(فصل): في حكم تصرفات الغاصب
وغير ذلك.
(وحرم تصرف غاصب) وكذا غيره ممن يعلم الحال (في مغصوب، بما)
أي: بفعل (ليس له حكم من صحة وفساد) أي: بما لا يوصف بصحة ولا
بفساد، (كإتلاف) للمغصوب، (وإستعمال) له، (كلبس، ونحوه)،
كاستخدام، وكذبح المغصوب بآلة مغصوبة.
ولا يحرم بذلك المأكول على الأصح. وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك في
باب الذكاة إن شاء الله تعالى.
(وكذا) أي: وكما يحرم تصرف الغاصب في المغصوب بما ليس له حكم
من صحة وفساد يحرم (بما له حكم) أي: بما يوصف بأنه صحيح تارة وفاسد
اخرى (١) ، وذلك (كعبادة)، بان يتوضأ بالماء المغصوب، أو يتيمم بالتراب،
أو يصلي في الثوب المغصوب أو في الدار المغصوبة، أو يخرج الزكاة من المال المغصوب، أو يحج منه ونحو ذلك. بخلاف عبادة لا تحتاج إلى شيء من نحو
ذلك، كالصوم والذكر والاعتقاد فإنها لا مدخل لها فيها في باب الغصب.
(وكعقد)، كما لو باع المغصوب أو أجره أو أعاره أو وهبه.
(ولا يصحان) أي: عبادة الغاصب على الوجه المذكور ولا عقده فيكونان
باطلين مطلقا على الصحيح.
قال في " الفروع " في كتاب البيع: اختاره الأكثر.
وعنه: انها صحيحة.
стр. 2802
قال الشارح: وهذا ينبغي ان يتقيد بالعقود (١) بما لم يبطله المالك، فأما إن
اختار المالك إبطاله فأخذ المعقود عليه ولا نعلم فيه خلافا. وأما ما لم يدركه
المالك فوجه " التصحيح " فيه: أن الغاصب تطول مدته وتكثر تصرفاته، ففي
القضاء ببطلانها ضرر كثير وربما عاد الضرر على المالك فإن الحكم بصحتها يقتضي كون الربح للمالك والعوض بنمائه وزيادته، والحكم ببطلانها يمنع
ذلك. انتهي.
وعنه: أن تصرفاته بالعقود موقوفة على إجازة المالك.
(وإن اتجر) غاصب (بعين مغصوبة أو) عين (ثمنه)، بأن اشترى بذلك
وباع وحصل ربح، أو اشترى بذلك شيئا وظهر منه ربح وهو باق: (فالربح وما اشتراه ولو) كان الثمن الذي اشتراه به (في ذمته بنية نقده) أي: بنية أن ينقد
البائع عين المغصوب أو ثمنه، (ثم نقده) أياه: يكونان (لمالك) دون غاصب.
وظاهره: سواء قلنا بصحة الشراء أو ببطلانه لإطلاق الأكثر. وهو ظاهر ما
قدمه في" الفروع ". وعبارته: ولو اتجر بالنقد فربحه لربه. نقله الجماعة،
واحتج بخبر عروة بن الجعد (٢) .
قال الجماعة منهم صاحب" الفنون " و" الترغيب ": إن صح الشراء نقل
حرب في خبر عروة إنما جاز لأن النبي ﷺ جوزه له.
وعنه: يتصدق به. وكذا ان اشترى في ذمته.
وقال صاحب " المحرر ": بنية نقده.
وعنه: ربحه له وله الوطء. نقله المروذي.
فعلى هذا إن أراد التخلص من شبهة بيده اشترى في ذمته ثم نقدها. وقاله
القاضي وابن عقيل وذكره عن أحمد. انتهي.
стр. 2803
أما كون الربح للمالك في صورة الشراء بعين المغصوب، فلأنه نماء ملكه.
وأما (١) كونه للمالك في صورة الشراء في الذمة، فلأن نية نقد المغصوب
قامت مقام الشراء بعينه.
ولأنه يلزم من القول بأنه للغاصب بأن يتخذ ذلك طريق إلى تملك ربح مال
الغير بغصبه ودفعه ثمنا عما يشتريه في ذمته.
ولأنه حيث تعين (٢) جعل الربح للغاصب أو المالك: كان المالك أولى،
لأنه في مقابلة نفع ماله الذي فاته.
وعنه: فيما إذا اشترى في ذمته ثم نقدها إن الربح للمشتري ويكون عليه بدل المغصوب.
وعنه: يتصدق به. نقلها الشريف، لوقوع الخلاف فيه.
وقولي: بنية نقده تبعت فيه صاحب " المحرر " و" الوجيز " و" المنور "
وصاحب " التذكرة "، لما ظهر لي أنه مراد من اطلق. ومما يوضح ذلك: أن
الشارح نقل هذه العبارة عن صاحب " المحرر " في معرض الاستدلال
للمذهب، ولم نعهد له نقلا (٣) عنه في غير هذه المسألة فإنه ذكر في المسألة
احتمالين، ثم قال عن الثاني الذي هو المذهب: وهذا هو المشهور في
المذهب.
قال صاحب " المحرر ": إذا اشترى في ذمته بنية نقدها فقوله.
قال صاحب " المحرر ": وكذا يدل على اعتباره عنه؟ لأنه إذا اشترى لنفسه
شيئا في ذمته ولم ينو إقباض ثمنه من المال المغصوب كان بمثابة من اشترى شيئا بدينار في ذمته ثم باع ذلك الشيء بربح ثم غصب دينارا وأقبضه عما استحق في ذمته قبل غصبه. وغاية ذلك أن الإقباض غير مبرئ لفساده. أشبه ما لو دفعه عن
стр. 2804
بدل قرض في ذمته.
وظاهر ما تقدم صحة شراء الغاصب في ذمته.
قال في " الإنصاف ": وصحة العقد نص عليها في رواية المروذي.
وحكى القاضي في " التعليق الكبير " وجها: يكون العقد موقوفا على إجازة
المالك، إن أجازه صح وإلا بطل. قال: وهو أصح ما يقال في المسألة.
قال الحارثي: وهو مأخوذ من مثله في مسألة الفضولي. قال: وهو
مشكل. إذ كيف يقف تصرف الانسان لنفسه على إجازة غيره؟ انتهي.
ولو اتجر مودع بالوديعة فالربح لمالكها.
قال في " الإنصاف ": على الإصحيح من المذهب، ونص عليه في رواية
الجماعة، ونقل حنبل: ليس لواحد منهما ويتصدق به.
قال الحارثي: وهذا من أحمد مقتض لبطلان العقد، وذلك وفق المذهب
المختار في تصرف الغاصب وهو قوي. انتهي.
ولو قارض بالمغصوب أو الوديعة بأن أعطى ذلك الغاصب أو المودع لمن
يعمل فيه بجزء من ربحه: فالربح على ما تقدم. ولا شيء لعامل علم الحال،
وإن جهله فله مطالبة الغاصب أو (١) المودع بأجرة مثله.
(وإن اختلفا) أي: الغاصب والمالك (في قيمة مغصوب) تلف (أو
قدره، أو حدوث عيبه، أو صناعة فيه) باٌن قال المالك: كان العبد الذي
غصبتنيه وتلف عندك كاتبا، فقال الغاصب: لم يكن كاتبا.
(أو) اختلفا في (ملك ثوب) عليه، (أو) ملك (سرج عليه) أي: على
الحيوان المغصوب ولا بينه للمالك بما ينكره غاصب في جميع ما ذكر: (فقول غاصب) بيمينه، لأنه منكر. فلم يلزمه شئ لم تقم عليه به (٢) حجه.
стр. 2805
وكما لو ادعى عليه بدين وأنكر بعضه.
ولأن الأصل براءة الذمة في الزائد وعدم الصناعة في المغصوب وملك الثوب
أو السرج أو نحوهما لمن هو بيده.
(و) إن اختلفا (في رده) أي:. رد المغصوب إلى مالكه (أو) في وجود
(عيب فيه)، كما لو قال الغاصب: كان يبول في الفراش، أو كانت به سلعة،
أو كانت إبهامه مقطوعة أو نحو ذلك: (فقول مالك) بيمينه على نفي ذلك " لأن الأصل عدم الرد والعيب.
وإن اتفقا على أنه كان به عيب أو قامت به بينة، وقال الغاصب: غصبته وبه
العيب، وقال المالك: بل حدث عندك. فالقول قول الغاصب بيمينه " لأنه
غارم. والظاهر: أن صفة المغصوب لم تتغير.
وفيه وجه: قول المالك.
(ومن) أي: وأي انسان (بيده غصوب) لا يعرف اربابها.
ونقل الأثرم وغيره: أو علم رب المغصوب الذي بيده ويشق دفعه إليه وهو
يسير كحبه.
(أو) كان بيده (رهون) لا لعرف أربابها.
ونقل أبو الحارث: أو علم المرتهن رب المال (١) لكنه أيس منه.
(أو) كان بيده (أمانات)، كالودائع، (لا يعرف اربابها)، أو عرفهم
ولكنهم فقدوا وليس لهم ورثة، (فسلمهما) أي: سلم ما بيده مما تقدم ذكره
(إلى حاكم ويلزمه) أي: ويلزم الحاكم (قبولها: برى) من كانت عنده
تسليمها للحاكم (من عهدتها)، لأن قبض الحاكم لها قائم مقام قبض اربابها،
(وله) أى: ولمن بيده هذه الأشياء المذكورة إن لم يدفسها إلى الحاكم
(الصدقة بها).
