على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه.
قال في " الإنصاف ": وسواء كان الجهل من الجانبين أو ممن عليه وهذا المذهب مطلقا. انتهى.
وعلم مما تقدم أن الصلح لو وقع بمجهول لم يصح؛ لأن تسليمه واجب والجهالة تمنعه وتفضي إلى التنازع. . فلا يحصل مقصود الصلح.
(فإن لم يتعذر) علمه (فكبراءة من مجهول). قدمه في " الفروع "، واقتصر عليه في " التنقيح ".
أي: إن قلنا بصحة البراءة من المجهول صح الصلح، وإلا فلا.
قال في " التلخيص ": وقد نزل أصحابنا الصلح عن المجهول المقر به بمعلوم منزلة الإبراء من المجهول. فيصح على المشهور؛ لقطع النزاع.
ونقل حنبل ما يدل على أنه لا يصح الإبراء من المجهول. فلا يصح الصلح عنه، وهذا منهم يدل على أنه يختص بما في الذمم؛ لأن الأعيان لا تقبل الإبر اء.
وقال في " الفروع ": وجزم صاحب " المحرر " وغيره بالمنع؛ لعدم الحاجة؛ كالبيع. قال: وهو ظاهر نصوصه، وظاهر ما جزم به في " الإرشاد " وغيره وفافاّ لمالك. وخرج في " التعليق " و" الانتصار " وغيرهما في صلح المجهول والإنكار من البراءة من المجهول عدم الصحة، وخرجه في " التبصره " من الإبراء من عيب لم يعلماه. انتهى.
وظاهر كلامه في " الإنصاف " أيضاً: أن الصحيح المنع.
стр. 2289
وقيل: لا يصح عن أعيان مجهولة، لكونه إبراء. وهي لا تقبله.
وفي " الترغيب ": هو ظاهر كلامه-.
(القسم الثانى) من قسمي الصلح في المال: الصلح (على إنكار)، وذلك (بأن يدعي) إنسان على آخر (عينا أو دينا فينكر) المدعى عليه (أو يسكت، وهو) أي: المدعى عليه (يجهله) أي: المدعى به، (ثم يصالحه على نقد أو نسيئة)، لأن المدعي ملجأ إلى التأخير بتأخير خصمه: (فيصح) في قول أكثر العلماء، لعموم قوله ﷺ : " الصلح بين المسلمين جائز " (١) .
فإن قيل: فقد قال: " إلا صلحا أحل حراما " (٢) . وهذا داخل فيه، لأنه لم
يكن له أن يأخذ من مال المدعى عليه. فحل بالصلح.
فالجواب: أنا لا نسلم دخوله فيه. ولا يصح حمل الحديث عليه، لوجهين:
أحدهما: أن هذا يوجد في الصلح بمعنى البيع. فإنه يحل لكل واحد منهما
ما كان محرما عليه قبله، وكذلك الصلح بمعنى الهبة. فإنه يحل للموهوب له ما كان حراما عليه، والإسقاط يحل له ترك أداء ما كان واجبا عليه.
الثانى: لو حل به المحرم لكان الصلح صحيحا. فإن الصلح الفاسد لا يحل الحرام. وإنما معناه ما يتوصل به إلى تناول المحرم مع بقائه على تحريمه " كما لو صالحه على استرقاق حر، أو إحلال بضيع محرم، أو صالحه بخمر أو خنزير، وليس ما نحن فيه كذلك.
ولأنه صلح يصح مع الأحنبي فصح مع الخصم، كالصلح مع الإقرار. يحققه: أنه إذا صح مع الأجنبي مع غناه عنه. فلأن يصح مع الخصم مع حاجته إليه اولى.
(و) إذا ثبت هذا فإنه (يكون) الصلح (إبراء في حقه) أي: المدعى
стр. 2290
عليه؛ لأنه إنما بذل مال الصلح ليدفع عن نفسه الخصومة. لا في مقابلة حق ثبت عليه، وحينئذ (لاشفعة فيه) إن كان شقصا من عقار.
(ولا يستحق) المدعى عليه (لعيب) وجده فيما إذا (١) ادعى به (٢) عليه (شيئا)؛ لأنه لم يبذل المال في مقابلة العين. فلا يكون في معنى المعاوضة؛ لاعتقاده أنه كان في ملكه قبل الصلح.
(وبيعا في حق مدّع ِ) فيكون: (له رده) أي: رد المصالح به عما ادعاه (بعيب) فيه؛ لأنه يأخذه على سبيل العوض عما ادعاه، (وفسخ الصلح)؛ كما لو اشترى شيئا فوجده معيبا.
(ويثبت فية) ما إذا صالحه بشقص (مشفوع الشفعة)؛ لأنه بيع؛ لكونه أخذه عوضا عما ادعاه؛ كما لو اشتراه به.
ويستثنى من كون المصالح به بيعا في حق مدع صورة أشير إليها بقوله:
(إلا إذا صالح) المدعى عليه المدعي (ببعض عين مدعى بها)؛ كما لو ادعى نصف دار بيد المدعى عليه فأنكره ثم صالحه على ربعها: (فهو فيه) أي: فالمدعي في صورة هذا الصلح (كالمنكر) أي: كالمدعى عليه المنكر في أنه لا يؤخذ منه بشفعة.
ولا يستحق بعيب (٣) شيئاً؛ لأن المدعي يعتقد أنه أخذ بعض عين ماله مسترجعا له (٤) ممن هو عنده. فلم يكن بيعاً؛ كاسترجاع العين المغصوبة.
(و) محل ما تقدم ذكره: فيما إذا كان المدعي يعتقد أن ما ادعاه حق والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه. أما (من علم كذب نفسه) منهما: (فالصلح باطل في حقه)؛ لأنه إن كان المدعي فإن الصلح مبني على دعواه الباطلة، وإن كان المدعى عليه فإنه مبني على جحد المدعى عليه حق المدعي
стр. 2291
ليأكل ما ينتقصه بالباطل.
(وما أخذه) المدعي العالم بكذب نفسه من المال المصالح به أو المدعى عليه. مما انتقصه من الحق بجحده (: فحرام) على كل منهما؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل المنهي عنه. ولا يٌشهَد له إن علم ظَلمه. نقله المروذي.
(ومن قال) ل آخر: (صالحني عن الملك الذي تدعيه: لم يكن مقرا به) أي: لم يكن القائل مقرا بالملك للمقول له؛ لاحتمال إرادة صيانة نفسه عن التبذل، وحضور مجلس الحكم بذلك. فإن ذوي المروءات يصعب عليهم ذلك، ويرون دفع ضررها عنهم من أعظم مصالحهم.
وفيه وجه: أنه يكون إقرارا ً، وأطلقهما في " الفروع ".
قال المجد في " شرح الهداية ": وإذا ادعى عليه حقاً فأنكره ثم قال: صالحني لم يكن إقراراً، كما دل عليه كلامه.
وإن قال: بعني ذلك فهل يكون إقرارا؛ للشافعية فيه وجهان:
أحدهما: يكون إقراراً. اختاره أبو الطيب، وبه قا ل أبو حنيفة. انتهى.
