ولأن القريب من البالغ يكون في يده، ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه وحكم باًنه في يده. والحمَّال إذا جلس للاستراحة ترك حمله قريبا منه.
قال في " الإنصاف " عن هذا القول: وهو الصحيح من المذهب صححه في
" المغني " و" الشرح " و" الفائق " و" التصحيح "، وجزم به في " الخلاصة " و" المحرر " و" الوجيز " و" المنور ".
وقيل: لا يكون له؛ لأنه منفصل عنه. أشبه المطروح بعيداً منه.
قال في " الإنصاف ": وكذا قول ثالث في أصل المساًلتين بالفرق بين الملقى قريبا منه وبين المدفون تحته. فيكون الملقى القريب له دون المدفون تحته. قاله في " المجرد " وقطع به.
قال الحارثي: ويقتضيه إيراده في " المغني ".
قلت: قدم في " الكافي " و" النظم ": أنه لا يملك المدفون، وأطلق في الملقى القريب الوجهين. انتهى.
قال في " الفروع " بعد إطلاق الوجهين في المسألتين: وقيل: أن وجد رقعة فيها أنه له: فله. انتهى.
يعني: وإن لم توجد رقعة أو له فليس له على هذا القول. والله أعلم.
وكلما حكمنا باً نه ليس له فحكمه حكم اللقطة. قاله في " المغني ".
(والأول ى بحضانته) أى: اللقيط (واجده: أن كان أميناً عدلاً)؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال له عريفه: " إنه رجل صالح " (١) .
ولأنه سبق إليه فكان أولى به.
(ولو) لم يعلم باطن حاله كفى كونه عدلاً (ظاهراً)؛ لأن هذا حكمه حكم
стр. 3047
العدل باطناً وظاهراً في لقطة المال، والولاية في النكاح، والشهادة فيه، وفي أكثر الأحكام.
ولأن الأصل في المسلمين العدالة.
ولذلك قال عمر رضى الله تعالى عنه: " المسلمون عدول بعضهم على بعض " (١) .
ويشترط مع ذلك أن يكون (حراً) تام الحرية؛ لأن كلا من القن والمدبر والمعلق عتقه بصفة، وأم الولد منافعه مستحقة لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه. وكذلك المكاتب فإنه ليس له التبرع بماله ولا بمنافعه إلا أن ياً ذن له سيده في ذلك. وكذلك المبعض فإنه لا يتمكن من استكمال الحضانة.
وعلم مما تقدم أنه يقر في يده مع إذن سيده؛ لأنه يصير كأن السيد التقطه واستعان برقيقه في (٢) حضأنته.
قال ابن عقيل: أن أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما لو التقطه.
ويشترط مع ذلك كونه (مكلفاً)؛ لأن غير المكلف لا يلي أمر نفسه فلا يلي
أمر غيره.
ويشترط في الملتقط أيضاً مع ما تقدم كونه (رشيداً) فلا يقر بيد سفيه. جزم
به في " الهداية " و" المذهب " و" المستوعب " و" التلخيص " وغيرهم؛ لأنه لا ولاية له على نفسه فإنه الى أن لا يكون ولياً على غيره.
قال في " الإنصاف ": وظاهر كلام المصنف هنا وصاحب " المحرر " وغيرهما: أنه يقر بيده؛ لأنهأهل للأمانه والتربيه.
قال- الحارثي: وهذا أصح. وهو ظاهر ما قدمه في " الفروع ".
стр. 3048
قلت: وهو الصواب. انتهى.
ويجوز لكل من قلنا لا يقر اللقيط بيده التقاطه؛ لأن عدم الإقرار بيده دواما
لا يمنع أخذه ابتداءً.
ولأن أخذ اللقيط قربة فلا يختص بوأحد دون آخر. إلا الرقيق فإنه لا يجوز له التقاطه إلا بإذن سيده. إلا أن لا يعلم به سواه. فيجب عليه التقاطه " لأنه تخليص له من الهلاك. أشبه تخليصه من الغرق.
(وله) أى: لواجده المتصف بالصفات المتقدمة (حفظ ماله) أى: مال اللقيط؛ لأنه وليه.
ووجه كونه وليه: أو الأول ى بحضانته لا من أجل قرابته منه. فكانت ولايته
له؛ كالحاكم.
إذا تقرر هذا فلا يحتاج في حفظ مال اللقيط إلى إذن حاكم.
قال في " الإنصاف ": قطع به في " المغني " وغيره.
وقال في " التلخيص ": يحتمل اعتبار إذن الحاكم فيه.
(و) له (الأنفاق عليه منه) أى. من مال اللقيط بغير إذن حاكم.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب.
قال في " المغني ": ذكره ابو عبدالله بن حامد؛ لأنه ولي له. فلم يعتبر في الأنفاق عليه في حقه إذن الحاكم؛ كوصي اليتيم.
ولأن هذا من الأمر با لمعروف فاستوى به الإمام وغيره، كتبديد الخمر.
وروى أبو الحارث عن أحمد: في رجل أوح رجلاً مالاً وغاب وطالت غيبته
وله ولد ولا نفقة له: هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب؛ فقال: تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالأنفاق عليهم. فلم يجعل له الإنفاق من غير إذن الحاكم. فقال بعض اصحابنا هذا مثله. قال: والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين:
стр. 3049
أحدهما: أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله. فإن له ولاية أخذه وحفظه.
والثانى: أن ينفق على اللقيط من ماله. وهذا بخلافه.
ولأن الأنفاق على الصبي من مال أبيه مشروط بكون الصبى محتاجاً إلى ذلك؛ لعدم ماله وعدم نفقة تركها أبوه برسمه. وذلك لا يقبل فيه قول المودع. فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم. ولا كذلك في مساًلتنا. فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في اللقيط.
ثم قال بعد أسطر: فإذا ثبت هذا فالمستحب أن يستأذن الحاكم في موضع
يجد حاكماً؛ لأنه أبعد من التُهمة وأقطع للمظنة، وفيه خروح من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق. فإذا ثبت هذا فينبغي أن ينفق عليه بالمعروف (١) كما ذكرنا في ولي اليتيم. فإذا بلغ اللقيط واختلفا في قدر ما أنفى وفي التفريط في الأنفاق فالقول قول المنفق؛ لأنه أمين فكان القول قوله في ذلك كولي اليتيم. انتهى كلامه في " المغني ".
(و) له أيضاً (قبول هبة ووصية له) أى: للقيط (بغير حكم حاكم).
قال الحارثي: مقتضى قوله في " المغني " أنه أى قبول ذلك للملتقط ومقتضى كلام صاحب " التلخيص ": أنه للحاكم. ذكره عنه في " الإنصاف "، ثم قال: قلت: كلام صاحب " المغنى " موافق لقواعد المذهب في ذلك. انتهى.
(ويصح التقاط قِنًَ لم يوجد غيره). وتقدم التنبيه على ذلك وتعليله في
" الشرح" قريباً (٢)
(و) يصح التقاط (ذمي لذمي) أى: لمن حكم بكفره-؛ لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض.
стр. 3050
(ويُقر) اللقيط (بيد من) التقطه بالبادية إذا كان (مقيماً في حِلّة) بكسر الحاء المهملة أى: في بيوت مجتمعة للاستيطان بها " لأن الحله كالقرية في كون أهلها لا يرحلون عنها لطلب الماء والكلأ.
(أو) لم يكن في حِلّه ولكنه (يريد نقله) أى: نقل اللقيط (إلى الحضر)،
لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى أرض الرفاهية والدَّعة والدَّين.
(لا) أن كان ملتقطه (بدوياً ينتقل في المواضع)؛ لأن في إقراره بيده إتعاباً للطفل بتنقله. فيؤخذ منه ويدفع إلى من في قرية، لأنه أرفه له وأخف عليه.
وقيل: يقر بيده " لأن الظاهر أنه ابن بدوياً (١) وإقراره في يد (٢) ملتقطه أرجى لكشف نسبه. وصوَّبه في " الإنصاف " بعد أن ذكر: أن الأول المذهب.
(أن من وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية) فإنه لا يقر بيده.
قال في " المغني ": لوجهين:
أحدهما: أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له.
والثانى: أنه إذا وجده في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه. فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهورأهله واعترافهم به.
وفي " الإنصاف ": وقيل: يقر. وأطلقهما في " المغني " و" الشرح ". انتهى.
قلت: الوجهان مطلقان في " المغني " فيما إذا أراد النقلة به إلى بلد آخر من الحضر، وأما إذا اراد نقله من الحضر إلى الباديه فإنه لم يذكر فيه خلافاً. وقوله في " الإنصاف " وقدمه في " الفروع " قبل قوله: وقيل يقر: يدل على أن في " الفروع " قولاً بإقراره بيده فيما إذا وجده في الحضر وأراد نقله إلى البادية.
стр. 3051
وليس كذلك فليراجع " الفروع " بتأمل من شاء. بل لم أقف على خلاف في المسألة في المذهب. والله أعلم.
(أو مع فسقه أو رقه أو كفره: واللقيط مسلم) يعني: لو كان واجده فاسقاً
أو رقيقاً أو كان كافراً واللقيط مسلم فإنه لا يقر في يده لفقد شرط الأهلية.، وتقدم الكلام على ذلك.
