وفي " الوجيز ": لا تسقط الوصية بالشقص. وهذا يقتضي أن موت
المشتري لا يسقطها مع أنه اسقطها بالهبة والوقف. انتهي.
ولو ارتد المشتري وقتل أو مات فللشفيع الأخذ بالشفعة من بيت المال. قاله
الشارح واقتصر عليه الحارثي. ذكره في " الإنصاف ".
قلت: وعزوه ذلك إلى الشارح يدل على أنه لم يطلع على كلام الموفق في
" المغنى ". وعبارته: ولو اشترى رجل شقصا ثم ارتد فقتل أو مات فللشفيع
أخذه بالشفعة، لأنها وجبت بالشراء. وإنتقاله الى المسلمين بقتله أو موته
لا يمنع الشفعة كما لو مات على الإسلام فورثه ورثته، أو صار ماله لبيت المال،
لعدم ورثته. والمطالب بالشفعة وكيل بيت المال. انتهي.
وفي هذا أيضا تصريح بأن موت المشتري وإنتقال ماله إلى ورثته لا يمنع
الشفعة.
وتقدم كلام ابن نصر الله: أنه لم يجد من صرح بذلك. وقوة كلام الموفق
تعطي أنه لا خلاف فيه، لانه جعله أصلا، وقاس عليه مسألة المرتد. والله أعلم.
(وإن باع) المشتري (١) الشقص (أخذ) ـه (شفيع بثمن أي البيعين شاء)،
لأن سبب الشفعة الشراء وقد وجد من كل منهما.
ولأنه شفيع في العقدين.
وقال ابن أبي موسى: لا يأخذه الشفيع إلا ممن هو في يده. وهو ظاهر كلام
ابن عقيل في " التذكرة "، لانه قال: إذا خرج عن يده وملكه كيف يسلمه؟
ومقتضى القولين صحة التصرف.
ولنا وجه: أنه باطل. وهو ظاهر كلام أبي بكر في " التنبيه ". قاله في
القاعدة الرابعة والعشرين.
وذكر أبو الخطاب أن تصرف المشتري في الشقص المشفوع يصح ويقف على
إجازة الشفيع.
стр. 2872
فعلى الأول وهو: أن الشفيع له الأخذ بثمن أي عقد شاء: إن تبايع ثلاثة فله
أن يأخذ المبيع بالبيع الأول وينفسخ. العقدان الآخران، وله أن يأخذ بالثاني
وينفسخ الثالث وحده، وله أن ياخذه بالثالث ولا ينفسخ شيء من العقود. فإذا
أخذه من الثالث دفع إليه الثمن الذي اشترى به ولم يرجع على أحد، لأنه وصل
إليه الثمن الذي اشتراه به. وإن أخذه الشفيع بثمن البيع الثاني من المشتري الثاني
أو بثمن البيع الأول من المشتري الأول دفع إليه الثمن الذي اشتراه به.
(ويرجع من اخذ) أي: الذي أخذ (الشقص منه ببيع قبل بيعه) وهو من
كان الشقص بيده حال الأخذ (على بائعه بما أعطاه) من ثمنه. فإذا كان الأول
اشتراه بعشرة أرادب شعيرا، واشتراه الثاني منه بعشرة أرادب فولا، واشتراه
الثالث منه بعشرة أرادب قمحاً، وأراد الشفيع اخذه بثمن البيع الأول من المشتري الثالث دفع إلى المشتري الأول عشرة أرادب شعيرا، وأخذ الثاني من الأول عشرة ارادب فولا، وأخذ الثالث من الثاني عشرة أرادب قمحا، لأن بفسخ البيع يملك المشتري الرجوع في الثمن. وإن أخذ (١) بالبيع الثاني دفع إلى المشتري الثاني
عشرة أرادب فولا، وأخذ المشتري الثالث عشرة أرادب قمحا من المشتري
الثاني. وإن أخذ بالبيع الثالث دفع إلى المشتري الثالب عشرة أرادب قمحا
ولا يرجع الثالث على احد.
(ولا تسقط) الشفعة برجوع الشقص إلى الشريك (بفسخ) للبيع (لتحالف)
على قدر الثمن بسبب اختلافهما فيه، لسبق استحقاق الشفعة الفسخ.
(ويؤخذ) بالشفعة (بما) أي: بثمن (حلف عليه بائع)، لأن البائع مقر
بالبيع بالثمن الذي حلف عليه ومقر للشفيع باستحقاق الشفعة بذلك. فإذا بطل
حق المشتري بإنكاره لم يبطل حق الشفيع بذلك. فله أن يبطل فسخهما ويأخذ،
لأن حقه أسيق.
(ولا) تسقط الشفعة أيضا برجوع الشقص إلى الشريك بسبب (إقالة أو)
стр. 2873
بسبب إنفساخ البيع، لوجود (عيب في شقص). فللشفيع إبطال الإقالة والرد
والأخذ بالشفعة، لأن حقه سابق عليهما.
وفي الإقالة رواية في الرد بالعيب وجه.
(و) فسخ البيع في الشقص بحيب (في ثمنه المعين)، كما لو باع الشريك
الشقص بعبد ثم وجد بالعبد عيبا ففسخ البيع أن كان الفسخ (قبل أخذه) أي:
الشفيع (بها) أي: بالشفعة: (يسقطها)، لأن في عدم سقوطها إضرارا بالبيع
بإسقاط حقه من الفسخ الذي استحقه بوجود العيب، والشفعة تثبت لإزالة
الضرر. فلا تثبت على وجه يحصل بها الضرر. فإن الضرر لا يزال بالضرر.
ولأن حق البائع في الفسخ أسبق، لأنه استند إلى وجود العيب وهو موجود
حال البيع والشفعة تثبت بالبيع فكان حق البائع سابقا، وفي الشفعة إبطاله فلم
تثبت. ويفارق ما إذا كان الشقص معيبا فإن حق المشتري إنما هو في استرجاع
[الثمن وقد حصل له من الشفيع فلا فائدة في الرد. وفي مسألتنا حق البائع في استرجاع] (١) الشقص ولا يحصل ذلك مع الأخذ بالشفعة فافترقا.
(لا بعده) أي: أن لم يفسخ البائع البيع حتى أخذ الشفيع الشقص يالشفعة
فإنها لا تسقط، لأن الشفيع ملك الشقص بالأخذ. فلم يملك البائع إبطال
ملكه، كما لو باعه المشتري لأجنبي.
(ولبائع) فسخ (إلزام مشتر بقيمة شقصه)، لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة
التلف للشقص.
(ويتراجع مشتر وشفيع بما بين قيمة) للشقص (وثمن) له وهو قيمة العبد،
لأن الشفيغ أخذه قبل الاطلاع على عيب العبد بقيمته، لأنه الثمن الذي وقع عليه
العقد وبعد الاطلاع على عيب العبد وفسخ البيع وتعذر رد الشقص استقر العقد
على قيمة الشقص، والشفيع لا يلزمه إلا ما استقر عليه العقد، وللمشتري
المطالبة بما أداه زيادة عليه.
стр. 2874
(فيرجع دافع الأكثر) منهما على صاحبه (بالفضل).
وقيل: لا يتراجعان، لأن الشفيع أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد وهو
قيمة العبد صحيحاً. بدليل أن البائع إذا علم بالعيب ملك رده.
ويحتمل أنه يأخذه بقيمة العبد معيبا، لأنه إنما أعطى عبدا معيبا فلا يأخذ
قيمة غير ما أعطي.
(ولا يرجع شفيع على مشتر بأرش عيب في ثمن عفى عنه بائع) يعني: أن
البائع لو أبرأ مشتري الشقص من العيب الذي وجده بالعبد لا يرجع الشفيع عليه
بشيء، لأن البيع لازم من جهة المشتري لا يملك فسخه. أشبه ما لو حط البائع
عنه بعض الثمن بعد لزوم العقد.
وإن اختار البائع أخذ أرش عيب العبد: لم يرجع مشتر على شفيع بشيء،
لأنه إنما دفع إليه قيمة العبد غير معيب.
وإن كان إنما اخذ قيمته معيبا رجع عليه ببدل ما أدى من أرشه.
وحيث تعذر رد الشقص على بائعه بمقتضى فسخ العقد لوجوده العبد معيبا
من أجل كون الشفيع أخذه بالشفعة لما تقدم من أن أخذه بالشفعة كتلفه، وإن على المشتري قيمته لبائعه فإنه لو عاد الشقص إلى ملك المشتري من الشفيع أو غيره
ببيع أو هبة أو إرث أو غير ذلك لم يملك البائع استرجاعه بمقتضى الفسخ
السابق، لأن ملك المشتري زال عنه وانقطع حقه منه إلى القيمة. فإذا أخذ بها لم
ييق له حق. بخلاف ما لو غصب شيئا فأدى قيمته، لعدم قدرته على رده ثم قدر عليه: فإنه يرده، لأن ملك المغصوب منه لم يزل عنه.
وإن بان العبد الذي هو ثمن الشقص مستحقا فالبيع باطل ولا شفعة فيه،
لانها إنما تثبت في عقد ينتقل الملك إلى المشتري. فإن كان الشفيع قد أخذ
بالشفعة لزمه رد ما اخذه على البائع، ولا يثبت ذلك إلا ببينة أو إقرار من الشفيع والمتبأيعين. فان أقر المتبأيعان وأنكر الشفيع لم يقبل قولهما عليه وله الأخذ
بالشفعة ويرد العبد إلى صاحبه ويرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص.
стр. 2875
وإن أقر الشفيع والمشتري دون البائع: لم تثبت الشفعة، ووجب على
المشتري رد قيمة العبد على صاحبه، ويبقى الشقص معه يزعم أنه للبائع والبائع ينكره ويدعي عليه وجوب رد العبد فيشتري الشقص منه ويتباران.
وإن أقر الشفيع والبائع وأنكر المشتري: وجب على البائع رد العبد على
صاحبه، ولم تثبت الشفعة، ولم يملك البائع مطالبة المشتري بشيء، لأن البيع
صحيح في الظاهر وقد أدى ثمنه الذي هو ملكه في الظاهر.
وإن أقر الشفيع وحده: لم تثبت الشفعة، ولا يثبت شيء من أحكام البطلان
في حق المتبأيعين.
