قال أحمد في رواية الجماعة: إذا جاء صاحبها وإلا كان كسائر أمواله.
واختار أبو الخطاب: أنها لا تدخل في ملكه حتى يختار؛ لأن هذا
تملك بعوض. فلم يحصل إلا باختيار المتملك؛ كالقرض. وهو رواية في
" الو اضح ".
ووجه الأول: قول النبي ﷺ : " وإلا فهي كسبيل مالك " (١) .
وقو له: " فاستنفقها " (٢) .
ولو وقف ملكها على تملكها لبينه له؛ لأنه لا يجوز له التصرف قبله.
ولأن الالتقاط والتعريف سبب للتملك. فإذا نما وجب أن يثبت الملك
حكماً؛ كالإحياء والاصطياد.
ولأنه سبب يملك به. فلم يقف الملك بعده على قوله ولا اختياره؛ كسائر الأسباب. وذلك لأن المكلف ليس إليه إلا مباشرة الأسباب. فإذا أتى بها ثبت الحكم قهراً
أو جبراً من الله تعالى غير موقوف على اختيار المكلف.
وأما الاقتراض فهو السبب في نفسه. فلم يثبت الملك بدونه.
وعلى المقدم في " التنقيح " تملك اللقطة (ولو) كانت (عرضاً) فإنه قال:
وتملك عروض كأثمان.
وعنه: لا. اختاره الأكثر. انتهى.
وعبارته في " الإنصاف ": تنبيه: قدم المصنف أن غير الأثمان كالأثمان.
وهو إحدى الروايتين. وهو ظاهر كلام الخرقي.
قال في " عيون المسائل ": هذا الصحيح من المذهب. وصححه الناظم،
واختاره ابن أبي موسى والمصنف وغيرهما.
قال في " الفائق ": وهو المختار.
стр. 3012
وقال (١) ابن رزين: الأظهر.
وقدمه في " الكافي " و" المحرر " و" الشرح " و" الفروع " وغيرهم، وجزم به في " العمدة " و" الوجيز " و" المنور "، ثم ذكر الرواية المحكية في " المقنع " بلفظه فقال: وعن أحمد: لا يملك إلا الأثمان. وهي ظاهر المذهب، وكذا قال في " الهداية " و" المذهب " و" المستوعب " و" الفائق " وغير هم.
قال في " الرعاية الكبرى ": هذا أشهر.
قال في " الخلاصة " و" الرعاية الصغرى ": وتملك الأثمان، ولا تملك العروض على الأصح. أنتهيا.
واختاره أبو بكر والقاضي وابن عقيل وغيرهم.
قال (٢) المصنف والشارح والحارثي وصاحب " الفروع ": اختاره أكثر
الأصحاب.
قال القاضي: نص عليه في رواية الجماعة. وقدمه في " الرعاية "
و" الحاوي الصغير " و" الفائق " وغيرهم، وجزم به ناظم " المفردات " فقال: ملتقط الأثمان مذ عرفها حولاً فقهراً ذا الغنا يملكها
قال الزركشي: وعنه: وهي المشهورة في النقل والمذهب عند عامة الأصحاب: أن الشاة ونحوها تملك دون العروض. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وعبارته في " الفروع ": وعنه: لا تملك نحو شاة. ونقل الجماعة: تملك الأثمان فقط. اختاره الأكثر. انتهى.
ووجه كون العروض كالأثمان: عموم الأحاديب التي في اللقطة جميعها.
стр. 3013
فإن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال: " عرفها سنة- ثم قال في آخره-: فإنتفع بها، أو فشأنك بها " (١)
وفي حديث عياض بن حمار: " من وجد لقطة " (٢) . وهو لفظ عام.
وروى الجوزجانى والأثرم في كتابيهما قال: أنباًنا أبو نعيم قال: حدثنا هشام بن سعد قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في متاع يوجد في الطريق الميتاء أو في قرية مسكونة؛ فقال: عرفه سنة فإذا جاء صاحبه وإلا فشأنك به " (٣) .
ورويا " أن سفيان بن عبدالله وجد عيبه. فأتى بها عمر بن الخطاب فقال: عرفها سنة فإن عرفت وإلا فهي لك.- زاد الجوزجانى-: فلم تعرف فلقيه العام المقبل فذكرها له. فقال عمر: هي لك أن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك " (٤) . ورواه النسائى أيضاً.
وهذا (٥) نص في غير الأثمان.
وروى الجوزجانى بإسناده عن الحر بن الصباح قال: " كنت عند ابن محمر بمكة إذ جاءه رجل فقال: أنى وجدت هذا البرد وقد نشدته وعرَّفته فلم يعرفه أحد وهذا يوم التروية ويوم يتفرق الناس. فقال: أن شئت قومته قيمة عدل ولبسته وكنت له ضامناً، متى (٦) جاءك صاحبه دفعت إليه ثمنه، وإن لم يجئ له طالب فهو لك أن شئت ".
فإن قيل: أن النص خا ص في الأثمان.
قلنا: بل هو عام في كل لقطة. فيجب العمل بعمومه. وإن ورد فيها نص
стр. 3014
خاص فقد روي خبر عام فيعمل بهما. ثم قد روي نص خاص في العروض. فيجب العمل به كما وجب العمل بالخاص من الأثمان. ثم لو اختص (١) الخبر بالأثمان لوجب أن يقاس عليها ما كان في معناها كسائر النصوص التي عقل معناها ووجد في غيرها، وهاهنا قد وجد المعنى. فيجب قياسه على المنصوص عليه. أو نقول أن المعنى هاهنا آكد فيثبت الحكم فيه بطريق التنبيه. بيانه أن الأثمان لا تتلف بمضى الزمن عليها وإنتظار صاحبها بهذا أبداً والعروض تتلف بذلك. ففي النداء عليها دائماً هلاكها وضياع ماليتها على صاحبها وملتقطها وسائر الناس. وفي إباحة الأنتفاع بها وملكها بعد (٢) التعريف حفظ لماليتها على صاحبها بدفع قيمتها إليه ونفع لغيره. فيجب ذلك؛ لـ " نهي النبي عن إضاعة المال " (٣) .
ولما فيه من المصلحة والحفظ لمال المسلم عليه وعلى أخيه.
ولأن في إثبات الملك فيها حثاً على التقاطها وحفظها وتعريفها؛ لكونه وسيلة إلى الملك المقصود للادمي. وفي نفي ملكها تضييع لها لما في التقاطها من الخطر والمشقة والكلفة من غير نفع يصل إليه فيؤدي إلى أن لا يلتقطها أحد لتعريفها فتضيع.
وعلى القول بأن العروض لا تملك بالتعريف اختلفوا فيما يصنع بها. فقال
ابو بكر وابن عقيل: يعرفها أبدا.
وقال القاضي: هو بالخيار بين أن يقيم على تعريفها حتى يجيء صاحبها وبين دفعها إلى الحاكم ليرى رأيه فيها.
стр. 3015
وهل له بيعها بعد الحول ويتصدق بها؛ على روايتين.
(أو) كانت اللقطه (لقطة الحرم) فإنها (١) تملك بالتعريف حكماً كلقطة الحل.
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب.
قال الحارثي: عدم الفرق هو المشهور في المذهب واختيار أكثر الأصحاب، ونص عليه.
قال الزركشي: هو اختيار الجمهور. وقدمه في " المحرر " و" الشرح "
و" الفروع " وغيرهم، واختاره ابن أبي موسى والموفق والشارح وصاحب " النها ية " وغيرهم.
قال في " المغني ": وظاهر كلام أحمد والخرقي: أن لقطة الحل والحرم سواء. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب. وهو مذهب مالك وابي حنيفة.
وروي عن أحمد رواية أخرى: أنه لا يجوز التقاط لقطة الحرم للتملك وإنما يجوز لحفظها لصاحبها. فإن التقطها (٢) عرفها أبداً حتى يأتي صاحبها. وهو قول عبدالرحمن بن مهدي وأبي عبيد. وعن الشافعي كالمذهبين.
والحجة لهذا القول قول النبى ﷺ فى مكة: " لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (٣) متفق عليه.
قال أبو عبيد: المنشد المعرف، والناشد الطالب. وينشد إصاخة الناشد
стр. 3016
للمنشد فيكون معناه: لا تحل لقطة مكة إلا لمن يعرفها، لأنها خصت بهذا من بين سائر البلاد (١) .
وروى يعقوب بن شيبة في " مسنده " عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي " أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج " (٢) .
قال ابن وهب: يعني: يتركها حتى يجدها صاحبها.
ورواه أبو داود أيضاً.
ووجه الرواية الأول: عموم الأحاديث، وأنه أحد الحرمين. فأشبه حرم المدينة.
ولأنها أمانة. فلم يختلف حكمها بالحل والحرم؛ كالوديعة.
وقول النبي ﷺ : " إلا لمنشد " (٣) : يحتمل أن يريد إلا لمن عرفها عامأ. وتخصيصها بذلك لتاً كدها لا لتخصيصها، كقوله ﵇ (٤) : " ضالة المسلم حرق النار " (٥) . وضالة الذمي مقيسة عليها.