(وإن التقطه في الحضر من يريد النقلة إلى بلد آخر) من الحضر، (أو) إلى (قرية، أو) من يريد النقلة (من حلة إلى حلة لم يقر بيده).
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب، قدمه في " الفروع "
و" شرح ابن رزين ". انتهى.
ووجه ذلك: أن إبقاءه (١) في بلده أو قريته أو حِلته أرجى لكشف نسبه. فلم
يقر في يد المنتقل عنه. قياساًعلى المنتقل به إلى البادية.
وقيل: يقر؛ لأن المنتقل إليه كالمنتقل عنه في الرفاهة. أشبه ما لو أنتقل
من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر.
قال في " الإنصاف ": والوجه الثانى: يقر. وهو ظاهر ما جزم به في
" الوجيز " وصححه الناظم وصاحب " التلخيص ". انتهى.
ومحل المنع: (ما لم يكن المحل الذي كان) أى: وجد (به وباء) أى: وخيماً؛ (كغور بِيسَان) بالباء الموحدة المكسورة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم سين مهمله مفتوحة ونون: بلدة باًرض الشام، (ونحوه) أى: نحو غور بيسان من الأراضي الوبيئة؛ كالجحفة باً رض الحجاز. فإن اللقيط يقر بيد المنتقل عنها إلى البلاد التي لا وباء فيها أو دونها في الوباء لتعين المصلحة في النقل.
قال في " التنقيح ": قاله الحارثي: وهو جيد. انتهى.
وفي "الترغيب " و" التلخيص ": متى وجده في فضاء خال فله نقله إلى حيث شاء.
стр. 3052
(ويقدَّم موسر ومقيم من ملتقطين) للقيط معا (على ضدهما). فيقدم الموسر على المعسر، لأن ذلك أحظ للطفل. ويقدم المقيم على المسافر " لأن ذلك أرفق بالطفل.
قال في " المغنى ": وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر ينبغي أن يقدم الجواد على البخيل؛ لأن حظ الطفل منه أكثر من الجهة التى يحصل الحظ فيها باليسار، وربما تخلق بأخلاقه وتعلم من جوده. انتهى.
وقال في " التلخيص " و" الترغيب ": يقدم البدوي على ضده. انتهى.
وفيل: يقدم ظاهر العدالة على مستورها، لأن المانع في حق ظاهر العدالة منتفٍ بلاشك.
وأُجيب عنه بأن احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر في الترجيح.
(فإن استويا) بأن لم يتصف أحدهما بما يكون أولى به من الاخر فإن رضي أحدهما بإسقاط حقه وتسليم اللقيط إلى صاحبه جاز، لأن الحق لا يعدوهما ولا يمنع أحدهما من الإيثار به.
وإن تشاحا (أقرع) بينهما، لقول الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [ال عمرآن: ٤٤].
ولأنه لا يمكن أن يكون عندهما (١) في حالة واحدة.
وإن تهإياه بأن جُعل عند كل واحد يوماً أو أكثر: أضر بالطفل، لأنه تختلف
عليه الأغذية والأنس والألف.
ولا يمكن دفعه إلى أحدهما دون الآخر بالتحكم، لتساوى حقهما. فتعين الأقراع بينهما " كالشريكين في تعيين السهام بالقسمة، وكما يقرع بين النساء في البداءة بالقسم.
стр. 3053
ولا ترجح المرأة في الالتقاط كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه؛ لأنها
إنما رجحت هناك لشفقتها على ولدها وتوليها لحضانته بنفسها، والأب يحضنه بأجنبية. فكانت أمه أحظ له. وأما هاهنا فهي اجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا.
(وإن اختلفا في الملتقط منهما: قُدِّم) به منهما (من له بينة) دون الآخر؛ لثبوت حقه بالبينة.
(فإن عَدِماها) أى: عدم المختلفإن في التقاطه البينة وكان بيد أحدهما: (قُدم ذو اليد)؛ لأن اليد دليل استحقاق الإمساك (بيمينه). ذكره- أبو الخطاب ونصره في " المغني " و" الشرح ".
قال الحارثي: وهو الصحيح.
وقال القاضي: قياس المذهب: أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح.
(فإذا كان) الملتقط (بيديهما) أى: مع عدمهما البينة: (أقرع) بينهما؛ لاستوائهما في السبب وعدم المرجح. (فمن قَرع) صاحبه: (سُلِّم إليه مع يمينه) على الصحيح. وعلى قول القاضي بلا يمين.
وإن كان لكل وأحد منهما بينة وأرختا قدم أسبقهما تاريخاً؛ لأن الثانى إنما
أخذ من قد ثبت الحق فيه لغيره. وإن اتحد تاريخهما أو اطلقتا معا أو ارخت احدهما واطلقت الأخرى فقد تعارضتا. ويصيران (١) كما لو عدماها في الأصح. وقد علم الحكم فيه.
(وإن لم لكن لهما) أى: لمن عدمت بيناتهما (٢) أو تعارضتا (يد) على الملتقط، (فوصفه أحدهما بعلامة مستورة في جسده) بأن يقول: بظهره أو ببطنه أو كتفه أو فخذه شامة أو أثر جرج أو نار أو نحو ذلك، فيكشف فيوجد كما ذكر: (قُدم) باللقيط على صاحبه الذي لم يصف. ذكره أبو الخطاب.
стр. 3054
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب، وجزم به في " الهداية "
و" المذهب "، و" الخلاصه "، و" الوجيز "، و" شرح الحارثي " و" المحرر " و" القواعد الفقهية " في القاعدة الثامنة والتسعين وغيرهم. وقدمه في " الفروع " وغيره. انتهى.
قال في " المغني ": وهو قول أبي حنيفة، لأن هذا فرع من اللقطة. فقدم بوصفها " كلقطة المال.
ولأن ذلك يدل على سبق يده عليه.
وقيل: لا يقدم واصفه. ذكره القاضي في " الخلاف " وصاحب " المبهج "
و" المنتخب " و" الو سيلة ".
قال في " الإنصاف ": وذكره في " الفنون " و" عيون المسائل " عن أصحابنا انتهى.
قال في " المغني ": وقال الشافعي: لا يقدم بالصفة كما لو وصف المدعي
المدعى. انتهى.
(وإن وصفاه) أى: وصف اللقيطُ كلٌ من المختلفين فيه الذين عدمت بينتاهما أو تعارضتا: (أقرع) بينهما.
قال في " الإنصاف ": قاله في " التلخيص "، واقتصر عليه الحارثي. انتهى.
ولعل وجه ذلك: أن وصفهما له يدل على تقدم عهدهما به. فاً شبه ما لو تنازعاه وهو بأيديهما. والله أعلم.
(وإلا) أى: وإن لم يكن لوأحد منهما بينة ولا يد ولا وصفه: (سلمه الحاكم إلى من يرى منهما، أو من غيرهما).
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
لأنه لا حق لهما فيه.
стр. 3055
وقيل: بل يُقرع بينهما " لأنهما تنازعا حقاً فى يد غيرهما. أشبه لو تنازعا وديعةً بيد غيرهما.
وعلى الأول فلا مهاياً ة ولا تخيير للصبي. قاله في " الفروع ".
وإن رأى اثنان جميعا اللقيط فسبق احدهما فاًخذه أو وضع يده عليه: فهو
أحق به " لقوله ﵇: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " (١) .
وإن رآه أحدهما قبل صاحبه فسبق إلى أخذه الاخر فالسابق إلى أخذه أحق؛
لأن الالتقاط هو الأخذ لا الرؤيه.
ولو قال أحدهما لصاحبه: ناولنيه فاً خذه الاخر: نظرلا إلى نيته، فإن نوى
أخذه لنفسه فهو أحق " كما لو لم ياً مره الاخر بمناولته إياه، وإن نوى مناولته فهو للامر؛ لأنه فعل ذلك بنية النيابة عنه. فأشبه ما لو توكل له في تحصيل مباح. ذ كره في " المغني ".
(ومن أسقط حقه) من اللقيط من المختلفين فيه: (سقط). قاله في
" الفروع "؛ كسائر الحقوق.
ومن ادعى من المختلفين فيه: أن الآخر أخذه منه قهراً وساًل يمينه، قال فى
" الفروع ": فيتوجه يمينه.
وفي " المنتخب ": لا؛ كطلاق. انتهى.
стр. 3056
[فصل: في ميراث اللقيط]
(فصل. وميراثه) أى: اللقيط (وديته إن قُتل لبيت المال).
ومحل ذلك: أن لم يكن له وارث كغير اللقيط، لأنه مسلم ولا وارث له
فكان ماله وديته لبيت المال. فإن كانت له زوجة فلها الربع والباقي لبيت المال.
وإن كانت لقيطة لها زوج فله النصف والباقي لبيت المال. وإن كافت له بنت أو
ذو رحم كبنت بنت، أو ابن بنت: أخذ جميع المال " لأن الرد وذا الرحم مقدم
على بيما المال.
وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن ما في المتن المذهب وإن عليه الأصمحاب: وذكر ابن أبي موسى في " الإرشاد ": أن بعض شيوخه حكى رواية
عن أحمد: أن الملتقط يرثه، واختاره الشيخ تقي الدين. ونصره، وصاحب
" الفائق ".
قال الحارثي: وهو الحق. انتهى.