فأما ان اشترى الشقص بثمن في الذمة ثم نقد الثمن فبان مستحقا كانت
الشفعة واجبة، لأن البيع صحيح. فان تعذر قبض الثمن من المشتري لإعساره أو غيره: فللبائع فسخ البيع ويقدم حق الشفيع، لأن بالأخذ بها يحصل للمشتري ما
يؤديه ثمنا فتزول عسرته ويحصل الجمع بين الحقين. قاله في " المغني ".
(وإن أدركه) أي: أدرك الشقص المبيع (شفيع) أي: من له أخذه من
مشتريه بالشفعة (وقد اشتغل بزرع مشتر.
أو) كان الشقص من أرض وشجر فلم يدركه الشفيع حتى (ظهر ثمر) في
شجره بعد شرائه.
(أو) كان الشقص من أرض ونخل فلم يدركه الشفيع حتى (ابر طلع)
للنخل المبيع وهو على ملك المشتري، (ونحوه)، كما لو كان الشقص من
أرض بها أصول باذنجان أو قثاء أو نحوهما ولم يدركه الشفيع حتى ظهر في ذلك وهو على ملك المشتري لقطة: (فله) أي: فالزرع والثمرة التي ظهرت والطلع
الذي قد أبر واللقطة الأولى من القثاء والباذنجان ونحوهما للمشتري دون
الشفيع.
أما الزرع، فلأنه نماء البذر وهو ملك المشتري فكذلك نماؤه.
وأما الثمن، فلأنه حدث في ملك المشتري.
стр. 2876
(ويبقى) الزرع (لحصاد) أي: إلى أوان حصاد، (و) الثمر إلى أوان
(جذاذ.
ونحوه) أي: واللقطة الأولى من قثاء وباذنجان إلى أوان تبقى فيه بقدر ما تلقط
في العادة. (بلا اجرة) على المشتري للشفيع عما يقابل الشقص المشفوع، لأن
الأخذ بالشفعة كالشراء الثاني من المشتري فيكون حكمه حكم البيع.
ومتى كان الطلع موجودا حالة الشراء غير مؤبر ثم أبر عند المشتري: فهو له
أيضا مبقى إلى أوان جذاذه. لكن الشفيع هنا لا يلزمه أخذ الأرض والنخل بجميع الثمن، وإنما يأخذهما بحصتهما منه، لأنه قد فات عليه بعض ما شمله عقد
الشراء وهو الطلع الذي لم يؤبر حالة العقد. أشبه ما لو شمل العقد الشقص
وعرضا معه.
وأما إذا نمى المبييع في يد المشتري نماء متصلا، كالشجر يكبر، والنخل
يطلع ولم يؤبر: فإن الشفيع يأخذه بزيادته، لأن هذه زيادة تتبع الأصل في الرد
بالعيب والإقالة والخيار فتبعته في الأخذ بالشفعة.
فإن قيل: فلم لا يرجع الزوج في نصفه زائدا إذا طلق قبل الدخول؟
فالجواب: أن الزوج يقدر على الرجوع بالقيمة إذا فاته الرجوع بالعين،
وفى مسألة الشفيع إذا لم يرجع قي الشقص سقط حقه من الشفعة فلم يسقط حقه
من الأصل في لاجل ما حدث من التابع، وإذا أخذ الأصل تبعه نماؤه كما ذكرنا في الفسوخ.
(وإن قاسم مشتر شفيعا أو) قاسم (وكيله) أي: وكيل الشفيع (لإظهاره)
أي: المشتري للشفيع (زيادة ثمن) على الثمن المبتاع به الشقص،
(ونحوه)، كإظهاره إن الشريك وهبه له أو وقفه عليه، (ثم غرس) المشتري
(أو بنى) فى الجزء المفروز بالقسمة ثم تبين الحال: (لم تسقط) الشفعة، لأن
الشفيع لم يترك الطلب بها إعراضا عنها بل لما أظهره المشتري.
وكذا الحكم لو كان الشفيع غائباً أو صغيرا وطالب المشتري الحاكم بالقسمة
стр. 2877
فقاسم ثم قدم الغائب وبلغ الصغير فإن لهما الأخذ بالشفعة.
(ولربهما) أي: الغرس والبناء إذا أخذ الشقص بالشفعة (أخذهما) أي:
قلعهما، لأنهما ملكه على انفراده، (ولو مع ضرر) يلحق الأرض، لأنه
تخليص لعين ماله مما كان حين الوضع في ملكه.
وقيل: ليس لرب البناء ولا الغراس القلع إلا إذا لم يكن فيه ضرر.
قال الحارثي: وهذا الخلاف الذي أورده من أورده من الأصحاب مطلقا ليس
بالجيد بل يتعين تنزيله أما على اختلاف حالين، وأما على ما قبل الأخذ. وإنما
أورده القاضي وابن عقيل في " الفصول " على هذه الحالة لا غير. وحيث قيل باعتبار عدم الضرر فيما بعد الأخذ وهو ظاهر ما أورده في " التذكرة ". انتهي. وعنه: له قيمة البناء ولأيقلعه.
(و) على المذهب: (لا يضمن) قالع بنائه أو غراسه (نقصا) حصل
(بقلع)، لانتفاء عدوانه.
فعلى هذا يخير الشفيع بين أخذه ناقصا بكل الثمن أو تركه.
وظاهر كلام الخرقي: أن عليه ضمان النقص الحاصل بالقلع دون النقص
الحاصل بالغرس والبناء.
(فإن أبي) رب الغرس أو البناء قلعه. سواء قيل بضمانه للنقص أو لا.
(فللشفيع اخذه) أي: الغرس والبناء ملكا (بقيمته حين تقويمه).
قال الحارثي: يعتبر بدل البناء أو الغراس بما يساويه حال التقويم لا بما انفق المشتري، زاد على القيمة أو نقص. ذكره أصحابنا. انتهي.
وقال في " المغني ": أنه لا يمكن الحجاب قيمته مستحقا للبقاء في الأرض،
لأنه لا يستحق ذلك ولا قيمته مقلوعا، لأنه لو وجبت قيمته مقلوعا لملك قلعه
ولم يضمن شيئا.
ولأنه قد يكون مما لا قيمة له إذا قلعه.
стр. 2878
ولم يذكر أصحابنا كيفية وجوب القيمة. والظاهر أن الأرض تقوم وفيها
الغراس والبناء ثم تقوم خالية منهما فيكون ما بينهما قيمة الغرس والبناء فيدفعه
الشفيع إلى المشتري إن أحب أو ما نقص منه إن اختار القلع، لأن ذلك هو الذي
زاد بالغراس (١) والبناء.
ويحتمل أن يقوم الغرس والبناء مستحقا للترك بالأجرة أو لأخذه بالقيمة إذا
امتنعا من قلعه. فإن كان للغرس وقت يقلع فيه فيكون له قيمة، وإن قلع قبله لم
يكن له قيمة أو تكون قيمته قليلة. فاختار الشفيع قلعه قبل وقته: فله ذلك، لأنه
يضمن النقص فينجبر به ضرر المشتري. سواء أكثر النقص أو قل، ويعود ضرر كثرة النقص على الشفيع وقد رضي باحتماله.
وإن غرس أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المشاع ثم أخذه الشفييع: فالحكم
في اخذ نصيبه من ذلك كالحكم في أخذ جميعه. انتهي.
وجزم ابن رزين في " شرحه " بما قال في " المغني ": انه الظاهر.
إذا علمت ذلك: فالمذهب ان الشفيع مخير بين شيئين هما: الأخذ بالقيمة
حين التقويم، (أو قلعه ومن نقصه) الذي ينقصه بالقلع (من قيمته). وهذا
التخيير هو قول أكثر العلماء.
وقيل: أنه مخير بين ثلاثة أشياء، والثالث: أن يقره بأجرة.
(فإن أبي) الشفيع أحد الشيئين على المذهب: (فلا شفعة) أي: فلا
يملك المطالبة بها بعد ذلك، لأنه مضار.
(وإن حفر) المشتري في الأرض التي منها الشقص المشفوع (بئرا) لنفسه
بإذن الشفيع لإظهار زيادة في الثمن ثم علم فأخذ بالشفعة: (أخذها) أي: أخذ
البئر مع الشقص، (ولزمه) أي: الشفيع للمشتري (اجرة مثلها) أي: مثل
البئر، لأن المشتري لم يتعد بحفرها.
стр. 2879
(وإن باع شفيع شقصه) في الأرض التي أبيع منها الشقص المشفوع (قبل
علمه) ببيع (١) شريكه: (فعلى شفعته)، لأنها ثبتت له حين باع شريكه ولم
يوجد منه ما يدل على عفوه عنها.
وقيل: تسقط.
وعلى هذا فيما إذا باع بعض شقصه وجهان.
(و) على المذهب: (تثبت) الشفعة (لمشتر) وهو الذي لم يعلم الشفيع
بشرائه حتى باع شقصه (في ذلك) أي: فيما باعه الشفيع قبل علمه ببيع شريكه.
سواء أخذ منه ما اشتراه بالشفعة أو لم يؤخذ، لأنه شريك في الرقبة. أشبه
المالك الذي لم يستحق عليه شفعة.
وقيل: إن أخذ المبيع من المشتري الأول بالشفعة لم تكن له شفعة على
المشتري الثاني.
وعلم مما تقدم أنه لو باع جميع حصته بعد علمه ببيع شريكه إن شفعته تسقط
وهو صحيح.
قال في " الإنصاف ": لا خلاف فيه أعلمه.
لكن لو باع بعض حصته عالما: ففي سقوط الشفعة وجهان، وأطلقهما في
" المغني " و" الشرح " و" الفائق ": أحدهما: تسقط، والثاني: لا تسقط،
لأنه قد بقي في ملكه ما يستحق به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد فكذلك إذا بقي. قال الحارثي: وهو أصح إن شاء الله تعالى، لقيام المقتضي وهو الشركة.
وهل للمشتري الأول شفعة على المشتري الثاني في هذه الصورة؟ فيه
وجهان، وأطلقهما في " المغني " و" الشرح ":
أحدهما: له الشفعة.
قال الموفق في " المغني ": وهو القياس.
стр. 2880
والوجه الثاني: لا شفعة له.
