قال الحارثي: وإنما يتأتى إذا كان المصرف مقدراً وهو واضح. انتهى.
(ومن وقف) شيئاً (على ثًغْر فاختّلَ) الثغر الموقوف عليه: (صُرف)
ما كان يصرفه له (في ثغر مثله).
قال في " الفروع ": ذكره الشيخ. انتهى.
قال في " التنقيح ": (وعلى قياسه) أى: قياس الثغر (مسجد ورباط، ونحوهما)، كسقاية.
(ونص) الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ورحمه في رواية حرب: (فيمن وقف على قنطرة فإنحرف الماء: يُرصد. لعله يرجع) أى: الماء إلى القنطرة فيصرف عليها المرصد.
(وما فضل عن حاجته) أى: حاجة الموقوف عليه. سواء كان مسجداً أنه رباطاً أنه غيرهما: (من حُصْرٍ وزيّتٍ ومُغَلٍّ وإنقاض وآلة) جديدة (وثمنها) أى: ثمن هذه الأشياء إن أبيعت: (يجوز صرفه في مثله) أن كان الفاضل عن مسجد ففي مسجد، وإن كان عن رباط ففي رباط.
(و) يجوز صرفه أيضاً (إلى فقير). نص عليه في رواية المروذي. واحتج
بأن شيبة بن عثمان الحجبي كان يتصدق بخلعأن الكعبة.
وروى الخلال بإسناده: أن عائشة امرته بذلك.
وهذه قضية أنتشرت ولم تنكر فكانت كالإجماع.
ولأنه مال الله تعالى لم يبق له مصرف. فجاز صرفه للفقراء. وخص
أبو الخطاب والمجد الفقراء بفقراء جيرأنه.
وعنه: لا يصرف لغيره لا لمثله ولا للفقراء.
وعنه: يصرف لمثله دون الفقراء.
واختار الشيخ تقي الدين جواز صرفه في مثله وفي سائر المصالح وبناء مساكن لمستحق ريعه القائم بمصلحته. قال: وإن علم أن ريعه يفضل عنه وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد. ولا مأنع من إعطائه فوق ما قدره له الواقف،
стр. 3187
لأن تقديره لا يمنع استحقاقه، كغير مسجده. ومثله وقف غيره.
قال في " الفروع ": وكلام غيره معناه. ونقل عن الشيخ تقي الدين أيضاً:
أنه لا يجوز لغير الناظر صرف الفاضل. واقتصر عليه.
(ويحرم حفر بئر) بمسجد.
قال الحارثي في الغصب: وإن حفر بئراً في المسجد للمصلحة العامة فعليه ضمان ما تلف بها، لأنه ممنوع منه. إذ المنفعة مستحقة للصلاة فتح لها عد وإن.
ونص على المنع في (١) رواية المروذي.
وقال في " الرعاية الكبرى ": لم يكره أحمد حفرها فيه. ثم قال: قلت:
بلى أن كره الوضوء فيه. انتهى.
(و) يحرم أيضاً (غرس شجرة بمسجد).
قال في " الأنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
وقيل: يكره الغرس.
وفيل: أن ضيقت حرم، وإلا كره.
(فإن فعل) بأن حفر البئر: (طُمَّت). نص عليه في رواية المروذي. وقدمه في " الفروع ".
(و) أن غرس الشجرة (قُلِعَت) نصا.
قال أحمد.: غرست بغير حق ظالم غرس فيما لا يملك.
ولأن الغرس في المسجد تصرف فيه بما ليس من حاجته. فلم يجز، كما لو جعله مسكناً.
وظاهر النص و" المحرر ": أنه لا يختص قلعها بواحد.
وفي " المستوعب " و" الشرح": أنه للإمام.
стр. 3188
(فإن لم تُقلع) وقد أثمرت (فثمرها لمساكينه) أى: المسجد.
قال في " الإرشاد ": قال الحارثي: وهو المذهب، قال: والأقر ب حله لغيرهم من المساكين.
وقيل: إنما يباح للمساكين مع غناء المسجد عن ثمنه.
(وإن غُرست) الشجرة (قبل بنائه) أى: المسجد بأن وقف وهي فيه، (ووقفت) الشجرة أيضاً (معه) أى: مع المسجد: (فإن عيّن) الواقف (مصرفها) بأن قال: تباع ثمرتها ويشترى بثمنها حصراً وزيتاً ونحو ذلك: (عُمل به) أى: بما عينه الواقف.
(وإلا) أى: وإن لم يعيّن الواقف مصرفها: (فكـ) وقف (منقطع). قدمه في " الفروع ". ثم قال: ونقل جماعه في مصالحه. وإن فضل عن مصالحه شئ من الثمرة فلجارالمسجد أكلها. نص عليه.
قال جماعة: ولغيره.
وقيل: للفقير منهم.
وقيل: مطلقاً. ذكر معنى ذلك كله في " الفروع ".
(ويجوز رفعُ مسجد) حيب (أراد أكثرأهله) أى: المسجد (ذلك) أى: رفعه، (وجعل سِفْله سقاية وحوانيت).
قال في " الأنصاف ": في ظاهر كلام أحمد وأخذ به القاضي. قاله الزركشي في كتاب الجهاد.
وفيل: لا يجوز. واطلق وجهين في " الفروع ".
وقال في " الرعاية الكبرى ": فإن أراد أهل مسجد رفعه عن الأرض وجعل سفله سقاية وحوانيت: روعي أكثرهم. نص عليه.
وقيل: هذا في مسجد ارادأهله أنشأنهه كذلك. وهو أولى. انتهى.
واختار هذا ابن حامد وأول كلام أحمد عليه. وصححه المصنف والشارح.
стр. 3189
وَرَد هذا التاًويل بعض محققي الأصحاب من وجوه كثيرة. وهو كما قال. انتهى كلامه في " الأنصاف ".
(لا نقلُه) أى: المسجد إلى مكان غير مكانه الأول ولو خرب (مع إمكان عمارته) مرة أخرى (دون) العماره (الأولى) بحسب النماء فإنه لا يجوز. قاله في " الفنون ". وإن جماعة أفتوا بخلافه وغلطهم. نقله في " الفروع " واقتصر عليه. وكذا فعل في " الأنصاف ".
ولا يجوز أيضاً تحليته أى: المسجد بذهب أو فضة، وفاقاً للشافعي.
وقيل: يكره وفاقاً لمالك.
وللحنفية الكراهة والإباحة والندب. قالوا: ويضمن متولي الوقف. واحتجوا بتذهيب الوليد الكعبة لما بعث إلى واليها خالد القسري.
ومن جعل سِفْل بيته مسجداً يُنْتفعُ بسطحه.
стр. 3190
[باب: الهبة]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الهبة.
وأصلها من هبوب الريح أى: مروره، يقال: وهبت له شيئاً وهباً بإسكان الهاء وفتحها وهبة.
قال في " القاموس ": ولا تقل وهَبَكَهُ. حكاه أبو عمرو عن أعرابي.
وهو واهب ووهاب ووهوب ووهابة. والاسم الموهب والموهبة بكسر الهاء فيهما. والاتهاب: قبول الهبة. والاستهاب: سؤال الهبة. وتواهبوا وهب بعضهم لبعض. وواهبه فوهبه يهبه، كيدعه ويرثُه (١) غلبه في الهبه.
ثم (الهبةُ) شرعاً: (تمليكُ) إنسان (جائز التصرف) أى: مكلف رشيد
مما يجوز له التصرف فيه إنساناً غيره (مالاً معلوماً) أى: جائز بيعه خاصة. وسيأتي التنبيه في المتن على ذلك (أنه) مالاً (مجهولاً تعذرعلمه).
قال في " الفروع ": كصلح. ومن أمثلة ذلك: لو اشتبه شيء من أعيان الواهب بشيء من أعيان الموهوب له وتعذر تمييز ملك أحدهما من ملك الآخر فوهب أحدهما عين الذي له للآخر فإنه يصح ميع جهل عين الذي له من ذلك. وقال في " الكافي ": أنه تصح هبة ذلك، وكلب ونجاسة يباج نفعها.
نقل حنبل فيمن أهدى إلى رجل كلب صيد: ترى له أن يثبت عليه؟ قال:
هذا خلاف الثمن هذا عوض من شيء. فاًما الثمن فلا.
وفي " الفروع ": وقيل: وجلد ميتة.
стр. 3191
وقيل: ومجهول عند متهب.
وعلى المذهب: يشترط في المال الموهوب: أن يكون (موجوداً مقدوراً على تسليمه).
وقيل: وغير مقدور كوصية.
قال في " الفروع ": ويتوجه منه هبة معدوم وغيره. انتهى.
ولعله أراد بقوله: وغيره ما قاله صاحب " الرعاية ": ولا ما لا يتم ملكه
له؛ كقفيز مبهم اشتراه من صُبْرة ولم يقبضه. انتهى كلامه في " الرعاية ".
