← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وقال أحمد في رواية حرب: يروي عن عمر: " أنه أباح الجزائر ". يعني: أباح ما ينبت في الجزائر من النبات، وقال: إذا نضب الفرات عن شيء ثم نبت فيه نبات فجاء رجل يمنع الناس منه فليس له ذلك. فأما أن غلب الماء على ملك إنسان، ثم عاد فنضب عنه فله أخذه ولا يزول ملكه بغلبة الماء عليه. وأن كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به أحد فعمره رجل عمارة لا ترد الماء مثل: أن يجعله مزرعة فهو أحق به من غيره؛ لأنه متحجر لما ليسن لمسلم فيه حق. فاً شبه المتحجر في الموات. انتهى وقال في " الإنصاف ": إذا نضب الماء عن جزيرة فلها حكم الموات لكل أحد إحياؤه بعدت أو قربت. ذكره ابن عقيل والمصنف والشارح والحارثي وغيرهم ونص عليه. قال الحارثي: هذا مع عدم الضرر. ونص عليه. انتهى. وقال في " التنقيح ": أو لا يملك. وتابعته عليه. (وأن ظهر فيما أحى) من موات (عين ماء، أو معدن جار). وهو الذي كلما أُخذ منه شيء خلفه عوضه؛ (كنِفْط وقَار، أو) ظهر فيها (كلأ أو شجر: فهو أحق به)؛ لأنه لو سبق إلى المباح الذي ليس بأرضه كان أحق به؛ لقوله: " من سبق إلى ما لم يَسبق إليه مسلم فهو له " (١). رواه ابو داود. وفي لفظ " فهو أحق به ". فهنا أولى. (ولا يملكه) نصاً؛ لقول رسول الله ﷺ : " الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار " رواه الخلال وابن ماجه من حديث ابن عباس. وزاد فيه " وثمنه حرام " (٢). ولأنها ليست من أجزاء الأرض. فلم يملكها بملك الأرض؛ كالكنز. وعنه: بلى؛ لأنها خارجة من أرض. فاً شبهت الزرع والمعادن الجامدة.

стр. 2942

(وما فضل من مائه) الذي لم يحزه (عن حاجته وحاجة عياله وماشيته وزرعه: يجب بذله لبهائم غيره وزرعه) أى: زرع غيره؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ " (١) متفق عليه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: " من منع فضل مائه أو فضل كلئه: منعه (٢) الله فضله يوم القيامة " (٣) رواه أحمد. ولا يتوعد على ما يحل. ولأن في منعه تضييقٌ على غيره بما لا نفع له فيه فلم يجز. وعنه: لا يجب بذله لزرع غيره. ومحل وجوب بذله: (ما لم يجد) ربُ البهائم أو الزرع ماء (مباحاً) فإنهحينئذ يكون مستغنيا به. ولأن الخبر ظاهر في اختصاصه بمحل الحاجة. فإذا لم تكن حاجة لم يجب البذل. (أو يتضرر به) الباذل؛ لأن الضرر ممنوع شرعاً. (أو يؤذه) أى: يؤذي طالبُ الماء مَنِ الماء في أرضه (بدخوله) إليها. قال أحمد: إلا أن يؤذيه بالدخول. (أو له فيه ماء السماء ويخاف عطشاً.: فلا بأس أن يمنعه). قال في " الإنصاف ": وقدمه في " الهداية " و" المستوعب ". قال الحارثي: هذا الصحيح واختيار أكثر الأصحاب. منهم أبو الخطاب والقاضي أبو الحسين والشيرازي والشريفان أبو جعفر واليزيدي. وهو من المفردات. انتهى.

стр. 2943

وقال الإمام أحمد أيضاً: وليس له أن يمنع فضل ماء ليمنع به الكلأ. واحتج بالخبر. وفي " الروضة ": يكره منعه فضل مائه ليسقي به للخبر. نقله في " الفروع ". وعلم مما تقدم أو لا يلزم من قلنا يلزمه بذل الماء حبل ولا دلو؛ لأنهما يتلفإن بالاستعمال. أشبها بقية ماله. قاله في " الكافي ". (ومن حفر بئراً بموات) أى: بأرض موات اللسابلة) أى: لنفع المجتازين (فحافر كغيره) أى: كسائر المنتفعين بها (١) (في سقي وزرع وشرب). قال في " الإنصاف ": قاله الأصحاب، وفي " الفروع " قال جماعة: من حفر بئراً بموات للسابلة فهو كغيره في شرب وسقي وزرع. (ومع ضيق) أى: تزاحم (يُسقى آدمي) أولا (فحيوان فزرع) بعدهما؛ لأن الحيوان له حرمة. (و) أن حفرها في موات (أرتفاقاً) بها (كالسفارة) والمنتجعين يحتفر ون البئر. (لشربهم و) شرب (دوابهم: فهم) أى: المحتفرون (أحق بمائها) أى: ماء البئر التي احتفروها (ما أقاموا) أى: مدة إقامتهم عليها. يعني: أنهم لا يملكونها. قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. ووجهه: أنهم جازمون بأنتقالهم عنها وتركها لمن نزل منزلتهم. بخلاف الحافر للتملك. وقيل: بل تكون ملكاً للحافر. قال في " الإنصاف ": وهو الصواب. (وعليهم) أى: الحافرين لها (بذل فاضل) عنهم من مائها الشارب

стр. 2944

فقط). قاله في " الأحكام السلطانيه "، وتبعه في " المستوعب " و" الترغيب "، واقتصر عليه في " الفروع ". (وبعد رحيلهم) أى: رحيل الحافرين لها (تكون) البئر (سابلة للمسلمين)؛ لأنه ليس لأحد ممن لم يحفرها أولى بها من الاخر. (فإن عادوا) أى: الحافرين لها (كانوا أحق بها) من غيرهم؛ لأنهم لم يحفروها إلا من أجل أنفسهم ومن عادتهم الرحيل والرجوع. فلم تزل أحقيتهم بذلك. واختار كون الحافرين أحق بها من غيرهم أبو الخطاب في بعض " تعاليقه ". قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب وقدمه في " الرعاية الكبرى " و" الفائق ". قال في " الرعاية الصغرى " و" الحاوي الصغير ": فهو أولى بها في أصح الوجهين. انتهى. وقيل: يكونون إذا عادوا كغيرهم. اختاره القاضي في " الأحكام السلطانية ". (و) أن حفر إنسان بئراً في مَوات حال كون الحفر (تملكاً فملك لحافر)؛ كما لوحفرها بملكه الحي. قال في " الأنصاف ": جزم به الحارثي وغيره وقدمه. في " الفروع " وغيره. قال في " الرعاية ": مَلَكها في الأقيس. قال في " الأحكام السلطانية ": أن احتاجت طيا ملكها بعده. وتبعه في " المستوعب "، وقال: هو وصاحب " التلخيص ": وأن حفرها لنفسه تملكا فما لم يخرج الماء فهو كالشارع في الإحياء وأن خرج الماء استقر ملكه، إلا أن تحتاج إلى طي فتمام الإحياء بطيها. انتهى.

стр. 2945

[فصل: فيما يتحقق به الإحياء] (فصل. وإحياءارض) موات (بحوز بحائط منيع). سواء أرادها للبناء أو للزرع أو حظيرة للغنم أو للخشب أو غيرهما. نص عليه " لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: " من أحاط حائطاً على أرض فهي له " (١) رواه أحمد وأبو داود. ورويا أيضاً بسندهما إلى سمرة عن النبي ﷺ مثله (٢) . ولأن الحائط حاجز منيع فكان إحياء. أشبه ما لو جعلها للغنم حظيرة. وتبين بهذا (٣) أن القصد لا اعتبار به. بدليل ما لو أرادها حظيرة للغنم فبناها بجص وآجر وقسمها بيوتاً فإنهيملكها. وهذا لا يصنع للغنم مثله. والمراد بالحائط المنيع: أن يمنع ما وراءه. ولا يعتبر مع ذلك تسقيف؛- لأنه لم يذكر في الخبر. (أو إجراء ماء) أى: بأن يسوق إليها ماء من نهر أو بئر (لا تُزرع إلا به) أى: بالماء المسوق إليها. (أو منع ماء لا تزرع معه) يعني: أن الأرض الموات لو كانت لا يمكن زرعها إلا بحبس الماء عنها؛ كأرض البطائح التي يفسدها غرقها بالماء لكثرته: كان إحياؤها بسد الماء عنها وجعلها بحال يمكن زرعها " لأن يسوق الماء إلى ما ليس لها ماء وحبسه عما يفسدها يمكن الأنتفاع بها فيما أراد من غير حاجة إلى تكرار ذلك في كل عام.