(وإن صالح أجنبي عن منكِر لدين، أو) منكر لى (عين)، وسيأتي إذا صالح الأجنبى لنفسه (بإذنه) أي: إذن المنكر)] أو دونه) أي: دون إذنه:) صح) الصلح فيهما) ولو لم يقل) الأجنبي:) إنه) أي: المنكر (وكّله) [ (١) في ذلك. أما في الدين؛ فلأن قضاءه عن غيره جائز بإذنه وبغير إذنه؛ فإن عليا
وأبا قتادة قضيا عن الميت فأجازه النبي ﷺ .
وأما في العين؛ فلأن في الصلح افتداء للمنكر من الخصومة، وإبراء له من الدعوى، وذلك جائز.
(لا يرجع)، فى المسألتين على المنكر بشيء مما صالح به إن وقع الصلح
стр. 2292
(بدون إذنه)؛ لأنه ادعى عنه ما لا يلزمه أداؤه. فكان متبرعا؛ كما لو تصدق عنه. وعلم مما تقدم أن المنكر إذا أذن للأجنبي في الصلح أو في الأداء: أن له الرجوع إذا أدى بنيته (١) .
أما الرجوع مع الإذن في اللأداء؛ فظاهر.
وأما مع الإذن في الصلح فقط؛ فلأنه يجب عليه الأداء بعقد الصلح. فإذا
أداه فقد أدى واجبا عن غيره محتسبا بالرجوع. فكان له الرجوع على الأصح من (٢) الروايتين.
(وإن صالح) الأجنبي (لنفسه ليكون الطلب له وقد أنكر) الأجنبي (المدعى) به: لم يصح الصلح؛ لأنه يشتري من المدعي ما لم يثبت له، ولم يتوجه إليه خصومه يفتدي منها. فأشبه ما لو اشترى منه ملك غيره عالمين بذلك.
(أو أقر) الأجنبي بصحة الدعوى (والمدعى) له (دين): لم يصح الصلح أيضاً؛ لأنه بيع دين من غير من هو في ذمته لا يصح. وفيه وجه.
قال في " المغني ": وليس بجيد؛ لأن بيع الدين المقر به من غير من هو في
ذمته لا يصح. فبيع دين في ذمة منكر معجوز عن قبضه أولى.
(أو هو) أي: المدعى به (عين، وعلم) الأجنبي (عجزه عن استنقاذها)
من المدعى عليه: (لم يصح) الصلح أيضاً؛ لأنه بيع مغصوب ممن لا يقدر على أخذه.
(وإن ظن القدرة) على استنقاذها؛ كما لو قال الأجنبي للمدعي: أنا أعلم
أنك صادق فصالحني عنها فإنى قادر على استنقاذها من المنكر.
(أو) ظن (عدمها) أي: عدم القدرة، (ثم تبينت) قدرته على استنقاذها: (صح) الصلح في المسألتين.
стр. 2293
أما في الأولى؛ فلأنه اشترى من مالكه ملكه القادر على أخذه في اعتقاده.
قال في " المغني ": ويحتمل أنه إن تبين أنه لا يقدر على تسليمه تبين أن الصلح كان فاسداً.
وأما في الثانيه " فلأن البيع تناول ما يمكن تسليمه. فلم يؤثر ظن عدمه.
وفيه وجه.
(ثم إن) قدر على أخذه استقر الصلح، وإن (عجز: خٌيّرَ) الأجنبي (بين فسخ) للصلح؛ لأنه لم يسلم له المعقود عليه. فكان له الرجوع إلى بدله، (و) بين (إمضاء) للصلح، لأن الحق له؛ كالرد بالعيب.
قال في " المغني ": فإن قال الأجنبي للمدعي: أنا وكيل المدعى عليه في مصالحتك عن هذه العين وهو مقر لك بها وإنما يجحدها في الظاهر: فظاهر كلام الخرقي أن الصلح لا يصح؛ لأنه يجحدها في الظاهر لينقص المدعي بعض حقه أو يشتريه بأقل من ثمنه. فهو هاضم للحق متوصل إلى أخذ المصالح عنه بالظلم والعدوان. فهو بمنزلة ما لو شافهه بذلك. فقال: أنا أعلم صحة دعواك وأن هذا لك، ولكن لا أسلمه إليك، ولا أقر لك به عند الحاكم حتى تصالحني منه على بعضه أوعوض عنه.
وقال القاضي: يصح.
ثم ينظر إلى المدعى عليه فإن صدقه على ذلك ملك العين ورجع الأجنبي
عليه بما أدى عنه إن كان أذن في الدفع. وإن أنكر الإذن في الدفع فالقول قوله مع يمينه ويكون حكمه حكم من قضى دينه بغير إذنه. وإن أنكر الوكالة فالقول قوله مع يمينه وليس للأجنبي الرجوع عليه ولا يحكم له بملكها. فأما حكم ملكها في الباطن فإن كان الأجنبي قد (١) وكل في الشراء فقد ملكها؛ لأنه اشتراها بإذنه فلا يقدح إنكاره في ملكها؛ لأن ملكه ثبت قبل إنكاره، وإنما هو ظالم بالإنكار.
стр. 2294
للأجنبي. وإن كان لم يوكله لم يملكها، لأنه اشترى له عينا بغير إذنه.
ويحتمل أن يقف على إجازته كما (١) قلنا فيمن اشترى عينا لغيره بغير إذنه
بثمن في ذمته: فإن أجازه لزم في حقه، وإن لم يجزه م من اشتراه.
وإن قال الأجنبي للمدعي: قد عرف المدعى عليه صحة دعواك وهو يسألك
أن تصالحه عنه وقد وكلني في المصالحة عنه فصالحه صح، وكان الحكم كما ذكرنا؛ لأنه هاهنا لم يمتنع من أدائه بل اعترف به وصالح عليه وبذله له. فأشبه ما لو لم يجحده.
***
стр. 2295
] فصل: في الصلح عما ليس بمال]
(فصل. ويصح صلح مع إقرار، و) مع (إنكار عن قود) في نفس أو دونها، (و) عن (سكنى) دار ونحوها، (و) عن (عيب) في عوض أو معوض. قال في " المجرد ": وإن لم يجز بيع ذلك؛ لأنه لقطع الخصومة، وقاله
في "الفصول " في فصل صلح الإنكار، وأن القود له بدل وهو (١) الدية؛ كالمال. قال المجد في " شرح الهداية ": وهذا إن أراد أنه بيع من الغير فصحيح.
وإن أراد بيعها ممن هي عليه فقياس المذهب المختار عندي جوازه فإنه معنى الصلح، وإن كان بلفظ البيع وذلك بأن يقول: بعتك هذا العيب بكذا. وقد صرح أصحابنا بأن الصلح عن المجهول يصح بلفظ البيع فيما إذا أتلف عليه صبرة لا يعلمان كيلها. . وأن لفظ البيع ولفظ الصلح فيها سواء. ذكره القاضي في مسألة الإبراء من المجهول.
إذا ثبت هذا فإنه يصح الصلح عن القود (بفوق دية) أي: بما يزيد على قدرها ولو بلغ ديات؛ لما روي " أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات فأبى أن يقبلها ".