(وتبطل) الشفعة أي: تسقط (بموت شفيع) لم يطلب مع قدرة أو يشهد
مع عذر، لأنها نوع خيار شرع للتمليك. أشبه قبول الأيجاب في الذي به تمام
عقده، فإنه لو مات من يريد القبول بعد أيجاب صاحبه وقبل قبوله لم يقم وارثه
مقامه في القبول.
ولأنا لا نعلم بقاءه على الشفعة، لاحتمال رغبته عنها، ولا ينتقل إلى الورثة
ما شك في ثبوته.
وقال بعضهم: إنما لم تورث، لأن حق الميت سقط بترك الطلب وإعراضه
عنه. لا سيما على قولنا إنها على الفور.
فعلى هذا: لو كان الميت غائبا أو لم يعلم بالبيع فللورثة المطالبة.
ونقل أبو طالب: إذا مات صاحب الشفعة فلولده أن يطلبوا الشفعة
لمورثهم.
قال في " القواعد ": وظاهر هذا إن لهم المطالبة بكل حال. انتهي.
و (لا) تسقط الشفعة ان مات الشفيع (بعد طلبه) المشتري بها، (أو) بعد
(إشهاد به) أي: بالطلب (حيث اعتبر) الإشهاد، كما لو كان الشفيع مريضا
أو نحوه.
قال أحمد في رواية أبي طالب: الشفعة لا تورث. ل صه لم يكن طلبها.
فجعل العلة في إبطالها بالموت عدم العلم بطلب الميت. فيؤخذ منه إذا علم
طلب الميت بها لم تسقط.
وقد تقدم إنه بمجرد الطلب ينتقل ملك الشقص المشفوع إلى الشفيع فيكون
الحق موروثا بهذا الاعتبار.
(وتكون لورثته كلهم بقدر إرثهم).
ومن قال بأن الملك لا ينتقل بمجرد الطلب علل عدم سقوط الشفعة بالموت.
بعد الطلب بأن الطلب مقرر للحق، وإذا تقرر الحق وجب أن يكون موروثا.
стр. 2881
وعلى هذا إذا عفى بعض الورثه عن حقه توفر على باقي الورثة، ولم يكن
لهم أن يأخذوا إلا الكل أو يتركوا، كالشفعاء إذا عفى بعضهم.
وعلى الأول: ليس لهم ولا لبعضهم رد ذلك، لانتقال الملك إلى مورثهم
بطلبه. أشبه ما لو اشترى شيئا ثم مات فإنه ليس لأحد من الورثة رد هذا الشراء،
إلا ان يكون بمحاباة مع وارث فإنه يبطل في قدرها فقط.
(فإن عدموا) يعني: لو طلب شريك بما يستحقه من شفعته ثم مات ولا
وارث له (فللأمام الأخذ بها)، لأن ذلك حق مستقر لميت لا وارث له. فملك
الأمام أخذه، كسائر حقوقه.
стр. 2882
] فصل: في ثمن المشفوع]
(فصل. ويملك الشقص) المشفوع بالأخذ بالشفعة (شفيع مليء بقدر
ثمنه) الذي استقر عليها الشراء من الشريك الشفيع (المعلوم) للشفيع.
أما كون الشفيع لا يأخذ الشقص إلا بقدر ثمنه، فلما روي في حديث جابر أن
النبي ﷺ قال: "هو أحق بالثمن ". رواه أبو إسحاق الجوزجانى في" المترجم ". ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع. فكان مستحقا له بالثمن،
كالمشتري.
فإن قيل: إن الشفيع استحق أخذه بغير رضى مالكه. فينبغي أن يأخذه
بقيمته، كالمضطر يأخذ طعام غيره.
فالجواب: أن المضطر استحق أخذه بسبب حاجته (١) خاصة. فكان المرجع
في بدله إلى قيمته، والشفيع استحقه لأجل البيع. فكان المرجع في بدله إلى ثمنه.
وأما كونه يشترط أن يكون الثمن معلوما للشفيع فلأن الأخذ بالشفعة أخذ
بعوض. فاشترط أن يعلمه باذل قبل الإقدام على التزامه، كالمشتري لمبيع.
(و) حيث تقرر هذا فإن كان الثمن من المثليات، كالدارهم والدنانير، أو
غيرهما من المثليات، كالحبوب والأدهان: فإن الشفيع (يدفع) للمشتري
(مثل مثلي) أي: قدره من جنسه، لان هذا مثل من طريق الصورة والقيمة.
فكان أولى من سواه.
ولأن الواجب بدل الثمن. فكان مثله، كبدل القرض والمتلف.
(و) إن كان الثمن من الأعيان المتقومات، كالثياب والحيوان والعقارات.
فإن الشفيع يدفع للمشتري (قيمة متقوم)، لأنها بدله في الإتلاف. والمراد
стр. 2883
قيمته وقت الشراء، لانه وقت استحقاق الأخذ. ولا اعتبار بزيادة القيمة أو
نقصها بعد ذلك.
وإن كان في البيع خيار اعتبرت القيمة عند لزومه، لأنه حين استحقاق الأخذ.
(فإن تعذر) على الشفيع (مثل مثلي) لعدمه: (فقيمته، أو) تعذرت
(معرفة قيمة المتقوم) بتلفه أو نحوه: (فقيمة شقص) مشفوع، لأن الأصل في
عقود المعاوضات أن يكون العوض فيها بقدر القيمة، لأنها لو وقعت بأقل أو
أكثر لكانت محاباة (١) والأصل عدمها.
(وإن جهل الثمن) أي: قدره، كما لو كان صبره نقد فتلفت أو اختلطت
بما لا تتميز منه، (و) الحال: أنه (لا حيلة) في ذلك على إسقاط الشفعة:
(سقطت)، كما لو علم قدر الثمن عند الشراء ثم نسي، لأن الشفعة لا تستحق
بغير بدل، ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه.
(فإن اتهمه) الشفيع بأن فعل ذلك تحيلا على إسقاط الشفعة (حلفه) على
نفي ذلك، لاحتمال صدق الشفيع.
(ومعها) أي: مع الحيلة (فقيمة شقص.
وإن عجز) عن دفع ثمن الشقص المشفوع، (و) كذا (لو) كان عاجزا
(عن) دفع (بعض ثمنه)، لأنه في أخذه بدون دفع جميع الثمن إضرارا
بالمشتري ولا يزال الضرر بالضرر.
والعجز المسقط لها إنما يعتبر (بعد انظاره) أي: الشفيع بالثمن من حين
أخذ بالشفعة (ثلاثا) أي: ثلاث ليال بأيامهن.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب حتى يتبين عجزه. نص
عليه وجزم به في " الرعأية الكبرى " و" المحرر ". انتهي.
ولأنه قد لا يكون معه نقد فيمهل بقدر ما يعده فيه. والثلاث آخر حد جمع
القلة، ويمكن الإعداد فيها غالبا.
стр. 2884
وعن أحمد في رواية حرب: ينظر الشفيع يوما أو يومين بقدر ما يرى
الحاكم. فإذا كان اكثر فلا.
وعنه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب في وقتنا هذا. انتهي.
(فلمشتر) لم يرض بتأخير الثمن حيث عجز الشفيع عنه أو هرب وقد أخذ
الشقص بالشفعة (الفسخ) من غير حاكم، لأنه تعذر عليه الوصول إلى الثمن
فملك الفسخ، كبائع بثمن حال تعذر وصوله إليه.
ولأن الأخذ بالشفعة لا يقف على حكم الحاكم. فلا يقف فسخ الأخذ بها
عليه، كفسخ غيرها من الييوع. وكالرد بالعيب.
وقيل: يفسخه الحاكم.
وفيل: بل بأن بطلان الأخذ فلا يحتاج إلى فسخ.
وعلى المذهب: للمشتري الفسخ (ولو أتى) الشفيع (برهن) على الثمن
(أو) بـ (ضامن) له فيه، ولو كان الرهن حرزا والكفيل مليئا، لأن الضرر
بتأخير الثمن حاصل معهما والشفعة شرعت لدفع الضرر فلا تلزم معه.
ولأن المشتري لا يلزمه تسليم الشقص فبل قبض ثمنه. قاله في " التلخيص "
وغيره. وفرق بينه وبين البيع.
(ومن) أي: وأي شفيع أخذ بالشفعة الشقص و (بقي) ثمنه (بذمته حتى
فلس) أي: حكم (١) بفلسه: (خير مشتر) اخذ منه الشقص بالشفعة (بين فسخ)
للأخذ بالشفعة (أو ضرب مع الغرماء) بالثمن، كالبائع إذا أفلس المشتري.
(و) ثمن (مؤجل) أخذ به المشتري الشقص ولم يدرك الشفيع الأخذ حتى
(حل) على المشتري: (كحال) أي: كما لو اشترى به حالا.
قال في " الفروع ": فإن مضى ثم علم فكحال.
стр. 2885
وقال الحارثي: إطلاق قول المصنف- يعني: به الموفق في " المقنع "- إن
كان مؤجلا أخذه بالأجل أن كان مليئا: يفيد ما لو لم يتفق طلب الشفيع إلا عند
حلول الأجل أو بعده: أنه يثبت له استئناف الأجل.
قال في " الإنصاف " عن الحارثي: وقطع به ونصره. انتهي.
(وإلا) أي: وإن لم يحل الثمن المؤجل قبل اخذ الشفيع الشقص بالشفعة
(فإلى اجله) أي: فيأخذه به إلى أجله (إن كان) الشفيع (مليئا، أو كفله)
كفيل (مليء). نص عليه وعليه الأكثر.
وقيل: يشترط وصف الثقة مع الملاءة فلا تستحق الشفعة بدونهما.
قال الحارثي: وليس ببعيد من النص.
أما كون الشفيع يأخذه بالثمن إلى أجله، فلأنه تابع للمشتري في قدر الثمن
وصفته والتأجيل من صفاته.
ولأن في الحلول زيادة على التأجيل. فلم يلزم الشفيع، كزيادة القدر.
وأما كون الشفيع يشترط ان يكون مليئا أو ان يأتي بكفيل مليء، فلكي يحفظ
المال إلى أجله، لكون المشتري لم يرض بذمة غير مليء.