ونقل ابن أبي عبدة عن أحمد: أنه سئل عن الصدقة بثلث دار غائبة عن رجل مشاعه وحد الدار وهي معروفة قال: جائز، ليس كما يقول هؤلاء: لا يجوز حتى يعرف الدار.
ونقل حرب إذا قال: ضع ثلث ضيعتي لفلان بلا قسمة جاز إذا كانت تعرف. ويشترط أيضاً في المال المملك أن يكون: (غير واجب) على من ملكه.
ولا بد أن يكون التمليك منجزاً (في الحياة بلا عوض، بما) أى: بقول أنه
فعل (يعد هبة عرفا) على المذهب. حتى أن ابن عقيل ومن تبعه لم يذ وا في الهبة بالمعاطاة. الخلاف الذي في بيع المعاطاة.
وفي " المستوعب " و" المغني " في الصداق: لا تصح إلا بلفظ الهبة. والعفو التمليك .. .
وفي " الرعاية ": في عفو وجهان.
وفي " المذهب " الفاظها: وهبت واعطيت وملكت.
وفي " الأنتصار ": أطعمتكه كوهبتكه.
فخرج بقيد التمليك العارية فإنها إباحة. وبقيد المال كلب الصيد ونحوه. وبقيد كونه غير واجب نفقة الزوجة ونحوها. "وبقيد الحياة الوصية. وبقيد كون التمليك بلا عوض عقود المعاوضات، كالبيع والإجارة ونحوهما.
قال في " المغني " عقب حكأىته للفظ الخرقي: وجملة ذلك أن الهبة
стр. 3192
والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض واسم العطية شامل لجميعها. انتهى.
(فمن قصد بإعطاء) لغيره (ثوابَ الأخرة فقط [فـ (عطيته على هذا الوجه) صدقة.
و) من قصد بإعطائه (إكراماً أنه تودد]، ونحوه) " كمنْ أجل المحبة] (١) (فـ) عطيته (هدية.
وإلا) أى: وإن لم يقصد المعطي بإعطائه شيئاً (فـ) ما اعطى (هبة وعطية ونحلة) اعتباراً بالمعنى الأعم فتكون الألفاظ الثلاثة متفقة معنى وحكما.
قال في " المغنى " بعد أن ذكر غالب المعانى المتقدمة: وجميع ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه. فإن النبي ﷺ قال: " تهادوا تحابوا " (٢) .
وأما الصدقة: فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكننا حصره. وقد قال الله تعالى. (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) [البقره: ٢٧١]. انتهى.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم تقبل هدية المسلم والكافر. وذكروه
في الغنيمة. ونقل ابن منصور في المشرك: أليس يقال أن النبي ﷺ
رد وقَبِل؟ (٣)
стр. 3193
وقد رواهما أحمد.
وقال ابن الجوزي فيها ثلاثة أنهجه:
احدها: أن أخبار القبول أثبت.
والثانى: أنها ناسخة.
والثالثة: قَبِل من أهل الكتاب. وقبوله من أهل الشرك ضعيف أنه منسوخ. وقيل: الهبة تقتضي عوضاً.
وقيل: مع عرف. فلو أعطاه ليعاوضه أنه ليقضي له حاجة فلم يف فكالشرط. واختاره شيخنا. انتهى.
(ويعُمُّ جميعها لفظ العطية)؛ لشموله لها.
(وقد يراد بعطية: الهبة في مرض الموت).
قال (١) في " المطلع " عن لفظه (٢) في " المقنع " باب الهبة والعطيه: والعطية هنا: الهبة في مرض الموت. فذكر الهبة في الصحة والمرض وأحكامهما (٣) .
(ومن أهدى ليهدى له أكثر: فلا بأس به)؛ لقوله ﷺ : " المستفزز يثاب
من هبته ".
(لغير النبي)؛ لقوله تعالى: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (?) [المدثر: ٦].
ولما فيه من الحر ص والمنة (٤) . على أن الآية فسرت بهذا أنه بغيره.
قال في " الفروع ": ومن أهدى ليهدى له أكثر فنقل صالح: أن أباه ذكر
قول الضحاك لا بأس به لغير النبي ﷺ . انتهى.
стр. 3194
(ووعاء هدية كهي) فلا ترد، (مع عرف) بذلك. فإن لم يكن عرف رده. قاله في " الفروع ".
قال الحارثي: لا يدخل الوعاء إلا ما جرت العادة به؛ كقوصرة التمر ونحوها. انتهى.
(وكُره رد هبة وإن قلًَت) أى: كانت قليلة.
(ويكافئ) المهدى له (أنه يدعو) له. نقله في " الفروع " عن " الغنية ".
ثم قال: ويتوجه أن لم يجد دعا له كما رواه أحمد وغيره. ولأحمد من حديث ابن مسعود: " لا تردوا الهدية (١) " (٢) .
وحكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال: ترك المكافأة من التطفيف.
وقاله مقاتل. وكذا اختار شيخنا في رده عن الرافضي: أن من العدل الواجب مكافاً ة من له يدا ونعمة ليجزيه (٣) بها. انتهى.
(إلا إذا علم) من أتته الهدية (أنه) أى: المهدي إنما (أهدى حياء: فيجب الرد) أى: رد هديته إليه. نقل هذه المسا لة ابن مفلح في " الآداب " عن ابن الجوزي ثم قال: ولم اجد من صرح بذلك غيره. وهو قول حسن؛ لأن المقاصد في العقود عندنا معتبرة. انتهى.
(وإن شُرط) بالبناء للمفعول (فيها) أى: في الهبة (عوض معلوم): صح. نص عليه؛ كشرطه في عاريه، و (صارت) الهبة (بيعاً)؛ لأنه تمليك بعوض معلوم. أشبه البيع وشاركه في الحكم فيثبت فيها الخيار والشفعة.
قا ل في " الفروع ": وقيل: بقيمتها بيعا.
وعنه: هبة.
وقيل: لا تصح كنفي ثمن. انتهى.
стр. 3195
ومراده في بيع.
(وإن شُرط) في الهبة (ثوابٌ مجهول: لم تصح)، لأنه عوض مجهول
في معاوضة. فلم يصح العقد معه؛ كالبيع. وحكمها حينئذ حكم البيع الفاسد فيردها الموهوب له بزيادتها مطلقاً؛ لأنها نماء ملك الواهب. وإن كانت تالفة رد قيمتها.
وعنه: يصح مع شرط الثواب المجهول.
قال فى " الفروع ": ذكره شيخنا ظاهر المذهب، ويرضيه. فإن لم يرض ردها بزيادة ونقص. نص عليه. فإن تلفت قيمتها (١) يومه. ولا يجوز أن يكافئه بالشكر والثناء. نص عليه. انتهى.
وظاهر ما تقدم: أن الهبة المطلقة لا تقتضي عوضاً. سواء كانت لمثله أو دونه أو أعلا منه.
وقال ابن حمدان: هي من الأدنى تقتضي عوضاً هو القيمة؛ لقول عمر:
" من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها " (٢) وجوابه: باً نها عطية على وجه التبرع. فلم تقتض ثوابا، كهبة المثل
والو صية.
وقول عمر خالفه ابنه وابن عباس.
(وإن اختلفا) أى: الواهب والموهوب له (في شرط عوض) في الهبة: (فقول) موهوب له (منكر) بيمينه. وجزم به في " الكافي " وصح الحا رثي.
وقيل: يقبل قول الواهب.
واطلقهما في " الفروع " و" الرعاية الكبرى ".
стр. 3196
ووجه المذهب: كونه الأصل.
(و) أن اختلفا (في) صوره ما إذا قال إنسان بيده شيء لمن تقدم ملكه عليه: (وهبتني ما بيدي. فقال) له: (بل بعتكه، ولا بينة) لوأحد منهما بما قاله: فإنه (يحلف كل) منهما (محلى ما أنكر) من دعوى الاخر؛ لأن الأصل عدمه.
(ولا هبة) يقضى بها (ولا بيع)؛ لأنه لم يثبت وأحد منهما.
(وتصح) الهبة (ويملك) المتهب العين الموهوبة (بـ) مجرد (عقد)
وهو الآيجاب والقبول.
قال ابن رجب في القاعدة التاسعة والأربعين: القبض في العقود على قسمين:
أحدهما: أن يكون من موجب العقد ومقتضاه؛ كالبيع اللازم والرهن اللازم والهبة اللازمة والصداق وعوض الخلع. فهذه العقود تلزم من غير قبض. وإنما القبض فيها من موجبات عقودها. ثم قال بعد ذلك بأسطر: وأعلم أن كثيراً من الأصحاب يجعل القبض في هذه العقود معتبرا للزومها واستمرارها، لا (١) لأنعقادها وإنشائها. وممن صرج بذلك صاحب " المغني " وأبو الخطاب في "انتصاره " وصا حب " التلخيص " وغيرهم.