وعنه: لا تملك لقطة بحال.
وقول المتن: ولو عرضاً أو لقطة الحرم: تصريح بما شمله العموم ليعلم أنهما مقصودان بالتعميم وليتكلم على الخلاف فيهما.
وقوله: (أو لم يختر) هو مفهوم قوله: دخلت في ملكه حكماً. يعني:
من غير اختيار من الملتقط. وتقدم الكلام على الخلاف في ذلك.
وكذا قوله: (أو اخَّره لعذر) فإنه مفهوم قوله: وإن أخر التعريف الحول أو بعضه لغير عذر أثم ولم يملكها به بعد. وتقدم الكلام عليه.
стр. 3017
(أو ضاعت) يعني: لو ضاعت اللقطة من واجدها من غير تفريط فالتقطها
ثان (فعرفها الثانى مع علمه بالأول) أى: بأنها ضاعت من ملتقط أول، (ولم يعلمه) أى: ولم يعلم الثانى الأول بها، (أو أعلمه) وعرفها الثانى (وقصد بتعريفها) تملكها (لنفسه): فأنها تدخل في ملك الملتقط الأول حكما بإنقضاء الحول الذي عرفها فيه؛ لأن حق التمول للأول. أشبه ما لو غصبها من الملتقط غاصب فعرفها.
وقيل: يملكها الثانى؛ كما لو أذن له الأول في أن يعرفها لنفسه.
وتقدم الكلام على ذلك عند قوله: ويلزمه حفظ الجميع بأتم من هذا (١) .
والله أعلم (٢) .
стр. 3018
[فصل: فيما يشترط لإباحة التصرف في اللقطة]
(فصل. ويحرم تصرفه) أى: الملتقط (فيها) أى: في اللقطة بعد. التعريف (حتى يَعْرف وعاءها. وهو كيسُها، ونحوه)، كالخرقة التي تكون مشدودة فيها. والقدر أو الزق الذي يكون فيه المائع. واللفافة التي تكون فيها الثياب.
(و) حتى يَعرف (وكاءَها) أى: اللقطة (وهو: ما شُّد به) الكيس أو الزق ونحوهما هل هو سير أو خيط، وهل هو من إبريسم أو كتان
(و) حتى يعرف (عِفاصها) بكسر العين المهملة (وهو: صفة الشد).
قال في " الإنصاف ": والعفاص، قال في " المستوعب ": هو الشد والعقد.
وقيل: هو صمام القارورة. وذكر ابن عقيل في " التذكرة ": أو الصرة.
وهو ظرفها.
قال الزركشي: هو الوعاء التي تكون فيه من خرقة أو غيرها.
قال الحارثي: العفاص مقول على الوعاء. وورد: " احفظ عفاصها ووعاءها ". والعفاص في هذه الرواية: صمام القارورة أى: الجلد المجعول على راسها. يقالى عليه أيضاً. انتهى.
وفي " المبدع ": حتى يعرف وعاءها. وهو: العفاص التي تكون فيه من خرقة أو غيرها.-
وقيل: هو صفة شده وعقده. انتهى.
فحيب جمع بين الوعاء والعفا صفي الحديث تعين أن يكون غيره.
стр. 3019
قال في " القاموس ": والقارورة عفَصها: شَّد عليها العفا ص
كاًعفصها. ثم قال: وككتاب: الوعاء فيه النفقة، جلداً أو خرقة، وغلاف القارورة، والجلد يغطى به رأسها. انتهى.
وقال في فصل الصاد المهملة من باب الميم: وصِمَام القارورة وصمامتها وصمتها، بكسرهن: سدادها. وضمها: سدها. وأصمها: جعل لها صماماً. انتهى.
إذا تقرر هذا فحيث ذكر العفا صفي رواية دون الوعائين تعين أن يكون معناه الوعاء، وإن (١) ذكر مع الوعاء فالأول حمله على صفة الشد، لقول القاضي وابن عقيل وغيرهما،
ويتعرف المربط هل هو عقدة (٢) أو عقدتان وأُنْشوطة أو غيرها، للاتفاق
على الأمر بمعرفة صفاتها. وهذا منها.
والأنشوطة قال في " القاموس ": كانبوبة: عقدة يسهل أنحلالها كعقد (٣) التّكّة. انتهى.
(و) حتى يعرف (قدرها) بالعد أو الوزن أو الكيل بمعيارها الشرعي، (وجنسها، وصفتها) التي تتميز بها من الجنس وهي نوعها ولونها.
والأصل في ذلك قول النبي ﷺ فى حديث زيد بن خالد: " اعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها " (٤) . رواه الترمذي.
وفي بعض حديثه: " فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها
فاًعطها إياه وإلا فهي لك " (٥) . رواه مسلم.
стр. 3020
وفي لفظ عن أبي بن كعب أو قال: " وجدت مائة دينار فأتيت بها النبي ﷺ فقال: عرّفْها حولاً. فعرفتها حولاً. فلم تعرف. فرجعت إليه (١) فقال: اعرف عدتها ووعاءها ووكاءها واخلطها بمالك. فإن جاء ربها فاً دها إليه " (٢) .
لأن (٣) دفعها إلى ربها يجب بوصفها، وإذا تصرف فيها قبل معرفه صفاتها لم
يبق سبيل إلى معرفة وصفها بأنعدامها بالتصرف.
ولأنه حيث وجب دفعها إلى ربها بوصفها. فلا بد من معرفته؛ لأن ما لا يتم
الواجب إلا به واجب.
(وسُن) للملتقط أن يكون (ذلك عند وجدانها)؛ لأن في بعض
ألفاظ حديث أبي بن كعب: " اعرف عفاصها ووكاءها وعددها ثم عرفها سنة" (٤) .
ولأنها ربما تضيع منه في حول التعريف فيصفها لواجدها أو ربما يحصل منه
تفريط في حول التعريف. فيعرف القدر الواجب عليه بذلك.
ولأن فى ذلك تحصيلا للعلم بذلك.
(و) سن أيضا ً عند وجدانها (إشهاد عدلين عليها).
قال أحمد رحمه الله تعالى: لا أحب أن يمسها حتى يشهد عليها. وهذا
النص ظاهر في الاستحباب، وأو أن لم يشهد عليها لا ضمان عليه.
وعنه: يلزمه الإشهاد. اخماره أبو بكر وابن أبي موسى.
فعلى هذا أن لم يشهد ضمنها.
стр. 3021
والدليل على وجوبه قول رسول الله ﷺ : " من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل " (١) .
ولأنه إذا لم يشهد كان الظاهر أنه أخذها لنفسه. وبهذا قال ابو حنيفة.
قال في " المغني ": ولنا خبر زيد بن خالد وأبي بن كعب. فإنه أمرههما بالتعريف دون الإشهاد (٢) .
ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فلو كان واجباً لبينه النبي ﷺ .
سيَّما وقد سئل عن حكم اللقطة. فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها. فتعين حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب.
ولأنه أخذ أمانة. فلم يفتقر إلى الإشهاد؛ كالوديعه.
والمعنى الذي ذكروه غير صحيح فإنهإ ذا حفظها وعرفها فلم يأخذها لنفسه.
وفائدة الإشهاد: صيانة نفسه من الطمع فيها وكتمها، وحفظها من ورثته أن مات، ومن غرمائه أن أفلس.
و (لا) يستحب الإشهاد (على صفتها)؛ لئلا ينتشر ذلك فيدعيها من
لا يستحقها. ويذكر صفتها كما قلنا فى التعريف، ولكن يذكر للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس والنوع.
قال أحمد في رواية صالح وقد سأله: إذا أشهد عليها. هل يبين كم هي؟ قال: لا. ولكن يقول: قد اصبت لقطة.
قال في " المغني ": ويستحب أن يكتب صفاتها؛ ليكون أثبت لها، مخافة
أن ينساها أن اقتصر على حفظها بقلبه. فإن الإنسان عرضة النسيان. انتهى. (وكذا لقيط) يعني: أو يسن لمن وجد لقيطاً أن يشهد على وجدانه.
стр. 3022
قال في " الفروع ": وقيل يلزمه، لئلا يسترقه (١) . فلو تركه فلا ولاية. ذكره في " الترغيب ". انتهى.
(ومتى وصفها) أى: اللقطة (طالبُها) أى: مدع ضياعها بصفاتها التي أمر الملتقط بأن يتعرفها: (لزم دفعها) له (بنمائها.
ومع رِقِّ ملتقط، وإنكار سيده فلا بُّد من بينة). وإنما احتيج إلى بينة على التقاط الرقيق، لأن إقرار العبد لا يصح فيما يتعلق برقبته. ذكره في " الإنصاف "
وقا ل: صححه في " المستوعب " وقدمه في " الفر وع " وغيره.
وقيل: لا يلزمه. انتهى.