(ويعتد) في تقدير ثمن (بما زيد) فيه (أو حط) منه (زمن خيار)، لان
زمن الخيار بمنزلة حالة العقد، والتغيير يلحق بالعقد فيه، لانهما على اختيارهما
فية.
ولأن حق الشفيع إنما يثبت إذا لزم العقد. فاعتبر القدر الذي لزم العقد عليه.
ولأن الزيادة بعد لزوم العقد هبة والنقص إبراء. فلا يثبت لثميء منهما في حق
الشفيع.
(ويصدق مشتر بيمينه) فيما إذا اختلف هو والشفيع (في قدر ثمن) اشترى
به الشقص حيب لا بينة، لأن العاقد أعرف بالثمن.
ولأن الشقص ملكه. فلا ينتزع منه بما يدعي به من قدر الثمن من غير بينة.
стр. 2886
فإن قيل: فلم لا كان القول قول الشفيع، لأنه غارم ومنكر للزيادة. فيكون
كالغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق؟.
فالجواب: إن الشفيع ليس بغارم، لأنه لا شئ عليه. وإنما يريد بذلك (١)
تملك الشقص بثمنه. بخلاف الغاصب والمتلف والمعتق.
(و) كذا (لو) كان الثمن (قيمة عرض) اشترى به الشقص، وقال
الشفيع: قيمته عشرون، وقال المشتري: بل ثلاثون، فإن القول قول المشتري
في قدر قيمة العرض المشترى به بيمينه حيث لا بينة، لما تقدم.
ومحل ذلك: حيث لم يكن العوض موجودا. فإن كان موجودا عرض على
المقومين ليشهدوا بما يعلمونه من قدر قيمته.
] (و) يصدق المشتري بيمينه أيضا في (جهل به) أي: بقدر التمن،
كتصديقه بيمينه في جهل بقيمة العرض المشترى به، لجواز ان يكون اشتراه جزافا أو بثمن نسي مبلغه] (٢) .
(و) يصدق المشتري بيمنه أيضا في (أنه غرس أو بنى) في الأرض التي
منها الشقص المشفوع فيما إذا انكر الشفيع انه أحدث ذلك، لانه ملك
المشتري، والشفيع يريد تملكه عليه. فكان القول قول المالك.
ومحل ذلك كله: مع عدم بينة تشهد بما يقوله الشفيع، ولهذا قلت:
(إلا مع بينة شفيع) فإنه يعمل بها إذا انفردت بلا نزاع.
(و) إن أقام كل واحد بينة بدعواه التي تصح إقامة البينة عليها: فبينة الشفيع
(تقدم على بينة مشتر) على المذهب، لأنه خارج، والمشتري داخل.
وقيل: يتعارضان.
وقيل: باستعمالهما بالقرعة.
وقيل: تقدم بينة مشتر.
стр. 2887
(وإن قال) المشتري للشقص: (اشتريته بألف.، واثبته) أي: أثبت البيع
(بائع بأكثر) من الف: (فللشفيع اخذه) بالشفعة (بألف)، لأن المشتري مقر
له باستحقاق أخذه بألف. فلم يستحق الرجوع عليه بأكثر من ذلك.
ولأن المشتري يذكر أن هذه البينة كاذبة وإن البائع ظلمه فيما زاد على
الألف. فلم يحكم له به. وإنما حكم به للبائع، لأنه لا يكذبها.
(وإن (١) قال) المشتري: صدقت البينة و (غلطت) أنا (أو نسيت أو
كذبت: لم يقبل) رجوعه عن قوله الأول، لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق
آدمي غيره. فأشبه ما لو أقر له بدين.
وقيل: يقبل، لأنه قد حكم الحاكم بكذبه فقبل رجوعه عن الكذب.
(وإن ادعى شفيع) على من انتقل إليه شقص كان بيد شريكه (شراءه) أياه
(بألف) وطالب بالشفعة احتاج إلى تحرير الدعوى فيحدد المكان الذي منه
الشقص ويذكر قدر الشقص. فإن اعترف عن غريمه وجبت الشفعة، وان انكر
(فقال: بل اتهبته أو ورثته: حلف) على ذلك ولا شفعة. لأن الأصل معه،
والمثبت للشفعة البيع ولم يتحقق.
(فإن نكل) عن اليمين، (أو قامت لشفيع بينة) بالبيع، (أو أنكر)
المدعى عليه البيع (واقر بائع) به: (وجبت) الشفعة في المسائل الثلاث.
(و) متى إنتزع منه الشقص وأبي قبض الثمن: فإنه (يبقى الثمن حتى في)
المسالة (الأخيرة: إن أقر بائع بقبضه) أي: بقبض الثمن ممن انتزع منه الشقص
(في ذمة شفيع) متعلق بيبقى. (حتى يدعيه مشتر) فيدفع إليه.
وقيل: يأخذه الحاكم فيحفظه لمشتر إلى أن يدعيه فيدفع إليه.
وقيل: يقال لمن انتزع منه الشقص: أما إن تقبضه وإن تبرئ منه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن البائع في المسألة الأخيرة أقر بقبض الثمن: (أخذ
стр. 2888
الشقص من بائع، ودفع إليه الثمن)، لأنه معترف بما يوجب الشفعة وهو البييع والمشتري فأخذ بإقراره، لأنه اقر بحقين للشفيع وحق للمشتري. فإذا سقط حق المشتري بإنكاره ثبت حق الآخر، كما لو أقر بدار لرجلين فأنكره أحدهما.
وقيل: لا تثبت الشفعة، لأنها فرع البييع ولم يثبب الأصل.
(ولو ادعى شريك) في عقار تثبت فيه الشفعة (على) انسان (حاضر، بيده
نصيب شريكه الغائب، أنه) أي: الحاضر (اشتراه) أي: الشقص (منه)
أي: من الغائب، (وأنه) أي: المدعي (يستحقه) أي: الشقص (بالشفعة.
فصدقه) المدعى عليه: (أخذه) أي: أخذ المدعي الشقص ممن هو بيده، لأن
من بيده العين يصدق في تصرفه فيما هو بيده.
(وكذا) الحكم (لو ادعى) الشريك على حاضر: (أنك بعت نصيب
الغائب بإذنه. فقال: نعم) فإن للمدعي أخذ الشقص بالشفعة، (فإذا قدم)
الغائب (فأنكر) البييع والإذن في البييع: (حلف)، وينتزع الشقص، ويطالب
بالأجرة من شاء منهما، (ويستقر الضمان على الشفيع)، لأن المنافع تلفت
تحت يده.
وإذا ادعى الشريك على الوكيل انك اشتريت الشقص الذي في يدك فانكر،
وفال: إنما أنا وكيل فيه أو مستودع له: فالقول قوله مع يمينه.
فإن نكل فقال في " المغني ": احتمل أن يقضى عليه، لأنه لو أقر لقضي
عليه فكذلك اذا نكل. واحتمل أن لا يقضى عليه، لأنه قضاء على الغائب بغير
بينة ولا إقرار من الشقص بيده.
стр. 2889
] فصل: في وجوب الشفعة فيما ادعى شراءه لموليه]
(فصل. وتجب الشفعة فيما) أي: في شقص (ادعى) المشتري (شراءه
لموليه) أي: لمن اشترى وليه، لأن الشفعة حق ثبت لإزالة الضرر. فاستوى
فيه مطلق التصرف والمحجور عليه، وقبل إقرار وليه فيه كما يقبل إقراره بعيب
في مبيعه.
وقيل: لا تجب الشفعة بإقرار الولي عليه بالشراء، لأنه أيجاب حق في مال
المحجور عليه بإقرار وليه.
وكذا لو قال مشتري الشقص: إنما اشتريته لفلان الغائب، فإن الشفعة تثبت
وياًخذه الحاكم ويدفعه إلى الشفيع، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، لأننا لو
وقفنا الأمر في الشفعة إلى حضور المقر له لكان في ذلك إسقاط الشفعة، لأن كل مشتر يدعي ان الشراء لغائب.
وأما إذا أقر المدعى عليه بمجرد الملك لموكله الغائب أو لمحجوره ثم أقر
بالشراء بعد ذلك: لم تثبت الشفعة حتى تقوم بالشراء بينة أو يقدم الغائب وينفك
الحجر عن المحجور ويعترفا بالشراء، لأن الملك إنما ثبت لهما بالإقرار
فإقراره بالشراء بعد ذلك إقرار في ملك غيره فلا يقبل.
وإن لم يذكر سبب الملك: لم يسأله الحاكم عنه، ولم يطالب ببيانه، لأنه
لو صرح بالشراء لم تثبت به شفعة فلا فائدة في الكشف عنه. ذكره في
"المغني ".
و (لا) تثبت الشفعة (مع خيار) لمجلس أو مشترط في عقد التبايع لبائع أو
مشتري (قبل انقضائه).
قال في " القواعد " في الفائدة الرابعة: وأما الشفعة فلا تثبت في مدة الخيار
على الروايتين عند أكثر الأصحاب، ونص عليه في رواية حنبل. فمن الأصحاب
стр. 2890
من علل بأن الملك لم يستقر، وعلل القاضي في "خلافه " بأن الأخذ بالشفعة
يسقط حق البائع من الخيار، ولذلك لم تجز المطالبة في مدته.
فعلى هذا لو كان الخيار للمشتري وحده ثبتت الشفعة. انتهي.
ووجه عدم ثبوت الشفعة مع كون الخيار للمشتري وحده: ان في الأخذ بها
إلزاما للمشتري بالعقد بغير رضاه، وإيجاب العهدة عليه، وتفويت حقه من
الرجوع في عين الثمن. فلم يجز، كما لو كان الخيار للبائع وحده. فاننا إنما
منعنا من الشفعة إذا، لما فيه من إبطال خياره وتفويت حقه من الرجوع في عين ماله، وهما في نظر الشارع (١) على السواء.
وفارق الرد بالعيب فإنه إنما ثبت لاستدراك الظلامة وذلك يزول بأخذ
الشفيع. قاله في " المغني "، وقال: فإن باع الشفيع حصته في مدة الخيار عالما
ببيع الأول سقطت شفعته وثبتت الشفعة فيما باعه للمشتري الأول في الصحيح من المذهب.