стр. 2946

(أو حفر بئر) أو نهر نصاً. قال أحمد في رواية علي بن سعيد: الإحياء أن يحوط عليها حائطاً أو يحفر فيها بئرأونهراً. انتهى. (أو غرس شجرٍ فيها) أى: في الأرض الموات؛ كما لو كانت لا تصلح للغراس لكثرة أحجارها أو نحوها فينقيها ويغرسها. قال في " الفروع ": ويملكه بغرس وإجراء ماء. نص عليهما. ووجه ذلك: أن الغرس يراد للبقاء كبناء حائط. وعنه: أن إحياء الأرض ما عُدَ إحياء في العرف؛ لأن الشرع ورد بتعليق الملك على الإحياء ولم يبينه ولا ذكر كيفيته. فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياء في العرف. ولأن الشارع لو علق الحكم على مسمى باسم لتعلق بمسماه عندأهل اللسان. فكذلك يتعلق الحكم بالمسمى إحياء عندأهل العرف. وقيل: ما يتكرر كل عام؛ كالسقي والحرث فليس بإحياء، وما لا (١) يتكرر فهو إحياء. وعلى المذهب: لا يشترط (٢) في إحياء الأرض للسكنى تسقيف البيوت ولا نصب أبوابها؛ لأن السكنى ممكنة بدون ذلك. " ولا يحصل الإحياء بحرث وزرع.-، قيل لأحمد: فإن (٣) كرب حولها، قال: لا يستحق ذلك حتى يحوط. والكرب: إثارة الأرض للزرع. قاله في " القاموس ". قال في " المغني ": ولو خندق عليه خندقاً لم يكن إحياء وكان تحجراً؛ لأن المسافر قد ينزل منزلاً ويحوط على رحله بنحو من ذلك. انتهى.

стр. 2947

(وبحفر بئر) في الموات (يملك) الحافر (حريمها. وهو) أى: حريم البئر (من كل جأنب في قديمة) وهي: التي يسمونها العاديٍِّة- بتشديد الياء- نسبة إلى عاداً ولم يرد عادا بعينها لكن لما كانت عاد في الزمن الأول وكانت لها آثار في الأرض نسمب إليها كل قديم. وعند الشيخ تقي الدين: أن العادية هي التي اعيدت. والأول هو المنصو ص عن أحمد. نقل ابن منصور: البئر العاديَِّة القديمة. ونقل حرب وغيره: العادية التي لم تزل. وحيث تقرر ذلك فحريمها من كل "جأنب (خمسون ذراعاً. و) حريم بئر (في غيرها) أى: غير القديمة (خمسة وعشرون) ذراعاً. فنص عليه، واختاره أكثر الأصحاب " لما روى أبو عبيد في " الأموال " عن سعيد ابن المسيب قال: " السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً والبدي خمسة وعشرون ذراعاً " (١) . وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعاً (٢) . ولا بد أن يصل الحافر إلى الماء. فإن لم يصل فهو كالمتحجر الشارع في الإحياء. فالمراد بحفر البئر القديمة استخراج مائها حتى يكون إحياء لها. فاً ما البئر التي مأوها ظاهر فليس لأحد احتجار؛ كالمعادن الظاهرة. وعند القاضي: حريم البئر قدر مد رشائها من كل جأنب. وقيل: قدر ما يحتاج إليه في ترقية مائها. واختاره القاضي أيضاً في " المجرد ". فعلى هذا إن كان يستقى منها بدولاب فحريمها قدر مدار الثور، وأن كان

стр. 2948

بسانية فبقدر (١) طول البئر، وأن كان يستقي منها بيده فبقدر (٢) ما يحتاج إليه الواقف. وقال في " الأحكام السلطانية ": له أبعد الأمرين من الحاجة أو قدر الأذرع. مع أن أحمد توقف في التقدير في روأىه حرب. قال الحارثي: وهو غلط. ولو تأ ملوا النص بكماله من " مسائل حرب والخلال " لما قالوا ذلك. نقله عنه في " الإنصاف ". (وحريم عين وقناة) احتفرهما إنسان في موات (خمسمائة ذراع). نص عليه في العين في رواية غير واحد. وقال الحارثي عن حريم القناة: والمذهب أو كحريم العين، وقال: واعتبره القاضي في " الأحكام السلطانية " بحريم النهر. نقل ذلك في " الإنصاف ". وقال في " التنقيح ": وحريم عين وقناة خمسمائة ذراع نصاً. وفي " الفروع ": وحريم عين خمسمائة ذراع. نص عليه. وعند جماعة: قدر الحاجة، ولم يتعرض للقناة. فلعل صاحب " التنقيح " وجد بما قال الحارثي أو المذهب في حريم القناه نصا عند وضعه للـ" تنقيح " بعد " الإنصاف ". والله أعلم. (و) حريم (نهر) احتفر في موات (من جانبيه: ما يحتاج إليه لطرح كرايته) وهو: ما يلقى منه طلبا لسرعه جريه، (وطريق شأويِّه) أى: القيم عليه، والكراية والشاوي لم أجد لهما أصلا في اللغة بهذا المعنى ولعلهما مولدتأن من قبل أهل الشام، (ونحوهما) أى: ونحو مطرج كرأىته وطريق شأويه مما يرتفق به ومما يستضر صاحبه بتملكه عليه وأن كثر. قال في " الرعاية ": وأن كان بجنبه مستقاة لغيره ارتفق بها في ذلك

стр. 2949

ضرورة. وله عمل أحجار طحن على النهر ونحوه وموضع غرس وزرع ونحو هما ٠ انتهى. (و) حريم (شجرة) غرست في موات (قدر مد أغصأنها) حواليها؛ لماروى أبو داود بإسناده عن أبى سعيد قال: " اختصم إلى النبى ﷺ في حريم. نخلة. فأمر بجريدة من جرائدها فزرعت فكانت سبعة أذرع أو خمسة أذرع. فقضى بذلك " (١) . قال في " المغني ": وإن سبق إلى شجر مباح؛ كالزيتون والخروب فسقاه وأصلحه فهو أحق به كالمتحجر الشارع في الإحياء. فإن طعمه ملكه بذلك وحريمه؛ لأنه تهيأ للأنتفاع به لما يراد منه. فهو كسوق الماء الى الأرض الموات. ولقول النبي ﷺ : " من سبق إلى ما لم يسبق اليه مسلم فهو أحق به " (٢) . انتهى. وحكاه في " الإنصاف " فائدة، واقتصر عليه. (و) حريم (أرض) من موات (تزرع: ما) أى: محل (يحتاج) إليه (لسقيها، وربط دوابها، وطرج سبخها، ونحوه) مما يرتفق به زارعها؛ كمصرف مائها عند الاستغناء عنه. (و) حريم (دار من موات حولها) أى: حواليها (مطرح تراب وكُناسة وثلج وماء ميزاب، وممر لباب)؛ لأن هذا كله مما يرتفق به ساكنها. (ولا حريم لدار محفوفة بملك) أى: بملك غيره من كل جأنب؛ لأن الحريم من المرافق، ولا يرتفق بملك غيره؛ لأن مالكه أحق به. (ويتصرف كل منهم) أى: من أرباب الأملاك (بحسب عادة) في الأنتفاع. فإن تعدى العادة منع.

стр. 2950

(وأن وقع في) قدر (الطريق نزاع وقت الإحياء: فلها سبعة أذرع)؛ للخبر (١) . (ولا تُغيَّر بعد وضعها)؛ لأنها للمسلمين. نص عليه. واختار ابن بطة: أن الخبر في أرباب ملك مشترك أرادوا قسمته، واختلفوا في قدر حاجتهم. (ومن تَحَجَّر مَواتاً:. بأن أدار حوله أحجاراً) أو تراباً أو شوكاً أو حائطاً غير منيع، (أو حفر بئراً لم يصل ماؤها). نقله حرب، (أو سقى شجراً مباحاً وأصلحه ولم يُركّبه، ونحوه)؛ كما لو حرث الأرض أو خندق حولها، (أو أُقطعه) أى: أَقْطَعَه (٢) له الإمام ليحييه فلم يحيه: (لم يملكه) بذلك؛ لأن الملك إنما يكون بالإحياء، ولم يوجد. (وهو) أى: - من شرع في إحياء شيء ولم يتمه (أحق به) من غيره؛ لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " (٣) رواه أبو دا ود. (و) كذا (وارثه) من بعده يعني: أو يكون أحق به من غيره؛ لقول النبي ﷺ : " من ترك حقاً أو مالاً فهو لورثته " (٤) . ولأنه (٥) حق للموروث. فيقوم الو ارث مقامه فيه؛ كسائر الحقوق. (و) يكون أيضاً (من ينقله) المتحجر (إليه) أحق به ممن سواه؛ لأن المتحجر جعله مقامه فيه. (وكذا) أى: وكما أن من تحجر مواتاً ونقله إلى غيره يكون بمنزلته (من

