فصلى [في الأغسال المستحبة]
قد تقدم ما يجب له الغسل. وأما ما يستحب له الغسل فقد شرع فيه بقوله:
(والأغسال المستحبة ستة عشر) غسلا. ياً تى ذكرها:
(آكدها): الغسل (لصلاة جميعة في يومها لذكر حضرها ولو لم تجب عليه) الجمعة؛ كالمسافر والعبد (ان صلى)؛ لما روي ان النبي ﷺ قال: " من أتى منكم الجمعة فليغتسل " (١) . متفق عليه.
وعنه: يجب الغسل على من تلزمه الجمعة.
وعلى الروايتين ليس الغسل بشرط لصحتها.
(و) الغسل للجميعة (عند مضي) اليها أفضل من الغسل قبل ذلك، (و) كون الغسل لها (عن جماع أفضل) من كونه من غير جماع.
(ثم) يلي غسل الجمعة في الآكدية من الأغسال المستحبة: الغسل (لغسل ميت) مسلم أو كافر.
قال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب: استحباب الغسل من غسل الميت، وعليه جماهيرالأصحاب ونص عليه. وعنه: لا يستحب. انتهى.
وعنه: يجب الغسل؛ لغسل الميت الكافر.
قال في " الشرح ": وذكر بعض أصحابنا رواية في وجموب الغسل من غسل
стр. 352
الحي الكافر قياسا على الميت. ثم قال: ولا نعلم أحدا قال به من العلماء. والله أعلم.
(ثم) الثالث من الأغسال المستحبة: الغسل (لعيد) أي لصلاته (في يومها لحاضرها) وفاقاً؛ لما روى ابن عباس والفاكه بن سعد رضي الله تعالى عنهما: " ان رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر والأضحى " (١) . رواه ابن ماجه. ومحل استحباب ذلك: (ان صلى) صلاة العيد (ولو منفردا). وقيل:
لا يستحب الغسل لها إلا إذا صلى في جماعة. وقيل: يجب الغسل لصلاة العيد، وفي " التلخيص ": يستحب الغسل لمن حضر العيد ولو لم يصلى.
(و) الرابع من الأغسال المستحبة: الغسل (لكسوف) أي لصلاته.
(و) الخامس: لصلاة (استسقاء)، لأنهما صلاتان يجتمع لهما الناس فاستحب الغسل لهما؛ كصلاة الجمعة والعيدين.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهيرالأصحاب وقطع به كثير منهم. وقيل: لا يستحب الغسل لهما. ذكره في " التبصرة ".
(و) السادس والسابع من الأغسال المستحبة: الغسل (لجنون وإغماء
لا احتلام فيهما) أي: في الجنون والإغماء، لأنه لو وجد في أحدهما احتلام وجب الغسل. ودليل الاستحباب ما روي عن النبي ﷺ : "انه اغتسل للإغماء " (٢) . متفق عليه. ولأنه لا يؤمن ان يكون احتلم ولم يشعر، والجنون في معناه بل أولى؛
لأن مدته تطول فيكون الإحتلام فيه أكثر.
стр. 353
وحكى بعضهم رواية بوجوب الغسل للجنون والإغماء لكن المشهور عند الأصحاب الاستحباب؛ لأن الغسل لا يجب بدون تيقن الأنزال اطراحا للشك واستصحابا لليقين.
(و) الثامن من الأغسال المستحبة: الاستحاضة) أي: ان تغتسل المستحاضة (لكل صلاة).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهيرالأصحاب وقطع به كثير منهم. وعنه: يجب. حكاها في " التبصرة " ومن بعده.
(و) التاسع: الغسل إلاحرام) بحج أو عمرة؛ لما روى زيد بن ثابت "انه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل " (١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ويدخل في هذا كل مريد للإحرام (حتى حائض ونفساء).
قال في " الفروع ": وفاقاً، وللشافعي قول: لا يستحب لهما. انتهى.
وأوجب بعض العلماء دما على من ترك الغسل للإحرام.
(و) العاشر: الغسل (لدخول مكة).
قال في " المستوعب ": حتى لحائض. وظاهره: ولو كان بالحرم كالذي بمنى إذا أراد دخولصلى الله عليه وسلم مكة فانه يستحب له الغسل لذلك.
(و) الحادي عشر: الغسل لدخول (حرمها) أي: حرم مكة. نص عليه في رواية صالح.
(و) الثانى عشر: الغسل ل (وقوف بعرفة) وفاقاً. روي ذلك عن على وعبد الله بن مسعود.
(و) الثالت عشر: الغسل ل (طواف زيارة) وفاقاً.
(و) الرابع عشر: الغسل لطواف (وداع) وفاقاً.
стр. 354
(و) الخامس عشر: الغسل ل (مبيت بمزدلفة).