стр. 2806
ونقل المروذي على فقراء مكانه أي: مكان الغاصب إن عرفه، لأن دية قتيل
يوجد عليهم.
ونقل صالح: أو بالقيمة، وله شراء عرض بنقد ولا يجوز في ذلك محاباة
قريب أو غيره (١) نصا، وظاهر نقل حرب في محاباة غير القريب الكراهة.
قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلامه في غير موضع.
(عنهم) أي: عن أربابها بدون إذن حاكم.
قال ابن رجب: قولا واحدا على أصح الطريقين.
وعلى الثانية: فيه روايتان وهي طريقة القاضي في " كتاب الرواتين " وفي
موضع من " المجرد "، وجزم في موضع اخر منه يتوقف التصرف على إذن الحاكم. والأولى أصح. انتهي.
ثم قال عقب مسألة الغصوب: وكذلك حكم المسروق ونحوه. نص عليه،
وكلامه (٢) المنقول أولا فيما هو أعم.
(بشرط ضمانها) لأربابها، لان الصدقة بدون الضمان إضاعة لمال المالك
لا على وجه بدل وهو غير جائز.
ونقل المروذي: تعجبني الصدقة به.
وفي " الغنية ": عنيه ذلك.
والمذهب: أنه مخير بين أن يدفعه للحاكم أو يتصدق به بشرط الضمان.
(كلقطة) حرم التقاطها] أو لم يعرفها] (٣) .
(ويسقط عنه) أي: عن الغاصب أو السارق (إثم الغصب) أو السرقة، لأنه
معذور بعجزه عن الرد لجهله بالمالك. فإذا تصدق بها عن أربابها كان ثوابها لهم.
стр. 2807
ولأن في الصدقة جمعا بين مصلحة الغاصب ونحوه بتبرئة ذمته ومصلحة
المالك بتحصيل الثواب له.
ولأن قضاء الحقوق في الآخرة بالحسنات وحمل السيئات. فإذا طلب من
بيده شيء عوضه أحالهم بثواب الصدقة.
وإذا تصدق بالمال من كان بيده ثم حضر. المالك: خير بين الأجر وبين
الأخذ من المتصدق، فان اختار الأجر فذاك وإن اختار الأخذ فله ذلك والأجر
للغارم. نص عليه في الرهن. قاله الحارثي.
قال في "الفروع " ولم يذكر اصحابنا غير الصدقة. ونقل إبراهيم بن هانئ:
يتصدق أو يشتري به كراعا أو سلاحا يوقف. هو مصلحة للمسلمين (١) .
وسأله جعفر عمن بيده أرض أو كرم ليس أصله طيبا ولا يعرف ربه، قال:
يوقفه على المساكين.
وسأله المروذي عمن مات وكان يدخل في أمور تكره فيريد بعض ولده
التنزه، فقال: إذا وقفها علي المساكين فأي شيء بقي عليه؟. واستحسن أن
يوقفها على المساكين (٢) . ويتوجه على أفضل البر. انتهي.
(وليس له) أي: وليس لمن قلنا إن له أن يتصدق بالأشياء التي في يده عن
أربابها (التوسع بشيء منها، وإن) كان (فقيرا) أي: من أهل الصدقة. نص
عليه.
فائدة:
فال ابن رجب في القاعدة السابعة والتسعين بعد ذكره مسألة التصدق
بالغصوب التي جهل ربها: تنبيهان:
أحدهما: الديون المستحقة، كالأعيان يتصدق بها عن مستحقيها. نص
عليه. مع أنه نص على أن من قال لغريمه: تصدق عني بديني الذي عليك لم يبرأ
стр. 2808
بالصدقة عنه. ولو وكله في قبضه من نفسه حيب لم يتعين المدفوع ملكا له، فإن
الدين لا يتعين ملكه فيه بدون قبضه أو قبض وكيله.
وفرق القاضي في " خلافه " بين أن يكون المأمور بالدفع إليه معينا أو غير
معين. فإن كان معيناً برئ بالدفع إليه، كالوكيل.
وخرج في " المجرد " المسألة على بيع الوكيل من نفسه نظرا إلى أن العلة هي القبض من نفسه حيث وكله المالك في التعيين والقبض وقد أطلق هاهنا جواز
الصدقة عنه، فأما ان يكون هذا رواية ثانية بالجواز مطلقا أو محمولا على حال (١) تعذر وجود المالك أو وكيله وهو الأقرب. وكذلك نص في رواية أبي طالب:
فيمن عليه دين لرجل وقد مات وعليه ديون للناس، يقضى عنه دينه بالدين الذي عليه: أنه يبرأ به (٢) في الباطن.
والثاني: إذا أراد من بيده عين جهل مالكها ان يتملكها ويتصدق بقيمتها عن
مالك، فنقل صالح عن أبيه الجواز فيمن اشترى اجرا وعلم أن البائع باعه ما لا يملك ولا يعرف له أربابا: أرجو أن أخرج قيمة الاجر فتصدق به أن ينجو من إثمه.
وقد يتخرج فيه خلاف من جواز شراء الوكيل من نفسه. ويشهد له اختلاف
الرواية عنه فيمن له دين وعنده به رهن وانقطع خبر صاحبه وباعه هل له أن يستوفي دينه منه ويتصدق بالفاضل أم يتصدق به كله؟ على روايتين " لأن فيه استيفاء للحق بنفسه من تحت يده. واختار ابن عقيل جوازه مطلقا. وخرجه من بيع الوكيل من نفسه ومن مواضع أخر. انتهي.
(ومن لم يقدر على) أن ياًكل من (مباح) بأن عدم المباح: (لم يأكل من
حرام ما) أي: شيئا (له غنية عنه، كحلوى، ونحوها)، كفاكهة (٣) .
قال في " الفروع " وإن لم ييق درهم مباح ففي " النوادر " يأكل عادته لا ما له
стр. 2809
عنه غنية، كحلوى وفاكهة (١) .
واقتصر عليه. ولعل وجه ذلك: أنه لما لم- يقدر على غيره أبيح له الأكل منه
بقدر الحاجة فقط إذ لا داعي الى الزيادة. والله أعلم.
(ولو نوى) إنسان (جحد ما بيده من ذلك) أي: من المغصوب (٢) أو
الأمانات أو ما في معناهما.
(أو) نوى جحد (حق) أي: دين (عليه في حياة ربه) أي: رب ما نوي
جحده: (فثوابه له) أي: لربه، لأن نية جحده قائمة مقام إتلافه إذا. فكانه لم
ينتقل لورثة ربه بموته فكان ثوابه له.
(وإلا) أي: وإن لم ينو جحده حتى مات ربه: (ف) ثوابه (لورثته).
نقله ابن الحكم، لأنه إنما عدم عليهم.
(ولو ندم) غاصب على فعله وقد مات المغصوب منه، (ورد ما غصبه على
الورثة: برئ من إثمه) أي: إثم المال المغصوب، لانه وصل إلى مستحقه.
(لا من إثم الغصب).
قال في " الفروع " نقله حرب. وعند شيخنا: له مطالبته لتفويته الإنتفاع به
حياته، كما لو مات الغاصب فرده وارثه. ونقله حنبل.
قال شيخنا: ولو حبسه عند وقت حاجته، كمدة شبابه ثم رده في مشيبه
فتفويت تلك المنفعة ظلم يفتقر إلى جزاء.
وقال ابن عقيل- وأظن والقاضي أيضا-: معنى رواية حرب: " برئ من إثم
ذلك ": برئ من إثم الغصب وبقي إثم ما ادخل على قلب مالكه من ألم الغصب ومضرة المنع من ملكه مدة حياته فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة.
وذكر أبو يعلى الصغير أن بالضمان والقضاء بلا توبة يزول حق الآدمي ويبقي
стр. 2810
مجرد حق الله] ] (١) .
نقل عبدالله: فيمن ادان على أن يؤديه فعجز: هذا أسهل من الذي اختان.
وان مات على عدمه فهذا واجب عليه.
قال شيخنا: يرجى ان يقضيه الله عنه.
وقال جده: لا يطالب به في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال أبو يعلى الصغير: بما يقتضي أنه محل وفاق. انتهي.
(ولو) مات الغاصب والمغصوب عنده ثم (رده ورثة غاصب) إلى ورثة
المغصوب منه: (فلمغصوب منه مطالبته) أي: أن يطالب الغاصب بما غصبه
منه (في الآخرة)، لأن المظالم لو انتقلت لما استقر لمظلوم حق في الآخرة.
ولأنها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها برد ولا تبرئة، فلم تسقط عنه برد
غيره لها إلى غير المظلوم. أشبه ما لو نجهل ورثة الغاصب المغصوب منه
فتصدقوا بالغصب على اجنبي. والله أعلم.
стр. 2811
(فصل): فيما يضمن به المال من غير غصب
(ومن أتلف ولو سهوا، مالا محترما لغيره) أي: غير المتلف (بلا إذنه)
أي: إذن المالك (ومثله) أي: المتلف (يضمنه)، كما لو كان المتلف مكلفا
ملتزما والمال لمعصوم غير ابنه: (ضمنه) أي: ضمن المتلف ما أتلفه.
قال في " الشرح ": لا نعلم في ذلك خلافا، لأنه فوته عليه. فوجب عليه
ضمانه، كما لو غصبه فتلف عنده.