стр. 2951

نزل عن أرض خَراجية بيده لغيره). فإن المنزول له يكون أحق بها وورثته من بعده. وليس للإمام أخذها منه. قال ابن رجب في القاعدة السابعة والثمانين (١) : ومنها منافع الأرض الخَراجية. فيجوز نقلها بغير عوض إلى من يقوم مقامه فيها، وتنتقل إلى الوارث فيقوم مقام مورثه (٢) فيها. وكذلك يجوز جعلها مهراً. نص عليه في رواية عبدالله. ونص في رواية ابن هانئ وغيره: على جواز دفعها إلى الزوجة عوضاً عما تستحقه عليه من المهر. وهذا معاوضة عن منافعها المملوكة. فاً ما البيع فكرهه أحمد ونهى عنه، واختلف قوله في بيع العمارة التي فيها " لئلا يتخذ طريقاً إلى بيع رقبة الأرض التي لا تملك. بل هي إما وقف وإما فيء للمسلمين جميعاً. ونص في رواية المروذي: على أو يبيع آلات عمارته بما تساوى. وكره أن يبيع بأكثر من ذلك لهذا المعنى. وكذلك نقل عنه ابن هانئ أو قال: يقوم دكانه وما فيها من غلق وكل شيء يحدثه فيه فيعطى ذلك، ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكان. ورخص في رواية عنه: في شراءها دون بيعها؛ لأن شراءها استنقاذ لها بعوض ممن يتعدى بالتصرف فيها وهو جائز. ورخص في رواية المروذي أيضا ً في بيع ما يحتاج إليه للنفقة منها، وأن كان فيه فضل عن النفقة تصدق به. وكل هذا بناء على أن رقبة هذه الأرض وقفها عمر [﵁]. ومن الأصحاب من حكى رواية [أخرى] بجواز البيع مطلقاً، كالحلوانى

стр. 2952

وابنه. وكذلك خرجها ابن عقيل من نص أحمد على صحة وقفها. ولو كانت وقفاً لم يصح وقفها. وكذلك وقع في كلام أبي بكر وابن شاقلاء وابن أبي موسى ما يقتضي الجواز. وله مأخذأن: أحدهما: أن الأرض ليست وقفاً. وهو ماً خذ ابن عقيل. وعلى هذا فإن كانت مقسومة فلا إشكال في ملكها، وأن كانت فيئاً لبيت المال، وأكثر كلام أحمد يدل عليه فهل تصير وقفاً بنفس الأنتقال إلى بيت المال [أم لا]؟ على وجهين.- فإن قلنا: لا تصير وقفاً فللإمام بيعها وصرف ثمنها في المصالح. وهل له إقطاعها إقطاع تمليك؟ على وجهين. ذكر ذلك القاضي في " الأحكام السلطانية ". والماًخذ الثانى: أن البيع هنا وارد على المنافع دون الرقبة فهو نقل للمنافع المستحقة بعوض. وهذا اختيار الشيخ تقي الدين. ويدل عليه من كلام أحمد: أو أجاز دفعها عوضا عن المهر. ويشهد له ما تقدم من المعاوضة عن المنافع في مسائل متعددة. وإن كان القاضي وابن عقيل والأكثرون صرحوا بعدم صحة بيع المنافع المجردة. والتحقيق في ذلك أن المنافع نوعأن: أحدهما: منافع الأعيأن المملوكة التي تقبل المعاوضة مع أعيأنها. فهذه قد جوز الأصحاب بيعها في مواضع. * منها: [أن] اصل وضع الخراج على أرض العنوة إذا قيل هي فيء فإنهليس بأجرة، بل هو شبيه بها ومتردد بينها وبين البيع. * ومنها المصالحة بعوض على وضع الأخشاب وفتح الأبواب ومرور المياه ونحوها. وليس بإجارة محضة؛ لعدم تقدير المدة. وهو شبيه بالبيع. * ومنها: لو أعتق عبده واستثنى خدمته سنه فهل له أن يبيعها منه؛ على روايتين. ذكرهما ابن أبي موسى وهما منصوصتأن عن أحمد. ولا يقال: هو لا يملك بيع العبد في هذه الحال، لأن هذه المنافع كان يملك المعاوضة منها في حال الرق. وقد استبقاها بعد زوالى. فاستمر حكم المعاوضة عليها؛ كما يستمر

стр. 2953

حكم وطء المكاتبة إذا استثناه في عقد الكتابة. وهل الكتابة إلا عقد معاوضة على المنافع؟ النوع الثانى: المنافع التي ملكت مجردة عن الأعيأن، أو كانت أعيانها غير قابلة للمعاوضة. فهذا (١) محل الخلاف الذي نتكلم فيه (٢) هاهنا. والله أعلم. انتهى. (أو) نزل إنسان (عن وظيفة لآهل) أى: لمن فيه أهلية لها. قال في " الفروع ": بعد أن ذكر مسألة متحجرالموات وأن من ينقله إليه أحق به: ويتوجه مثله في نزوله عن وظيفة لزيد. هل يتقرر غيره؟ وقال شيخنا فيمن نزل عن وظيفة الإمامة: لا يتعين المنزول له ويولي من إليه الولاية من يستحق التولية شرعا. انتهى. قال ابن أبي المجد: التوجيه المذكور إذا كان النزول متوقفاًً على الإمضاء؛ كشرط واقف أو غيره فإن النزول حينئذِ لم ينبرم ولم يتم فهو شبيه بالمتحجر، إذ المتحجر لا يتم ملكه إلا بالإحياء، والنزول لا يتم إلا بالإمضاء. فما بين المتحجر والإحياء كما بين النزول والإمضاء. فكما أن المبادِرَ إلى الإحياء فيما بين ذلك لا يملكه، ولا يبطل حق المتحجر في المحيى بل حقه قائم به على المذهب، فكذلك المبادر إلى التقرير في الوظيفه المنزول عنها لا يستحقها، ولا يبطل حق المنزول له فيما نزل له عنه بل حقه قائم به متوقف لزومه على الإمضاء. فإن وجد أنبرم وتم النزول له، وإلا كان المنزول عنه للنازل؛ لأنه لم يرغب عنه ركبة مطلقة بل مقيدة بحصوله للمنزول له ولم يحصل. وليس للناظر التقرير في مثل هذا أنما يقرر فيما هو خال عن يد مستحق أو في يد من يملك أنتزاعه منه لمقتض شرعي. فحينئذ يكون تقريوه سائغا، ويكون من اطلق القول بأن الناظر يقرر من شاء محمولا على من رغب عنه ركبة مطلقة، ولم يكن المنزول لهأهلا. ففي هذا يتجه القول به.

стр. 2954

وأما إذا لم يكن النزول مشروطاً بالإمضاء وكان المنزول له أهلاً فلا ريب أو ينتقل إليه عاجلاً بقبوله. ولا يتوقف على تقرير ناظر ولا مراجعته، إذ هو حق له نقله إلى غيره وهو مطلق التصرف في حقوقه ليس محجورا عليه في شيء منها. أشبه سائر حقوقه إذ لا فرق. وله شواهد من كلامهم: منها: ما ذكروه في المتحجر أن من نقله إليه يكون أحق به من غيره. وكذا ذكروا أن من بيده أرض خراجية ليس للإمام أنتزاعها منه ودفعها إلى غيره. وأن نزل عنها أو آثر بها غيره صار الثانى أحق بها مع أن للإمام (١) نظرا ولم يعتبروه فكذا هذا. والله أعلم. انتهى. (أنه آثر) إنسان (شخصاً بمكانه في الجمعه) يعنى: فإنه يكون أحق به. قال في " التنقيح " بعد أن ذكر مساً لة النزول عن الأرض الخراجية: قلت: وقريب منه ما صححه المصنف وغيره لو آثر شخصا بمكانه في الجمعة لم يكن لغيره سبقه إليه؛ لأنه أقامه مقامه في استحقاقه. أشبه من تحجر مواتا أو سبق إليه واثر به. وخالف ابن عقيل. انتهى. (وليس له) أى: لمن هو أحق بشيء كمتحجر الموات ونحوه (بيعه)؛ لأنه لم يملكه. فلم يملك بيعه؛ كحق الشفعة قبل الأخذ، وكمن سبق إلى مباح. وقيل: بلى. (فإن طالت المدة) أى: مدة التحجر (عرفاً، ولم يتم إحياؤه، وحصل مُتشَوِّف لإحيائه: قيل له) أى: قال له الإمام أو نائبه: (إما أن تحييه أو تتركه) ليحييه غيرك؛ لأنه ضَيَّق على الناس في حق مشترك بينهم. فلم يُمَكن من ذلك؛ كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع ولا يدع غيره ينتفع. (فإن طلب المهلة لعذر: أُمهل ما يراه حاكم، من نحو شهر أو ثلاثة).

