اختاره أبو الحسن التميمي (١) والمصنف وصاحب "مجمع البحرين " والشيخ تقي الدين. ولبعض الأصحاب احتمال بعدم النقض إذا غسله في قميص.
قال في " الرعاية الكبرى ": وهو أظهر. انتهى.
وبالنقض قال النخعي وإسحاق؛ لأن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء.
وعن أبي هريرة أنه قال: " أقل ما فيه الوضوء "، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة.
ولأن الغاسل لا يسلم من مس عورة الميت غالبا، فأقيم مقامه؛ كالنوم مع الحدث.
(أو) غسل (بعضه) أي: بعض الميت.
قال في " الإنصاف ": غسل بعض الميت كغسل جميعه على الصحيح من المذهب. وقيل: لا ينقض غسل البعض.
قال في " الرعاية ": وهو أظهر. انتهى.
وقيد في " الرعاية ": النقض من غسل الميت بما إذا قلنا: ينقض مس الفرج.
قال في " الإنصاف ": وهو ظاهر تعليل كثير من الأصحاب. وظاهر كلام كثير من الأصحاب: الاطلاق، وقد يكون تعبديا. انتهى.
(لا ان يممه) يعني أن من يمم الميت لتعذر الغسل لا ينتقض وضوؤه.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه الأصحاب، وفيه احتمال: أنه كالغسل انتهى.
والمراد بالغاسل: من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من يصب الماء ونحوه.
النوع (السابع) من الأنواع الثمانية: (أكل لحم إبل) بكسرتين، وتسكن الباء.
стр. 317
قال في " القاموس ": واحد يقع على الجمع ليس بجمع ولا اسم جمع، وجمعه: آبال. انتهى.
فينتقض به الوضوء سواء علمه أو جهله، وسواء كان نيئا أو مطبوخا، وسواء
كان عالما بالحديث الوارد في ذلك أو لا. وبالنقض قاله جابر بن سلمة
ومحمد بن إسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر.
قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث.
وروي عن أبى عبد الله قال: ان كان لا يعلم فليس عليه وضوء، وان كان قد
علم وسمع فعليه الوضوء واجب ليس هو كمن لم يعلم.
قال الخلالى: وعلى هذا استقر قول أبي عبد الله.
وعنه: ينقض نيئه دون مطبوخه. ذكرها ابن حامد.
وعنه: لا ينقض مطلقاً، اختاره يوسف الجوزي والشيخ تقي الدين. وهذا مذهب الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " الوضوء مما يخرج لا مما يدخل " (١) .
وقال جابر: " كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار " (٢) . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي.
ولأنه مأكول. فلم ينقض، كسائر المأكولات.
قال في " الشرح ": ولنا ما روى البراء بن ع (٩) : " إن رسول الله ﷺ
стр. 318
سئل: أنتوضأ من لحوم الابل؟ قال: نعم، قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا " (١) . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي.
وروى جابر بن سمرة عن النبي ﷺ مثله (٢) . أخرجه مسلم.
قال أحمد: فيه حديثان صحيحان حديث البراء وجابر بن سمرة،
فأما حديث ابن عباس فانما هو من قوله: موقوف عليه، ولو صح لوجب تقديم حديثنا عليه؛ لكونه أصح وأخص، والخاص يقدم على العام، وحديث جابر: لا يعارض حديثنا أيضاً لصحته وخصوصه.
فان فيل: فحديث جابر متأخر فيكون ناسخا.
قلنا: لا يصح أن يكون ناسخا لوجوه أربعة:
أحدها: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإابل متاً خر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن له. بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار. فأما أن يكون النسخ حصلى بهذا النهي أو بشيء قبله، فان كان حصلى به كان الأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارنا لنسخ الوضوء مما مست النار فلا يكون ناسخا إذ من شرط النسخ:
تأخر الناسخ. وكذلك بما قبله؛ لأن الشيء لا ينسخ بما قبله.
الثانى: ان النقض بلحوم الإبل يتناول ما مست النار وغيره، ونسخ أحد الجهتين لا يثبت به نسخ الآخر كما لو حرمت المرأة بالرماع، وبكونها ربيبته
стр. 319
فنسخ تحريم الرضاع لم يكن ناسخا لتحريم الربيبة.
الثالث: أن خبرهم عام وخبرنا خاص، فالجمع بينهما ممكن بحمل خبرهم على ما سوى صورة التخصيص، ومن شرط النسخ تعذر الجمع بين النصين. الرابع: أن خبرنا أصح من خبرهم وأخص، والناسخ لا بد وأن يكون مساويا للمنسوخ أو راجحا عليه.
فان قيل: قالأمر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب ريحتمل انه أراد
بالوضوء غسل اليد؛ لأن إمافته للطعام قرينة تدل على ذلك كما كان ﵇ يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده وخص ذلك بلحم الإبل؛ لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره.
قلنا: أما الأولى فمخالف للظاهر من وجوه:
أحدها: أن مقتضى الأمر الوجوب.
الثانى: أن النبي ﷺ سئل عن حكم هذا اللحم فاً جاب بالأمر بالوضوء فلو حمل على غير الوجوب كان تلبيسا لا جواباً.
الثالث: أنه ﵇ قرنه بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم، والمراد بالنهي ها هنا نفي الايجاب لا التحريم. فتعين حمل الأمر على الايجاب؛ ليحصل الفرق.
وأما الثاني فلا يصح لوجوه أربعة:
أحدها: أنه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب؛ لكون غسل اليد بمفردها
غير واجب وقد بينا فساده.
الثانى: ان الوضوء في لسان الشارع انما ينصرف إلى الموضوع الشرعي إذ الظاهر منه التكلم بموضوعاته.
الثالث: أنه خرج جواباً للسؤال عن حكم الوضوء من لحومها، والصلاة في مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة ظاهراً.
الرابع: أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم، فان غسل اليد
стр. 320
منها مستحب.
وما ذكروه من زيادة الزهومة ممنوع وان ثبت فهو أمر يسير لا يقتضي التفرقة. وصرف اللفظ عن ظاهره انما يكون بدليل قوي يعدل قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها. فأما قياسهم فهو طردي لا معنى فيه. وانتفاء الحكم في سائر المأكولات؛ لانتفاء المقتضي لا لكونه مأكولاً.
ومن العجب: ان مخالفينا في هذه المسألة أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الأصول. فأبو حنيفة أوجب بالقهقهه في الصلاة دون خارجها بحديث مرسل من مراسيل أبى العالية، ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر بحديث مختلف فيه معارض بمثله دون مس سائر الأعضاء، وتركوا هذا الحديث
الصحيح الذي لا معارض له مع بعده عن التأويل وقوه دلالته؛ لقياس طردي لا معنى فيه. انتهى.
ولا نقض بأكل ما سوى لحم الإبل من اللحوم سواء كانت مباحة أو محرمة كلحوم السباع؛ لكون النقض بلحم الإبل (تعبداً).
قال في " الإنصاف ": ظاهر كلام المصنف أن أكل الاطعمة المحرمة لا تنقض الوضوء وهو صحيح وهو المذهب وعليه الأصحاب.
وعنه: ينقض الطعام المحرم.
وعنه: ينقض اللحم المحرم مطلقاً.
وعنه: ينقض لحم الخنزير فقط.
قال أبو بكر: وبقية النجاسات تخرج عليه. حكاه عنه ابن عقيل.
وقال الشيخ تقي الدين: وأما لحم الخبيث المباح للضرورة كلحم السباع فينبنى الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي، ولا يتعدى إلى غيره أو معقول المعنى، فيعطى حكمه بل هو أبلغ منه.
قلت: الصحيح من المذهب أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي وعليه الأصحاب.
стр. 321
قال الزركشي: هو المشهور.
وقيل: هو معلل فقد قيل: انها من الشياطين كماجاء في الحديث
الصحيح (١) . رواه أحمد وأبو داود.
فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع الوضوء منها لتذهب سورة
الشيطان. انتهى.
إذا تقرر هذا (فلا نقض ببقية أجزائها) أي: أجزاء الإبل كأكل سنامها ودهنها
وقلبها وكبدها وطحالها وكرشها ومصرانها؛ لأن النص لم يتناوله.
وقيل: بل.
وقيل: الخلاف في ذلك روايتان.
