فالجواب: أن قوله: فأشهد تهديد؛ كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠] ولو لم يفهم هذا المعنى بشير من قول النبي ﷺ لبادر إلى الامتثال ولم يرد العطية.
وأيضاً فإنه لو لم يحمل على ذلك للزم أن يكون تناقض في حديث من
لا ينطق عن الهوى ﷺ .
(وكذا) في حكم تحريم الشهادة عليه (كل عقد فاسد عنده) أى: عند الشاهد؛ لاعتقاده عدم جوازه، قياسا على التخصيص.
قال في " التنقيح " عن عدم الجواز: قاله المصنف- يعني: الموفق- وغيره
في الرهن.
وقال القاضي: يشهد وهو أظهر. انتهى.
(ويباج) لمن له وارث (قسمة ماله بين وارثه). نقله الأكثر. والمراد:
على قسمة الله تعالى.
ووجه الإباحة: أنها قسمة ليس فيها جور، فجازت في جميع ماله؛ كبعضه.
وعنه: يكره. وقيدها بعض الأصحاب بما إذا أمكن أن يولد له.
ونقل ابن الحكم: لا يعجبني أن يأكل منه شيئاً.
(و) متى وجدت القسمة ثم حدث له وارث: فإنه (يعطى) وارث (حادث حصته) مما قسم (وجوباً)؛ لأن بذلك يحصل التعديل وهو واجب.
وقيل: استحبا با.
وأصلهما من قول الإمام: أعجب إلي أن يسوي بينهم. واقتصر على النص
في " المغني " و" الشرح ".
(وسن) لمن أراد أن يقف شيئاً على أولاد هـ أنه نحوهم أن يسوي بينهم على عدد رووسهم. وهو: (أن لا يزاد ذكر على أنثى في وقف)؛ لأن القصد القربة
стр. 3222
على وجه الدوام. ذكره القاضي وغيره وقدمه في " الفروع ". قال: وتستحب التسوية، ذكر كأنثى في وقف.
نقل ابن الحكم: لا بأس. قيل: فإن فضل؛ قال: لا يعجبني على وجه
الأثرة، إلا لعيال بقدرهم.
وقيل: بل كهبة. يعني: أنه يستحب أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقيل: يجب.
(ويصح) من مريض مرض الموت (وقف ثلثه في مرضه ووصية) منه (بوقفه) أى: الثلث (على بعضهم) أى: بعض ورثته.
قال أحمد في رواية جماعة منهم الميموني: يجوز للرجل أن يقف في مرضه على ورثته. فقيل له: أليس تذهب أنه لا وصية لوارث؟ فقال: نعم. والوقف غير الوصية؛ لأنه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكا للورثة. ومراد الإمام بكونه: لا يصير ملكا يعني: طَلْقًاً (١) . وذلك لما تقدم من أن الوقف ملك للموقوف عليه المعين. والله أعلم.
وصرح أحمد بن الحسن في مساً لة الإمام بوقف ثلثه على بعض ورثته دون بعض. فقال: جائز. واحتج الإمام بحديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " هذا ما أوصى به عبد الله عمر، أمير المؤمنين أن حدث به حدث أن ثمغاً صدقة، والعبد الذي فيه والسهم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة وسق الذي اطعمني محمد ﷺ ، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذوي الرأى من أهله. لا يباع ولا يشترى. تنفقه حيب ترى من السائل والمحروم وذوي القربى. ولا حرج على من وليه أن أكل أنه اشترى رفيقاً " (٢) . رواه ابو داود بنحو من هذا.
ووجه الحجة منه: أنه جعل لحفصة أن تلي وقفه وتأكل منه وتشتري رقيقاً.
стр. 3223
قال الميمونى: قلت لأحمد: إنما أمر النبى عمر بالآيقاف وليس في الحديث الوارث؛ قال: فإذا كان النبي ﷺ أمره فهو ذا قد وقفها على ورثته وحبس الأ صل عليهم جميعا. انتهى.
وهذا اختار الأكثر.
قال في " الأنصاف ": جاز على الصحيح من المذهب. نص عليه.
- انتهى.
وعنه: كهبة فيصح بالإجازة.
وعنه: لا يصح ذلك أن قيل: أنه هبة.
فعلى الأول لو سوى بين ابنه وبنته في دار لا يملك غيرها فرداً: فثلثها وقف بينهما بالسوية وثلثاها ميراث. وإن رد الابن وحده فله ثلتا الثلثين إرثا وللبنت ثلثهما وقفاً. وإن ردت البنت وحدها فلها ثلث الثلثين إرثاص وللابن نصفها وقفاً وسدسهما إرثا لرد الموقوف عليه. وكذا لو رد التسوية فقط دون أصل الوقف وللبنت ثلثهما وقفاً.
و (لا) يصح (وقف مريض ولو) كان وقفه (على أجنبى بزائد) أى: يجزء زائد (على الثلث) أى: ثلث ماله.
قال في " الأنصاف ": على الصحيح من المذهب. انتهى.
قال في " الفروع ": جزم به الشيخ وغيره وأطلق بعضهم وجهين.
قال (المنقح: ولو) وقع ذلك (حيلة) وذلك (كـ) وقف مريض ونحوه
(على نفسه ثم عليه). انتهى.
وهو كما قال؛ لأن قواعد المذهب تقتضى بطلان الحيل. والله أعلم.
ووجه المنع من الزائد على الثلث: أن ذلك كالهبة في مرض الموت، أنه الوصية بزائد على الثلث.
(ولا) يصح (رجوع واهب) في هبة (بعد قبض) أى: بعد لزومها. (ويحرم) الرجوع أيضاً؛ لما روى ابن عباس أن النبى قال: " العائد في
стр. 3224
هبته كالكلب يقئ ثم يعود في قيئه " (١) . متفق عليه.
وفي رواية لأحمد قال قتادة: " ولا أعلم القيء إلا حراماً " (٢) .
وشمل هذا الإطلاق: أنه سواء عوض عنها أنه لم يعوض. وهو المذهب؛
لأن العطية (٣) المطلقة لا تقتضي الثواب.
(إلا من وهبت زوجها) شيئاً (بمسألته) إياهًا (ثم ضرها بطلاق أنه غيره)، كما لو تزوج عليها.
نقل ابو طالب: إذا وهبت له مهرها. فإن كان ساً لها ذلك رده إليها رضيت
أنه كرهت؛ لأنها لا تهب إلا مخافة غضبه أنه إضراراً (٤) بأن يتزوج عليها. وإن لم يكن سألها وتبرعت به فهو جائز (٥) انتهى.
لأن شاهد الحال يد ل على أنها لم تَطِبْ به نفساً. وإنما أباحه الله تعالى عند
طيب نفسها بقوله تعالى: (وَنِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء: ٤]. وغير الصداق كالصداق.
وعنه: أن المرأة تملك الرجوع فيما وهبت زوجها مطلقاً. سواء سألها أو لم يساًلها.
قا ل الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عن المرأة تهب ثم ترجع. فرأيته يجعل النساء غير الرجال ثم ذكر الحديث: " إنما يرجع في المواهب النساء وشرار
الأ قوام ".
стр. 3225
وذكر حديث عمران: " النساء يعطين أزواجهن رغبة ورهبة. وأيما امرأة أعطت زوجها شيئاً ثم أرادت أن تقتصره فهي أحق به ". رواه الأثرم بإسناده. وعنه: لا رجوع لها مطلقاً؛ لعموم حديث ابن عباس المتقدم (١) .
وعنه: يرد عليها الصداق دون غيره مطلقاً.
وقيل: أن وهبته لدفع ضرر فلم يندفع، أو لوجود شرط فلم يوجد: رجعت، وإلا فلا.
(و) إلا (الأب) نص عليه؛ لما روى طاووس عن ابن عمر وابن عباس يرفعان الحديث إلى النبي ﷺ قال: " ليس لأحد أن يعطي عطي ويرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده " (٢) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
ولما في بعض الألفاظ حديث بشير المتقدم من قول النبي ﷺ لبشير:
" فاردده " (٣) .
وروي " فأرجعه " (٤) . رواه كذلك مالك عن الزهري عن حميد بن
عبد الرحمن عن النعمأن بن بشير.
وظاهر عبارة المتن: أنه لا فرق بين أب يقصد برجوعه التسوية بين أولاد هـ وبين غيره. وهو كذلك.
وظاهره أيضاً: أن الأب لو كان كافرا ووهب ولده الكافر شيئاً ثم أسلم الولد
أن له الرجوع في هبته بعد ذلك. وهو المذهب. ومنيع ذلك الشيخ تقي الدين.
وعنه: ليس للأب الرجوع؛ كالجد والأم. وفيهما وجه.
стр. 3226
وفرق الإمام بين الأب والأم. قال في رواية الأثرم: ليست هي عندي كالرجل " لأن له أن ياً خذ من مال ولده. بخلاف الأم. ولولايته وحيازته جميع المال.