ومن الأصحاب من جعل القبض فيه شرطاً للصحة. وممن صرح بذلك صاحب " المحرر " فيه في الصرف والسلم والهبة.
وقال في " الشرح": مذهبنا أن الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض. وفرع عليه إذا دخل وقت الغروب في ليلة الفطر والعبد موهوب لم يقبض ثم قبض وقلنا يعتبر في هبته القبض ففطرته على الواهب. وكذلك صرح ابن عقيل بأن القبض ركن من أركان الهبة كالآيجاب في غيرها. وكلام الخرقي يدل عليه أيضاً.
стр. 3197
ثم قال بعد ذلك باًسطر: وفي الهبة وجه ثالث حكي عن ابن حامد: أن الملك فيها يقع مراعى. فإن وجد القبض تبينا أنه كان للموهوب بقبوله، وإلا فهو للواهب. وفرع على ذلك حكم الفطرة. انتهى.
وعبارته في " الفروع ": وتصح بالعقد. وهل يملكها به؟ فيه وجهان.
وفي " الأنتصار ": روايتان. وعليهما يخرج النماء. وذكر جماعة: أن اتصل القبض. انتهى.
(فيصح تصرف قبل قبض).
قال في " الأنصاف " بعد أن قدم أنها تملك بالعقد: فعلى المذهمب يجوز التصرف فيه قبل القبض. نص عليه. والنماء للمتهب.
(و) تصح الهبة وتملك العين الموهوبة أيضاً (بمعاطاة بفعل)؛ لأن النبي ﷺ كان يهدي ويهدى إليه، ويعطي ويعطى، ويفرق الصدقات، ويأمر سعاته بتفريقها وأخذها.
وكان أصحابه يفعلون ذلك. ولم ينقل عنهم في ذلك لفظ إيجاب ولا قبول
ولا أمر به ولا بتعليمه لأحد.
ولو كان ذلك شرطاً لنقل عنهم نقلا مشهوراً.
و" كان ابن عمر على بعير لعمر. فقال النبي ﷺ : بعنيه. فقال: هو لك يارسول الله! فقال رسول الله: هو لك يا عبد الله بن عمر. فاصنع به ماشئت " (١) .
ولم ينقل قبول النبي ﷺ من عمر ولا قبول ابن عمر من النبي ﷺ ولو كان شرطا لفعله النبي ﷺ وعلِّمه ابن عمر. ولم يكن لياًمره أن يصنع به شيئاً قبل أن يقبله.
стр. 3198
ولأنه وجد ما يدل على التراضي بنقل الملك. فاكتفي به " كما لو وجد الإيجاب والقبول.
قال ابن عقيل: إنما يشترط الإيجاب والقبول مع الإطلاق وعدم العرف
القائم بين المعطي والمعطى، لأنه إذا لم يكن عرف (١) يدل على الرضى فلا بد من قول دال عليه.
أما مع قرائن الأحوال والدلالة " فلا وجه لتوقيفه على اللفظ. الا ترى أنا
اكتفينا بالمعاطاة "في البيع، واكتفينا بدلالة الحال في دخول الحمام وهو إجارة وبيع أعيان. فإذا اكتفينا في المعاوضات مع تأكدها بدلالة الحال، وأنها تنقل الملك من الجانبي. فلان نكتفي به في الهبة أولى. انتهى.
وقيل: لا بد من الإيجاب والقبول. وضعفه في " الفائق ".
(فـ) على المذهب (تجهيز) الإنسان (بنته بجهاز إلى بيت زوج لمليك)،
لوجود المعاطاة بالفعل.
(وهي) أى: الهبة فيما إذا وقعت (٢) بإيجاب وقبول (في تراخي قول) عن-
الأيجاب ..
(وتقدمه) عليه (وغيرهما)، كاستثناء الواهب نفع الموهوب مدة معلومة. صرح بصحته (٣) الموفق إجابة لسؤال. واقتصر عليه ابن رجب في القاعدة الثانية والثلاثين.
(كبيع). جزم به الحارثي واقتصر عليه في " الأنصاف ".
(وقبول هنا وفي وصية، بقول أنه فعل دال على الرضى.
وقبضها) أى: الهبة في الحكم (كمبيع). فيكون في موهو ب مكيل أنه
стр. 3199
موزون أنه معدود أنه مذروع بكيله أنه وزنه أنه عده أنه ذرعه. وفيما ينقل بنقله، وفيما يُتناول بتناوله، وفيما عدى ذلك بالتخلية.
(ولا يصح) القبض (إلا بإذن واهب) فيه؛ لأنه قبض غير مستحق على الواهب. فلم يصح بغير إذنه؛ كأصل العقد وكالرهن. وهذا على المذهب. وهو: أن الهبه لا تلزم إلا بالقبض. على ما سيأنى في المتن.
أما على رواية أن الهبة تلوم في المتميز غير المكيل والموزون والمعدود والمذروع بمجرد العقد فلا يحتاج إلى إذن الواهب في قبضه " للزومها بدونه. (وله) أى: للواهب على المذهب (الرجوع) في الهبة وفي الإذن في قبضها (قبله) أى: القبض ولو بعد تصرف المتهب.
وقيل: ليس له الرجوع في وأحد منهما.
(ويبطل) إذن الواهب للموهوب له في قبض الهبة (بموت أحدهما)؛
كا لوكا لة.
(وإن مات واهب) قبل قبض الهبة. سواء كان أذن فيها أنه لا: (فوارثه مقامه في إذن) في القبض. (و) في (رجوع) في الهبة " لأن عقد الهبة مآله إلى اللزوم. فيقوم وارثه فيه مقامه؛ كالرهن قبل القبض.
قال ابن رجب في مسألة الرهن: ذكره الأصحاب وقالوا: هو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور وأبي طالب. انتهى.
وقال القاضي: أن ما الواهب أنه الموهوب له قبل القبض بطلت الهبة. سواء كان قبل الأذن فى القبض أو بعده؛ لأنه عقد جائز. فبطل بموت أحد المتعا قدين؛ كالوكالة والشركه.
ورد. بالفرق بين الوكالة والشركة وبين العقد الذى ماله إلى اللزوم. فإنه بها البيع المشروط فيه الخيار أشبه.
قال في " الفروع ": ووارثٌ واهبٍ يقوم مقامه.
стр. 3200
وقيل: يبطل العقد؛ كمتهب (١) في الأصح. انتهى.
وقال بعض الأصحاب: إن وهب في الصحة ثم مات قبل القبض بطلُ العقد، وإن وهب في المرض ثم مات قبل القبض فالورثة بالخيار، لشبهها بالوصية.
(وتلزم) الهبة (بقبض؛ كـ) ما تلزم (بعقد فيما بيد متهب). يعني: أفي
الهبة لا تلزم بدون قبض بإذن واهب، لما روي عن عائشة " أن ابا بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما لما حضرته الوفاة قال لها: يا بنية! أنى كنت نحلتك جذاذ ضمرين وسقاً ولو كنت جذذتيه وحوزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث فاقتسموه على كتاب الله " (٢) . رواه مالك في " الموطأ ".
وروي عن عمر أنه قال: " ما بال أقوام ينحلون أولاد هم فإذا مات احدهم
قال مالي وفي يدي وإذا مات هو قال: قد نحلته ولدي. لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد " (٣) .
ولأنها هبة غير مقبوضة. فلم تلزم، كالطعام المأذون في أكله.
واما إذا كانت العين الموهوبة بيد المتهب أمانه، كالوديعة، أنه مضمونة، كالعوديعة والغصب: فتلزم بمجرد العقد.
(ولا يحتاج لمُضيّ زمن يتأتى قبضه فيه). فإن أحمد قال في رواية ابن منصور: إذا وهب لامراته شيئاً ولم تقبضه فليس بينه وبينها خيار وهي معه في البيت
قال في " المغني ": فظاهر هذا أنه لم يعتبر قبضاً ولا مضي مدة يتاتى فيها، لكونها معه في البيت فيدها على ما فيه. انتهى.
ولأن القبض مستدام فاًغنى عن الابتداء.
стр. 3201
قال في " الأنصاف " عن هذا: وهو المذهب.
قال الشارح: هذا الصحيح إن شاء الله تعالى. وقدمه في " المحرر "
و" الفائق " و" النظم " وابن رزين في " شرحه ".
قال في " الرعايتين ": وهو أولى. وكذا قال الحارثي. انتهى.
وعنه: لا بد من مضي مدة يتاًتى فيها القبض.
وعنه: لا بد من ذلك ومن الإذن في القبض أيضاً.
(وتبطل) الهبة (بموت متهب) بعد عقد و (قبل قبضٍ).
قال في " الأنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وقيل: لا تبطل. انتهى.
وعلله في " شرح المحرر " بأن القبض. من المتهب قائم مقام القبول. فإذا
مات قبله بطل العقد " كما إذا مات من أوجب له بيع قبل قبوله.
