← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وأكثرأهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف. قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذو مقدرة إلا وقف. قال الحميدي: تصدق أبو بكر بداره على ولده. وعمر بربعه عند المروة على ولده. وعثمان برومة بئر بالمدينة. وتصدق علي بأرضه بينبع. وتصدق الزبير بداره بمكة وداره بحصر وأمواله بالمدينة على ولده. وتصدق سعد بداره بالمدينة وداره بمصر على ولده. وعمرو بن العا ص (١) بالوهط مال كان له بالطائف على ثلاثة أميال من " وج " وبداره بمكة على ولده. وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده. فذلك كله إلى اليوم. ولم ير شريح الوقف. وقال: لا حبس عن فرائض الله. قال أحمد: وهذا مذهب أهل الكوفة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده، وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوصي به بعد موته. فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم. وحكاه بعضهم عن علي وابن مسعود وابن عباس. وخالف صاحباه فقالا كقول سائرأهل العلم. واحتج بعضهم بما روي " أن عبد الله بن زيد صاحب الأذان جعل حائطه صدقة وجعله إلى رسول الله ﷺ . فجاء أبواه إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله! لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط. فرده رسول الله ﷺ . ثم (٢) ماتا فورثهما ". رواه المحاملي في " أماليه ". وباً نه أخرج ماله على وجه القربة من ملكه. فلم يلزمه بمجرد القول، كالصدقة. قال في " المغني ": وهذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فإن (٣) النبي ﷺ قال لعمر في وقفه: " لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " (٤) .

стр. 3082

قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عندأهل العلم من اصحاب رسول الله وغيرهم لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً. ثم قال: ولأنه إزالة ملك يلزم بالوصيه. فإذا نجزه حال الحياة لزم من غير حكم؛ كالعتق. وحديث عبد الله بن زيد أن ثبت فليس فيه ذكر الوقف. والظاهر: أو جعله صدقة غير موقوف استناب فيها رسول الله ي. فرأى والديه أحق الناس بصرفها إليهما. ولهذا لم يردها عليه إنما دفعها إليهما. ويحتمل: أن الحائط كان لهما وكان هو متصرف فيه بحكم النيابة عنهما. فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما فلم ينفذاه، وأتيا النبي ﷺ فرده إليهما. والقياس على الصدقة لا يصح؛ لأنها تلزم في الحياة بغير حكم حاكم. وإنما يفتقر إلى القبض. والوقف لا يفتقر إليه. فافترقا. انتهى قال بعضهم: ولعل خلاف أهل الكوفة في غير المساجد ونحوها؛ لقول القرطبي: لا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر والمساجد. واختلفوا في غير ذلك. ثم (الوقف) حقيقة شرعا: (تحبيس مالك مطلق التصرف، ماله المنتفع به، مع بقاءعينه بقطع تصرفه) متعلق بتحبيس. [أى: تحبيس] (١) المال بقطع تصرف المالك (وغيره في رقبته) بنوع من أنواع التصرفات تحبيساً، (يصرف رَيْعُه) أى: المال الذي حبس بسبب تحبيسه (إلى جهة بَّر)، حال كون تحبيسه (تقرباً إلى الله تعالى) أى: نوى به القربة. وهذا الحد ذكره صاحب " المطلع " وتبعه عليه في " التنقيح " وتبعته عليه في المتن. والذي يظهر (٢) أن قوله: تقربا إلى الله تعالى إنما يحتاج إلى ذكره في حد

стр. 3083

الوقف الذي يترتب عليه الثواب لا غير ذلك. فإن الإنسان قد يقف ملكه على غيره تودداً لا (١) لأجل القربة ويكون وقفاً لازماً. ومن الناس من يقف عقاره على ولده خشية على بيعه له بعد موته وإتلاف ثمنه واحتياجه إلى غيره من غير أن تخطر القربة بباله. وربما يترقى الحال إلى ترتب الإثم به، فإن من الناس من يستدين حتى يستغرق الدين ماله وهو مما يصح وقفه، فيخشى أن يحجر عليه وإن يباع ماله في الدين فيقفه؛ ليفوته على رب الدين. ويكون وقفاً لازماً؛ لكونه قبل الحجر عليه مطلق التصرف في ماله. هذا مع أن بعض الناس ربما يقف على ما لا يقف عليه غالبا إلا قربة؛ كالمساكين والمساجد قاصداً بذلك الرياء أو نحوه فإنه يلزم ولا يثاب عليه؛ لأنه لم يبتغ وجه الله تعالى. والله أعلم. (ويحصل) الوقف حكماً (بفعل مع) شيء (دالٍ عليه) أى: على الوقف (عُرفاً) كما يحصل ذلك بالقول؛ لاشتراكهما في الدلالة عليه في اصح الر وا يتين. قال الموفق والشارح وصاحب " الفائق " وغيرهم: هذا ظاهر المذهب. قال الحارثي: مذهب أبي عبد الله: أنعقاد الوقف به وعليه الأصحاب. انتهى. قال في " الإنصاف ": وجزم به في " الجامع الصغير " و" رؤوس المسائل " للقاضي، و" رؤوس المسائل " لأبي الخطاب و" الكافي " و" العمدة " و" الوجيز " وغير هم. وذلك (كان يبني) إنسان (بنياناً على هيئة مسجد، ويأذنْ إذناً عاماً) أى: لمن شاء الصلاة فيه من المسلمين (في الصلاة فيه. حتى لو كان) المكان المأذون في الصلاة فيه (سفل بيته أو علوه أو وسطه) فإنه يصح وإن لم يذكر استطراقاً؛ كما لو باعه ولم يذكره، (ويستطرق).

стр. 3084

قال في " الفروع ": قال شيخنا: أو أذن فيه وأقام. ونقله أبو الخطاب وجعفر وجماعة. ولو نوى خلافه. نقله أبو طالب. انتهى. ومعنى قول الشيخ تقي الدين: أن من بنى بنيانا على هيئة مسجد وأذن فيه وأقام فيه الأذان والإقامة فيه مقام الإذن العام في الصلاة فيه. ومعنى نقل أبي طالب: أن نيه خلاف ما دل عليه الفعل لا أثر لها. والله أعلم. (أو) يبني إنسان (بيتاً) يصلح (لقضاء حاجة أو تطهرُ ويُشَرَّعُه) أى: يفتح بابه إلى الطريق. قال في " القاموس ": وأَشْرَع باباً إلى الطريق: فتحه. والطريق بَيَّنَه كَشَرَّعَهُ- تشريعاً. انتهى. (أو يجعل أرضهُ) مهيأة لأن تكون (مقبرة ويأذن إذناً عاماً في الدفن فيها)، لأن الإذن الخا ص قد يقع على غير الموقوف فلا يفيد دلالة الوقف. فاله الحارثي. (و) يحصل (بقول) رواية واحدة. والإشارة المفهمة من الأخرس كالقول. (وصريحه: وقفت، وحبَّست، وسَّبلت). فمن أتى بكلمة من هذه الكلم الثلاث صح بها الوقف، لعدم احتمال غيره بعرف الاستعمال المنضم إليه عرف الشرع، لأن النبي ﷺ قال: " إن شئت حبست أصلها وسبَّلت ثمرتها " (١) . فصارت هذه الألفاظ في الوقف، كلفظ التطليق في الطلاق. قال في " الإنصاف ": وأما سبلت فصريحة على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. وقال الحارثي: والصحيح أنه ليس صريحا؛ لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " حبس الأصل وسبل الثمرة " (٢) .

стр. 3085

غائر بين معنى التحبيس والتسبيل فامتنع كون أحدهما صريحاً في الاخر. وقد علم كون الوقف هو: الإمساك في الرقبة عن أسباب التملكات. والتسبيل: إطلاق التمليك. فكيف يكون صريحا في الوقف؛. انتهى. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن إضافة التحبيس إلى الأصل والتسبيل إلى الثمرة لا يقتضي المغايرة في المعنى. فإن الثمرة محبسة أيضا ًعلى ما شرط صرفها إليه. وبأن المالك لو قال: حبست ثمرة نخلي على الفقراء كان ذلك وقفاً لازماً باتفاق من يرى أن التحبيس صريح في الوقف. فصحة التحبيس في الثمرة دون صحة التسبيل في الأصل ترجيح من غير مرجح. وباًنا لا نسلم أن التسبيل إطلاق التمليك؛ لأن الشارع قيده بإزاء الوقف فصار فيه حقيقة شرعية. فإن قيل: فيلزم أن يقال ذلك في لفظ: تصدقت فإن في بعض الروايات الصحيحة: " أن شئت حبست أصلها وتصدقت بها " (١) . فالجواب: أن الصدقة سبق لها حقيقة شرعية في غير الوقف هي أعم من الوقف. فلا يؤدي معناه بها إلا بقيد يخرجها عن المعنى الأعم، ولهذا كانت كناية فيه. بخلاف التسبيل. والله أعلم. وفي جمع الشارع بين لفظي (٢) التحبيس والتسبيل تبيين لحالتي الابتداء والدوام. فإن حقيقة الوقف ابتداء تحبيسه ودوام تسبيل (٣) منفعته. ولهذا حد غالب الأصحاب الوقف بهما.