ولا يشترط في لزوم الدفيع بينة تشهد بالملك للواصف، ولا أنها (٢) ضاعت منه، ولا يمينه على شيء من ذلك، ولا أن يغلب على ظن الملتقط صدق طالبها.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه. انتهى.
وقيل: لا يدفعها إليه إذا وصفها إلا مع ظن صدقه. قدمه في " الرعاية الكبرى ".
وقال في " المبهج " و" التبصرة ": جاز الدفع. ونقل ابن هانئ ويوسف بن موسى: لا باًس به.
وبالأول قال مالك وأبو عبيد ودا ود وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجبر على ذلك إلا ببينة. ويجوز له دفعها إليه
إذا غلب على ظنه صدقه.
стр. 3023
وقال أصحاب الرأى: إن شاء دفعها إليه وأخذ كفيلاً بذلك؛ لأن النبي ﷺ
قال: " البينة على المدعي " (١) .
ولأن صفة المدعي لا يستحق بها؛ كالمغصوب.
قال في " المغني ": ولنا قول النبى ﷺ : " فإن جاءك أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فادفعها إليه " (٢) .
قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله ﷺ . وبه أقول.
ورواه ابن القصار: " فإن جاء باغيها ووصف عفاصها وعددها فادفعها
إليه ".
وفي حديث زيد الذي ذكرناه: " اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن
لم تعرف فاستنفقها، وإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه " (٣) .
يعني: إذا ذكر صفاتها؛ لأن ذلك هو المذكور في صدر الحديث، ولم. يذكر البينة في شيء من الحديث. ولو كانت شرطاً للدفع لم يجز الإخلال به ولا الأمر بالدفع بدونه.
ولأن إقامة البينة على اللقطة تتعذر؛ لأنها إنما تسقط حال الغفلة والسهو.
فتوقف دفعها عليها منع لوصولها إلى صاحبها ابدا.
وهذا يفوت مقصود الالتقاط، ويفضي إلى تضييع أموال الناس. وما هذا
سبيله يسقط اعتبار البينة فيه، كالأنفاق على اليتيم.
والجمع بين هذا القول وبين تفضيل الالتقاظ على تركه متناقض جداً؛ لأن الالتقاط حينئذ يكون تضييعاً لمال المسلم يقيناً، وإتعاباً لنفسه بالتعريف الذي
стр. 3024
لا يفيد، والمخاطرة بدينه بترك الواجب من تعريفها. وما هذا سبيله يجب أن يكون حراماً فكيف يكون فاضلاً.
وعلى هذا نقول: لو لم يجب دفعها بالصفة لم يجز التقاطها لما ذكرناه.
وقول النبي ﷺ : " البينة على المدعي " (١) : يعني: إذا كان ثم منكر " لقوله في سياقه: " واليمين على من أنكر "، ولا منكر هاهنا. على أن البينة تختلف، وقد جعل النبي ﷺ بينة مدعي اللقطة وصفها. فإذا وصفها فقد أقام بينة.
وقياس اللقطه على المغصوب غير صحيح فإن النزاع ثم في كونه مغصوبا والأصل عدمه، وقول المنكر يعارض دعواه فاحتيج إلى البينة. وهاهنا قد ثبت كون هذا المال لقطة وإن له صاحباً غير من هو في يده ولا مدعي له إلا الواصف، وقد ترجح صدقه فينبغي أن يدفع إليه. انتهى.
قال في " الفروع ": ومثله وصفه مغصوباً ومسروقاً. ذكره في " عيون المسائل " والقاضي وأصحابه على قياس قوله: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في دفن الدار في وصفه فهو له.
وقيل: لا، كوديعة وعارية ورهن وغيره، لأن اليد دليل الملك ولا تتعذر البينة. انتهى.
وظاهر ما تقدم أو لو جاء مدع للقطة (٢) ولم يصفها ولا أقام بينة أنها له: لم
يجز دفعها إليه (٣) . سواء غلب على ظنه صدقه أو لا، لأنها أمانة. فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أو صاحبها، كالوديعة. فلو دفعها فجاء آخر فوصفها أو اقام بها يينة: لزم الدافع غرامتها له، لأنه فوتها على مالكها بتفريطه. وله الرجوع على مدعيها، لأنه أخذ مال غيره. فإذا ضمنها لأخذها: لم يرجع على
стр. 3025
أحد. وإن لم ياًت لها طالب فللملتقطمطالبة آخذها بها، لأنه لا يؤمن مجيء صاحبها فيغرمه إياهًا.
ولأنها أمانة في يده. فملك أخذها ممن أخذها بغير حق " كالوديعة.
وحيث وجب الدفع فإنه يكون بنمائها المتصل " لأنه ملك مالكها ولا يمكن أنفصالها عنه.
ولأنه يتبع في العقود والفسوخ. وكذا المنفصل قبل تمام حول التعريف "
لأنه نماء ملكه.
(والمنفصل بعد حول تعريفها لواجدها)، لأنه ملك اللقطة بأنفصال الحول. فنمأوها إذاً نماء ملكه.
وقيل: لربها كالنماء المتصل، وكمن استرجع ماله ممن أفلس وقد زاد زيادة منفصلة. والفرق بينهما: أن الملتقط يضمن النقص بعد الحول فتكون له الزيادة " ليكون الخراج بالضمان. والمفلس لا ضمان عليه في النقص لغيره فأمكن أن لا يكون الخراج له. والله أعلم.
ثم أعلم أن أكثر الأصحاب حكى في المساً لة الخلاف وجهين وهما روأىتات
في " الترغيب " و" التلخيص ".
(وإن تلفت) اللقطة (أو نقصت قبله) أى: قبل الحول بيد الملتقط،
(ولم يفرِّط: لم يضمنها)، لأنها أمانة بيده. فلم تضمن بغير تفريط " كالوديعة. (و) أن تلفت أو نقصت (بعده) أى: بعد الحول فإن الملتقط (يضمنها مطلقاً) أى: سواء فرَّط فيها أو لم يفرط، لأنها دخلت في ملكه. فكان تلفها من ماله.
قال فى " المغني ": وتملك اللقطة ملكاً مراعى يزول بمجئ صاحبها، ويضمن له بدلها أن تعذر ردها. والظاهر أنه يملكها بغير عوض يثبت في ذمته. وإنما يتجدد وجوب العوض بمجيء صاحبها كما يتجدد زوا ل الملك عنها بمجيئه، وكما يتجدد وجوب نصف الصداق للزوج أو بدله أن تعذر ثبوت الملك فيه بالطلاق. وهذا قول بعض اصحاب الشافعي.
стр. 3026
وقال أكثرهم: لا يملكها إلا بعوضٍ يثبت في ذمته لصاحبها. وهذا قول
القاضي وأصحابه. بدليل أو يملك المطالبة به. فأشبه القرض.
ولنا: قول النبي ﷺ : " فإن جاء صاحبها وإلا فهي مال الله يؤتيه من
يشاء " (١) . فجعلها من المباحات.
ولأنه لو مات لم يعزل من تركته بدلها، ولا يستحق أن ياًخذ من الزكاة بسبب
الغرم، ولا يلزمه أن يوصي به، ولا يمتنع وجوب الزكاة من ماله بسبب الدين،
ولا يثبت شيء من أحكام الدين في حقه. وإنتفاء أحكامه دليل (٢) على أنتفائه.
وقال القاضي: يمنع ذلك وجوب الزكاة.
ولأنه لو ملكها بعوض لم يزل ملكه عنها بمجيء صاحبها، ولو وقف ملكه
لها على رضاه بالمعاوضة (٣) واختياره كالقرض والأمر بخلاف ذلك. وإنما يستحق صاحبها المطالبه بعد مجيئه بشرط تلفها. فأنها لو كانت موجودة لأخذها
ولم يستحق لها بدلاً، وإن كانت تالفة تجدد له ملك المطالبة ببدلها، كما يتجدد
له الملك فيها لو كانت موجودة، وكما يتجدد له الملك في نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول، وفي بدله أن كان معدوماً. وهذا أشبه بمسألتنا، وبه يبطل ما ذكروه.
وأما القرض فإنه لما ثبت بدله في الذمة لم يعد الملك له في المقرض إلا
برضى المقترض واختياره. انتهى.
وعنه: لا يضمنها الملتقط إذا تلفت. حكى ابن ابي موسى عن أحمد: أنه
لوح في موضع إذا أنفقها بعد الحول والتعريف: لم يضمنها؛ لحديث عياض بن حمار المرفوع (٤) : " فإن جاء ربها وإلا فهي (٥) مال الله يؤتيه من يشاء " (٦) .
стр. 3027
وقيل: ولا يردها إذا كانت باقية.
(وتعتير القيمة) في اللقطة إذا تلفت وقد زادت أو نقصت (يوم عرف ربُها)، لأنه قد وجب على الملتقط رد العين إليه يوم معرفته به. فإذا لم يمكنه ردها إليه وجبت عليه قيمتها يومئذ.
وقيل: يوم ملكها.
وقيل: يوم تصرفه فيها.
وقيل: يوم غرم بدلها.
وأما إذا كانت من ذوات الأمثال فإنه يلزمه مثلها.