و (لا) ينقض أيضاً بـ (شرب لبنها أو) شرب (٢) (مرق لحمها)؛ لأن الاخبار
الصحيحة انما وردت في اللحم، والحكم فيه غير معقول المعنى فيقتصر على
مورد النص فيه.
ولما روى ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: " مضمضوا من اللبن فان فيه
دسما" (٣) .
فدل على أنه يكتفى بها في كل لبن.
وعنه: ينقض شرب لبنها؛ لما روى أسيد بن حضير "أن النبي ﷺ سئل عن ألبان الإبل؟ قال: توضؤوا من ألبانها" (٤) . رواه الإمام أحمد وابن ماجه.
стр. 322
وروي عن عبد الله بن عمر نحوه (١) .
وأجيب عن حديث أسيد بان في طريقه حجاج بن أرطأة. قال الإمام أحمد والدارقطني: لا يحتج به، وعن حديث عبد الله بن عمر: بأن ابن ماجه. رواه من رواية عطاء بن السائب وقد اختلط في آخر عمره.
قال الإمام أحمد: من سمع منه قديما فهو صحيح، ومن سمع منه حديثا لم
يكن بشيء. والله أعلم.
النوع (الثامن) من النواقض: (الردة) عن الإسلام وفاقاً للشافعي في نقض
التيمم بها في أحد قوليه. وبقولنا قال الأوزاعي وأبو ثور.
قال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب: أن الردة عن الإسلام تنقض الوضوء رواية واحدة، واختاره الجمهور وهو من مفردات المذهب.
وقال جماعة من الأصحاب: لا تنقض، وذكر ابن الزاغونى روايتين في النقض بها.
قال في " الفروع ": ولا نص فيها. انتهى.
ووجه المذهب: قوله (لئن أشركت ليحبطن عملك)
[الزمر: ٦٥] وقوله تعالى: (ومن يكفر بالأيضان فقد حبط عمله) [الماندة: ٥].
والطهارة عمل وحكمها باق. فوجب أن يحبط بالردة.
وقوله ﷺ : " الطهور شطر الإيمان " (٢) . والردة تبطل الإيمان. فوجب أن
تبطل ما هو شطره.
قال ابن رجب في " شرح الاربعين ": والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن
стр. 323
المراد بالطهور هاهنا: التطهير بالماء من الأحداث. ولذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء، وكذلك خرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما. انتهى.
وقال القاضي: لا معنى لجعلها مع النواقض مع وجوب الطهارة الكبرى يعني إذا عاد إلى الإسلام.
وقال الشيخ تقي الدين: له فائدة تظهر بما إذا عاد إلى الإسلام، فانا نوجب
عليه الوضوء والغسل، فان نواهما بالغسل أجزأه، وان قلنا لم ينتقض وضوءه: لم يجب عليه إلا الغسل.
قال الزركشي: قلت: ومثل هذا لا يخفى على القاضي، وانما أراد القاضي: أن وجوب الغسل ملازم لوجوب الطهارة الصغرى، وممن صرح بأن
موجبات الغسل تنقض الوضوء: السامري. وحكى ابن حمدان وجها: بأن الوضوء لا يجب بالالتقاء بحائل، ولا بالإسلام.
وإذا ينتفي الخلاف بين الأصحاب في المسألة. وإلى ذلك أشرت بقولي:
(وكل ما أوجب غسلا غير موت؛ كإسلام وانتقال مني ونحوهما)؛ كحيض ونفاس (أوجب وضوءا).
وظاهر ما تقدم: أن الوضوء لا ينتقض بغير ما ذكر هنا، وفي باب المسح
على الحائل بما إذا مسح على الخف ثم خرجت رجله إلى ساق الخف ونحو ذلك. وهذا هو المذهب.
قال في " الشرح ": ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكذب والغيبة والرفث والقذف ونحوها. نص عليه أحمد.
قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا يوجب طهارة ولا ينقض وضوءا، وقد روينا عن غير واحد من الاوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة توجب وضوءاً في شيء من الكلام، وقد ثبت
стр. 324
أن النبي ﷺ قال: " من حلف باللات فليقل: لا اله إلا الله " (١) ، ولم يأمر في ذلك بوضوء. رواه البخاري.
والقهقهة لا تنقض الوضوء بحال. روي ذلك عن عروة وعطاء والزهري
ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر. وذهب الثوري والنخعي والحسن وأصحاب الرأي إلى أنها تبطل الوضوء داخل الصلاة دون خارجها؛ لما روى
أسامة عن أبيه قال: " بينا نحن نصلى خلف رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل ضرير البصر فتردى في حفرة فضحكنا منه. فأمرنا رسول الله ﷺ بإعادة الوضوء كاملا
وإعادة الصلاة من أولها " (٢) . رواه الدارقطني من طرق كثيرة وضعفها.
وقال: انما روي هذا الحديث عن أبى العالية مرسلا، وقال نحو ذلك
أحمد وعبد الرحمن بن مهدي.
ولنا: أنه معنى لا يبطل الوضوء خارج الصلاة. فلم يبطله داخلها؛ كالكلام. ولأنه لا نص فيه ولا في شيء يقاس عليه.
قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية فانهما لا يباليان
عمن أخذا. والله أعلم.
والقهقهة: أن يضحك حتى يتحصلى من ضحكه حرفان. ذكره ابن عقيل.
(ولا نقض) أيضاً (بإزالة شعر ونحوه)؛ كظفر.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب، وعليه الأصحاب، ونص عليه.
وقيل: ينقض.
قال في " الرعاية ": وهو بعيد غريب.
قال ابن تميم: لا يبطل بذلك في الأصح.
стр. 325
فصل [حكم الشك في الحدث]
يذكر فيه مسائل في حكم الشك في الحدث، وما يحرم بالحدث، ومسائل
من أحكام المصحف.
فمن ذلك: (من شك في) وجود (طهارة) بعد يقين حدث، (أو) شك في وجود (حدث) بعد يقين طهارة (ولو) كان شكه في وجود الحدث (في غير صلاة: بنى على يقينه) أي: ما يتيقنه منهما.
أما الشك فهو خلاف اليقين. قاله في " القاموس ".
وأما اليقين فقال الشيخ موفق الدين في مقدمة" الروضة في الأصول ": هو
ما إذا عنت النفس للتصديق به، وقطعت به، وقطعت بأن قطعها صحيح.
وفي " الكشاف ": هو إتيان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه.
وقال الفخر الرازي: هو العلم بالشيء بعد ان كان صاحبه شاكا فيه. ثم قال: ولهذا لا يوصف الله به.
فيكون اليقين على هذا: هو العلم بعد الشك وهو معنى كلام الزمخشري،
لكن كلام الرازي يقتضي دخول الظن في حد اليقين بانتفاء الشك، وكلام الزمخشري يمنع دخول الظن في حد اليقين؛ لأن الظن وان انتفى عنه الشك فما انتفت عنه الشبهة، فلما قال بانتفاء الشك خرج متساوى الطرفين وبقي الظن الذي يترجح فيه أحدهما فنفاه بقوله، والشبهة وهي الاحتمال الباقي مع الظن فيصير علما لكنه بعد جهل.
وقال البيضاوي: واليقين إتيان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال، ولذلك لم يوصف به علم الباري ولا العلوم الضرورية. انتهى.
стр. 326
وقال ابن نصر الله: في تسمية ما هنا يقينا بعد ورود الشك عليه: نظر. نعم
كان يقينا ثم صار الأن شكا، فاعتبرت صفته السابقة وقدمت على صفته اللاحقة للأحاديث الصحيحة في ذلك استصحابا للأصلى السابق لما قارنه من اليقين وتقديما له على الوصف اللاحق؛ لنزوله عن درجته. انتهى.
والأصل في ذلك ما روى عبد الله بن زيد قال: " شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل اليه أنه يجد الشيء في الصلاة. فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " (١) . متفق عليه.
ولمسلم معناه مرفوعا من حديث أبي هريرة (٢) ، ولم يذكر فيه: " وهو في الصلاة ". ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران. فيجب سقوطهما؛ كالبينتين إذا تعارضتا.
ويرجع إلى اليقين سواء غلب على ظنه أحدهما أو لا؛ لأن غلبة الظن إذا لم
يكن لهاضابط في الشرع لم يلتفت اليها كظن صدق أحد المتداعيين. بخلاف القبلة والوقت، وهذا اصطلاح الفقهاء، وعند الاصوليين: ان تساوى الاحتمالان فهو شك، والراجح ظن، والمرجوح وهم.