واحترز بالمال عن الكلب والسرجين النجس ونحوهما. وبالمحترم عن
الصليب والات اللهو، كالمزمار والطنبور (١) ونحوهما. وبقوله: لغيره عما هو
لنفسه. وبقوله: بلا إذنه عما أذن مالكه المطلق التصرف (٢) في إتلافه فإن
المتلف يكون حينئذ وكيلا عن مالكه في الإتلاف. وبقوله: ومثله يضمنه عما
يتلفه أهل العدل من مال أهل البغي، وعكسه حال الحرب، وعما يتلف المسلم
من مال الحربي والحربي من مال المسلم، وعما يتلفه الصغير والمجنون من مال
دفعه إليهما مالكه (٣) ، وعما يتلفه الأب من مال ولده، وعما يتلفه دفعا عن
نفسه، كما لو صال عليه رقيق أو بهيمة لمعصوم. وسيأتي الكلام في المتن على معنى ذلك.
(وإن اكره) إنسان على إتلاف مال غيره المضمون: (فمكرهه، ولو على
إتلاف مال نفسه) ضامن لما أكرهه على إتلافه، كما لو أكرهه على ما ليس
بإتلاف كإكراهه على دفع الوديعة إلى غير ربها.
قال في " الفروع ": ويرجع في الأصح مع جهله.
стр. 2812
وقيل: وعلمه، لإباحة إتلافه ووجوبه. بخلاف قتل، ولم يختره.
بخلاف مضطر.
وقيل: الضمان على المتلف وحده، كما لو اضطر إلى طعام غيره فأكله.
قال ابن رجب: وهذا ضعيف جدا، لأن المضطر لم يلجئه إلى الإتلاف من
يحال الضمان عليه.
وقيل: الضمان بينهما لاشتراكهما في الإثم.
وهذا تصريح بأن الإكراه لا يبيح مال الغير. وهو مخالف لما ذكره صاحب
" الفروع" ولعل المسألة ذات وجهين. والله أعلم.
و (لا) يضمن المال إذا كان (غير محترم) بإتلاف، (كـ) إتلاف حيوان
(صائل) لم يندفع بدونه، (ورقيق حال قطعه الطريق، ومال حربي،
ونحوهم)، [كما لوقاتل عبد مع بغاة فقتله] (١) اهل العدل.
وهذا وإن كان قد علم إجمالا من مفهوم ما تقدم، ففيه تنبيه على صور من
غير المحترم.
(وإن فتح) انسان (قفصا عن طائر) يملكه من يضمن الفاتح إتلاف ماله،
أو فتح اصطبل حيوان له.
(أو حل قيد قن) له، (أو أسير، أو دفع لأحدهما) أي: القن أو الأسير
(مبردا قبرده) أي: برد القيد، (أو حل فرسا) أو دابة غيرها، (أو) حل
(سفينة ففات) ذلك بأن ذهب الطائر من القفص، أو دخل إليه حيوان فقتله، أو
هرب القن أو الألسير، أو شردت الفرس ونحوها، أو غرقت السفينة لعصوف
ريح أو لا.
وقيل لا تضمن مع عصوف ريح.
(أو عقر شيء من ذلك) بسبب إطلاقه، كما لو كان الطائر جارحا فقلع عين
стр. 2813
انسان أو قتل شاته ونحو ذلك، أو كانت الدابة عقورا، كما لو حل سلسلة فهد (١)
فعقر انسانا أو دابة.
(أو اتلف) شيء من ذلك (شيئا) بأن كسر الطائر في خروجه أنية، أو كان
القن الذي حل قيده مجنونا فقتل انسانا (٢) ، أو اتلف متقوما أو مثليا، أو اتلفت
الدابة التي حلها زرعا أو غيره، أو انحدرت السفينة التي حلها على شيء
فأتلفته.
(أو) حل انسان (وكاء زق) دهن (مائع أو جامد، فأذابته الشمس، أو
بقي بعد حله) منتصبا (فألقته ريح) أو زلزلة أو طير (فإندفق)، أو خرج منه
شيء بل اسفله فسقط، أو لم يزل يميل قليلا قليلا (٣) حتى سقط فاندفق أو لم يندفق في هذه الصور (٤) ، بل خرج ما فيه قليلا قليلا: (ضمنه) أي: ضمن
المتعدي بفتح القفص، ودفع المبرد، وحل ما تقدم ذكره ما تلف بسببه. سواء
وجد منه تنفير مع ذلك لما ينفر أو لا، أو ذهب ما حله عقب حله أو لا، لأنه
تلف حصل بسبب فعله. فلزمه ضمانه.
ولأن الطائر وسائر الصيد من عادته النفور وإنما يبقى مع المانع، فإذ أزيل
المانع ذهب (٥) بطبعه. فكان الضمان على من ازال المانع، كمن قطع علاقة
قنديل فسقط فانكسر.
وقيل: إن كان الطائر مستأنسا لم يضمنه، لأنه في مظنة القدرة عليه فالقفص
وعدمه سواء.
وقيل: لا يضمن السفينة إذا غرقت مع عصوف ريح (٦) .
стр. 2814
وقيل: ولا ما في الزق إذا ألقته ريح أو زلزلة.
وقيل: ولا الطائر ولا ما حل إذا لم يذهبوا عقب الفتح أو الحل.
وقيل: ولا دافع المبرد للمقيد الذي برد به قيده وذهب.
و (لا) يضمن (دافع مفتاح) لمكان فيه مال (للص) ما سرقه اللص من
المال، لأن مباشرة اللص للسرقة بإحالة الحكم عليها أولى من الإحالة على
السبب الصادر من دافع المفتاح.
(ولا) يضمن (حابس مالك دواب). يعني: إذا حبس انسان انسانا له
دواب (فتتلف) دوابه بسبب حبسه: لم يضمنها حابسه.
قا ل في " الفروع ": ذكره في " الانتصار " و" المغني " و" الترغيب ".
وقيل: بلى.
قال في " الترغيب ": أو فتح حرزا فجاء اخر فسرق، وعند شيخنا يتوجه
فيمن حبسه عن الإنتفاع بملكه: أن يضمنه المتسبب. انتهي.
قال في " المبدع ": وينبغي أن يفرق بين الحبس بحق أو غيره. انتهي.
(ولو بقي الطائر) الذي فتح عنه القفص (أو الفرس) الذي حله واقفين بعد
ذلك (حتى نفرهما) انسان (اخر) فذهبا: (ضمن المنفر) أي: اختص
ضمانهما بالمنفر، لأن سببه أخص. فاختص الضمان به، كدافع الواقع في البئر
مع حافرها.
وكذا لو حل انسان حيوانا وحرضه آخر فجنى، فإن ضمان جنايته على المحرض.
وإن وقع طائر انسان على جداره فنفره انسان فذهب لم يضمنه، لأن تنفيره
لم يكن سبب فواته فإنه كان ممتنعا قبل ذلك.
وإن رماه فقتله ضمنه وإن كان في دار الرامي، لأنه كان يمكن تنفيره بغير قتله. وكذلك لو مر طائر في هواء داره لمحر، فقتله ضمنه، لأنه لا يملك منع الطائر
من هواء الدار، فهو كما لو رده في هواء داره غيره.
стр. 2815
(ومن ربط أو أوقف دابة) له أو لغيره (بطريق ولو) كان الطريق (واسعا)
نصا.
(أو ترك) انسان (بها) أي: بطريق ولو واسعا (طينا أو خشبة أو عمودا أو
حجرا أو كيس دراهم) نص عليه.
(أو أسند خشبة إلى حائط: ضمن) ذلك الانسان (ما تلف بذلك) أي:
بسبب فعله، لأنه متعد بذلك.
قال أحمد في رواية أبي الحارث: إذا أنام دابة على الطريق فهو ضامن لما
جنت. ليس له في الطريق حق. وكذلك نقل عنه أبو طالب وحنبل ضمان جناية
الدابة إذا ربطها في الطريق.
قال ابن رجب: وكذلك أطلق ابن أبي موسى وأبو الخطاب من غير تفريق
بين حالة الضيق والسعة. ومأخذه إن طبع الدابة الجناية بفمها أو رجلها.
فأيقافها في الطريق بمنزلة وضع الحجر ونصب السكين فيه.
وحكى القاضي في كتاب الروايتين رواية أخرى: بعدم الضمان إذا وقف في
طريق واسع.
(ويضمن مغرما اخذه ظالم بإغرائه ودلالته.
ومن اقتنى كلبا عقورا) ولو لصيد أو ماشية، (أو) كلبا (لا يقتنى) كلغير
ذلك، (أو) اقتنى كلبا (أسود بهيما، أو) اقتنى (اسدا أو نمر اأو ذئبا، أو هرا
تأكل الطيور وتقلب القدور) حال كون ذلك (عادة) لها، (مع علمه) أي:
المقتني بذلك، (أو) اقتنى (نحوها من السباع المتوحشة)، كالدب والقرد.
قال (المنقح: وعلى قياس ذلك الكبش المعلم النطاح). انتهي.
(فعقر) شيء من ذلك ادميا أو دابة، (أو خرق ثوب من دخل) إلى منزل
المقتني له (بإذنه)، أو فعل ذلك بمن هو خارج المنزل.
стр. 2816
(أو نفحت دابة بـ) مكان (ضيق من ضربها) فتلف (١) بذلك شيء:
(ضمنه) موقف الدابة والمقتني، لأنه المتسبب في ذلك.
وعنه: لا ضمان عليه بسبب الكلب.