وعنه: له الرجوع إلا أن يتعلق بما وهبه لابنه حق أنه رغبة.
والمذهب: أن له الرجوع.
(ولو تعلق بما وهب حق، كفلس) أى: كان يفلس الولد والمال الموهوب
في يده، (أنه) يتعلق بالمال الموهوب (رغبة، كتزويج) أى: بأن يزوجوا الموهوب أن كان ذكرا رغبة فيما بيده من المال الموهوب، أنه يتزوجوها أن كانت أنثى رغبة فيما بيدها من المال الموهوب، لعموم الخبر.
ولأن حق الغريم تعلق بالمال، كتعلق الغريم الذي لم يجد عين ما باعه عند المفلس. وحق رجوع الوالد كتعلق من وجد عين ماله الذي لم يقبض من ثمنها شيئاً، والمتزوج لم يتعلق حقه بعين هذا المال. فلم يمنع الرجوع فيه.
(إلا إذا وهبه) أى: وهب الوالد ولده (سرية للإعفاف): فإنه لا يملك الرجوع فيها (ولو استغنى) عنها الولد بتزوجه أنه شرائه غيرها أنه بغير ذلك.
قال في " الأنصاف ": وإن لم تكن أم ولد فإنها ملحقة بالزوجة. ونصعليه
أحمد في أكثر الروايات. انتهى.
قال في " الرعاية الكبرى " في كتاب (١) النكاح: يجب إعفاف الأب وإن علا والابن وإن سفل. ثم قال بعد ذلك: فإن استغنى عنها بعد ذلك لم يرجع الواهب فيها.
وقيل: بلى. انتهى.
فسماه واهبا.
(أنه إذا اسقط حقه) أى: الأب (منه) أى: من الرجوع فإنه يسقط، لأن الرجوع مجرد حقه وقد أسقطه فسقط.
стр. 3227
وقيل: لا يسقط؛ لأنه حق ثبت له بالشرع. فلم يسقط بإسقاطه؛ كما لو أسقط الولي حقه من ولاية النكاح.
وفرق بينهما: بأن ولايه النكاح حق عليه لله تعالى وللمرأه بدليل إثمه بالعضل. بخلاف الرجوع.
(ولا يمنعه) أى: الرجوع (نقص) يحصل في العين الموهوبة بيد الولد.
سواء كان النقص في القيمة؛ كما لو كان الموهوب عبدا قيمته مائة فصارت ثمانين. أنه في الذات؛ كما لو تآكلت يده وسقطت، أو قطعها الموهوب له أنه غيره، أو جنى جناية تعلق أرلثمها برقبته. وعلى الأب في هذه أن رجع ضمان ارش الجناية. ولا ضمان على الابن للأب في شيء مما تقدم.
ومتى رجع في رقيق أنه بهيمة وقد جنى عليه أنه عليها: فأرش الجناية للابن؛ لأنه بمنزلة الزيادة المنفصلة.
(أنه زيادة منفصلة) يعني: أن حصول الزيادة المنفصلة؛ كالولد والثمرة وكسب الرقيق الموهوب لا يمنع الرجوع؛ لأنه في الأصل دون النماء.
(وهي) أى: الزيادة اللولد)؛ لأنها حادثة في ملكه ولا تتبع في الفسوخ. فكذا هنا.
(إلا) إذا كان الموهوب أمة حائلاً فإنه (إذا حملت الأمة وولدت) عند الابن. (ف) أن ذلك (يمنع) الرجوع (في الأم) التي هي الموهوبة؛ لأن الوجوع هنا يدعو إلى التفريق بين الوالدة وولدها. وهو محرم.
وقيل: أن الزيادة المنفصلة للأب.
فعلى هذا فله (١) الرجوع في الأمة وولدها.
(وتمنعه) أى: الرجوع الزيادة (المتصلة) بالعين الموهوبة؛ كالسمن والكبر والحمل وتعلم الصنعة.
стр. 3228
قال قي " الأنصاف " بعد أن ذكر من اطلق الروايتين قي ذلك: إحداهما: تمنع. صححه في " التصحيح " ونصره المصنف والشارح.
قال في القاعدة الحادية والثمانين بعد إطلاق الروايتين: والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور امتناع الرجوع. وهو المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة
والراواية الثانية: لا تمنع. نص عليه في رواية حنبل. وهو اختيار القاضي وأصحا به. قا له الحارثي. وا. ختاره ابن عبدوس في " تذكرته ". وقا ل: ويشارك بالمتصله.
قال في " القواعد ": وعلى القول بجواز الرجوع: لا شيء على الأب، للزيادة. انتهى كلامه في " الأنصا ف ".
قال في " المغني " معللاً لمنع الرجوع: يأن الزيادة للموهوب له، لكونها
نماء ملكه ولم تنتقل إليه من جهة ابيه. فلم يملك الرجوع فيها" كالمنفصلة. وإذا امتنع الرجوع امتنع في الأصل، لئلا يفضي إلى سوء المشاركة وضرر التشقيص. ولأنه استرجاع للما ل بفسخ عقد لغير عيب في عوضه. فمنعه الزيادة المتصله، كاسترجاع الصداق بفسخ الثكاح أنه بصفة الطلاق، أنه رجوع البائع في المبيع لفلس المشتري.
ويفارق الرد بالعيب من جهة: أن الرد من المشتري وقد رضي ببذل الزياده. ثم قال بعد ذلك بأسطر: وإن زاد ببرئه من مرض أنه صمم منع الرجوع، كسائر
الزيا دات.
(ويصدق أب في عدمها). يعني: لو قال الابن لأبيه: قد زادت العين الموهوبة فا متثع رجوعك فيها وإنكر الأب وجود الزيادة: كان القول قوله في عدمها، لأن الأصل عدمه (١) .
стр. 3229
(و) يمنع الرجوع أيضاً في الشيء الموهوب (رهنه) اللازم؛ لأن في الرجوع إبطالاً لحق المرتهن وعليه ضرر في ذلك وهو ممنوع شرعاً.
(إلا أن ينفك) الرهن بوفاء أو غيره. فيملك الرجوع إذا؛ لأن ملك الابن
لم يزل، وإنما طرأ معنى قطع التصرف مع بقاء الملك فمنع الرجوع، فإذا زال زال المنع.
(و) يمنع الرجوع أيضاً (هبة الولد) ذلك الشئ الموهوب له من قبل أبيه
(لولده)؛ لأن في رجوع الواهب الأول إذاً إبطالاً لملك غير ابنه.
وهو لا يملك ذلك (إلا أن يرجع هو) أى: الواهب الثانى في هبته لابنه.
فإن الواهب الأول يملك الرجوع حينئذ؛ لأنه فسخ هبته برجوعه. فعاد إليه الملك بالسبب الأول.
وفيه وجه: لا يملك الرجوع؛ كما لو عاد (١) بسبب غير رجوعه.
(و) مما يمنع الرجوع أيضاً (بيعه) أى: بيع الابن للشيء الموهوب. فال بعضهم: قولاً واحداً.
وكذا كل ما ينقل الملك في الرقبة؛ كالهبة والوقف. أنه يمنع التصرف فيها؛ كالاستيلاد. ولو لم يهبها له لذلك.
(إلا أن يرجع) المبيع (إليه) أى: إلى الولد البائيع لذلك (بفسخ أنه فلس مشتر) فإن الأب الواهب يملك الرجوع فيه إذا؛ لأنه عاد إلى الابن بالسبب المانع من الرجوع. أشبه الفسخ بالخيار.
وقيل: لا يملك الرجوع؛ كما لو رجع إليه بسبب اخر؛ مثل: أن اشتراه أو اتهبه من مششريه. وإنما لم يملك الرجوع في مثل ذلك؛ لأن الموهوب عاد إلى الولد بملك جديد لم يستفده (٢) من قبل أبيه. فلم يملك إزالته؛ كما لو لم يكن موهوباً.
و (لا) يمنع الأب الرجوع في رقيق وهبه لابنه (أن دبره) الابن (أنه
стр. 3230
كاتبه)؛ لأن كلاً من التدبير والكتابة لا يمنع التصرف في الرقبة بالبيع ونحوه فلم يمنع الرجوع. أشبه ما لو زوج الرقيق الموهوب أنه أجره.
وقيل: أن الكتابة والتدبير يمنعان الرجوع أن قلنا بعدم صحة بيع المدبر
والمكا تب.
(و) على المذهب (يملكه) أى: يملك الأب الرقيق الذي وهبه لولده ثم
رجع فيه بعد أن كاتبه الولد (مكاتباً)، لأن الابن لا يملك إبطال الكتابة فكذلك من أنتقل إليه. وكذا كل عقد لازم؛ كالإجارة والتزويج. فإن الأب إذا رجع في الموهوب وهو مؤجر أنه مزوج لم يملك إبطال عقد الإجارة والتزويج ونحوهما. وما أخذه الابن من دين الكتابة أنه مهر الأمة لم يأخذه منه أبوه، وما يحل بعد رجوع الأب فللأب.