(وان تيقنهما) أي: تيقن كونه مرة محدثا، وكونه مرة متطهرا أحدهما قبيل الشروق والآخر بعيده (وجهل أسبقهما) أي: أسبق زمن التيقنين. فتارة يجهل حاله قبلهما وتارة يعلمها، (فان جهل حاله قبلهما تطهر) وجوباً لفعل ما يتوقف إباحته على الطهارة؛ لوجود يقين الحدث في إحدى المرتين، والأصل بقأوه؛ لأن وجود يقين الطهارة في المرة الأخرى مشكوك فيه هل كان قبل يقين الحدث أو
стр. 327
بعده؟ فلا يرتفع يقين الحدث بالشك في رفعه. ولأنه لا بد من طهارة متيقنة أو مظنونة أو مستصحبة وليس هنا شيء من
ذلك. فوجب الوضوء.
(والا) أي وان لم يجهل حاله قبلهما بل كان عالما بها (فهو على ضدها) فان
كان متطهرا فهو محدث، وان كان محدثا فهو متطهر، لأنه قد تيقن زوال تلك الحالة، والأصل بقاء ذلك، لأن ما يغيره مشكوك فيه فلا يلتفت اليه. وقيل: يتطهر مطلقاً، كما لو جهل حاله قبلهما.
قال الأزجي في " النهاية ": لو قيل يتطهر لكان له وجه؛ لأن يقين الطهارة
قد عارضه يقين الحدث، وإذا تعارضا تساقطا وبقي عليه الوضوء احتياطا للصلاة، فانه يكون مؤديا فرضه بيقين.
(وان علمها) أي: علم حاله قبلهما (وتيقن فعلهما) أى فعل الطهارة حال كون الفعل (رفعا لحدث، و) حال كون فعل الحدث (نقما لطهارة) يعني وجهل اسبقهما، (أو عين) لفعلهما (وقتا لا يسعهما) يفعلان فيه (فهو على مثلها) أي:
مثل حاله قبلهما في الصورتين: أما الأولى، فلأنه مع تيقن طهارته قبلهما قد تيقن أنه نقض تلك الطهارة ثم توضأ إذ لا يمكن ان يتوضأ مع بقاء تلك الطهارة، لتيقن كون طهارته عن حدث، ونقض هذه الطهارة مشكوك فيه فلا يزول به اليقين.
ولأنه مع تيقن حدثه قبلهما قد تيقن أنه عنه إلى الطهارة ثم أحدث
عنها، ولم يتيقن بعد الحدث الثانى طهارة.
وأما الصورة الثانية وهو ما إذا عين وقتا لا يسعهما، فلأن هذا اليقين
لما تعارض سقط، وكان على حاله قبل ذلك من حدث أو طهارة.
(فان جهل حالهما) أي: حال الحدث والطهارة بأن لم يدر هل كان الحدث على طهارة أو لا؟ ولم يدر هل كانت الطهارة عن حدث أو لا؟، (و) جهل أيضاً (أسبقهما) أي: أسبق اليقينين، (أو تيقن حدثا وفعل طهارة فقط: فبضدها.
стр. 328
وان تيقن أن الطهارة عن حدث ولم يدر الحدث) هل كان (عن طهارة أو لا؟) يعني: وجهل أسبقهما: (فمتطهر مطلقاً) أي: سواء كان قبل ذلك محدثا أو متطهرا؛ لتيقنه رفع الحدث بالطهارة وشكه في وجوده بعدها.
(وعكس هذه) المسألة في التصوير وهي ما إذا تيقن أن الحدث نقض به طهارة ولم يدر هل رفع بالطهارة حدثا أولا؛ (بعكسها) في الحكم وهو أنه. لا يكون محدثا مطلقاً أي: سواء كان قبل ذلك متطهرا أو محدثا " لتيقنه نقض الطهارة بالحدث وشكه في وجود الطهارة بعده.
(ولا وضوء على) واحد من اثنين: (سامعي صوت أو شامي ريح من أحدهما لابعينه).
قال في " المبدع ": على الأصح. انتهى.
والمراد: وكل واحد منهما لا يتحقق وجوده منه فهو متيقن للطهارة شاك في الحدث فلا يحكم ببطلان طهارته بالشك في حدثه.
(و) كذا (لا) ضوء لازم (ان مس واحد ذكرخنثى وآخر فرجه)؛ لأنه لا يعلم
أيهما مس الأصل من الفرجين.
(وان أم أحدهما الآخر أو صافه وحده أعادا) صلاتهما. نص على ذلك الإمام في مسألة الإتمام؛ لاعتقاد كل منهما أن أحدهما محدث.
وقيل عنه: ينوي كل منهما الأنفراد ويتم صلاته وحده.
وأما في مساً لة المصافة إذا لم يكن معهما في الصف غيرهما؛ فلأن كلا منهما يدفع المحدث المبهم منهما.
(وان أرادا ذلك) أي: أرادا ان يصليا جماعة، أو ان يكونا صفا وحدهما (توضأ) ثم فعلا ذلك؛ ليزول الاعتقاد الذي أبطلنا صلاتهما من أجله. ولا يكفي في ذلك وضوء أحدهما؛ لاحتمال أن يكون الذي أحدث منهما هو الذي لم يتوضأ. والله أعلم.
(ويحرم بحدث صلاة) إجماعا؛ لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ قال:
стр. 329
" لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول " (١) . رواه الجماعة إلا البخاري.
وهو يعم الفرض والنفل، والسجود المجرد؛ كسجود التلاوة والشكر، والقيام المجرد؛ كصلاة الجنازة، وسواء كان عالما أو جاهلا، ولا يكفر من صلى محدثا خلافاً لأبي حنيفة.
(و) يحرم به أيضاً (طواف) لقوله ﷺ : " الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباج فيه الكلام " (٢) . رواه الشافعي في " مسنده ".
وعن طاووس عن رجل قد أدرك النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: " انما الطواف بالبيت صلاة فإذا طفتم فأقلوا الكلام " (٣) . رواه أحمد والنسائي.
قال في " الإنصاف ": وأما الطواف فتشترط له الطهارة على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب فيحرم فعله بلا طهارة ولا يجزئه. وعنه: يجزئه ويجبره بدم. وعنه: وكذا الحائض. وهو ظاهر كلام القاضي، واختاره الشيخ تقي الدين. قال: لادم عليها؛ لعذر، وقال: هل هي واجبة أو سنة لها؟ فيه
стр. 330
قولان في مذهب أحمد وغيره، ونقل أبو طالب: التطوع أيسر. انتهى.
(و) يحرم بالحدث أيضاً: (مس مصحف وبعضه)؛ لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) [الواقعة: ٧٩] أي: لا يمس القرآن. وهو خبر بمعنى النهي.
وقيل: ان المراد اللوح المحفوظ والملائكة؛ لأن المطهر من طهره غيره،
ولو أريد بنو آدم لقيل: المتطهرون.
وأجيب بأنه ان كان المراد هم فبنو آدم بالقياس عليهم بدليل ماروى
عبد الله بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: " ان النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان فيه: لا يمس القرآن إلا طاهر " (١) . رواه الأثرم والنسائي والدارقطني متصلا.
قال الأثرم: واحتج به أحمد، ورواه مالك مرسلا.
والحكم شامل لما يسمى مصحفا من الكتاب والجلد والحواشي والورق الأبيض. فلهذا قلت: (حتى جلده وحواشيه) بدليل البيع.
وقيل: انما يحرم مس كتابته، واختاره في " الفنون "، قال: لشمول اسم
المصحف له فقط؛ لجواز جلوسه على بساط على حواشيه كتابة.
قال في " الفروع ": كذا قال.
وعمومه يشمل المس (بيد وغيرها).
قال في " الإنصاف ": ولو كان المس بصدره. وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم. انتهى.
وأباح الحكم وحماد مسه بظاهر الكف؛ لأن الة المس باطن اليد فينصرف
اليه النهي.
ورد بأن ذلك ممنوع بل كل شيء لاقى شيئاً فقد مسه.
وانما يحرم المس إذا كان (بلا حائل)؛ لأن النهي انما تناول مسه، ومع
стр. 331
وجود الحائل انما يكون المس للحائل.
وإلا) يحرم على محدث: (حمله بعلاقة وفي كيس وكم) من غير مس
كما لوحمله في رحله.
ولأن النهي انما تناول المس، والحمل ليس بمس.
(و) لا يحرم على المحدث أيضاً: (تصفحه) أى تصفح المصحف (به) أي بكمه (وبعود).