وأما إذا مات أحد المتعاقدين قبل القبول فإن العقد يبطل وجها واحداً، لأن
العقد لم يتم.
(فلو أنفذها) أى: الهبة (واهب مع رسوله) أى: رسول الو اهب (ثم
مات) مرسله (أنه) مات (موهوب له) وهو المرسل إليه (قبل وصولها " بطلت) الهبة " لم! روى أحمد بإسناده عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: " لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة قال لها: أنى قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة عليّ. فإن ردت فهو لك قالت: فكان ما قال رسول الله ﷺ وردت عليه هديته. فأعطى كل امرأة من نسائه أنهقية من مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة " (١) . انتهى الحديث.
وحيث بلغ الرسول موت مرسله في أثناء الطريق فليس له حملها إلى المهدى
إليه، إلا أن يأذن له الوارث.
стр. 3202
(إلا أن كانت) الهبة (مع رسول موهوب له) وقد مات الواهب فإنها لاتبطل، لأن قبض رسول الموهوب له كقبضه. فيكون موت الواهب بعد لزومها بالقبض فلا يؤثر.
(ولا تصح) الهبة (لحمل)، لأن تمليكه تعليق على خروجه حياً والهبة
لا تقبل التعليق.
(ويَقبل ويَقبض لصغير ومجنون) وُهب لهما شيء (وليٌ)، لأنه قبول لمال للمحجور عليه فيه حظ. فكان إلى الولي، كالبيع والشراء.
ولا يصح القبول ولا القبض من غير الولي وهو الأب أنه وصيه أنه الحا كم أنه أمينه.
قال أحمد في رواية صالح: في صبي وهبت له هبة أنه تصدق عليه بصدقة فقبضت الأم ذلك وأبوه حاضر. فقال: لا أعرف للأم قبضا، ولا يكون إلا (١) للأب.
وقال عثمان رضي الله تعالى عنه: " أحق من يحوز على الصبي أبوه " (٢) .
قال في " المغني ": ويحتمل أن يصح القبض والقبولط من غيرهم عند عدمهم " لأن الحاجة داعية إلى ذلك. فإن الصبي قد يكون في مكان لا حاكم فيه وليس له أب ولا وصي ويكون فقيرا لا غنى به عن الصدقات. فإن لم يصح قبض غيرهم له، أنسد باب وصولها إليه. فيضيع ويهلك. ومراعاة حفظه عن الهلاك أولى من مراعاة الولاية.
(فإن وَهب هو) أى: الولي لموليه شيئاً: (وَكُّل من يقبل) له الهبة منه، (ويقبض هو) والمراد إذا كان الولي غير الأب إذا وهب ولده الصغير، وذلك معلوم مما سيأتي في المتن وهو قوله:
стр. 3203
(ولا يحتاج أب وهب موليه لصغر إلى توكيل).
ال في " المغني ": فإن وهب الأب لابنه شيئاً قام مقامه في القبض والقبول
أن احتيج إليه.
قال ابن المنذر: اجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارا بعينها أنه عبدا بعينه وقبضه له من نفسه وأشهد عليه: أن الهبة تامة. هذا قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأى.
وروينا معنى ذلك عن شريح وعمر بن عبد العزيز.
ثم أن كان الموهوب مما يفتقر إلى قبض اكتفى بموله: قد وهبت هذا لابني وقبضته له؛ لأنه يغني عن القبول كما ذكرنا. ولا يغني قوله: قد قبلته؛ لأن القبول لا يغني عن القبض وإن كان مما لا يفتقر إلى قبض.
قلت: ولعله أراد ما المبض فيه بالتخلية والله أعلم اكتفي بقوله: قد وهبت
هذا لابني ولا يحتاج إلى ذكر قبض ولا قبول.
قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره
لا تحتاج إلى قبض، وإن الإشهاد فيها يغني عن القبض. وإن وليها أبوه؛- لما رواه مالك عن الزهري عن ابن المسيب أن عثمان قال: " من نحل ولدا له صغيرا لم يبلغ أن يحوز فاًعلن ذلك وأشهد على نفسه فهي جائزة وإن وليها أبوه " (١) . وقال القاضي: لا بد في (٢) هبه الولد من أن يقول: قبلته لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج البيهقي نحوه وهذا مذهب الشافعي؛ لأن الهبة عندهم لا تصح إلا بإيجاب وقبول.
وقد ذكرنا من قبل: أن قرائن الأحوال ودلالتها تغني عن لفظ القبول،
ولا أدل على القبول من كون القائل هو الواهب. فاعتبار لفظ لا يفيد معنى من غير ورود الشرع به حكم لا معنى له. مع مخالفته لظاهر حال النبي ﷺ وصحابته.
стр. 3204
وليس هذا مذهباً لأحمد. فقد قال في رواية حرب: في رجل أشهد بسهم من ضيعته وهي معروفة لابنه وليس له ولد غيره. فقال: (٤) إلي أن يقول عند الإشهاد: قد قبضته له. قيل له: فإن سهى؛ فقال: إذا كان مفرزا رجوت.
فقد ذكر أحمد أنه يكتفى بقوله: قد قبضت له. وأنه يرجو أن يكتفى مع
التمييز بالإشهاد فحسب، وهذا موافق للإجماع المذكور عن سائر العلماء.
وقال بعض أصحابنا: يكتفى بأحد لفظين إما أن يقول: قد قبلته، أنه قد
قبضته؛ لأن القبول يغني عن القبض.
قال الموفق: وظاهر كلام أحمد ما ذكرناه.
ولا فرق بين الأثمان وغيرها فيما ذكرنا، وبه يقول أبو حنيفة ؤالشافعي.
وفال مالك: أن وهب له ما لا يعرف بعينه كالأثمأن: لم يجز إلا أن يضعها
على يد غيره؛ لأن الأب قد يتلف ذلك ويتلف بغير سببه ولا يمكن أن يشهد على شيءبعينه. فلا ينفع القبض شيئاً.
ولنا: أن ذلك مما تصح هبته. فإذا وهبه لابنه الصغير وقبضه له وجب أن
يصح؛ كا لعروض.
ثم (١) قال في " المغني " بعد ذلك: وإن كان الواهب الصبي غير الأب من
أولىائه فقال أصحابنا: لا بد من أن يوكل من يقبل للصبي ويقبض له؛ ليكون الإيجاب منه، والقبول والقبض من غيره؛ كما في البيع. بخلاف الأب فإنها
يجوز أن يوجب ويقبل ويقبض؛ لكونه يجوز أن يبيع لنفسه.
قال: والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء؛ لأنه عقد يجوز أن
يصدر منه ومن وكيله. فجاز له أن يتولى طرفيه؛ كالأب. وفارق البيع فإنه
لا يجوز أن يوكل من يشتري له.
ولأن البيع إنما منع منه لما يأخذه من العوض لنفسه من مال الصبي. وهو
هاهنا يعطي ولا يأخذ. فلا وجه لمنعه من ذلك وتوقيفه على توكيل غيره.
стр. 3205
ولأننا قد ذكرنا أنه يستغني بالإيجاب والإشهاد عن القبض والقبول فلا حاجة
إلى التوكيل فيهما مع غناه عنهما. انتهى.
وعلم من كلام صاحب " المغني ": أن ما نقله عن الأصحاب أن توكيل الولي غير الأب يكون في القبول والقبض معا. وكذا كلامه في " الأنصاف ". وعبارته: وإن وهب ولي غير الأب فقال أكثر الأصحاب: لا بد أن يوكل الواهب من يقبل للصبي ويقبض له؛ ليكون الإيجاب من الولي، والقبول والقبض من غيره؛ كما في البيع. بخلاف الأب. انتهى.
وكلامه في " التنقيح " وتبعته عليه: يقتضي أن التوكيل يكون في القبول فقط، ويكون الإيجاب والقبض من الواهب فإنه قال: وكل من يقبل ويقبض هو. ولعله اطلع بعد وضعه " الأنصاف " على كلام لبعض الأصحا ب يقتني ذلك، وأنه الأصح عنده فإنه قال في خطبة " التنقيح ": فإن وجدت في هذا الكتاب لفظا أنه حكما مخالفاً لأصله أنه غيره فاعتمده فإنه وضع عن تحرير. انتهى. وكذا فعلت. والله أعلم.
(ومن ابرأ) مديناً (من دينه) الذي له عليه، (أنه وهبه) أى: وهب الدين الذي له
(لمدينه، أنه احلَّه منه) بأن قال له: أنت في حلِّ منه، (أنه اسقطه عنه، أنه تركه) له، (أنه ملًكه له، أنه تصدق به) ي: بالدين (عليه) أى: على (١) المدين، (أنه عفا عنه) أى: عن الدين: (صح) ذلك جميعه، وكان كل لفظ منها مسقطاً للدين. وكذا لو قال: أعطيتكه. أما ما عدا لفظ الهبة والصدقة والعطية فظاهر في ذلك، وأما لفظ الهبة والصدقة والعطية؛ فلان هـ ليس هناك عين موجودة يتناولها اللفظ فإنصرف إلى معنى الإبراء.