وعلم مما تقدم أن وطء الابن الأمة إذا لم تحبل منه، وتعليق (١) العتق بصفة، والمزارعة على الأرض الموهوبة، والمساقاة على الأشجار الموهوبة ونحو ذلك: لا يمنع الرجوع؛ لأنه لا يمنع التصرف في الرقبة. أشبه الوصية بالشيء الموهوب.
(ولا يصح رجوع إلا بقول) بأن يقول: قد رجعت في هبتي أنه ارتجعتها أو رددتها أو عدت فيها ونحو ذلك، لأن الملك ثا بت للموهوب له يقينا. فلا يزول إلا باليقين. وهو صريح الرجوع.
وقيل: أن أخذ الأب ما وهبه لابنه مع قرينة تدل على الرجوع [كان رجوعاً.
وكذا بيعه وعتقه. ولا ينفذ على المذهب.
ولا يحصل الرجوع] (٢) بنيته من غير قول ولا فعل وجها واحداً؛ لأن الرجوع
إثبات ملك على مملوك لغيره. فلم يحصل بمجرد النية؛ كسائر تجدد الأملاك. ومنع في " المغني " صحة تعليق الرجوع على شرط.
стр. 3231
فصل [في حكم تملك الأب مال ولده]
وحكم ما ليس له التصرف فيه من ماله وغير ذلك.
(ولأب حر تملك ما شاء من مال ولده). سواء كان الأب محتاجا لما تملَّكه
أنه لا. وسواء كان الولد صغيرا أو كبيرا، وسواء كان الولد ذكرا أنه أنثى.
قال في " الفروع ": ولو أراد أخذه مع غناه فليس له أن ياً بى عليه.
نقل الأثرم: ولو كنت أنا لجبرته على دفعه إليه، على حديث النبي ﷺ
" أنت ومالك لأبيك " (١) .
(ما لم يضرّه) أى: يضر الأب ولده بما يتملكه من ماله بأن تتعلق حاجة الابن به. نص عليه؛ كما لو كان الذي تملكه الأب الة حرفه يتكسب بها الولد أنه نحو ذلك؛ لأن حاجة الإنسان مقدمة على دينه. فلان تقدم على أبيه بطريق الأولى،
(إلا سُرِّيته) أى: الأمة التي وطئها الولد (ولو لم تكن أم ولد) فإنها ملحقة بالزوجة. ونص عليه أحمد في أكثر الروايات. نقله في " الأنصاف ".
(أنه ليعطيه) الأب (لولد اخر) بأن يتملك من مال ولده هذا ويعطيه لولده هذا. فيمنع من ذلك. نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد؛ وذلك لأنه - ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه. فلان يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الاخر أنه لى.
(أنه) يكون التملك (بمرض موت احدهما).
قال في " الأنصاف ": قال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب: أنه ليس
стр. 3232
للأب أن يتملك من مال ابنه فى مرض موت الأب ما يخلفه تركة؛ لأنه بمرضه قد أنعقد السبب القاطع لتملكه. فهو كما لو تملك في مرض موت الابن. انتهى. فعلم مما تقدم ص حة تملك الأ ب دون الأم والجد من مال ابنه ما شاء ما عدا
ما استثني.
قال في " الأنصاف " عند قول الموفق: وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء: هذا المذهب بشرطه، وعلمه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، ومنع من ذلك ابن عقيل. ذكره في مساً لة الإعفاف.
وقال الشيخ تقي الدين: لي س للأب الكافر أن يتملك مال ولده المسلم.
لا سيما إذا كان الولد كافراً ثم اسلم.
قلت: وهذا عين الصواب.
وقال أيضاً: والأشبه أن الأب المسلم لي س له أن يأخذ من مال ولده الكافر شيئاً. انتهى.
وعنه: أن له أن ش ملك ما شاء من مال ولده ما لم يجحف به (١) . جزم به في
" الكافي ".
وعنه: له تملكه كله-.
وقيل: له تملك ما احتاجه منه، وفاقاً للأئمة الثلاثة.
وسأله ابن منصور [وغيره: يأكل] (٢) من مال ابنه؟ قال: نعم. إلا أن يفسده فله الموت. نقله في " الفروع ".
استدل القائل بمنع التملك مطلقاً أنه إلا ما احتاجه منه بقوله ﷺ : " لا يحل مال امر ئ مسلم إلا عن طيب نفس مثه " (٣) . رواه الدارقطني.
وبما روى الحسن أن النبي ﷺ قال: " كل أحد أحق بكسبه من والده وولده
стр. 3233
والناس أجمعين " (١) . رواه سعيد في " سننه ".
وهذا نص.
ويقوله ﷺ : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم (٢) عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا [في بلدكم هذا] (٣) " (٤) متفق عليه.
وبأن ملك الابن تام على مال نفسه. فلم يجز أنتزاعه منه؛ كما لو تعلقت حاجة الابن بجميعه.
قال في " المغني ": ولنا: ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " أن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولاد كم من كسبكم " (٥) . أخرجه سعيد والترمذي وقال: حديث حسن.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " جاء رجل إلى النبي فقال: أن أبي احتاج مالي. فقال: أنت ومالك لأبيك " (٦) . رواه الطبرانى في "معجمه "مطولاً.
ورواه غيره وزاد: " أن أولاد كم من أطيب كسبكم. فكلوا من
أموالهم " (٧) .
стр. 3234
وروى محمد بن المنكدر والمطلب بن حنطب قال: " جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أن لي مالاً وعيالاً ولأبي مال وعيال وأبي يريد أن يأخذ مالي؛ فقال النبي ﷺ : أنت ومالك لأبيك " (١) . اخرجه سعيد في " سننه ". ولأن الله تعالى جعل الولد موهوباً لأبيه فقال: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) [الأنبياء: ٧٢].
وقا ل: (وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى) [الأنبباء: ٩٠].
وقا ل زكريا: (عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) [مريم: ٥]
وقال إبراهيم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) [إبراهيم: ٣٩].
وما كان موهوباً له كان له أخذ ماله؛ كعبده.
وقال سفيان بن عيينة في قوله: (وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ) [النور: ٦١] ثم ذكر سائر القرابات إلا الأولاد لم يذكرهم؛ لأنهم دخلوا في قوله: (من بيوتكم). فلما كانت بيوت أولاد هم كبيوتهم لم يذكر بيوت أولاد هم.
ولأن الرجل يلي مال ولده من غير تولية. فكان له حق التصرف فيه؛ كمال نفسه.
وأما أحاديثهم فأحاديثنا تخصها وتفسرها. فإن النبي ﷺ جعل مال الابن
مالا لأبيه بقوله: " أنت ومالك لأبيك " (٢) . فلا تنافي بينهما.
وقوله: " أحق به من والده وولده " (٣) مرسل.
стр. 3235
ثم هو يدل على ترجيح حقه على حقه. لا على نفي الحق بالكلية. والولد
أحق من الوالد بما تعلقت به حاجته. انتهى.
وفي الجد: رواية مخرجة أنه كالأب.
وفي الأم: وجه.
(ويحصل) تملك الأب (بقبض) لما يتملكه. نص عليه، (مع قول أ، نية).
قال في " الفروع ": ويتوجه أنه قرينة.
ووجه ذلك: أن القبض أعم من أن يكون للتمليك أو غيره. فاعتبر القول أو النيه؛ ليتعين وجه القبض. وأنه للتمليك (١) لا لغيره.
(فلا يصح تصرفه قبله) أى: القبض.) ولو) كان التصرف (عتقاً).
نص عليه أحمد، فقال: لا يجوز عتق الأب لعبد ابنه ما لم يقبضه.
وفي " المبهج ": في تصرفه في غير مكيل وموزون روايتان. بناء على حصول ملكه قبل قبضه.
وقال أبو بكر في " التنبيه ": بيع الأب على ابنه وعتقه وصدقته ووطء إمائه
ما لم يكن الابن قد وطئ: جائز.
ووجه المذهب: أن ملك الابن تام على مال نفسه يصح تصرفه فيه. ويحل
له وطء جواريه.
ولو كان الملك مشتركاً لم يحل له الوطء؛ كما لا يجوز وطء الجارية المشتركة .. وإنما للأب أنتزاعه منه؛ كالعين التي وهبها إياهًا.
(ولا يملك) الأب (إبراء نفسه) من دين عليه لولده. وهذا مبني على
أن (٢) الولد يثبت له في ذمة أبيه الدين. وفي المسألة خلاف.
стр. 3236
قال في " الفروع ": وإن ثبت ففي ملكه إبراء نفسه نظر. قاله القاضي. وذكر غيره: لا يملكه؛ كإبرائه لغريمه وقبضه منه؛ لأن الولد لم يملكه. انتهى.