стр. 2955

وإن لم يكن له عذر قيل له: إما أن تعمر وإما أن ترفع يدك. فإن لم يعمرها كان لغيره عمارتها. (و) حيث أمهل لعذر (لا يُملك بإحياء غيره فيها) أى: في مدة الإمهال، لمفهوم قوله ﷺ : " من أحيى أرضاً ميتة في غير حق مسلم فهي له " (١) . ولأنه إحياء في حق غيره. فلم يملكه، كما لو أحيى ما يتعلق به مصالح ملك غيره. ولأن حق المتحجر أسبق. فكان أولى، كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري. وفيه وجه: بلى. (وكذا) أى: وكما أن محيي الموات المتحجر في مدة الإمهال لا يملكه بالإحياء لتعلق حق المتحجر به (لا يُقرر) في الأرض الخراجية ولا في الوظيفة المنزول عنهما (٢) . لآهل (غير منزول له)، لتعلق حقه بذلك. (و) كذا (لا) يكون (لغير المؤثر أن يسبق) إلى المكان المؤثر به غيره " لتعلق حق المؤثر به. علم مما تقدم أو لو أحياه إنسان بعد أنقضاء مدة المهله أو يملكه وهو صحيح. قال في " الإنصاف ": لا أعلم فيه خلافاً. انتهى. وللإمام إقطاع موات لمن يحييه، لما روي " أنه ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق " (٣) .- و" أقطع وائل بن (٤) حجر أرضاً " (٥) . و" أقطع أبا بكر وعمر وعثمان وجمعا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين " (٦) ..

стр. 2956

ويصير مقطَعه كمتحجره؛ لأنه ترجح بالإقطاع على غيره؛ كما ترجح المتحجر على غيره بتحجيره. فإن طالت المدة عرفاً ولم يحيه قيل له ما يقال للمتحجر، ويمهل لعذر بقدر ما يمهله المتحجِّر. وأن لم يكن للمقطع عذر في ترك العمارة قيل له كما يقال للمتحجر: إما أن تعمره، وإما أن ترفع يدك. وأن لم يكن للمتحجر ولا للمقطع عذر واستمر التعطيل حتى مضت ثلاث سنين فجاء قوم فعمروا المقطع أو المتحجر من الموات فهو أحق به. والأصل في ذلك ما روي " أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع. فلما كان عمر قال لبلال: أن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحيزه على الناس أنما أقطعك لتعمره فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي " (١) . رواه أبو عبيد في " الأموال ". وذكر سعيد في " سننه ": حدثنا (٢) عبد العزيز بن محمد عن ربيعة قال: سمعت الحارث بن بلال بن الحارث يقول: " أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق فلما ولي عمر بن الخطاب فال: ما أُقطعته لتحتجبه. فأقطعه الناس ". وروى علقمه بن وائل عن أبيه: " أن النبي ﷺ أقطعه أرضاً بحضرموت " (٣) . فال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال سعيد: أنبأنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب: " أن رسول الله ﷺ أقطع ناساً من جهينة أو مزينة أرضاً فعطلوها فجاء قوم فأحيوها. فخاصمهم الذين أقطعهم رسول الله ﷺ إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى

стр. 2957

عنه. فقال عمر: لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر لم أردها، ولكنها قطيعة من رسول الله ﷺ فإنا أردها، ثم قال عمر: من كانت له أرض- يعني: من" تحجر أرضاً- فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها ". ولا يملك الموات من أُقطعه حتى يحييه؛ لأنه لو ملكه- بمجرد الإقطاع لما جاز استرجاعه. وقال الحارثي: وقال مالك: يثبت الملك بنفس الإقطاع يبيع ويهب ويتصرف يورث عنه. قال الحارثي: وهو الصحيح إعمالاً بحقيقة الإقطاع وهو التمليك. ذكره عن في " الإنصاف ". وقال: فائدتان: * إحداهما: للإمام إقطاع غير الموات تمليكاً وإنتفاعا ً للمصلحة دون غيرها. * الثانية: قسم الأصحاب الإقطاع إلى ثلاثة أقسام: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال، وإقطاع إرفاق، وقسَّم القاضي إقطاع التمليك إلى: موات، وعامر، ومعادن. وجعل إقطاع الاستغلال على ضربين عشر وخراج. انتهى. قال (١) في " المغني ": ولا ينبغي أن يقطع الإمام أحداً من الموات إلا ما يمكنه إحياؤه؛ لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقاً على الناس في حق مشترك بينهم بما لا فائدة فيه. فإن فعل ثم تبين عجزه عن إحيائه: استرجعه منه، كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عنه من عمارته من العقيق التي أقطعه إياه رسول الله ﷺ . انتهى. وقد تقدم حكم ذلك في المتن. (وللإمام إقطاع جلوس بطريق واسعة، ورحبة مسجد غير محوطة: ما لم يُضيِّق على الناس).

стр. 2958

قال في " المغني ": فصل في القطائع. وهي ضربان: أحدهما: إقطاع إرفاق، وذلك إقطاع مقاعد الأسواق والطرق الواسعة ورحاب المساجد التي ذكرنا أن للسابق إليها الجلوس فيها. فللإمام إقطاعها لمن يجلس فيها، لأن له في (١) ذلك اجتهاداً من حيث: إنه لا يجوز له الجلوس إلا فيما لا يضر بالمارة. فكان للإمام أن يجلس فيها من لا يرى أو يضر بجلوسه. (ولا يملكه مُقطَع) بذلك. (بل يكون أحق به) أى: بالجلوس فيها من غيره بمنزلة السابق إليها من غير إقطاع سواء، إلا في شيء وأحد وهو: أن السابق إذا نقل متاعه منها فلغيره الجلوس فيها، لأن استحقاقه لها بسبقه إليها ومقامه فيها. فإذا أنتقل عنها زال استحقاقه، لزوال المعنى الذي استحق به. وهذا استحق بإقطاع الإمام. فلا يزول حقه بنقل متاعه، ولا لغيره الجلوس فيه. (ما لم يَعُدِ الإمام في إقطاعه)؛ لأنه كما أن له اجتهاد في الإقطاع له اجتهاد في استرجاعه. وعلم مما تقدم أن رحبة المسجد لو كانت محوطة لم يكن له إقطاع الجلوس فيها، لأنها حينئذ تكون من (٢) المسجد. (وأن لم يُقطع) ذلك لأحد (فالسابق) إلى الجلوس فيها (أحق) به: (مالم يُنقل قُماشه عنها)، لقول النبى ﷺ : " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " (٣) . ولما روى الزبير بن العوام أن النبي ﷺ قال: " لأن يحمل أحدكم حبلاً فيحتطب به ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فينفقه على نفسه: خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه " (٤) رواه أحمد. ومحل ذلك: ما لم يضيق على أحد ولا يضر بالمارة.

стр. 2959

ولإتفاق أهل الأمصار في سائر الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير أنكار. ولأنه ارتفاق بمباح من غير إضرار. فلم يمنع منه؛ كالإجتياز. وعلم مما تقدم أو إذا قام وترك متاعه أو لا يجوز لغيره إزالته، وأنه إذا نقل متاعه كان لغيره الجلوس فيه ولو لم يأت الليل. وهو الصحيح. وعنه: أو يكون أحق به إلى الليل. وظاهر ما تقدم أنه لا يحتاج في ذلك إلى إذن الإمام. وفيه وجه. (فإن أطاله) أى: أطال الجلوس من غير إقطاع (أُزيل)؛ لأنه يصير كالتملك. ويختص بنفع يسأويه فيه غيره. وفيه وجه. (وله) أى: لمن هو أحق بالجلوس بإقطاع الإمام أو بسبقه (أن يستظل بما) ليس ببناء مما (لا يضر؛ ككساء) ونحوه؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك. (وأن سبق اثنان فأكثر إليه) أى: إلى ما تقدم ذكره، (أو إلى خان مسبَّل، أو رباط أو مدرسة أو خانكاة ولم يتوقف) الأنتفاع (فيها إلى تنزيل ناظر) وضاق المكان عن أنتفاع جميعهم: (أقرع)؛ لأنهم استووا في السبق. والقرعة مميزة. وقيل: يقدم الإمام من يرى منهم؛ لأنه أعلم بالمصلحة في ذلك. (والسابق إلى معدن أحق بما يناله) منه. سواء كان المعدن باطناً أو ظاهراً؛ لقول النبي ﷺ : " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " (١) . (ولا يمنع إذا طال مقامه)؛ للخبر. وقيل: بلى. وقيل: أن أخذ قدر حاجته واراد الإقامة فيه بحيث يمنع غيره: مُنع منه. (وأن سبق عدد) إلى معدن، (وضاق المحل عن الأخذ جملة: أقر ع)؛

стр. 2960

لأنه لا أحقيِّه لبعضهم فيُقدم، ولا نقص في بعضهم فيؤخر. فلم ييق إلا القرعة. وقيل: يقسم بينهم. وقيل: يقدم الإمام من يرى تقديمه. وذكر القاضي وجهاً رابعاً وهو: أن الإمام ينصب من يأخذ لهم ويقسم عليهم. (والسابق إلى) أخذ شيء (مباح؛ كصيد وعنبر وحطب وثمر) وما ينبع من المياه في الموات، (ومنبوذ رغبة عنه)؛ كالعظم الذي به شيء من اللحم رغب عنه، وكالنِّثار في الأعراس ونحوها، وما يتركه الحصاد من الزرع واللقاط من الثمر رغبة عنه: (أحق به). فيملكه بأخذه. سواء كان الآخذ مسلماً أو ذمياً. (ويقسم بين عدد) لم يسبق أحد منهم إليه ولم يتاًخر عن باقيهم (بالسويَّه)؛ لأنهم استووا في السبب. والقسمة ممكنة. وحذاراً من تاً خير الحق. وقيل يقرع. وقيل: يقدم الإمام باجتهاده. وظهور الأحقية منهم من أداه اجتهاده إليه؛ كأموال بيت الصال. ولا فرق بين ذي الحاجة منهم وغيره؛ لأن الاستحقاق بالسبب لا بالحاجة.