وقال في " المغني " بعد أن ذكر أن الأول قول مالك والشافعي وأكثرأهل
العلم: وقال شريح وإسحاق: عليه الولاء لملتقطه " لما روى واثلة بن الأسقع (١) فال: قال رسول الله ﷺ : " المرأه تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه " (٢) . أخرجه ابو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.
стр. 3057
وقال عمر لأبي جميلة في لقيطه: " هو حرٌ ولك ولاؤه وعلينا نفقته " (١) .
قال: ولنا: قول النبي: " إنما الولاء لمن أعتق " (٢) .
ولأنه لم يثبت عليه رق ولا (٣) على آبائه. فلم يثبت عليه ولاء؛ كالمعروف نسبه.
ولأنه أن كان ابن حرين فلا ولاء عليه وإن كان ابن معتقين فلا يكون عليه لغير معتقهما.
وحديث وآثلة لا يثبت. قاله ابن المنذر. انتهى.
وعنه: إن قتل خطأ فديته لملتقطه. ذكره في " الرعاية "، نقلاً عنه في "المبدع ".
(ويخير الإمام في) قتل (عمد بين أخذها) أى: الدية، (و) بين (القصاص). نص عليه، أيهما فعله جاز إذا رآه اصلح؛ لقوله ﷺ : " السلطان ولى من لا ولي له " (٤) .
ومتى عفا على مال أو صالح عليه كان لبيت المال؛ كجناية الخطأ لموجبة للمال.
وقال في " الإنصاف ": وذكر في " التلخيص " وجها: أنه لا يجب له حق الاقتصاص، وإن أبا الخطاب خرَّجه.
قال: ووجهه: أو ليس له وارث معين. فالمستحق جميع المسلمين، وفيهم صبيانُ ومجانين فكيف يستوفى؟
стр. 3058
قال: وهذا يجري في قتل كل من لا وارث له. انتهى.
(وإن قُطع طرفه) أى: طرف اللقيط وهو صغير أو مجنون حال كون القطع (عمداً: أنتُظر بلوغه) أى: اللقيط (ورشدًه) ليقتص أو يعفو؛ لأن مستحق الاستيفاء المجني عليه وهو حينئذ لا يصلح للاستيفاء. فإنتظرتأهليته ليستوفي حقه .. ويحبس الجأني إلى أن يصيرأهلاً.
وعنه: للإمام استيفاؤه قبل ذلك؛ لأنه أحد نوعي القصاص. فكان له استيفاؤه عن اللقيط؛ كالنفس.
وجوابه: أنه قصاص لم يتحتم (١) استيفاؤه. فوقف على مستحقه؛ كما لو
كان بالغاً غائباً. وفارق القصاص في النفس؛ لأن القصاص ليس له بل لوارثه والإمام هو المتولي عليه.
(إلا أن يكون) اللقيط (فقيراً: فيلزم الإمام العفو على ما) أى: شيء من المال يكون في العفو عليه حظ للقيط (يُنفق عليه) منه. وظاهره سواء كان اللقيط عاقلأ أو مجنوناً. وهو المذهب.
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب.
قال القاضي والمصنف- يعني به الموفق- في باب القود عند قول الخرقي:
وإذا اشترك جماعة في القتل: هذا أصح، وكذا قال في " الكافي " في باب العفو عن القصاص. ومحي وصححه في " الشرح " في باب استيفاء القصا ص، وحكاه المجد عن ذص أحمد. انتهى.
وقيل: ليس للأمام العفو على مال ولو كان اللقيط فقيراً مع كونه عاقملأ.
فعلى هذا لشى للأمام ذلك إلا أن يكون اللقيط فقيراً مجنوناً. وهو ظاهر
ما فطع به في " الهداية "، و" المذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة " وغيرهم وجزا به في " المغني " و" الشرح " في. باب اللقيط.
стр. 3059
وعُلم مما تقدم أن اللقيط لو كان مجنوناً غنياً لم يكن للإمام العفو على مال بل نتظر إفاقته. وهو المذهب.
قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: هذا المذهب وقطع به في
" الشرح"، وذكر في " التلخيص " وجهاً: أن للإمام ذالك، وجزم به في " الفصول " و" المغني ". وهو ظاهر كلامه في " الوجيز "، وأطلقهما في " الفروع " و" الرعاية". انتهى.
(وإن ادعى جان عليه) جناية موجبة للقصا ص [أو المال رقَّه] (١) ، (أو) ادعى (قاذفه رقََّّه، وكذَّبه لقيط بالغ: فقوله)؛ لأنه محكوم بحريته فقبل قوله؛ لأنه موافق للظاهر. بدليل أو لو قذف إنساناً وجب عليه حد الحر في الأصح. وعلى هذا اللقيط طلب حد القذف واستيفاء القصاص من الجانى وإن كان حراً.
وقيل: يقبل قول القاذف؛ لاحتمال صحة فوله بأن يكون اللقيط ابن أمة. فيكون ذلك شبهة، والحد يدرأ بالشبهات.
وفارق القصاص له في دعوى الجانى رقه؛ لأن القصاص ليس بحد وإنما وجب حقاً لآدمي. ولذلك جازت المصالحة عنه وأخذ بدله. بخلاف حد القذف.
ويتخرج من هذا: أن اللقيط إذا كان قاذفاً فادعى أو عبد ليجب عليه ما يجب على العبد: قبل منه لذلك.
قال في " المغني ": والأول أصح؛ لأن من كان محكوما بحريته لا يسقط الحد عن قاذفه باحتمال رقه. بدليل مجهول النسب، ولو سقط الحد لهذا الاحتمال لسقط وإن لم يدع القاذف رقه؛ لأنه موجود، وإن لم يدعه. انتهى. وعلم مما تقدم أن اللقيط إذا صدق قاذفه أو الجانى عليه على كونه رقيقا لم يكن عليه إلا ما يجب في قذف الرقيق أو جنايته عليه.
стр. 3060
(وأن ادعى أجنبي) أى: غير واجده (رقه) أى: رق اللقيط (وهو بيده)
أى: يد المدعي رقه: (صُدِّق) المدعي.
قال في " الإنصاف ": قاله الحارثي، وقاله في " التلخيص " وغيره؛
لدلالة اليد على الملك.
(بيمينه). قال الحارثي: ومقتضى كلام المصنف، في " المغني "
و" الكافي " وجوب يمينه وهو الصواب؛ لإمكان عدم الملك. فلا بد من يمين تزيل أثر ذلك، ثم إذا بلغ وقال: أنا حر لم يقبل. انتهى.
(ويثبت نسبه) أى: اللقيط (مع رقه) أى: مع كونه رقيقاً.
قال في " الفروع ": ولو ادعى أجنبي لنسبه ثبت مع بقاء ملك سيده ولو مع
بينه بنسبه.
قال في الترغيب " وغيره: إلا أن يكون مدعيه امرأة حرة فتثبت حريته،
وإن كان رجلأً عربياً فروايتان. انتهى.
وعلم مما تقدم أنه لو لم يكن بيد مدعي رقه لم يصدق، وإن المدعي لو كان ملتقطه لم يصدق أيضاً.
قال في " الإنصاف ": ذكره في " التلخيص " وغيره. انتهى.
وقيل: تسمع دعواه؛ لأنها ممكنة ولا يقضى له بشيء من غير بينة، لأنها دعوى تخالف الظاهر. وتفارق دعوى النسب من وجهين:
أحدهما: أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر، ودعوى الرق مخالفة له.
والثانى: أن دعوى النسب يثبت بها حق اللقيط، ودعوى الرق يثبت بها حقاً عليه. فلم تقبل بمجردها؛ كما لو ادعى رق غير اللقيط.
(وإلا) أى: وإن لم يكن اللقيط بيد من ادعى رقه وكاد غير ملتقطه (فشهدت له بينة بيد)، كما لو قالا: نشهد أو كان بيده: حكم له باليد، (وحلف أو) أى: اللقيط (ملكه) حكم له به؛ لأن ثبوت اليد دليل على الملك فقبل قوله فيه.
стр. 3061
وذكر القاضي: أنه لا يكفي قول البينة نشهد أو كان بيده حتى يقولا: وأنه
ضل عنه أو ذهب أو غصب ونحو ذلك.
(أو) شهدت له بينة (بملك) بأن قالا: نشهد أو جار في ملكه، أنه جار ملكه أو مملوكه أو عبده أو قنه أو رقيقه حكم له به ولو لم يذكرا سبب الملك؛ كما لو شهدا بملك دار أو ثوب. ذكره في " المغني " و" الشرح" والقاضي وابن عقيل وصا حب " المحرر " وغيرهم.
وقيل: لا بد من ذكر السبب؛ لاحتمال التعويل على ظاهر اليد.
(أو) تشهد (١) له بينة (أن امته) أى: المدعي (ولدته) أى: اللقيط (في ملكه) أى: المدعي: (حُكم له به)؛ لأن الغالب أنها لا تلد في ملكه إلا ملكه.
وعلم مما تقدم أن البينة لو شهدت أو ابن امته أو أن امته ولدته ولم تقل في ملكه: لم يثبت الملك بذلك؛ لأنه يجوز أن تلده قبل ملكه لها. فلا يكون له مع كونه أبن أمته وكونها ولدته. وفيه وجه.