وإلى هاتين المسألتين المقيس عليهما أُشير في المتن بقوله:
(ولا) يملك الأب إبراء (غريم ولده، ولا قبضه) أى: قبض دين ولده (منه، لأن الولد لا يملكه إلا بقبضه) من غريمه. (ولو أقر الأب بقبضه) أى: قبض دين ولده من غريمه، (وإنكر الولد) ذلك: (رجع) الولد) على غريمه، ورجع (الغريم على الأب).
قال في " الفروع ": ولو أقر بقبض دين ابنه فإنكر رجع على غريمه. وهو على (١) الأب. نقله مهنا. فظاهره: لا يرجع إن أقر الأبن. انتهى.
ولم يزد على ذلك في " الأنصاف ". وهذا الظاهر مشكل على المذهب. ولعل ما نقله مهنا وقع جواباً عن سؤال سائل فلا يعول على مفهومه ولا ظاهره. والله أعلم.
وإن أولد) الأب (جارية ولده) قبل تملكها صارت له) أى: للأب (أم ولد)، لأن إحبال الأب لها يوجب نقل الملك إليه، وحينئذ يكون الوطء مصادفاً للملك.
ومقتضاه أنها إذا لم تحبل منه أنها باقية على ملك الولد.
(وولده) منها حر، لأنه من وطء أنتفى فيه الحد للشبهة. فـ (لا تلزمه قيمته) لولده المنتقل عنه ملك الجارية لصيرورتها أم ولد للأب " لأن الولد إنما أتت به في ملك الأب لكون إحبالها أنهجب نقل الملك فيها.
(ولا مهر) عليه لولده؛ لأن الوطء سبب نقل الملك فيها وإيجاب القيمة للولد كما سيأتي. والوطء الموجب للقيمة كالإتلاف (٢) فلا يجتمع معه المهر.
стр. 3237
(ولا حد) على الأب بهذا الوطء؛ لشبهة الملك. فإن النبي ﷺ أضاف مال الولد إلى ابيه فقال: " أنت ومالك لأبيك " (١) .
وعنه: أن كان الابن وطئها فعلى الأب الحد.
وقا ل في " الأنصاف ": أنه الأولى.
(ويُعزَّر) [أى: الأب] (٢) من أجل ذلك؛ لأنه وطئ وطئاً محرماً. أشبه
ما لو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره.
وقيل: لا يعزر مطلقاً.
وقيل: لا يعزر أن لم تحبل.
(وعليه) أى: على الأب بسبب إحباله الجارية (قيمتها) للابن. لكن (٣) ليس له مطالبته بها كما سياً تي.
قال في " الأنصاف " على قوله في " المقنع ": وليس للابن (٤) مطالبة ابيه بدين ولا قيمة متلف ولا أرش جناية ولا غير ذلك:
تنبيه: ظاهر كلام المصنف: أن ذلك يثبت في ذمته، ولكن يمنع من المطالبة. وهو أحد الوجهين، والمذهب منهما قدمه في " المغني ". وهو ظاهر كلامه في " المحرر " و" الرعاية " و" الحا وي ".
قال الحارثي: من الأصحاب من يقول بثبوت الدين وإنتفاء المطالبة، منهم القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل والمصنف. انتهى.
واختاره المجد في " شرحه ".
وقدم في " الفروع ": إذا أولد أمة ابنه: أنه يثبمت قيمتها في ذمته. ذكره في
باب أمهات الأولاد.
стр. 3238
والوجه الثانى: لا يثبت في ذمة الأب شيء لولده.
قال الحارثي: وهو الأصح، وبه جزم أبو بكر وابن البنا. وهو من المفردات. وهو المنصوص عن أحمد. وتأ، ول بعض الأصحاب النص.
قال المصنف: ويحتمل أن يحمل المنصوص عن أحمد وهو قوله: إذا مات الأب بطل دين الابن، وقوله: من أخذ من مهر ابنته شيئاً فإنفقه ليس عليه شيء. ولا يؤخذ من بعده: على أن أخذه وإنفاقه إياه: دليل على قصد التملك. انتهى كلامه في " الأنصاف ".
وإنما يوجب إحبال الأب لأمة ابنه نقل الملك فيها وصيرورتها أم ولد له: إذا
لم يكن الابن وطئها. (ولا ينتقل الملك فيها أن كان الابن قد وطئها، ولو لم يستولدها) الابن؛ لأنها بمجرد وطء الابن تصير من حلائل الأبناء. (فلا تصير أم ولد للأب). نص عليه.
قال في " الفروع ": وإن كان ابنه يطؤها لم تصر أم ولد اللأب في المنصوص.
قال ابن رجب في القاعدة الخامسة والخمسين: والمرجح عند صاحب
" المغني " أنها تصير مستولدة؛ لأن التحريم لا ينافي الاستيلاد؛ كالأمة المشتركة. ولكن بينهما فرق وهو: أن هذه محرمة على التأبيد. بخلاف المشتركة. وقد نص أحمد على أن (١) النسب لا يلحق بوطء الأمه المزوجة وإن كان زوجها صغيراً لا يولد لمثله في رواية حرب وابن بختان. وذكره أبو بكر وابن أبي موسى فالمؤبدة التحريم أولى. هذا كله ما لم يكن الابن قد استولدها. فإن كان استولدها لم ينتقل الملك فيها باستيلاد غيره كما لا ينتقل بالعقود.
وذكر ابن عقيل في "فنونه ": أنها تصير مستولدة لهما جميعا؛ كما لو وطئاها
في ظهر وأحد وأتت بولد وألحقته القافة بهما. ولكن في مساً لة القافة حكم باستيلادها لهما دفعة واحدة. وفي مساً لتنا قد ثبت استيلاد الابن أولا لها فلا
стр. 3239
ينتقل إلى غيره. إلا أن يقا ل: أم الولد تملك بالقهر على رواية. وا"لاستيلاد سبب قهري. انتهى.
وعلم مما تقدم إن وطأها قبل تملكها واستبرائها محرم " لأنه ابتداء ملك. فوجب الاستبراء فيه، كما لو اشتراها.
(ومن استولد أمة أحد ابويه: لم تصر أم ولد له. وولده قن. وإن علم التحريم: حد)، لأن الابن ليس له التملك على أحد من ابويه. فلا شبهة له في الوطء.
(وليس لولد ولا ورثته) أى: ورثة الولد (مطالبة أب بدين)، كقرض وثمن مبيع، (أو قيمة متلف)، كما لو حرق لولده ثوباً أو نحوه، (أو ارش جناية) على ولده، كما لو قلع سنه أو قطع طرفه، (ولا) بشيء (غير ذلك مما للابن عليه) " كما لو زرع أرضاً لابنه، أو سكن دارا له: فإنه ليس له مطالبته بشيءمن ذلك.
قال في " الأنصاف ": هذا هو المذهب، وعليه الأصحاب، وقطع به أكثرهم. وهو من المفردات (١) .
وقال في " الرعاية " (٢) : قلت: - ويحتمل أن يطالبه بما له في ذمته مع حاجته إليه، وغنى والده عنه.
قال في " الرعاية الصغرى " (٣) ولا يطالب أباه بما ثبت له في ذمته في
الأصح، بقرض وإرث وبيع وجنا ية. وإتلاف. انتهى.
وقيل: لورثة الابن المطا لبة بدين مورثهما على ابيه وإن منعنا الابن منها. وأطلقهما في " الفائق ".
стр. 3240
وفي " الا نتصار ": فيمن قتل أبنه: أن قلنا الدية للوارث طالبه، وإلا فلا.
وإن المباح يحرم إتلافه عبثاً ولا يضمنه. انتهى.
وأما ولد الولد فهل حكمه حكم الولد في عدم مطالبته لأبي ابيه بما له في ذمته
أنه لا؛ قا ل في " الرعاية ": قلب: يحتمل وجهين. وإن قلنا لا يتبت في ذمته شيء فهدر. انتهى.
قال في " الأنصاف " بعد حكايته لكلام صاحب " الرعاية ": قلت: ظاهر كلام أكثر الأصحاب أن له مطالبته. انتهى.
وعلى المذهب: يستثنى من منع مطالبة الابن لأبهيه صورتأن. أشير إلى ذلك بقوله: (إلا بنفقته) أى: نفقة الولد (الواجبة) على الأب؛ لفقر الولد وعجزه عن التكسب.
(و) إلا (بعين مال لى) أى: ل لولد (بيده) أى. يد الأب.
قال في " الفروع ": ويطلبه (١) بنفقته.
وفي " الرعا ية ": وعين في يده،
ونقل ابن الحكيم: ما حازه لا ياًخذه حيأ ولا ميتاً. وإن كان بعينه إذا حازه لنفسه. انتهى.
قال في " الأنصاف ": للابن مطا لبه ابيه بنفقته الواجبة عليه. قا: له الأصحاب-.