ولأن المال غير متعين. فلم يقع العوض في مقابلته.
وفي " الترغيب ": لا يصح على جنس الديه إن قيل موجبه أحد شيئين،
ولم يختر الولي شيئا إلا بعد تعيين الجنس من إبل أو غنم، حذراً من الربا.
وفي " الانتصار ": لا يجوز بأكثر من دية إذا قلنا الواجب أحد شيئين.
(وبما) أي: شيء (يثبت مهراً) في عقد نكاح من نقد أو عرض (حالأ ومؤجلا). صرح به المجد في " شرح الهداية "؛ لأنه يصح إسقاط المصالح
стр. 2296
عليه. فلأن يصح الصلح عليه من باب أولى.
و) لا) يصح الصلح (بعوض عن خيار) في بيع أو إجارة، (أو) عن إسقاط (شفعة).
نقل ابن منصور: الشفعة لا تباع ولا توهب.
(أو حد قذف)؛ لأنه لم يشرع واحد منهما لاستفادة مال. وإنما شرع الخيار للنظر في الأحظ والشفعة؛ لإزالة الضرر بالشركة، وحد القذف للزجر عن الوقوع في أعراض الناس.
(وتسقط جميعها)، وفي الشفعة والحد وجه.
(ولا) يصح أيضاً أن يصالح إنسان (سارقاً أو شارباً ليطلقه)؛ لأن الدفع
إلى السلطان ليس حقا يجوز الاعتياض عنه.
(أو شاهدا ليكتم شهادته)؛ لأن كتمانها حرام. فلم يصح الاعتياض
عنه. وتشمل صورا:
منها: أن يصالحه على أن لا يشهد عليه بحق تلزمه الشهادة به؛ كدين آدمي، أو حق لله تعالى لا يسقط بالشبهه؛ كالزكاة.
ومنها: أن يصالحه على أن لا يشهد عليه بالزور فهو حرام؛ كما لو صالحه على أن لا يقتله أو. يغصبه ماله.
ومنها: أن يصالحه على أن لا يشهد عليه بما يوجب حد الزنا والسرقة. فلا يجوز الاعتياض في الكل.
(ومن صالح) آخر (عن دار، أو نحوها)؛ كعبد وثوب بعوض (فبان العوض) المصالح به (مستحقاً) لغير المصالح، أو كان قنا فبان حمرا: (رجع بها) أي: بالدار المصالح عنها أو بالعبد أو بالثوب المصالح عنه إن كان باقيا أو بقيمته إن كان تالفا.
ومحل ذلك: إذا كان الصلح (مع إقرار) من المصالح؛ لأن الصلح إذاً بيع
في الحقيقة. فإذا تبين أن العوض كان مستحقاً أو حراً، كان البيع فاسداً. فرجع
стр. 2297
فيما كان له، (و) رجع (بالدعوى) أي: إلى دعواه قبل الصلح.
(وفي " الرعاية ": أو قيمة) المصالح به (المستحق) لغير المدعى (١) عليه (مع إنكار) متعلق برجع. وكذا قوله: وبالدعوى.
وجه المذهب: أن الصلح لما تبين فساده بخروج المصالح به غير مال، كما
لو صالح بعصير فبان خمراً، أو بقِنّ فبان حراً، أو غير مستحق للمدعى عليه؛ كما لو بان أنه غصبه أو نحو ذلك: حكم ببطلان عقد الصلح، وحيث بطل عاد الأمر إلى ما كان عليه قبله. فيرجع المدعي فيما كان له وهو الدعوى.
ووجه ما قاله صاحب " الرعاية ": أن المدعي لما رضي بالمصالح به وانقطعت الخصومة ولم يسلم له كان له قيمته.
وهو مردود: بأن الصلح لا أثر له، لتبين فساده.
وإنما ذكرت هذا القول في المتن؛ لانفراد صاحب " الرعاية " به، وإعلاما
بأنه يؤخذ من كلامه القول بالتفصيل بين صلح الإقرار وصلح الإنكار. خلافا لما توهمه بعبارة " الفروع " من كونه: لا فرق بينهما. وأطال ابن قندس الكلام على ذلك في " حواشيه ". فليراجعه من أراده.
(و) رجع المصالح (عن قود) في نفس أو دونها بقن أو غيره إذا خرج حرا
أو مستحقا (بقيمة عوض) مصالح به؛ لأنه تعذر تسليم ما جعل عوضا عنه فرجع في قيمته.
(وإن علماه) أي: علم المتصالحان عند الصلح أن المصالح به حر أو مستحق للغير: سقط القود إلى الدية؛ لحصول الرضى على ترك القصاص. (ف) يرجع ولي الجناية (بالدية)؛ لأن الصلح هنا باطل يعلمان بطلانه فكان وجوده كعدمه.
(ويحرم أن يجري) الإنسان (في أرض غيره أو سطحه) أي: سطح غيره (ماء، بلا إذنه) أي: إذن صاحب الأرض أو السطح؛ لتضرره، أو تضرر.
стр. 2298
أرضه، وكزرعه بغير إذنه بجامع أن كلاً منهما استعمال لمال الغير بغير إذنه.
وفيه رواية: إن دعت ضرورة.
وقيل: أو حاجة.
(ويصح صلحه على ذلك بعوض)، لأن ذلك إما بيع أو إجارة، وكل منهماجائز.
ثم أشار إلى ما يتميز به أحدهما بقوله: (فمع بقاء ملكه) أي: ملك مالك المحل الذي صالح على إجراء الماء فيه، باًن تصالحاً على إجراء الماء في أرضه أو سطحه وملكه بحاله: فذلك (إجارة.
وإلا) أي: وإن لم يقع الصلح على أن ذلك المحل باق له: (فـ) ذلك (بيع. . ويعتبر) لصحة ذلك إذا وقع إجارة (علم قدر الماء) المجري " لأنه يختلف
ضرره بكثرته وقلته (بساقيته) أي: ساقية الماء، لأنه لا يمكن أن يجري في الساقية أكثر من ملئها.
(و) علم قدر (ماء مطر: برؤية ما) أي: محل (يزول عنه، أو مساحته)
بأن يقاس ليعلم مبلغه، لأنه يمكن أن يجري منه القليل والكثير.
(وتقدير ما يجري فيه الماء) من ذلك المحل.
(لا) علم قدر (عمقه) " لأنه إذا ملك عين الأرض أو نفعها كان له إلى التخوم. فله أن ينزل فيها (١) ما شاء.
(ولا) علم (مدته) أي: مدة الإجراء (للحاجة) إلى ذلك، إذ العقد على المنفعة في موضع الحاجة من غير تقدير مدة جائز " (كنكاج).
وفي "القواعد": ليس بإجارة محضة، لعدم تقدير المدة، بل هو شبيه بالبيع. (ولمستأجر ومستعير) أرضا (الصلح) أي: أن يصالح غيره (على) إجراء
стр. 2299
ماء في (ساقية محفورة) فيها، لأنها لو لم تكن محفورة لما جاز إحداثها فيها.