وهل يكفي في البينة التي تشهد أن أمته ولدته في ملكه امرأه واحدة أو رجل واحد؛ لأنه مما لا يطلع عليه في غالب الأحوال رجال، وبه جزم في " المغني "، أو لا بد في ذلك من رجلين أو رجلٌ وامراتين كما ذكره (٢) القاضي؛ فيه وجهان. قال الحارثي عن قول القاضي: أو أشبه بالمذهب.
(وإن ادعاه) أى: ادعى رق اللقيط (ملتقط) له: (لم يقبل) منه ذلك (إلا ببينة) تشهد بملكه له، أو أن أمته ولدته في ملكه. فيحكم له به إذاً؛ كما لو لم يكن ملتقطه.
وقيل: لا تستعمل بينة الملتقط؛ لاحتمال تعويلها في الملك على يده،
ويده لا تقبل الملك. اختاره صاحب " التلخيص ".
стр. 3062
(وإن أقر به) أى: بالرق (لقيط بالغ) بأن قال: أنا ملك زيد: (لم يُقبل) إقراره ولو صدقه زيد أو لم يعترف بالحرية قبل ذلك.
قال في " المغني ": وهو الصحيح، لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها. فلم يصح؛ كما لو أقر قبل ذلك بالحرية.
ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه ولا حريتها. ولم يتجدد له حال يعرف
به رق نفسه " لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل ولم يتجدد له رق بعد التقاطه فكان إقراره باطلاً. وهذا قول ابن القاسم وابن المنذر. انتهى.
وعنه: يقبل إقراره مطلقاً. اختاره ابن عقيل في " التذكرة "، لأنه مجهول الحال. فيقبل إقراره بالرق؛ كما يقبل بالحد والقصا ص، وإن تضمن فوات نفسه.
وقال القاضي: يقبل فيما عليه رواية واحدة.
وهل يقبل في غيره على روايتين حكاه الموفق عنه في " المقنع ".
وقيل: أن تقدم إقراره بالرق تصرفٌ ببيع أو شراء أو نكاح أو صداق ونحوه: لم يقبل إقرار هـ. وإلا قُبل.
وقيل: إن كان اعترف قبل ذلك لنفسه بالحرية: لم يقبل إقراره بالرق بعده " لأن الحريه حقٌ لله تعالى، وقد اعترف به فلا يقبل رجوعه في إبطاله. وإن قام برق اللقيط المكلف بينة عادلة سمعت وحكم بها. فإن كان اللقيط
قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء أو غيرهما: نقضت تصرفاته " لأنه بان أنه كان تصرف بغير إذن سيده.
(و) أن أقر لقيط بالغ (بكفر) بأن قال: أو كافر (و) كان (قد نطق بإسلام وهو يعقله) أى: الإسلام، (أو) أقر لقيط بالغ (مسلم حكماً) تبعا للدار: (فمرتد) أى: فحكمه حكم سائر المرتدين يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل في الصورتين:
стр. 3063
أما في الأولى وهي (١) : ما إذا نطق بالإسلام وهو يعقله ثم قال بعد بلوغه: أنه كافر؛ فبلا نزاع في المذهب؛ لأن إسلامه متيقن فلا يقبل إقراره بما ينافيه.
وأما في الثانية وهي: ما إذا كان محكوماً بإسلامه تبعا للدار ثم قال بعد بلوغه: أنه كافر، فالصحيح من المذهب أنه لا يقبل منه ذلك؛ لأن دليل الإسلام وجد عرياً عن المعارض وثبت حكمه واستقر. فلم تجز إزالة حكمه بقوله؛ كما لو قال ذلك ابن مسلم. وقوله لا دلالة فيه أصلاً؛ لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه، وإنما يقول ذلك من تلقاء نفسه. وذكر القاضي في هذا وجهاً: أو يقر على كفره؛ لأن قوله أقوى من ظاهر الدار.
قال في " المغني ": وهذا وجه مظلم. انتهى.
(وإن أقر به) أى: بأن اللقيط- ولده (مَن) أى: إنسان (يمكن كونه) أى: كون اللقيط (منه) أى: من المقر (ولو) كان المقر الذي يمكن كونه منه كافراً أو (أنثى ذات زوج أو) ذات (نسب معروف) أو ذات إخوة أو كان المقر رقيقاً: (أُلحق) اللقيط (ولو) كان اللقيط (ميتاً به) أى: با لمقر؛ لأن الإقرار بالنسب مصلحة محضة للقيط؛ لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه. فقبل؛ كما لو أقر له بمال. وهذا بلا خلاف في المذهب فيما إذا كان المقر رجلاً حراً مسلماً يمكن كونه منه. نص عليه أحمد في رواية جماعة.
وعلى الصحيح فيما إذا كان المقر كافراً وهو داخل في عموم نص أحمد؛
لأنه إقرار بنسب مجهول النسب، وليس في إقراره إضرار بغيره؛ لأنه إنما يلحقه في النسب لا في الدين. فصح إقراره؛ كالمسلم.
وفيه وجه: لا يلحق به في النسب. ذكره في " الرعاية ".
وعلى الصحيح أيضاً فيما إذا كان المقر أنثى ذات زوج أو نسب معروف أو أخوة؛ لأنها أحد الأبوين. فثبت النسب بدعواها؛ كالأب.
стр. 3064
ولأنه يمكن أن يكون منها كما يكون ولد الرجل بل أكثر " لأنها تاًتي من زوجٍ
ومن وطءٍ شبهة ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب. انتهى.
وعن أحمد في المسألة ثلاثُ روايات:
الأولى: هذه.
والثانية: أنها إن كان لها زوج لم يثبت النسب بإقرارها، لإفضائه إلى أن امرأته وطئت بالزنا أو شبهة. وفي ذلك ضرر عليه.
والثالثة: نَقَلَها الكوسج عن أحمد. في امرأة ادعت ولدا إن كان لها إخوة أو نسب معروف: فلا تصدق إلا ببينة.
وقيل: لا يثبت النسب بدعواها بحال. وهذا قول أكثرأهل العلم، لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة. فلا يقبل قولها بمجرده، كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها.
قال في " المغني ": ولنا: أنها أحد الوالدين. فاً شبهت الأب. وإمكان البينة لا يمنع قبول القول كالرجل. فإنه يمكنه إقامة البينة أن هذا ولد على فرا شه. انتهى.
وعلى الصحيح أيضا ً فيما إذا كان المقر رقيقاً.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الأصحاب.
قال الحارثي: استلحاق العبد كاستلحاق الحر في لحاق النسب (١) . قاله
الأصحاب. انتهى.
قال في " المغني ": وإن كان المدعي أمةُ فهي كالحرة. إلا أننا إذا قبلنا دعواها في نسبه لم يقبل قولها في رقه، لأننا لا نقبل الدعوى فيما يضره،
стр. 3065
كما لم (١) نقبل الدعوى في كُفره إذا ادعى نسبه كافر. انتهى.
قال الحارثي: والأمة كالحرة في دعوى النسب على ما ذكرنا. قاله الأصحاب. إلا أن الولد لا يحكم برقه بدون بينة حكاه المصنف- يعني: الموفق-. ونص عليه في رواية ابن مشيش.
وأما كونه يلحقه نسبه وإن كان اللقيط ميتاً؛ فلأن الحي والميت في ذلك
سواء معنى. فوجب استوأوهما حكما.
و (لا) يلحق بـ (زوج) امرأة (مُقرة)؛ لأنه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد
لم يولد على فراشه ولم يقر به.
وكذلك إذا ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته.
فإن قيل: الرجل يمكن أن يكون له ولد من امرأة اخرى أو من امته .. والمرأة
لا يحل لها نكاج غير زوجها ولا يحل وطؤها لغيره.
قلنا: يمكن أن تلد من وطء شبهة أو غيره. وإن كان الولد يحتمل أن يكون
موجودا قبل أن يتزوجها هذا الزوج أمكن أن يكون من زوج آخر.
فإن قيل: إنما قبل الإقرار بالنسب من الزوج؛ لما فيه من المصلحة بدفع
العار عن الصغير، وصيأنته عن النسبة إلى كونه ولد زنا، ولا يحصل هذا بإلحاق
نسبه بالمرأة بل إلحاقه بها دون زوجها يطرق العار إليه وإليها.
قلنا: بل قبلنا دعواه؛ لأنه يدعي حقا لا منازع له فيه ولا مضرة على أحد فيه؛ كدعوى المال. وهذا متحقق في دعوى المرأة.
(ولا) يتبع رقيقا ادعى نسبه (في رق). وتقدم تعليل ذلك عند الكلام على
صحة دعوى الرقيق النسب.
(ولا) يتبع (كافراً) أقر بنفسه (في دينه. إلا أن يقيم) مدعيه الكافر (بينة
أو ولد على فراشه).
قال فى " الإنصاف ": قال الحارثي: قال الأصحاب: أن أقام الذمي بينة
стр. 3066
بولاته على فراشه لحقه في الدين أيضاً؛ لثبوت أنه ولد ذميين. فكما لو لم يكن لقيطاً. وهذا مقيد باستمرار أبويه على الحياة والكفر. وقد أشار إليه في
" الكافي "؛ لأن أحدهما لو مات أو أسلم لحكم بإسلام الطفل فلا بد فيما قالوا من ذلك. انتهى.