قال في " الأنصاف ": قال الحارثي: يصح بلفظ الهبة والعطية مع اقتضائهما وجود معين وهو منتف؛ لإفادتهما لمعنى الإسقاط هنا.
стр. 3206
قال: ولهذا لو وهبه دينه هبة (١) حقيقة (٢) : لم يصح؛ لأنتفاء معنى الإسقاط، وإنتفاء شرط الهبة.
ومن هنا: امتنع هبته لغير من هو عليه، وامتنع إجزأنهه عن الزكاة؛ لأنتفاء
حقيقة الملك. انتهى.
(ولو) وجد ذلك (قبل حلوله) أى: الدين خلافاً لبعض الأصحاب. (أنه اعتقد) رب الدين المسقط له (عدمه) وفيه وجه. أصلهما الوجهان (٣) فيما إذا باع مال أبيه أنه نحوه يظن حياته فتبين أنه قد مات.
وقيل: أصلهما الوجهان فيمن باشر امرأة بالطلاق يظنها أجنبية فبأنت امرأته. أنه واجه بالعتق من يعتقدها حرة فبانت أمته.
(لا أن علقه) أى: علق رب الدين الإسقاط على شرط. نص عليه فيمن
قال: أن متَّ- بفتح التاء- فاً نت في حلِّ.
وجعل رجلاً في حل من غيبته بشرط أن لا يعود وقال: ما أحسن الشرط.
قال في " الفروع ": فيت جه فيهما روايتان. واخذ صإحب " النوادر " من شرطه: أن لا يعود رواية في صحة الإبراء بشرط. وذكر الحلوإنى والحارثي:
أن صحة الإبراء بشرط أصح.
(و) أما إذا قال له: (أن متُّ) - بضم التاء- (فإنت في حل) فإنه (وصية) للمدين بالدين.
(و) متى لم يعلق الإسقاط على شيء وكان المسقط جائز التصرف: فإن
الغريم (يبرأ) بأحد الألفاظ المتقدمة. (ولو ردَّ) ذلك الذي عليه الدين بأن قال: لا أقبل البراءة أنه نحو ذلك.
стр. 3207
قال في " الأنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم.
وقيل: يشترط القبول. انتهى.
ووجه المذهب: أن إسقاط الحق لا يفتقر إلى القبول؛ كالعتق والطلاق والشفعة، وبهذا فاردتى هبة المعين (١) ؛ لأنه تمليك.
قال في " الفروع ": وفي " المغني ": في إبرائها له من المهر: هل هو إسقاط أو تمليك؟ فيتوجه منه احتمال: لا يصح به، وإن صح اعتبر قبوله. انتهى.
(أنه جهل) يعني: أنه تصح البراءة من الدين ولو جهل قدره ووصفه بالنسبة
إلى رب الدين والمدين.
أما كون الإبراء يصح مع جهل رب الدين؛ فلأنه إسقاط حق. فينفذ مع العلم والجهل؛ كالعتق والطلاق.
واما كونه يصح مع جهل من عليه الدين؛ فلأنه لا يلتفت إليه في الإبراء. فعلمه بالمبرئ منه وجهله به سواء؛ كالأجنبي.
وعنه: لا يصح مع جهلهما، إلا إذا تعذر علمه.
وعنه ة لا تصح البراءة من المجهول كالبراءة من العيب.
وعنه: لا يصح مع جهل رب الدين وعلم المدين مطلقاً.
وعلى المذهب في هذا تفصيل وهو المشار إليه بقوله:
(لا أنه علمه م دين فقط وكتمه) أى: من رب الدين (خوفاً من أنه أن علمه
لم يبرئه) منه. يعني: فإنه لا تصح البراءة. صرج بذلك الموفق والشارح وتابعهما الحارثي.
ووجه ذلك: أن فيه تغريراً للمبرئ. وقد أمكن التحرز منه.
стр. 3208
قال الحارثي: وظاهر كلام أبى الخطاب الصحة مطلقاً. قال: وهذا أقر ب. انتهى.
قال في " المحرر " بعد أن ذكر الروايات في أصل المسألة: ويتخرج أن يصح بكل حال. إلا إذا علمه المبرأ- بفتح الراء- وظن المبرئ- بكسرها جهله (١) به فلا يصح. انتهى.
ووجّه ذلك شارح " المحرر " بأنه قد يسقطه المبرئ ظنأ أن المبرأ لعدم علمه به قد يحتاج إلى المطالبه والخصومه فيبرئه قهطعا لنزاع، فمتى علمه المبرأ دونه يكون هضماً للحق فلا يصح لذلك.
(ولا يصح) الإبواء (مع إبهام المحل) الذي يرد عليه الإبراء؛ (كأبرأت أحد غريمي، أو) أبرأت هذا الغريم (من أحد ديني) اللذين عليه؛ كما لو قال: وهبتك أحد هذين العبدين، أنه كفلت أحد الدينين. وإختار الحلواني والحارثي الصحه قول مسألتي المتن. قالا: ويؤخذ بالبيان كطلاقه وعتقه إحداهما.
قال في " الفروع ": يعي: ثم يقرع،
(وما صح بيعه) من الأعيان (صحت هبته)؛ لأنها تمليك فى الحماة. صح فيما صح فيه البيع.
وعلم من هذا أن كل ما لا يصح بيعه لا تصح هبته. وهو المذهب. واختاره القاضى وقدمه في " الفروع ".
وقيل: تصح هبة ما يباح الانتفاع به من النجاسات. جرم به الحارثي؛ كالكلب، جزم به في " المغنى " و" الكافي ".
قال فى القاعده السابعة والثمانين: وليس بين القاضي وصاحب " المغنى " خلاف؛ لأن نقل اليد في هذه الأعيان جائز؛ كالوصيه. وقد صرح به القاضي "فى خلافه " انتهى
стр. 3209
وعلم مما تقدم دخول أم الولد فيما لا تصح هبته، لأنه لا يصح بيعها. وهو المذهب.
وقيل: تصح هبتها ميع القول بعدم صحة بيعها.
قال في " الأنصاف ": قلت ينبغي أن يقيد القول بالصحة بأن يكون حكمها حكم الإماء في الخدمة ونحوها إلى أن يموت الواهب فتعتق وتخرج من الهبه. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين: ويظهر لي صحة هبة الصوف على الظهر قولاً واحداً انتهى.
(و) صح (استثناء نفعه) أى: الشيء الموهوب (فيها) أى: في الهبة
عند أنشائها (زمناً معيناً)، كشهر وسنة. قياساً على البيع فيما إذا اشترط فيه البائع نفعا معلوما " كسكنى الدار المبيعة شهرا ونحو ذلك.
وتصح هبة الشقص المشاع. جزم به الأكثر، لما في " الصحيح " أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من رسول الله ﷺ أن يرد عليهم ما غنم منهم. فقال رسول الله: " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " (١) .
ولأنه يصح بيعه.
وسواء أمكن قسمته أو لا.
قال في " الأنصاف ": وفي طريقة بعض الأصحاب: ويتخرج لنا (٢) من
عدم إجارة المشاع: أنه لا يصح رهنه ولا هبته. انتهى.
وأُشير إلى صحة هبة المشاع في المتن بقوله:
(ويعتبر لقبض مُشاعٍ إذن شريك) فيه. فيكون نصفه مقبوضاً تملكاً، ونصف الشريك أمانة. قاله في " المجرد ". وإلى هذا أُشير بقوله:
стр. 3210
(وتكون حصته وديعة).
وفي " الفنون ": بل عارية يضمنه.
قال في " المغني ": فإن أبى الشريك أن يسلم نصيبه، قيل للمتهب: وكل
الشريك في قبضه لك ونقله. فإن أبى نصب الحاكم من يكون في يده لهما فينقله. فيحصل القبض؛ لأنه لا ضرر على الشريك في ذلك، ويتم به عقد شريكه فيه. فيكون نصفه مقبوضاً تملكاً، ونصف الشريك أمانة. انتهى.
(و) محل ذلك: أن لم يأذن له الشريك في التصرف، وأما (أن اذن له)
أى: القابض (في التصرف) فيما منه الشقص الموهوب (مجاناً) أى: من غير عوض فتلف تحت يده: (ف) أن حصة الشريك تكون مضمونة (كعارية و) أن أذن له في التصرف (بأجرة. فـ) أن شقصه يكون في يد القابض أمانة؛ (كالمؤجر).
و (لا) تصح هبة (مجهول لم يتعذر علمه). نص عليه في رواية أبي داود وحرب؛ لأنه تمليك. فلم يصح في المجهول؛ كالبيع.
أما إذا تعذر علمه فإنه تصح هبته؛ كالصلح عنه للحاجة.