стр. 2961

فصل: في الحِمى قال في " القاموس ": حِمى الشيء يحميه حِمياً وحِمأىة بالكسر، ومحمية منعه. ثم قال: وأحمى المكان جعله حمى لا يقرب. انتهى. وكان في الجاهلية من إذا أنتجع بلدا أوفى بكلب على نشز ثم استعواه ووقف له من كل ناحية من يسمع صوته بالعواء فحيب ما انتهى صوته حماه من كل جانب (١) لنفسه، ورعى مع العامة فيما سواه. فنهى رسول الله ﷺ عنه؛ لما فيه من التضييق على الناس ومنعهم من الأنتفاع بشيء لهم فيه حق، وجاء الشرع: باً نه لا حمى إلا لله ورسوله. روى الصعب بن جث امة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا حمى إلا لله ولرسوله " (٢) . رواه ابو دا ود. ولم يحم النبي ﷺ لنفسه شيئاً وإنما حمى للمسلمين. روى ابن عمر قال: " حمى النبي ﷺ النقيع لخيل المسلمين " (٣) . رواه أبو عبيد. والنقيع: بالنون موضع لنبع فيه الماء فيكثر فيه الخصب لمكان ما يصير فيه من الماء. وأما سائر أئمة المسلمين فليس لهم أن يحموا لأنفسهبم شيئاً، ولهم على

стр. 2962

أصح قولي العلماء: أن يحموا مواضع ليرعى فيها خيل المجاهدين، ونَعم الجزية، وإبل الصدقة، وضوالٌ الناس التي يقوم بحفظها، وماشية الضعيف من الناس على وجه لا يستضر به من سواه من الناس. وإلى ذلك أُشير بقوله: (ولإمام) أى: القائم بأمر المسلمين (لا غيره إقطاع غير موات: تمليكاً وإنتفاعا ً للمصلحة، وحمى مَوات لرعي دواب المسلمين التي يقوم بها ما لم يُضيِّق) على الناس؛ لما روى ابو عبيد بإسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحسبه عن أبيه قال: " أتى أعرابي عمر فقال: يا أمير المؤمنين! بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام علام تحميها؛ فاً طرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه. وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ. فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك. فقال عمر: المال مال الله والعباد عباد الله. والله! لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبراً في شبر " (١) . قال مالك: "بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفاً من الظهر" (٢) . وعن أسلم قال: " سمعت عمر يقول لهنُيِّ حين استعمله على حمى الرَّبَذَة: يا هني! أضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وأدخل رب الصُريمة والغُنَيمة. ودعني من نَعَم ابن عوف ونعم ابن عفإن. فإنهما أن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع، وأن هذا المسكين أن هلكت ماشيته جاء يصرخ يا أمير المؤمنين! فالكلأ أهون عليًَ أم غرم الذهب والوَرِق؟ أنها أرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام. وأنهم ليرون أنا نظلمهم. ولولا النعم التي يحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس من بلادهم شيئا أبدا " (٣) .

стр. 2963

ووجه هذا القول: أن ما كان من مصالح المسلمين قامت الأئمة فيه مقام النبي ﷺ . وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أطعم الله لنبي طعمة إلا جعلها طعمة لمن بعده " (١) . وروي أيضاً: أن عثمان حمى. واشتهر ولم ينكر فكان كالإجماع. واحتج القائل بأنه ليس لغير النبي ﷺ أن يحمي بقوله " لا حمى إلا لله ولرسو له " (٢) . وأجيب عنه: بأنه مخصو ص بما يحميه الإمام لنفسه فإنه يفارق حمى النبي ﷺ لنفسه؛ لأن صلاحه يعود إلى صلاج المسلمين، وماله كان يرده في المسلمين. ففارق الأئمة في ذلك وسأووه فيما كان صلاحاً للمسلمين. ولهذا اشترط في جواز الحمى: أن لا يكون في قدر يضيق على المسلمين؛ لأنه أنما جاز لما فيه من المصلحة، وليس من المصلحة إدخال الضرر على أكثر المسلمين بالتضييق عليهم. (وله) أى: وللإمام إذا حمى محلاً (نقضُ ما حماه) باجتهاده (أو) حماه (غيره من الأئمة)؛ لأن حمى الأئمة اجتهاد فيجوز نقضه باجتهاد آخر. وينبغي على ذلك أنه لو احياه إنسان ملكه؛ لأن ملك الأرض بالإحياء منصو ص عليه. والنص مقدم على الاجتهاد. وقيل: لا يجوز لإمام نقض ما حماه غيره من الأئمة، كما لا يجوز له نقض حكمه. (لا ما حماه رسول الله ﷺ فإنهلا يجوز لأحد نقضه؛ لأن النص (٣) لا ينقض با لاجتهاد.

стр. 2964

(ولا يملك بإحياء ولو لم يحتج إليه) أى: إلى ما حماه النبي ﷺ . قال في " الإنصاف ": لكن لو زالت الحاجة إليه فهل يجوز نقضه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز. وهو الصحيح من المذهب. وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، وجزم به في " الوجيز " وغيره. انتهى. وإذا كان الحمى لكافة الناس تسوى فيه جميعهم. فإن خص به المسلمون اشترك فيه غنيهم وفقيرهم ومنع منهأهل الذمة. وإن خص به الفقراء منع منه الأغنياء وأهل الذمة. ولا يجوز أن يخص به الأغنياء دون الفقراء ولاأهل الذمة. فلو امتنع الحمى المخصو ص لعموم الناس جاز أن يشتركوا به؛ لإرتفاع الضرر على من يخص به، ولو ضاق الحمى العام عن جميع الناس لم يجز أن يختص به أغنياؤهم. وفي فقرائهم قول. ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضاً من رعي موات أو حمى؛ لأنه ﵇ شرِّك الناس فيه. قاله في " الأحكام السلطانية ".

стр. 2965

[فصل: في أحكام الأنتفاع بالمياه غير المملوكلة] (فصل) يذكر فيه مسائل من أحكام الأنتفاع بالمياه غير المملوكة ونحو ذلك. ثم الماء لا (١) يخلو من حالين: إما أن يكون جارياً أو واقفاً. فإن كان جارياً فهو ضربان: * أحدهما: أن يكون في نهرٍ غير مملوك. وهو قسمان: أحدهما: أن يكون نهراً عظيماً؛ كالنيل والفرات وما أشبههما من الأنهار العظيمة التي لا يستضر أحد بسقيه منها. فهذه لكل أحد أن يسقي منها ما شاء متى شاء. القسم الثانى: أن يكون نهراً صغيراً أو سيلاً يتشاحِّ الناس في مائه. وهذا المشار إليه بقوله: (ولمن في أعلا ماء غير مملوك؛ كالأمطار والأنهر الصغار: أن يسقي ويحبسه) أى: الماء (حتى يصل إلى كعبه، ثم يُرسله إلى من يليه) أى: من يلي من سقى أولاُ، (ثم هو) أى: الذي أرسل إليه الماء (كذلك) أى: يفعل كما فعل الأول، (مرتباً) أى: ثم الذي يليه يفعل كما فعلا. وعلى هذا يكون الحال إلى أن تنتهي الأراضي كلها (أن فضل شيء) عمن قلنا له السقي والحبس، (وإلا فلا شيء للباقي) أى: لمن بعده؛ لأنه ليس له إلا ما فضل. فهو (٢) كالعصبة مع أهل الفروض في الميراث. والأصل في هذا ما روى عبادة أن النبي ﷺ : " قضى في شرب النخل من

стр. 2966

السيل أن الأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين. ثم يرسل إلى الأسفل الذي عليه. وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء " (١) . رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد. وما روى عبد الله بن الزبير " أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شَرَاج الحرّة التي يسقون بها إلى النبي ﷺ . فقال ﷺ : اسق يا زبير! ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري. وقال: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك. فتلوَّن وجه النبي ﷺ . ثم قال: يا زبير! اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. قال الزبير: فوالله! أنى لأحسب هذه الآية نزلت فيه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: ٦٥"] (٢) . متفق عليه. رواه مالك في " موطئه " عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن الزبير. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: " نظرنا في قول النبي: ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر وكان ذلك إلى الكعبين ". قا ل أبو عبيد: الشراج جمع شرح، والشرح: نهر صغير، والحرة: أرض ملبسة (٣) بحجارة سود. والجدر الجدار. وأنما أمر النبي ﷺ الزبير أن يسقي ثم يرسل الماء؛ تسهيلاً على غيره. فلما قال الأنصاري ما قال استوعى النبي ﷺ للزبير حقه. وروى مالك في " الموطاً " أيضا ً عن عبد الله بن ابي بكر بن حزم أو بلغه: " أن رسول الله قال في سيل مهزور ومذينيب: يمسك حتى الكعبين. ثم يرسل الأعلى على الأسفل" (٤) .