ولأن الدعوى في النسب إنما قُبلت لعدم الضرر والكفر بخلافه فإن فيه ضرراً عظيماً؛ لأنه سبب الخزي في الدنيا والآخرة. فاحتيج إلى البينة؛ لتحقق الولادة. والولد المحقق يتبع مطلقا.
(وإن ادعاه) أى: ادعى أن اللقيط ابنه (١) (اثنان) أى: رجلأن (فأكثر معاً: قُدِّم من له بينة)؛ لأن البينة علامة واضحة الحق لمن قامت له. (فإن تساووا) أى: المدعين (فيها) بأن أقام كُل منهم بينة بأنه ولده، (أو) تساووا (في عدمها) بأن لم يكن لوأحد منهم بينه بدعواه: (عُرض) اللقيط (مع) كل (مُدع) موجود (أو) مع (أقاربه) أى: أقارب مدعي النسب كأبيه وجده وأخيه وابنه وابن ابنه (أن) كان قد (مات على القافة).
والقافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة معينة، بل
[كل من] (٢) عرف (٣) منه المعرفة بذلك وتكررت منه الإصابة فهو قائف.
قال في " المغني ": وقيل: أكثر ما يكون هذا في بني مدلج رهط مجزز بجيم وزايين المدلجي، الذي رأى أسامة وأباه زيد قد غطيا رؤوسهما وبدت اقدامهما فقال: أن هذه الأقدام بعضها من بعض (٤) . وكان إياس بن معاوية المزنى قائفا وكذلك قيل في شريح. انتهى.
(فإن ألحقته) القافة (بوأحد أو اثنين) من المدعين له أو أكثر: (لحق)
نسبه بمن ألحقوه به من وأحد أو أكثر.
стр. 3067
أما كون البينة هنا إذا قامت لأكثر من وأحد تتساقط؛ فلأن (١) استعمالها في المال، إما بقسمته بين المتداعين ولا سبيل إلى القسمة هنا، وإما بالأقراع والقرعة لا يثبت بها النسب.
فإن قيل: فإن ثبوته هاهنا يكون بالبينة لا بالقرعة وإنما القرعة مرجحة.
قلنا: فيلزم أو إذا اشترك رجلأن في وطء امرأة فأتت بولد أن يقرع بينهما ويكون لحوقه بالوطء لا بالقرعة.
وعلم من قولي: فإن تساووا أنه لو ترجح وأحد بكونه خارجاً بأن يكون اللقيط ليس بيده، بل بيد الباقي: قدمت بينته وعمل بها.
وأما عرضه على القافة مع المدعيين أو أقاربهم أن فقدوا وإلحاقه بمن ألحقته القافه به فهو قول الجمهور من العلماء.
قال في " المغني ": هذا قول أنس وعطاء ويزيد بن عبدالملك والأوزاعي والليث والشافعي وأبي (٢) ثور.
وقال أصحاب الرأى: لا حكم للقافة. ويلحق بالمدعيين جميعا؛ لأن الحكم بالقيافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين*. فإن الشبه يوجد بين الأجانب وينتفي بين الأقارب.
ولهذا روي عن النبي- ﷺ " أن رجلا أتاه. فقال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود. قال: فهل لك من إبل؛ قال: نعم. قال: فما ألوانها؛ قال: حمر. قال: فهل فيها من أَوْرَق؛ قال: نعم. قال: أنى أتاها ذلك. قال: لعل عرقاً نزع. قال: - وهذا لعل عرقا نزع " (٣) . متفق عليه.
стр. 3068
قالوا: ولو كان الشبه (١) كافيا لاكتفي به في ولد الملاعنة، وفيما إذا أقر أحد الورثة باًخٍ (٢) فاً نكره البا قون.
قال: ولنا: ما روي عن عائشة " أن النبي ﷺ دخل عليها مسروراً تبرق أسارير وجهه. فقال: الم تر أن مجززاً المدلجي نظر أنفا إلى زيد وأسامه وقد غطيا رووسهما وبدب اقدامهما. فقال: أن هذه الأقدام بعضها من بعض " (٣) . متفق عليه.
فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سُر به النبي ﷺ ولا اعتمد عليه.
ولأن عمر رضي الله تعالى عنه قضى به بحضرة الصحابة. فلم ينكره منكر فكان إجماعاً.
ويدل على ذلك قول النبى ﷺ في ولد الملاعنة: " أنظروها فإن جاءت به حمش الساقين كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها. وإن جاءت به أكحل جعداً جمالياً سابغاً الأليتين خَدَلَّجَ الساقين فهو للذي رميت به. فاً تت به على النعت المكروه. فقال النبي ﷺ : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " (٤)
فقد حكم به النبي ﷺ للذي أشبهه منهما. وقوله: " لولا الأيمان لكان لي
ولها شأن ": يدل على أو لم يمنعه من العمل بالشبه إلا الأيمان. فإن أنتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه.
وكذلك " قول النبي ﷺ في ابن أمة زمعة حين رأى به (٥) شبها بينا بعتبة بن
стр. 3069
ابي وقاص: احتجبي منه يا سودة " (١) فعمل بالشبه في حجب سودة منه.
فإن قيل: فالحديثان حجة عليكم إذ لم يحكم النبي ي بالشبه فيهما بل
الحق الولد بزمعة، وقال لعبد بن زمعة: " هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر " (٢) . ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في إقامة الحد عليها لشبهه بالمقذوف.
قلنا: إنما لم يعمل به في ابن أمة زمعة؛ لأن الفراش أقوى. وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها لا يوجب الإعراض عنها إذا خلت عن المعارض. ولذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل أىمانها. بدليل قوله " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ".
على أن ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب. فإن
الحد في الزنا لا يثبت إلا بأقوى البينات وأكثرها عدداً، وأقوى الإقرار حتى يعتبر فيه تكراره أربع مرات، ويدرأ بالشبهات. والنسب يثبت بشهادة امراة واحدة على الولادة، ويثبت بمجرد الدعوى ويثبت مع ظهور أنتفائه. حتى لو أن امراة اتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة لحقه ولدها فكيف يحتج على نفيه بعدم إقامة الحد.
ولأنه حكم بظن غالب ورأى راجح ممن هوأهل الخبرة. فجاز؛ كقول المقومين. وقولهم: أن الشبه يجوز وجوده وعدمه.
قلنا: الظاهر وجوده، ولهذا قال النبي ﷺ حين قالت أم سلمة: " أو ترى
ذلك المرأة؛ قال: فمن أين يكون الشبه " (٣) .
стр. 3070
والحديث الذي احتجوا به حجة عليهم، لأن أنكار الرجل لولده لمخالفة
لونه وعزمه على نفيه لذلك يدل على أن العادة خلافه وإن في طباع الناس أنكاره. وإن ذلك إنما يوجد نادرا. وإنما ألحقه النبي ﷺ به لوجود الفراش. وتجوز مخالفة الظاهر لدليل، ولا يجوز تركه من غير دليل.
ولأن ضعف الشبه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته. فإن النسب يحتاط لثبوته ويثبت بأدنى دليل ويلزم من ذلك التشديد في نفيه.
ولأنه لا ينتفي إلا باً قوى الأدلة كما أن الحد لما أنتفى بالشبه لم يثبت إلا
باً قوى دليل. فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور: أن لا يثبت به النسب في مساًلتنا.
فإن قلنا: فهاهنا إذا عملتم بالقيافة فقد نفيتم النسب عمن لم تلحقه القافة به. قلنا: إنما أنتفى النسب هاهنا لعدم دليله؛ لأنه لم يوجد إلا بمجرد الدعوى
وقد عارضها مثلها فسقط حكمها. فكان الشبه مرجحا لأحدهما فإنتفت دلالة الأخرى. فلزم أنتفاء النسب " لأنتفاء دليله. وتقديم اللعان عليه لا يمنع العمل به عند عدمه، كاليد تقدم عليها البينة ويعمل بها. انتهى.
فإن ألحقه القافة باثنين (فيرث) اللقيط (كلاً منهما) أى: من الاثنين اللذين ألحقته القافة بهما (إرث ولد). فلو لم يخلفا غيره ورث جميع مالهما. (ويرثانه) جميعا (إرث أب) وا حد.
(وإن وصُي له: قبلا) أى: قبل الوصية له أبواه.
(وإن خلَّف احدهما: فله) أى: للمخلف منهما (إرب اب كامل، ونسبه) مع ذلك (ثابت من الميت).
قال في " المغني ": قال أحمد: إذا ألحقته القافة بهما ورثهما وورثاه. فإن مات أحدهما فهو للباقي منهما ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء.
ومعنى قوله: هو للباقي منهما- والله أعلم- أو يرثه ميراث أبِ كامل، كما (١)
стр. 3071
أن الجده إذا أنفردت أخذت ما تأخذه الجدات والزوجة تأخذ وحدها ما تأخذه جميع الزوجات. انتهى.
(ولأمِّي أبويه) إذا مات وخلفهما (مع ام أم) وعاصب (نصف سدس، ولها) ولأم امه (نصفه) أى: نصف السدس، كما لو اجتمعت مع أم اب واحد. (وكذا) الحكم (لو ألحقته) القافة (بأكثر) من اثنين فإنه يلحق بهم وإن كثر وا.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه
في رواية جماعة.