قال بعض الأصحاب: لا أعلم في هذا خلافاً.
(وإن وصفها) أى: اللقطة (ثان قبل دفعها للأول: أقرع) بينهما، (ودُفعت إلى قارع بيمينه). نص عليه، وبه جزم القاضي وابن عقيل.
قالب الحارثي: والمذهب القرعة ودفعها إلى القارع مع يمينه. نص عليه.
قال في " المغني ": فإن وصفها اثنان أقرع بينهما. فمن وقعت له القرعة حلف أنها له وسلمت إليه. وهكذا أن أقاما بينتين أقرع بينهما. فمن وقعت له القرعة حلف ودفعت إليه. ذكره القاضي.
وقال أبو الخطاب: تقسم بينهما، لأنهما تساوىا فيما يستحق به الدفع. فتساوىا فيها؛ كما لو كانت في أيديهما.
والذي قلناه أصح وأشبه بأصولنا فيما إذا تداعيا عيناً في يد غيرهما.
ولأنهما تداعيا عيناً في يد غيرهما وتساوىا في البينة أو فى عدمها: فتكون لمن وقعت له القرعة. كما لو ادعيا وديعة في يد إنسان. فقال: هي لأحدكما لا أعرفه عينا.
وفارق ما إذا كانت في أيديهما، لأن يد كل وأحد على نصفها فرجح قوله فيه. (و) أن وصفها إنسان فدفعت إليه ثم جاء ثان (بعده) فادعاها ووصفها:
(لا شيء للثانى)؛ لأن الأول يستحقها لوصفه إياه وعدم المنازع فيها حين
стр. 3028
أخذها وثبتت يده عليها ولم يوجد ما يقتضي أنتزاعها منه. فوجب إبقاؤها له؛ كسائر ماله.
وقال أبو يعلى الصغير: إن زاد في الصفة احتمل تخريجه على بينة النتاج والنتاج. فإن رجحنا به رجحنا هنا.
(وإن) وصفها إنسان وأخذها ثم (اقام آخر بينة أنها له: أخذها من واصف)؛ لأن البينة أقوى من الوصف. فيرجح صاحبها بذلك.
ولأنه يحتمل أن يكون الواصف رآها عند من أقام البينة فحفظ أوصافها فجاء وادعاها وهو مبطل.
(فإن) كانت قد (تلفت) عند الواصف كان عليه ضمانها؛ لأن يده يد
عادية. فضمنها؛ كا لغصب.
و (لم يضمن ملتقط) لمن أقام البينة شيئا؛ لأنه دفعها إلى الواصف بإذن الشرع. فلم يضمنها؛ كما لو دفعها باً مر الحاكم.
ولأن الدفع واجب عليه فكان بغير اختياره. فلم يضمن؛ كالمكره.
وقيل: لمن اقام البينة تضمين من شاء من الواصف والملتقط الدافع إليه،
إلا أن يكون قد دفعها باً مر حاكم؛ لأن أخذها بأمر الحاكم على سبيل القهر يشبه ما لو غصبها منه غاصب.
وإن كان الملتقط أنما أعطى الواصف بدل اللقطة بمقتضى أنها قد كانت تلفت عنده: لم يكن لذي البينة طلب الواصف؛ لأن ما أخذه ليس من ماله وإنما هو من مال الملتقط. وتعين طلبه على الملتقط؛ لأن ماله أنما تلف تحت يده. وللملتقط الرجوع على الواصف بما أخذه؛ لتبين عدم استحقاقه له.
ومحل ذلك: ما لم يكن أقرللواصف بملكها فإنه حينئذ يكون مدعيا أن مقيم البينة ظلمه بتضمينه. فلا يملك الرجوع به على غير من ظلمه.
وإن التقطها اثنان فعرفاها حولاًً فلم تعرف كانت بينهما بالسويه. وكذا لو كان الملتقط أكثر من اثنين.
стр. 3029
وإن رأياه معا فبادر أحدهما فاً خذها، أو رآها أحدهما وأعلم بها صاحبه فأخذها: فهي لأخذها؛ لأن استحقاق اللقطة بالأخذ لا بالرؤية؛ كالاصطياد. وإن قال أحدهما لصاحبه: هاتها فرفعها. نظرت في نيته فإن رفعها لنفسه
فهي له دون الأمر، وإن رفعها للأمر فهي له، كما لو وكله في الاصطياد له. ذكره في " المغني ".
قال ابن نصر الله في حاشيته على هذا المحل: فإن رفعها من غير نية احتمل وجهين: أقواهما أنها للاخذ. وجزم في " الكافي " بأنها للآخذ؛ لأنه لا يصح التوكيل فيه ولم يذكر النية ليكون كلامه في " الكافي " على ما إذا لم تكن له نية، وهنا على ما إذا كانت له نية. وإن قال: ارفعها لي (١) فيتوجه أنها للامر، إلا أن ينوي نفسه. انتهى.
(ولو أدركها ربها بعد الحول مبيعة أو موهوبة) بعد الحول والتعريف وهي
بيد من أنتقلت إليه: (فليس له) أى: لربها (إلا البدل)، لأن تصرف الملتقط وقع صحيحاً؛ لكونها صارت في ملكه.
(ويُفسخ) العقد أن أدركها ربها (زمن خيار، وترد) له؛ ما لو أدركها (بعد عودها) إلى الملتقط (بفسخ أو غيره)، لأنه وجد عين ماله في يد ملتقطه. فكان له أخذه؛ كالزوج إذا طلق (٢) قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة.
(أو) كما لو أدركها بعد (رهنها) فإن ربها ينتزعها من يد المرتهن؛ لقيام ملكه وإنتفاء إذنه. قاله الحارثي.
قال- في " الإنصاف ": قلت: يتوجه عدم الأنتزاع؛ لتعلق حق المرتهن به. (ومؤُنْة الرد) أى: رد اللقطة إلى مالكها أن احتاج إلى مؤنة (على ربها).
стр. 3030
ذكره في " التعليق " و" الأنتصار "؛ لتبرع الملتقط بحفظها. ومعناه في " منتهى الغاية " في عدم سقوط الزكاة بتلف المال قبل التمكن.
وفي " التغريب " و" الر عا ية ": عليه.
(ولو قال مالكها بعد تلفها) بيد الملتقط قبل زمن التعريف المشروع:
عليك ضمانها بتعديك لكونك إنما (أخذتها لتذهب بها) لا لأن تعرفها، (وقال الملتقط): إنما أخذتها (لأعرفها: فقوله) أى: الملتقط (بيمينه). ذكره المجد في
" شرحه ".
ووجهه: أنه منكر، وإن الأصل براءة ذمته.
(ووارث) للملتقط أو لرب اللقطة (فيما تقدم) من الأحكام (كمورثه).
ومن ذلك: أن الملتقط إذا مات واللقطة موجودة بعينها قام وارثه مقامه في
إتمام تعريفها إن مات قبل الحول. ودخولها في ملكه بعد إتمام التعريف. وإن مات بعد الحول ورثها الوارث؛ كسائر أموال الميت.
ومتى جاء صاحبها أخذها من الوارث كما ياً خذها من الموروث. وإن كانت. معدومة العين فصاحبها غريم للميت بمثنها أن كانت من ذوات الأمثال، أو بقيمتها إن لم تكن كذلك. فياً خذ ذلك من تركته إن اتسعت لذلك.
وإن ضاقت زاحم الغرماء. سواء تلفت بعد الحول بفعله أو بغير فعله؛ لأنها
قد دخلت في ملكه بمضي الحول.
وإن علم أنها تلفت قبل الحول بغير تفريط فلا شيء لصاحبها؛ لأنها أمانة
تلفت بغير تفريط. فلم تضمن؛ كالوديعة.
فأما أن لم يعلم تلفها ولم توجد في التركة: فقال في " المغني ": أن ظاهر
كلام الخرقي: أن صاحبها غريم بها. سواء كان قبل الحول أو بعده؛ لأن الأصل بقاؤها. قال: ويحتمل أن لا يلزم الملتقط شيء ويسقط حق صاحبها؛ لأن الأصل براءة ذمة الملتقط منها، ويحتمل أن تكون قد تلفت بغير تفريطه فلا تشتغل ذمته بالشك.
стр. 3031
ويحتمل أنه إن كان الموت قبل الحول فلا شيء عليه، لأنها كانت أمانة عنده
لم تعلم خيانته فيها. والأصل براءة ذمته منها.
وإن مات بعد الحول فهي في تركته؛ لأن الأصل بقاؤها إلى ما بعد الحول،
ودخولها في ملكه، ووجوب بدلها عليه.
فإن قيل: قد (١) قلتم أن صاحبها لو جاء بعد بيع الملتقط لها أوهبته لم يكن
له إلا بدلها فلم قلتم أنها إذا أنتقلت إلى الوارث يملك صاحبها أخذها؛
قلنا: لأن الوارث خليفة الموروث. وإنما (٢) يثبت له الملك فيها على
الوجه الذي كان ثابتا لموروثه، وملك موروثه فيها كان مراعى مشروطا بعدم مجيء صاحبها فكذلك ملك وارثه. بخلاف ملك المشتري والمتهب فإنه اما يملكان ملكاً مستقراً. انتهى.