وفيه (٢) وجه اخر: أنه يثبت للبائع بناء على الملك في مدة الخيار لمن هو
منهما، وإن باعه قبل علمه بالبيع فكذلك وهو مذهب الشافعي، لأن ملكه زال
قبل ثبوت الشفعة. انتهي.
وقيل: تثبت الشفعة مع الخيارحيث قيل بانتقال الملك.
وقيل: تثبت مع خيار الشرط إذا كان للمشتري وحده.
(وعهدة شفيع) فيما إذا ظهر (٣) الشقص المشفوع مستحقا أو معيبا وأراد
الشفيع الرجوع بالثمن أو الأرش: (على مشتر)، لأن الشفيع ملكه من جهته.
فرجع عليه، لكونه كبائعه.
ولأن الشفعة مستحقة بعد الشراء أو حصول الملك للمشتري. فكانت العهدة
عليه.
стр. 2891
(إلا إذا أنكر) مشتري الشراء أو لم تقم به بينة، (وأخذ) الشقص (من
بائع) لإقراره بالبيع: (فـ) إن العهدة في هذه الصورة (عليه) أي: على بائع،
لحصول الملك للشفيع من جهته. قاله الزركشي.
قال في " الإنصاف ": وهو واضح.
(كعهدة مشتر) فإنها على بائع. والعهدة في الأصل اسم لكتاب الشراء.
(فإن أبي مشتر) لشقص مشفوع (قبض مبيع)، لئلا تكون عليه عهدته:
(أجبره حاكم)، لأن القبض واجب لتحصيل حق المشتري في تسليمه. ومن
شأن الحاكم ان يجبر الممتنع.
وقال أبو الخطاب: قياس المذهب: أن يأخذه الشفيع من يد البائع، لأن
العقد يلزم في العقار من غير قبض، ويدخل في ملك المشتري بنفس البيع.
بدليل صحة التصرف فيه قبل قبضه.
(وإن ورث اثنان) مع التساوي أو التفاضل (شقصا) عن أبيهما أو غيره من
عقار تجب فيه الشفعة، (فباع أحدهما) أي: أحد الوارثين (نصيبه) الذي ورثه
أو بعضه: (فالشفعة) فيما بيع مشتركا (١) (بين) الوارث (الثاني) الذي لم
يبع، (و) بين (شريك مورثه) على قدر ملكها، لانهما شريكان حال ثبوت
الشفعة. فكانت بينهما، كما لو تملكاها بسبب واحد.
ولأن الشفعة ثبتت لدفع ضرر الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته.
وهو موجود في حق الكل.
وهكذا لو اشترى إنسان نصف دار ثم اشترى اثنان نصفها الآخر أو ورثاه أو
اتهباه، أو وصل إليهما بسبب من أسباب الملك فباع أحدهما نصيبه. أو لو ورث
ثلاثة دارا فباع أحدهما نصيبه من اثنين ثم باع أحد المشترين نصيبه: فالشفعة بين جميع الشركاء على قدر الأملاك.
стр. 2892
ولو مات رجل وخلف ثلاث بنين وأرضا فمات أحدهم عن ابنين فباع أحد
العمين نصيبه فالشفعة بين أخيه وابني أخيه (١) .
ولو خلف ابنين وأوصى بثلثه لاثنين فباع أحد الوصيين أو احد الابنين
فالشفعة بين شركائه.
(ولاشفعة لكافر على مسلم).
قال في" الإنصاف ": نص عليه من وجوه كثيرة. وهو المذهب، وعليه
الأصحاب. وهو من مفردات المذهب. انتهي.
وبه قال الحسن والشعبي.
وقيل: بلى. ذكره ناظم " المفردات "، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب
الرأي، لعموم قوله ﵇ (٢) : " لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه،
وإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به " (٣) .
ولأنه خيار ثبت لدفع الضرر بالشراء. فاستوى فيه المسلم والكافر، كالعيب.
قال في " المغني ": ولنا ما روى الدارقطني في " كتاب العلل " بإسناده عن
أنس أن النبي ﷺ قال: " لا شفعة لنصرانى" (٤) .وهذا يخص عموم ما احتجوا به. ولأنه معنى يملك به يترتب على وجود ملك مخصو ص. فلم يجب للذمي
على المسلم، كالزكاة.
ولأنه معنى يختص به العقار. فأشبه الاستعلاء في البنيان. يحققه: أن
الشفعة إنما تثبت للمسلم دفعا للضرر عن ملكه. فقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري. ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم بتقديم دفع ضرر
стр. 2893
الذمي. فإن حق المسلم أرجح ورعأيته أولى.
ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجماع على خلاف الأصل رعاية لحق الشريك
المسلم، وليس الذمي في معنى المسلم. فيبقى على مقتضى الأصل.
وثبتت الشفعة للمسلم على الذمي، لعموم الأدلة الموجبة.
ولأنها إذا ثبتت في حق المسلم على المسلم مع عظم حرمته ورعاية حقه.
فلأن تثبت على الذمي مع دناءته أولى وأخرى. انتهي.
وشمل قوله: الكافر الأصلي والمرتد والمكفرين من أهل البدع، كالدعاة
إلى القول بخلق القران. بل مثل هذا أولى بأن لا تثبت له على المسلم، لأن
الشفعة إذا لم تثبت للذمي الذي يقر على كفره على المسلم. فمن لا يقر على
كفره أولى.
وتثبت للقروي على البدوي وعكسه، لعموم الأدلة واشتراكهما في المعنى
المقتضي لوجوب الشفعة.
وقال الشعبي والليثي (١) : لا شفعة لمن لا يسكن المصر.
(ولا) تثبت الشفعة (لمضارب) أي: لعامل في المضاربة (على رب المال).
وصورة ذلك: أن يشتري من مال المضاربة شقصا فيما تجب فيه الشفعة مما
للعامل فيه شركة. فإنه لا تجب فيه شفعة (إن ظهر ربح) في مال المضاربة،
لأنه يصير له جزء في مال المضاربة. فلا تجب له على نفسه.
(وإلا) أي: وإن لم يظهر ربح (وجبت) له الشفعة. نص عليه، لأن ملك
الشقص المشترى من مال المضاربة لغيره. أشبه ما لو كان وكيلاً في شرائه من
غير عقد مضاربة.
وقيل: تجب له الشفعة مع ظهور الربح أيضا.
ولبعض الأصحاب طريقة ثانية في محل الخلاف في هذه المسألة وهي: أن
الوجهين جاريين. سواء ظهر ربح أو لا، وسواء قلنا يملك العامل حصته
بالظهور أولا.
стр. 2894
(ولا) تجب الشفعة (له) لرب المال (على مضارب).
وصورة ذلك: أن يشتري العامل من مال المضاربة شقصا مما تجب فيه
الشفعة ولرب المال فيه شركة فإنه لا شفعة لرب المال فيه، لأن الملك له.
وقيل: بلى. والوجهان مبنيان على الخلاف في شراء رب المال من مال
المضاربة شيئا لنفسه.
(ولا) تجب الشفعة أيضا (لمضارب فيما) أي: في شقص (باعه من
مالها) أي: مال المضاربة، (وله) أي: للعامل (فيه) أي: في الذي منه
الشقص المبيع (ملك)، لانه متهم. أشبه شراءه من نفسه.
(وله) أي: للمضارب (الشفعة فيما) أي: في شقص (بيع) أي: باعه
مالكه الأجنبي لشخص أجنبي في مكان تجب فيه الشفعة، والحال: أن فيه
(شركة لمال المضاربة: أن كان) أي: وجد (حظ) في الأخذ بالشفعة، كما
لو كان ثمنه دون ثمن المثل، لانه بمظنة ان يربح.
(فإن أبي) العامل أخذه بالشفعة لرأي رآه من بيعه بفوق ثمن المثل أو غير
ذلك: (أخذ بها) أي: بالشفعة (رب المال)، لأن مال المضاربة ملكه،
والشركة في الحقيقة إنما هي له.
ولا ينفذ عفو العامل عن الشفعة، لأن الملك لغيره. أشبه العبد المأذون له
في التجارة.
وتثبت الشفعة للسيد على مكاتبه.
قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي والمصنف- يريد به الموفق-
وغيرهما، لأن السيد لا يملك ما في يده ولا يزكيه، ولهذا جاز إن يشتري منه.
وأما العبد المأذون له وان كان لا دين عليه فلا شفعة بحال لسيده. وإن كان
عليه دين فالشفعة عليه تنبني على جواز الشراء منه على ما تقدم في أواخر
الحجر. انتهي. والله أعلم.
стр. 2895
] باب: الود يعة]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الوديعة.
وهي: فعيلة من ودع الشيء إذا تركه، لأنها تكون متروكة عند المودع.
وقيل: مشتقة من الدعة. فكأنها عند المودع غير مبتذلة للانتفاع بها.
وقيل: من ودع الشيء يدع إذا سكن واستقر. فكأنها ساكنة عند المودع.
قال الأزهري: وسميت وديعة بالهاء، لأنهم ذهبوا بها إلى الأمانة.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (فان أمن
بعضهم بعضا فليؤد الذى أؤتمن أمانته)] البقرة: ٢٨٣].
وأما السنة، فما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " أد الأمانة إلى من
ائتمنك ولا تخن من خانك " (١) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وأجمع المسلمون على جواز الإيداع والاستيداع.
ولأن بالناس حاجة إلى ذلك. فإنه لا يمكن جميع الناس حفظ أموالهم
بانفسهم، ولا كل أحد له حرز يحفظ فيه ماله. فدعت الحاجة إلى ذلك،
ليتمكن من ليس له حرزمن حفظ ماله.
ثم (الوديعة) شرعا: (المال المدفوع إلى من) أي: انسان (يحفظه بلا
عوض) عن حفظه. فخرج بقيد المال: الكلب والخنزير ونحوهما. وبقيد
المدفوع: ما ألقته الريح أو نحوها (٢) من ثوب أو نحوه إلى دار غيره، وما تعدى
عليه مما لم يدفعه مالكه. وبقيد بالحفظ: العارية. وبقيد عدم العوض: الأجير
على حفظ مال.
стр. 2896
(والأيداع) شرعا: (توكيل) من مالك لمال (في حفظه)، حال كون
الحفظ (تبرعا) من الحافظ.