وعلم مما تقدم أنه لو حصل شيء من ذلك في بيت انسان من غير اقتنائه ولا
اختياره فأفسد شيئا: لم يضمنه، لانه لم يحصل الإفساد بسببه (٢) .
قال في " الشرح ": فإذا اقتنى حمأما أو غيره من الطير فأرسله نهارا فلقط
حبا: لم يضمنه، لأن العاده إرساله. انتهي.
(ويجوز قتل هر بأكل لحم، ونحوه)، كالفواسق. قدمه في " الفروع ".
وقيده في " الفصول " بحين اكله.
وفي " الترغيب ". إن لم يندفع إلا به كصائل.
(وإن أجج) انسان (نارا) أي: أوقدها حى صارت تلتهب (بملكه.
أو سقاه) أي: سقى ملكه من شجر أو زرع أو أرض ليزرعها، (فتعدى)
ذلك (إلى ملك كيره) أي: غير الفاعل.
(لا) إن كان تعدي النار (بطريان ريح، فأتلفه) أي: أتلف المتعدي من
النار أو الماء ملك غيره: (ضمنه) الفاعل (إن افرط) بان أجج نارا تسري في
العادة لكثرتها، أو في ريح شديدة تحتملها، أو فتح ماء كثير يتعدى مثله، (أو
فرط) بأن ترك النار مؤججة، أو الماء مفتوحا ونام فحصل التلف بذلك وهو نائم. وإنما ضمن المتلف (٣) في هذين الحالتين، لأن في الأولى متعد وفي الثانية
مقصر، وكل من ذلك موجب لضمان ما تلف بسببه من مال غيره. اشبه ما لو
با شر إتلافه.
стр. 2817
وأما كونه لا يضمن ما أتلفته النار بطريان ريح عليها فإن ذلك ليس من فعله
ولا بسبب تفريطه حيث كان حاضرها عند ذلك.
وقال فى " الرعأية " بعد ذكر المسألة: قلت: وإن كان المكان مغصوبا
ضمن مطلقا. يعني: سواء فرط أو أسرف أو لا ان لم يكن للسطح سترة وبقربه
زرع ونحوه والريح هابة، أو ارسل في الماء ما يغلب ويفيض ضمن.
وقيل: من أجج نارأ في ملك بيده له أو لغيره بإيجار أو إعارة وأسرف ضمن
وإلا فلا، وإن منع من ذلك لأذى جاره ضمن وإن لم يسرف. انتهي.
وما يبس من أغصان شجر جاره بسبب إيقاد النار ضمنه الموقد إن لم يكن في
هوائه، لأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة. قاله في " الشرح ".
(ومن حفر) بنفسه، (أو حفر قنه بأمره بئرا لنفسه) أي: ليختص بنفعها
(في فنائه) أي: فناء داره.
قال في " القاموس ": وفناء الدار، ككساء ما اتسع من أمامها، وجمعه
أفنية وفني. انتهي.
(ضمن ماتلف به).
وكذا إن حفر البئر في حده ونصفها في فنائه. نص عليه في روايه الحسن بن
ثواب. نقله المجد في " شرح الهدأية ".
ووجه تضمينه ": أنه تلف حصل بسبب تعدى به. أشبه ما لو نصب في فنائه
سكينا فتلف شيء. سواء كان في الحفر ضرر أو لا، وسواء كان بإذن الأمام أو
بغير (١) إذنه.
قال في " الفروع ": وإن حفره لنفسه: ضمن ولو في فنائه، وتصرف وارثه
في تركته، وإذن أمام فيه، لأنه ليس له أن ياذن فيه، فدل انه لا يجوز لوكيل بيت
المال وغيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذة، وإنه ليس للحاكم أن يحكم
стр. 2818
بصحته، وقاله شيخنا، ويتوجه جوازه للمصلحة. انتهي.
قال ابن رجب: ولا يجوز إذن الأمام فيه عند الأصحاب.
وفي " الأحكام السلطانية " للقاضي: إن له التصرف في فنائه بما شاء من
حفر وغيره إذا لم يضر، وأما في فناء غيره فإن اضر بأهله لم يجز وإن لم يضر جاز. وهل يعتبر إذنهم أو إذن الأمام في فناء المسجد؟ على وجهين. انتهي.
(وكذا) أي: وكما يضمن صاحب الدار إذا حفرها بنفسه أو قنه بأمره ما
تلف بالبئر ضمن (حر) ليس له في الدار المحفور في فنائها حق إذا حفرها
متعديا، أو بإذن صاحب الدار بأجرة، أو بغير أجرة إذا (علم الحال) أي: علم
انها ليست في ملك الآذن. إذ الأفنيه ليست بملك ملاك الدور وإنما هي من
مرافقهم.
وعنه: فيما إذا كان بإذن رب الدار أن عليهما الضمان يشتركان فيه، وأما إن
جهل الحافر الحال كان الضمان على الآمر.
وقال المجد في " شرح الهدأية " بعد أن ذكر اشتراكهما في ضمان ما تلف
بالبئر ولم يذكر قولا غيره: وكذا من بنى له البناء حائطا" (١) والبناء يعتقدها في
ملك المستعمل فلا شيء عليه، وإن علم أنها في غير ملكه فالضمان عليهما
جميعا. هذا نص أحمد في رواية الحسن بن ثواب، والقول قول البناء في عدم
علمه مع يمينه.
و (لا) ضمان على من حفر بئرا (في موات لتملك، أو) من أجل (ارتفاق
أو انتفاع عام). نص عليه وقطع به اكثر الأصحاب.
(أو) حفر ها (في سابلة).
قال في " القاموس ": والسابلة من الطرق المسلوكة.
(واسعة) لنفع المسلمين، كما لو حفرها لينزل فيها ماء المطر أو ليشرب
منها المارة ونحو ذلك.
стр. 2819
(أو بنى فيها) أي: في السابلة الواسعة (مسجدا أو خانا (١) ونحوهما)،
كسقأية (لنفع المسلمين بلا ضرر) في إحداث ذلك. (ولو) كان فعل ذلك
جميعه (بلا إذن أمام)، لأن فعل ذلك في الموات مأذون فيه شرعا وفي غيره
إحسان فلم يكن متعديا فيهما.
وعنه: يضمن ما تلف بالبئر في السابلة مطلقا.
وعنه: إلا أن يأذن الأمام في حفرها.
وعنه في المسجد في السابلة: أكره الصلاة فيه، إلا أن يكون بإذن أمام.
ونقل المروذي: حكم هذه المساجد التي بنيت في الطريق: تهدم.
وسأله محمد بن يحيى الكحال: يزيد في المسجد من الطريق؟ قال:
لاتصل فيه.
ونقل حنبل: أنه سئل عن المساجد على الأنهار؟ قال: اخشى أن تكون من
الطريق.
وسأله ابن إبراهيم عن ساباط فوقه مسجد يصلى فيه؟ قال: لا يصلى فيه إذا
كان من الطريق.
وسئل عن الصلاة على شط (٢) النهر والطريق أمامه قال (٣) : أرجو أن لا يكون
به بأس، ولكن طريق مكة يعجبني أن يتنحى عن الطريق. يصلي (٤) يمنة الطرق. ونقل ابن مشيش عن ساباط فوق مسجد: لا يصلى فيه. من الطريق.
قال الموفق: ويحتمل أن يعتبر إذن الأمام في البناء لنفع المسلمين دون
الحفر لدعوى الحاجة إلى الحفر، لنفع الطريق وإصلاحها، وازالة الطين والماء
стр. 2820
منها، فهو كتبقيتها، وحفر هدمة (١) فيها، وقلع حجر يضر بالمارة، ووضع
الحصا في حفرة فيها ليملأها.
و (كبناء جسر) بفتح الجيم وكسرها الذي يعبر عليه. قاله في "القاموس "،
وقال في موضع آخر: القنطرة الجسر وما ارتفع من البنيان. انتهي.
(ووضع حجر بطين ليطأ عليه الناس)، لأن في هذا ونحوه نفعا للمسلمين
فلا يضمن ما تلف به.
قال في " الفروع ": ويحتمل أن يعتبر إذن الأمام، لأن مصلحته لا تعم.
وقال بعض أصحابنا في حفر البئر: ينبغي أن يتقيد سقوط الضمان إذا حفرها
في مكان مائل عن القارعة وجعل عليه حاجزا يعلم به ليتوقى. انتهي.
وعلم مما تقدم أن السابلة إن لم تكن واسعة أو كانت واسعة ولكن إنما حفر
أو بنى ليختص بما حفره أو بناه فيها أو لم يختص به ولكن جعله في مكان يضر بالماره: أنه يضمن ما تلف به. ولعل هذا لا خلاف فيه.
(ومن أمر) إنساناً (حرا بحفرها) أي: البئر (في ملك غيره) أي: غير
الامر (. بأجرة، أو لا) بأجرة فحفر امتثالا لأمره فتلف بها شيء: (ضمن ما تلف
بها حافر علم) أن الأرض التي حفر فيها ملك لغير الآمر. نص عليه.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الحافر ذلك أو كان المأمور قنا: (فآمر) ما تلف
بها، (كأمره ببناء.
وحلفا) أي: الحا فر والبانى (إن) أدعى عليهما بذلك و (أنكرا العلم) بأن
ذلك ملك غير الآمر.
(ويضمن سلطان أمر وحده) أي: دون حافر. وظاهره سواء علم أن الأرض
ملك لغير السلطان أو لا، لانه لا تسعه مخالفته. أشبه ما لو اكره على ذلك.