(لا) أن يصالح المستأجر أو المستعير (على إجراء ماء مطر على سطح،
أو) ماء سطح على (أرض).
أما منعه على السطح " فلأن السطح يتضرر بذلك ولم يؤذن له فيه.
وأما منعه على الأرض، فلأنه يجعل لغير صاحب الأرض رسماً. فربما ادعى استحقاق رب الماء ذلك على صاحب الأرض.
وقيل: يجوز في الثانية إذا لم يحتج إلى حفر ولم يكن فيه مضرة " لأنه بمنزلة إجراء الماء في ساقية محفورة.
ورد: بأن الساقية المحفورة تدل على رسم قديم. بخلاف هذه الصورة فإنها تجدده.
(و) أرض (موقوفة) في حكم الصلح على ذلك (كمؤجرة). ذكره القاضي وابن عقيل وقدمه في " الفروع "، لأن الموقوفة عليه لا يملك إحداث ساقية فيها " لأنه يجعل لرب الماء (١) رسما على الأرض. أشبه التصرف في رقبة الموقوف وهو لا يملكه.
قال في " المغني ": والأولى أنه يجوز له حفر الساقية، لأن الأرض له،
وله التصرف فيها كيف شاء ما لم ينتقل الملك فيها إلى غيره.
قال في " الفروع ": فدل أن الباب والخوخة والكوة ونحو ذلك لا يجوز في مؤجرة. وفي موقوفة الخلاف، أو يجوز قولاً واحداً وهو أولى " لأن تعليل الشيخ لو لم يكن مسلّماً لم يفد. وظاهره لا تعتبر المصلحة وإذن الحاكم، بل عدم الضرر، وأن إذنه يعتبر لدفع الخلاف.
قال: ويأتي كلام ابن عقيل، وفيه إذنه فيه لمصلحة المأذون المختار بأمر شرعي. فلمصلحة الموقوف أو الموقوف عليه أولى. وهو معنى نصه في تجديده لمصلحة.
وذكره شيخنا عن أكثر العلماء في تغيير صفاته لمصلحة " كالحكورة.
стр. 2300
وعمله حكام أصحابنا بالشام، حتى صاحب " الشرح " في جامع المظفر.
وقد زاد عمر وعثمان في مسجد النبي ﷺ وغيّرا بناءه، ثم عمر بن عبدالعزيز وزاد فيه أبواباً، ثم المهدي ثم المأمون.
نقل أبو داود فيمن أدخل بيتاً في المسجد أله أن يرجع فيه؛ قال: لا، إذا أذن.
قال الحارثي بعد ذكر رواية البخاري وغيره: الزيادة في مسجده ﷺ ، "وخبر عائشة: " لولا أن قومك حديثوا عهد " (١) .
قال: إذا ثبت ما ذكرنا فيطرد في سائر الأوقاف بالأولى والأحرى. انتهى. (وإن صالحه) أي: صالح إنسان إنساناً (على سقي أرضه) أي: أرض أحدهما (من نهره) أي: نهر الآخر (أو) من (عينه مدة ولو) كانت مدة السقي (معينة) أي: بعوض: (لم يصح)؛ لعدم ملكه.
وقيل: بلى؛ للحاجة، وكسبهم منها تبعاً؛ كما لو صالحه على ثلث النهر
أو العين بعوض فإنه يصح، ويكون تبعا للقرار، والماء تابع له.
(ويصح شراء) إنسان لـ (ممر في دار) في من يملكه، (وموضع بحائط يفتح بابا، وبٌقعة تحفر بئرا)؛ لأن ذلك يجوز بيعه أو إجارته. فجاز الاعتياض عنه بالصلح. وليس ذلك خاصاً بالدار، بل الأملاك فيها كذلك.
وإنما اعتبر بالدار؛ لأن الغالب وقوعه فيها.
(و) يصح شراء (علو بيت ولو لم يٌبن) البيت (إذا وصف) البيت؛ ليكون معلوما (ليبني) متعلق بشراء (أو يضع عليه) أي: على العلو الذي اشتراه (بنياناً) أي: يبني عليه بنياناً، (أو) يضع عليه (خشباً موصوفين).
أما كونه يصح بيع العلو فقط؛ فلأنه ملك للبائع. فجاز بيعه؛ كالأرض.
وأما كونه يصح وإن لم يبن بشرطه؛ فلأنه ملك للمصالح. فجاز له أخذ العوض عنه؛ كالإقرار.
وفيه وجه: لا يصح حتى يبني.
стр. 2301
(ومع زواله) أي: زوال ما على علو البيت من بنيان أو خشب: (له) أي: للمصالح (الرجوع) على رب السفل (بمدته) أي: بأجرة مدة زواله عنه. (و) له (إعادته مطلقاً) أي: سواء زال لسقوطه أو سقوط ما تحته أو لهدمه
إياه أو غير ذلك " لأنه استحق إبقاءه بعوض.
(و) له (الصلح على عدمها) أي: عدم إعادته؛ لأنه لما جاز أن يبيع ذلك
منه جاز أن يصالح عنه؛ (كـ) ما يصح (على زواله) أي: على رفعه. سواء كان ما صالحه به مثل العوض الذي صولح به على وضعه أو أقل أو أكثر؛ لأن هذا عوض عن المنفعة المستحقة له. فيصح بما اتفقا عليه.
وكذلك لو كان له مسيل ماء في أرض غيره أو ميزاب أو غيره فصالح صاحب الأرض مستحق ذلك بعوض؛ ليزيله عنه، جاز.
(و) له (فعله) أي: وضع البنيان أو الخشب على بناء غيره (صلحاً أبداً) أي: على التأبيد بلا شراء ولا إجارة.
(أو) فعله (إجارة مدة معينة. وإذا مضت: بقي، وله أجرة المثل).
قال في " الفنون ": فإذا فرغت المدة يحتمل أنه ليس لرب الجدار مطالبته بقلع خشبه. قال: وهو الأشبه كإعارته لذلك " لما فيه من الخروج عن حكم العرف؛ لأن العرف وضعها للأبد. فهو كإعارة الأرض للدفن لما كان يراد لإحالة الأرض للأجساد لم يملك الرجوع قبل ذلك.
ثم إما أن يتركه بعد المدة بحكم العرف بأجرة مثله إلى حين نفاذ الخشب؛
لأنه العرف فيه؛ كالزرع إلى حصاده للعرف فيه، أو تجدد إجارة بأجرة المثل وهي المستحقة بالدوام بلا عقد؛ لئلا يفضي إلى تمليك المؤجر ما يفضي إلى القلع (١) وهو زيادة الأجرة. فيلجئه إلى القلع (٢) ؛ كما لو غاب المستأجر فإنه يتركه بأجرة المثل؛ لأن العرف يقضي عليه؛ لأنه يعلم أنها لا تستأجر كذلك إلا للتأبيد، ومع التساكت له أجرة المثل.
стр. 2302
(فصل: في حكم الجوار)
الجوار هو: الاسم من المجاورة؛ كالقتال من المقاتلة. وأصله الملازمة، ومنه قيل للمعتكف: مجاور.