قا ال في " الوجيز ": له مطالبته بها، وحبسه عليها-.
وهو مستثنى من عمومه كلام من أطنق. ويعايى بها.
قا ل في " الرعايتين " و" الحاوى الصغير " و" تذكرة إبن عبدوس " وغيرهم: للأبن مطالبة أبيه بعين له في يده.
قلت. وهو ظاهر كلام المصنف. انتهى كلامه في "الأنصاف ".
стр. 3241
(ويثبت له) أى: للابن (في ذمته) أى: ذمة والده (الدَّيْن)؛ كالثمن
والأجرة والقرض، (ونحوه)؛ كقيم المتلفات وأروش (١) الجنايات. وتقدم
التنبيه على ذلك.
(وإن وجد) الابن (عين ماله الذي أقر ضه أنه باعه) لأبيه، (ونحوه)؛
كما لو غصب أبوه شيئاً فوجده عنده (بعد موته: فله) أى: للابن الذي اقترض، أنه باع أباه شيئاً، أنه غصبه منه الأب (أخذه) أى: أخذ ذلك المقرض، أنه المبيع، أنه المغصوب دون بقية ورثة الأب: (أن لم يكن)
الابن (أنتقد) من أبيه (ثمنه) أى: ثمن المبيع، أنه بدل القرض، أنه الغصب.
قال في " التلخيص ": ولو مات الأب وقد كان اقترض من ولده شيئاً، أنه
اشترى منه سلعة ولم ينقد ثمنها فوجدها الابن بعينها فهل له أخذها لتعذر العوض. أنه يكون ميراثاً للورثة؛ فيه روايتان.
وقال في " الفروع ": فإن مات ففي أخذه عين ماله. وقال في " المبهج ":
أنه بعضه ولم ينقد ثمنه: روايتان. انتهى.
قال في " الأنصاف ": وقدم في " المغني ": أن الأب إذا مات يرجع الابن
في تركته بدينه، لأنه لم يسقط عن الأب. وإنما تأخرت المطالبة. ثم قال عقب حكأىته لكلام " المغني ": قلت: هذا في الدين. ففي العين بطريق أولى. انتهى.
(ولا يسقط دينه) أى: الابن (الذي عليه) أى: على الأب (بموته) أى:
الأب.
قال في " الأنصاف ": على أحد الوجهين، اختاره بعضهم. وقدمه في
" الفروع " و" المغني ".
стр. 3242
والمنصوص عن أحمد: أنه يسقط كحبسه به في الأجرة. أنتهي.
قال في " المغني " بعد أن قدم عدم السقوط: وقد روي عن أحمد أنه قال:
إذا مات الأب بطل دين الابن. وقال: فيمن اخذ من مهر ابنته شيئاً فإنفقه: فليس عليه شيء، ولا يؤخذ من بعده. وما أصابت من المهر من شيء بعينه أخذ به. وتاًول بعض أصحابنا كلامه على أنه أخذه على سبيل التملك. ويحتمل أن يكون أخذه له وإنفاقه إياه دليلاً على قصد التملك. فيثبت الملك له بذلك الأخذ. انتهى.
(بل جنايته) أى: جناية الأب على ابنه يعني: أن أرشها يسقط بموت الأب.
قال في " التنقيح ": والمنصوص يسقط وهو اظهر كجناية. انتهى.
وظاهر كلامهم: أن الجناية أعم من كونها على مال أنه بدن نفس الولد. ولعل الفرق بينها وبين دين القرض وثمن المبيع ونحوهما: كون الأب اخذ عن هذا عوضاً. بخلاف ارش الجناية.
وعلى هذا ينبغي أن يسقط عنه بموته أيضاً دين الضمان إذا ضمن غريم ولده
له. والله سبحأنه وتعالى أعلم.
(وما قضاه) الأب (في مرضه) من دين لولده عليه، (أنه وصى بقضائه)
من تركته: (فمن رأس ماله)؛ لأنه حق ثابت عليه. لا تهمة فيه. فكان من رأس المال؛ كدين الأجنبي.
وحكم الصدقة فيما تقدم حكم الهبة.
قال ابن قندس في " حواشي المحرر ": والرجوع في الصدقة كالهبة. صرح به أبو محمد والقاضي في " المجرد " وهو ظاهر إطلاق جماعة. واختار ابن ابي موسى: أنه يرجع فيما وهبه لابنه، ولا يرجع فيما كان على وجه الصدقة. وذكره أبو حفص " تحصيل المذهب ".
стр. 3243
نقل حنبل: أرى من تصدق [على ابنه] (١) بصدقة فقبضها الابن وكان (٢) في حجر ابيه واشهد على صدقته: فليس له أن ينقص شيئاً من ذلك؛ لأنه لا يرجع في شئ من الصدقة. ونحو ذلك نقل المروذي؛ لعموم قوله ﷺ لعمر: " لا تعد في صدقتك " (٣) .
وقد فهم عمر العموم. فروى في " الموطأ " عنه: " من وهب هبة يرى أنه
أراد بها صلة رحم، أنه على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها " (٤) .
ومن وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها أن لم يرض. انتهى.
стр. 3244
(فصل) في عطية المريض
وما يلحق بها من المحاباة في عقود المعاوضات ونحو ذلك
(وعطيةُ مريض) مرضاً (غيرً مرض الموت. ولو كان) ذلك المرض (مخوفاً. أنه) كان ذلك المرض (غير مخوف؛ كصُدًاع) وهو وجع الرأس، (و) (وجع ضرس، ونحوهما)؛ كحمًّى يوم. قاله في " الرعاية ". وقيل: ساعة. قاله في " الشرح " (١) .
وكإسهال يسير من غير دم
(ولو صار) هذا (مخوفاً ومات به: كصحيح) يعني: أن عطيته تصح في جميع ماله؛ لأن مثل هذه الأمور لا يخاف منه في العادة.
وكما لو كان مريضاً وبرئ.
ولأن الإسهال اليسير قد يكون من فضلة الطعام.
ومحل ذلك: إذا لم يكن متحرقاً بأن لا يمكنه منعه ولا إمساكه. فإن كان متحرقاً كان مخوفا وإن كان ساعة؛ لأن من لحقه ذلك أسرع في هلاكه. قاله في "المغني ".
وأما كونه كالصحيح ولو صار مرضه مخوفا. فقد ذكره السامري مما واقتصر عليه الحارثي اعتباراً بحال العطية؛ كما لو كان صحيحا ثم طرأعليه مرض الموت عقب العطية.
(و) عطية مريضى (في مرض موته المخوف)؛ وذلك (كالِبرْسَام) بكسر الموحدة وهو: بخار يرتقي إلى الراس ويؤثر في الدماغ فيختل العقل به.
стр. 3245
وقال عياض: هو ورم في الدماغ يتغير منه عقل الإنسان ويهذي.
(وذات الجَنْب) وهو: قرج بباطن الجنب.
(والرًُعاف الدائم)، لأنه يصفي الدم فتذهب القوة.
(والقيام المتدارك) وهو الإسهال الذي لا يستمسك.
ومن المخوف أيضاً: الإسهال الذي يكون معه دم، لأن ذلك يضعف القوة.
(والفالج) وهو: داء معروف يرخي بعض البدن.
قال في " القاموس ": والفالِج: استرخاء لأحد شقي البدن " لأنصباب خِلْط بَلْغميًّ تنسد منه مسالك الروح. فُلِج كعُني. فهو مفلوج. انتهى.
وقال ابن القطاع: فلج فالجاً: بطل نصفه أنه عضواً منه.
(في) حا ل (أبتداء) للمرض.
(والسَِِّلّ) بكسر المهملة: داء معروف (في) حال (أنتهاء.
و) كذا من (١) الأمراض (ما قال عدلان من أهل الطب: أنه مخوف)، كوجع الرئه فإنها لا تسكن حركتها فلا يندمل جرحها، وكالقولنج. وهو: أن ينعقد الطعام في بعض الأمعاء ولا ينزل عنه. وهذه الأمراض مع الحمى أشد خوفا.
ومن هاجت به الصفراء فمرضه مخوف، لأنها تورث يبوسة.
وكذا من هاج به البلغم، لأنه من شدة البرودة. وقد يغلب على الحرارة
الغريزية (٢) فيطفيها.
والطاعون مخوف؛ لأنه من شدة الحرارة. إلا أنه يكون في جميع البدن.
стр. 3246
فهذه الأمراض وشبهها إذا أعطى صاحبها عطية: فإنها تكون (كوصية) في
أنها لا تجوز لوارث، ولا تجوز لأجنبي بزيادة على ثلث ماله إلا بإجازة ورثته فيهما. حتى (ولو) كان ما أعطاه (عتقاً) لبعض أرقائه، أنه عفواً عن جناية موجبة للمال.
(أو محاباة) في غير كتابة؛ كبيع وإجارة.