стр. 2967

قال ابن عبد البر: هذا حديث مدنى مشهور عند أهل المدينة، معمول به عندهم. قال عبد الملك بن حبيب: مهزور ومذينيب واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما. وروى ابو داود بإسناده عن ثعلبة بن أبي مالك " أو سمع كبراءهم يذكرون أن رجلاً من قريش كان له سهم في بني قريظة. فخاصم إلى رسول الله ﷺ في مهزور السيل الذي يقتسمون ماءه. فقضى بينهم رسول الله ﷺ أن الماء إلى الكعبين. لا يحبس الأعلى على الأسفل " (١) ولأن من أرضه قريبة من فوهة النهر أسبق إلى الماء. فكان أولى به؛ كمن سبق إلى المشرعة. (فإن كان لأرض أحدهم أعلى وأسفل) يعني: أو من كانت أرضه مختلفة منها مستعلية ومنها مستفلة: (سقى كلاً) من ذلك (على حدته) أى: على انفراده. (ولو استوى اثنان فأكثر في قرب) من أول النهر، (قُسم) الماء بينهم (على قدر الأرض) أى: أرض كل منهم. فلو كان لأحدهم جريب ولآخر جريبان ولآخر ثلاثة: كان لرب الجريب السدس، ولرب الجريبين الثلث، ولرب الثلاثة النصف؛ لأن الزائد في أرض من أرضه أكثر مسأى في القرب. فاستحق جزءاً من الماء؛ كما لو كانوا ستة لكل وأحد منهم جريب فإنهم كانوا يستوون في الماء. ومحل ذلك: (أن أمكن) قَسّمه، (وإلا) أى: وأن لم يمكن قسمه (أقرع) بينهم. فمن خرجت له القرعة قدم بالسقي. فيسقي منه بقدر حقه. ثم يقرع بين الآخرين فمن قرع سقى بقدرحقه ثم تركه للاخر. وليس لمن تخرج له القرعة أن يسقي بجميع الماء؛ لأن من لم تخرج له

стр. 2968

يساويه في استحقاق الماء، وإنما القرعة للتقديم في استيفاء الحق لا في أصل الحق. بخلاف الأعلى مع الأسفل فإنه ليس للأسفل حق إلا فيما فضل عن الأعلى. وهذا معنى قول المتن: (فإن لم يفضل عن وأحد سقى القارع بقدر حقه) يعني.: أن الماء لو كان قليلاً بحيث لا يفضل عن كفاية أرض من خرجت له القرعة لا يسقي منه إلا بقدر ماله فيه؛ لئلا يستهلك شيئاً من حصة شريكيه أو شريكه فيفوت به الحق أو بعضه. (وأن أراد إنسان إحياء أرض بسقيها منه) أى: من السيل والنهر الصغير: (لم يمنع) أى: ليس لمن له حق في هذا الماء منعه من الإحياء؛ لأن حقه في الماء لا في الموات. (ما لم يضر بأهل الأرض الشاربه منه) فإنهم يملكون منعه؛ لأنه حيث كان ذلك يضرهم كان لهم دفيع الضرر الحاصل من ذلك يمنعه. (و) حيث كان ذلك لم يضرهم وفعل (لا يسقي قبلهم)؛ لأنهم أسبق إلى النهرمنه. ولأن من ملك أرضاً ملكها بحقوقها ومرافقها فلا يملك غيره إبطال حقوقها، وسبقهم إياه بالسقي من حقوقها. وقيل: لهم منعه أن كان ما يريد إحياءه أقرب إلى رأس النهر من (١) أرضهم؛ لئلا يصير ذلك ذريعه إلى منعهم حقهم من السقي؛ لتقديمه عليهم بالقرب إذا طال الزمان وجُهل الحال. وقيل: وله أن يسقي قبلهم. (و) على الأول (لو أحى) إنسان (سابق) غيره مواتاً (في أسفله) أى: النهر، (ثم) أحيى إنسان (آخر) مكاناً (فوقه) أى: فوق الذي أحياه الأول، (ثم) أحيى إنسان (ثالث) مكاناً (فوق) مكان (ثان) وأرادوا السقي: (سقى

стр. 2969

المحي أولاً) وهو الأسفل، (ثم ثان) في الإحياء وهو الذي فوق الأسفل، (ثم ثالث) في الإحياء وهو الذي فوق الثانى. وإنما كان كذلك، لأن العبرة في التقدم بالسبق إلى الإحياء لا إلى أول النهر. وقيل: بل العبرة بالسبق إلى أول النهر فينعكس ذلك. في الضرب الثانى: الماء الجاري في نهر مملوك. وإلى ذلك أُشير بقوله: (وأن حُفر نهر صغير وسبق ماؤه من نهر كبير: مُلك) أى فيصير حافره مالكاً للماء الداخل إليه وقراره وحافتيه بأنتهاء الحفر إلى قصده. (وهو) أى: هذا النهر يكون (بين جماعة) اشتركوا في حفره، (على حسب عمل ونفقة)، لأنه أنما مُلك بالعمارة، والعمارة بالنفقة. (فإن) كفاهم لما يحتاجون إليه منه فلا كلام، وأن الم يكفهم وتراضوا على قسمته) بالمهأىأة أو غيرها: (جاز)، لأنه حقهم لا يخرج عنهم. (وإلا) أى: وأن لم يتراضوا على قسمته بأن تشاحوا في قسمته (قسمه حاكم على قدر ملكهم) أى: قسم لكل وأحد من الماء بقدر ما يملك من النهر. فتؤخذ خشبة صلبة أو حجر مستوي الطرفين والوسط فيوضع على موضع مستوٍ من الأرض في مصدم الماء فيه حزوز أو ثقوب متساوىة في السعة. فإن كانت أملاكهم مختلفة قسم على قدر ذلك. فإن كان لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه وللاخر سدسه: جعل فيه ستة ثقوب: لصاحب النصف ثلاثة نصب في ساقيته، ولصاحب الثلث اثنان ولصاحب السدس واحد. وأن كان لوأحد الخمسان والباقي لأثنين يتساوىان فيه: جعل عشرة ثقوب لصاحب الخمسان أربعة نصب في ساقيته، ولكل وأحد من الاخرين ثلاثة نصب في ساقية له، وأن كان النهر لعشرة لخمسة منهم أراضي قريبة من أول النهر ولخمسة أراضي بعيدة: جعل لأصحاب القريبة خمسه ثقوب، لكل واحد ثقب، وجعل

стр. 2970

للباقين خمسة تجري في النهر حتى تصل إلى أرضهم ثم يقسم بينهم قسمة أخرى. وأن أراد أحدهم أن يجري ماءه في ساقيه غيره ليقاسمه في موضع آخر لم يجز إلا برضاه؛ لأنه متصرف في ساقيته ويخرب حافتيها بغير إذنه ويخلط حقه بحق غيره على وجه لا يتميز. فلم يجز ذلك. إذا تقرر هذا (فما حصل لأحدهم في ساقيته تصرف فيه بما أحب)؛ لأنه أنفرد بملكه. فله أن يسقي به ما شاء من الأرض. سواء كان لها رسم شرب من هذا النهر أو لا؛ كما لو أنفرد به من أصله. وله أن يتصرف في ساقيته المختصة به بما أحب من إجراء غير هذا الماء فيها أو عمل رحى عليها أو غير ذلك؛ لأنها ملكه لأحق لغيره فيها. (والمشترك ليس لأحدهم أن يتصرف فيه بذلك) ولا نحوه بغير إذن شركائه. لكن لكل إنسان أن ياً خذ من الماء الجاري المملوك وغيره لشربه ووضوءه وغسله وغسل ثيابه والأنتفاع به في أشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه من غير إذن مالكه إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه. ولا يحل لصاحبه المنع من ذلك؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان بفضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل … " (١) رواه البخاري. فاً ما ما يؤثر فيه؛ كسقي الماشية الكثيرة ونحو ذلك فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه لزمه بذله كذلك، وإلا فلا. وقد تقدم حكمه. (ومن سبق إلى قناة لا مالك لها. فسبق) إنسان (آخر إلى بعض أفواهها من فوق أو) من (أسفل: فلكل) منهما (ما سبق إليه) من ذلك. (ولمالك أرض منعه من الدخول بها، ولو كانت رسومها) أى: القناة (في