(و) السادس عشر: الغسل ل (رمي جمار)، لأن هذه كلها أنساك يجتمع لها الناس فاستحب لها الغسل، كالإحرام ودخول مكة.
(ويتيمم) استحبابا اللكل) أي: لكل الأغسال المستحبة (لحاجة) أي عند حاجة الصحيح إلى الماء لعدمه، أو لعدو يحول بينه وبين الماء، أو يكون الماء ببئر ولا يجد الة يستقى بها أو نحو ذلك.
(و) يستحب التيمم (لما يسن له وضوء)، كقراءة القرآن (لعذر)، كالمريض والجريح العاجز عن أن يمس الماء بشرته.
стр. 355
فصلى في صفة الغسل
وهو ضربان: كامل ومجزئ. (وصفة الكامل) ان كان واجباً أو مستحبا:
(أن ينوي) من يصح منه غسل الغسل، (ويسمي) بان يقول: باسم الله بعد ان
ينوي، (ويغسل يديه ثلاثاً) خارج الماء، (و) يفرغ بيمينه على شماله فيغسل
(ما لوثه) أي: لطخه من مني أو غيره بفرجه أو غيره، (ثم يتوضأ) وضوءاً
(كاملا) كوضوء المنفرد عن الغسل، (ويروي) بتشديد الواو (رأسه) أي: أصول شعر رأسه (ثلاثاً) يحثي الماء عليها ثلاث حثيات، (ثم) يغسل (بقية جسده) بإفاضة الماء عليه (ثلاثاً)؛ لماروت عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه حتى إذا ظن انه قد روى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث
مرات، ثم غسل سائر جسده " (١) . متفق عليه.
(ويتيامن) بان يبدأ بغسل شقه الأيمن؛ لأنه قد روي في حديث عن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفيه بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه " (٢) . متفق عليه.
стр. 356
(ويدلكه) أي: ويدلك جسده بيديه عند غسله استحبابا. وهذا قول أكثر العلماء. وقال مالك: يجب.
ولنا قول النبي ﷺ لأم سلمة في غسل الجنابة: " انما يكفيك ان تحثي على
رأسك الماء ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهري " (١) . رواه مسلم. (ويعيد غسل رجليه بمكان آخر)؛ لأن في رواية البخاري عن ميمونة " ثم
تنحى فغسل قدميه " (٢) .
(ويكفي الظن) أي ظن المغتسل (في الإسباغ) أي في وصول الماء إلى البشرة.
قال في " الإنصاف ": يكتفي في الإسباغ بغلبة الظن على الصحيح من المذهب. وقال بعض الأصحاب: يحرك خاتمه في الغسل؛ ليتيقن وصول الماء. انتهى.
(و) الضرب (المجزئ) من الغسل: (ان ينوي) الغسل، (ويسمي) بان
يقول: باسم الله بعد نية الغسل، (ويعمم بالماء بدنه حتى ما يظهر من فرج امرأة عند قعود) على رجليها (لحاجة) أي: لقماء الحاجة، (و) حتى (باطن شعر) من ذكر وأنثى.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهيرالأصحاب. ثم قال:
وقيل: لا يجب غسل الشعر. ثم قال: ونص في " المغني ": انه لا يجب غسل الشعر المسترسل. ثم قال: وقيل: يجب غسل الشعر في الحيض دون الجنابة.
(وينقض) شعرالمرأة وجوباً لغسلها (لحيض).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه جمهور الأصحاب
стр. 357
ونص عليه، وهو من مفردات المذهب. انتهى.
وعلم من هذا: انه لا يجب نقضه لغسلها من الجنابة مطلقاً.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب نص عليه، وعليه
جماهير الأصحاب. انتهى. وقيل: يجب ان طالت المدة. وقيل: يستحب نقضه للغسل من الحيض.
وعلم مما تقدم: انه يجب غسل حشفة الأقلف المفتوق. جزم به
ابن تميم؛ لأنه اجزء من بدنه لا مشقة في غسله. فوجب؛ كبقية الذكر.
(ويرتفع حدث) أكبر أو أصغر عن متوضئ أو مغتسل ذكر أو أنثى من جنابة
أو حيض (قبل زوال حكم خبث) أي: قبل الحكم بطهارة نجاسة على البدن
لا تمنع وصول الماء اليه. ويبقى حكمها إلى ان يغسل العدد المشترط في تطهيرها.
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب ان الغسل يصح قبل زوال
النجاسة. انتهى.
ومرادهه زوال حكمها؛ لأنه قال قبل ذلك: وان منعت وصول الماء ال
البدن فلا إشكال في توقف صحة الغسل على زوالها. انتهى.
وحيث ارتفع الحدث الأكبر مع بقاء حكم النجاسة قالأصغر أولى بالإرتفاع.