(ومن بسط في مسجد حصيرا أو) بسط فيه (باريه).
стр. 2821
قال في " القاموس ": والبوري والبورية والبورياء والباري والبارياء
والبارية: الحصير المنسوج. انتهي.
ويطلقونه بالشام على ما نسج من القصب. ولعل هذا مراد الأصحاب، وإلا
كان مستغنى عنه بلفظ الحصير. والله أعلم.
(أو) بسط في المسجد (بساطا، أو علق) فيه (أو أوقد فيه قنديلا، أو
نصب فيه بابا، أو) نصب فيه (عمدا) لمصلحة، (أو) نصب فيه (رفا لنفع
الناس، أو سقفه، أو بنى جدارا، ونحوه)، كمنبر، (أو جلس أو اضطجع أو
قام فيه) أي: في المسجد، (أو) جلس أو اضطجع أو قام (في طريق واسع
فعثر به حيوان: لم يضمن ما تلف به).
أما في غير الجلوس والاضطجاع والقيام، فلانه محسن بفعله غير متعد.
فلم يضمن ما تلف به، كوضعه فيه حصا.
وظاهره سواء كان بإذن الأمام أو غير إذنه. وهو المذهب، لأن (١) هذه
أفعال ينتفع بها المسلمون غالبا مأذون فيها عرفا. اشبهت الماًذون فيها نطقا.
وأما كونه لا يضمن ما تلف به إذا جلس أو اضطجع أو قام في المسجد أو في الطريق الواسع، فلأنه فعل فعلا مباحا لم يتعد فيه على أحد في مكان له فيه حق.
فلم يضمن ماتلف به، كما لوفعله بملكه.
وفي مسألة الجلوس والاضطجاع وجه بالضمان.
وقيل: يضمن إذا كان بالمسجد، ولا يضمن إذا كان بطريق واسع.
وعلم مما تقدم أن الفعل إذا كان محرما، كالجلوس مع الحيض في
المسجد، أو مع إضرار المارة في الطريق: أنه يضمن ما تلف به.
(وإن اخرج) انسان (جناحا أو ميزابا، ونحوه)، كحجر برز به في البنيان
وساباط (إلى طريق نافذ) بغير إذن أمام أو نائبه كما سيأتي.
стр. 2822
(أو) إلى طريق (غيره) أي: غير نافذ (بلا إذن أهله فسقط) ذلك
المخرج، (فأتلف شيئا: ضمنه) المخرج. نص عليه فيما سوى الميزاب في
رواية أبي طالب وابن منصور ومهنا.
قال ابن رجب: وأما الميازيب ومسيل المياه (١) فكذلك عند الأصحاب.
وفي " المغني ": احتمال بجوازه مطلقا مع انتفاء الضرر. واختاره طائفة
من المتأخرين.
وقال الشيخ تقي الدين: إخراج الميازيب إلى الدرب النافذ هو السنة. وذكر
حديث العباس في ذلك. والمانعون يقولون ميزاب العباس وضعه النبي ﷺ بيده فكان أبلغ من إذنه فيه ولا كلام فيما أذن فيه الأمام. والله أعلم.
ووجه الضمان: أن التلف وجد بما أخرجه إلى هواء الطريق. فضمنه، كما
لو بنى حائطا مائلا إلى الطريق فأتلف أو أقام خشبة في ملكه مائل إلى الطريق فاًتلفت.
(ولو) كان التلف (بعد بيع) ممن أخرج الجناج ونحوه للحائط التي أخرجه
بها، (وقد طولب) البائع قبل بيعه (بنقضه) ولم يفعل، (لحصوله بفعله).
قال في " الفروع ": ولا يضمن ولي فرط بل موليه. ذكره في " المنتخب ".
ويتوجه عكسه. انتهي.
ومحل ضمان ما تلف بسبب إخراج الميزاب ونحوه إلى الطريق النافذ: (ما
لم يأذن فيه أمام أو نائبه، ولا ضرر) على المارة بإخراجه، لأن الطريق النافذ حق للمسلمين والأمام وكيلهم فإذنه كإذنهم. أشبه ما لو أذن أهل غير النافذ له في
ذلك.
(وإن مال حائطه) أي: حائط انسان بناه مستقيما (إلى) هواء (غير
ملكه). سواء كان مشتركا، كالطريق، أو مختصا، كهواء جاره، (وكميل)
أي: وكما إذا مال حائطه إلى غير ملكه في الحكم (شقه عرضا) يخشى وقوعه
стр. 2823
كالمائل. (لا) إذا كان شقه (طولا) وهو مستقيم فانه لا أثر لذلك.
وحاصل ذلك: أنه متى مال حائط إنسان إلى ملك غيره أو انشق عرضا
وخيف سقوطه وطولب ربه بهدمه (وأبي هدمه حتى اتلف شيئا) بسقوطه: (لم يضمنه). نص عليه في روايه ابن منصور ولو امكنه نقضه، لعدم تعديه بذلك،
لأنه بناه في ملكه ولم يسقط بفعله. فأشبه ما لو لم يطالب بنقضه أوسقط قبل ميله
أو لم يمكنه نقضه.
وعنه: إن طالبه مستحق بنقضه وأمكنه ولم يفعل ضمن ما تلف به، واختار
هذه الرواية جصاعة.
وأومأ في موضع: أنه إن تقدم إليه بنقضه وأشهد عليه ولم يفعل ضمن.
وأجيب عن ذلك: بانه لو وجب بسقوطه ضمان لم تشترط المطالبة بنقضه،
كما لو بناه ابتداء مائلا إلى ملك غيره، فإن عليه ضمان ما يتلف به ولو لم يطالب بنقضه.
وقيل: يضمن مطلقا. اختاره ابن عقيل.
وقال الحارثي: وهو الأقوى (١) .
стр. 2824
] فصل: في حكم ما أتلفته البهائم]
(فصل. ولا يضمن رب) بهائم (غير ضارية، و) غير (جوارج وشبهها ما
اتلفته) إذا لم تكن يده عليها. (ولو) كان المتلف (صيدا بالحرم)، لقول
رسول الله ﷺ : " العجماء جرحها جبار " (١) . متفق عليه. يعني: هدرا.
قال في " الفروع ": ولا يضمن ما أتلفت البهيمة صيد حرم وغيره. أطلقه
الأصحاب.
ويتوجه إلا الضارية. ولعله مرادهم. وقد قال شيخنا فيمن أمر رجلا
بإمساكها ضمنه إن لم يعلمه بها.
وفي " الفصول ": من أطلق كلبا عقورا أو دابة رفوسا أو عضوضا على
الناس وخلاه في طريقهم ومساطبهم ورحابهم فأتلف مالا أو نفسا: ضمن،
لتفريطه. وكذا إن كان له طائر جارح، كالصقر والبازي فأفسد طيور الناس
وحيواناتهم.
وفي" الانتصار ": ان البهيمة الصائلة يلزم مالكها وغيره إتلافها.
وكذا في " عيون المسائل ": إذا عرفت البهيمة بالصول يجب على مالكها
قتلها، وعلى الأمام وعلى غير الأمام إذا صالت، على وجه المعروف. ومن
وجب قتله على وجه المعروف: لم يضمن، كمرتد.
وإطلاق الأصحاب ﵏: بأنه لا يضمن ما أتلفته بهيمة لا يد عليها
ظاهره ولو كانت مغصوبة لظاهر الخبر. وعلل الأصحاب المسألة: بانه لا تفريط
من المالك ولا ذمة لها فيتعلق بها، ولا قصد فيتعلق برقبتها. بخلاف الطفل
стр. 2825
الصغير والعبد. ويتبين ذلك أنهم ذكروا جناية العبد المغصوب، وإن الغاصب يضمنها، قالوا: لأن جنايته برقبته فضمنها، لأنه نقص حصل في يد الغاصب.
فهذا التخصيص وتعليله يقتضي خلافه في البهيمة. وهذا فيه نظر، ولهذا قال ابن
عقيل وغيره في جنأيات البهائم: لو نقب لص وترك النقب فخرجت منه البهيمة ضمنها وضمن ما تجني بإفلاتها (١) وتخليتها. وقد يحتمل إن جازها وتركها
بمكان ضمن، لتعديه بتركها فيه. بخلاف ما لو تركها بمكانها وقت الغصب،
وفيه نظر.
ولهذا قال الأصحاب في نقل التراب من الأرض المغصوبة: إن أراده
الغاصب وأبي المالك فللغاصب ذلك مع غرض صحيح، مثل: إن كان نقله إلى
ملك نفسه، فينقله لينتفع بالمكان، أو كان طرحه في طريق فيضمن ما تجدد به من جثأية على آدمي أو بهيمة. ولا يملك ذلك بلا غرض صحيح، مثل: إن كان
نقله إلى ملك المالك أو طرق الأرض التي حفرها. ويفارق طم البئر، لأنه
لا ينفك عن غرض، لأنه يسقط ضمان جناية الحفر. زاد ابن عقيل ولعله معنى
كلام بعضهم: أو جناية العثر بالتراب. انتهي كلامه في " الفروع ".
(ويضمن راكب) لدابة (وسائق وقائد) لها، (قادر على التصرف فيها:
جناية يدها وفمها وولدها ووطئها برجلها)، لما روى النعمان بن بشير قال: قال. رسول الله ﷺ : " من وقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوف من أسواقهم فأوطات بيد أو رجل فهو ضامن " (٢) . رواه الدارقطني.