قال في " الإنصاف ": لا يحرم حمله بعلاقة، ولا في غلافه، أو كمه، أو تصفحه بكمه، أو بعود أو مسه من وراء حائل على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور وقدمه في " الفروع " و" الشرح " وابن عبيدان وغيرهم. وصححه المصنف وغيره.
قال الزركشي: هو المشهور، وقطع به أبو الخطاب وابن عبدوس وصاحب
" التلخيص " واختاره القاضي وأبو محمد.
قال القاضي: وعنه: يحرم. وقيل: يحرم إلا وراق لحاجة. وعنه: المنع من تصفحه بكمه، وخرجه القاضي والمجد وغيرهما إلى بقية الحوائل، وأبى ذلك طائفة من الأصحاب منهم المصنف في " المغني "، وفرق بأن كمه وثيابه متصلة به أشبهت أعضاءه، وأطلق الروايتين في حمله بعلاقة، أو في غلافه، وتصفحه بكمه، أو عود ونحوه في " المستوعب " و" المحرر "
وابن تميم و" الرعايتين " و"الحاويين" و" مجمع البحرين " و" الفائق ". انتهى.
(و) لا يحرم على محدث أيضا (مس تفسير) ونحوه؛ ككتب الفقه، والرسائل التي فيها آيات من القرآن.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وحكى القاضي رواية بالمنع وأطلقهما في " الرعاية ".
وقيل: فيها.
стр. 332
وقيل: الروايتان أيضاً في حمل كتب التفسير.
وقيل: وفي مس القرآن المكتوب فيه.
وذكر القاضي في " الخلاف " من ذلك: ما نقله أبو طالب في الرجل يكتب
الحديث أو الكتاب للحاج (١) فيكتب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم) [النمل: ٣٠]
فقال بعضهم: يكره، وكانه كرهه.
وقال: الصحيح المنع من حمل ذلك ومسه. انتهى.
(و) لا يحرم عليه أيضاً: مس (منسوخ تلاوته).
قال في " الإنصاف ": يجوز مس المنسوخ تلاوته، والمأثور عن الله
تعالى، والتوراة والانجيل على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يجوز ذلك. قلت: والمنع من قراءة التوراة والانجيل أقوى وأولى. انتهى.
ولا يحرم حمل رقى وتعاويذ فيها قرآن.
قال في " الفروع ": وفاقاً، وهل يجوز مس ثوب رقم بالقرآن، أو فضة
نقشت به؟.
قال في " الإنصاف ": فيه وجهان أو روايتان. ثم قال بعد اسطر: قال
الزركشي: ظاهر كلامه الجواز. قال في " النظم " عن الدرهم المنقوش: هذا
المنصوص. انتهى.
(و) لا يحرم على ولي (صغير) تمكينه ان يمس (لوحا فيه قرآن).
قال في " الفروع ": ويجوز في رواية مس صبي لوحا كتب فيه. وعنه:
ومسه المكتوب، وذكر القاضي في موضع رواية: ومسه المصحف. انتهى.
وظاهر هذا الصنيع أن الراجح عنده: انه يجوز مس المحل الخالي من
الكتابة دون المكتوب. هذا هو المذهب.
قال في " الإنصاف ": وهو تارة يمس المصحف فلا يجوز على المذهب،
стр. 333
وعليه الأصحاب، وذكر القاضي في موضع رواية بالجواز وهو وجه في
" الرعاية " وغيرها، وتارة يمس المكتوب من اللوح فلا يجوز أيضاً على الصحيح من المذهب. انتهى.
(ويحرم مس مصحف بعضو متنجس).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يحرم.
قلت: هذا خطأ قطعا. ثم قال: لا يحرم مسه بعضو طاهر إذا كان على غيره نجاسة على الصحيح من المذهب. وقيل: يحرم. انتهى.
قال في " الفروع ": وكذا مس ذكر الله بنجس.
(و) يحرم (سفر به) أي بالمصحف (لدار حرب).
قال في " الفروع ": وفاقاً لمالك والشافعي. نقل إبراهيم بن الحارث:
لا يجوز للرجل ان يغزو ومعه مصحف. وقيل: إلا مع غلبة السلامة. وفي
" المستوعب ": يكره بدونها وفاقاً لأبي حنيفة. انتهى.
(و) يحرم (توسده) أي: توسد المصحف (وكتب علم فيها قرآن).
قال في " الإنصاف ": كره أحمد رحمه الله تعالى توسده، وفي تحريمه
وجهان، وأطلقهما في " الفروع "، واختار في " الرعاية " التحريم، وقطع به المصنف في " المغني " والشارح. قاله في " الآداب "، وقدم هو عدم التحريم، وهو الذي ذكره ابن تميم وجها وكذا كتب العلم التي فيها قرآن وإلا كره.
قال أحمد في كتب الحديث: ان خاف سرقة فلا بأس. انتهى.
(و) يحرم (كتبه) أي: ان يكتب القرآن (بحيث يهان).
قال في " الفروع ": ببول حيوان أو جلوس ونحوه. ذكره شيخنا إجماعاً
فتجب إزالته.
قال أحمد: لا ينبغي تعليق شيء فيه قرآن يستهان به.
قال جماعة: وتكره كتابته. زاد بعضهم: فيما هو مظنة بذله، وأنه لا يكره
стр. 334
كتابة غيره من الذكر فيما لم يدنس، وإلا كره كرها شديدا، ويحرم دوسه والمراد غير حائط المسجد.
في " الفصول " وغيره: يكره ان يكتب على حيطان المسجد ذكرا وغيره؛ لأن ذلك قال يلهي المصلى.
وكره أحمد شراء ثوب فيه ذكر الله يجلس عليه ويداس.
وما تنجس أوكتب بنجس غسل.
قال في " الفنون ": يلزم غسله. وقال: فقد جاز غسله وتحريقه لنوع صناعة. وقال: ان قصد بكتبه بنجس إهانة قالواجب قتله.
وفي البخاري: ان الصحابة حرقته- بالحاء المهمله- لما جميعوه.
وقال ابن الجوزي: ذلك لتعظيمه وصيانته. ذكر القاضي: ان أبا بكر بن
أبي داود روى بإسناده عن طلحة بن مصرف قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر.
وبإسناده عن طاووس: انه لم يكن يرى بأسا ان تحرق الكتب، وقال: ان الماء والنارخلق من خلق الله.
وذكر أحمد: ان أبا الجوزاء بلي مصحف له فحفر له في مسجده فدفنه. وقيل: يدفن كما لو بلي المصحف أو اندرس. نص عليه. انتهى.
(وكره مد رجل اليه واستدباره) أي ان يمد رجله إلى جهة المصحف أو يستدبره.
قال في " الفروع ": ولم يذكر أصحابنا مد الرجلين إلى جهة ذلك. يشير إلى المصحف وإلى كتب العلم التي فيها قرآن.
قال: وتركه أولى أو يكره، وكرهه الحنفية، وكذا في معناه استدباره،
وقد كره أحمد إسناد الظهر إلى القبلة فها هنا أولى، لكن اقتصر أكثر أصحابنا على استحباب استقبالها فتركه أولى ولعلى هذا أولى.
وفي " الصحيحين " في حديث الاسراًء: " فإذا انا بإبراهيم مسندا ظهره إلى
стр. 335
البيت المعمور " (١) .
ولأحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير "أنه قال وهو مستند إلى الكعبة: ورب هذه الكعبة لِلَّهِ لقد لعن رسول الله ﷺ فلانا وما ولد من صلبه " (٢) . ولأحمد عن كعب ين عجرة قال: " بينما نحن في مسجد رسول الله ﷺ مسندي ظهورنا إلى قبلته إذ خرج علينا رسول الله ﷺ . . وذكر الحديث " (٣) . انتهى. (و) كره (تخطيه) أي: أن يتخطى المصحف بأن يركبه ويتجاوزه بخطوته.
قال في " الفروع " بعد أن ذكر توسده واستدباره: وفي معنى ذلك التخطي ورميه بالأرض بلا وضع ولا حاجة تدعو إلى ذلك، بل هو بمسألة التوسد أشبه، وقد رمى رجل بكتاب عند أحمد فغضب وقال: هكذا يفعل بكلام الابرار؟.
(و) تكره (تحليته) أي: تحلية المصحف (بذهب أو فضة).