(والاستيداع) شرعا: (توكل) من انسان (في حفظه) أي: حفظ مال غيره
(كذلك) أي: تبرعا (بغير تصرف) فيه، لعدم الإذن في التصرف بغير الحفظ. (وتعتبر لها) أي: الوديعة (اركان وكالة)، لأنها نوع منها. فتبطل بما
تبطل به وكالة، إلا إذا عزله المالك ولم يعلم بعزله.
ولو عزل نفسه فهي بعده أمانة شرعية حكمها في يده حكم الثوب إذا أطارته
الريح إلى داره يجب رده إلى مالكه. قاله في " الإنصاف ".
وقال ابن رجب في القاعدة الثانية والستين: وقد ذكر القاضي في مواضع
كثيرة من " خلافه " أن للمودع فسخها بالقول في غيبة المودع، وتنفسخ قبل علم المودع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة، كمن أطارت الريح إلى بيته ثوبا لغيره.
ثم أنه ذكر في مسألة الوكالة: أن الوديعة لا يلحقها الفسخ بالقول، وإنما تنفسخ
بالرد إلى صاحبها، أو بأن يتعدى المودع فيها. فلو قال المودع بمحضر من رب الوديعة أو في غيبته: فسخت الوديعة، أو أزلت نفسي عنها: لم تنفسخ قبل أن
تصل إلى صاحبها ولم يضمنها. فأما أن يكون هذا تفريقا بين فسخ المودع
والمودع، أو يكون اختلافا منه في المسألة. والأول أشبه، لأن فسخ المودع
إخراج للمودع عن الاستحفاظ وهو يملكه، وأما المودع فليس له فيها تصرف
سوى الإمساك والحفظ. فلا يصح أن يرفعه مع وجوده. انتهي.
ويستحب قبولها لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها، ويكره لغيره.
(وهي) أي: الوديعة (أمانة) بيد المودع، (لا تضمن) أي: لا يضمنها
المودع (بلا تعد ولا تفريط)، لما سيأتي في المتن أن شاء الله تعالى (١) ،
[لأن الله ] (٢) سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة. فلا يضها
стр. 2897
المودع (ولو تلفت من بين ماله). سواء ذهب معها من ماله شيء أو لا، لما
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " من أودع وديعة فلا ضمان عليه " (١) . رواه ابن ماجه.
ولأن المستودع يحفظها لمالكها. فلو ضمنت لامتنع الناس من الدخول فيها
مع مسيس الحاجة إليه.
وعنه: إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها، لما روى عمر رضي الله تعالى
عنه: " أنه ضمن انس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله ".
قال في " المغني ": وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في
حفظها. انتهي.
قال الزركشي: ينبغي أن يكون محل الرواية: إذا ادعى التلف، أما إن ثبت
التلف: فإنه ينبغي انتفاء الضمان رواية واحدة.
(ويلزمه) أي: المودع (حفظها) أي: الوديعة (في حرز مثلها عرفا)،
لان الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾] النساء: ٥٨]. ولأيمكن أداؤها بدون حفظها.
ولأن المقصود من الوديعة الحفظ. والاستيداع التزام ذلك. فإذا لم
يحفظهالم يفعل ما لتزمه.
والمراد بحرز مثلها، (كحرز سرقة). وهو في كل شيء بحسبه، كما
سيأتي في بابها.
(فإن عينه) أي: الحرز (ربها) أي: رب الوديعة، بأن قال: ضعها في
هذا البيت (فأحرز بدونه) أي: بمكان دون رتبة المعين بالنسبة إلى الحفظ
فتلفت: (ضمن)، لانه خالف المالك في حفظ ماله.
ولأن بيوت الدار تختلف فمنها ما هو أسهل نقبا ونحوه مما له أثر. فيضمنها
بوضعها في غيره.
стр. 2898
(ولو ردها إلى المعين) بعد ذلك (١) وتلفت فيه، لأنه تعدى فيها بوضعها
في الدون. فلا تعود أمانة إلا بعقد متجدد.
وقيل: ان ردها إلى الموضع الذي عينه مالكها فتلفت به بعد ان وضعها في
غيره: لم تضمن.
(و) إن أحرزها (بمثله) أي: بمثل المعين بالنسبة إلى الحفظ، (أو
فوقه) أي: أحفظ منه لها، كما لو أودعه خاتما وقال له: البسه في خنصرك
فلبسه في بنصره (ولو لغير حاجة) فتلفت: (لأيضمن).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. اختاره القاضي وابن
عقيل، وجزم به في " الوجيز " و" الكافي " وغيرهما. وقدمه في " الهدأية "
و" المذهب " و" المستوعب " في المسألة الأولى. وقدمه فيهما في " الفروع "
و" الرعأية الصغرى " و" الحاوي الصغير " و" الفائق ". انتهي.
ووجه ذلك: ان تعيين الحرز يقتضي الإذن في حرز مثله، كمن اكترى أرضا
لزرع الحنطة فإن له زرعها وزرع ما هو مثلها في الضرر. واقتضى الإذن فيما هو أحفظ من باب أولى كزرع ما هو دون ضرر الحنطة.
وقيل: وهو رواية في " التبصرة " أنه يضمن فيهما. إلا أن يفعله لحاجة.
قال في " المغني ": ويحتمل كلام الخرقي لزوم الضمان، لأن الأمر بشيء
يقتضي تعيينه. فلا يعدل عنه إلا بدليل. انتهي.
وقيل: يضمن إن أحرزها بمثله، ولا يضمن إن أحرزها بأعلى منها.
تنبيه:
قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: لا فرق فيما ذكر بين الجعل أو لا في
غير المعين، وبين النقل إليه.
قال في " التلخيص ": وأصحابنا لم يفرقوا بين تلفها بسبب النقل، وبين
стр. 2899
تلفها بغيره. وعندي: إذا حصل التلف بسبب النقل، كإنهدام البيت المنقول
إليه: ضمن. انتهي.
ولو كانت العين في بيت صاحبها فقال لرجل: احفظها في موضعها فنقلها
عنه من غير خوف: ضمنها، لأنه ليس بمودع وإنما هو وكيل في حفظها، وليس
له إخراجها من ملك صاحبها،. ولا من موضع المتاجرة بها. إلا أن يخاف عليها فعليه إخراجها، لأنه مأمور بحفظها، وقد تعين حفظها في إخراجها ويعلم أن
صاحبها لو حضر في هذه الحال لأخرجها.
ولأنه مأمور بحفظها على صفته. فإذا تعذرت الصفة لزمه حفظها بدونها،
كالمستودع إذا خاف عليها. ذكره في " المغني ".
(وإن نهاه) مالكها (عن إخراجها) من المكان الذي عينه لحفظها
(فأخرجها) المودع منه (لغشيان) أي: حصول (١) (شيء الغالب منه
الهلاك)، كالنهب والحريق. فتلفت في المحل المنقولة (٢) إليه: (لم يضمن)
المودع بنقلها شيئا (إن وضعها في حرز مثلها أو فوقه).
قال في " المغني ": بغير خلاف، لتعين نقلها عليه في هذه الحال، لأن في
تركها تضييعا لها.
(فإن تعذر) عليه إحرازها بمثل الحرز الأول (فأحرزها في دونه) أي:
بمحل دون الأول في الحفظ فتلفت به: (لم يضمنـ) ـها، لأن إحرازها به إذا
حفظ لها من تركها بمكانها، وليس في وسعه حينئذ سواه.
قال في " الإنصاف ": قلت: فيأتى بها. انتهي.
(وإن تركها إذا) أي: مع غشيان ما الغالب منه الهلاك بالمكان التي هي
به، (أو أخرجها) منه (لغير خوف) ويحرمان، (فتلفت) بالأمر المخوف أو
غيره: (ضمنـ) ـها.
стр. 2900
أما كونه يضمنها بتركها، فلأنها مفرط به.
وقيل: لا، لامتثاله أمر ربها.
وأما كونه يضمنها بإخراجها من غير خوف عليها. سواء أخرجها إلى مثل ما
كانت فيه أو أحرز منه، لأنه خالف ربها لغير فائدة. فكان متعديا بذلك.
وقيل: لا يضمن إذا، كما لو لم ينهه.
(فإن قال) له مالكها: (لا تخرجها وإن خفت عليها فحصل خوف
وأخرجها) خوفا عليها (أو لا) أي: أو لم يخرجها من حصول الخوف فتلفت
مع إخراجها أو تركها: (لم يضمن)، لأن نهي مالكها عن إخراجها مع خوف
الهلاك نص فيه فيكون مأذونا في تركها في تلك الحال. فلم يضمنها، لامتثاله
أمر صاحبها، كما لو قال له: أتلفها. فأتلفها.
ولا يضمن إذا أخرجها، لأنه زيادة خير وحفظ. فلم يضمن به، كما لو قال
له: أتلفها فلم يتلفها حتى تلفت.
وقيل: إن وافقه أو خالفه ضمن.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو ضعيف جدا. انتهي.
وعلم مما تقدم انه لو أخرجها من غير خوف عليها فتلفت انه يضمنها،
وصرح به الأصحاب.
(وإن لم يعلف) أو يسق مودع (بهيمة) أودعت عنده (حتى ماتت) جوعا
وعطشا: (ضمنها)، لأن العلف من كمال الحفظ الذي التزمه [بالاستيداع، بل
هو الحفظ بعينه، لأن العرف يقتضي علفها وسقيها. ويلزمه] (١) ذلك، لان
الحيوان يجب إحياؤه بالعلف والسقى.
وقيل: لا يضمنها ما لم يأمره مالكها بعلفها فلم يفعل.
(لا إن نهاه مالك) عن علفها فتركه حتى ماتت فإنه لا ضمان عليه لمالكها،
стр. 2901
لأنه ممتثل لقوله. أشبه ما لو قال له: اقتلها فقتلها.
(ويحرم) ترك علفها مطلقا، لأن الحيوان له حرمة في نفسه يجب إحياؤه
لحق الله تعالى.
(وان أمره) أي: أمر ربها المودع (به) أي: بعلفها: (لزمه)، لما تقدم.
ولأنه أخذها من مالكها على ذلك.
وقيل: لا يلزمه علفها إلا ان يقبله.
(و) إن قال رب وديعة لمن إستودعه: (إتركها في جيبك. فتركها في
يده، أو) تركها (في كمه. أو) قال له: اتركها (في كمك. فتركها في يده.