стр. 2971

أرضه، و) أو (لا يملك تضييق مجرى قناة في (رضه: خوف لص)؛ لأنه لصاحبها. نص على الكل. وقال أبو بكر: إن لم يصل إلى عمارتها إلا في الأرض فليس له منعه. قال في " الفروع ": يعني على رواية حنبل، وقد ذكر إجبار عمر محمد بن مسلمة على إجراء الماء في أرضه كل ما كان على هذه الجهة. وفيه ضرر يمنع صاحبه. فإن أجاب وإلا أجبره السلطان. ونقل المروذي في نهر لضياع: أكره الاستئجار عليه. ونقل يعقوب فيمن غصب حقه من ماء مشترك: للبقية أخذ حقهم. (ومن سَدَّ له ماء لجاهه. فلغيره السقي منه لحاجة: ما لم يكن تركه يردُه على من سُدَّعنه). نقل مثنى: من سد له الماء لجاهه أفأسقي منه إذا لم يكن تركي له يرده على من يسد عنه؟ فأجازه بقدر حاجتي. انتهى.

стр. 2972

[باب: الجعالة] هذا (باب) يذكر (١) فيه مسائل من أحكام الجُعالة. بتثليث الجيم عن ابن مالك. وهي مشتقة من الجُعْل بمعنى التسمية. ومنه قوله تعالى ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. أى: سمو هم. ولأن الجاعل يسمي الجُعْل لمن يعمل له العمل بذكره له. وقيل: من الجُعْل بمعنى الآيجاب، يقال: جعلت له كذا، أى: أوجبت. ويسمى ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله جُعلاً وجُعالة وجعيلة. قاله ابن فارس. والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) [يوسف: ٧٢]. وكان معلوماً عندهم، كالوسق. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يكن في شرعنا ما يخالفه. وحديث اللديغ (٢) شاهد بذلك (٣) .

стр. 2973

مع أن الحكمة تقضيه والحاجة تدعو إليه. فإن قد لا يوجد من يتبرع بالعمل فاقتضت جواز ذلك. ثم (الجعالة) شرعا: (جَعْلُ) أى: تسمية مال (معلوم) إن كان من مسلم ٠ (لا) إن كان (من مال محارب) فإنه لا يشرط فيه العلم. (يصح مجهولاً لمن) متعلق بجعل (يعمل له) أى: للجاعل (عملاً ولو.) كان العمل (مجهولاً)، كمن خاط لي ثوباً فله كذا. (أو) لمن يعمل له (مدة ولو مجهولة) " كمن حرس زرعي (١) فله في كل يوم كذا. ومثاله في العمل المعلوم والمدة المعلومة، (كمن رد لقطتي، أو بنى لي هذا الحائط، أو) من (أقر ضني زِيدَ بجاهه ألفاً، أو أذن بهذا المسجد شهراً فله كذا، أو من فَعَلهُ من مِدِينيّ) أى: ممن لي عليهم الدين (فهو بريء من كذ). قال في " الإنصاف ": فائدة: الجُعالة نوع إجارة لوقوع العوض في مقابلة منفعة. وإنما تُميز بكون الفاعل لم يلتزم الفعل، وبكون العقد قد يقع مبهما لا مع معين. ويجوز في الجعالة الجمع بين تقدير المدة ؤالعمل، على الصحيح من المذهب. وقيل: لا، كالإجا رة. وتقدم ذلك في الإجاره أيضاً. انتهى.- أما كون ذلك يصح مع كونه تعليقاً؛ فلأنه في معنى المعاوضة لا تعليقاً محضاً. وأما كونه يصح في قوله: فهو بريء من كذا، فلأن تعليق الإسقاط أقوى من تعليق الإشغال.

стр. 2974

ومن كون ذلك في معنى المعاوضة اشتُرط كون الجُعْل من مسلم معلوم (١) " لأنه يستقر على الجاعل بتمام العمل " كالأجرة. وقيل: بصحتها مع جهالة الجُعْل إن لم يمنع التسليم، كقوله: من رد ضالتي فله ثلثها. بخلاف قوله فله شيء. أخذاً من قول الإمام قي الغزو: من جاء بعشرة رؤوس فله رأس. فعلى هذا لو كانت الجهالة تمنع من التسليم لم تصح الجعالة وجهاً واحداً. وحينئذ فيستحق العامل أجرة المثل، لأنه عمل بعوض لم يسلم له. فاستحق أجر المثل، كالإجارة. وأما كون الجُعالة تصح في: من أقر ضني زِيدَ بجاهه ألفاً فله كذا، فلأنه في مقابلة ما بذله من جاهه، من غير تعلق له بالمقرض. وأما كونه يشترط أن يكون العمل للجاعل، فلأن النفيع الواقع لفاعله لا تنعقد الجُعالة عليه، لأجتماع الأمرين له. ولهذا امتنع عقد الإجارة عليه. فلو قال: من ركب دابته أو خاط قميصه فله كذا لم ينعقد ذلك جعالة. والله أعلم. وقيل: بلى. وقيل: إن كان لأجنبي، كمن بنى حائط فلان فله كذا أنعقدت جعالة. إذا تقرر هذا (فمن بلغه) الجُعْل على ذلك الفعل الذي ليس نفعه لفاعله ولا لأجنبي (قبل فعله: استحقه به) أى: بفعله إياه؛ لأن العقد استقر بتمام العمل. فاستحق ما جعل له؛ كالربح في المضاربة. (و) من بلغه الجُعْل (في أثنائه) أى: العمل: (فحِصَّة تمامه) أى: فأنه يستحق من الجُعْل بقسط ما بقي من العمل فقط، لأن عمله قبل بلوغه الجُعْل وقع غير ماًذون فيه. فلم يستحق عنه عوضاً؛ لأنه بذل منافعه متبرعاً بها. ومحل ذلك: (أن أتمه بنية الجُعْل.

стр. 2975

و) لهذا لو لم يبلغه الجُعْل إلا (بعده) أى: بعد تمام العمل: (لم يستحقه) أى: الجُعْل والأشياء منه، لأنه لم يبلغه إلا بعد تمام العمل، (وحرُم) عليه (أخذه). نقل حرب: في اللقطة: أن وجد ما سمع النداء فلا باًس أن ياً خذ منه وإلا ردها ولا جُعل. انتهى. وعلم مما تقدم أن لو اشترك جماعة في العمل الذي يستحق به الجُعْل اشتركوا في استحقاق الجُعْل. بخلاف ما لو قال: من دخل النقب فله دينار فدخله جماعة استحق كل واحد منهم ديناراً، لأنه قد دخل دخولاً كاملاً. بخلاف رد اللقطة ونحوها فإنه لم يردها وأحد منهم رداً كاملاً. ومن نحو ذلك لو قال: من نقب (١) السور فله دينار. فنقبه ثلاثة نقباً واحداً اشتركوا في الدينار، وإن نقب كل واحد نقباً استحق كل واحد ديناراً. ولو جعل لإنسان في رد آبق ديناراً ولآخر ديناران ولآخر ثلاثة دنانير فرده الثلاثة. فلكل وأحد منهم ثلث ما جُعل له في رده. فلو جعل لواحد ديناراً ولأخرين عوضاً مجهولاً. فردوه: فلصاحب الدينار ثلث الدينار، وللأخرين أجرة عملهما. وإن جعل لإنسان جعلاً فرده هو وآخران معه وقالا: رددناه معاونة له: استحق جميع الجُعْل. وإن قالا: رددناه لنأخذ العوض فلا شيء لهما وله ثلث الجُعْل. فائدة: قال في " الإنصاف ": لو قال: من داوى له هذا حتى يبرأ من جرحه أو رمده فله كذا: لم يصح مطلقاً، على الصحيح من المذهب، قدمه في " الرعايتين " و" الحا وي الصغير " و" الفائق " وغيرهم، واختاره القاضي.