стр. 3086

قال في " المغني ": والوقف مستحب. ومعناه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة. وعبارته في " المقنع ": وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. قال في " الإنصاف ": وكذا قال في " الهداية " و" المذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة " و" الكا في " و" التلخيص " و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الوجيز " و" الفائق " وغيرهم. قال الزركشي: وأراد من حد بهذا الحد مع شروطه (١) المعتبرة. وأدخل غيرهم الشروط في الحد. انتهى. (وكنايته) أى: الوقف: (تصدَّقت، وحرَّمت، وأبَّدت)، لعدم خلا ص كل لفظ منها (٢) عن الاشتراك. فإن الصدقة تستعمل في الزكاة. وهي ظاهرة في صدقة التطوع. والتحريم صريح في الظهار. والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تاً بيده من وقف وغيره. (و) الحكم فيها: أو (لا يصح) الوقف (لها) مجردة عن شيء يصرفها إلى الوقف ككنايات الطلاق فيه، لأنها لم يثبت لها فيه عرف لغوي ولا شرعي. وأُشير إلى ما يصرفها (٣) إليه بقوله: (إلا بنية) أى: نية الوقف. فمتى اتى مالك باً حد هذه الكنايات الثلاث واعترف أو نوى بها الوقف: لزمه في الحكم؛ لأنها بالنية صارت ظاهره فيه. وإن قال: ما أردت بها الوقف: قبل قوله؛ لأنه أعلم بما في ضميره، لعدم الإطلاع على ما في الضمائر. (أو قًَرَنها) أى: الكناية في اللفظ (بأحد الألفاظ الخمسة) وهي الكنأىات والصرائح التلاث، (كـ) قوله: (تصدقت صدقة موقوفة. أو) تصدقت صدقة (محبَّسة. أو) تصدقت صدقة (مسبَّلة. أو) تصدقت صدقة (محرَّمة. أو) تصدقت صدقة (مؤبَّدة.

стр. 3087

أو) قرن الكناية (بحكم الوقف،) قوله: تصدقت صدقة (لا تباع. أو) صدقة (لا توهب. أو) صدقة (لا تورث. أو) تصدقت بداري (على قبيلة) كذا، (أو) على (طائفة كذا)، لأن ذلك كله لا يستعمل في ما سوى الوقف. فإنتفت الشركة. وذكر أبو الفرج: أن أبَّدت: صريح. وإن صدقة موقوفة أو مؤبَّدة أو لاتباع: كناية. وقال الحارثي: إضافة التسبيل بمجرده إلى الصدقة لا يفيد زوال الاشتراك. فإن التسبيل لا يفيد ما تفيده الصدقة أو بعضه فلا يفيد معنى زائدا. وكذا لو اقتصر على إضافة التاً بيد إلى التحريم لا يفيد الوقف (١) ؛ لأن التأبيد قد يريد به دوام التحريم فلا يخلص اللفظ عن الاشتراك. قال: وهذا الصحيح. انتهى. ومن الألفاظ المفيدة للوقف: لو قال إنسان تصدقت باًرضي، أو- بداري، أو بنخلي على زيد، والنظر لي أيام حياتي، أو ثم من بعد زيد على عمرو، أو على ولده، أو على مسجد كذا ونحو ذلك؛ لأن هذه الألفاظ ونحوها لا تستعمل فيما عدا الوقف. أشبه ما لو أتى بلفظه الصريح. (فـ) أما (لو قال: تصدقت بداري على زيد، ثم قال: أردت الوقف وإنكر زيد) وقال: إنما هي صدقة فلي التصرف في رقبتها بما أريد: كان له ذلك، و (لم تكن وقفاً)؛ لأن قول المتصدق في الحكم مخالف للظاهر. قال في " الإنصاف ": فيعايى بها. انتهى. ولعل وجه ذلك: على تقدير حصرل النية باطناً. والله أعلم.

стр. 3088

[فصل: في شروط الوقف] (فصل. وشروطه) أى: شروط الو قف المعتبرة لصحته أربعة: الأول: (مصادفته عيناً يصح بيعها، و) أن تكون من الأعيأن التي (ينتفع بها) ما يعد أنتفاعا (عرفاً). وأن يكون النفعُ مباحا بلا ضرورة مقصوداً متقوماً؛ (كإجارة) كما قلنا في النفع الذي يصح عقد الإجارة عليه (مع بقائها) أى: العين. واعتبر أبو محمد الجوزي بقاء متطأولا أدناه عمر الحيوان. وسيأتي في المتن محترز ذلك. (أو) مصادفة الوقف (مشاعاً منها) أى: من عين متصفة بالصمات المتقدمة في قول أكثر العلماء؛ لما روى ابن عمر قال: " المائة سهم التي بخيبر لم أصب مالاً قط أعجب إلي منها فاًردت أن أتصدق بها. فقال النبي ﷺ : أحبس أصلها وسَّبل ثمرتها " (١) . رواه النسائي وابن ماجه. ولأنه عقد يجوز على بعض الجملة مفرزاً. فجاز عليه مشاعاً؛ كالبيع. ويعتبر أن يقول: كذا سهماً [من كذا سهماً] (٢) . قاله أحمد. قال في " الفروع ": ثم يتوجه أن المشاع لو وقفه مسجداً ثبت حكم المسجد

стр. 3089

في الحال. فيمنع منه الجنب. ثم القسمة متعينة هنا لتعينّها (١) طريقا للأنتفاع بالموقوف. وكذا ذكره ابن الصلا. انتهى. وفي " الرعاية الكبرى ": لو وقف نصف عبده صح (٢) . ولم يسر إلى بقيته. وسواء كانب هذه العين التي صادفها الوقف أو صادف منها جزء اً مشاعاً معلوما (منقولة؛ كحيوان)؛ كما لو وقف فرساً على الغزاة، (وأثاثٍ)؛ كما لو وقف بساطاً لفرش مسجد عند صلاة، (وسلاح)؛ كما لو وقف سيفاً أو رمحاً أو قوساً على الغزاة، (وحِلي على لُبْسٍ وعارية) لمن يباج له. (أو لا) يعني: أو لم تكن العين منقولة؛ (كعقار). أما صحة وقف الحيوان؛ فلما روى ابو هريرة مرفوعاً: " من احتبس فرساً في سبيل الله أىمانا واحتسابا فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه حسنات " (٣) . رواه البخاري. ولأنه يحصل تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. فصح الوقف فيه؛ كا لأرض. وأما في الأثاث والسلاح؛ فلقول النبي ﷺ : " أما خالد فقد حبس أدراعه واعتاده في سبيل الله " (٤) . متفق عليه. وفي لفظ للبخاري: " واعتده " (٥) . قال الخطابي: الأعتاد: ما يعده الرجل من ركوب وسلاح وآلة الجهاد.

стр. 3090

وأما في الحلي، فلما روى نافع: " أن حفصة ابتاعت حلياً بعشرين ألفاً حبسته على نساء آل الخطاب. فكانت لا تخرج زكاته ". رواه الخلال. ولوجود الضابط. ولأن فيه نفعاً مباحاً مقصوداً. فجاز أخذ الأجرة عليه وصح وقفه " كوقف السلاح في سبيل الله. وعنه: لا يصح الوقف إلا في العقار. قال أحمد في رواية الأثرم: إنما الوقوف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب رسول الله ﷺ . وقال فيمن وقف خمس نخلات على مسجد: لا باًس به. ونقل المروذي: لا يجوز وقف سلاح. ذكره أبو بكر. وعنه: ولا حلي لتحلّ. وفي " الوسيلة ": يصح وقف المصحف رواية واحدة. وظاهر ما تقدم: أو إذا وقف عقاراً مشهوراً لم يشترط إلا ذكر حدوده. وهو المذهب. نص عليه. قال في " الفروع ": نقل جماعة فيمن وقف الدار ولم يحدها قال: وإن لم يحدها إذا كانت معروفة. انتهى. و (لا) يصح أن يصادف الوقف (ذمة، كدار وعبد. أو) أن يصادف (مبهما " كأحد هذين) هذا بيأن لمحترز قوله: مصادفته عينا. فإنه لو قال: وقفت على زيد داراً أو عبداً ولم يعين ذلك أو وقفب عليه أحد هذين العبدين أو الدارين أو نحو ذلك: لم يصح، لأنه نقل ملك على وجه الصدقة. فلم يصح في غير معين " كالهبة. وفي وقفت أحد هذين وجه بالصحة. وأُشير إلى محترز قوله يصح بيعه بقوله: (أو ما لا يصح بيعه " كأم ولد، وكلب، ومرهون)، لأن الوقف تصرف بإزالة الملك. فلا يصح فيما لا يصح بيعه.