قال في " الفروع ": وفاقاً لمالك والشافعي نص عليه. وعنه: لا وفاقاً لأبي حنيفة. ثم قال: وقيل: لا تكره تحليته للنساء. وقيل: يحرم، جزم به الشيخ وغيره، ككتب العلم في الأصح. ثم قال: وقال ابن الزاغونى: يحرم كتبه بذهب؛ لأنه من زخرفة المصاحف، ويؤمر بحكه، فان كان يجتمع منه ما يتمول زكاه. وقال أبو الخطاب: يزكيه ان كان نصابا، وله حكه وأخذه.
(ويباح تطييبه) ولا يكره. نص عليه. واستحب الامدي تطييبه؛ " لأنه ﵊ طيب الكعبة ". وهي دونه.
قال في " الفروع " " وهو ظاهر كلام القاضي " لأمره ﵊ بتطييب المساجد ". فالمصحف أولى. انتهى.
стр. 336
(و) يباح (تقبيله).
قال في " الفروع ": ويجوز تقبيله. وعنه: يستحب؛ لفعل عكرمة بن أبي
جهل. رواه أحمد.
ونقل جماعة الوقف فيه، وفي جعله على عينيه؛ لعدم التوقيف وان كان فيه رفعة وإكرام؛ لأن ما طريقه القرب إذا لم يكن للقياس فيه مدخل لا يستحب فعله وان كان فيه تعظيم إلا بتوقيف، ولهذا قال عمر عن الحجر: " لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك " (١) .
ولما " قبل معاوية الاركان كلها أنكر عليه ابن عباس فقال: ليس شيء من البيت مهجورا فقال: انما هي السنة " (٢) . فاً نكر عليه الزيادة على فعل النبي ﷺ وان كان فيه تعظيم. ذكر ذلك القاضي، ولهذا ذكره الامدي رواية تكره. وظاهر ذلك: انه لا يقام له؛ لعدم التوقيف. وقد ذكر الحافظ ابن
أبي الاخضر من أصحابنا فيمن روى عن أحمد في ترجمة أبي زرعة الرازي: سمعت أحمد بن حنبل- وذكره عنده إبراهيم بن طهمان وكان متكئا- فاستوى جالسا وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ.
وذكر ابن عقيل في " الفنون ": انه كان مستندا فأزال ظهره وقال: لا ينبغي ان يجري ذكر الصالحين ونحن مستندون.
قال ابن عقيل: فأخذت من هذا حسن الأدب فيما يفعله الناس عند ذكر إمام
العصر من النهوض؛ لسماع توقيعاته. ومعلوم أن مسألتنا أولى.
وقال شيخنا: إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فهو أحق. انتهى.
(و) يباح (كتابة آيتين فأقل إلى الكفار) نصا.
قال في " الفروع ": نقل الأثرم: يجوز ان يكتب إلى أهل الذمة كتابا فيه
ذكر الله. قد كتب النبي ﷺ إلى المشركين.
стр. 337
وفي " النهاية ": لحاجة التبليغ. وهو ظاهر الخلاف.
وقال ابن عقيل: لا بأس بتضمينه لمقاصد تماهي مقصوده تحسينا للكلام، كآيات في الرسائل للكفار مقتضية الدعاية، ولا يجوز في نحو كتب المبتدعة، بل هي من الشعر لصحة القصد وسلامة الوضع. انتهى.
ويمنع الكافر من مس المصحف مطلقاً " لعدم صحة الطهارة منه.
قال في " الإنصاف ": لكن له نسخه على الصحيح من المذهب.
وقال ابن عقيل: بدون حمل ومس. قاله القاضي في " التعليق " وغيره.
قال ابن عقيل في " التذكرة ": يجوز استئجار الكافر على كتابة المصحف
إذا لم يحمله.
قال أبو بكر: لا يختلف قول أحمد: ان المصاحف يجوز ان يكتبها
النصارى.
قال القاضي في "الجامع ": يحتمل قول أبى بكر يكتبه بين يديه
ولا يحمله، وهو قياس المذهب، لأن مس القلم للحرف كمس العود للحرف. وقيل لأحمد: يعجبك ان تكتب النصارى المصاحف؛ قال: لا يعجبني.
قال الزركشي: فأخذ من ذلك رواية بالمنع.
قال القاضي في " خلافه ": يمكن حملها على انهم حملوا المصاحف في
حإلى كتابتها.
وقال في " الجامع ": ظاهره كراهته لذلك، وكرهه للخلاف.
وقال في " النهاية ": يمنع منه. انتهى.
стр. 338
[باب: موجبات الغسل]
هذا (باب) يذكر فيه موجبات الغسل، وما يمنع منه من لزمه، وما يستحب
له الغسل، وصفته، ومسائل من أحكام المسجد والحمام.
(الغسل) بضم الغين الذي هو الاسم هو في الشرع: (استعمال ماء طهور في جميع بدنه) أي المغتسل (على وجه) مستفاد من الشرع (مخصوص) بتخصيص.
والأصل في مشروعيته قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاً طهروا)
[المائدة: ٦]. سمي به، لأنه نهي ان يقرب مواضع الصلاة. وقيل: لمجانبة الناس حتى يتطهر. وقيل: لأن الماء جانب محله.
(وموجبه) يعني ان الحدث الموجب للغسل باعتبار انواعه (سبعة):
الأولى: (انتقال مني) يعني ان الغسل يجب بمجرد إحساس الرجل بانتقال المني عن صلبه والمرأة بانتقاله عن ترائبها، لأن الجنابة تباعد الماء عن محله وقد وجد فتكون الجنابة موجودة فيجب بها الغسل.
ولأن الغسل يراعى فيه الشهوة وقد حصلت بانتقاله. أشبه ما لو ظهر، وهذا
هو المشهور عن أحمد، وأنكر ان يكون الماء يرجع.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهيرالأصحاب ونص عليه
في رواية أحمد بن أبي عبده وحرب. انتهى.
والقول بوجوب الغسل بانتقال المني من المفردات.
وعن أحمد رواية أخرى: انه لا يجب الغسل حتى يخرج المني ولو لغير شهوة.
قال في " الرعاية ": فعليها يعيد ما صلى لما انتقل.
стр. 339
قال في " الإنصاف ": وما رأيته (١) لغيره. انتهى.
وعلى المذهب: لو اغتسل للمني المنتقل قبل خروجه ثم خرج بعد الغسل
لم تجب إعادة الغسل له. وإلى هذا أشير بقوله:
(فلا يعاد غسل له بخروجه بعده)؛ لأن وجوب الغسل تعلق بانتقاله وقد اغتسل له. فلم يجب عليه غسل ثان؛ كبقية المني إذا خرجت بعد الغسل على المشهور الذي عليه الجمهور.
قال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله: أن ليس عليه إلا الوضوء
بال أو لم يبل. على هذا استقر قوله. انتهى.
لأنه جنابة واحدة. فلم يجب به غسلان؛ كما لو خرج دفعة واحدة.
وفيه رواية ثانية: أنه يجب عليه الغسل ثانيا بخروج بقية المني بكل حال.
وهو مذهب الشافعي.
وفيه رواية ثالثة: انه ان خرج قبل البول اغتسل له وان خرج بعده لم يغتسل. وهو مذهب أبي حنيفة.
(و) على المذهب أيضاً وهو وجوب الغسل بالانتقال (يثبت به حكم بلوغ وفطر وغيرهما)؛ كفساد نسك ووجوب كفارة ونحو ذلك.
قال في " الإنصاف ": قاله القاضي في " تعليقه " التزاما، وعلقه
الزركشي.
قلت: وهو أولى. انتهى.
وفيه وجه آخر: انه لا يثبت به شيء من ذلك. وهو ظاهر اختياره في
" الرعاية الكبرى " وبعد الأولى.
(وكذا) أي: وكانتقال المني في الحكم (انتقال حيض) فيثبت بانتقاله
ما يثبت بخروجه. فإذا أحست بانتقال حيضها قبل الغروت بلحظة وهي صائمة
стр. 340
ثبت لها حكم الفطر ولو لم يخرج الدم إلا بعد الغروت.
قال في " الإنصاف " بعد قوله فوائد: ومنها: قياس انتقال المني وانتقال الحيض. قاله الشيخ تقي الدين. انتهى.