وقيل: تصح هبة (١) المجهول؛ كقوله: ما أخذتَ من مالي فهو لك، أنه
من وجد شيئاً من مالي فهو له. اختاره الحارثي والشيخ تقي الدين. وإنفرد باختيار الصحة في المعدوم؛ كهبة التمر واللبن بالسنة. قال: واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر. بخلاف البيع.
(ولا) تصح (هبة ما في ذمة مدين لغيره)؛ لأنه غير مقدور على تسليمه.
(ولا) تصح هبة (ما لا يقدر على تسليمه)؛ لأن الهبة عقد يفتقر إلى القبض. أشبه البيع.
وظاهره: أنه لو- وهب شيئاً لغاصبه أنه لمن يتمكن من أخذه: صح؛ لإمكان قبضه-.
стр. 3211
وليس لغير الغاصب القبض إلا بإذن الواهب. فإن وكل المالك الغاصب في تقبيضه صح. وإن وكل المتهب الغاصب في القبض له فقبل ومضى زمن يمكن قبضه فيه صار مقبوضاً، وملكه المتهب، وبرئ الغاصب من ضمانه. ذكره (١) في "الشرح ".
وقيل: تصح هبة غير مقدور عليه. وقاله أبو ثور؛ لأنه تمليك بلا عوض.
أشبه الوصية.
(ولا) يصح (تعليقها) أى: الهبة على شرط. والمراد غير موت الواهب. فإنها تصح وتكون وصية وتقدمت الإشارة في المتن على ذلك (٢) . اما لو قال: إذا جاء رأس الشهر، أنه قدم زيد أنه نحو ذلك فقد وهبتك كذا: لم يصح. جزم به أكثر الأصحاب؛ لأنها تمليك لمعيّن في الحياة. فلم يجز تعليقها على شرط؛ كالبيع.
وما روى أن النبي فال لأم سلمة: " أن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي
لك " (٣) . فعلى سبيل الوعد لا الهبة.
(ولا) يصح (اشتراط ما ينافيها كان لا يبيعها) المتهب، (أنه)
لا (يهبها، ونحوهما)؛ كان لا يأكل الطعام الموهوب، أنه لا يلبس الثوب الموهوب رواية واحدة.
(وتصح هي) أى: الهبة مع وجود هذا الشرط الباطل. بناء على صحة
البيع مع وجود الشرط الفاسد فيه.
وقيل: لا تصح الهبة أيضاً.
(ولا) تصح الهبة (مؤقتة)؛ كقوله: وهبتك هذا شهراً أو سنة أنه نحو ذلك؛ لأنه تعليق لأنتهاء الهبة. فلاتصح معه؛ كالبيع.
стр. 3212
وقيل: تصح ويلغو التوقيت.
وعلى المذهب: (إلا في العمرى). وسميت بذلك؛ لتقييدها بالعمر.
وإنما صحت مع التوقيت بالعمر؛ لأن شرط رجوعها هنا على غير الموهوب وهو وارثه. بخلاف التوقيت بزمن معلوم. ومعناها: أن يشترط الواجب على المتهب عود الموهوب في كل (١) حال إليه أنه إلى ورثته.
وصيغتها: (كأعمرتك، أنه أرقبتك هذه الدار، أنه) هذه (الفرس، أنه)
هذه (الأمة.
ونصه) فيمن يعمر الجارية: (لا يطأ).
نقل يعقوب وابن هانئ: من يُعمَر الجارية أيطأ؟ قال: لا أراه.
(وحمل) أى: حمل القاضي نص أحمد الإمام على أن مع مر الجارية
لأىطاً ها (على الورع)؛ لأن الوطء استباحة فرج. وقد اختلف في صحة العمرى، وجعلها بعضهم تمليك المنافع، فلم ير له وطئها لهذا، وبعد ابن رجب ما ذكره القاضي. ثم قال: والصواب حمله على أن الملك بالعمرى قاصر، ولهذا يقول على رواية: إذا شرط عودها إليه بعده: صح. فيكون تمليكاً مؤقتا. انتهى.
(أنه) قوله: (جعلتها لك عمَرك وحياتك، أنه) جعلتها لك (عُمرَى أنه رَقبى، أنه ما بقيت. أنه أعطيتكها) عمرك أنه حياتك أنه عمرى أنه ر بى أنه ما بقيت: (فتصح)؛ لما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " العمرى جائزة لأهلها] والرقبى جائزة لأهلها [ (٢) " (٣) لِلَّهِ. رواه ابو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
стр. 3213
وحكي عن بعضهم: أن العمرى والرقبى لا يصحان؛ لأن النبي ﷺ قال:
" لا تعمروا ولا ترقبوا " (١) .
وأجيب عن ذلك: بأن النهي إنما ورد على سبيل الإعلام لهم: أنكم إن اعمرتم أنه أرقبتم نفذ للمعمر والمرقب ولم يعد إليكم منه شيء. وسياق الحديث يدل عليه، فإنه قال: " فمن أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً وعقبه " (٢) . ولو أريد به (٣) حقيقة النهي لم يمنع ذلك صحتها. فإن النهي إنما يمنع صحة ما يفيد المنهي عنه فائدة.
أما إذا كانت صحة المنهى عنه ضرراً على مرتكبه لم يمنع صحته؛ كالطلاق في زمن الحيض. وصحة العمرى ضرر (٤) على المعمر فإن ملكه يزول بغير عوض. (و) حيث تقرر هذا فإن الأشياء المعمرة (تكون لمعمر. ولورثته بعده: أن كانوا؛ كتصريحه. وإلا) أى: وإن لم يكن له وارث: (فلبيت المال). نص عليه؛ كسائر المال المخلف.
(وإن شرط) الواهب على من وهب له هبة (رجوعها، بلفظ: إرقاب أنه غيره، لمعمر) أى: لواهب (عند موته) مطلقاً. (أنه) شرط رجوعها (إليه) أى: إلى الواهب بشرط وهو: (أن مات) الموهوب له (قبله. أنه) شرط رجوعها (إلى غيره)؛ كإلى ورثة الواهب أن مات قبل الموهوب له.
(و) هذه (هي الرقبى) وسميت بذلك؛ لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه.
وقد روي عن أحمد: أن الرقبى أن يقول: هي لك حياتك فإذا مت فهي لفلان أنه راجعة إلي. والحكم في الصورتين واحد.
(أنه شرط) الواهب (رجوعها مطلقاً) أى: من غير تقييد بموت أنه غيره (إليه، أنه إلى ورثته، أنه آخرهما موت: لغى الشرط، وصحت) الهبة
стр. 3214
(لمعمر) اسم مفعول (وورثته كالأول) أى: كالمتقدم ذكره أولا. وبهذا قال جابر بن عبدالله وابن عمر وابن عباس وشريح ومجاهد وطاووس والثوري والشافعي واصحاب الرأى؛ لما روي عن جابر قال: " قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له " (١) . متفق عليه.
وعن زيد. بن ثابت " أن النبي ﷺ جعل الرقبى للذي أُرْقِبهَا " (٢) . رواه أحمد وا لنسائي.
وفي لفظ: " جعل الرقبى للوارث " (٣) رواه أحمد.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ي: " العمرى جائزة لمن اعمرها
[والرقبى جائزة لمن أُرْقًبَها] (٤) " (٥) رواه أحمد والنسائي.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئاً أنه أرقبه فهو له محياه ومماته " (٦) . رواه أحمد والنسائي.
وكل هذه نصوص تدل على مُلك المعمر والمرقب. مع بطلان شرط العود، لأنه إذا ملك لم ينتقل عنه بالشرط.
ولأنه شرط شرطا ينافي مقتضى العقد. فصح العقد وبطل الشرط، كما لو
стр. 3215
شرط في البيع أنه لا يبيعه. نص أحمد على بطلان الشرط في رواية أبي طالب؛ للأحاديت المطلقة المتقدم ذكرها.
وعنه: صحة الشرط والعقد. وبه قال مالك والزهري وأبو ثور وداود وغيرهم؛ لما روى جابر قال: " إنما العمرى التي أجاز رسول الله أن يقول: هي لك ولعقبك. فاًما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها " (١) متفق عليه.
واجيب عنه: بأنه من قول جابر نفسه فلا يعارضه ما روي عن النبي ﷺ
وإذا قال أحد شريكين في قن للقن المشترك: أنت حبيس على آخرنا موتا:
لم يعتق بموت الأول منهما، ويكون في يد الاخر عاريه فإذا مات عتق. ذكوه القا ضي في " المجرد ". نقله في القاعدة الثالثة والأربعين.
ولا يصح إعمار المنافع ولا إرقابها.
(و) على هذا لوقال مالك شيء منتفع به لآخر: (مَنَحْتُكَه) عمرك.
(و) كذا لو قال- له عن بيته: (سُكناه) لك عمرك.
(و) كذا لو قال عن بستأنه أنه نحوه: (غلّته) لك عمرك.