أو عكسه) بأن قال له: أتركها في يدك فتركها في كمه.
(أو اخذها) أي: أخذ المستودع الوديعة (بسوقه، وأمر) بالبناء للمفعول
أي: أمره مالكها (بحفظها في بيته. فتركها إلى حين مضيه فتلفت) قبل ان
يمضي بها إلى بيته.
(أو قال) له: (احفظها في هذا البيت، ولا تدخله أحدا فخالف) بان
أدخل إليه غيره، (فتلفت بحرق أو نحوه)، كنهب (أو سرقة ولو من غير
داخل) إلى البيت الذي أمره المالك أن لا يدخله أحد: (ضمن).
أما كونه يضمنها إذا وضعها فى يده أو كمه مع أمر مالكها بتركها في جيبه
لكون الجيب احرز، لأنه ربما نسي فسقط الشيء من يده أو من كمه.
وأما كونه يضمنها إذا أمر بتركها في كمه أو يده فعكس، لأن سقوط الشيء
من اليد مع النسيان أكثر من سقوطه من الكم.
ولأن تسلط الطرار بالبط على الكم. بخلاف اليد. فكان كل واحد ادنى من
الآخر حفظا من وجه. فضمن، لمخالفته.
وقيل: لا يضمن إن أمر بتركها في كمه فتركها في يده.
وقال القاضي: اليد أحرز عند المغالبة، والكم أحرز محند عدم المغالبة.
стр. 2902
فعلى هذا إن أمره بتركها في يده فشدها في كمه عند غير المغالبة فلا ضمان
عليه. فان فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن.
وإن أمره بشدها في كمه فأمسكها بيده عند المغالبة لم يضمن، وإن فعل
ذلك عند غير المغالبة ضمن.
وأما كونه يضمنها إذا أخذها بسوقه وأمر بحفظها ببيته وتركها إلى حين
مضيه، فلان البيت أحفظ. وفي تركها إلى حين مضيه تفريط يوجب ضمانها.
قال في " المغني ": ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيه إلى منزله
في العادة فتلفت لم يضمنها، لأن العادة ان الانسان إذا أودع شيئا وهو في دكانه
أمسكه في دكانه وثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله فيستصحبه معه. والموح عالم
بهذه الحالة راض بها، ولو لم يرض بها لشرط عليه خلافها أو أمره بتعجيل
حملها. فأما إن يقبلها بهذا الشرط أو يردها. انتهي.
قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: وهذا الصحيح إن شاء الله تعالى.
قال في " الفروع ": وهو أظهر. قلت: وهو الصواب. انتهي.
وأما كونه يضمنها بمخالفته بإدخال انسان البيت الذي هي به، لأن الداخل
ربما شاهد الوديعة في دخوله البيت وعلم موضعها وطريق الوصول إليها فسرقها
أو دل عليها، لأنها مخالفة توجب الضمان حيث كانت سببا لإتلافها، كما لو
نهاه عن إخراجها فأخرجها لغير حاجة فانه يضمنها.
(لا إن قال) له رب الوديعه: (اتركها في كمك، أو) قال له: اتركها (في
يدك. فتركها في جيبه) فإنه لا يضمن تلفها منه، لانه أحرز.
وكذا إن أمره ربها بحفظها ولم يعين حرزا فتركها المودع في جيبه أو شدها
في كمه وعلى عضده من جانب الجيب أو غيره، أو تركها في كمه بلا شد وهي
ثقيلة يشعربها.
(أو ألقاها) المودع (عند هجوم ناهب، ونحوه)، كقاطع طريق (إخفاء
لها): فإنه لا يضمن، لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم.
стр. 2903
وقال القاضي: فيما إذا قال مالكها: احفظها وأطلق، أن شدها على عضده
من جانب الجيب: لم يضمن. وإن شدها من الجانب الاخر: ضمنها، لأن
الطرار يقدر على بطها. بخلاف ما إذا شدها مما يلي الجيب.
قال في " المغني ": وهذا يبطل بما إذا تركها في جيبه أو شدها في كمه فإن
الطرار يقدر على بطها ولا يضمن،
وليس إمكان إحرازها بأحفظ الحرزين مانعا من إحرازها بما دونه إذا كان
حرزا لمثلها. وشدها على العضد حرز لها كيف ما كان، لأن الناس يحرزون به أموالهم. فأشبه شدها في الكم وتركها في الجيب.
ولكن لو أمره بشدها مما يلي الجيب فشدها من الجانب الاخر: ضمن.
وإن أمره بشدها مما يلي الجيب الاخر فشدها مما يلي الجيب: لم يضمن،
لأنه أحرز.
وإن أمره بشدها على عضده مطلقا أو أمره بحفظها معه فشدها من أي
الجانبين كان: لم يضمن، لأنه ممتثل امر مالكها محرز لها بحرز مثلها.
وان شدها على وسطه فهو أحرز لها وكذلك إن تركها في بيته في حرزها.
وإن أمره أن يجعلها في صندوق، وقال: لا تقفل عليها ولا تنم فوقها (١)
فخالفه في ذلك. أو قال: لا تقفل عليها إلا قفلا واحدا فجعل عليه قفلين:
فلا ضمان عليه. ذكره القاضي. انتهي.
(وإن قال مودع خاتم) لمستودعه: (إجعله في البنصر. فجلعه في
الخنصر) فضاع: (ضمنـ) ـه.
قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي وابن عقيل واقتصر عليه الحارثي.
(لا عكسه) أي: لا إذا قال: اجعله في الخنصر فجعله في البنصر فإنه
لأيضمنه.
стр. 2904
قال في " الإنصاف ": ذكره الأصحاب وابن عقيل وغيرهم، لأنها اغلظ
فهي أحرز.
(إلا إن انكسر) الخاتم (لغلظها) أي: غلظ البنصر. فإنه يضمن، لكونه
أتلفه بما لم يأذن مالكه فيه.
وإن جعله في الوسطى وأمكن إدخاله في جميعها فضاع لم يضمنه.
قال في " الإنصاف ": ذكره في " الكافي " واقتصر، عليه الحارثي أيضا.
وإن لم يدخل في جميعها فجعله في بعضها: ضمن، لانه أدنى من المأمور
به. انتهي.
(وإن دفعها) أي: دفع المستودع الوديعة (إلى من) أي: إلى انسان
(يحفظ ماله) أي: المستودع (عادة، كزوجته وعبده، ونحوهما)، كخادمه
وخازنه فتلفت: لم يضمنها، لأنه قد وجب عليه حفظها. فله توليه بنفسه وبمن
يقوم مقامه، كما لو كانت الوديعة ماشية فأسلمها إلى الراعي.
(أو) دفعها (لعذر)، كمن حضره الموت أو أراد سفرا وليس السفر أحفظ
لها (إلى أجنبي) ثقة (أو حاكم) فتلفت: الم يضمن)؟ لأنه لم يتعد ولم يفرط.
(وإلا) أي: وان لم يكن له عذر حين دفعها إلى الأجنبي (ضمن)،
لتعديه، لأن الموح ليس له ان يودع من غير عذر.
(ولمالك) الوديعة (مطالبة) المستودع و (الأجنبي أيضا) بالبدل مع
التلف، لأنه قبض ما ليس له قبضه. أشبه المودع من قبل الغاصب، وكما لو
قبضها على وجه الهبة.
(وعليه) أي: الأجنبي (القرار) أي: قرار الضمان (ان علم) بالحال.
قال في " الفروع ": وإن أودعها بلا عذر ضمنها (١) وقراره عليه. فإن علم
الثاني فعليه.
стр. 2905
وعنه: لا يضمن الثاني ان جهل. اختاره شيخنا، كمرتهن في وجه،
واختاره شيخنا.
ويتوجه تخريج رواية من توكيل الوكيل: له الأيداع بلا عذر. انتهي.
وقيل: يجوز أيداعها للحاكم مع الإقامة وعدم العذر.
(وإن دل) مودع بفتح الدال (لصا) على الوديعة فسرقها: (ضمنا) أي،
المودع واللص.
أما المودع، فلأن دلالته منافيه للاستحفاظ المأمور. أشبه ما لو دفعها إلى
غيره من غير عذر فأتلفها.
وأما اللص، فلأنه المتلف لها.
(وعلى اللص القرار)، لوجود التلف بيده.
(ومن أراد سفرا) وعنده وديعة، (أو) لم يرد سفرا و (خاف عليفا) إن
بقيت (عنده) من غرق أو نهب أو نحوهما: (ردها إلى مالكها، أو) إلى (من
يحفظ ماله) أي: مال مالكها (عادة، أو) إلى (وكيله) أي: وكيل مالكها
(في قبضها ان كان) أي: إن وجد، لأن في ذلك تخليصا له من دركها وأيصالا
للحق إلى مستحقه.
ومقتضاه أنه إذا دفعها إلى الحاكم إذا ضمن، لأن الحاكم لا ولاية له على
الرشيد الحاضر، ويلزمه مؤنة الرد لتعديه.
(ولا يسافر بها) مع حضور المالك أو وكيله بدون إذن ربها.
(وإن لم يخف عليها) في السفر (أو كان) السفر (احفظ لها) فيضمن.
قال في " المغني ": ويقوى عندي انه متى سافر بها مع القدرة على مالكها
أونائبه بغير إذنه فهو مفرط عليه الضمان، لأنه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها ويخاطر بها. فإن النبي ﷺ قال: " إن المسافر وماله لعلى فلت
إلا ما وقى الله " أي: على هلاك.
стр. 2906
ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يتضمن هذا الخطر ولا يفوت
إمكان ردها على صاحبها الإذن فيما يتضمن ذلك. انتهي.
قال في " الإنصاف " بعد أن حكى بعض كلامه في " المغني ": قلت: وهو
ظاهر كلامه في" الهدأية " و" المذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة "
و" المحرر " و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الوجيز " و" الفائق "
وغيرهم. وهو الصواب. انتهي.
وقال (المنقح) في " التنقيح " بعد أن قدم معنى ما تقدم في المتن:
(والمذهب: بلى) أي: بلى له السفر (والحالة هذه) أي: إن لم يخف عليها
في السفر أو كان أحفظ لها، (ونص عليه) أي: على ان له السفر بها (مع
حضوره) أي: حضور مالكها. (انتهي).