الموجب (الثاني) من موجبات الغسل: (خروجه) أي خروج المني (من مخرجه) المعتاد (ولو دما) أي ولو كان المني الخارج من مخرجه أحمر كالدم. فلو ضرب على صلبه أو نحوه فخرج المني من غير مخرجه لم يجب غسل بذلك. (وتعتبر) لوجوب الغسل بخروجه (لذة) أي وجودها عند خروجه. وعنه:
لا تعتبر (في) حق (غير نائم ونحوه)؛ كمغمى عليه، ويلزم من وجود اللذة: ان يكون دفقا فلهذا استغنينا عن ذكر الدفق باللذة، فلو خرج من يقظان لغير ذلك لم يوجب غسلا.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به كثير منهم. وعنه: يوجب الغسل. انتهى.
ولما كان المني يخلق منه الحيوان؛ لخروجه من جميع البدن، وكان يضعف بكثرته جبر بالغسل.
ولو خرج ما يشبه المني لمرض أو إبردة من غير شهوة لم يجب به غسل.
قال في " الشرح ": وهذا قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: يجب.
(ولو جامع وأكسل فاغتسل ثم انزل بلا لذة لم يعد) الغسل لذلك.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. ثم قال: وجزم جماعة بوجوب الغسل هنا منهم ابن تميم فقال: وان جامع وأكسل فاغتسل ثم أنزل: فعليه الغسل نص عليه، وفيه وجه: لا غسل إلا ان ينزل لشهوة.
وقال- في " الرعاية ": والنص يغتسل ثانيا. انتهى.
(وان أفاق نائم ونحوه) كمغمى عليه وهو بالغ أو من يحتمل بلوغه (فوجد) ببدنه أو ثوبه (بللا فان تحقق انه مني) ولو لم يذكر احتلاما (اغتسل) وجوبا.
стр. 341
قال في " الشرح ": وان انتبه فرأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل، قال شيخنا: لا نعلم فيه خلافا.
(فقط) يعني: انه لا يجب مع الغسل ان يغسل ما أصابه المني كما يغسل
ما أصابته النجاسة.
(والا) أي وان لم يتحقق انه مني فان سبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر أو نحوه أوكان به أبردة لم يجب الغسل.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
قال في " الشرح ": فان انتبه من النوم فوجد بللا لا يعلم هل هو مني أو
غيره، فقال أحمد: إذا وجد بلة اغتسل إلا ان يكون به أبردة أو لاعب أهله فانه ربما خرج منه المذي فأرجو إلا يكون به بأس، وكذلك ان كان انتشر من أولى الليل بتذكر أو رؤية وهو قول الحسن؛ لأن الظاهر انه مذي لوجود سببه فلا يجب الغسل بالاحتمال.
وان لم يتحقق انه مني (ولا سبب) من الاسباب المتقدمة ونحوها موجود اغتسل وجوباً و (طهر ما أصابه) البلل (أيضا) احتياطا.
وما ذكرناه مشروط بما إذا كان الثوب لا ينام فيه غيره ممن يحتلم، فأما إذا
كان ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم فلا غسل على واحد منهما مفردا شاك فيما يوجب الغسل. والأصل عدم وجوبه وليس لأحدهما الائتمام بالآخر " لأن أحدهما جنب يقينا.
(ومحل ذلك) أي: ما ذكر من قوله: وان أفاق نائم. . . إلى آخره (في)
حق (غير النبي ﷺ ، لأنه لا يحتلم)؛ لكونه لا ينام قلبه.
الموجب (الثالث) من موجبات الغسل: التقاء الختانين. والمراد من التقائهما تقابلهما وتحاذيهما بتغييب الحشفة في الفرج، لا إذا تماسا من غير إيلاج. ولما كان المراد ذلك عدلت اليه بقولي: (تغييب حشفته) أي: حشفة الذكر. وهي: ما تحت الجلدة المقطوعة من الذكر في الختان ولو لم يجد بذلك
стр. 342
حرارة خلافاً لأبي حنيفة، (الأصلة) فلا غسل بتغييب حشفة الخنثى المشكل؛ لاحتمال ان يكون خلقة زائدة، (أو) تغييب (قدرها) من مقطوعها (بلا حائل)؛ لأنتفاء التقاء الختانين مع الحائل؛ لأن الحائل هو الملاقي لختان كل من المغيب والمغيب فيه. وقيل: ولو مع حائل (في فرج أصلى) متعلق بتغييب فلا غسل بتغييب حشفة أصلية في قبل خنثى مشكل؛ لاحتمال ان يكون فرجه خلقة زائدة، (ولو) كان الفرج الأصل (دبرا) في المنصو ص؛ لوجود الفرج الأصل، وكذا لو كان الفرج الأصل (لميت) أو طفل؛ لأنه إيلاج في فرج أصلى. فوجب به الغسل؛ كفرج الحي. وخالف في ذلك أبو حنيفة. وكذا ما أشير اليه بقوله:
(أو) كان الفرج المولج فيه فرج (بهيمة) حتى سمكة. قاله القاضي في " تعليقه " وتبعه في " الفروع "؛ لأنه إيلاج في فرج. أشبه الادمية، وخالف أبو حنيفة.
ولايشترط لوجوب الغسل بتغييب الحشفة في الفرج بلوغ ولايقظة
ولا عقل. لكن يشترط كونه: (ممن يجامع مثله)، أو يجامع مثلها (ولو نائما أو مجنونا أو لم يبلغ)، كالحدث الأصغر ينقض الوضوء في حق الكبير والصغير. والمراد بمن يجامع مثله: ابن عشر فأكثر، وبمن يجامع مثلها: بنت تسع فأكثر.
وليس معنى وجوب الغسل في حق الصغير التأثيم بتركه بل معناه: ان الغسل شرط لصحة الصلاة والطواف وإباحة قراءة القرآن وإلى ذلك أشير بقوله:
(فيلزم) أي الغسل لمن لم يبلغ ممن يجامع مثله (إذا أراد ما يتوقف على غسل أو وضوء لغير لبث بمسجد، أو مات ولو شهيدا)؛ لاشتراط الطهارة لذلك في حق الصغير كالكبير.
(واستدخالُ ذَكر أحدِ من ذُكر)، كالمرأة تستدخل في قبلها أو دبرها ذكر ميت أو ذكر بهيمة (كإتيانه) أي: كإتيان الرجل الميتة أو البهيمة. وكذا استدخإلى الكبيرة في فرجها ذكر الطفل فانه كإتيان الكبير الطفلة، وقد تقدم ان ذلك كله موجب للغسل.
стр. 343
الموجب (الرابع) من موجبات الغسل: (إسلام كافر)؛ لما روى قيس بن عاصم: "انه أسلم فأمره النبي ﷺ ان يغتسل بماء وسدر " (١) . رواه أحمد وأبو داود والنسائى والترمذي وحسنه.
حتى (ولو) كان الذي أسلم (مرتدا)؛ لأن المرتد مساو للأصلى في المعنى وهو الإسلام. فوجب مساواته له في الحكم.
قال في " الإنصاف ": الحق المصنف المرتد بالكافر إلا صلى وهو الصحيح
من المذهب وعليه جماهيرالأصحاب.
وقيل: لا غسل على المرتد وان أوجبناه على الأصل. انتهى.
ولا فرق في ذلك بين ما إذا وجد في كفره ما يوجبه كالامناء والتقاء الختانين
(أو لم يوجد في كفره ما يوجبه)؛ لأن المظنة أقيمت مقام حقيقة الحدث.
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر المذهب وقال أبو بكر: لا غسل عليه
إلا إذا وجد منه في حال كفره ما يوجب الغسل من الجنابة ونحوها. انتهى. فعل المذهب: لو وجد منه سبب من الاسباب الموجبة للغسل كتغييب الحشفة في الفرج أو نحو ذلك في حال كفره: لم يلزمه له غسل إذا أسلم بل يكتفي بغسل الإسلام على الصحيح من المذهب.
ولا فرق في ذلك بين كون من أسلم بالغا (أو مميزا)؛ لأن الإسلام موجب. فاستوى فيه الكبير والصغير كالوطء والحدث الأصغر.
(و) يكون (وقت لزومه) أى لزوم الغسل للصغير (كما مر) يعني إذا أراد
ما يتوقف على الغسل؛ لأنه يأثم بتأخير الغسل.
الموجب (الخامس) من موجبات الغسل (خروج) دم (حيض) وانقطاعه
стр. 344
شرط لصحة الغسل له.
وقيل: انما يجب الغسل بانقطاعه.
قال في " الإنصاف ": تظهر فائدة الخلاف: إذا استشهدت الحائض قبل الطهر فان قلنا: يجب الغسل بخروج الدم: وجب غسلها للحيض، وان قلنا:
لا يجب إلا بالانقطاع: لم يجب الغسل، لأن الشهيدة لا تغسل. ولم ينقطع الدم الموجب للغسل.