وقد جاء في الحديث " انة ﷺ كان يجاور في المسجد " (١) .
وذلك لأن الجار يلزم جاره في المسكن.
وعٌقد هذا الفصل فيه: أنه يلزم المجاور لجاره: رفع ما يتأذى به في مسكنه، ومعونته على حاجته إذا خلت من ضرر عليه. فقد قال ﷺ : " ما زال جبريل يوصيني في الجار حتى ظننت أنه سيورثه " (٢) .
وقد جاء في معناه أحاديث كلها تدل على مثل ذلك.
وهذا الفصل وضع لبيان ما يجب من (٣) ذلك.
(إذا حصل في هوائه) أي: هواء الإنسان، (أو) في (أرضه) التي يملكها أو بعضها أو يملك نفعها أو بعضه. بأن حصل في هوائه (غصن شجر غيره، أو) حصل في أرضه (عِرقّه) أي: عرق شجرة غيره: (لزمه) أي: لزم صاحب الغصن أو العرق (إزالته) إما برد ذلك إلى ناحية آخر ى، وإما بالقطع. سواء أثر ذلك ضررًا أو لم يؤثر؛ لأن ذلك إخلاء ملكه الواجب إخلاؤه والهواء تابع للقرار. فوجب إزالة ما يشغله.
стр. 2303
(وضمن) صاحب الغصن أو العرق (ما تلف به بعد طلب)؛ لأنه لما طلب
منه إخلاء ملكه من ذلك فلم يفعل صارمتعدياً.
وبناه في " المغني " على مسألة ما إذا مال حائطه فلم يهدمه حتى أتلف شيئاً. وستاًتي المسألة إن شاء الله تعالى في باب الغصب مفصلة بما فيها من الخلاف.
(فإن أبى) صاحب الغصن أو العرق أن يزيله من هواء غيره أو أرضه: (فله) أي: لصاحب الهواء أو الأرض (قطعه) أي: قطع الغصن أو العرق إذا لم يمكنه إزالته إلا بذلك؛ كما لو دخلت بهيمة غيره إلى ملكه بغير إذنه ولم يمكنه آخر اجها إلا بإتلافها. ولا غرم في هذه الحالة؛ لأن الإنسان لا يلزمه إقرار مال غيره في ملكه بغير رضاه.
و (لا) يصح (صلحه) أي: مالك الغصن والعرق (ولا) صلح (من مال حائطه أو زَلِقَ خشبه إلى ملك غيره عن ذلك) أي: عن جميع ما تقدم ذكره بأن يبقى (بعوض)؛ لأن شغل ذلك لملك الآخر لا ينضبط.
وفيه وجه: يصح مطلقاً.
وقيل: إن كان الغصن رطباً لم يصح؛ لزيادته في كل وقت، وإن كان يابساً
فإن كان معتمدا على حائط ونحوها صح، وإن كان في الهواء فلا؛ لأنه تابع للهواء المجرد.
(وإن اتفقا) أي: صاحب الغصن وصاحب الحائط أو الهواء على (أن الثمرة له أو بينهما: جاز)؛ لأن الصلح على الثمره أو بعضها أسهل من القطع، (ولم يلزم) إذ لزومه يؤدي إلى ضرر مالك الشجر؛ لتأبد استحقاق الثمرة عليه، أوإلى ضرر مالك الهواء؛ لتأبيد بقاء الغصن في ملكه.
وكذا الحكم إن اتفقا على أن ما ينبت من عروق الشجر الممتدة في أرضه؛ كعروق العنب لصاحب الأرض أو بينهما.
(وحرُم آخر اج دُكان) بضم الدال (ودَكة) بفتحها.
стр. 2304
قال في " القاموس ": والدّكة بالفتح والدُّكان بالضم: بناء يُسَطح أعلاه للمقعد.
وقال في موضع آخر: والدكان كرُمان الحانوت. معرّب.
وقال في محل آخر: والمِصطبة بكسر الميم؛ كالدكان للجلوس عليه بأن يبنى مصطبة.
(بـ) طريق (نافذ)؛ لأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه؛ كغير النافذ.
ولا فرق بين أن يضر بالمدة أو لا؛ لأنه إن لم يكن حالا فقد يضر مآلاً.
ولا فرق بين أن يأذن الإمام في ذلك أو لا؛ لأنه ليس له أن يأذن فيما ليس فيه مصلحة، لا سيما إدا احتمل ان يكون مضراً.
(فيضمن ما تلف به) أي: بالدكان.
(وكذا) أي: وكالدكان في الحكم المتقدم ما عدا ما يستثنى (جَناح) وهو: الرّوْشن على أطراف خشب مدفونة في الحائط.
(وساباط) وهو: المستوفي للطريق على جدارين، (وميزاب. إلا بإذن إمام أو نائبه)؛ لأنه نائب المسلمين. فجرى مجرى إذنهم في الطريق النافذ. ويدل على كون اللإمام له ذلك ما روى أحمد " أن عمر اجتاز على دار العباس رضي الله تعالى عنهما وقد نصب ميزاباً الى الطريق. فقلعه. فقال: تقلعه وقد نصبه رسول الله ﷺ بيده. فقال: والله! لا تنصبه إلا على ظهري. فانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه ".
ولأن العادة جارية به.
ومحل ذلك: حيب وقع (بلا ضرر، بأن يمكن عبور محمّل) من تحته.
وقيل: بحيث إذا سار تحته الفارس ورمحه منصوب لا يبلغه.
وعلم مما تقدم أنه لا يجوز فعل ذلك بغير إذن الإمام؛ لأنه لا يأذن في ذلك حتى ينظر هل فيه ضرر أو لا.
стр. 2305
وليس له الإذن فيما فيه ضرر بسد ضوء أو نحوه.
(ويحرم) فعل (ذلك في ملك غيره أو هوائه) أي: هواء غيره، (أو) في (دَرْب غير نافذ، أو فتح باب في ظهر دار فيه) أي: في درب غير نافذ (لاستطراق. إلا بإذن مالكه) إذا فعله في ملك غيره، (أو أهله) أي: أهل الدرب الذي غير نافذ إذا فعله فيه.
أما كون فعل ذلك لا يجوز في ملك غيره أو هوائه؛ فلأنه نوع تصرف في ملك الغير يتضرر به. فلم يجز إلا بإذن مالكه.
وأما كونه لا يجوز في درب غير نافذ إلا بإذن أهله؛ فلأن الدرب ملك لقوم معينين. فلم يجز إلا بإذنهم؛ لأن الحق لهم.
(ويجوز) أن يفتح الباب من ظهر داره في درب غير نافذ (لغير استطراق)؛ كالضوء والهواء؛ لأنه لا ضرر على أهل الدرب في ذلك؛ لأن الحق لأهله في الاستطراق، ولم يزاحمهم فيه.
ولأن غايته أنه (١) تصرف في ملك نفسه برفع بعض حائطه. وفيه وجه.
ووجهه: أنه ربما يستدل به مع تقادم السنين على حق الاستطراق.
(و) يجوز فتح ذلك (في) زقاق (نافذ)؛ لأنه ارتفاق بما لم يتعين له مالك ولا إضرار بذلك على المجتازين.