فعلى هذا لا يضمنها إن تلفت معه. سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لا،
لأنه نقلها إلى موضع مأمون. فلم يضمنها، كما لو نقلها في البلد.
ولأنه سافر بها سفرا غير مخوف. أشبه ما لو لم يجد أحدا يتركها عنده.
قال في " الفروع ": وان أراد سفرا لضرورة أو لا ولم ينه عنه ولا خوف.
وفي " المبهج " و" الموجز ": والغالب السلامة، زاد في"عيون المسائل "
و" الانتصار " كأب ووصي: فله السفر بها. نص عليه. لا لمستأجر لحفظ شيء
سنة لملكه منافعه، وله ما انفق بنية الرجوع. قاله القاضي. ويتوجه كنظائره.
وقيل: مع غيبة ربها أو وكيله إن كان أحرز، وإن استويا فوجهان. انتهي.
وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن ظاهر كلام المصنف في " المقنع ":
أنه لا يحملها معه في السفر مع حضور مالكها إلا بإذن: والوجه الثاني: له السفر
بها إن كان أحفظ لها ولم ينهه عنه. وهو المذهب. نص عليه واختاره القاضي
وابن عقيل. وقدمه في " الفروع " و" النظم " و" المغني " و" الشرح " ونصراه. انتهي.
(فإن لم يجده) أي: فإن لم يجد الذي عنده الوديعة وقد أراد السفر مالكها
стр. 2907
(ولا وكيله: حملها معه) على الوجهين:. (إن كان) السفر (أحفظ) لها،
(ولم ينهه) مالكها عنه، لأن ذلك موضع حاجة. فيفعل ما فيه الحظ لمالكها،
ولا يضمن تلفها بالسفر.
قال في " الإنصاف ": وعليه جماهير الأصحاب.
وقال القاضي في " رؤوس المسائل ": إذا سافر بها ضمن. انتهي.
(وإلا) أي: وإن لم يكن السفر أحفظ لها أو نهاه المالك عن السفر بها:
(دفعها) الموح (لحاكم)، لأنه قائم مقام صاحبها عند غيبته.
(فإن تعذر) دفعها لحاكم (فلثقة، كمن) أي: كمودع (حضره
الموت)، لأن كلا من الموت والسفر سبب لخروج الوديعة عن يده، لما روي
عنه ﵇ " أنه كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن،
وأمر عليا ان يردها إلى أهلها ".
(أو دفنها وأعلم) بها (ساكنا ثقة)، لان الحفظ حاصل بذلك.
(فان لم يعلمه) فضاعت: (ضمنها) المودع، لأنه فرط في الحفظ. فانه
قد يموت في سفره. فلا تصل إلى صاحبها. وربما نسي موضعها أو أصابها آفة.
وكذا إن أعلم بها غير ثقة، لأنه ربما أخذها أو دل عليها أو أعلم بها غير
ساكن في الدار، لأنه لم يودعها أياه ولا يمكنه حفظها.
(ولا يضمن مسافر أودع) في سفره وديعة (فسافر بها فتلفت بالسفر)، لأن
أيداع المالك في هذه الحالة يقتضي الإذن في السفر بالوديعة.
(وإن تعدى) الموح في الوديعة، كما لو كانت دابة (فركبها لا لسقيها،
أو) كانت ثيابا فـ (لبسها لا لخوف من عث) جمع عثة- بضم المهملة-: سوسة
تلحس الصوف، (ونحوه)، كما لو كانت الوديعة فرشا فافترشها لا لخوف من
العث، أو كانت آلة صناعة من خشب فاستعملها لا لخوف من الأرضة.
(ويضمن) من أودع ثيابا نقصها بحصول عب بها (إن لم ينشرها).
стр. 2908
قال في " الإنصاف ": لو خيف على الثوب العث وجب عليه نشره. فإن لم
يفعل وتلف ضمن. انتهي.
(أو أخرج الدراهم) المودعة (لينفقها، أو) لأن (ينظر إليها ثم ردها) إلى
وعائها ولو بنية الأمانة، (أو كسر ختمها، أو حل كيسها) من غير إخراج لها،
(أو جحدها) أي: جحد المودع الوديعة (ثم أقر بها، أو خلطها) بشيء لا
تتميز منه. (لا) إن خلطها (بمتميز). حتى (ولو) كان التعدي أو الجحد أو
الخلط بما لا يتميز (في احد عينين)، كما لو كانت الوديعة كيسين ففعل ذلك في أحدهما دون الآخر: (بطلت) الأمانة (فيه، ووجب ردها فورا. ولا تعود
وديعة بغير عقد متجدد. وصح) قول المالك للمودع: (كلما خنت ثم عدت
إلى الأمانة. فأنت أمين).
قال ابن رجب في القاعدة الخامسة والأربعين: إذا تعدى في الوديعة بطلت
ولم يجز له الإمساك ووجب الرد على الفور، لأنها أمانة محضة وقد زالت
بالتعدي. فلا تعود بدون عقد متجدد. هذا هو المشهور.
ولو كانت عينين فتعدى في إحداهما فهل يصير ضامنا لهما أو ما وجد فيه
التعدي خاصه؟ فيه تردد ذكره القاضي أبو يعلى الصغير.
وذكر ابن الزاغونى: أنه إذا زال التعدي وعاد إلى الحفظ لم تبطل. وقد يوجه
بأن المالك أسند إليه الحفظ لرضاه بأمانته فمتى وجدت الأمانة فالإسناد موجود
لوجود علته، كما لو صرح بالتعليق فقال: كلما خنت ثم عدت فأنت أمين فانه
يصح لصحة تعليق الأيداع على الشرط، كالوكالة. صرح به القاضي. انتهي.
قال في " الفروع ": ومتى جدد له استئمانا ًأو برأه: برئ في الأصح، كرده
إليه، أو إن خنت ثم تركت فأنت أمين. ذكره في " الانتصار ". انتهي.
وأما كونه (١) يضمنها بكسر ختم كيسها أو حله، فلهتكه الحرز بفعل تعدى
стр. 2909
وعنه: لا يضمنها إذا كسر ختم كيسها أو حله.
وأما كونه يضمنها بجحدها ولو اقر بها بعد ذلك، فلأنه بجحده خرج عن
الاستئمان عنها. فلم يزل عنه الضمان بالإقرار بها، لأن يده صارت يد عدوان.
وأما كونه يضمنها بخلطها بما لا تتميز منه، فلأنه صيرها في حكم التالف
وفوت على نفسه ردها. أشبه ما لو ألقاها في لجة بحر. وسواء كان الخلط بماله
أو مال غيره، وسواء بنظيرها أو أجود أو ادون منها.
وأما كونه لا يضمنها إذا خلطها بما تمميز منه كدراهم بدنانير، لأنه لا يعجز
بذلك عن ردها. أشبه ما لو تركها بصندودا فيه أكياس له.
قال في " الفروع ": وإن تميز فلا، على الأصح. وظاهر نقل البغوي:
وإن لم تتميز، ولم يتأوله في " النوادر ".
وذكره الحلوانى ظاهر كلام الخرقي، وجزم به في " المنثور " عن أحمد،
قال: لأنه خلطه بماله، وجزم به في " المبهج " في الوكيل، كوديعته في أحد الوجهين. وإن لم يدر أيهما ضاع ضمن. نقله البغوي وذكره جماعة. انتهي.
وفي " الرعاية ": إذا خلط إحدى وديعتي زيد بالأخرى بلا إذن وتعذر
التمييز فوجهان.
وعنه: يضمن إذا خلط بيضا بسود. وحمله في " المغني " و" الشرح " على
أنها تكتسب منها سوادا (١) ويتغير لونها.
قال الحارثي: وعن أحمد لا يضمن بخلط (٢) النقود.
فعلى هذه لو تلف بعض المختلط بغير عدوان وإن جعل التلف كله من ماله
وجعل الباقي من الوديعة. نص عليه. انتهي.
قال في " الإنصاف ": فائدة: لو اختلطت الوديعة بغير فعله ثم ضاع البعض
стр. 2910
جعل من مال المودع في ظاهر كلأو ذكره المجد في " شرحه ". وذكر القاضي
في " الخلاف ": أنهما يصيران شريكين.
قال المجد: ولا يبعد على هذا أن يكون الهالك منهما. ذكره في القاعدة
الثانية والعشرين. انتهي.
(وإن أخذ) المودع من الدراهم المودعة (درهما ثم رده) بعينه (أو) رد
(بدله متميزا، أو أذن) المودع (في أخذه) أي: الدرهم (فرد) الآخذ (بدله
بلا إذنه) أي: المودع، (فضاع الكل) أي: كل الدراهم المودعة: (ضمنه)
أي: ضمن المودع الدرهم الذي أخذه المودع أو أذن في أخذه (وحده).
وعنه: يضمن الجميع.
ووجه المذهب: أن الضمان تعلق بالأخذ. فلم يضمن غير ما أخذه. بدليل
ما لو تلف في يده قبل رده.
ومحل ذلك: (ما لم تكن مختومة أو مشدودة، أو) يكن (البدل غير
متميز: فيضمن الجميع) في المسائل الثلاث.
أما في الأوليين، فلهكته الحرز تعديا.
وأما في الثالثة، فلخلط الوديعة بما لا تتميز منه.
وعنه: لا يضمن في الثالثة غير ما أخذه، وجزم به القاضي في " التعليق "،
وذكر ان أحمد نص عليه في رواية الجماعه. وحكى عنه في روايه الأثرم: انه
انكر القول بتضمين الجميع،. وقال: انه قول سوء، لأن الضمان منوط بالتعدي
وهو مختص بالمأخوذ.
قال في " الإنصاف ": فائدة: لو كان الدرهم أو بدله غير متميز، وتلف
نصف المال. فقيل: يضمن نصف درهم. ويحتمل أن لا يلزمه شيء،
لاحتمال بقاء الدرهم أو بدله، ولا يجب مع الشك. قاله الحارثي، ثم قال:
قال الزركشي: إذا رد بدل ما أخذ فللأصحاب في ذلك طرق:
أحدها: لا يلزمه إلا مقدار ما أخذ. سواء كان البدل متميزا أو غير متميز.