(و) كذا لو قال عن قنه: (خدمتُه لك) .. فإنه يكون في هذه الصور كلها (عارية). له الرجوع متى شاء في حياته وبعد موته. نقله جماعة عن أحمد. وروى معناه عن حفصة. وبهذا قال أكثر العلماء؛ لأن المنا فع إنما تستوفى
شيئاً فشيئاً بمضي الزمان. فلا تلزم إلا في قدر ما قبضه منه.
وعلم مما" تقدم أن العمرى تصح في غير العقار من الحيوان والثياب ونحوهما؛ لأنها نوع هبة. فصحت في ذلك؛ كسائر الهبات.
стр. 3216
(فصل) في حكم عطية الأولاد
وحكم الرجوع فيها وغير ذلك.
(وجب) على واهب ذكر أنه أنثى (تعديلٌ بين من يرث) من الواهب (بقرابة: من ولد وغيره)؛ كآباء وإخوة وأعمام وبنيهم. (في هبة) شيء (غيرتافه). نص عليه. وهو المذهب.
وعنه: وفيه صع تساو فقراً وغنى (١) .
وذلك التعديل الواجب (بكونها) أى: الهبة تقسط عليهم (بقدر إرثهم).
نص عليه في رواية الجماعة واختاره الأكثر.
والأصل في ذلك ما روى جابر قال: " قالت امرأة بشير لبشير: أعط ابني غلاماً. وأَشْهد لي رسو ل الله ﷺ . فاًتى رسول الله ﷺ . فقالة: أن ابنة: فلان ساً لتني أن أنحل ابنها غلامي. قال: له إخوة؛ قال: نعم. قال: كلهم أعطيت مثل ما اعطيته؛ قال: لا. قال: فليس يصلح هذا. وإنى لا أشهد إلا على حق " (٢) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
ورواه أحمد من حديث النعمان بن بشير وقال فيه: " لا تُشْهدنى على جَوْر ..
أن لبنبك عليك من الحق أن تعدل بينهم " (٣) .
стр. 3217
وفي لفظ لمسلم: " فانطلق أبي إليه يشهده على صدقتي. فقال رسول الله: أفعلت هذا بولدك كلّهم؟ قال: لا. قال: اتقوا الله واعدلوا في أولاد كم. فرجع أبي في تلك الصدقة " (١) .
وللبخاري مثله (٢) . لكن ذكره بلفظ العطية لا بلفظ الصدقة.
وروى النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: " اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين ابنائكم " (٣) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
فاًمر بالعدل بينهم. وسمى تخصيص أحدهم دون الباقين جوراً. والجور حرام فدل على أن أمره بالعدل؛ للوجوب والحتم.
ولأن في التقسيط بقدر الإرث اقتداء بقسمة الله تعالى، وقياسا لحال الحياة على حال الموت.
قال عطاء: " ما كانوا يقتسمون إلا على كتاب الله تعالى ".
فعلى هذا تكون بين الأولاد والإخوة ونحوهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
وعنه: أن المستحب أن يكون ذكر كانثى.
وعلى المذهب: (إلا في نفقة فتجب الكفاية) دون التعديل. نص عليه.
ونقل أبو طالب: لا ينبغي أن يفضل أحداً من ولده في طعام وغيره ..
قال إبراهيم: كانوا يستحبون التسوية بينهم حتى في القبل.
قال في " الفروع ": فدخل فيه نظر وقف. واحتج به الحارثي على وجوبه
مع وجوب النفقة لبعضهم. والأصح هنا: لا. انتهى.
стр. 3218
وقيل: أن التعديل مختص بالأولاد للصلب.
وقيل: بالأولاد مطلقاً. ونصره في " المغني " وقال فيه: وإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه مثل: اختصاصه بحاجة، أنه زمانه، أنه عمىّ، أنه كثرة عائلة، أنه اشتغاله بالعلم ونحوه من الفضائل، أنه صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أنه بدعته، أنه لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله تعالى أنه ينفقه فيها. فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك؛ لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان للحاجة، وأكرهُه إذا كان على سبيل الأثرة. والعطية في معناه. ويحتمل ظاهر لفظه المنع من (١) التفضيل والتخصيص على كل حال؛ لكون النبي ﷺ لم يستفصل بشيراً في عطيته.
والأول أولى إن شاء الله تعالى وعلله.
قالى في " الأنصاف ": وأما الزوج والزوجة فلا يدخلان في لفظ الأولاد والأقارب، بلا نزاع بين الأصحاب. فهم خارجون من هذه (٢) الأحكام. صرح به في " الرعاية " وغيرها. وهو ظاهر كلام الباقين. انتهى.
(وله) أى: للمعطي (التخصيص) لبعض أقاربه الذين يرثونه (بإذن الباقي) منهم. ذكره الحارثي؛ لأن العلة في تحريم التخصيص كونه يورث العداوه وقطيعة الرحم. وهي منتفية مع الإذن.
وعلم مما تقدم أنه يجوز تفضيل البعض بإذن الباقي من باب أولى.
وحيب تقرر وجوب التعديل وتحريم التخصيص والتفضيل للبعض إلا بإذن الباقي. (فإن خًصَّ أنه فضل) بعضا (بلا إذن) من الباقي: (رجع) فيما خص به بعضهم، أنه فيما فضله به على الباقي، (أنه أعطى) الباقين (حتى يستووا) بمن خصه أنه فضله. نص على ذلك في رواية يوسف بن موسى.
قالى الزركشي: وهو ظاهر كلام الأكثرين. انتهى.
стр. 3219
وظاهر كلام المتن يشمل ما إذا فعل ذلك في مرض الموت وإن له أن يعطي
في مرض الموت الباقين حتى يستووا.
قال في " الأنصاف ": وهو المذهب، وذكر من صححه واختاره وقدمه.
ثم قال: وعنه: لا يعطي في مرضه. وهو قول قدمه في " الرعايتين ".
(فإن مات) الواهب (قبله) أى: التعديل، (وليست) الهبة (بمرض موته) أى: المعطي: (ثبتت لأخذ) أى: للذي أعطيها. فلا يملك بقية الورثة الرجوع. نص عليه في رواية محمد بن الحكم والميمونى، وبه قال أكثرأهل العلم.
وعنه: لا يثبب وللباقين الرجوع. اختاره أبو عبد الله بن بطة وابو حفص
العكبريان،
وحكي بطلانها. اختاره الحارثي.
وجه الأول: ما روى مالك عن عائشة " أن أبا بكر رضي الله تعالى عنهما نحلها جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالعالية. فلما مرض قال: يا بنية! كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً. ووددت لو كنت حزتيه. ولو كنت حزتيه أنه قبضتيه كان لك. فإنما هو اليوم مال وارث فاقتسموه على كتاب الله تعالى " (١) .
فدل على (٢) أنها لو كانت حازته لم يكن لهم الرجوع.
ولأنها عطية لذي رحم، فلزمت بالموت، كما لو أنفرد.
فإن قيل: أن في فعل أبي بكر دليلاً على جواز التفضيل بالإعطاء لبعض
الورثة.
فالجواب: أن ذلك يحتمل لخصوصية فيها، لكونها أم المؤمنين أنه غير ذلك من فضائلها. أنه أنه نحل معها غيرها. أنه أنه نحلها وهو يريد أن ينحل
стр. 3220
غيرها فأدركه الموت أنه غير ذلك؛ لأن أقل أحوال التفضيل الكراهة. والظاهر من حال أبي بكر رضي الله تعالى عنه اجتناب المكروهات.
ولا خلاف بين أهل العلم في كراهة تفضيل بعض الولد على بعض.
فإن أعطى أحد بنيه في صحته ثم أعطى الآخر في مرضه فقد توقف أحمد فيه. فإنه سئل ممن زوج ابنه فأعطى عنه الصداق ثم مرض الأب وله ابن اخر هل يعطيه في مرضه كما أعطى الاخر في صحته؛ فقال: لو كان أعطاه في صحته. قال في " المغني ": فيحتمل وجهين:
أحدهما: لا يصح؛ لأن عطيته في مرضه كوصيته. ولو وصى له لم يصح فكذلك إذا أعطاه.
والثانى: يصح؛ لأن التسوية بينهما واجبة ولا طريق لهما في هذا الموضع
إلا بعطية الاخر فتكون واجبة. فتصح؛ كقضاء دينه.
(وتحرم الشهادة على تخصيص أنه تفضيل، تحمُّلاً واداء) أن علم [الشاهد بالتخصيص أنه التفضيل] (١) .
قال في " الأنصاف ": قاله في " الفائق " وغيره.
قال الحارثي: قاله الأصحاب ونص عليه. انتهى.
والأصل في ذلك: أن في لفظ حديث النعمان المتقدم الذي رواه الامام أحمد: " لا تشهدنى على جور " (٢) .