قال ابن نصر الله: ولأن البيع والهبة اختياري، والإرث قهري.
(ومن استيقظ) من نوم وإغماء (فوجد في ثوبه) أو كيسه (مالا) دراهم أو
غيرها (لا يدري من صره) أو وضعه: (فهو له) ولا تعريف عليه؛ لأن قرينة الحال تقتضي تمليكه له.
قال في " الإنصاف ": ولأحمد نص يوجب التعريف وينفي الملك.
(ولا يبرأ من أخذ من نائم شيئاً، إلا بتسليمه له) بعد أنتباهه.
قال في " الإنصاف ": وكذلك الساهي. انتهى.
يعني: أن من أخذ من إنسان ساه شيئاً في حال سهوه: لم يبرأ إلا برده عليه بعد زوال حالة السهو عنه.
ووجه ذلك: أن الأخذ في حالة من هاتين الحالتين موجب لضمان المأخوذ
على آخذه؛ لوجود التعدي؛ لأنه إما سارق أو غاصبٌ. فلأ يبرأ من عهدته إلا برده على مالكه لمحي حإلة يصح قبصه له فيها. والله أعلم .. ؛ ""
стр. 3032
(ومن وجد في حيوان نقداً)، كما لو اشترى إنسان شاة فذبحها فوجد في بطنها دنانير ودراهم (أو دُرَّة) أو عنبرة: (فلقطة) يلزمه تعريفها. ويبدأ بالبائع " لاحتمال أن يكون ذلك من ماله. فإن لم يعرف كان (لواجده).
قال في " الفروع ": نص عليه.
ونقل ابن منصرر: ولبائع ادعاه. إلا أن يدعي مشترِ أو أكله عنده فله.
(وإن وجد) إنسان (دُرَّة غير مثقوبة في سمكة: فلصياد).
قال في " الفروع ": لأن الظاهر ابتلاعها من معدنها.
قال في " المغني ": لأن الدر يكون في البحر. بدليل قول الله تعالى (١) : (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) [فاطر: ١٢].
حتى ولو باعها الصياد. نص عليه، لأنه إذا لم يعلم ما في بطنها لم يبعه ولم يرض بزوال ملكه. فلم يدخل في البيع، كمن باع دارا له مال مدفون فيها.
وإن كانت الدرة فيها أثر لادمي، مثل: أن كانت مثقوبة ومتصلة بذهب أو فضة
أو غيرها: فلقطة لا يملكها الصياد، كما لو وجد في بطن السمكة دراهم أو دنانير.
ومن صاد غزالاً أو نحوه فوجده مخضوباً أو في عنقه خرزاً وفي إذنه قرط أو نحوه ذلك مما يدل على ثبوت اليد عليه قبل ذلك: فهو لقطة.
وقال أحمد: فيمن ألقى شبكة في البحر فوقعت بها سمكة فجذبت السمكة فمرت بها في البحر فصادها رجل: فإن السمكة للذي حازها والشبكة يعرفها ويدفعها إلى صاحبها.
فجعل الشبكة لقطة، لأنها مملوكه لادمي. والسمكة لمن صادها " لأنها كانت مباحة ولم يملكها صاحب الشبكة، لكون شبكته لم تثبتها. فبقيت على الإباحة. ذكره في " المغني ".
ونقل عن أحمد: في رجل انتهى إلى شرك فيه حمار وحشي أو ظبية قد
стр. 3033
شارف الموت فخلصه وذبحه: هو لصاحب الأحبولة. وما كان من الصيد فى الأحبولة فهو لمن نصبها وإن كان بازياً أو صقراً أو عقاباً.
قال: وسئل عن بازي أو صقر أو كلب معلم أو فهد ذهب من (١) صاحبه فدعاه فلم يجبه ومر في الأرض حتى أتى لذلك أيام فأتى قرية فسقط على حائط فدعاه رجل فأجابه قال: يرده على صاحبه. قيل له: فإن دعاه فلم يجبه فنصب له شركاً فصاده به؛ قال: يرده على صاحبه.
قال في " المغني ": فجعل هذا لصاحبه؛ لأنه قد ملكه فلم يزل ملكه عنه بذهابه عنه. والسمكة في الشبكة لم يكن مالكها ولا حازها. ولذلك جعل ما وقع في الأحبولة من البازي والصقر والعقاب لصاحب الأحبولة ولم يجعله هاهنا لمن وقع في شركه؛ لأن هذا فيما علم أو قد كان مملوكاً لإنسان فذهب. وإنما يعلم هذا بالخبر، ويوجد ما يدل على الملك فيه؛ مثل: وجود السير في رجله. واثار التعليم؛ مثل: استجابته للذي يدعوه ونحو ذلك. ومتى لم يوجد ما يدل على أو مملوك فهو لمن اصطاده؛ لأن الأصل عدم الملك فيه وإباحته. انتهى. (ومن ادعى ما) أى: مالا (بيد لصٍ أو ناهب أو قاطع طريق) قد قدر عليه، (ووصفه) أى: وصف ما ادعاه بصفة تُميِّره: (فهو له) بمجرد الوصف. ولا يكلف بينة تشهد بملكه إياه؛ لأنه بيد من لم يدع ملكه.
قال ابن رجب في القاعدة الثامنه والتسعين: من ادعى شيئا ووصفه دفع إليه بالصفه إذا جهل ربه ولم تثبت عليه يدٌ من جهة مالكه، وإلا فلا. ويتخرج على ذلك مسائل. ثم قال: ومنها: الأموال المغصربة والمنهوبة والمسروقة؛ كالموجوده مع اللصر صوقطاع الطريق ونحوهم يكتفى فيها بالصفة. انتهى.
стр. 3034
[فصل: لا فرق بين ملتقط غني وفقير]
(فصل. ولا فرق بين ملتقط غني و) بين ملتقط (فقير، و) لا بين ملتقط
(. مسلم و) ملتقط (كافر، و) لا بين ملتقط (عدل و) ملتقط (فاسق يأمن نفسه عليها)؛ لأن الالتقاط نوع اكتساب. فكان الفاسق والكافر من أهله؛ كالاحتشاش والاحتطاب.
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب. جزم به في " الوجيز " وغيره. وقدمه في " الهداية " و" المستوعب " و" الرعاية الصغرى " و" الحا وي الصغير " و" الفروع ".
قال ابن منجى في " شرحه ": هذا المذهب. انتهى.
وقيل: تدفع لقطة الكافر لعدل؛ لتعذرحفظها منه.
وقيل: يضم إليه عدل.
قال في " المغني ": وإن علم بها الحاكم أو السلطان أقرها في يده وضم إليه مشرفاً عدلاً يشرف عليه ويعرفها؛ لأننا لا نأمن من الكافر على تعريفها، ولا ناًمنه أن يخل بالتعريف بشيء من الواجب عليه فيه. وأجر المشرف عليه فإذا تم حول التعريف ملكها الملتقط.
ويحتمل أن تنزع من يد الذمي وتوضع على يد عدل؛ لأنه غير مأمون عليها
انتهى. وقيل: يضم إلى الفاسق أمين في تعريفها وحفظها وقطع به جماعة.
قال في " المغني ": ويستحب لمن ليس بأمين أن لا يأخذ اللقطة؛ لأنه
стр. 3035
يعرض نفسه للأمانة وليس هو من أهل ها. فإن التقط صح (١) التقاطه، لأنها جهة من جهات الكسب وهو من أهل الكسب.
ولأنه إذا صح التقاط الكافر فالمسلم أولى. فإذا التقطها فعرفها حولاًً ملكها، كالعدل (٢) .
وإن علم الحاكم أو السلطان بها أقرها في يده وضم إليه مشرفاً يشرف عليه ويتولى تعريفها كما قلنا في الذمي، لأنه لا يأمنه (٣) عليها، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه. وقال في الاخر: ينزعها من يده ويضعها في يد عدل.
ولنا: أن من خلى بينه وبين الوديعة لم تزل يده عن اللقطة كالعدل. والحفظ يحصل بضم المشرف إليه، وإن لم يمكن المشرف حفظها منه انتزعت من يده وتركت في يد عدل. فإذا عرفها وتمت السنة ملكها ملتقطها، لأن سبب الملك وجد منه. انتهى.
وتقدمت رواية: أن لا يملكها بعد حول التعريف ملتقطها، إلا إذا كان فقيراً
من ذوي القربى.
(وإن وجدها) أى: اللقطة (صغير أو سفيه أو مجنون): صح التقاطه،
لأنه نوع تكسب. فصح منه، كالاصطياد والاحتطاب. و (قام وليه) أى: ولي واجدها من هؤلاء (بتعريفها)، لأنه قد ثبت لواجدها حق التمول فيها فكاد على وليه القيام بها.