стр. 3091

وفي أم الولد وجه. ثم اشار إلى محترز قوله: وينتفع بها عرفاً مع بقائها بقوله: (أو لا ينتفع به مع بقائه، كمطعوم ومشموم، وأثمان؛ كقنديل من نقد على مسجد، ونحوه) أى: نحو القنديل، كحلقة فضة تجعل في بابه، وكوقف الدراهم والدنانير لينتفع بافتراضها " لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح فيه ذلك. فعلى المذهب: يزكي النقد ربه (١) ، لبقائه في ملكه. وقيل: يصح وقف القنديل والحلقة ونحوهما على المسجد فيكسر ويصرف في مصلحته. وقيل: يصح وقف الدراهم والدنانير على قول من أجاز إجارتها. ولما كان وقف الأثمان يصح في بعض الصور على سبيل التبعية اشار إلى ذلك بقوله. (إلا تبعاً، كالفرس) أى: كوقف فرس في سبيل الله (بلجامٍ وسرج سة مفضّضين). قال أحمد: فيمن وصى بفرس وسوج ولجام مفضض يوقف في سبيل الله: فهو على ما وقف ووصى. وإن بيع الفضة من السرج واللجام وجعل في وقف مثله فهو أحب إلي " لأن الفضة لا ينتفع بها، ولعله يشتري بتلك الفضة سوجاً ولجاماً فيكون أنفع للمسلمين. قيل له: تباع الفضة وتجعل فى نفقته؟ قال: لا. قال في " المغني ": فأباح أن يشتري بفضه السرج واللجام سوجاً ولجاماً " لأنه صرف لهما في جنس ما كانت عليه حين لم ينتفع بهما فيه. فأشبه الفرس الحبيس إذا عطب فلم ينتفع به في الجهاد جاز بيعه وصرف ثمنه في مثله، ولم يجز أنفاقها على الفرس، لأنه صرفٌ لها إلى غير جهتها. انتهى. وظاهر قوله: وحلي على لبس وعارية: أو لو أطلق الوقف فيه: لم يصح. وهو المذهب. قطع به في " الفائق " وقدمه في " الفروع ".

стр. 3092

وقيل: يصح. ويحمل عليها. الشرط (الثانى) من شروط صحة الوقف: (كونه على بِرِّ). سواء كان الواقف مسلماً أو ذمياً. نص عليه أحمد: في نصارى وقفوا على البيعة ضياعاً كثيرة وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى: فلهم أخذها، وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أىديهم. قال في " المغني ": وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأن ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمي كالوقف على غير معين. فإن قيل: فقد قلتم أن أهل الكتاب إذا عقدوا عقوداً فاسدة وتقابضوا ثم أسلموا أو ترافعوا إلينا لم ينقض ما فعلوه. فكيف أجزتم الرجوع فيما وقفوه على كنائسهم؛ قلنا: الوقف ليس بعقد معاوضة. وإنما هو إزالة للملك في الموقوف على وجه القربة. فإذا لم يقع صحيحا لم يزل الملك. فيبقى بحاله؛ كالعتق. وقد روي عن أحمد ﵀: في نصرانى أشهد على نفسه في وصية: أن غلامه فلاناً يخدم البيعة خمس سنين ثم هو حر. ثم مات مولاه وخدمه سنة ثم أسلم ما عليه؟ قال: هو حر. ويُرجع على الغلام بأجرة خدمة مبلغ أربع سنين. وروي عنه فال: هو حر ساعة مات مولاه؛ لأن هذه معصية. وهذه الرواية أصح وموافق لأصوله. ويحتمل أن قوله: يُرجع عليه بخدمه أربع سنين لم يكن لصحة الوصية. بل لأنه إنما اعتقه بعوض يعتقدأن صحته. فإذا تعذر العوض بإسلامه كان عليه ما يقوم مقامه؛ كما لو تزوج الذمي ذمية على ذلك ثم اسلم فإنه يجب عليه المهر. كذا هاهنا يجب عليه العوض. والأول أولى. انتهى. والمراد بالبر هنا (١) القربة؛ وذلك (كـ) الوقف على (المساكين

стр. 3093

والمساجد والقناطر والأقارب)، لأنه شرع لتحصيل الثواب. فإذا لم يكن على بِرّ لم يحصل المقصود الذي شُرع من أجله. فعلى هذا لا يصح على طائفة الأغنياء، ولا على طائفة أهل الذمة، ولا على صنف منهم. وإنما صح على المساجد والقناطر وإن كان تمليكاً " لأنه على المسلمين، لأنه يعود نفعه إليهم. (ويصح من ذمي على مسلم معين، وعكسه) أى: ومن مسلم على ذمي معين، لما روي " أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ وقفت على أخٍٍ لها يهو دي ". ولأن الذمي موضع للقربة لجواز الصدقة عليه. ولأن من جاز أن يقف عليه الذمي جاز أن يقف عليه المسلم. وعلى المذهب: يصح الوقف على الذمي (ولو) كان (اجنبياً) من الواقف. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، جزم به في " المغني ". و" الكافي " و" المحرر " و" الشرح" و" المنتخب " و" عيون المسائل " وغيرهم. قال في " الفائق ": ويصح على ذمي من أقاربه. نص عليه، وعلى غيره من معين في اصح الوجهين دون الجهة. وهو ظاهر ما قطيع به الحارثي. واطلق الوجهين في " الحاوي الصغير ". وقال الحلوإنى: يصح على الفقراء منهم دون غيرهم. وصحح في " الواضح " صحة الوقف من ذمي عليهم دون غيرهم (١) ٠ انتهى. (ويستمر) الوقف (له) أى: للذمي الموقوف عليه (إذا اسلم، ويلغو شرطه ما دام كذلك) يعني: لو وقف إنسان شيئاً على ذمي وشرط استحقاقه له

стр. 3094

ما دام ذمياً فأسلم بقي له وكان الشرط لاغياً، لأنه لو قيل بصحته لخرج الوقف عن كونه قربة. وفيه وجه. قلت: ويتوجه مثل ذلك ما لو وقف على زيد ما دام غنياً، أو على فلانة ما دامت متزوجة. وقيل: لا يشترط كون الوقف على بِرّ. بل المشترط: أن لا يكون على مكر وه. وقيل: المشترط أن لا يكون على جهة معصية. سواء كان قربة وثواباً أو لم يكن. فعلى هذا يصح الوقف على طائفة الأغنياء وطائفة أهل الذمة. وعلى كل من الأقوال (لا) يصح الوقف (على كنائس) جمع كنيسة. قال في " القاموس ": والكنيسة: متعبد اليهود أو النصارى أو الكفار. انتهى. (أو) على (بيوت نارٍ). واحدها بيب نار. وهو: للمجوس. (أو) على (بِيع) جمع بيعة بكسر الباء الموحدة: متعبد النصارى، (ونحوها)، كصوامع الرهبان. (ولو) كان الوقف (من ذمي)؛ لكون ذلك معصية. والمسلم والذمي في ذلك سواء. ولا يصح الوقف أيضا ً على من يعمرها؛ لأنه يُراد لتعظيمها. (بل على المار بها من مسلم أو ذمي)؛ لأن الوقف على المجتازين. والصدقة عليهم: جائزة وصالحة للقربة. وظاهر كلام المتن: أن الوقف على المار بها من أهل الذمة فقط: لم يصح. وهو كذلك. وهو المذهب. قال الحارثي: أن خصأهل الذمة فوقف على المارة منهم: لم يصح. وقدمه في " الفروع ".

стр. 3095

وقيل: بلى. وقاله في " المغني " في بناء بيت يسكنه المجتازمنهم. وحكى في " الموجز " رواية بصحة الوقف على كنيسة وبيعة. وفي " المنتخب " و" عيون المسائل " و" المغني ": يصح الوقف على أهل الذمة كالمسلمين. وصححه الحلواني على فقرائهم. وصححه في " الواضح " من ذمي عليهم وعلى بيعة وكنيسة. (ولا) يصح (على كَتْبِ التوراة والأنجيل) أى: كتابتهما أو كتابة شيء منهما؛ لأن كتابتها معصية، لكونها مبدلة منسوخة. ولذلك: غضب النبي لمجم حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة وقال: " أفي شك أنت يا ابن الخطاب؛ ألم ات بها بيضاء نقية. لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي " (١) . قلت: ويلحق بذلك كتب المبتدعة (٢) ؛ كالخوارج والقدرية ونحوهما. والله أعلم. (أو) على (حربي أو) على (مرتد). فلا يصح على وأحد منهما؛ لأن ملكه تجوز إزالته، والوقف يجب أن يكون لازماً. ولأن إتلاف أنفسهما والتضييق عليهما واجب فلا يجوز فعل ما يكون سبباً لبقائهما والتوسعة عليهما. وفي " الأنتصار ": لو نذر الصدقة على ذمية لزمه. نقله في " الفروع " واقتصر عليه. ويصح الوقف على الصرفية. وهم المشتغلون بالعبادات في غالب الأوقات المعرضون عن الدنيا؛ لأن ذلك جهة بِرّ. قال الشيخ تقي الدين: فمن كان منهم جماعا للمال، أو لم يتخلق بالأخلاق