والمحاباة هي: مسامحة أحد المتعاوضين الاخر في عقد المعاوضة ببعض
ما يقابل العوض؛ كان يشتري ما قيمته ثمانية بعشرة، أنه يبيع ما قيمته عشرة بثمانية، ونحو ذلك.
(لا) أن كان الصادر من المريض (كتابة) لرقيقه أنه بعضه بمحاباة (أو وصية بها) أى: بكتابته (بمحاباة) فإن المحاباة في الصورتين تكون من راس المال.
قال في " الأنصاف ": المحاباة لغير وارث من الثلث؛ كما قال المصنف.
لكن لو حاباه في الكتابة: جاز، وكان من رأس المال، على الصحيح من المذهب، قدمه في " الفروع ".
وذكره القاضي في موضع من كلامه، وأبو الخطاب في " رؤوس المسائل ".
قال الحارثي: وهذا المذهب عند جماعة، منهم القاضي أبو الحسين وابو يعلى الصغير والمجد. وهو اصح.
وقيل: من الثلث. اختاره المصنف هنا، والقاضي في " المجرد "، وأبو الخطاب في " الهداية "، والسامري في " المستوعب ".
قلت: وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب.
واختلف فيها كلام ابي الخطاب.
وكذا حكم وصيته بكتابته. انتهى.
стр. 3247
وما ذكره في " الأنصاف " من كون المحاباة في (١) مال الكتابة: تكون من رأس المال على الصحيح هو معنى كلامه في " التنقيح " وتبعته عليه. لكن كلام المجد في " المحرر " وكلام صاحب " الفروع " لا يقتضي ذلك. وإنما يقتضي أن الكتابة نفسها في مرض الموت المخوف هل هي كالوصية فتعتبر من الثلث؛ لأنها تعليق للعتق على الأداء فكان من الثلث؛ كتعليقه على غيره. أنه من رأس المال؛ لأنها معا وضة. فكانت من رأس المال؛ كالبييع.
وعبارته في " المحرر ": ويعتبر فى المرض من رأس المال. وقال
أبو الخطاب: من الثلث.
وعبارته في " الفروع ": ومحاباة، وقيل: وكتابة كوصية. واختلف فيها كلام أبي الخطاب وكذا وصميته بكتابته. انتهى.
فعلم من كلام صاحب " الفروع ": أن المساً لة التي اختلف فيها كلام
أبي الخطاب هي الكتابة نفسها لا المحاباة فيها كما ذكر ص (٤) " الأنصاف ". ولم أعلم ما يقتضعه كلام الحارثي في قطعته؛ لعدم الوقوف عليه. فتحرر المساًلة أن شاء الله تعالى.
(وإطلاقها بميمته) [يعني: أنه] (٢) يكاتب رقيق أوصى سعيده بكتابته أن أطلق السيد بأن لم يقل يكاتب علي كذا بقيمته.
قال في " الفروع ": وإطلاقها بقيمته.
قال في " الأنصاف ": وإطلاقها يقتضي أن تكون بقيمته، ولم يذكر خلافاً
فى ذلك. ووجه ذلك: أنه العدل.
(و) أما الأمراض (الممتدة؛ كالسِّلّ) في حال غير أنتهائه، (والجذام، والفالج في دوامه. أن صار صاحبها صاحب فراش: فمخوفة، وإلا فلا) تكون مخوفة.
стр. 3248
قال القاضي: هذا تحقيق المذهب فيه.
وقد روى حرب عن أحمد في وصية المجذوم والمفلوج من الثلث. وهو محمول على أنهما صارا صاحبي فراش. قاله في " المغني ".
وذكر ابو بكر وجها في صاحب الأمراض الممتدة: أن عطيته من صلب المال يعني: ولو كان صاحبها صاحب فراش.
ووجه المذهب: أنه مريض صاحب فراش يخشى تلفه. أشبه صاحب المرض المخوف للموت.
وأُلحق بالمريض مرض الموب المخوف فيما تقدم ثمانية أُشير إلى الأول
منها (١) بقوله:
(وكمريض مرض الموت المخوف: من بين الصفين وقت حرب) أى:
وقت اختلاط الطائفتين للقتال، (وكلُّ من) عدد (الطائفتين مكافئ) للآخر، (أو) كان المعطي (من) الطائفه (المقهورة).
قال في " المغني ": قال أحمد: إذا حضر القتال كان عتقه من الثلث.
وعنه: إذا التحم الحرب فوصيته من المال كله.
فيحتمل أن يجعل هذا رواية ثانية.
وسمى العطية وصية تجوزاً؛ لكونها في حكم الوصية، ولكونها عند الموت. ويحتمل أن يحمل على حقيقته في صحة الوصية من المال كله. لكن يقف الزائد على الثلث على إجازة الورثة. فإن حكم وصية الصحيح وخائف التلف واحد. انتهى.
ووجه ذلك: أن توقع التلف هنا كتوقع المريض أنه أكثر، فوجب أن يلحق به.
стр. 3249
ولا فرق بين كون الطائفتين متباينتين فى الدين أنه لا " لوجود خوف التلف
في الصورتين.
وأُشير إلى الثانى بقوله: (ومن باللُّجة) بضم اللام أى: لجة البحر (عند الهيجان) أى: ثوران البحر بسبب هبوب الريح العاصف " لأن الله تعالى وصف من في هذه الحالة بشدة الخوف. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [يونس: ٢٢].
وأُشير إلى الثالث بقوله: (أنه وقع الطاعون).
قال أبو السعادات: هو المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به
الأمزجة والأبدان.
وقال عياض: هو قروح تخرج من المغابن وغيرها لا يلبث صاحبها. وتعم
إذا ظهرت.
وفي " شرح مسلم ": وأما الطاعون فوباء معروف. وهو بثر وورم مؤلم جدا، يخرج مع لهب، ويسود ما حوله (١) ويخضر ويحمر حمرة بنفسجية، ويحصل معه خفقان (٢) القلب.
(ببلده) أى: بلد المعطى.
قال في " المغنى ": فعن أحمد أنه مخوف. ويحتمل أنه ليس بمخوف فإنه
ليس بمريض، وإنما يخاف المرض. والله تعالى أعلم. انتهى.
قال في " الأنصاف " عن هذا الاحتمال: وما هو ببعيد. انتهى.
وأُشير إلى الرابع بقوله: (أنه قُدَّم لقتل). سواء اريد قتله للقصاص أنه لغيره " لأن التهديد بالقتل جعل إكراها يمنع وقوع الطلاق وصحة البيع ويبيح
стр. 3250
كثيراً (١) من المحرمات. ولولا الخوف لم تثبت هذه الأحكام. وإذا حكم للمريض وحاضر الحرب بالخوف مع ظهرر السلامة ومع بعد التلف. فمع ظهرر التلف وقربه أولى.
ولا عبرة بصحة البدن فإن المرض لم يكن مثبتا لهذا الحكم بعينه بل لخوف إفضائه إلى التلف. فيثبت الحكم هاهنا بطريق التنبيه " لظهور التلف.
وأُشير إلى الخامس بقوله: (أنه حُبِس له) أى: للقتل.
قال في " الأنصاف ": حكم من حبس للقتل حكم من قدم ليقتص منه. انتهى.
وهذا قول الحسن. فإنه لما حبس الحجاج أىاس بن معأنهية قال: ليس له
من ماله إلا الثلث.
قال في " الفروع ": أنه قدم ليقتل أنه حَبَس له كمريض. وعنه: لا. انتهى.
وأُشيرإلى السادس بقوله: (وأسيرٌ عند من عادته القتل).
قال في " المغني ": الأسير المحبوس إذا كان من عادته القتل فهو خائف. عطيته من الثلث، وإلا فلا. وهذا قول أبي حنيفة ومالك وابن أبي ليلى وأحد قولي الشافعي. انتهى.
قال في " الأنصاف ": فإن كان عادتهم القتل فحكمه حكم من قدم ليقتص منه، على الصحيح من المذهب.
وعنه: عطإياه من كل المال.
وإن لم تكن عادتهم القتل فعطإياه من كل المال، على المحيم من المذهب.
стр. 3251
وعنه: من الثلث. نص عليه. واختاره أبو بكر، وتأوّلها القاضي على من عادتهم القتل. انتهى.
وأُشير إلى السابع بقوله: (وجريحٌ) جرحاً (مُوحِياً مع ثبات عقله)، لأنه
مع عدم ثبات عقله لا حكم لعطيته بل ولا لكلامه. وحيث كان عقله ثابتا كان حكمه حكم المريض. فإن عمر رضي الله تعالى عنه لما جرج سقاه الطبيب لبناً فخرج من جرحه. فقال له الطبيب: أعهد إلى الناس فعهد عليهم ووصى. فاتفق الصحابة على قبول عهده ووصيته. وأبو بكر لما اشتد مرضه عهد إلى عمر فنفذ عهده. وعلي رضي الله تعالى عنه بعد ضرب ابن ملجم أوصى وأمر ونهى. فلم يحكم ببطلان (١) قوله.