ولأن فعل البهيمة إذا كانت مع انسان منسوب إليه إذا كان يمكنه حفظها.
(لا ما نفحت) أي: ضربت (بها) أي: برجلها من غير سبب، لما روى
أبو هريرة ان النبي ﷺ فال: " الرجل جبار " (٣) . رواه أبو داود.
стр. 2826
وخصص بالنفح دون الوطء، لأن من بيده الدابة يمكنه أن يجنبها وطء ما لا
يريد (١) أن تطاًه بتصرفه فيها. بخلاف نفحها فإنه لا يمكنه أن يمنعها منه.
ونقل أبو طالب: لا يضمن ما أصابت برجلها. يعني: سواء كان وطئا أو
نفحا، لأنه لا يقدر على حبسها. وهو ظاهر كلام جماعة.
وعنه: يضمن النفح أيضا.
وعنه: يضمن سائق فقط جناية رجلها.
وقيل: لا يضمن جناية ولدها مطلقا.
وقيل: إن فرط بأن عرفه شموسا أو نحوه ضمن جنايته، وإلا فلا.
ومحل عدم ضمان ما نفتحه برجلها: (ما لم يكبحها) (٢) أي: يجذبها
باللجام جذبا (زيادة على العادة، أو يضرب وجهها)، لانه السبب في جنايتها.
(ولا) يضمن من يده عليها (جناية ذنبها)، لأنه لا يمكن التحفظ منه.
(ويضمن) جنايتها (مع سبب، كنخس وتنفير فاعله) دون راكب وسائق
وقائد، لوجود السبب منه دونهم.
(وإن تعدد راكب) على الدابة بان كان عليها اثنان أو ثلاثة: (ضمن
الأول) ما يضمنه الراكب المنفرد، لانه المتصرف فيها والقادر على كفها.
(أو من خلفه ان انفرد بتدبيرها لصغر الأول أو مرضه، ونحوهما)،
كعماه.
(وإن اشتركا) أي: الراكبان (في تدبيرها، أو لم يكن) معها (إلا سائق
وقائد: اشتركا في الضمان)، لان كل واحد من الراكبين (٣) المشتركين في
تدبيرها أو من السائق والقائد لو انفرد ضمن. فإذا اجتمعا ضمنا.
стр. 2827
(ويشارك راكب معهما) أي: السائق والقائد (أو مع احدهما) كلا منهما
أو الواحد منهما في ضمان جناية الدابة، لأن كلا منهم لو انفرد مع الدابة انفرد بالضمان، فكذا إذا اجتمع مع غيره.
وقيل: إن الضمان على الراكب فقط " لأنه اقوى تصرفا فيها.
وقيل: على القائد فقط، لأنه لا حكم للراكب معه.
(وإبل) مقطره (وبغال مقطرة، كواحدة) أي: كالبهيمة الواحدة، (على
قائدها الضمان) لما جنت كل واحدة من القطار، لأن الجميع إنما يسيرون بسير
الأول ويقفون بوقفه ويطؤون بوطئه. وبذلك يمكنه حفظ الجميع عن الجناية.
فكان ضمانها عليه.
(ويشارك) القائد في الضمان (سائق في أولها) أي: أول المقطرة (فى)
جناية (جميعها.
و) يشارك سائق (في آخرها في) جناية (الأخير فقط.
و) يشارك سائق (فيما بينهما) أي: فيما بين الأول والأخير (فيما باشر
سوقه، و) ما (بعده) دون ما قبله.
أما كون السائق إذا كان في أولها يشارك قائدها في جناية الجميع، فلأنه لو
انفرد بذلك لضمن جناية الجميع. فإذا كان معه غيره وجب أن يشاركه في ذلك.
وأما كونه لا يشاركه في ضمان ما قبل الذي يسوقه، لأنه ليس بسائق له ولا
بتابع لما يسوقه. فانفرد به القائد.
(وإن انفرد راكب على أول قطار: ضمن جناية الجميع). قاله الحارثي
واقتصر عليه في " التنقيح ".
وقال الموفق ومن تبعه: المقطور على المركوب يضمن الراكب جنايته،
لأنه في حكم القائد له.
وأما المقطور على الثاني فينبغي الا يضمن جنايته، لأن الراكب على الأول
لا يمكنه حفظه عن الجناية.
стр. 2828
قال الحارثي: وليس بالقوي فان ما بعد الراكب إنما يسير بسيره ويطأً بوطئه
فأمكن حفظه عن الجنأيه. فضمن، كالمقطور على ما تحته. انتهي.
ولا فرق في الراكب والسائق والقائد بين المالك والأجير والمستأجر
والمستعير والموصى إليه بالمنفعة.
قال في " الإنصاف ": وعموم نصوص أحمد تقتضيه.
وقال أيضا: لو انفلتت الدابة ممن هي في يده وأفسدت فلا ضمان. نص
عليه.
فلو استقبلها انسان فردها فقياس قول الأصحاب الضمان. قاله الحارثي.
انتهي.
(ويضمن ربها) أي: رب الدابة (ومستعير ومستأجر) لها (ومودع) أياها،
(ما افسدت: من زرع وشجر، وغيرهما)، كثوب خرقته أو نقصته
بمضغها أياه، أو وطئها عليه أو نحوه (ليلا) فقط. نص عليه، لما روى مالك
عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة " أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم
فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ إن على أهل الأموال حفظها بالنهار،
وما افسدت بالليل فهو مضمون عليهم " (١) .
قال ابن عبدالبر: هذا وإن كان مرسلا فهو مشهور وحدث به الأئمة الثقات
وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول.
ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارا للرعي وحفظها ليلا، وعادة أهل
الحوائط حفظها نهارا. فإذا أفسدت شيئا ليلا كان من ضمان من هي بيده.
ومحل ذلك: (إن فرط) في حفظها بتركه في وقت عادته. (لا) إذا
أفسدت شيئا (نهارا)، لأن التفريط من جهة ربه بتركه التحفظ في عادته، وقد
فرق النبي ﷺ بينهما، وقضى على كل انسان بالحفظ في وقت عادته.
стр. 2829
وعنه: لا يضمن جنايتها ليلا إلا على الزرع والشجر.
وقيل: إلا على الزرع فقط.
وعنه: إن إفسادها ليلا ونهارا مضمون.
والمذهب: أنه لا يضمن ما افسدته نهارا.
(إلا غاصبها)، لتعديه بإمسكاها.
وقيد جماعة عدم ضمان ما أفسدته نهارا بما إذا لم ترسل بقرب ما تتلفه عادة.
(ومن ادعى) وهو صاحب زرع (إن بهائم فلان رعب زرعه ليلا ولا غيرها)
أي: وليس هناك غير بهائم فلان، (ووجد أثرها) أي: أثر البهائم (به) أي:
بالزرع: (قضي له) أي: لصاحب الزرع ببدل ما اتلفته البهائم.
قال في " الإنصاف ": لو ادعى صاحب زرع إن غنم فلان نفشت في زرعه
ليلا، ووجد في الزرع اثر غنم: فضي بالضمان على صاحب الغنم. نص عليه
في رواية ابن منصور.
وجعل الشيخ تقي الدين هذا من القيافة في الأموال وجعلها معتبرة، كالقيافة
في الأنساب. قاله في القاعده الثالثة عشر.
ويتخرج فيه وجه: لا يكتفى بذلك.
قال في " الإنصاف ": قلت: محل الخلاف إذا لم يكن هناك غنم لغيره.
انتهي.
قال في " القاموس ": النفش: أن ترعى الغنم والإبل ليلا بلا راع، وقد
أنفشها الرأعي ونفشت هي كضرب ونصر وسمع. وهي إبل نفش محركة ونقاش
ونوافش. انتهي.
(ومن طرد دابة من مزرعته) فدخلت إلى مزرعة غيره فأفسدت: (لم يضمن
ما افسدته. إلا أن يدخلها مزرعة غيره).
ومحل ذلك: ما لم تتصل المزارع، (فإن اتصلت المزارع) لم يطردها فإن
стр. 2830
في ذلك تسليطا على مال غيره، و (صبر ليرجع على ربها) بقيمة ما تأكله حيث لأيمكنه منعها إلا بتسليطها على مال غيره.
(ولو قدر أن يخرجها) من مزرعته (وله) أي: لمخرجها (منصرف) في
إخراجها (غير المزارع فتركها) تأكل من (١) مزرعته ليرجع على ربها: (فهدر)
أي: فلا رجوع له، وذهب ذلك عليه من غير عوض.
(كحطب على دابة خرق ثوب بصير عاقل يجد منحرفا) فإنه لا مطالبة له
بذلك على أحد، لتقصيره بعدم الانحراف، كتقصير رب الزرع بعدم صرف
الدابة.
(وكذا) أي: وكما يذهب خرق ثوبه هدرا إذا رأى الدابة مقبلة بالحطب
ووجد منحرفاً ولم ينحرف (لو كان) رب الثوب (مستدبرا) بأن كان مجيء
الدابة من خلفه، (فصاح به) من مع الدابة (منبها له) أي: لرب التوب لينحرف
وقد وجد منحرفا ولم ينحرف.
(وإلا) أي: وإن لم يجد منحرفا وهو مستقبل أو لم ينهه وهو مستدبر:
(ضمن) من مع الدابة أرش خرق الثوب. ذكر ذلك في " الترغيب " واقتصر
عليه في " الفروع ".