قاله المجد وابن عبيدان والزركشي وصاحب "مجميع البحر ين " و" الفر وع " و" الرعاية " وغيرهم.
قال الطوفي في " شرح الخرقي ": وتظهر فائدة الخلاف: فيما إذا استشهدت الحائض قبل الطهر هل تغسل للحيض؟ فيه وجهان ان قلنا: يجب الغسل عليها بخروج الدم: غسلت لسبق الوجوب، وان قلنا: لم يجب إلا بالانقطاع: لم يجب. انتهى.
وقطع جماعة: انه لا يجب الغسل على القولين منهم المصنف؛ لأن الطهر شرط في صحة الغسل، أو في السبب الموجب له ولم يوجد.
قال الطوفي في " شرحه " بعد ما ذكر ما تقدم: وعلى هذا. التفريع إشكال وهو ان الموت إما ان ينزل منزلة انقطاع الدم أو لا. فان نزل منزلته لزم وجوب الغسل " لتحقق سبب وجوبه وشرطه على القولين، وان لم ينزل منزلة انقطاع الدم فهي في حكم الحائض على القولين فلا يجب غسلها " لأنا ان قلنا: الموجب هو الانقطاع فسبب الوجوب منتف، والحكم ينتفي " لانقطاع شرطه. انتهى.
الموجب (السادس: خروج دم نفاس). ولا خلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس، وانما الخلاف في وقت الوجوب. وهو: أن الغسل هل يجب بخروجهما أو بانقطاعه ما؛ والمذهب أنه يجب بالخروج كما في المتن (١) فيهما. ومما يترتب على الخلاف لو علق انسان عتقا أو طلاقا على ما يوجب
стр. 345
غسل أحدهما فعل المذهب يقع المعلق على ذلك بخروج الدم، وعلى الثانى بانقطاعه.
وحيث كان الموجب خروج دم النفاس (فلا يجب) الغسل (بولادة عرت عنه) أي: عن الدم على المذهب؛ كما لو القت علقة. وفيه وجه، وفي " الكافي "
رواية: يجب.
الموجب (السابع: الموت)؛ لقوله ﷺ : " اغسلنها " (١) إلى غيره من الأحاديث.
(تعبداً)، لأنه لو كان عن حدث لم يرتفع مع بقاء سببه، كالحائض لا يصح غسلها للحيض مع جريان الدم، ولو كان عن نجس لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت.
ويستثنى من ذلك الشهيد والمقتول ظلما- كما أشير اليه بقوله:
(غير شهيد معركة ومقتول ظلما). وسيأتي الكلام على ذلك ان شاء الله تعالى في كتاب الجنائز.
(ويمنع من عليه غسل) من جنب وحائض ونفساء (من) قراءة (آية)؛
لما روى على: "أنه ﷺ لم يكن يحجبه، أو قال: يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة " (٢) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي بمعناه، وقال: حسن صحيح.
стр. 346
وعن جابر عن النبي ﷺ قال: " لا تقرأ الحائض ولا النفساء شيئاً من القرآن " (١) . رواه الدارقطني.
إلا) من قراءة (بعضها) أي بعض آية.
قال في " الفروع ": على الأصح خلافاً للشافعي.
(ولو كرر. ما لم يتحيل على قراءة تحرم) عليه. هكذا قال في " الفروع ".
قال في " الإنصاف ": وقدمه في " المحرر " و" الرعايتين " و"الحاويين"
و" الفائق ". انتهى.
ووجه ذلك: ان بعض الايه لا يحصل به إعجاز ولا يجزئ في الخطبة.
أشبه الذكر.
ولأنه يجوز إذا لم يقصد به القرآن، فكذلك إذا قصد.
قال (المنقح: ما لم تكن طويلة).
قال في " الإنصاف ": كآية الدين.
(وله) أي لمن لزمه غسل: (تهجيه) أي تهجي القرآن.
قال في " الفروع ": في الأصح. فيتوجه في بطلان صلاة بتهجيه هذا الخلاف. وفي " الفصول ": تبطل لخروجه عن نظمه وإعجازه. انتهى.
(و) له أيضاً: (تحريك شفتيه به) أي بالقرآن (ان لم يبين الحروف).
قال في " الفروع ": وله قراءة لا تجزئ في الصلاة لأسرارها في ظاهر
" نهاية الأزجي ".
وقال غيره: له تحريك شفتيه به إذا لم يبين الحروف. انتهى.
لأن هذا لا يسمى قراءة.
(و) له أيضاً: (قول ما وافق قرآنا ولم يقصده).
стр. 347
قال في " الفروع ": نص عليه. انتهى.
وذلك كقول عاطس: " الحمد لله رب العالمين " ونحو ذلك.
(و) له أيضاً: (ذكر) أي: ان يذكر الله تعالى؛ لما روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه " (١) .
وعنه ما أحب أن يؤذن؛ لأنه في القرآن. -
قال في " الفروع ": وفي التعليل نظر.
قال القاضي: وعلله في رواية الميمونى بأنه كلام مجموع. انتهى.
وكره الشيخ تقي الدين الذكر لجنب لا الحائض.
(ويجوز لجنب وحائض ونفساء انقطع دمهما: دخول مسجد ولو
بلا حاجة). وقيل: لا إلا لحاجة. ومنها: كون المسجد طريقا قريبا. لكن كره أحمد اتخاذه طريقا.
والأصل فى جواز دخول الجنب المسجد قوله تعالى: (ولا جنبا إلاعابرى سبيل) [النساء: ٤٣] قياسه الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما.
إلا لبث) لمن ذكر (فيه) أى بالمسجد فيحرم؛ لقول الله تعالى: (حتى تغتسلوا)
[النساء: ٤٣].
ولقول النبي ﷺ : " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " (٢) . رواه
أبو داود.
(إلا بوضوء)؛ لما روى عطاء بن يسار قال: " رأيت رجإلا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة " (٣) . رواه سعيد بن منصور والأثرم.
стр. 348
وحكم الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما حكم الجنب.
وعنه: لا يجوز اللبث وان توضؤوا.
وعنه: يجوز للجنب اللبث فيه وان لم يتوضأ. ذكرها في " الرعاية " ونقلها الخطابي عن أحمد.
(ف) على الأولى (ان تعذر) الوضوء على من قلنا يجوز له اللبث بالوضوء (واحتيج: للبث) في المسجد (جاز بلا تيمم).
قال في " الفروع ": وان تعذر واحتاج فبدونه نص عليه، واحتج بـ " ان
وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ فانزلهم المسجد " (١) ؛ كمستحاضة ونحوها، ويأمنون تلويثه وعند أبي المعالي والشيخ: يتيمم وفاقاً للشافعي كلبثه لغسله فيه، وفيه قول. انتهى.
(ويتيمم للبث لغسل فيه) أي: في المسجد.
قال في " الإنصاف ": وأما لبثه فيه لأجل الغسل: قالصحيح من المذهب: انه يتيمم له.
وقال ابن شهاب وغيره وقدمه في " الفروع "، قال ابن تميم: وفيه بعد مع اقتصاره عليه. وقيل: لا يتيمم. انتهى.
وقال ابن قندس في " حاشيته على الفروع ": يعني إذا أراد ان يغتسل في المسجد واحتاج إلى اللبث فيه ولم يقدر على الوضوء ولا الغسل عاجلا فانه يتيمم لذلك اللبث، ولم أر هذه الزيادة فى " المغني " ولا في " شرح الهداية " لمجد الدين. انتهى.
وقول ابن قندس: واحتاج إلى اللبث فيه مخالف لما تقدم من انه إذا احتاج للبث فيه فانه يجوز بلا تيمم، والظاهر تقييده بعدم الاحتياج. والله أعلم.
(ولا يكره) غسل (ولا وضوء) في المسجد (ما لم يؤذ بهما).
стр. 349
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
قال في " الفروع " في باب الوضوء: ويباح هو وغسل في مسجد ان لم يؤذ
به أحدا. حكاه ابن المنذر إجماعاً. وعنه: يكره
وفاقاً لأبي حنيفة ومالك. انتهى.
وقال في " الآداب الكبرى ": وحكى بعضهم بانه لا يجوز، ولعلىه على رواية: ان المستعمل في رفع الحدث نجس فان كان فهو واضح. انتهى. (ويكره إراقة مائهما) أي: ماء الغسل والوضوء به، أي: بالمسجد، (وبما يداس) أي: بمحل يداس؛ كالطريق ونحوها. وعنه: لا يكره.