(و) يجوز (صلح عن ذلك) أي: عن آخر اج الجناح أو الساباط أو الميزاب في هواء غيره، أو الدكان أو الدكة في أرض غيره، أو عن استطراق في درب غير نافذ (بعوض)؛ لأن ذلك حق للمالك الخاص ولأهل الدرب. فجاز أخذ العوض عنه؛ كسائر الحقوق.
(و) يجوز (نقل باب في) درب (غير نافذ) من آخر هـ (إلى أوله)؛ لأن
في ذلك تركاً لبعض حقه في الاستطراق فلم يمنع عنه.
ومحل ذلك: حيث كان (بلا ضرر؛ كـ) كون فتحه في (مقابلة باب
стр. 2306
غيره، ونحوه)، كفتحه عاليا يصعد إليه بسلم يشرف منه على دار غيره.
(لا) نقله (إلى داخل) منه نصا. (إن لم يأذن من فوقه) أي: من هو داخل عنه تلقاء صدر الزقاق " لأنه تقدم إلى موضع لا استطراق له فيه. فلم يجز إلا بإذن أهله. وفيه وجه.
وظاهر نقل يعقوب: يجوز أن يسد الأول، واختاره ابن أبي موسى.
(و) حيث أذن من فوقه (يكون إعارة).
قال في " الفروع ": في الأشبه. انتهى.
قلت: لكن ليس للاذن الرجوع بعد فتح الداخل وسد الأول قياساً على ما
قالوه فيما إذا أذن صاحب حائط لجاره في البناء عليه، أو وضع سترة، أو خشبة عليه في الموضع الذي لا يستحق وضعه فيه؛ لأن في الرجوع إضرار به. فلو سد الباب الداخل مالكه ثم أراد فتحه لم يملك ذلك إلا بإذن مستأنف، لأن المنع إنما كان لما فيه من الضرر وقد زال بغير فعل المعير. أشبه ما لو أعار أرضاً للغرس فغرسها ثم زال الغرس بفعل المستعير. فإنه لا يملك غرس بدله إلا بإعارة مستنفة. والله أعلم.
(ومن خرق بين دارين له) أي: للخارق (متلاصقتين) من جهة ظهريهما (باباهما في دربين مشتركين) أي: باب كل واحدة منهما في درب غير نافذ، (واستطرق) بسبب ما خرقه (إلى كل من ال آخر ى) أي: استطرق إلى هذه من هذه وإلى هذه من هذه: (جاز).
وفي المسألة وجهان مطلقان في " التلخيص " و" المحرر " و" الحاويين ".
قال الموفق: والأشبه الجواز.
قال في " النظم ": وهو الأقوى وجزم به في " المنور ".
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.
وجه ذلك: أنه إنما هو يستطرق من كل درب إلى داره التي فيه. فلا يمنع
من الاستطراق منها إلى موضع آخر، كما لو كانت دارا واحدة لها بابان. فإنة
стр. 2307
لا يمنع أن يدخل من واحد ويخرج من الآخر.
وعدم الجواز، قاله القاضي، وجزم به في " المذهب "، وقدمه ابن رزين
في "شرحه ".
وقال في " الرعاية الكبرى ": لم يجز في الأصح.
وقال في " الصغرى ": جاز في وجه.
وجه ذلك: أنه يجعل له حق في الاستطراق إلى مكان ليس من ذلك الدرب. فلا يجوز؛ كما لو فتح في ظهر داره باباً إلى الدرب واستطرق منه. (وحرُم) على كل مالك (أن يحدث بملكه ما) أي: شيئاً (يضر بجاره؛ كحمام) يتأذى جاره بدخانه، أو يضر ماوه حائطه، (وكنيف) يتأذى جاره بريحه، أو يصل إلى بئره، (ورحى) يهتز بها حيطانه، (وتنور) يتعدى دخانه إليه؛ لقول النبي ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " (١) . وهذا إضرار بجاره.
(وله) أي: للجار (منعه) أي: منع جاره (إن فعل) ذلك؛ (كابتداء إحيائه).
قال في " الفروع ": بإجماعنا. ذكره القاضي وغيره أي: كما له منعه من ابتداء إحياء ماجاوره؛ لتعلق مصالحه به.
وسيأتي الكلام على ذلك في باب إحياء الموات إن شاء الله تعالى.
(وكـ) ما له منعه من (دق وسقي يتعدى) إليه.
وعنه: ليس له منعه من (٢) ذلك في ملكه المختص به ولم يتعلق حق غيره. وكتعلية داره في ظاهر ما ذكره الموفق، ولو أفضى إلى سد الفضاء عن جاره. قاله الشيخ تقي الدين.
قال في " الفروع ": وقد احتج أحمد بالخبر: " لا ضرر ولا ضرار " (٣) فيتوجه منه منعه.
стр. 2308
وروى أبو حفص العكبرى في " الأدب " عن أبي هريرة مرفوعاً: " من حق الجار على الجار أن لا يرفع البنيان على جاره ليسد عليه الريح ".
قال شيخنا: وليس له منعه خوفاً من نقص أجرة ملكه بلا نزاع كذا قال. انتهى. (بخلاف طبخ وخبز فيه) أي: في ملكه. فلا يمنع منه؛ لأن ضرره يسير والحاجة داعية إليه، لا سيما بالقرى التي لا طباخ بها ولا خباز.
(ومن له حق ماء يجري على سطح جاره: لم يجز لجاره تعلية سطحه؛ ليمنع الماء)؛ لإبطال حقه بذلك. (أو لـ) كي (يكثر ضرره) أي: ضرر صاحب الحق في الماء بإجرائه على ما علاه. ذكره ابن عقيل وغيره للمضارة بذلك. (ويحرم) على الإنسان (تصرف في جدار جار، أو) جدار (مشترك) بين المتصرف وبين غيره (بفتح رَوْزَنة) متعلق بتصرف.
والروزنة: الكُوّة- بفتح الكاف وضمها-. وهي: الخرق في الحائط.
(أو) بفتح (طاق ِ).
قال في " القاموس " والطاق ما عطف من البنيان. انتهى.
قلت: ومن ذلك طاق القبلة.
(أو) بـ (ضرب وتد).
قال في " الفروع ": "ولو بسترة. ذكره جماعة. وحمل القاضي نصه يلزم الشريك النفقة مع شريكه على السترة: على سترة قديمة انهدمت. واختار في " المستوعب " وجوبها مطلقا على نصه.
(ونحوه) أي: ويحرم التصرف في الجدار المذكور بنحو ما تقدم؛ كجعل
رفّ فيه.
(إلا بإذن) من مالكه أو شريكه؛ لأنه انتفاع بملك غيره بما له قيمة بغير إذنه. فمنع منه؛ كالبناء عليه.
(وكذا) في الحكم إلا ما يستثنى (وضع خشب) على جدار جار أو
стр. 2309
المشترك، (إلا أن لا يمكن تسقيف إلا به) فيجوز (بلا ضرر). نص عليه.