стр. 2976

وقيل: يصح جعالة. اختإره ابن أبي موسى والمصنف. نقله الزركشي في الإجارة. وقيل: يصح إجارة. انتهى. (و) إن قال إنسان: (من رد عبدي فله كذا. وهو) أى: الجُعْل المسمى (أقل من دينار، أو) أقل من (اثني محشر درهما) من فضة، (اللذين قدرهما الشارع) في رد الآبق: (فقيل: يصح) ذلك، (وله) أى: للذي يرد (برده) أى: الآبق (الجُعْل ققط). قدم ذلك في " الفروع ". وهو ظاهر كلام غيره. ووجهه: أو رده على ذلك فلم يستحق غيره. (وقيل): لا تصح التسمية. ولمن (١) يرده (ما قدر الشارع) له. قطع به الحا رثي. ووجهه: أن من أوجب عليه الشارع شيئاً مقداراً من المالط عند وجود سبب: استقر عليه كاملاً بوجود سببه؛ كدفع ربع مال الكتابة عند اداء مالها كاملاً للمكاتب. وما ذكرت من كون الشارع قدر في رد الابق ديناراً أو اثني عشر درهماً هو الصحيح. قال في " الإنصاف ": هذا المذهب. قال في " الرعاية " و" شرح الحارثي " وغيرهما: وسواء كان يساويها أو لا. انتهى. قال في " الفروع ": ويستحق برد آبق مطلقاً؛ لئلا يلحق بدار الحرب أو يشتغل بالفساد ديناراً أو اثني عشر درهما. وعنه: أربعين درهما من خارج المصر. وعنه: ومنه عشرة. استقرت عليه الرواية. قاله الخلالط وجزم به في " عيون

стр. 2977

المسائل "، وأن الرواية الصحيحة من خارج المصر ديناراً أو عشرة دراهم. انتهى. ونقل ابن منصور: سئل أحمد عن جُعل الآبق؛ فقال: لا أدري قد تكلم الناس فيه. لم يكن عنده فيه حديث صحيح. قال في " المغني ": فظاهر هذا أن لا جُعل فيه. وهو ظاهر قول الخرقي .. فإنه قال: وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه ولم يذكر جعلا. انتهى. قال في " الإنصاف ": وعنه: لا شيء لراده من غير جعالة. اختاره المصنف. انتهى. والقول بتقدير الدينار أو اثني عشر درهماً يروى عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما. وروى عمرو بن دينار وابن أبي مليكة مرسلا " أن النبي ﷺ جعل في جُعل الآبق إذا جاء به خارجاً من (١) الحرم ديناراً " (٢) . (ويستحق من ردَّ) آبقاً (من دون معينة) أى: من دون مسافة عينها الجاعل في الجعالة (القسط) من الجُعْل المسمى. فإن كان المحل الذي رده منه نصف المسافة استحق نصف المسمى وإن كان أقل أو أكثر فبحسابه. (و) إن رده (من أبعد) من المسافة فله (المسمى فقط)؛ لأنه لم يجعل للزائد على المسافة عوضاً. فلم يستحق الراد في مقابله شيئا. (و) يستحق (من ردَّ أحد آبقين نصفه) أى: نصف الجُعْل عن ردهما؛ لأنه رد نصفهما. ولا يستحق واجد آبق بهربه قبل تسليمه شيئاً؛ لأنه شرط الجُعْل برده ولم

стр. 2978

يرده. وكذا لو مات؛ كما لو (١) استأجره لخياطة ثوب فخاطه ولم يسلمه حتى تلف. فإن كان الجاعل قال: من وجد لقطتي فله دينار فقد وُجد الوُجدان. قلنا: قرينة الحال تدل على اشتراط الرد، والمقصود هو الرد لا الوجدان المجرد. وأنما اكتفى بذكر الوجدان؛ لأنه سبب الرد. فصار كأن قال: من وجد لقطتي فردها علي. قاله في " المغنى ". والجعالة: عقدٌ جائز من الطرفين. لكلٍ من الجاعل والمجعول له المعين فسخها. (وبعد شروع عامل) في العمل: (إن فسخ جاعل فعليه) للعامل (أجرة) مثل (عمله)؛ لأنه عمل بعوض ولم يسلم له. فكان له أجرة مثله. وعلم مما تقدم أنه إذا عمل شيئاً بعد الفسخ أنه لا أجرة له؛ لأنه عملٌ غير مأذون فيه. (وإن فسخ عامل) قبل إتمام العمل: (فلا شيء له)؛ لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأت بما شُرِط عليه؛ كعامل المضاربة. ومتى زاد الجاعل أو نقص في الجُعْل قبل الشروع في العمل جاز وعمل به بعده؛ لأنه عقد جائز. فجاز فيه ذلك؛ كالمضاربة. (ويصح) في جعالة (الجمع بين تقدير مدة وعمل)؛ كمن بنى لي هذا الحائط في يوم فله كذا؛ لأنه عقد يصح مع جهالة المدة والعمل، للحاجة إلى ذلك؛ لأن الجُعْل قد يكون على رد شئ لا يدرى محله ولا متى يقدر عليه. فكونها تصح مع تقدير المدة والعمل من باب أولى. (وإن اختلفا) أى: الجاعل والعامل (في أصل جُعل: فقول من ينفيه) منهما؛ لأن الأصل عدمه. (و) إن اختلفا (في قدره) أى: الجُعْل (أو) في قدر (مسافة)؛ كما لو قال الراد للآبق لسيده: جعلت في رده عشرين درهما. فقال: بل خمسة عشر.

стр. 2979

أو قال: جعلت هذا الجُعْل لمن يرده من بريد. فقال: إنما جعلته لمن يرده من بريدين: (فقول جاعل) فيهما؛ لأنه منكر، والأصل براءة ذمته مما لم يعترف وقيل: يتحالفان فيهما كالأجير، ويجب أجر المثل. وقيل: في آبق المقدر شرعاً. وكذا لو اختلفا في عين العبد الذي جعل الجُعْل في رده، بأن قال العامل: جعلت لمن رد عبدك فلاناً دينارين وقد رددته. فقال المالك: إنما جعلتهما لمن رد عبدي الآخر: فالقول قوله؛ لأنه أعلم بشرطه. ولأنه منكر والأصل براءة ذمته. (وإن عمل) إنسان (ولو المعد لأخذ أجرة) على عمله (لغيره عملاً بلا إذن أو) بلا (جُعل) ممن عمل له العمل: (فلاشيء له)؛ لأنه بذل منفعته من غير عوض. فلم يستحقه. ولئلا يلزم الإنسان ما لم يلتزمه ولم تطب نفسه به. (إلا في تخليص متاع غيره، ولو) كان المتاع (قنا من بحر أو فلاة) يظن هلاكه في تركه (فأجر مثله). قال في القاعدة الرابعة والسبعين (١) ومنها: من أنقذ مال غيره من التلف؛ كمن خلص عبد غيره من فلاة مهلكة أو متاعه من موضع يكون هلاكه فيه محققاً أو قريباً منه؛ كالبحر وفم السبع: فنص أحمد على وجوب الأجرة له في المتاع. وذكره القاضي وابن عقيل وصاحب " المغني " في العبد أيضاً. وحكى القاضي فيه احتمالا بعدم الوجوب كاللقطة. وأورد في " المجرد " عن نص أحمد: فيمن خلص من فم السبع شاة أو خروفا أو غيرهما. فهو لمالكه الأول ولا شيء للمخلص.

стр. 2980

والصحيح الأول؛ لأن هذا يخشى هلاكه وتلفه على مالكه. بخلاف اللقطة. وكذلك لو أنكسرت السفينة فخلِّص قوم الأموال من البحر فأنه تجب لهم الأجرة على الملاك (١) . ذكره في " المغني "؛ لأن فيه حثا وترغيبا في إنقاذ الأموال من الهلكه. فإن الغواص إذا علم أنه يستحق الأجر ة غرر بنفسه وبادر إلى التخليص (٢) . بخلاف ما إذا علم أن لا شيء له فهو في معنى رد الآبق. وفي مسودة " شرح الهداية " لأبي البركات: وعندي أن كلام أحمد على ظاهره في وجوب الأجرة على (٣) تخليص المتاع من المهالك دون الادمي؛ لأن الادمي أهل (٤) في الجملة لحفظ نفسه. انتهى. وفيه نظر فقد يكون صغيراً وعاجزاً، وتخليصه أهم وأولى من المتاع. وليس في كلام أحمد تفرقة. فاً ما من عمل في مال غيره على غير ما ذكرنا فالمعروف من المذهب: أن لا أجرة له. ونقل أبو جعفر الجرجرائي عن أحمد: في رجل عمل في قناة رجلٍ بغير إذنه فقال: لهذا الذي عمل نفقته إذا عمل ما يكون منفعة لصاحب القناة. وهذه تتخرج على أصلين: أحدهما: أن الغاصب يكون شريكا بآثار عمله. والثانى: أن يجبر على أخذ قيمة آثار عمله من المالك ليتملكها عليه. وصرح القاضي في " خلافه " باً نه يكون شريكاً بآثار عمله إذا زادت به القيمة حتى في غسل الثوب ونحوه. وذكر نص أحمد في العمل في القناة من رواية حرب وابن هانئ. انتهى.
следующие страницы →