وأُشير إلى الثامن بقوله: (وحاملٌ عند مخاض) أى: عند الطلق. نص عليه.
قال في " الفروع ": والأشهر (مع الم حتى تنجو) يعني: من نفاسها.
وعنه: إذا صار لها ستة أشهر.
وعنه: إذا ثقلت حتى تنجو.
ووجه المذهب: أنها قبل ضرب المخاض لا تخاف الموت. فاً شبهت
صاحب الأمراض الممتدة قبل أن يصير صاحب فراش.
وعلم من قوله: حتى تنجو: أنه لو خرج الولد والمشيرو وحصل هناك ورم أو ضربان فحكمها حكم ما قبل ذلك " لأنها لم تنج بعد.
وعن أحمد في النفساء: إذا كانت ترى الدم فعطيتها من الثلث.
قال في " المغني ": يحتمل أنه اراد بذلك إذا كان معه ألم للزومه لذلك في الغالب. ويحتمل أن يحمل على ظاهره فإنها إذا كانت ترى الدم كانت كالمريض (٢) . انتهى.
стр. 3252
وإن وضعت مضغة فعطاياهًا كعطايا الصحيح.
قال في " الأنصاف ": على الصحيح من المذهب. قدمه في " الفروع ".
قال في " المغني " و" الشرح": فعطإياه اكعطأىا الصحيح. إلا مع ألم.
قال في " الرعاية الكبرى " بعد أن قدم أن عطإياهًا كعطايا الصحيح: وقيل:
أنه وضعت مضغة أنه علقة مع ألم أنه مرض.
وقيل: لا حكم لها بلا ألم ولا مرض. انتهى كلامه في " الأنصاف ". (وكمِّيت) في الحكم: (من ذُبح، أنه) من (أُبِيَنت حُشوَتَه) وهي أمعاؤه. لا خرقها وقطعها فقط. ذكره الموفق وغيره من أنه لا يعتد بكلامه.
[قال في " الفروع "] (١) : وذكر الشيخ أيضاً في " فتاويه ": أن خرجت حشوته ولم تبن ثم مات ولده ورثه. وإن ابينت فالظاهر يرثه، لأن الموت زهوق النفس وخروح الدم ولم يوجد.
ولأن الطفل يرث ويورث بمجرد استهلاله وإن كان لا يدل على حياة أثبت من حياة هذا.
وظاهر هذا من الشيخ: أن من ذبح ليس كميت مع بقاء روحه. انتهى كلامه
في " الفروع ".
قال في " الرعاية ": ومن ذبح أنه أبينت حشوته فقوله لغو (٢) . وإن خرجت حشوته أنه اشتد مرضه وعقله ثابت، كعمر وعلي رضي الله تعالى عنهما: صح تصرفه وتبرعه وو صيته. انتهى.
(ولو علَّق) إنسان (صحيح عتق قنه) على شرط، (فوجد) الشرط (في مرضه) أى: المعلق: (فـ) العتق محسوب (من ثلثه).
قال في " الأنصاف ": فالصحيح من المذهب: أنه يكون من الثلث. قدمه
стр. 3253
في " الفر وع " وغيره. واختاره أبو بكر وابن أبي موسى وغيرهما.
وقيل: يكون من كل المال.
وحكاهما القاضي في " خلافه " روايتين. ذكره في القاعدة السابعة عشر بعد
المائة.
ومحل الخلاف: إذا لم تكن الصفة واقعة باختيار المعلق. فإن كانت من
فعله فهو من الثلث بغير خلاف. انتهى.
(وتقدَّم عطية اجتمعت مع وصية، وضاق الئلب عنهما مع عدم الإجازة) للوصية.
قال في. " الأنصاف ": فالصحيح من المذهب: أن العطية تقدم. وعليه الأصحاب، وجزم به في " المغني " و" الشرح" و" النظم " وغيرهم. وقدمه
في " الرعايتين " و" الحاوى الصغير " و" الفروع " وغيرهم. وصححه في
" المحر ر " وغيره.
وعنه: التساوى. قدمه في " المحرر ". لكن صمحح الأول كما تقدم.
وعنه: يقدم العتق. انتهى.
ووجه المذهب: أن العطية لازمة في حق المريض. فقدمت على الوصية؛
كعطيه الصحة.
ولأنها عطية منجزة. فقدمت على العتق، كعطية الصحة، وكما لو تساوى الحقان.
(وإن عجز) الثلث (عن التبرعات المنجَّزة: بُدئ بالأول) منها (فالأول). سواء كان الأول عتقاً أو غيره.
وعنه: يقدم العتق.
وعنه: يقسم بين الكل بالحصص، كالوصايا. وهو وجه في " المحرر ".
قال الحارثي: وليس بشيء.
ووجه المذهب: أنهما عطيتان منجزتان. فكانت أولاهما أولى.
стр. 3254
ولأن العطية المنجّزة لازمة في حق المعطي. فإذا كانت خارجة من الثلث لزمت في حق الورثة. فلو شاركتها الثانية لمنع ذلك لزومها في حق المعطى " لأنه يملك الرجوع عن بعضها بعطية أخرى.
(فإن وقعت) العطايا كلها (دفعة) واحدة بأن وكل المريض جماعة فأوقعوها دفعة: (قسم) الثلث (بين الجميع بالحصص).
وعنه: أن كان بعضها عتقا قدم.
(و) المذهب: (لا يقدم عتق) على غيره (١) .
ووجهه: أن هذه العطايا حقوق تسأنهت أصلها في استحقاقها. فتسأنهت في تنفيذها، كما لو كانت من جنس واحد، وذلك لأن استحقاقها حصل في حال واحد (٢) .
وقال الحارثي في العتق: يقرع بينهم فيكمل العتق في بعضهم كما في حال الوصية. نقله عنه في " الأنصاف " بعد أن ذكر أن عدم تقديم العتق على غيره عليه جماهير الأصحاب. لكن ما نقله عن الحارثي يوهم أنه أنفرد به. وليس كذلك.
قال في " المغني ": فإن كانت كلها عتقاً أقرعنا بينهم فكملنا العتق كله في بعضهم. وإن كانت كلها من غير العتق قسمنا الثلث بينهم على قدر عطاياهًم " لأنهم تساوا في الاستحقاق. فقسم بينهم على قدر حقوقهم، كغرماء المفلس.
وإنما خولف هذا الأصل في العتق، لحديث عمرأن بن حصين (٣) .
стр. 3255
ولأن القصد بالعتق تكميل الأحكام، ولا تكمل الأحكام إلا بتكميل العتق. بخلاف غيره.
ولأن في قسمة العتق عليهم إضراراً بالورثة والميت والعبيد على ما يذكر في موضعه. انتهى.
(وأما معاوضته) أى: المريض مرض الموت المخوف (بثمن المثل: فتصح من رأس المال). حتى (ولو) كانت (مع وارث)، على الصيم من المذهب.
قال في " الأنصاف ": وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
قال في " الفروع ": وتصح معا وضة مريض بثمن مثله.
وعنه: مع وارث بإجازة. اختاره في " الأنتصار "؛ لفوات حقه في المعين. انتهى.
ووجه المذهب: أنها معاوضة من غير محاباة. فلم يكن للورثة الاعتراض فيها؛ كما لو وقعت مع غير وارث.
(وإن حابى) مريض (وارثه) في عقد معا وضة: (بطلت) المعا وضه (في قدرها) أى: قدر المحاباة؛ لأن المحاباة كالهبة وهي لا تصح لوارث بغير إجازة الورثه. (وصحت) المعاوضة (في غيره) أى: غير قدر المحاباة (بقسطه)؛ لأن المأنع من الصحة المحاباة وهي في غير قدرها مفقودة. فلو باع المريض لبعض ورثته شيئاً لا يملك غيره قيمته ثلاثون بعش هـ. فلم تُجز بقية الورثة: صح بيع ثلثه بالعشرة، وكان الثلثان كالهبة يردهما الصض ستري.
(وله الفسخ لتبعُّض الصفقة في حقه. لا إن كان) المبيع جزءا من عقار وكان (له شبفيع وأخذه) أى: أخذ ما صح فيه البيع. فإن المشتري يسقط حقه من الفسخ؛ لأنه لا ضرر عليه إذاً.
وعنه: أن عقد المعاوضة من المريض بمحاباة مع الوارث فاسد.
ولو كان المحابى في الصورة المتقدمة أجنبيا: صح البيع أيضاً في ثلثه
стр. 3256
بالعشرة ورد نصف الثلثين (١) أن لم تجز الورثة فقط؛ لأن حكم الثلثين حكم الهبة. فيكون للأجنبي مما زاد على الثلث بقدر الثلث، وذلك نصف ثلثي العبد؛ لأن الفرض أن المريض لا يملك غيره. وهذا مقتضى عبارة " المحرر ".