стр. 3096

المحمودة ولا تأدب بالآداب الشرعية غالباً، أو فاسقاً: لم يستحق لإدآب وضعية- يعني: قد اصطلح على وضعها-. قال في " الفروع ": ولم يعتبر الحارثي الفقر. ويتوجه احتمال: لا يصح عليهم. ولهذا قال الشافعي: ما رأيت صوفياً عاقلاً إلا سلمان الخواص. وقال: لو أن رجلا تصوف من أول النهار لم يأت الظهر إلا وجدته أحمق. انتهى. ويصح وقف عبده على حجرة النبي ﷺ لإخراج ترابها وإشعال قناديلها وإصلاحها. لا لإشعالها وحده وتعليق (١) ستورها الحرير، والتعليق، وكنس الحائط، ونحو ذلك. ذكره في " الرعاية ". وابطل ابن عقيل وقف ستور لغير الكعبة، لأنه بدعة. وصححه ابن الزاغوانى فيصرف لمصلحته. ذكر ذلك ابن الصيرفي. وفي " فتاوى ابن الزاغوانى ": أو معصية لا ينعقد. وأفتى أبو الخطاب بصحته وينفى ثمنها على عمارته ولا يستر؛ لأن الكعبة خُصّت بذلك كالطواف. نقل ذلك في " الفروع ". وعلم مما تقدم أو لا يصح الوقف على قطَّاع الطريق ولا المغانى ولا المتمسخرين ولا لعاب الشطرنج أو النرد أو نحوهما من حيث الجهة. ويصح على رجل معين متصف بذلك. وإن شرط ما دام كذلك: لغا الشرط " كقوله في وقف على كافر: ما دام كافرا. وتقدم التنبيه على ذلك (٢) . وإن وقف على امرأة ما دامت عزباً: قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: اشتراط العزوبة باطل؛ لأن الوصف لسى قربة، ولتمييز الغنى عليه. وعلى هذا: هل يلغو الوصف ويعم، أو يلغو الوقف، أو يفرق بين أن يقف

стр. 3097

ويشترط، أنه يذكر الوصف ابتداء. فيلغى في الا شتراط ويصح الوقف؟ يحتمل أوجهاً. قاله في " الفائق ". انتهى. (ولا) يصح (عند الأكثر) أن يقف الإنسان ماله (على نفسه) في إحدى الروايتين. قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب وهو ظاهر كلام الخرقي. قال في " الفصول ": هذه الرواية اصح. قال الشارح: هذا اقيس. قال في " الرعايتين ": ولا يصح على نفسه على الأصح. قال الحارثي: وهذا الأصح عند أبي الخطاب وابن عقيل والمصنف، وقطع به ابن أبي موسى في " الإرشاد "، وأبو الفرج الشيرازي في " المبهج "، وصاحب " الوجيز " وغيرهم. نقل حنبل وابو طالب: ما سمعت بهذا، ولا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله. واختاره ابن عبدوس في " تذكرته ". وقدمه في " الفروع " و" شرح ابن رزين " و" الحاوي الصغير ". انتهى. ووجه هذا: أن الوقف تمليك إما للرقبة أو للمنفعة، وكلاهما لا يصح؛ لأن الإنسان لا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه؛ كما لا يجوز له أن يبيع ماله من نفسه. ولأن الوقف على نفسه إنما حاصله منع نفسه التصرف في رقبة الملك. فلم يصح ذلك؛ كما لو أفرده بأن يقول: لا أبيع هذا ولا أهبه ولا أورثه. وعلى هذه الرواية هل يصح الوقف على من جعله له بعده؛ كما لو قال: وقفت هذا على نفسي ثم على الفقراء. فيصح ويصرف على الفقراء ابتداء، أو يقع باطلا؛ فيه وجهان. بناء على الوقف المنقطع الابتداء. والصحيح منهما: أو يصح

стр. 3098

(وينصرف إلى من بعده في الحال). جزم به في " التنقيح " وتبعته عليه وقدمه في " المحرر ". ووجه ذلك: أن وجود ما لا يصح الوقف عليه كعدمه. فيكون كأنه وقف على من بعده ابتداء. فإن لم يذكر غير نفسه فملكه بحاله ويورث عنه. (وعنه: يصح) أن يقف الإنسان ماله على نفسه. نص الامام على ذلك في رواية إسحاق بن إبراهيم ويوسف بن موسى والفضل بن زياد. قال في " المذهب " و" مسبوك الذهب ": صح في ظاهر المذهب. قال الحارثي: هذا هو الصحيح. قال أبو المعالي في " النهاية " و" الخلاصة ": يصح على الأصح. قال الناظم: يجوز على المنصو ص من نص أحمد وصححه في " التصحيح " و" إدراك الغاية ". قال في " الفائق ": وهو المختار واختاره الشيخ تقي الدين ومال إليه صاحب " التلخيص " وجزم به في " المنور " و" منتخب الآدمي " وقدمه في " الهداية " و" المستوعب " و" الها دي " و" الفائق " وغير هم. وقدمه المجد في " مسودته على الهداية ". قال (المنقح) في " التنقيح ": (اختاره جماعة، وعليه العمل. وهو أظهر). وعبارته في " الإنصاف ": قلت: وهذه الرواية عليها العمل في زمننا وقبله عند حكامنا من أزمنة متطاولة. وهو الصواب. وفيه مصلحة عظيمة وترغيب في فعل الخير. وهو من محاسن المذهب. انتهى. قال في " المغني ": ونقل جماعة: أن الوقف صحيح. اختاره أين أبي موسى.

стр. 3099

قال ابن عقيل: وهي أصح. وهو قول ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبي يوسف وابن شريح؛ لما ذكرنا فيما إذا اشترط أن يرجع إليه شيء من منافعه. ولأنه يصح أن يقف وقفا عاما فينتفع به، كذلك إذا خص نفسه بأنتفاعه. والأول أقيس. انتهى. قال في " الفروع ": ومتى حكم به حاكم حيث يجوز له الحكم فظاهر كلامهم ينفذ حكمه ظاهرا، وإن فيه في الباطن الخلاف. وفي " فتاوى أبي عمرو ابن الصلاح ": فيما إذا حكم به حنفي وإنفذه شافعي: للواقف نقضه إذا لم يكن ذلك الصحيح في مذهب أبي حنيفة، وإلا جاز له نقضه في الباطن فقط. بخلاف صلاته بالمسجد وحده حياته؛ لعدم القربة والفائدة فيه. ذكره ابن شهاب وغيره. انتهى. ويؤخذ من قوله: فظاهر كلامهم ينفذ حكمه ظاهراً بعد تقديمه عدم صحة جواز القضاء بالمرجوج من الخلاف. والله أعلم. (وإن وقف) إنسان شيئاً (على غيره، واستثنى غلتها أو بعضها له) أى: للواقف، (أو) استثناها أو بعضها (لولده) أى: لولد (١) الواقف، (أو) استثنى (الأكل) منه، (أو) استثنى (الأنتفاع) لنفسه أو (لأهله، أو) اشترط أو (يُطعم صديقه) مدة (حياته أو مدة معينة: صح) الوقف والشرط في الجميع (٢) . قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: يَشترط في الوقف أنى أنفق على نفسي واهلي منه؟ قال: نعم. واحتج قال: سمعت ابن عيينة عن ابن طاووس عن أبيه عن حجر المدري " أن في صدقة رسول الله ﷺ أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر".-.- وبذلك قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وابو يوسف والزبيري وابن سريج.

стр. 3100

ولنا أيضاً: أن عمر رضي الله تعالى عته لما وقف قال: " لا جناج على من وليها أن ياً كل منها أو يطعم صديقاً غير متمول فيه " (١) . وكان الوقف في يده إلى أن مات. ولأنه إذا وقف وقف عاما، كالمساجد والسقأىات والرباطات والمقابر فإن له الأنتفاع بذلك وكذلك هاهنا. وسواء في ذلك إطلاق ما يؤكل منه وتقديره. فإن عمر لم يقدر ما يأكل الولي ويطعم منه إلا بقوله بالمعروف. وفي حديث صدقة رسول الله ﷺ : أنه شرط أن يأكل أهله منها بالمعروف غيرالمنكر. وإن وليها أحد من أهل هـ كان له ذلك؛ لى " أن حفصه بنت عمر كانت تلي صدقته بعد موته ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر ". (فلو مات) من استثنى نفع ما وقفه مدة معينة (في أثنائها: فلورثته)، كما لو باع داراً واشترط أن يسكنها سنة فمات في اثنائها. (وتصح إجارتها) أى: إجارة المدة المستثنى نفعها من الموقوف عليه. وغيره. قاله في " الإنصاف ". وقيل: لا يصح الشرط. وقيل: ولا الوقف. (ومن وقف على الفقراء فافتقر: تناول منه). قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه في رواية المروذ ي. قال فى " التلخيص ": هذا ظاهر كلام اصحابنا. قال الحارثي: هذا الصحيح. قال في " الفروع " و" الرعاية ": شمله في الأصح.