قال في " المغنى ": وإن ادعاه أكثر من اثنين فألحقته بهم القافة فنص أحمد
في رواية مهنا: أو يلحق بثلاثة. ومقتضى هذا: أو يلحق ممن ألحقته القافة وإن كثروا.
وقال أبو عبد الله بن حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين وهو قول أبي يوسف،
لأننا صرنا إلى ذلك للأكثر فيقتصر عليه.
وقال القاضي: لا يلحق باً كثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن. وروي
ذلك عن أبي يوسف أيضاً.
ولنا: أن المعنى الذي لأجله ألحق باثنين موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه. وإذا جاز أن يخلق من اثنين جاز أن يخلق بأكثر من ذلك.
وقولهم: أن إلحاقه بالاثنين على خلاف الأصل ممنوع، وإن سلمناه لكنه
ثبت لمعنى موجود في غيره. فيجب تعدية الحكم به، كما أن إباحة أكل الميتة عند المخمصة أبيح على خلاف الأصل لا يمنع من أن يقاس على ذلك مال غيره والصيد الحرمي وغيرهما من المحرمات، لوجود المعنى وهو إبقاء النفس وتخليصها من الهلاك.
وأما قول من قال: أو يجوز إلحاقه بثلاثة ولا يزاد على ذلك فتحكمٌ. فإنه
لم يقتصر على المنصوص عليه ولا عدى الحكم إلى كل ما وجد فيه المعنى. ولا
стр. 3072
نعلم في الثلاثة معنى خاص يقتضي إلحاق النسب بهم. فلم يجز الاقتصار عليه بالتحكم. انتهى.
(وإن) ادعاه أكثر من واحد و (لم توجد قافة، أو نفته) عمن ادعياه أو ادعوه، (أو اشكل) الأمر على القافة بأن قالوا: لم يظهر لنا شيء، أو قالوا: أُشكل علينا حاله أو نحو ذلك، (أو اختلف قائفان) فيه فقال أحدهما: هو ابن هذا، وقال الآخر: بل ابن هذا، (أو) اختلف (اثنان) من القافة (وثلاثة) منهم. فقال اثنان: هو ابن هذا، وقال ثلاثة: بل ابن هذا: (ضاع نسبه) في هذه الصور كلها في الأصح مما فيه الخلاف منها؛ لأنه لا دليل ولا مرجح لبعض من يدعيه. أشبه من لم يدع نسبه.
ونص عليه فيما إذا نفته القافة عنهم.
فال في " الإنصاف ": ضاع نسبه في أحد الوجهين. وهو المذهب، وجزم
به في " العمده " و" الوجيز "، واختاره أبو بكر.
قال المصنف: قول أبي بكر أقر ب.
قا ل الحارثي: وهو الأشبه با لمذهب. وقدمه في " الفووع ". انتهى.
فعلى هذا لا يرجح أحدهم بذكر علامة في جسده؛ لأنه لا يرجح به في سائر الدعاوى سوى الالتقاط في المالية.
وقيل: يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء ممن ادعوه.
قال القاضي: وقد أنهماً إليه أحمد واختاره ابن حامد، وقطع به في
" التلخيص " وقدمه في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الفائق "؛ لأن الإنسان يميل بطبعه إلى قريبه دون غيره.
ولأنه مجهول نسبه أقر به من هوأهل للإقرار وصدقه المقر له. فيثبت نسبه؛ كما لو أنفرد.
ورده في " المغني ": بأنه إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنه قرابته. فالمعرفة بذلك سبب الميل فلا يثبت قبله. ولو ثبت أو يميل إلى قرابته لكنه يميل
стр. 3073
إلى من أحسن إليه. فإن القلوب جُبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. وقد يميل إليه لإساءة الآخر إليه، وقد يميل إلى أحسنهما خلقا وأعظمهما قدراً أو جاهاً أو مالاً فلا يقع للميل اثر في الدلالة على النسب.
وقولهم: أو صدق المقر بنسبه.
قلنا: لا يحل (١) له تصديقه. فـ " أن النبي ﷺ لعن من ادعى إلى غير أبية أو تولى غير مواليه " (٢) . وهذا لا يعلم أو ابوه فلا يأمن أن يكون ملعوناً بتصديقه. ويفارق ما إذا أنفرد. فإن المنفرد يثبت النسب بقوله من غير تصديق.
وقيل: يلحق باثنين ادعياه. اختاره في " المحرر "، ونقل ابن هانئ: يُخير بينهما، ولم يذكر قافة.
وعنه: يقرع بينهما فيلحق نسبه بالقرعة. ذكرها في " المغني " في كتاب الفرائض، نقله عنه في " القواعد ".
ويعمل بالقافة في غير البنوة (٣) ؛ كأخوة وعمومة عند أصحابنا. قاله في
" الإنصاف ".
وعند أبي الخطال: لا يعمل بها في غير البنوه؛ كإخبار راعٍ بشبه.
وقال في " عيون المسائل ": في التفرقة بين الولد والفصيل، لأنا وقفنا على مورد الشرع. ولتأكد النسب لثبوته مع السكوت.
وإن ادعاه امرأتان في إثباته بالبينة أو كونه يرى القافة مع عدمها كالرجلين.
قال أحمد في رواية بكر بن محمد: في يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة فتوقف. فقيل: يرى القافة. فقال: ما أحسنه.
стр. 3074
ولأن الشبه يوجد بينها وبين ابنها كوجوده بين الرجل وابنه بل أكثر " لاختصاصها بحمله وتغذيته.
والكافرة والمسلمة والحرة والأمه في الدعوى واحدة كما قلنا في الرجال.
وإن ألحقته القافة بأمتين لم يلحق بهما وبطل قول القافة؛ لأننا (١) نعلم خطاًه يقينا.
وإن ادعى نسب اللقيط رجل وامرأة فلا تنافي بينهما (٢) ؛ لأنه يمكن أن يكون منهما بنكاح كان بينهما أو وطء شبهة. فيلحق بهما جميعا. ويكون ابنهما بمجرد دعواهما؛ كما لو أنفرد كل واحد منهما بالدعوى.
وإذا قال الرجل: هذا ابني من زوجتي وادعب زوجته ذلك وادعت امرأة أخرى: فهو ابن الرجل؛ وهل (٣) ترجح زوجته على الأخرى؟ قال في " المغني ": يحتمل وجهين:
أحدهما: ترجح، لأن زوجها أبوه. فالظاهر أنها أمه.
ويحتمل أن يتساويا " لأن كل واحدة منهما لو أنفردت لألحق بها. فإذا
اجتمعتا (٤) تساوتا. انتهى.
وإن ولدت امرأة ذكرا وأخرى أنثى وادعت كل واحدة أن الذكر ولدها دون الأنثى: فقال في " المغني ": يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يرى المرأتان القافة مع الولدين فيلحق كل منهما بما ألحقته القافة بها؛ كما لو لم يكن لهما ولد اخر.
والثانى: أن يعرض لبنهما على أهل الطب والمعرفة، فإن لبن الذكر يخالف
لبن الأنثى في طبعه وزنته. وقد قيل: لبن الأنثى ثقيل ولبن الابن خفيف.
стр. 3075
فيعتبران بطباعهما ووزنهما وما يختلفان به عندأهل المعرفة، فمن كان لبنها لبن الابن فهو ولدها والبنت للأخرى. فإن لم يوجد قافة اعتبر باللبن خاصة.
وإن تنازعا أحد الولدين وهما جميعا ذكرأن وإنثيان عُرضوا على القافة كما
ذكر نا.
قال الحارثي عن الوجه الأول: - وهو العرض على القافة أن وجدت- قلت: وهذا (١) المذهب على ما مر من نصه. وفال عن الثانى: - وهو اعتبار اللبن- أن كان مطرداً في العادة غير مختلف فهو أن شاء الله تعالى أظهر من الأول. فإن أصول الشبه قد تخفى على القائف.
(ويُؤخذ باثنين) أى: بقو ل قائفين (خالفهما) قائف (ثالث).
قال في " الإنصاف ": نص عليه.
(كبيطارين) خالفهما بيطار (وطبيبين) خالفهما طبيب (في عيب). قاله
في "المنتخب ".
ويثبت النسب (ولو رجع عن دعواه) النسب (من الحقته به القافة: لم يقبل) منه الرجوع؛ لأنه حق عليه. فلم يقبل رجوعه عنه.
(ومع عدم إلحاقها بوأحد من أننين) مدعيين لنسبه، (فرجع أحدهما) عن دعواه: (يلحق بالاخر)؛ لأن رجوع احدهما لا يلزم منه أن يضيع نسبه. والله أعلم.
(ويكفي) في ذلك (قائف واحد).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه في رواية
أبي طالب وإسماعيل بن سعيد، واختاره القاضي وصاحب " المستوعب " وصححه في " النظم " وقدمه في " الرعايتين " و" الفروع " و" الحاوي الصغير ". انتهى.
لأنه حكم ويكفي في الحكم قول واحد.
стр. 3076
(وهو كحاكم فكيف مجرد خبره).
قال في " الإنصاف ": القائف كالحاكم عند أكثر الأصحاب. قاله في
" القواعد الأصولية " والحارثي، وقطع به في " الكافي ".