стр. 2831
] فصل: في حكم ما لو اصطدمت سفينتان]
(فصل. وإن اصطدمت سفينتان) واقفتان أو مصعدتان أو منحدرتان
(فغرقتا: ضمن كل) من قيمي السفينتين] (سفينة الآخر وما فيها) من نفس] (١)
أو مال (٢) (إن فرط) كل منهما حتى اصطدمتا، كالفارسين إذا اصطدما.
(ولو تعمداه) أي: تعمد القيمان الاصطدام (فشريكان في إتلافهما) أي:
فالقيمان شريكان في ضمان قيمة السفينتين التالفتين.
(و) في ضمان قيمة (ما) كان (فيهما)، لانه تلف قد (٣) حصل بفعلهما،
فاشتركا في ضمانه. أشبه ما لو خرقاهما.
وإن تلف بسبب ذلك ادمي محترم (فان قتل غالبا) ما وجد من فعلهما:
(فالقود) أي: فيقتلان به بشرطه (٤) من التكافئ ونحوه، كما لو ألقاه في البحر
من مكان لا يمكنه التخلص منه فغرق.
(وإلا) أي: وان لم يكن ذلك يقتل غالبا، كما لو فعلاه قريبا من الساحل
بحيث يمكن من فيهما الخروج إليه ولم يفعل حتى غرق: (ف) ذلك (شبه
عمد)، كما لوالقاه في ماء قليل فغرق به.
(وان كانت إحداهما) أي: إحدى السفينتين المصطدمتين من غير تعمد
(واقفة) والأخرى سائرة وغرقتا: فلا ضمان على قيم الواقفة، لانه لم يوجد منه
تعد ولا تفريط. أشبه النائم في الصحراء إذا عثر به انسان فتلف. و (ضمنها)
أي: ضمن السفينة الواقفة وما فيها (قيم السائرة: ان فرط) بان كان يمكنه ان
يردها عنها ولم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الرجال والحبال وغيرهما، لان
стр. 2832
التلف حصل بتقصيره. اشبه ما لو قام وتركها سائرة بنفسها حتى صدمتها.
(وإن كانت إحداهما) أي: إحدى السفينتين المصطدمتين من غير تعمد
(منحدرة) والأخرى مصعدة: (ضمن قيمها) أي: قيم المنحدرة (المصعدة)،
لأن المنحدرة تنحط على المصعدة من علو فيكون ذلك سببا لغرقها، ولا ضمان
على قيم المصعدة تنزيلا للمنحدرة منزلة السائرة والمصعده منزلة الواقفة. (إلا
أن يغلب) أي: يغلب قيم المنحدرة (عن ضبطها) (١) بغلبة ريح أو نحوه.
قال في " الشرح ": أو كان الماء شديد الجرية فلا يمكنه ضبطها.
فلا ضمان عليه، لأنه لا يدخل في وسعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ولأن التلف يمكن استناده إلى الريح أو إلى شدة جريان الماء.
قال في " الإنصاف " بعد ذكر المسالة: قال الحارثي: وسواء فرط المصعد
في هذه الحالة أو لا على ما صرح به في " الكافي " واطلقه الأصحاب وأحمد.
وقال في " المغني ": إن فرط المصعد بأن أمكنه العدول بسفينته والمنحدر
غير قادر ولا مفرط فالضمان على المصعد " لأنه المفرط.
قال الحارثي: وهذا صريح في أن المصعد يؤاخذ بتفريطه. انتهي.
(ويقبل قول ملاح). والمراد به هنا: قيم السفينة دون باقي رجالها " لأنه
الخصم (فيه) أي: في أنه غلبه ريح أو شدة جري الماء، أو أنه لم يفرط
بيمينه، لأن الأصل براءة ذمته.
(ولا يسقط فعل الصادم في حق نفسه، مع عمد) أي: مع تعمده الصدم.
وما في المتن تبعت فيه عبارة صاحب " الفروع " " لأني رأيت صاحب
" الإنصاف " ذكرها بالحرف ولم ينسبها لأحد. ومعناها: أنه إذا مات أحد
القيمين المتعمدين الصدم دون الآخر بسبب تصادم السفينتين: أنه (٢) لا يسقط
فعل الميت في حق نفسه بل يعتد به. وعلى هذا إن كان الميت حرا ليس لورثته
стр. 2833
إلا نصف ديته، وإن كان عبدا ليس لمالكه إلا نصف قيمته، لانه شارك في قتل
نفسه. أشبه ما لو تحامل هو وغيره على قتل نفسه بمحدد.
(ولو خرقها) أي: خرق السفينة قيمها (عمدا) بأن تعمد قلع لوح أو نحوه
مما تغرق به غالبا ويهلك من فيها لكونهم في اللجه من غير ما داع إلى قلع ذلك
فغرق من فيها (أو شبهه) أي: شبه العمد بأن قلع اللوج من غير داع إلى قلعه
لكن في مكان قريب من الساحل لا يغرق به من فيها غالبا فغرق.
(أو) خرقها (خطأ) بأن كان بها محل يحتاج إلى الإصلاج فقلع لوحا منه
ليصلحه أو ليضع عوضه في مكان لا يغرق به من فيها غالبا فغرقوا بسبب ذلك: (عمل بذلك) أي: عمل بمقتضى كل فعل من الثلاثة، فيقتص منه في صورة
العمد بشرطه، كما لو القي انساناً فيما لا يمكنه التخلصمنه فغرق، ويفعل
ما يترتب على شبه العمد، أو الخطاً.
(و) السفينة (المشرفة على الغرق يجب إلقاء ما يظن له) أي: بإلقائه
(نجاة) بالتنوين (غير الدواب) فإنها لا تلقى. (إلا أن تلجى الضرورة إلى
إلقائها) أي: إلقاء الدواب فتلقى، لنجاة الآدميين.
(ومن قتل) حيوانا (صائلا) أي: واثبا (عليه ولو) كان الصائل (ادميا)
صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا حرا أو عبدا، حال كون القاتل (دفعا عن نفسه)
أي: نفس القاتل، (أو) قتل (خنزيرأ) ولو لم يصل عليه. لم يضمنهما.
ومحل عدم الضمان في الصائل: إذا لم يندفع بغير المتل.
ووجه عدم الضمان للصائل: أن المصول عليه إنما قتله لدفع شره. وإذا
كان كذلك كان الصائل كأنه القاتل لنفسه. أشبه ما لو نصب حربة في طريقه
فقذف نفسه عليها فمات بها.
وأما كون الخنزير غير مضمون، فلأنه مباح القتل. أشبه الكلب العقور.
ويلحى بذلك كل ما ابيح إتلافه من غير الحيوان. وإلى ذلك اشير بقوله:
(أو اتلف) أي: إنسان بكسر أو خرق أو غيرهما الة لهو (ولو) كانت حال
إتلافها (مع صغير). نص على ذلك. سواء كانت الة اللهو (مزمارأ أو طنبورا
стр. 2834
أو عودا أو طبلا أو دفا بصنوج أو حلق أو نردا أو شطرنجا) أو غير ذلك، (أو)
أتلف (صليبا) وهو ما تتخذه النصارى.
(أو كسر إناء فضة أو) إناء (ذهب.
أو) كسر أو شق إناء (فيه خمر مأمور بإراقتها) وهي ما عدا خمر الخلال
وخمر الذمي المستترة: فإن إناءها غير مضمون. سواء (قدر على إراقتها
بدونه) أي: بدون الكسر أو الشق، (أو لا). نقله المروذي. وقدمه في " الفروع ".
ونقل الأثرم وغيره: إن لم يقدر على إراقتها إلا بإتلاف إنائها: لم يضمنه،
والا ضمنه.
(أو) أتلف (حليا محرما على ذكر لم يستعمله) أي: لم يتخذه مالكه
(يصلح للنساء.
أو) أتلف (الة سحر أو) الة (تعزيم أو تنجيم، أو صور خيال، أو أوثان)
جمع وثن. وهو الصنم الذي يعبده المشركون.
(أو) أتلف (كتب مبتدعة مضلة أو) كتب (كفر.
أو حرق مخزن خمر، أو كتابا فيه أحاديث رديئة: لم يضمنه) أي: لم
يضمن المتلف ما أتلفه من ذلك، لأن ما عدا أنية الذهب والفضة والحلي المحرم ومخزن الخمر محرم بيعه لا لحرمته. فلم يضمنه متلفه " كالكلب والميتة.
ويشهد لتحريم بيع أفراد من ذلك ما روى جابر أنه سمع النبي ﷺ يقول:
" إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " (١) .
وما روى أبو جحيفة " أن النبي ﷺ حرم تمن الدم وثمن الكلب وكسب
البغي " (٢) . متفق عليهما.
стр. 2835
وما لم ينص عليه مما ذكر في معنى المنصوص عليه.
وأما كونه لا يضمن كسر آنية الذهب والفضة، فلأن اتخاذها على هذه الصورة
محرم. فإذا كسرها فقد اتلف الصفة المحرمة وإذا فلا يضمنها، كآلة اللهو.
وعنه: بلى بناء على جواز اتخاذها للزينة ونحوها، والحلي المحرم في
معنى ذلك.
وأما كونه لا يضمن مخزن الخمر إذا حرقه، فلأنه من أماكن المعاصى
وإتلافها جائز، لما روي أن النبي ﷺ " حرق مسجد الضرار وأمر بهدمه " (١) . قاله في " الهدي ".
وقد نص الأمام على عدم ضمانه في رواية ابن منصور، واختاره ابن بطة
وغيره. وقدمه في " الفروع ".