стр. 3101

قال في " القواعد الأصولية والفقهية ": يدخل على الأصح من المذهب. انتهى. والمراد بقوله: تناول منه جواز التناول منه لا تعينه. ووجه ذلك: وجود الوصف الذي هو الفقر فيه. وقيل: لا يباح له ذلك. وهو احتمال في " التلخيص ". وفيل: أن قلنا بصحة الوقف على النفس أبيح له الأخذ منه، وإلا فلا " لأنه لا يتناول بالخصوص. فلا يتناول بالعموم بطريق الأولى. (ولو وقف) إنسان (مسجداً، أو مقبرةً، أو بئراً، أو مدرسةً للفقهاء، أو لبعضهم) أى: نوع منهم " كعلى الحنابلة أو الشافعية، (أو رباطاً للصوفية مما يعم: فهو) أى: الواقف لذلك (كغيره) في الأنتفاع به " لما روي أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه " سبَّل بئر رومة وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين " (١) . قال الحارثي: له ذلك من غير خلاف. انتهى. الشرط (الثالث) من شروط صحة الوقف: (كونه على معين) من جهة أو شخص (يملك) ملكاً (ثابتاً) " كعلى زيد، أو كعلى المسجد الأقصى. أما كون الوقف لا يصح على غير معين، فلأنه تمليك. وهو لا يصح لمجهول، كالهبة. واما كونه لا يصح على من لا يملك ملكاً ثابتاً؛ فلأن الوقف يقتضي تحبيس الأصل تحبيسا لا تجوز إزالته. ومن ملكه غير ثابت تجوز إزالته. ثم لما كان للتعيين محترزات وهما الجهل والإبهام أخذ في تبيينها بقوله: (فلا يصح) أى: الوقف (على) شيء (مجهول، كرجل) لصدقه على كل رجل، (ومسجد) لصدقه على كل مسجد.

стр. 3102

قال في " الإنصاف " عن كون الوقف لا يصح على رجل ومسجد: بلا نزاع. انتهى. ووجهه: ما تقدم. (أو) على (مبهم،) قوله: وقفت داري على (أحد هذين) الرجلين، أو أحد ابني هذين، أو على أحد هذين المسجدين، أو على أحد هاتين القبيلتين؛ لتردده، كما لو قال: بعتك أحد هذين الثوبين. أو وهبتك احدهما. وقيل: يصح مطلقاً. وهو احتمال في " الرعاية ". وقيل: يصح أن قلنا أن الوقف لا يفتقر إلى قبول. وهو مخرج من القول بالصحة في وقفت أحد هذين الدارين. وعلى القول بالصحة في المبهم يخرج بالقرعة. وقوله:) (أو لا يملك) محترز قوله: يملك. فلا يصح على حيوان لا يملك؛ (كقن، وام ولد، ومَلَك) بفتح اللام أحد الملائكة، (وبهيمة). قال أحمد: فيمن وقف على مماليكه: لا يصح الوقف حتى يعتقهم؛ وذلك لأن الوقف تمليك. فلا يصح على من لا يملك. فإن قيل: فقد جوزتم الوقف على المساجد والسقأىات وأشباهها وهي لاتملك .. فلنا: الوقف هناك على المسلمين إلا أنه عين في نفع خاص لهم. فإن قيل: فينبغي أن يصح الوقف على الكنائس ويكون الوقف على أهل الذمة. قلنا: الجهة التي عين صرف الوفف فيها ليست نفعاً بل هي معصية محرمة يزدادون بها عقابا وإثماً. بخلاف المساجد. وقيل: يصح الوقًف على القن على القول بأنه يملك. وفي ذلك روايتان.

стр. 3103

قال في " القواعد الفقهية ": الأكثرون على أنه لا يصح الوقف على العبد على الروايتين لضعف ملكه. انتهى. وقيل: يصح عليه. سواء قلنا يملك أو لا. ويكون لسيده. واختاره الحارثي. قاله في " الإنصاف ". وأما أم الولد فالصحيح أنها كالقن. كما هو مجزوم به في المتن. قال في " الإنصاف ": لا يصح الوقف على أم الولد، على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. واختار الحارثي: الصحة. وقال الشيخ تقي الدين: يصح الوقف على أم ولده بعد موته. وإن وقف على غيرها، على أن ينفق عليها مدة حياته، أو يكون الريع " لها مدة حياته: صح. فإن استثناء المنفعة لأم ولده كاستثنائها لنفسه. وإن وقف عليها مطلقا. فينبغي أن يقال: أن صححنا الوقف على النفس: صح؛ لأن ملك ام ولده أكثر ما يكون بمنزلة ملكه. وإن لم نصححه. فيتوجه أن يقال: هو كالوقف على العبد القن. ويتوجه الفرق بأن أم الولد لا تملك بحال. وفيه نظر. وقد يخرج على ملك العبد بالتمليك. فإن هذا نوع تمليك لأم ولده. بخلاف العبد القن فإنه قد يخرج عن ملكه. فيكون ملكاً لعبد الغير. وإذا مات السيد: فقد تخرج هذه المساً لة على مسألة تفريق الصفقة؛ لأن الوقف على أم الولد يعم حال رقها وعتقها. فإذا لم يصح في إحدى الحالين: خرج في الحال الأخرى وجهان. وإن قلنا: أن الوقف المنقطع الابتداء يصح. فيجب أن يقال ذلك، وإن قلنا: لا (١) يصح، فهذا كذلك. انتهى. وأما البهيمة فلا قائل بأنها تملك فهي كالميت في عدم صحة الوقف عليها.

стр. 3104

قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الأصحاب. واختار الحارثي: الصحة. وقال: وهو الأظهر عندي؛ كما في الوقف على القنطرة والسقاية وينفق عليها. انتهى. (و) كذلك الوقف على (حمل أصالة)؛ كوقفت داري على ما في بطن هذه المرأة فإنه لا يصح الوقف. قال في " الفروع ": بناء على أنه تمليك إذاً، وأنه لا يملك. وفيهما نزاع. وصححه ابن عقيل والحارثي لحمل (١) وفاقا لمالك كوصية له وفاقاً. انتهى. وكذا الوقف على المعدوم؛ (كعلى من سيولد لي أو) على من سيولد (لفلان): فإنه لا يصح. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به القاضي في " خلافه " وغيره. وقدمه في " الفروع " وغيره. وصححه المصنف في " المغني " وغيره. ذكره المصنف: في مسألة الوصيه لمن تحمل هذه المرأة. وقال المجد: ظاهر كلام أحمد: صحته. ورده ابن رجب. انتهى. وعلم من قوله: وحمل أصالة أن للحمل صورتان: إحداهما (٢) : أن يوقف عليه بطريق الأصالة. وتقدمت الإشارة إلى ذلك. والأخرى: أن يوقف عليه بطريق التبعية. وإلى ذلك أُشير بقوله: (بل تبعاً) فول الواقف: وقفت هذه الدار (على أولادي، أو) على (أولاد فلان، و) أى: في أولاده أو في أولاد فلان (حمل) فإن الوقف يشمله. (فيستحق) هذا (بوضع. وكل حمل من أهل وقف: من ثمر وزرع. ما يستحقّه مشتر) لشجر وارض عن ثمر وزرع.

стр. 3105

قال ابن رجب: قاعدة تمليك المعدوم والإباحة له نوعان: أحدهما: أن يكون بطريق الأصالة. فالمشهور: أنه لا يصح. والثانى: أن يكون بطريق التبعية. فيصح في الوقف والإجارة. وهذا إذا صرح بدخول المعدوم. فأما أن لم يصرج وكان المحل (١) لا يستلزم المعدوم ففي دخوله خلاف. وكذا لو أنتقل الوقف إلى قوم فحدث من يشاركهم. ويتخرج على هذه القاعدة مسائل. ثم قال: ومنها: الوقف على ولده وولد ولده أبداً أو من (٢) يولد له: فيصح بغير إشكال. نص عليه. ومنها: لو وقف على ولده وله أولاد موجودون ثم حدث له ولد اخر ففي دخوله روايتان. وظاهر كلام أحمد دخوله في المولود قبل تأبير النخل. وقد سبق. وهو قول ابن أبي موسى أيضاً، وظاهر كلام القاضي وابن عقيل، وأفتى به ابن الزاغونى. انتهى. لكن قو له: وظاهر كلام أحمد … إلى اخره مرجوج، والمنصوص:. أنه يستحق من الزرع والثمر ما يستحقّه مشترٍ كما في المتن. قال في " الإنصاف ": تجدد حق الحمل بوضعه من ثمر وزرع كمشترٍ. نقله المروذي وجزم به في " المغني " و" الشرح" والحارثي. وقال: ذكره الأصحاب في الأولاد وقدمه في " الفروع ". ونقل جعفر: يستحق من زرع قبل بلوغه الحصاد، ومن نخل لم يؤبر. فإن بلغ الزرع الحصاد أو أبر النخل لم يستحق منه شيئاً. وقطيع به في " المبهج " و" القواعد ". وقال: وكذلك الأصحاب صرحوا بالفرق بين (٣) المؤبر وغيره