(فإن تلفت بيد احدهم) أى: بيد الواجد لها منهم (و) كان قد (فرط)
في (٤) حفظها: (ضمن) ما تلف منها بتفريطه في ماله.
стр. 3036
قال في " الفروع ": نص عليه في صبي.
(كإتلا فه) وكعبد.
وفي " المنتخب " وغيره: لا يضمن.
(وإن كان) تلفها (بتفريط الولي) أى: ولي الواجد لها بأن علم بها ولم
ياً خذها منه؛ لكونه ليس أهلاً للحفظ حتى تلفت: (فعليه) أى: على الولي ضمانها؛ لأنه هو المُضيِّع لها؛ لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق موليه.
(فإن) لم تتلف وعرفها الولي و (لم تعرف: فلواجدها) أى: فتدخل في ملك واجدها؛ لأن سبب الملك تم بشرطه فيثبت الملك عقبه.
ولو كان الصغير مميزاً فعرفها بنفسه فقال في " الإنصاف ": قال الحارثي: فظاهر كلامه في " المغني " عدم الإجزاء. والأظهر الإجزاء؛ لأنه يعقل التعريف. فالمقصود حاصل. واقتصر على كلامهما في " القواعد الأصولية ". انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وإن لم يعرفها الصغير ولا الولي فقال في " المغني ": قال أحمد في رواية العباس بن موسى: في غلام له عشر سنين التقط لقطة ثم كبر: فإن وجد صاحبها دفعها إليه، وإلا تصدق بها قد مضى أجل التعريف فيما تقدم من السنين. ولم ير عليه استقبال أجل التعريف. قال: وقد كنت سمعته قبل هذا أو بعده يقول في أنقضاء أجل التعريف: إذا لم يجد صاحبها. أيتصدق بمال الغير؟.
وهذه المسألة قد مضى نحوها فيما تقدم (١) إذا لم يعرف الملتقط اللقطة في حولها فإنه لا يملكها، وإن عرفها فيما بعد ذلك؛ لأن التعريف بعده لا يفيد ظاهراً لكون صاحبها يئس منها ويترك طلبها. وهذه المسألة تدل على أو إذا ترك التعريف لعذر كان كتركه لغير عذر؛ لكون الصبي من أهل العذر، وقد ذكرنا في هذا الوجهين فيما تقدم.
стр. 3037
وقال أحمد: في غلامٍ لم يبلغ أصاب عشرة دنانير فذهب بها إلى منزله فضاعت. فلما بلغ أراد ردها فلم يعرف صاحبها: تصدق بها. فإن لم يجد عشرة وكان يحجف به، تصدق قليلاً قليلاً.
قال القاضي: معنى هذا أنها تلفت بتفريط الصبي. وهو أنه لم يعلم وليه حتى يقوم بتعريفها. انتهى.
(والرقيق) يصح التقاطه، لعموم الأحاديث.
ولأن الالتقاط سبب يملك به الصغير ويصح منه. فصح (١) من الرقيق "
كا لاصطياد.
قال في " الفروع ": ولعبد أن يلتقط (٢) ويعرف بلا إذن سيده في الأصح فيهما، لأنه فعل حسي كاحتطابه. فلم يمكن رده. انتهى.
وقيل: ليس له ذلك بدون إذن السيد. اختاره أبو بكر. وهو رواية ذكرها الزركشي وغيره، وجزم به في " البلغة ".
ومع (٣) كونه يصح التقاطه وتعريفه بغير إذن سيده (لسيده أخذها) منه ليتولى تعريفها؛ لأنها من كسبه وللسيد انتزاع كسبه من يده
وإن كان العبد قد عرفها بعض الحول عرفها السيد تمامه.
(و) لسيده أيضاً (تركها معه) أى. مع الرقيق الملتقط (إن كان عدلاً يتولى تعريفها) وكان (٤) السيد مستعيناً به في حفظها كما يستعين به في حفظ سائر ماله. وإن كان العبد غير أمين كان السيد مفرطاً بإقرارها في يده فيضمنها إن تلفت، كما لو أخذها من يده ثم ردها إليه، لأن يد العبد كسيده وما يستحق بها فهو لسيده.
стр. 3038
وإن أعتق السيد عبده بعد التقاطه كان له انتزاع اللقطة من يده " لأنها من كسبه.
(وإن لم يأمن) الرقيق الملتقط (سيده) عليها أى: على اللقطة: (لزمه سترها عنه)، لأنه يلزمه حفظها، وذلك وسيلة إليه ويسلمها إلى الحاكم ليعرفها ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان.
فإن أعلم سيده بها فلم يأخذها منه وأخذها فعرفها وأدى الأمانة فيها فتلفت
في الحول الأول بغير تفريط: فلا ضمان فيها " لأنها لم تتلف بتفريط من أحدهما.
(ومتى تلفت) اللقطه (بإتلافه) أى: إتلاف الرقيق الملتقط، (أو تفريطه) بأن دفعها لسيده وهو لا يأمنه عليها أو غير ذلك فتلفت: (ففي رقبته) ضمانها. نص عليه؛ لأنه أتلف مال غيره. فكان ضمانه في رقبته؛ كغير اللقطة.
وعنه: أن وجد ذلك قبل الحول فالضمان في رقبته، وإن وجد بعد الحول
فهو في ذمته.
وقيل: إن تلفت بتفريطه بدفعها لسيده وهو لا يأمنه عليها تعلق الضمان برقبة العبد وذمة السيد جميعاً.
ونقل ابن منصور: جنايته في رقبته، وإذا خرق ثوب رجل هو دين عليه. (ومكاتب) في التقاطه (كحر)؛ لأن المكاتب يملك اكتسابه، وهذا منها. ومتى عاد قناً بعجزه كانت كلقطة القن.
(و) أما (مُبَعَّض) يلتقط شيئاً (فبينه وبين سيده) على قدر ما فيه من الحرية والرق؛ كسائر اكتسابه.
(وكذا) في الحكم (كل نادر من كسب؛ كلهبة وهدية ووصية، ونحوها)؛ كنثار يقع في حجره.
стр. 3039
(ولو أن بينهما) أى: بينه وبين سيده (مُهايأة) أى: موافقة على أن يكون كسبه لنفسه مده معلومة ولسيده مدة معلومة؛ لأن الكسب النادر لا يعلم وجوده ولا يظن فلا يدخل في المهايأة.
وقيل: بلى.
فعلى هذا أن وجد اللقطة [في نوبته (١) كانت له، وإن وجدها] (٢) في نوبة سيده كانت لسيده.
وإن كان الرقيق الملتقط بين شركاء فاللقطة بينهم على قدر حصتهم منه.
والله أعلم (٣) .
***
стр. 3040
[باب: اللقيط]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام اللقيط. فعيل بمعنى (١) المفعول؛
كقتيل وجري وطريح.
ثم (اللقيط) شرعاً: (طفل لا يعرف نسبه ولا) يعرف (رقه، نُبذ) بالبناء للمفعول. أى: طرح في شارع أو غيره، (أو) لم ينبذ بل (ضَلَّ) ما بين ولادته (إلى سن التمييز).
قال في " الإنصاف ": فقط على الصحيح من المذهب. انتهى.
(وعند الأكثر: إلى البلوغ).
قال في " التنقيح ": وقيل: والمميز إلى البلوغ، وعليه الأكثر. انتهى.
قال في " الفائق ": وهو المشهور.
قال الزركشي: هذا المذهب.
قال في " التلخيص ": والمختار عند أصحابنا: أن المميز يكون لقيطاً؛
لأنهم قالوا: إذا التقط رجل وامرأة معا من له أكثر من سبع سنين: أقرع. ولم يخير. بخلاف الأبوين. فلو نبذ أو ضل طفل معروف النسب أو معلوم الرق فرفعه من يعرفه أو غيره فهو لقيط لغة لا شرعا.
(والتقاطه) أى: اللقيط شرعا (فرض كفاية)؛ لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ)] المائدة: ٢].
ولأن فيه إحياء نفسه. فكان واجبا؛ كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من الغرق. فلو تركه جميع من راه أثم الجميع.
стр. 3041
وقال الحلوإني: يستحب لمن رآه أن يأخذه ويربيه إن كان أميناً، وإن كان سفيهاً فللحاكم رفع يده عنه وتسليمه إلى أمين ليربيه.
وله ثلاثه أركان:
* اللقيط. وقد عُرف.
* والالتقاط، وفي وجوب الإشهاد عليه ما في اللقطة (١) .
وقيل: يجب قولاً واحداً؛ لئلا يسترقه.
- والملتقط وهو: كل حر مكلف رشيد عدل ولو ظاهراً. وسيأتي التنبيه على ذلك.
(ويُنفق عليه مما معه) إن كان معه شيء، لأن نفقته واجبه في ماله.
وما وجد معه فهو ماله، لأن الطفل يملك وله يد صحيحة. بدليل أنه يرث ويورث، ويصح أن يشتري له وليه ويبيع من ماله.