وقيل: هو كالشاهد. وهو الصحيح على ما تقدم. يشير بذلك إلى قوله قبل
ذلك.
وعنه: يشترط اثنان - أى: قائفان-. نص عليه في رواية محمد بن داود
المصيصى والأثرم وجعفر بن محمد. والخلاف في كونه هل يكفي واحد أو لا بد
من اثنين؛ مبنيٌ عند كثير من الأصحاب على أو هل هو شاهد أو حاكم: فإن قلنا: هو شاهد اعتبرنا العدد، وإن قلنا: هو حاكم فلا.
وقال جماعة من الأصحاب: ليس الخلاف مبنيا على ذلك، بل الخلاف
جار سواء قلنا: القائف حاكم أو شاهد؛ لأنا أن قلنا هو حاكم فلا يمتنع التعدد
في الحكم كما يعتبر حاكمين في جزاء الصيد.
وإن قلنا: شاهد فلا يمتنع شهادة الوأحد كما في المرأة حيب قبلنا شهادتها والطبيب والبيطار.
وقال طائفة من الأصحاب: هذا الخلاف مبني على أو شاهد أو مخبر. فإن
جعلناه شاهدا اعتبرنا التعدد، وإن جعلناه مخبراً لم يعتبر كالخبر في الأمور الدينية. نقله في " الإنصاف ".
ومتى ألحقته قافة بوأحد ثم جاءت قافة أخرى فألحقته باخر كان لاحقاً بالأول؛ لأن القائف جرى مجرى حكم الحاكم. ومتى حكم الحاكم حكما لم ينتقض بمخالفة غيره له. وكذلك لو ألحقته بوأحد ثم عادت فاً لحقته بغيره كذلك.
وإن أقام الاخر بينة أو ولده حكم له به وسقط قول القائف؛ لأنه بدل.
فيسقط بوجود الأصل؛ كالتيمم مع الماء. قاله في " المغني ".
(وشُرط كونه) أى: القائف (ذكراً)؛ لأن القيافة حكم مستندها النظر
وا لاستد لال. فاعتبرت الذكورية فيه؛ كالقضاء.
стр. 3077
(عدلاً)؛ لأن الفاسق لا يُقبل قوله.
وعلم من اشتراط عدالته اشتراط إسلامه؛ لأن العدل لا يكون إلا مسلما. والعجب من خفاء مثل هذا على صاحب " المستوعب ". فإنه قال: لم اجد أحداً من اصحابنا اشترط إسلام القائف، وعندي: أو يشترط. انتهى. (حراً). جزم به القاضي وصاحب " المستوعب " و" الموفق "
و" الشارح "، وذكره في " الترغيب " عن الأصحاب.
قال في " القواعد الأصولية ": الأكثرون على أو كحاكم. فتشترط حريته. وقدمه في " الرعاية الكبرى " و" الحاوي الصغير ".
قال في " المغني ": لأن قوله حكم والحكم يعتبر له هذه الشروط. انتهى.
واما قوله في " الإنصاف ": أن عدم اشتراط الحرية هو المذهب فقد رجع
عنه بدليل أو قال في " الإنصاف " بعد ذكر القولين: فعلى الأول وهو عدم اشتراط الحرية يكون بمنزلة الشاهد، وعلى الثانى: وهو اشتراطها يكون بمنزلة الحاكم. ثم لما ألف " التنقيح " جزم بأن القائف كحاكم. فإذا تشترط حريته. والله أعلم.
(مجرَّباً في الإصابة)، لأنه امر علمي. فلا بد من العلم بحكمه له وذلك
لا يعرف بغير التجربة له فيه.
قال القاضي في كيفية التجربة: هو أن يترك اللقيط مع عشرة من الرجال غير
من يدعيه ويرى إياه م فإن الحقته بوأحد منهم سقط قوله، لأنا نتبين خطؤه، وإن لم يلحقه بوأحد منهم اريناه إياه مع عشرين فيهم مدعيه فإن الحقه به لحق. ولو اعتبر بأن يرى صبيا معروف النسب مع قوم فيهم ابوه أو أخوه فإذا ألحقه بقريبه علمت إصابته، وإن ألحقه بغيره سقط قوله جاز.
قال في " المغني ": وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته. وإن لم يجربه في الحال بعد أن يكون مشهورا بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كثيرة جاز.
стр. 3078
(وكذا) أى: وكاللقيط (أن وطئ اثنان امرأة) لا زوج لها (بشبهة) في ظهر، (أو) وطئ اثنان (أمتهما) المشتركة بينهما (في ظهر، أو) وطئ (اجنبي بشبهة زوجة) لاخر (أو سرية لآخر) وقد ثبت افتراشه لها (واتت بولد يمكن كونه منهما) أى: من الواطئين الأجنبية لشبهة، أو الواطئين أمتهما، أو (١) الزوج والأجنبي، أو السيد والأجنبي. فإنه يرى القافة.
قال في " المحرر ": سواء ادعياه (٢) أو جحداه أو أحدهما وقد ثبت الافتراش. ذكره القاضي وغيره.
وشرط أبو الخطاب في وطء الزوجة: أن يدعي الزوج أو من الشبهة. فعلى قوله: أن ادعاه لنفسه اختص به " لقوة جانبه. انتهى.
ويقول أبي الخطاب جزم في " المقنع ". وعبارته: وكذلك الحكم أن وطئ
اثنان امراة بشبهة أو جارية مشتركة بينهما في ظهر وأحد أو وطئت زوجة رجل أو أم ولده بشبهة وأتت بولد يمكن أن يكون منه فادعى الزوج أو من الواطئ: أري القافة معهما. انتهى.
وما قدمه في " المحرر " هو المذهب، ولهذا مشيب عليه في المثن.
قال في " الفروع ": وكذا أن وطئت امرأة بشبهة أو اشتراك في ظهر واحد،
واختار أبو الخطاب أن ادعاه لنفسه لحقه.
وفي " الأنتصار ": رواية مثله، ورواية كا لأول. انتهى.
فعلم من قوله: واختار أبو الخطاب … إلى آخره: أو أنفرد به عن الأصحاب قبل مجيءمن تبعه عليه.
وكلامه في " الإنصاف " في هذا المحل مشكل فليراجعه بتأمل من شاء.
ونقل أبو الحارث: فيمن غصب امرأة رجل فولدت عنده ثم رجعت إلى
стр. 3079
زوجها كيف يكون الولد للفراش مثل هذا؛ إنما يكون له إذا ادعاه وهذا لا يدعيه
فلا يلزمه. انتهى.
وعلم من قول المتن: وكذا … إلى اخره: أن القافة إذا ألحقت الولد
لاًحدهما لحق به دون الآخر، وإن نفته عنهما، أو أشكل على القافة، أو اختلف
قائفان أو اثنان وثلاثة، أو لم توجد قافة أو: يضيع نسبه؛ لاستوائهما في
؛ كاستواء مدعي اللقيط في الدعوى.
استوائهما في الفراش: أن كلا منهما في الصورة الأول ى- واطئ بشبهة.
وفي الثانية: كل واحد منهما لو ابنفرد بالملك كان صاحب الفراش فهما سواء.
وفي الثالثة والرابعة: قد استوى الواطئ بالشبهة والزوج أو السيد في حكم الفراش فلا مزية. فلا أثر لجحود أحدهما للولد مع ثبوت الافتراش كالزوج والسيد إذا نفى الولد المولود من زوجته أو من أمته.
وقيل: إن عدمت القافة ألحق بالزوج أو السيد لأنه صاحب الفراش الحقيقي.
ورد: بأن الفراش الحكمي كالحقيقي في اعتبار الشارع فلا مزية.
والمراد بعدم القافة في قول الأصحاب: العدم الحقيقي فلو وجدت بعيدة سافروا إليها.
(وليس لزوج ألحق به) الولد بإلحاق القافة له وهو يجحده (اللعان لنفيه) لأن شرط صحة اللعان: أن يكون معه قذف لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] وهذا ليس بقاذف فلا يصح اللعان لعدم شرطه.
وعنه: له أن يلاعن لنفي الولد فينفي عنه بلعانه لوحده
قال في المحرر: وهي أصح عندي انتهى.
والله أعلم.
стр. 3080
[كتاب الوقف]
(كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام الوقف.
وهو مصدر وقفَ الإنسان الشيء يقفه، بمعنى حبسه وأحبسه. ولا يقال: أوقفه إلا في لغة شاذة. عكس أحبسه.
وهو مما اختص به المسلمون.
قال الشافعي: لم تحبس أهل الجاهلية. وإنما حبس أهل الإسلام.
وهو من القرب المندوب إليها.
والأصل فيه ما روى عبد الله بن عمر قال: " أصاب عمر ارضاً بخيبر. فأتى النبي ﷺ يستاًمره فيها. فقال: يا رسول الله! أني أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس عند ي منه. فما تأمرنى فيه؛ قال: أن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. غير أو لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف. لا جناج على من وليها أن يأكل بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه ".
وفي لفظ: " غير مُتَأَّثل " (١). متفق عليه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " اذا مات ابن آدم أنقطع عمله الا من ثلاث: صدقةٌ جارية، أو علمٌ ينتفع به من بعده، أو ولدٌ صالح يدعو له " (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 3081
وأكثرأهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف.
قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذو مقدرة إلا وقف.