стр. 3106

هنا. منهم ابن أبي موسى والقاضي وأصحابه معللين بتبعية غير المؤبر في العقد. فكذا في الاستحقاق. وقال في " المستوعب ": يستحق قبل حصاده. وقال الشيخ تقي الدين: الثمرة الموجوده عند التاًبير أو بدو الصلاح. انتهى. (وكذا) أى: وكالحمل في تجدد الاستحقاق (من) أى: إنسان (قدم إلى) ثغر (موقوف عليه فيه) أى: في ذلك المكان، (أو خرج منه إلى مثله. إلا أن يشرط لكل زمن من قدر معين فيكون له بقسطه). قال في " الفروع ": ويشبه الحمل أن قدم إلى ثغر موقوف عليه، أو خرج منه إلى بلد موقوف عليه فيه. نقله يعقوب. وقياسه: من نزل في مدرسة ونحوه (١) . وقال ابن عبد القوي: ولقائل أن يقول ليس كذلك؛ لأن واقف المدرسة ونحوها جعل ريع الوقف في السنة كالجُعْل على اشتغال من هو في المدرسه عاما. فينبغي أن يستحق بقدر عمله من (٢) السنة من ريع الوقف في السنة؛ لئلا يفضي إلى أن يحضر الإنسان شهراً مثلاً فيأخذ مغل جميع الوقف ويحضر غيره باقي السنة بعد ظهرر الثمرة فلا يستحق شيئا. وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقا صدها. انتهى. قال الشيخ تقي الدين: يستحق بحصته من مغله. وقال: من جعله كالولد فقد اخطأ. انتهى. وقوله: (أو يملك لا ثابتاً) هو محترز قوله: يملك ثابتا فإن من ملكه غير ثابت؛ (كمكاتب) لا يصح الوقف عليه. قال في " المغني ": ولا يصح الوقف على المكاتب وإن كان يملك؛ لأن ملكه غيرمستقر.

стр. 3107

وقيل: يصح. اختاره الحارثي. وقطع بالأول جماعة. وقال في " الإنصاف ": أن الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأ صحاب. الشرط (الرابع) من شروط صحة الوقف: (أن يقف ناجزاًً) أى: غير معلق (١) أو مؤقت أو مشروط فيه الخيار أو نحوه، كأن يبيعه أو يهبه أو يحوله عن جهته متى شاء. وسيأتي الكلام على ذلك في المتن. (فلا يصح تعليقه) على شرط في الحياة. سواء كان التعليق لابتدائه، كقوله: إذا قدم زيد أو ولد لي ولد أو جاء رمضان فداري وقف على كذا. أو كان التعليق لأنتهائه " كقوله: داري وقف على كذا إلى أن يحضر زيد أو يولد لي ولد أو نحو ذلك " لأنه نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسرأىة. فلم يجز تعليقه بشرط في الحياة، كالهبة. قال في " الفروع ": ولا يصح معلقا بشرط. وفيه وجه. قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن المذهب: لا يصح تعليقه بمثرط: وقيل: يصح. واختاره الشيخ تقي الدين وصاحب " الفائق " والحارثي. وقال: الصحة أظهر. ونصره. وقال ابن حمدان- من عنده- أن قيل: الملك لله تعالى: صح التعليق، وإلا فلا. انتهى. وقال في " المغني ": في تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة: أو لا يجوز. لا نعلم فيه خلافاً. وحكى في تعليق أنتهائه على شرط وجهين. (إلا) أن علق الواقف الوقف (بموته) بأن قال: هو وقف بعد مونى فإنه يصح.

стр. 3108

قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. ووجه ذلك: أنه تبرع مشروط بالموت. فصح؛ كما لو قال: قفوا داري على جهة كذا بعد موتي. وقال أبو الخطاب في " الهداية ": لا يصح. قال في " المغني ": ولنا على صحة الوقف المعلق بالموت ما احتج به الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه "أن عمر وصى فكان في وصيته هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين أن حدب به حدب (١) أن ثمغاً صدقة " (٢) . وذكر بقية الخبر. وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، ورواه أبو داود بنحو من هذا. وهذا نص في مسألتنا. ووقفه هذا كان بأمر النبى ﷺ . ولأنه اشتهر في الصحابة. فلم ينكر فكان إجماعاً. " ولأن هذا تبرع معلق بالموت. فصح، كالهبة والصدقة المطلقة. أو نقول صدقة معلقة بالموت. فأشبهت غير الوقف. ويفارق هذا التعليق على شرط في الحياة. بدليل الصدقة والهبة المطلقة وغيرهما " وذلك لأن هذا وصية والوصية أوسمع من التصرف في الحياة. بدليل جوازها بالمجهول والمعدوم وللمجهول والحمل وغير ذلك. وبهذا يتبين فساد قياس من قاس على هذا الشرط بقية الشروط. انتهى. وقيل: لا يصح. والثمَغ: بمئلثة ومعجمة وميم مفتوحة بينهما. قال في " القاموس ": وثمغ بالفتح: مال بالمدينة لعمر وقفه. (و) على المذهب ة (يلزم) الوقف (من حينه) أى: من حين قوله: هو وقف بعد موتي.

стр. 3109

قال ابن رجب في القاعدة الثانية والثمأنين: وأما عقود غير التملكات المنجزة فنوعان: احدهما: ما يؤول إلى التمليك. فما كان منه لازماً لا يستقل العاقد أو من يقوم مقامه بإبطاله من غير سبب. فإنه يتبع فيه النماء المنفصل من العين وغيرها ويندرج في ذلك صور. ثم ذكر مسائل. ثم قال: ومنها المعلق وقفها بالموت أن قلنا: هو لازم. وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميمونى: صارت كالمستولدة. فينبغى أن هما ولدها، وإن قلنا: ليس بلازم، وكلام أحمد في اخر رواية الميمونى يشعر به حيث قال: أن كان يتاًول ويُشبَّههُ بالمدبر- يعني: أنه يبيعه- فهل يتبعه الولد كالمدبرة أو لا يتبع " لأن الوقف تغلب فيه شائبة التمليك. فهو كالموصى به؛ يحتمل وجهين. انتهى. وعبارته في " الإنصاف ": قال الحارثي: كلام الأصحاب يقتضي أن الوقف المعلق على الموت، أو على شرط في الحياة: لا يقع لازماً قبل وجود المعلق عليه، لأن ما هو معلق بالموت وصية، والوصية في قولهم لا تلزم قبل الموت، والمعلق على شرط في الحياة في (١) معناها. فيثبت فيه مثل حكمها في ذلك. قال: والمنصوص عن أحمد في المعلق على الموت هو: اللزوم. قال الميموني في " كتابه ": سألته عن الرجل يوقف على أهل بيته، أو على المساكين بعده فاحتاج إليها، أىبيع على قصة المدبر؟ فابتدأنى أبو عبد الله بالكراهة لذلك. فقال: الوقوف إنما كانت من أصحاب النبي ﷺ على أن لا يبيعوا ولا يهبوا. قلت: فمن شّبهه وتاًول المدبر عليه. والمدبر قد يأتي عليه وقت ويكون فيه

стр. 3110

حراً، والوقوف إنما هي (١) شيء وقفه بعده. وهو ملك الساعة (٢) . قال لي: إذا كان يتأول. قال الميموني: وإنما ناظرته بهذا؛ لأنه قال لي: المدبر ليس لأحد فيه شيء. وهو ملك الساعة. وهذا شيء وقفه على قوم مساكين فكيف يحدث به شيئا؛ فقلت: هكذا الوقوف. ليس لأحد فيها شيء، الساعة هو ملك. وإنما استحق بعد الوفاة كما أن المدبر الساعة ليس بحر، ثم ياً تي عليه وقت يكون فيه حرا. انتهى كلام الميمونى. قال صاحب " الإنصاف ": فنص أحمد على الفرق بين الوقف بعد الموت وبين المدبر. قال الحارثي: والفرق عسر جداً. وتابع في " التلخيص " المنصر صفقال: أحكام الوقف خمسة: منها: لزومه في الحال. أخرجه مخرج الو صية أو لم يخرجه، وعند ذلك ينقطع تصرفه فيه. قال صاحب " الإنصاف " وشيخنا ﵀ (٣) في حواشي " المحرر ": لما لم يطلع على نص أحمد رد كلام صاحب " التلخيص " وتأوله، اعتماداً على أن المسألة ليس فيها منقول. مع أنه وافق الحارثي على أن ظاهر كلام الأصحاب: لا يقع الوقف والحالة هذه لازماً. انتهى كلام صاحب " الإنصاف ". فعلم مما تقدم أن المذهب اللزوم؛ لكونه ظاهر النص، وإن فيه احتمالاً ماًخوذاً من قوله: إذا كان يتأول. والله أعلم. (ويكون) الوقف المعلق بالموت معتبراً (من ثلثه) أى: ثلث مال الواقف؛ لأنه في حكم الو صية. فإن خرج. من الثلث لم يكن لأحد من الورئة ولا من غيرهم رد شيء، وإن زاد على الثلث: لزم الوقف منه في قدر الثلث، ووقف الز ائد على إجازة الورثة.