(وإلا فمن بيت المال)، لما روي عن سنين أبي جميلة قال: " وجدت ملقوطاً. فأتيت به عمر رضي الله تعالى عنه. فقال: عريفي يا أمير المؤمنين! إنه رجل صالح. فقال عمر: أكذلك هو؟ قال نعم. قال: فاذهب فهو حر ولك ولآؤه وعلينا نفقته " (٢) . رواه سعيد عن سفيان عن الزهري سمع سنيناً أبا جميلة بهذا، وقال: " علينا رضاعه ". ذكره في " المغني ".
(فإن) لم يكن معه شيء و (تعذر) اخذ نفقته من بيت المال، لكونه لا مال فيه، إن لكون البلد ليس بها بيت المال أو نحو ذلك: (اقترض عليه) أى: على بيت المال (حاكم). قاله الحارثي، نقله عنه في " الإنصاف ". وظاهره ولو مع وجود متبرع يها؛ لأنه امكن الأنفاق عليه بدون منة تلحقه في المستقبل. اشبه الأخذ بها من بيت المال.
стр. 3042
(فإن تعذر) الاقتراض عليه: (فعلى من علم حاله) الأنفاق عليه؛ لقول
الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: ٢].
ولأن في ترك الأنفاق عليه هلاكه. وحفظه عن ذلك و (٣)؛ كانقاذه من الغرق.
(ولا يرجع) إذاً منفق بما أنفقه؛ لوجوبه عليه. (فهى) أى: فالنفقة على
من علم به (فرض كفاية) إذا قام به قوم سقط عن الباقين، وإن تركه الكل أثموا.
قال في " التنقيح ": وقيل: يرجع عليه بنية الرجوع. وقدمه في
" الفر وع " انتهى.
قال في " الإنصاف ": الأنفاق يجب مجاناً عند القاضي وجماعة. منهم صاحب " المستوعب " و" التلخيص "، واختاره صاحب " الموجز " و" التبصرة " وقالا: له أن ينفق عليه من الزكاة. وقدمه في " الرعاية ".
قال الحارثي: وهو أصح.
وقال: وكلام المصنف في " المغني " يقتضي ثبوت العوض للمنفق أن اقترن بالأنفاق قصد الرجوع. وقدمه في " الفروع "؛ لأنه جعل الأنفاق عليه بنية الرجوع، كمن ادى حقاً واجبا عن غيره على ما تقدم في باب الضمان.
وقال في القاعدة الخامسة والسبعين: نفقة اللقيط خرجها بعض الأصحاب على الروايتين فيمن أدى حقا واجباً عن غيره، على ما تقدم في باب الضمان. ومنهم من قال: يرجع هنا قولاً واحدا، وإليه ميل صاحب " المغني "؛ لأن
له ولاية على اللقيط "-- ونص أحمد: أو يرجع بما أنفقه على بيت المال. انتهى.
وقال الناظم: أن نوى الرجوع واستأذن الحاكم: رجع لى الطفل بعد الرشد، وإلا رجع على بيت المال.
قال الحارثي: وناقض السامري وصاحب " التلخيص " فقالا: بعد تعذر
стр. 3043
الاقتراض على بيت المال، وامتناع من وجب الأنفاق عليه مجاناً إن أنفق الملتقط رجع على اللقيط في إحدى الروايتين.
والأخرى: لا يرجع ما لم يكن الحاكم أذن له في الأنفاق. زاد في
" التلخيص ": والأصح أنه يرجع. انتهى.
قال الحارثي: والوجوب مجاناً واستحقاق العوض لا يجتمعان، وإنما ذلك- والله أعلم- ما إذا كان للقيط مالٌِ تعذر إنفاقه لمانع، أو ينتظر حصوله من وقف أو غيره. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وعبارته في " الفروع ": وإن أنفق ففي رجوعه بنيته الخلاف. ولا يلزمه. واختار في " الموجز " و" التبصرة ": لا يرجع، وفيهما: له أن ينفق عليه من الزكاة، وما حكي من أنه لا يرجع مع إذن الحاكم سهو. وإنما اعتبر في أنفاق المودع من (١) الوديعة على ولد ربها الغائب إذن حاكم؛ لأنه يشترط (٢) عنده إثبات حاجته؛ لعدم ماله وعدم نفقة متروكة برسمه. انتهى.
(ويحكم بإسلامه) أى: اللقيط (وحريته).
أما كونه يحكم بإسلامه بوجوده في دار الاسلام مع وجود مسلم أو مسلمه يمكن كونه من أحدهما، فلظاهر الدار وتغليب الاسلام فإنه يعلو ولا يعلى عليه.
وأما كونه يحكم بحريته؛ فلأنها الأصل في الادميين فإن الله تعالى خلق ادم وذريته أحراراً، وإنما الرق لعارض. فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الأصل. (إلا أن يوجد) اللقيط (في بلدأهل حرب، ولا مسلم فيه، أو فيه مسلم؛ كالتاجر وأسير: فكافر رقيق)؛ لأن الدار لهم. وإذا لم يكن فيها مسلم كان أهلها منهم، وإن كان فيها قليل من المسلمين غلب فيها حكم الأكثر من أجل كون الدار لهم.
стр. 3044
وقيل. يحكم بإسلامه في الصورتين.
أما في الأولى " فلأحتمال أن يكون بها مؤمن يكتم إيمانه واللقيط منه.
وأما في الثانية، فلتغليب الإسلام.
وقيل يحكم بإسلامه في الصورتين اعتباراً بفقد أبويه.
وقال في " الرعاية ": وإن كان فيها مسلم ساكنٌ فاللقيط مسلم. وإلى ذلك أشار الحارثي فقال: مثل الأصحاب في المسلم هنا بالتاجر والأسير واعتبروا إقامته زمناً حتى صرح في " التلخيص " أو لا يكفي مروره مسافراً. انتهى. (وإن كثُر المسلمون) في دار الحرب (فـ) اللقيط فيها (مسلم). قاله في
" الفائق " و" الحاوي الصغير " وابن عبدوس في " تذكرته " وصاحب " الرعايتين " وغيرهم. ومثِّل مساً لة الخلاف في " الرعاية " بالمسلم الواحد. (أو) إلا أن يوجد (في بلد إسلام كلأهله ذمة: فكافر)، لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال، وهذه لا مسلم فيها يحتمل كونه منه.
وقيل: بل يحكم بإسلامه، لأن الدار للمسلمين. واحتمال كونه من مسلم يكتم أىمانه.
(وإن كان بها) أى: ببلد الإسلام التي كلأهله ذمة (مسلم يمكن كونه) أى: اللقيط (منه) أى: من المسلم: (فـ) اللقيط بها (مسلم).
قال بعض الأصحاب: قولاً واحداً، تغليبا للإسلام. ولظاهر الدار.
(وإن لم يبلغ من) أى: اللقيط الذي (قلنا بكفره تبعاً للدار) أى: لدار الكفر، (حتى صارت) دار الكفر (دار إسلام: فمسلم) أى: حكمنا بإسلامه تبعاً للدار، لأنها صارت دار إسلام.
(وما وجد معه) أى: مع اللقيط (من فراش تحته، أو) من (ثياب) فوقه، (أو مال في جيبه أو تحت فراشه، أو) وجد ذلك (مدفوناً تحته) دفناً (طرياً) بأن كان الحفر متجدداً،) أو (وجد ذلك) مطروحاً) حال كون الطرح
стр. 3045
(قريباً منه، أو) وجد معه (حيوان مشدود بثيابه)، أو وجد اللقيط مشدوداً على دابة أو في سرير أو صندوق: (فله).
قال في " الإنصاف ": وقال في " المغني " و" الكافي " و" الشرح " وابن رزين في " شرحه " وغيرهم: وكذا لو كان مجعولاً في دار أو خيمة تكون له. وظاهر كلام المجد وجماعة: خلافه. انتهى.
ووجه كون ما وجد معه له: أن الطفل يملك ملكاً صحيحاً، ومن له ملك صحيح فله يد صحيحة؛ كالبالغ. فيحكم بثبوت ملكه على ما معه لثبوت يده عليه.
وفي بعض صور ما تقدم خلاف. فمن ذلك: المال المدفون تحته، وقد
علم من المتن: أن المذهب: أنه إذا كان الدفن طريا كان له، وإلا فلا، اعتماداً على القرينة.
قال في " الإنصاف " عن هذا التفصيل: وهو المذهب في " التصحيح "، وقطع به ابن عقيل وصاحب " الخلاصة " و" المحرر " و" الوجيز " و" المنور " و" تذكرة ابن عبدوس ".
قلت: وهو الصواب.
والوجه الثانى: لا يكون له. قدمه في " الهداية " و" المستوعب "
و" الكافي " و" التلخيص " و" النظم " و" شرح ابن رزين ". وهو المذهب على المصطلح في الخطبة.
وحكى في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الفائق " وجهاً: أنه له
ولو لم يكن الدفن طرياً. وهو ظاهر كلام المصنف هنا- يعني: في " المقنع "- وهو بعيد جداً، ولم يذكره في " المغني " و" الفروع " و" شرح الحارثي ". انتهى.