قال في " الفروع ": ولم يعتبر ابن عقيل الحاجة، وأطلقه أحمد أيضاً
و" المحرر " وغيرهما، كعدمها دواماً. بخلاف خوف سقوطه، ولربه هدمه لغرض صحيح. انتهى.
(ويجبر إن أبى)؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لا يمنعن (١) جار جاره أن يضع خشبة على جداره. ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم " (٢) . متفق عليه.
ولأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضر. أشبه الاستناد إليه.
ويشترط القاضي وأبو الخطاب للجواز: أن يكون له ثلاث حيطان، ولجاره حائط واحد.
قال في " المغني ": وليس هذا في (٣) كلام أحمد. إنما قال في رواية أبي داود: لا يمنعه إذا لم يكن ضرر وكان الحائط يبقى.
وقال أيضاً: ولا فرق فيما ذكرنا بين البالغ واليتيم والمجنون والعاقل.
(وجدار مسجد كـ) جدار (دار) نصاً؛ لأنه إذا جاز في ملك الجار مع أن
حقه مبني على الشح والضيق. ففي حقوق الله تعالى المبنية على المسامحة والمساهلة أول.
وفيه رواية نقلها أبو طالب وخرج أبو الخطاب (٤) منها وجهاً للمنع من وضع الخشب في ملك الجار؛ لأنه إذا منع من وضع الخشب في الجدار المشترك بين المسلمين- وللواضع فيه حق-. فلأن يمنع من الملك المختص بغيره أولى.
стр. 2310
فإن قيل: فلم لا تجيزون فتح الطاق والباب في حائط الجار بالقياس على
وضع الخشب؟
فالجواب: أن الخشب يمسك الحائط. بخلاف الطاق والباب فإنه يضعفه؛ لأنه يبقى مفتوحا في الحائط والذي يفتحه للخشبة يسده بها.
ولأن وضع الخشب تدعو الحاجة إليه. بخلاف غيره.
ومتى زال الخشب بسموط أو قلع، أو سقط الحائط ثم أعيد والسبب المجوز لوضعه باق: فله إعادته.
وإن خيف سقوط الحائط باستمراره عليه لزمه إزالته؛ لأنه يضر بمالك الجدار.
وإن استغنى رب الخشب عن إبقائه عليه لم يلزمه إزالته؛ لأن فيها ضررا بصاحبه، ولا ضرر على صاحب الحائط بإبقائه.
ولو أراد رب الجدار الذي استحق جاره وضع خشبه عليه هدمه لغير حاجة،
أو إعارته، أو إجارته على وجه يمنيع هذا المستحق من وضع خشبه: لم يملك ذلك؛ لما فيه من تفويت حق ذي الخشب.
وإن احتاج إلى هدمه للخوف من انهدامه، أو لتحويله إلى مكان آخر، أو
لغرض صحيح: ملك ذلك " لأن صاحب الخشب إنما ثبت حقه للإرفاق به، مشروطا بعدم الضرر بصاحب الحائط. فمتى أفضى إلى الضرر زال
الاستحقاق؛ لزوال شرطه.
فرع:
من وجد بناءه أو خشبه على حائط جاره أو مشترك ولم يعلم سببه فمتى زال فله
إعادته " لأن الظاهر [أن هذا الوضع بحق. فلا يزول هذا الظاهر حتى يعلم خلافه. وكذا لو وجد مسيل مائه في أرض غيره، أو مجرى ماء سطحه على سطح غيره
وما أشبه هذا فهو له؛ لأن الظاهر] (١) أنه له بحق. فجرى ذلك مجرى اليد الثابتة.
стр. 2311
وإذا اختلفا في ذلك هل هو بحق أو بعدوان؟ فالقول قول صاحب الخشب والبناء والمسيل مع يمينه؛ لأن الظاهر معه.
(وله) أي: ولغير مالك الجدار (أن يستند) إليه (ويسند قماشه) إليه، (وجلوسه في ظله) من غير إذن مالكه؛ لأن هذا لا مضرة فيه، والتحرز منه يشق. وفي " النهاية " في منعه: احتمالان.
(ونظره) أي: وللإنسان أن ينظر إلى ما ينتفع بالنظر إليه (في ضوء سراج غيره) بغير إذنه؛ لما تقدم. نص عليه في رواية جعفر.
ونقل المروذي: يستأذنه أعجب إلي. فإن منعه حاكمه.
(وإن طلب شريك في حائط) انهدم (أو سقف) فيما بينهما مشاعا، أو بين
سفل أحدهما وعلو الآخر (انهدم شريكه) فيه، (ببناء معه) أي: مع الطالب: (أجبر) على البناء معه نصا. نقله الجماعة.
قال في " الفروع ": اختاره أصحابنا.
(كنقض) أي: كما يجبر على نقضه معه (عند خوف سقوط) للحائط أو السقف، وكما يجبر على القسمة؛ لقوله ﵊: " لا ضرر ولا ضرار" (١) . وعنه: لا يجبر. لكن لشريكه بناؤه ومنعه مما كان له عليه من طرح خشب
أو غيره.
ويمنع أيضاً في صورة السقف من سكنى السفل في ظاهر قول (٢) قاله في
" المحرر "؛ لأنه ملك لا حرمة له في نفسه. فلم يجبر مالكه على الإنفاق عليه؛ كما لو انفرد. وفارق القسمة؛ لأنها لدفع الضرر عنهما بما لا ضرر فيه، والبناء فيه ضرر؛ لما فيه من الغرامة، والضرر لا يزال بمثله. وقد يكون الممتنع لا نفع له في الحائط، أو يكون الضرر عليه أكثر من النفع، أو يكون معسرا.
ورد ذلك: بأن عدم حرمة الملك إن لم توجب ذلك. فحرمة شريكه الذي
стр. 2312
يتضرر بترك البناء توجب ذلك. وفارق البناء المفرد من حيب: إنه لا يفوت به حق ولا يتضرر به.
وقولهم: الضرر لا يزال بالضرر مدفوع بما روى أبو حفص العكبري عن
أبي هريرة مرفوعا: "من حق الجار أن لا يرفع البنيان على جاره ليسد عليه الريح ". وقولهم: قد يكون الممتنع. . . إلى آخره ينتقض بوضع خشبه عليه.
وأما المعسر فلا قائل بإلزامه مع عسرته.
(فـ) على المذهب: (إن أبى) الشريك أن ينفق معه على ذلك: (أخذ حاكم) ترافعا إليه (من ماله) النقد، وانفق مع الشريك بقدر حصة الممتنع. (أو باع) الحاكم (عرضه) أي: عرض الممتنع إن لم يقدر على النقد (وأنفق) من ثمنه مع الشريك ما يخصه من النفقة.
(فإن تعذر) على الحاكم ذلك بأن غيب ماله أو نحوه: (اقترض) الحاكم (عليه)، لأن هذا من شأن الحاكم.
(وإن بناه) الشريك (بإذن شريك، أو) بإذن (حاكم، أو) بدون إذنهم
(ليرجع) حال كون ما يبنيه (شركة: رجع)، لوجوبه على المنفق عنه.