стр. 3111

قال في " المغني ": لا نعلم في هذا خلافاً عند القائلين بلزوم الوقف. (وشرط بيعه) أى: شرط الواقف بيع الوقف، (أو) شرط (هبته متى شاء، أو) شرط (خيار فيه، أو توقيته)، كما لو قال: وقفته يوماً أو شهراً أو سنه أو نحو ذلك، (أو تحويله) " كما لو قال: وقفت داري على كذا على أن أحولها عن هذه الجهة، أو عن الوقفية بأن أرجع فيها متى شئت: (مبطل) للوقف، لأنه ينافي مقتضاه. قال في " الإنصاف ": لو شرط في الوقف أن يبيعه أو يهبه أو يرجع فيه متى شاء: بطل الشرط والوقف في أحد الأوجه. وهو الصحيح من المذهب. نص عليه. وقدمه في " الفروع " و" شرح الحارثي " و" الفائق " و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير ". قال المصنف في " المغني ": لا نعلم فيه خلافاً. ويل: يبطل الشرط دون الوفف. وهو تخريج (١) من البيع، وما هو ببعيد. وقال الشيخ تقي الدين: يصح في الكل. نقله عنه في " الفائق "، ثم قال: لو شرط الخيار في الوقف فسدا. نص عليه وهو المذهب. وخرج فساد الشرط وحده من (٢) البيع. قال الحارثي: وهو أشبه. انتهى كلامه في " الإنصاف ".

стр. 3112

[فصل: فيما لا يشترط للزوم الوقف] (فصل. ولا يشترط للزومه) أى: الو قف (إخراجه) أى: المو قوف (عن يده) أى: الواقف. نص عليه، لحديث عمر رضي الله تعالى عنه. فإنه نقل أن وقفه كان بيده إلى أن مات. ولأن الوقف تبرع يمنع البييع والهبة. فلزم بمجرد اللفظ " كالعتق. وعنه: بلى؛ لأنه تبرع بمال لم يخرجه عن المالية. فلم يلزم بمجرد اللفظ " كالهبة. وأجيب عن ذلك: بأن الهبة تمليك مطلق، والوقف. تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. فهو بالعتق اشبه. فإلحاقه به أولى. وعلم مما تقدم أن إخراجه عن يده إذا لم يشترط للزومه فعدم اشتراطه لصحة الوقف من باب أولى. ومن الأ صحاب من حكى الروايتين فى اشتراط ذلك لصحة الوقف. وحكاهما الأكثر في اشتراط ذلك للزومه. قال ابن رجب في القاعدة التاسعة والأربعين: وأما الوقف ففي لزومه بدون إخراج الو قف عن يده روايتان معروفتان. انتهى. وعلى القول بالاشتراط فيعتبر تسليمه إلى ناظر يقوم به. ولو شرط نظره لنفسه. قال في " الفروع ": سلمه ليد غيره ثم أرتجعه نقلاً عن الأصحاب. قال الحارثي: ولنا التسليم إلى من يُنصّبه هو. فالمنصوب إما غير ناظر

стр. 3113

فوكيل محض يده كيده، وإما ناظر فالنظر لا يجب شرطه لأجنبي. فالتسليم إلى الغير غير واجب. انتهى. نقله عنه في " الإنصاف "، ثم قال: قلت: وهذا هو الصواب. انتهى. وقال الحارثي أيضاً: وبالجملة فالمساجد والقناطر والآبار ونحوها تكفي التخلية بين الناس وبينها من غير خلاف. والقياس يقتضي التسليم إلى المعين الموقوف عليه إذا قيل بالأنتقال إليه، وإلا فإلى الناظر أو الحاكم. انتهى. (ولا) يشترط (فيما) وقف (على) شخص (معين قبوله) للو قف. قا ل في " الإنصاف ": وهو المذهب. قال في " الكافي ": هذا ظاهر المذهب. قا ل الشارح: هذا أولى. قال الحارثي: هذا أقوى. وقطع به القاضي وابن عقيل. قال في " الفائق ": لا يشترط في أصح الوجهين. وصححه في " التصحيح "، وجزم به في " الوجيز " و" المنور ". وقدمه في " المحرر " و" الفروع ". ووجه ذلك: أن الوقف إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث. فلم يعتبر فيه القبول؛ كالعتق. وقيل: بلى؛ كهبة ووصية. ورد: بالفرق بينه وبينهما (١) بأن الوقف لا يختص المعين بل يتعلق به حق من يأتي من البطون في المستقبل فيكون الوقف على جميعهم، إلا أو مرتب فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد وأحد منهم ولا يقف على قبوله والوصية للمعين بخلافه.

стр. 3114

وقال ابن منجى في " شرحه " بعد تعليل الوجهين: والأشبه أن يبنى ذلك على أن (١) الملك هل ينتقل إلى الموقوف عليه أم لا؟ فإن قيل: بالأنتقال، قيل: باشتراط القبول (٢) ، وإلا فلا. وقال في " الرعايتين ": قلت: أن قلنا هو لله لم يعتبر القبول. وإن قلنا هو للمعين والجمع المحصور اعتبر فيه القبول. قال الحارثي: وفي ذلك نظر. فإن القبول أن أُنيط بالتمليك فالوقف لا يخلو من تمليك. سواء قيل بالامتناع أو عدمه. قال (٣) الزركشي: والظاهر أن الخلاف على القول بالأنتقال. إذ لا نزاع بين الأصحاب: أن الأنتقال إلى الموقوف عليه هو المذهب، مع اختلافهم في المختار هنا. انتهى. وعلم مما تقدم أن الوقف لو كان على غير معين لا يشترط له القبول من باب أولى. وذكر الناظم احتمالاً أن نائب الإمام يقبله. (و) على الأول) لا يبطل) الوقف على ادمي معين (برده) للوقف. فقبوله ورده وعدمهما سواء في الحكم. وعلى الثانى: إن لم يقبله أو رده بطل في حقه دون من بعده " لأن المبطل إنما وجد في الأول. فاختص به، وكان كما لو وقف على من لا يجوز" كالمرتد، ثم على من يجوز، كالمساكين يصرف في الحال إلى من بعده. وفيه وجه اخر: أنه إن كان من لا يجوز الوقف عليه يعرف أنقراضه كعبده فلأن صرف إلى مصرف الوقف المنقطع إلى أن ينقرض ثم يصرف إلى من بعده. وعلى القول باشتراط القبول فقال الحارثي: يشترط اتصال القبول

стр. 3115

بالإيجاب (١) . فإن تراخى عنه بطل كما يبطل في البيع والهبة. وعلله. ثم قال: وإذا علم هذا فيتفرع عليه عدم اشتراط القبول من المستحق الثانى والثالث ومن بعد لتراخي استحقاقهم عن الآيةجاب. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين: إذا اشترط القبول على المعين فلا ينبغي أن يشترط المجلس. بل يلحق بالوصية والوكالة. فيصح معجلاً ومؤجلاً بالقول والفعل فأخذ ريعه قبول. وقطع (٢) واختار في القاعدة الخامسة والخمسين: أن تصرف الموقوف عليه المعين يقوم مقام القبول بالقول. (ويتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة) من قبل الواقف له نصاً. نقله الجماعة وقطع به أكثر الأصحاب؛ لأن تعيين الواقف لها صرفٌ عما سواها. (فلو سبّل ماء للشرب: لم يجز الوضوء به)؛ لأنه لو لم يجب اتباع تعيينه لم يكن له فائدة. وقيل: يجوز الوضوء مما سبل للشرب. قال في " الفروع ": فشرب ماء للوضوء يتوجه عليه وأولى. وقال الآجري: في الفرس الحبيس: لا يعيره ولا يؤجره إلا لنفع الفرس، ولا ينبغي أن يركبه في حاجة إلا لتأديبه وجمال للمسلمين ورفعة لهم أو غيظة. للعدو. وعنه: يجوز إخراج بسط المسجد وحصره لمن ينتظر الجنازة. وسئل عن التعليم بسهام الغزو فقال: هذا منفعة للمسلمين، ثم قال: أخاف أن تكسر. قال في " الإنصاف ": وأما ركوب الدابة لعلفها وسقيها فيجوز. نقله الشالنجي وجزم به في " الفروغ " وغيره. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح ضنه.