فإن قيل: فقد ورد بلفظ: " فأشهد على هذا غيري " (٣) . وهذا امر واقل أحواله الاستحباب، فكيف تحوم الشهادة على ذلك مع استحباب الإشهاد؟
стр. 3221
فالجواب: أن قوله: فأشهد تهديد؛ كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠] ولو لم يفهم هذا المعنى بشير من قول النبي ﷺ لبادر إلى الامتثال ولم يرد العطية.
وأيضاً فإنه لو لم يحمل على ذلك للزم أن يكون تناقض في حديث من
لا ينطق عن الهوى ﷺ .
(وكذا) في حكم تحريم الشهادة عليه (كل عقد فاسد عنده) أى: عند الشاهد؛ لاعتقاده عدم جوازه، قياسا على التخصيص.
قال في " التنقيح " عن عدم الجواز: قاله المصنف- يعني: الموفق- وغيره
في الرهن.
وقال القاضي: يشهد وهو أظهر. انتهى.
(ويباج) لمن له وارث (قسمة ماله بين وارثه). نقله الأكثر. والمراد:
على قسمة الله تعالى.
ووجه الإباحة: أنها قسمة ليس فيها جور، فجازت في جميع ماله؛ كبعضه.
وعنه: يكره. وقيدها بعض الأصحاب بما إذا أمكن أن يولد له.
ونقل ابن الحكم: لا يعجبني أن يأكل منه شيئاً.
(و) متى وجدت القسمة ثم حدث له وارث: فإنه (يعطى) وارث (حادث حصته) مما قسم (وجوباً)؛ لأن بذلك يحصل التعديل وهو واجب.
وقيل: استحبا با.
وأصلهما من قول الإمام: أعجب إلي أن يسوي بينهم. واقتصر على النص
في " المغني " و" الشرح ".
(وسن) لمن أراد أن يقف شيئاً على أولاد هـ أنه نحوهم أن يسوي بينهم على عدد رووسهم. وهو: (أن لا يزاد ذكر على أنثى في وقف)؛ لأن القصد القربة
стр. 3222
على وجه الدوام. ذكره القاضي وغيره وقدمه في " الفروع ". قال: وتستحب التسوية، ذكر كأنثى في وقف.
نقل ابن الحكم: لا بأس. قيل: فإن فضل؛ قال: لا يعجبني على وجه
الأثرة، إلا لعيال بقدرهم.
وقيل: بل كهبة. يعني: أنه يستحب أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقيل: يجب.
(ويصح) من مريض مرض الموت (وقف ثلثه في مرضه ووصية) منه (بوقفه) أى: الثلث (على بعضهم) أى: بعض ورثته.
قال أحمد في رواية جماعة منهم الميموني: يجوز للرجل أن يقف في مرضه على ورثته. فقيل له: أليس تذهب أنه لا وصية لوارث؟ فقال: نعم. والوقف غير الوصية؛ لأنه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكا للورثة. ومراد الإمام بكونه: لا يصير ملكا يعني: طَلْقًاً (١) . وذلك لما تقدم من أن الوقف ملك للموقوف عليه المعين. والله أعلم.
وصرح أحمد بن الحسن في مساً لة الإمام بوقف ثلثه على بعض ورثته دون بعض. فقال: جائز. واحتج الإمام بحديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " هذا ما أوصى به عبد الله عمر، أمير المؤمنين أن حدث به حدث أن ثمغاً صدقة، والعبد الذي فيه والسهم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة وسق الذي اطعمني محمد ﷺ ، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذوي الرأى من أهله. لا يباع ولا يشترى. تنفقه حيب ترى من السائل والمحروم وذوي القربى. ولا حرج على من وليه أن أكل أنه اشترى رفيقاً " (٢) . رواه ابو داود بنحو من هذا.
ووجه الحجة منه: أنه جعل لحفصة أن تلي وقفه وتأكل منه وتشتري رقيقاً.
стр. 3223
قال الميمونى: قلت لأحمد: إنما أمر النبى عمر بالآيقاف وليس في الحديث الوارث؛ قال: فإذا كان النبي ﷺ أمره فهو ذا قد وقفها على ورثته وحبس الأ صل عليهم جميعا. انتهى.
وهذا اختار الأكثر.
قال في " الأنصاف ": جاز على الصحيح من المذهب. نص عليه.
- انتهى.
وعنه: كهبة فيصح بالإجازة.
وعنه: لا يصح ذلك أن قيل: أنه هبة.
فعلى الأول لو سوى بين ابنه وبنته في دار لا يملك غيرها فرداً: فثلثها وقف بينهما بالسوية وثلثاها ميراث. وإن رد الابن وحده فله ثلتا الثلثين إرثا وللبنت ثلثهما وقفاً. وإن ردت البنت وحدها فلها ثلث الثلثين إرثاص وللابن نصفها وقفاً وسدسهما إرثا لرد الموقوف عليه. وكذا لو رد التسوية فقط دون أصل الوقف وللبنت ثلثهما وقفاً.
و (لا) يصح (وقف مريض ولو) كان وقفه (على أجنبى بزائد) أى: يجزء زائد (على الثلث) أى: ثلث ماله.
قال في " الأنصاف ": على الصحيح من المذهب. انتهى.
قال في " الفروع ": جزم به الشيخ وغيره وأطلق بعضهم وجهين.
قال (المنقح: ولو) وقع ذلك (حيلة) وذلك (كـ) وقف مريض ونحوه
(على نفسه ثم عليه). انتهى.
وهو كما قال؛ لأن قواعد المذهب تقتضى بطلان الحيل. والله أعلم.
ووجه المنع من الزائد على الثلث: أن ذلك كالهبة في مرض الموت، أنه الوصية بزائد على الثلث.
(ولا) يصح (رجوع واهب) في هبة (بعد قبض) أى: بعد لزومها. (ويحرم) الرجوع أيضاً؛ لما روى ابن عباس أن النبى قال: " العائد في
стр. 3224
هبته كالكلب يقئ ثم يعود في قيئه " (١) . متفق عليه.
وفي رواية لأحمد قال قتادة: " ولا أعلم القيء إلا حراماً " (٢) .
وشمل هذا الإطلاق: أنه سواء عوض عنها أنه لم يعوض. وهو المذهب؛
لأن العطية (٣) المطلقة لا تقتضي الثواب.
(إلا من وهبت زوجها) شيئاً (بمسألته) إياهًا (ثم ضرها بطلاق أنه غيره)، كما لو تزوج عليها.
نقل ابو طالب: إذا وهبت له مهرها. فإن كان ساً لها ذلك رده إليها رضيت
أنه كرهت؛ لأنها لا تهب إلا مخافة غضبه أنه إضراراً (٤) بأن يتزوج عليها. وإن لم يكن سألها وتبرعت به فهو جائز (٥) انتهى.
لأن شاهد الحال يد ل على أنها لم تَطِبْ به نفساً. وإنما أباحه الله تعالى عند
طيب نفسها بقوله تعالى: (وَنِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء: ٤]. وغير الصداق كالصداق.
وعنه: أن المرأة تملك الرجوع فيما وهبت زوجها مطلقاً. سواء سألها أو لم يساًلها.
قا ل الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عن المرأة تهب ثم ترجع. فرأيته يجعل النساء غير الرجال ثم ذكر الحديث: " إنما يرجع في المواهب النساء وشرار
الأ قوام ".
стр. 3225
وذكر حديث عمران: " النساء يعطين أزواجهن رغبة ورهبة. وأيما امرأة أعطت زوجها شيئاً ثم أرادت أن تقتصره فهي أحق به ". رواه الأثرم بإسناده. وعنه: لا رجوع لها مطلقاً؛ لعموم حديث ابن عباس المتقدم (١) .
وعنه: يرد عليها الصداق دون غيره مطلقاً.
وقيل: أن وهبته لدفع ضرر فلم يندفع، أو لوجود شرط فلم يوجد: رجعت، وإلا فلا.
(و) إلا (الأب) نص عليه؛ لما روى طاووس عن ابن عمر وابن عباس يرفعان الحديث إلى النبي ﷺ قال: " ليس لأحد أن يعطي عطي ويرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده " (٢) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
ولما في بعض الألفاظ حديث بشير المتقدم من قول النبي ﷺ لبشير:
" فاردده " (٣) .
وروي " فأرجعه " (٤) . رواه كذلك مالك عن الزهري عن حميد بن
عبد الرحمن عن النعمأن بن بشير.
وظاهر عبارة المتن: أنه لا فرق بين أب يقصد برجوعه التسوية بين أولاد هـ وبين غيره. وهو كذلك.
وظاهره أيضاً: أن الأب لو كان كافرا ووهب ولده الكافر شيئاً ثم أسلم الولد
أن له الرجوع في هبته بعد ذلك. وهو المذهب. ومنيع ذلك الشيخ تقي الدين.
وعنه: ليس للأب الرجوع؛ كالجد والأم. وفيهما وجه.