قال الحميدي: تصدق أبو بكر بداره على ولده. وعمر بربعه عند المروة
على ولده. وعثمان برومة بئر بالمدينة. وتصدق علي بأرضه بينبع. وتصدق الزبير بداره بمكة وداره بحصر وأمواله بالمدينة على ولده. وتصدق سعد بداره بالمدينة وداره بمصر على ولده. وعمرو بن العا ص (١) بالوهط مال كان له بالطائف على ثلاثة أميال من " وج " وبداره بمكة على ولده. وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده. فذلك كله إلى اليوم.
ولم ير شريح الوقف. وقال: لا حبس عن فرائض الله.
قال أحمد: وهذا مذهب أهل الكوفة.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده، وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوصي به بعد موته. فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم. وحكاه بعضهم عن علي وابن مسعود وابن عباس. وخالف صاحباه فقالا كقول سائرأهل العلم.
واحتج بعضهم بما روي " أن عبد الله بن زيد صاحب الأذان جعل حائطه صدقة وجعله إلى رسول الله ﷺ . فجاء أبواه إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله! لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط. فرده رسول الله ﷺ . ثم (٢) ماتا فورثهما ". رواه المحاملي في " أماليه ".
وباً نه أخرج ماله على وجه القربة من ملكه. فلم يلزمه بمجرد القول، كالصدقة.
قال في " المغني ": وهذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فإن (٣) النبي ﷺ قال لعمر في وقفه: " لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " (٤) .
стр. 3082
قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عندأهل العلم من اصحاب رسول الله وغيرهم لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً.
ثم قال: ولأنه إزالة ملك يلزم بالوصيه. فإذا نجزه حال الحياة لزم من غير حكم؛ كالعتق.
وحديث عبد الله بن زيد أن ثبت فليس فيه ذكر الوقف. والظاهر: أو جعله صدقة غير موقوف استناب فيها رسول الله ي. فرأى والديه أحق الناس بصرفها إليهما. ولهذا لم يردها عليه إنما دفعها إليهما.
ويحتمل: أن الحائط كان لهما وكان هو متصرف فيه بحكم النيابة عنهما. فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما فلم ينفذاه، وأتيا النبي ﷺ فرده إليهما. والقياس على الصدقة لا يصح؛ لأنها تلزم في الحياة بغير حكم حاكم. وإنما يفتقر إلى القبض. والوقف لا يفتقر إليه. فافترقا. انتهى
قال بعضهم: ولعل خلاف أهل الكوفة في غير المساجد ونحوها؛ لقول القرطبي: لا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر والمساجد. واختلفوا في غير ذلك.
ثم (الوقف) حقيقة شرعا: (تحبيس مالك مطلق التصرف، ماله المنتفع
به، مع بقاءعينه بقطع تصرفه) متعلق بتحبيس. [أى: تحبيس] (١) المال بقطع تصرف المالك (وغيره في رقبته) بنوع من أنواع التصرفات تحبيساً، (يصرف رَيْعُه) أى: المال الذي حبس بسبب تحبيسه (إلى جهة بَّر)، حال كون تحبيسه (تقرباً إلى الله تعالى) أى: نوى به القربة.
وهذا الحد ذكره صاحب " المطلع " وتبعه عليه في " التنقيح " وتبعته عليه
في المتن.
والذي يظهر (٢) أن قوله: تقربا إلى الله تعالى إنما يحتاج إلى ذكره في حد
стр. 3083
الوقف الذي يترتب عليه الثواب لا غير ذلك. فإن الإنسان قد يقف ملكه على غيره تودداً لا (١) لأجل القربة ويكون وقفاً لازماً. ومن الناس من يقف عقاره على ولده خشية على بيعه له بعد موته وإتلاف ثمنه واحتياجه إلى غيره من غير أن تخطر القربة بباله. وربما يترقى الحال إلى ترتب الإثم به، فإن من الناس من يستدين حتى يستغرق الدين ماله وهو مما يصح وقفه، فيخشى أن يحجر عليه وإن يباع ماله في الدين فيقفه؛ ليفوته على رب الدين. ويكون وقفاً لازماً؛ لكونه قبل الحجر عليه مطلق التصرف في ماله. هذا مع أن بعض الناس ربما يقف على ما لا يقف عليه غالبا إلا قربة؛ كالمساكين والمساجد قاصداً بذلك الرياء أو نحوه فإنه يلزم ولا يثاب عليه؛ لأنه لم يبتغ وجه الله تعالى. والله أعلم.
(ويحصل) الوقف حكماً (بفعل مع) شيء (دالٍ عليه) أى: على الوقف (عُرفاً) كما يحصل ذلك بالقول؛ لاشتراكهما في الدلالة عليه في اصح الر وا يتين.
قال الموفق والشارح وصاحب " الفائق " وغيرهم: هذا ظاهر المذهب.
قال الحارثي: مذهب أبي عبد الله: أنعقاد الوقف به وعليه الأصحاب. انتهى.
قال في " الإنصاف ": وجزم به في " الجامع الصغير " و" رؤوس المسائل " للقاضي، و" رؤوس المسائل " لأبي الخطاب و" الكافي " و" العمدة " و" الوجيز " وغير هم.
وذلك (كان يبني) إنسان (بنياناً على هيئة مسجد، ويأذنْ إذناً عاماً) أى:
لمن شاء الصلاة فيه من المسلمين (في الصلاة فيه. حتى لو كان) المكان المأذون في الصلاة فيه (سفل بيته أو علوه أو وسطه) فإنه يصح وإن لم يذكر استطراقاً؛ كما لو باعه ولم يذكره، (ويستطرق).
стр. 3084
قال في " الفروع ": قال شيخنا: أو أذن فيه وأقام. ونقله أبو الخطاب وجعفر وجماعة. ولو نوى خلافه. نقله أبو طالب. انتهى.
ومعنى قول الشيخ تقي الدين: أن من بنى بنيانا على هيئة مسجد وأذن فيه
وأقام فيه الأذان والإقامة فيه مقام الإذن العام في الصلاة فيه. ومعنى نقل أبي طالب: أن نيه خلاف ما دل عليه الفعل لا أثر لها. والله أعلم.
(أو) يبني إنسان (بيتاً) يصلح (لقضاء حاجة أو تطهرُ ويُشَرَّعُه) أى: يفتح
بابه إلى الطريق.
قال في " القاموس ": وأَشْرَع باباً إلى الطريق: فتحه. والطريق بَيَّنَه كَشَرَّعَهُ- تشريعاً. انتهى.
(أو يجعل أرضهُ) مهيأة لأن تكون (مقبرة ويأذن إذناً عاماً في الدفن فيها)،
لأن الإذن الخا ص قد يقع على غير الموقوف فلا يفيد دلالة الوقف. فاله
الحارثي.
(و) يحصل (بقول) رواية واحدة. والإشارة المفهمة من الأخرس كالقول.
(وصريحه: وقفت، وحبَّست، وسَّبلت). فمن أتى بكلمة من هذه الكلم الثلاث صح بها الوقف، لعدم احتمال غيره بعرف الاستعمال المنضم إليه عرف الشرع، لأن النبي ﷺ قال: " إن شئت حبست أصلها وسبَّلت ثمرتها " (١) . فصارت هذه الألفاظ في الوقف، كلفظ التطليق في الطلاق.
قال في " الإنصاف ": وأما سبلت فصريحة على الصحيح من المذهب
وعليه الأصحاب.
وقال الحارثي: والصحيح أنه ليس صريحا؛ لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " حبس الأصل وسبل الثمرة " (٢) .
стр. 3085
غائر بين معنى التحبيس والتسبيل فامتنع كون أحدهما صريحاً في الاخر.
وقد علم كون الوقف هو: الإمساك في الرقبة عن أسباب التملكات. والتسبيل: إطلاق التمليك. فكيف يكون صريحا في الوقف؛. انتهى.
ويمكن الجواب عن ذلك: بأن إضافة التحبيس إلى الأصل والتسبيل إلى الثمرة لا يقتضي المغايرة في المعنى. فإن الثمرة محبسة أيضا ًعلى ما شرط صرفها إليه.
وبأن المالك لو قال: حبست ثمرة نخلي على الفقراء كان ذلك وقفاً لازماً باتفاق من يرى أن التحبيس صريح في الوقف. فصحة التحبيس في الثمرة دون صحة التسبيل في الأصل ترجيح من غير مرجح.
وباًنا لا نسلم أن التسبيل إطلاق التمليك؛ لأن الشارع قيده بإزاء الوقف فصار فيه حقيقة شرعية.
فإن قيل: فيلزم أن يقال ذلك في لفظ: تصدقت فإن في بعض الروايات الصحيحة: " أن شئت حبست أصلها وتصدقت بها " (١) .
فالجواب: أن الصدقة سبق لها حقيقة شرعية في غير الوقف هي أعم من الوقف. فلا يؤدي معناه بها إلا بقيد يخرجها عن المعنى الأعم، ولهذا كانت كناية فيه. بخلاف التسبيل. والله أعلم.
وفي جمع الشارع بين لفظي (٢) التحبيس والتسبيل تبيين لحالتي الابتداء والدوام. فإن حقيقة الوقف ابتداء تحبيسه ودوام تسبيل (٣) منفعته. ولهذا حد غالب الأصحاب الوقف بهما.