стр. 3116

وإن اختلف ذلك باختلاف (١) الأزمان. حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد (٢) صرف للجند. انتهى. (و) الوقف إذا كان (منقطع الابتداء) فقط؛ كمن وقف على عبده ثم على ولده ثم على المساكين: (يصرف في الحال إلى من بعده) أى: بعد ما هو منقطع منه. فيصرف في الحال إلى ولد الواقف. (و) يصرف (منقطع الوسط) فقط بعد من يجوز الوقف عليه؛ كمن وقفط على ولده ثم على عبده ثم على المساكين (إلى من بعده) أى: بعد ما هو منقطع منه. فيصرف بعد موت الولد إلى المساكين؛ لأن الواقف قصد صيرورة الوقف إلى الوسط أو للاخر في الجملة ولا حالة يمكن أنتظارها. فوجب الصرف إليه؛ لئلا يفوت غرض الواقف ولكيلا تبطل فائدة الصحة. ولأن وجود من لا يصح الوقف عليه كعدمه. يكون كاً نه وقف على الجهة الصحيحة من غير ذكر الباطلة. ولأننا لما صححنا الوقف مع ذكر من لا يجوز الوقف عليه فقد ألغيناه. ف نه يتعذر التصحيح مع اعتباره. وقيل: أن كان من لا يجوز الوقف عليه يمكن اعتبار أنقراضه كما مثلنا: صرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع. إلى أن ينقرض من لا يجوز الوقف عليه. فإذا أنقرض صرف إلى من بعده. وبنى بعض الأصحاب (٣) صحة الوقف على تفريق الصفقة. فأجرى وجهاً (٤) ببطلانه من أصله. (و) يصرف الوقف الذي هو منقطع (الآخر بعد من يجوز الوقف عيه)؛

стр. 3117

لو قال: وقفت هذه الدار على زيد ولم يزد على ذلك، أو قال: وقفتها على زيد ثم على الكنائس. (وما وقفه وسكت)؛ كما لو قال: وقفت هذه الدار ولم يسم مصرفاً: صحيح؛ لأن مقتضى الوقف التأبيد. فيحمل على مقتضاه ولا يضر تركه ذكر مصرفه. ولأن الإطلاق إذا كان له عرف صح وحمل عليه وعرف المصرف هاهنا أولى الجهات به. فكاً نه عينهم لصرفه. ويفرق بين هذا (١) وبين ما إذا عين جهة باطلة؛ كقوله: وقفت على الكنيسة ولم يذكر بعدها جهة صحيحة: بأن الإطلاق في الصورة الأولى يفيد مصرف البر؛ لخلو اللفظ عن المانع منه. بخلاف الصورة الثانية فإنه عين المصرف الباطل واقتصر عليه. ويصرف ريعه (إلى ورثته) أى: الواقف (نسباً) أى: من النسب. فلا يصرف إلى من يرثه بولاء ولا بنكاح (٢) . ويكون ريعه موزعا عليهم (على قدر إرثهم) من الواقف. جزم بذلك في " الفروع " وغيره. حال كون ذلك (وقفاً) عليهم. فلا يملكون نقل الملك في رقبته. وإنما يستحقون ريعه على سبيل البر؛ لأن الوقف مصرفه البر وأقاربه الوارثون له أولى الناس ببره؛ لقوله ﷺ : " أنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " (٣) . ولقوله ﷺ : " صدقتك على غير رحمك صدقة. وصدقتك (٤) على رحمك صدقة وصلة " (٥) .

стр. 3118

ولأنهم أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات. فكانوا أولى بصدقته المنقولة. ولأن ورثته أولى الناس بماله. فسبيل غلة وقفه سبيل ماله؛ لأنه إنما وقف الأصل دون النماء. فإذا لم يعين للغلة مصرفاً أو عين مصرفاً لا يجوز صرفها إليه: كانت لورثته؛ كسائر ما له. وعنه: يكون وقفاً مصروفاً ريعه إلى أقر ب عصبته غنيهم وفقيرهم. وقيل: يختص به فقراء الورثة والعصبة. وعنه: أو للورثة ملكاً. وعنه: أو لأقر ب العصبة ملكاً. وعنه: يكون وقفاً مصروفاً ريعه في المصالح. وعنه: للفقراء. وعنه: يرجع إلى ملك واقفه الحي. ونقل حرب: أو قبل ورثته لورثة الموقوف عليه. ونقل المروذي: أن وقف على عبيده لم يستقم. قلت: فيعتقهم؛ قال: جائز. فإن ماتوا ولهم أولاد فلهم، وإلا فللعصبة. فإن لم تكن بيع وفرق على الفقراء. وقال القاضي واصحابه فيما إذا قال: وقفت هذه الدار ولم يزد على ذلك: أن ريعها يصرف في وجوه البر. وفي " عيون المسائل ": فيها، وفي تصدقت به: أو يكون لجماعة المسلمين .. (و) على الأول وهو كونه يرجع إلى ورثة الواقف وقفا (يقع الحَجْبُ بينهم ) وقوعه في (إرث).

стр. 3119

قال القاضي: فللبنت مع الابن الثلث وله (١) الباقي. وللأخ من الأم ح الأخ للأب السدس وله ما بقي. وإن كان جد وأخ قاسمه. وإن كان أخ وعم أنفرد به الأخ. وإن كا ن عم وابن عم أنفرد به العم. قال الحارثي: وهذا تخصيص بمن يرث من الأقارب في حالٍ دون حال، وتفضيل لبعضٍ على بعض. وهو لو وقف على أقاربه لما قالوا فيه بهذا التخصيص والتفضيل. وكذا لو وقف على أولاده أو أولاد زيد لا يفضل فيه الذكر على الأنثى وقد قالوا هنا إنما ينتقل إلى الأقارب وقفاً. نقله عنه في " الإنصاف "، ثم قال: فظاهر كلامه: أنه مالَ إلى عدم المفاضلة وما هو ببعيد. (فإن عُدموا) بأن لم يكن للواقف وارث (فللفقراء والمساكين) وقفا عليهم. قاله (٢) أكثر الأصحاب؛ لأن القصد بالوقف الثواب الجاري على وجه الد وام. وإنما قدمنا الأقارب على المساكين؛ لكونهم أولى. فإذا لم يكونوا فالمساكين أهل لذلك فصرف إليهم. قال في " المغني ": إلا على قول من قال: أنه يصرف إلى ورثة الواقف ملكاً لهم فإنه يصرف عند عدمهم إلى بيت المال؛ لأنه بطل الوقف فيه بأنقطاعه وصار ميراثاً لا وارث له. فكان بيت المال به أولى. انتهى. (ونصه) أى: الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه في رواية ابن إبراهيم وأبي طالب وغيرهما: أو يصرف (في مصالح المسلمين) فيرجع إلى بيت المال. (ومتى أنقطعت الجهة والو اقف حي: رجع إليه وقفاً) يعني: ومتى قلنا يرجع إلى أقارب الواقف وقفا وكان الواقف حيا هل يرجع إليه؟ على روايتين. قال ابن رجب: حكاهما ابن الزاغونى في " الإقناع "، وجزم ابن عقيل في

стр. 3120

" المفردات " بدخوله. وكذلك لو وقف على أولاده وأنسالهم أبداً على أن من توفي منهم من غير ولد رجع نصيبه إلى أقر ب الناس إليه فتوفي أحد أولاده من (١) غير ولد والأب الواقف حي فهل يعود نصيبه إليه؛ لكونه أقر ب الناس إليه أو (٢) لا؟ يخرج على ما قبلها. والمساً لة ملتفتة إلى دخول المخاطب في خطابه. انتهى. (ويعمل في) وقف (صحيح وسط فقط) أى: دون الابتداء والاخر؛ كما لو قال: وقفت داري على عبدي ثم على فلان ثم على الكنائس (بالإعتبارين). فيصرف في الحال إلى فلأن ويرجع بعد موته إلى ورثة الواقف وقفا عليهم. وفيه وجه مخرج بالبطلان. (ويملكه) أى: الوقف الشخص الذي هو (موقوف عليه). قال في " الإنصاف ": أو المذهب بلا ريب، وإن عليه الأصحاب، وأو من المفردات. وعنه: أنه ملك لواقفه. ذكرها أبو الخطاب والموفق. وعنه: أنه ملك لله تعالى؛ كالوقوف على المساجد ونحوها. ووجه المذهب: أن الوقف سبب نقل الملك عن الواقف (٣) ولم يخرج عن المالية إلى من يصح تملكه. فوجب أن ينتقل الملك إليه؛ كالهبة والبيع. ولأن الوقف لو كان تمليك للمنفعة المجردة لما كان لازما؛ كالعارية والسكنى، ولما زال ملك الواقف عنه؛ كالعارية. ويفارق العتق فإنه يخرج المعتوق عن المالية. وامتناع التصرف في الرقبة لا يمنع وجود الملك؛ كأم الولد. ولهذا الخلاف فوائد كثيرة. فمنها:
следующие страницы →