ونقل حنبل: يضمنه.
ونص على عدم ضمان الكتاب الذي فيه أحاديث رديئة في رواية المروذي،
فجعله كالة لهو. وظاهره ولو كان معها غيرها، ويؤيد ذلك ما قال في " الفنون " وهو: انه يجوز إعدام الأية من كتب المبتدعة لأجل ما هي فيه وإهانة لما وضعت
له، ولو أمكن تمييزها.
وأما كون المتلف لآنية الخمر لا يضمنها ولو قدر على إراقة الخمر بدون
إتلافها، لأن النبي ﷺ قال لأبي طلحة حين قال له: " إنى اشتريت خمرا لأيتام في حجري: أهرق الخمر واكسر الدنان " (٢) . رواه الترمذي والدارقطني.
وعن ابن عمر قال: " أمرني النبي ﷺ أن آتيه بمدية- وهي الشفرة- فأتيته
стр. 2836
بها. فأرسل بها فأرهفت ثم اعطانيها، ثم قال: اعد علي بها ففعلت فخرج
بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر وقد جلبت من الشام، فأخذ
المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر الذين كانوا
معه ان يمضوا معي ويعاونوني أن آتي الأسواق كلها فلا اجد فيها زق خمر
إلا شققته، ففعلت. فلم أترك زقا إلا شققته " (١) . رواه أحمد.
فلو لم يجز إتلافها لم يأمر النبي ﷺ بكسر الدنان ولا شق الزفاق.
وعنه: يضمن آنية الخمر إن كان ينتفع بها في غيره.
وعنه: لا يضمن من ذلك غير الدن.
وعلم مما تقدم: أن دف العرس الذي ليس فيه صنوج ولا حلق مضمون.
وهو المذهب.
وعنه: لا يضمن. ذكرها الحارثي.
وعلى المذهب: لا يجوز إتلافه.
وحكى القاضي في " كتاب الروايتين " رواية بجواز (٢) إتلافه في اللعب
بما عدا النكاح. ورده الحارثي.
وظاهر ما تقدم: أنه لا فرق بين كون المتلف مسلما أو كافرا، لأن كل عين
لم تضمن بإتلافها على المسلم لم تضمن على الكافر، كالعبد والمرتد (٣) .
وظاهره أيضا: أنه لا يجوز إتلاف غير ما ذكر أو ما في معناه.
وقال فى " الفروع ": نص على تخريق الثياب السود فيتوجه فيهما روايتان.
انتهي. والله أعلم (٤) .
стр. 2837
] باب: الشفعة]
(باب) يذكر فيه مسائل من احكام الشفعة. وهي بإسكان الفاء. وسميت
بذلك أخذا من الشفع وهو الزوج. فإن الشفيع كان نصيبه منفردا في ملكه
فبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به.
وقيل: من الشفاعة بمعنى الزيادة، لأن الشفيع يزيد المبيع دي ملكه.
وقال أبو محمد بن قتيبة في " غريب الحديث ": سميت بذلك لان الرجل
كان إذا أراد (١) بيع داره أتاه جاره أو شريكه فتشفع له فيما باع فشفعه وجعله أولى
به. انتهي.
وقيل: لما سمى طالبها شفيعاً سمي طلبه شفعة، وسمي طالبها شفيعا،
لأنه جاء تاليا للمشتري فكان ثانيا بعد أول.
ثم (الشفعه) شرعأ: (استحقاق) من (الشريك) في ملك الرقبة ولو كان
مكاتبا (انتزاع) بالنصب على أنه معمول استحقاق (شقص) بكسر الشين أي:
نصيب (شريكه) المتنقل عنه إلى غيره، (ممن انتقل إليه بعوض مالي)،
كالمنتقل بالبيع المصرح، أو بما في حكمه كصلح بمعنى بيع أو هبة بشرط
الثواب (إن كان) المنتقل إليه (مثله) أي: مثل الشريك بأن كان كل من الشريك والمنتقل إليه الشقص مسلما، (أو دونه) أي: دون الشريك بان أن الشريك
مسلما أو المنتقل إليه كافرا.
وعلم من ذلك: أن المنتقل إليه لو كان أعلا من الشريك بأن كان مسلما
والشريك كافرا لم يكن له عليه شفعه. نص عليه.
وقيل: ولا لكافر محلى كافر، والبائع مسلم.
стр. 2838
إذا تقرر هذا فقوله: الشريك مخرج للجار وللموصى له بنفغ دار إذا باعها
أو بعضها وارث " لأن الموصى له ليس بمالك لشيء من الدار.
قال الحارثي: وأورد على قيد الشركة أن لو كان من تمام الحد لما حسن أن
يقال: هل تثبت الشفعة للجار أو لا؟ انتهي.
قلت: وذلك ليس بقادح في صحة الحد، لأن معنى كونه لا يحسن أن يقال
ذلك أي: أن يقوله من عرف حد الشفعة شرعا، أما الجاهل فيحسن منه
السؤال، ولا يكون ذلك قادحا أيضا، ويكون جوابه أن الشفعة استحقاق الشريك
لا الجار. والله أعلم.
وقوله: بعوض يخرج الموروث (١) والموصى به والموهوب بلا عوض
ونحو ذلك.
وقوله: مالي مخرج (٢) للممهور والمجعول عوضا عن خلع أو طلاق
والمصالح به عن دم عمد ونحوها.
ثم الشفعة ثابتة بالنص. أي: نص السنة واتفاق الكافة من العلماء، إلا من
شذ عن الكافة من الأصم، وابن علية.
وسند قول الكافة ما روى جابر رضي الله تعالى عنه قال: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (٣) .
متفق عليه.
وعن عبادة بن الصامت " أن النبي ﷺ قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور " (٤) . رواه عبدالله بن أحمد في " المسند ".
ولمسلم قال: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة
стр. 2839
أوحائط. لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه. فإن شاء أخذ وإن شاء ترك.
فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به " (١) .
وللبخاري: " إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة فيما لم ينقسم. فإذا وقعت
الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (٢) .
ويشهد أن ذلك قول كافة العلماء قول ابن المنذر: أجمع أهل العلم على
إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دور (٣) أو حائط.
والمعنى في ذلك: أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه
لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص. فالذي
يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه، ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه، وتخليص شريكه من الضرر. فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على
صرف ذلك إلى نفسه.
(و) لأجل ذلك (لا تسقط) الشفعة (باحتيال) على إسقاطها.
(ويحرم) الاحتيال عليه.
أما كونها لا تسقط بالاحتيال، فلانها إنما وضعت لدفع الضرر فلو سقطت
بالاحتيال للحق الضرر. فلم تسقط، كما لو أسقطها المشتري عنه بوقف أو بيع (٤) . ومعنى الحيلة على إسقاطها: ان يظهر (٥) المتعاقدان في البيع شيئا لا يؤخذ
بالشفعة معه، ويتواطؤون في الباطن على خلافه.
وأما كون ذلك يحرم، فلما روى أبو هريرة عن النبى ﷺ أنه قال:
" لا ترتكبوا ما ارتكبته اليهود فتستحلوا ما حرم الله " (٦) .
стр. 2840
وقد حرم الله الحيل في مواضع من كتابه.
(وشروطها) أي: وشروط الشفعة التي يستحق الأخذ بها (خمسة):
الأول: (كونه) أي: الشقص المنتقل عن الشريك (مبيعا) " لأن الشفيع
يأخذه لمثل السبب الذي انتقل به. ولا يمكن هذا في غير المبيع.
وإنما الحق بالبيع الصلح بمعناه، والصلح عن الجنايات الموجبة للمال
والهبه المشروط فيها ثواب معلوم، لأن ذلك كله بيع في الحقيقة لكن بالفاظ اخر.
(فلا تجب) الشفعة (في قسمة)، لان القسمة إفراز على المذهب،
(ولا) في منتقل بغير عوض، كموصى به وموهوب في (هبة) لم يشترط فيها
ثواب معلوم، لأن غرض الموصي والواهب نفع الموصى له والمتهب، وذلك لايحصل مع انتقاله عنه.
وكموروث، لأنه دخل في ملك الوارث بغير اختياره، بلا عوض. أشبه ما لو دخل
في ملكه شقص من مشترك بطلاق قبل الدخول، كما لو أصمدق إنسان امراة أرضا ثم باعت نصفها لانسان تم طلقها الزوج قبل الدخول فإنه يرجع إليه النصف الباقي في ملكها بغير اختياره ولم يكن للمشتري من المرأة عليه مطالبة بشفعة.
(ولا) تجب الشفعة أيضاً على الأصح (فيما) أي: في شقص (عوضه غير
مال، كصداق) أي: كالمجعول صداقا، (وعوض خلع وصلح عن قود)،
لأن ذلك ليس له عوض يمكن الأخذ به. فأشبه الموهوب والموروث. وفارق
البيع لإمكان الأخذ بعوضه.
ولأنه قد جاء في بعض ألفاظ الحديث: " فإن باع ولم يستاًذن فهو أحق به
بالثمن ". رواه أبو إسحاق الجوزجانى.
وهذا لا ثمن له. بخلاف المبيع.
(ولا) تجب الشفعه أيضا في (ما) أي: في شقص (أخذ) من الشريك،
حال كونه (اجرة، أو ثمنا في سلم، أو عوضا في كتابة). جزم بذلك
في " الرعاية الكبرى ".