(و) إن بناه الشريك (لنفسه بآلته) أي: آلة المنهدم: (فـ) المبني (شركة) بينهما على قدر الحصص كما كان، لأن البانى إنما أنفق على التأليف وذلك أثر لا عين ملكها، وحينئذ فليس له منع شريكه من الانتفاع به قبل أخذ نصف نفقة تأليفه في الأشهر، كما أنه ليس له نقضه. صرح به في " النهاية ". وقيل: يملك منعه حتى يؤدي ما خصه من الغرامة.
قال في " المبدع ": وينبغي أن يؤدي الأجرة، إذ لو لم يكن كذلك لأدى إلى ضياع حق الشريك.
ولأنه إذا أجبر على العمل. فكذا يجبر على وزن أجرة البناء.
(و) إن بناه (بغيرها) أي: بغير آلته: (فله) أي: فالمبني للبانى خاصة. (وله) أي: لبانيه (نقضه)، لأنه ملكه (لا إن دفع) له (شريكه نصف قيمته)
стр. 2313
فلا يملك نقضه " لأنه لما كان الشريك يجبر على البناء أجبر على الإبقاء.
وإن أراد غير الباني نقضه أو إجبار بانيه على نقضه: لم يكن له ذلك؛ لأنه
إذا لم يملك منعه من بنائه. فلئلا يملك إجباره على نقضه أولى.
وإن قال له من له على الحائط رسم انتفاع ووضع خشب: إما أن تأخذ مني نصف قيمته وتمكني من انتفاعي ووضبع خشبي، وإما أن تقلع حائطك لنعيد البناء بيننا (١) : لزمه إجابته؛ لأنه لا يملك إبطال رسومه وانتفاعه.
وإن لم يرد الانتفاع به فطالبه البانى بالغرامة أو القيمة: لم يلزمه ذلك، لأنه
إذا لم يجبر على البناء فأولى أن لا يجبر على الغرامة. إلا أن يكون قد أذن في البناء والإنفاق فيلزمه ما أذن فيه.
(وكذا) أي: وكالحائط المشترك إذا انهدم في كون الشريك يجبر على العمارة مع شريكه فيه على التفصيل فيه وفي حكم النفقه: (إن احتاج لعمارة نهر، أو بئر، أو دولاب، أو ناعورة، أو قناة مشتركة).
وفيما ذكر أيضاً روايه: أن الشريك لا يجبر على العمارة مع شريكه.
وقال ابن أبي موسى: يجبر هنا قولا واحدا، وحكى الروايتين في الحائط.
قال في " القواعد ": والفرق أن الحائط يمكن قسمته. بخلاف القناة والبئر.
(ولا يمنع شريك من عمارة) في ذلك كالحائط.
(فإن فعل) أي: فإن عمره (فالماء) أي: ماء النهر والبئر الذي بينهما (على الشركة) كما كان. فليس للمعمر منعه ممن لم يعمر؛ لأن الماء ينبع من ملكيهما. وإنما أثر أحدهما في نقل الطين منه، وليس له فيه عين مال. فأشبه الحائط إذا بناه بآلته.
والحكم في الرجوع بالنفقة، كما مضى في الحائط.
(وإن بنيا) أي: الشريكان (٢) (ما بينهما نصفين) من حائط أو غيرها (٣) (والنفقه) منهما (كذلك) أي: نصفين (على أن لأحدهما أكثر) من الآخر؛
стр. 2314
ككون لأحدهما ثلاثه أرباعه (١) وللآخر الربع، أو له الثلثان وللآخر الثلث: لم يصح " لأنه يصالح على بعض ملكه ببعض. فلم يصح؛ كما لو أقر له بدار فصالحه على سكناها.
(أو) بنياه على (أن كلا منهما يحمله ما احتاج: لم يصح) أيضاً؛ لجهالة الحمل، (ولو وصفا الحمل).؛ لأنه لا ينضبط.
وفيه وجه: يصح مع الوصف.
(وإن عجز قوم عن عمارة قناتهم، أو نحوها)؛ كنهرهم، (فأعطوها لمن يعمرها، ويكون له منها جزء معلوم)، كثلث أو ربع: (صح). نص على ذلك في القناة.
سأله حرب: قوم لهم في قناة حق فعجزوا عنها فاً عطوها رجلا ليعمرها لهم
وله منها الثلث أو الربع؛ قال: أرجو أن لا بأس.
قال في " الفر وع ": ويتوجه الروايتان.
(ومن له علو) من محلين ولآخر سفله، (أو) له (طبقة ثالثة) من ثلاث لساكن بعضها فوق بعض. فانهدم السفل من المكانين [أو السفل] (٢) أو الوسط أو هما من الثلاثة: (لم يشارك) صاحب العلو (في) النفقة على (بناء انهدم تحته). سواء كان سفلا أو وسطا.
وكذا من له وسط لا يشارك في بناء أسفل، وذلك أن الحيطان إنما تبنى لمنع. النظر، والوصول إلى الساكن. وهذا يختص به صاحب السفل دون من فوقه. فكان عليه بناوه وحده، كما لو كان العلو أيضاً له.
(وأجبر عليه) أي: على بناء السفل (مالكه)؛ لما تقدم.
وعنه: لا يجبر.
وعنه: يشاركه صاحب العلو فيما يحمله.
وعنه: في مسأله الثلاثة أماكن التي بعضها فوق بعض: أنه يشترك صاحب
стр. 2315
العلو وصاحب الوسط وصاحب السفل في بناء السفل، وأنه يشترك صاحب العلو وصاحب الوسط في بناء الوسط. وكذا الطبقة الرابعة فأكثر وصاحب الوسط (١) مع من تحته كمن فوقه معه. فإن بنى رب العلو ففي منعه رب السفل الانتفاع بالعرصة قبل أخذ القيمة: احتمالان.
قال في " الإنصاف ": قلت: الأولى المنع.
(ويلزم الأعلى سترة) أي: بناء سترة (تمنع مشارفة الأسفل)؛ لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " لا ضرر ولا ضرار. وللرجل أن يضع خشبة في حائط جاره، وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع " (٢) . رواه أحمد وابن ماجه. والإشراف على الجار إضرار (٣) به؛ لأنه يكشف جاره ويطليع على حرمه.
فمنع منه؛ نفيا للضرر.
(فإن استويا) بحيث لم يكن أحدهما أعلا من الآخر: (اشتركا)؛ لأنه
ليس أحدهما أولى من الآخر بالسترة. فلزمتهما.
فإن امتنع أحدهما من البناء مع الآخر أجبر؛ لأنه حق لزمه لتضرر (٤) جاره بمجاورته له من غير سترة. فأجبر عليه مع الامتناع؛ كسائر الحقوق.
(ومن هدم بناء له) أي: للهادم (فيه جزء) ولو قل: (إن) كان (خيف سقوطه: فلا شيء عليه) لشريكه بسبب ذلك؛ لوجوب هدمه إذا.
(وإلا) أي: وإن لم يخف سقوطه (لزمته إعادته) كما كان؛ لتعديه على حصة شريكه. ولا يمكن الخروج من عهدة ذلك إلا بإعادة جميعه.
والله أعلم.
* **