قال في " الإنصاف ": فعل المذهب الكراهة تنزيها للماء جزم به في
" الرعاية ".
(ومصلى العيد) وهو المكان المتخذ لصلاة العيد فقط.
إلا) المكان المتخذ لصلاة (الجنائز مسجد). أمامصلى العيد فمسجد على الصحيح من المذهب، قاله في " الإنصاف " و" الفروع ".
ووجهه: ان صلاة العيد صلاة ذات ركوع وسجود. أشبه المكان المتخذ لجميع الصلوات. وأما مصلى الجنائز فلا خلاف في انه ليس بمسجد.
قال في " الإنصاف ": ليس بمسجد قولا واحدا.
(ويمنع) بالبناء للمفعول (منه) أي: من المسجد (مجنون).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(و) يمنع منه أيضاً (سكران).
قال في "الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وللقاضي في
" الخلاف " جواب: بانه لا يمنع.
(و) يمنع منه أيضاً: (من عليه نجاسة تتعدى).
قال في " الفروع ": وفاقاً لظاهر كلام القاضي وغيره، ولكن قد قال
стр. 350
بعضهم: يتيمم لها للعذر وهذا ضعيف. انتهى.
(ويكره) للمكلف (تمكين صغير) من المسجد، نقل مهنا: ينبغي ان يجنب الصبيان المساجد.
وقال في " الآداب الكبرى ": ويسن ان يصان عن صغير. أطلقوا العبارة. والمراد والله أعلم: إذا كان صغيرا لا يميز لغير مصلحة ولا فائدة. انتهى. وقال فيها أيضاً: ويباح غلق أبوابه؛ لئلا يدخله من يكره دخوله اليه نص عليه.
(ويحرم تكسب بصنعة فيه) أي: في المسجد.
стр. 351
فصلى [في الأغسال المستحبة]
قد تقدم ما يجب له الغسل. وأما ما يستحب له الغسل فقد شرع فيه بقوله:
(والأغسال المستحبة ستة عشر) غسلا. ياً تى ذكرها:
(آكدها): الغسل (لصلاة جميعة في يومها لذكر حضرها ولو لم تجب عليه) الجمعة؛ كالمسافر والعبد (ان صلى)؛ لما روي ان النبي ﷺ قال: " من أتى منكم الجمعة فليغتسل " (١) . متفق عليه.
وعنه: يجب الغسل على من تلزمه الجمعة.
وعلى الروايتين ليس الغسل بشرط لصحتها.
(و) الغسل للجميعة (عند مضي) اليها أفضل من الغسل قبل ذلك، (و) كون الغسل لها (عن جماع أفضل) من كونه من غير جماع.
(ثم) يلي غسل الجمعة في الآكدية من الأغسال المستحبة: الغسل (لغسل ميت) مسلم أو كافر.
قال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب: استحباب الغسل من غسل الميت، وعليه جماهيرالأصحاب ونص عليه. وعنه: لا يستحب. انتهى.
وعنه: يجب الغسل؛ لغسل الميت الكافر.
قال في " الشرح ": وذكر بعض أصحابنا رواية في وجموب الغسل من غسل
стр. 352
الحي الكافر قياسا على الميت. ثم قال: ولا نعلم أحدا قال به من العلماء. والله أعلم.
(ثم) الثالث من الأغسال المستحبة: الغسل (لعيد) أي لصلاته (في يومها لحاضرها) وفاقاً؛ لما روى ابن عباس والفاكه بن سعد رضي الله تعالى عنهما: " ان رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر والأضحى " (١) . رواه ابن ماجه. ومحل استحباب ذلك: (ان صلى) صلاة العيد (ولو منفردا). وقيل:
لا يستحب الغسل لها إلا إذا صلى في جماعة. وقيل: يجب الغسل لصلاة العيد، وفي " التلخيص ": يستحب الغسل لمن حضر العيد ولو لم يصلى.
(و) الرابع من الأغسال المستحبة: الغسل (لكسوف) أي لصلاته.
(و) الخامس: لصلاة (استسقاء)، لأنهما صلاتان يجتمع لهما الناس فاستحب الغسل لهما؛ كصلاة الجمعة والعيدين.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهيرالأصحاب وقطع به كثير منهم. وقيل: لا يستحب الغسل لهما. ذكره في " التبصرة ".
(و) السادس والسابع من الأغسال المستحبة: الغسل (لجنون وإغماء
لا احتلام فيهما) أي: في الجنون والإغماء، لأنه لو وجد في أحدهما احتلام وجب الغسل. ودليل الاستحباب ما روي عن النبي ﷺ : "انه اغتسل للإغماء " (٢) . متفق عليه. ولأنه لا يؤمن ان يكون احتلم ولم يشعر، والجنون في معناه بل أولى؛
لأن مدته تطول فيكون الإحتلام فيه أكثر.
стр. 353
وحكى بعضهم رواية بوجوب الغسل للجنون والإغماء لكن المشهور عند الأصحاب الاستحباب؛ لأن الغسل لا يجب بدون تيقن الأنزال اطراحا للشك واستصحابا لليقين.
(و) الثامن من الأغسال المستحبة: الاستحاضة) أي: ان تغتسل المستحاضة (لكل صلاة).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهيرالأصحاب وقطع به كثير منهم. وعنه: يجب. حكاها في " التبصرة " ومن بعده.
(و) التاسع: الغسل إلاحرام) بحج أو عمرة؛ لما روى زيد بن ثابت "انه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل " (١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ويدخل في هذا كل مريد للإحرام (حتى حائض ونفساء).
قال في " الفروع ": وفاقاً، وللشافعي قول: لا يستحب لهما. انتهى.
وأوجب بعض العلماء دما على من ترك الغسل للإحرام.
(و) العاشر: الغسل (لدخول مكة).
قال في " المستوعب ": حتى لحائض. وظاهره: ولو كان بالحرم كالذي بمنى إذا أراد دخولصلى الله عليه وسلم مكة فانه يستحب له الغسل لذلك.
(و) الحادي عشر: الغسل لدخول (حرمها) أي: حرم مكة. نص عليه في رواية صالح.
(و) الثانى عشر: الغسل ل (وقوف بعرفة) وفاقاً. روي ذلك عن على وعبد الله بن مسعود.
(و) الثالت عشر: الغسل ل (طواف زيارة) وفاقاً.
(و) الرابع عشر: الغسل لطواف (وداع) وفاقاً.
стр. 354
(و) الخامس عشر: الغسل ل (مبيت بمزدلفة).
(و) السادس عشر: الغسل ل (رمي جمار)، لأن هذه كلها أنساك يجتمع لها الناس فاستحب لها الغسل، كالإحرام ودخول مكة.
(ويتيمم) استحبابا اللكل) أي: لكل الأغسال المستحبة (لحاجة) أي عند حاجة الصحيح إلى الماء لعدمه، أو لعدو يحول بينه وبين الماء، أو يكون الماء ببئر ولا يجد الة يستقى بها أو نحو ذلك.
(و) يستحب التيمم (لما يسن له وضوء)، كقراءة القرآن (لعذر)، كالمريض والجريح العاجز عن أن يمس الماء بشرته.
стр. 355
فصلى في صفة الغسل
وهو ضربان: كامل ومجزئ. (وصفة الكامل) ان كان واجباً أو مستحبا:
(أن ينوي) من يصح منه غسل الغسل، (ويسمي) بان يقول: باسم الله بعد ان
ينوي، (ويغسل يديه ثلاثاً) خارج الماء، (و) يفرغ بيمينه على شماله فيغسل
(ما لوثه) أي: لطخه من مني أو غيره بفرجه أو غيره، (ثم يتوضأ) وضوءاً
(كاملا) كوضوء المنفرد عن الغسل، (ويروي) بتشديد الواو (رأسه) أي: أصول شعر رأسه (ثلاثاً) يحثي الماء عليها ثلاث حثيات، (ثم) يغسل (بقية جسده) بإفاضة الماء عليه (ثلاثاً)؛ لماروت عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه حتى إذا ظن انه قد روى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث
مرات، ثم غسل سائر جسده " (١) . متفق عليه.
(ويتيامن) بان يبدأ بغسل شقه الأيمن؛ لأنه قد روي في حديث عن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفيه بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه " (٢) . متفق عليه.