ومن ذلك المال المطروح قريباً منه، وقد علمت من المتن: أن المذهب أنه
له؛ لأن الظاهر أنه تُرك له فهو بمنزلة ما هو تحته.
стр. 3046
ولأن القريب من البالغ يكون في يده، ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه وحكم باًنه في يده. والحمَّال إذا جلس للاستراحة ترك حمله قريبا منه.
قال في " الإنصاف " عن هذا القول: وهو الصحيح من المذهب صححه في
" المغني " و" الشرح " و" الفائق " و" التصحيح "، وجزم به في " الخلاصة " و" المحرر " و" الوجيز " و" المنور ".
وقيل: لا يكون له؛ لأنه منفصل عنه. أشبه المطروح بعيداً منه.
قال في " الإنصاف ": وكذا قول ثالث في أصل المساًلتين بالفرق بين الملقى قريبا منه وبين المدفون تحته. فيكون الملقى القريب له دون المدفون تحته. قاله في " المجرد " وقطع به.
قال الحارثي: ويقتضيه إيراده في " المغني ".
قلت: قدم في " الكافي " و" النظم ": أنه لا يملك المدفون، وأطلق في الملقى القريب الوجهين. انتهى.
قال في " الفروع " بعد إطلاق الوجهين في المسألتين: وقيل: أن وجد رقعة فيها أنه له: فله. انتهى.
يعني: وإن لم توجد رقعة أو له فليس له على هذا القول. والله أعلم.
وكلما حكمنا باً نه ليس له فحكمه حكم اللقطة. قاله في " المغني ".
(والأول ى بحضانته) أى: اللقيط (واجده: أن كان أميناً عدلاً)؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال له عريفه: " إنه رجل صالح " (١) .
ولأنه سبق إليه فكان أولى به.
(ولو) لم يعلم باطن حاله كفى كونه عدلاً (ظاهراً)؛ لأن هذا حكمه حكم
стр. 3047
العدل باطناً وظاهراً في لقطة المال، والولاية في النكاح، والشهادة فيه، وفي أكثر الأحكام.
ولأن الأصل في المسلمين العدالة.
ولذلك قال عمر رضى الله تعالى عنه: " المسلمون عدول بعضهم على بعض " (١) .
ويشترط مع ذلك أن يكون (حراً) تام الحرية؛ لأن كلا من القن والمدبر والمعلق عتقه بصفة، وأم الولد منافعه مستحقة لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه. وكذلك المكاتب فإنه ليس له التبرع بماله ولا بمنافعه إلا أن ياً ذن له سيده في ذلك. وكذلك المبعض فإنه لا يتمكن من استكمال الحضانة.
وعلم مما تقدم أنه يقر في يده مع إذن سيده؛ لأنه يصير كأن السيد التقطه واستعان برقيقه في (٢) حضأنته.
قال ابن عقيل: أن أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما لو التقطه.
ويشترط مع ذلك كونه (مكلفاً)؛ لأن غير المكلف لا يلي أمر نفسه فلا يلي
أمر غيره.
ويشترط في الملتقط أيضاً مع ما تقدم كونه (رشيداً) فلا يقر بيد سفيه. جزم
به في " الهداية " و" المذهب " و" المستوعب " و" التلخيص " وغيرهم؛ لأنه لا ولاية له على نفسه فإنه الى أن لا يكون ولياً على غيره.
قال في " الإنصاف ": وظاهر كلام المصنف هنا وصاحب " المحرر " وغيرهما: أنه يقر بيده؛ لأنهأهل للأمانه والتربيه.
قال- الحارثي: وهذا أصح. وهو ظاهر ما قدمه في " الفروع ".
стр. 3048
قلت: وهو الصواب. انتهى.
ويجوز لكل من قلنا لا يقر اللقيط بيده التقاطه؛ لأن عدم الإقرار بيده دواما
لا يمنع أخذه ابتداءً.
ولأن أخذ اللقيط قربة فلا يختص بوأحد دون آخر. إلا الرقيق فإنه لا يجوز له التقاطه إلا بإذن سيده. إلا أن لا يعلم به سواه. فيجب عليه التقاطه " لأنه تخليص له من الهلاك. أشبه تخليصه من الغرق.
(وله) أى: لواجده المتصف بالصفات المتقدمة (حفظ ماله) أى: مال اللقيط؛ لأنه وليه.
ووجه كونه وليه: أو الأول ى بحضانته لا من أجل قرابته منه. فكانت ولايته
له؛ كالحاكم.
إذا تقرر هذا فلا يحتاج في حفظ مال اللقيط إلى إذن حاكم.
قال في " الإنصاف ": قطع به في " المغني " وغيره.
وقال في " التلخيص ": يحتمل اعتبار إذن الحاكم فيه.
(و) له (الأنفاق عليه منه) أى. من مال اللقيط بغير إذن حاكم.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب.
قال في " المغني ": ذكره ابو عبدالله بن حامد؛ لأنه ولي له. فلم يعتبر في الأنفاق عليه في حقه إذن الحاكم؛ كوصي اليتيم.
ولأن هذا من الأمر با لمعروف فاستوى به الإمام وغيره، كتبديد الخمر.
وروى أبو الحارث عن أحمد: في رجل أوح رجلاً مالاً وغاب وطالت غيبته
وله ولد ولا نفقة له: هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب؛ فقال: تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالأنفاق عليهم. فلم يجعل له الإنفاق من غير إذن الحاكم. فقال بعض اصحابنا هذا مثله. قال: والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين:
стр. 3049
أحدهما: أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله. فإن له ولاية أخذه وحفظه.
والثانى: أن ينفق على اللقيط من ماله. وهذا بخلافه.
ولأن الأنفاق على الصبي من مال أبيه مشروط بكون الصبى محتاجاً إلى ذلك؛ لعدم ماله وعدم نفقة تركها أبوه برسمه. وذلك لا يقبل فيه قول المودع. فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم. ولا كذلك في مساًلتنا. فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في اللقيط.
ثم قال بعد أسطر: فإذا ثبت هذا فالمستحب أن يستأذن الحاكم في موضع
يجد حاكماً؛ لأنه أبعد من التُهمة وأقطع للمظنة، وفيه خروح من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق. فإذا ثبت هذا فينبغي أن ينفق عليه بالمعروف (١) كما ذكرنا في ولي اليتيم. فإذا بلغ اللقيط واختلفا في قدر ما أنفى وفي التفريط في الأنفاق فالقول قول المنفق؛ لأنه أمين فكان القول قوله في ذلك كولي اليتيم. انتهى كلامه في " المغني ".
(و) له أيضاً (قبول هبة ووصية له) أى: للقيط (بغير حكم حاكم).
قال الحارثي: مقتضى قوله في " المغني " أنه أى قبول ذلك للملتقط ومقتضى كلام صاحب " التلخيص ": أنه للحاكم. ذكره عنه في " الإنصاف "، ثم قال: قلت: كلام صاحب " المغنى " موافق لقواعد المذهب في ذلك. انتهى.
(ويصح التقاط قِنًَ لم يوجد غيره). وتقدم التنبيه على ذلك وتعليله في
" الشرح" قريباً (٢)
(و) يصح التقاط (ذمي لذمي) أى: لمن حكم بكفره-؛ لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض.
стр. 3050
(ويُقر) اللقيط (بيد من) التقطه بالبادية إذا كان (مقيماً في حِلّة) بكسر الحاء المهملة أى: في بيوت مجتمعة للاستيطان بها " لأن الحله كالقرية في كون أهلها لا يرحلون عنها لطلب الماء والكلأ.
(أو) لم يكن في حِلّه ولكنه (يريد نقله) أى: نقل اللقيط (إلى الحضر)،
لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى أرض الرفاهية والدَّعة والدَّين.
(لا) أن كان ملتقطه (بدوياً ينتقل في المواضع)؛ لأن في إقراره بيده إتعاباً للطفل بتنقله. فيؤخذ منه ويدفع إلى من في قرية، لأنه أرفه له وأخف عليه.
وقيل: يقر بيده " لأن الظاهر أنه ابن بدوياً (١) وإقراره في يد (٢) ملتقطه أرجى لكشف نسبه. وصوَّبه في " الإنصاف " بعد أن ذكر: أن الأول المذهب.
(أن من وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية) فإنه لا يقر بيده.
قال في " المغني ": لوجهين:
أحدهما: أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له.
والثانى: أنه إذا وجده في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه. فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهورأهله واعترافهم به.
وفي " الإنصاف ": وقيل: يقر. وأطلقهما في " المغني " و" الشرح ". انتهى.
قلت: الوجهان مطلقان في " المغني " فيما إذا أراد النقلة به إلى بلد آخر من الحضر، وأما إذا اراد نقله من الحضر إلى الباديه فإنه لم يذكر فيه خلافاً. وقوله في " الإنصاف " وقدمه في " الفروع " قبل قوله: وقيل يقر: يدل على أن في " الفروع " قولاً بإقراره بيده فيما إذا وجده في الحضر وأراد نقله إلى البادية.