وقال في " المغني " بعد أن حكى ما في المتن عن القاضي: وطريق هذا:
أن تنسب الثمن وثلث المبيع إلى قيمته. فيصح البيع في مقدار تلك النسبة (٢) . انتهى.
وبيانه: أن الثمن عشرة وثلث المبيع عشرة فنسبة العشرين إلى قيمة العبد وهي ثلاثون الثلثان. فيصح البيع فيهما بالعشرة.
وهذا بخلاف ظاهر عبارة " المحرر " من أن العشرة في مقابلة ثلثه، والثلث الآخر يأخذه بكونه هبة.
وينبني على ذلك: أنه لو لم يكن قبض العبد لم يلزم الهبة في الثلث الاخر، ويكون للورثة فسخها. وعلى قول القاضي: ليس لهم ذلك؛ لأنه أنتقل بالبيع لابالهبة.
وعنه: يصح البيع مع الأجنبي في نصفه بنصف الثمن.
قال في " المحرر ": وهو الأصح عندي. وطريقه: أن تنسب الثلث من المحاباة. فبقدر نسبته يصح من المبيع البيع.
وعنه: رواية ثالثة يصح البيع في العبد كله، ويرد المشتري الوارث تمام قيمته عشرين، وللأجنبي نصفها عشرة أو يفسخان.
(ولو حابى) المريض (أجنبياًَ) بما (٣) تصح به المحاباة أنه أجاز الورثة،
стр. 3257
(وشفيعه وارث: اخذ بها) أى (١) : بالشفعة: (أن لم يكن) ذلك (حيلة) على محاباة الوارث.
وقيل: لا يملك الوارث الشفعة هنا، لإفضائه إلى إثبات حق وارثه.
ووجه المذهب: وهو ملك الوارث الأخذ بالشفعة، (لأن المحاباة لغيره). أشبه ما لو أنتقل الشقص إلى الأجنبي من غير الموروث. وكما لو وصى لغريم وارثه.
(وإن آجر) المريض (نفسه وحابى المستأجر). سواء كان وارثاً أو غير وارث: (صح) العقد (مجانا) أى: من غير رد من المستأجر لشيء من المدة أو من العمل.
قال في " الفروع ": وهل لمريضة تزوجت بدون مهرها نقضه؟ فيه وجهان. وجزم في " الترغيب ": ليس لها؛ كإجارتها نفسها بمحاباة. ويتوجه فيها كمهر. انتهى.
فجعل مساًلة الإجارة مقيساً عليها. وذكر من عنده: أنه يتوجه فيها الخلاف (٢) الذي في المهر.
(ويعتبر ثلثه) أى: ثلث مال المعطي في المرض (عند موت) لا عند عطية
أنه محاباة أنه وقف أنه عتق. (فلو عتق) المريض (ما) أى: امة أنه عبدا (لا يملك غيره، ثم ملك ما) أى: مالا (بخرج) العبد (من ثلثه تبيناً عتقه كله) " لخروجه من الثلث عند الموت.
(وإن لزمه) بعد عتقه (دين يستغرقه) أى: يستغرق قيمة المعتوق: (لم يعتق منه شيء).
قال في " الأنصاف ": هذا المذهب. نص عليه وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم.
стр. 3258
وقال الحارثي: في اعتبار الثلث في الوصية بحال الوصية: خلاف. فيجري مثله في العطية على القول به، وأولى.
قال: وهذا الوجه أظهر.
قال: ومن الأصحاب من أورد رواية أو وجها: بعتق ثلث العبد فيما إذا كان عليه دين يستغرق العبد. انتهى كلامه في " الأنصاف ".
ووجه المذهب: أن العتق في المرض كالوصية، والدين مقدم عليها. بدليل قول علي رضي الله تعالى عنه: " قضى النبي ﷺ بالدين قبل الوصية " (١) . وحكم هبته كعتقه. ولا يبطل تبرعه بإقراره بدين في المنصوص. ذكره في
" الفروع ".
وقال أيضاً: قال في " الأنتصار ": له لبس ناعم وأكل طيب لحاجته. وإن فعله لتفويت الورثة منع. وفيه (٢) : نمنعه إلا بقدر حاجته وعادته، وسلمه أيضاً؛ لأنه لا يستدرك كإتلافه. وجزم به (٣) الحلوانى وغيره وابن شهاب قال: لأن حق وارثه لم يتعلق بعين ماله. انتهى.
стр. 3259
فصل فيما تفارق به العطية الوصية
من الأحكام، وما ينبني (١) على ذلك وغير ذلك
(تفارق العطية الوصية في أربعة) من الأحكام:
الأول: (أن يبدأ بالأول فالأول منها) أى: من العطية. (والوصية يسوى
بين متقدمها ومتاخرها)؛ لأنها تبرع بعد الموت فوجد دفعةً واحدة.
(الثانى: أنه لا يصح الرجوع في العطية) بعد لزومها بالقبض وإن كثرت؛
لأن المنع من الزيادة على الثلث إنما كان لحق الورثة لا لحقه. فلم يملك إجازتها ولا ردها. (بخلاف الوصية) فإنه يصح الرجوع فيها؛ لأن التبرع بها مشروط بالموت ففيما قبل الموت لم يوجد فهي كالهبة قبل القبول. بخلاف العطية في المرض فإنه قد وجدت العطية منه والقبول والقبض من الموهوب له. فلزمت؛ كالوصية إذا قبلت بعد الموت وقبضت.
(الثالث: أنه يُعتبر قبول عطية عندها)؛ لأنها تصرفٌت في الحال فتعتبر شروطه وقت وجوده. (والوصية بخلافه) أى: بخلاف ذلك؛ لأنها تبرع بعد الموت. فلا حكم لقبولها ولا ردها قبله.
الحكم (الرابع: أن الملك يثبت في عطيةٍ من حينها) أى: من حين وجودها بشروطها. ويكون هذا الثبوت (مراعىً) لأنا لم نعلم أهل هذا المرض مرض الموت أو لا؛ ولا نعلم هل يستفيد مالاً أنه يتلف شيء من ماله؛ (فإذا) أنكشف الحال بأن مات وقد (خرجت) العطية (من ثلثه عند موت: تبيّناً) حين ذاك (أنه) أى: الملك (كان ثابتاً) من حين العطية؛ لأنه إنما يمنع من ثبوته تبين كونه زائداً على الثلث وقد تبين خلافه.
стр. 3260
(فلو أعتق) مريض قناً في مرضه، (أنه وهب) مريض لإنسان (قناً في مرضه. فكسب) المعتوق أنه الموهوب، قليلاً أو كثيراً قبل موت سيده، (ثم مات سيده. فخرج من الثلث: فكسْب معتق له)؛ لأنه قد تبين أنه من حين العتق صار حراً. فكان كسبه له؛ كسائر الأحرار. (و) كان كسب قن (موهوب لموهوب له)؛ لأن الكسب تابع لملك الرقبة. فتعين كونه لموهوب له.
(وإن خرج بعضه) أى: بعض المعتوق أنه الموهوب من الثلث دون بقيته: (فلهما) أى: للمعتوق والموهوب له (من كسبه بقدره) أى: قدر البعض الذي خرج من الثلث. فإن كان البعض الخارج من الثلث ربع القن: - كان له أنه للموهوب له ربع كسبه وباقيه للورثة. وإن كان نصف القن كان له أوه للموهوب له نصف كسبه والنصف الثانى للورثة. وإن كان ثلثي القن كان له أو للموهوب له ثلثا كسبه وبافيه للورثة. وربما أفضى إلى الدور.
(فلو أعتق) مريض (قناً لا مال له سواه. فَكَسَب) المعتوق (مثل قيمته
قبل موت سيده) فللمعتوق من كسبه بقدر ما عتق منه من (١) حين اعتقه، وباقيه لسيده. فيزداد به مال السيد وتزداد الحرية لذلك، ويزداد حقه من كسبه فينقص به حق السيد من الكسب، وينقص بذلك قدر المعتق منه (٢) . فيستخرج ذلك بالجبر (فـ) يقال: (قد عتق منه شيء، وله من كسبه شيء)، لأن كسبه مثله، (وللورثة) منه ومن كسبه (شيئاًن)؛ لأن لهم مثلي ما عتق منه وقد عتق منه شيء. ولا يحسب على المكتسب ما اكتسبه بجزئه الحر؛ لأنه استحقه بجزئه الحر لا (٣) من جهة سيده. فيكون للمكتسب شيئاًن وللورثة شيئاًن منه ومن كسبه، (فصار) المكتسب (وكسبه نصفين: يعتق منه نصفه، وله نصف كسبه، وللورثة نصفهما) أى: نصف المكتسب ونصف كسبه. فلو كان المكتسب في هذه الصورة قيته مائة وكسبه مائة قسمت ذلك على أربعة أشياء