(وتسن موالاة) بين غسل جميع أجزاء البدن ولا تشترط.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب كالترتيب.
وعنه: تشترط الموالاة، حكاها ابن حامد وحكاها أبو الخطاب وغيره وجها.
(فان فاتت) الموالاة بان جف ما غسله من بدنه بزمن معتدل وأراد ان يتم
غسله (جدد لإتمامه نية)؛ لأنقطاع النية بفوات الموالاة فيقع غسل ما بقي بدون نية.
(و) يسن أيضاً: (سدر في غسل كافر) أسلم كإزالة شعره أى كما يسن له
стр. 358
إزالة شعره: أما مسنونية السدر في غسل الكافر؛ فلما روى قيس بن عاصم: "انه أسلم فأمره النبي ﷺ ان يغتسل بماء وسدر " (١) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن.
وأما مسنونية إزالة الشعر؛ فلما روي: " ان النبي ﷺ قال لرجل أسلم:
ألق عنك شعر الكفر واختتن " (٢) . رواه أبو داود.
(و) يسن أيضاً: سدر في غسل (حائض) لحيض (طهرت) منه.
(و) يسن أيضاً: (أخذها) أي: الحائض (مسكا. فان لم تجد) المسك (فطيبا) من أي طيب كان. (فان لم تجد) الطيب، (فطينا تجعله) أي: تجعل ما تأخذه من مسك أو طيب أو طين (في فرجها) ويكون ذلك (في قطنة أو غيرها) مما يمسكه، ويكون جعلها ذلك (بعد غسلها) من الحيض؛ ليقطع رائحته. والأصل في ذلك ما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما سالت أسماء رضي الله تعالى عنها النبي ﷺ عن غسل الحيض: " ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها " (٣) . رواه مسلم.
الفرصة: القطعة من كل شيء.
(و) سن لمتوضئ (توضؤ بمد) أى بزنة مد من الماء. (وزنته) أي: زنة المد (مائة واحد وسبعون) درهما إسلاميا (وثلاثة أسباع درهم. وهي) أي: وهذه الدراهم والأجزاء زنتها بالمثاقيل: (مائة وعشرون مثقالا). وهي: (رطل وثلث عراقي وما وافقه) أي: وافق الرطل العراقي في زنته، (ورطل وسبع) رطل (وثلث سبع) رطل (مصري وما وافقه) أي: وافق الرطل المصري في زنته.
(و) زنة ذلك: (ثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية بوزن دمشق وما وافقه) أي: وافق وزن دمشق من الأوزان. (و) هي (أوقيتان وستة أسباع) أوقية (ب) الوزن
стр. 359
(الحلبي وما وافقه) من الأوزان. (و) هي (أوقيتان وأربعة أسباع) أوقية (بالقدسي وما وافقه) من الأوزان.
(و) سن لمغتعسل (اغتسال بصاع) أي: بزنة صاع من الماء، (وزنته) أى
الصاع بالدراهم الإسلامية: (ستمائة) درهم (وخمسة وثمانون) درهما (وخمسة أسباع درهم، وهي) بالمثاقيل (اربعمائة وثمانون مثقالا، و) بالأرطال (خمسة أرطال وثلث) رطل (عراقية) نقله الجماعة عن أحمد وفاقاً لمالك والشافعي وأومأ في رواية ابن مشيش: انه ثمانية أرطال فى الماء. أختاره في " الخلاف " و" منتهى الغاية " نقله في " الفروع ".
فعل الأولى: يكون كصاع الفطرة والفدية والكفارة فيعتبر (بالبر الرزين) وذلك بالرطل المصري (اربعة) أرطال (وخمسة أسباع) رطل (وثلث سبع رطل مصري) وذلك (رطل وسبع دمشقي، و) الصاع بالوزن الحلبي (إحدى عشرة أوقية وثلاثة أسباع) أوقية (حلبية، و) بالوزن القدسي (عشر أواق وسبعان) من أوقية (قدسية).
قال (المنقح: وهذا) أي: ما ذكر من تقدير (١) المد والصاع (ينفعك هنا) أي: في الطهارتين، (وفي الفطرة) أى زكاة الفطر، (و) في (الفدية) في الحج والعمرة، (و) في (الكفاره) أي: كفارة- الظهار والقتل واليمين ونحوها، (وغيرها) أي: غير ما ذكر؛ كمن نذر التصدق بمد أو بصاع من طعام فانه يحتاج إلى معرفة قدر ذلك. انتهى الكلام على كلام المنقح.
(وكره) الاغتسال حالكون المغتسل (عريانا) إذا لم يره أحد من الناس.
أما إذا كان معه أحد يراه فيحرم.
قال في " الفروع ": ويكره الاغتسال في مستحم وماء عريانا.
قال شيخنا: عليه أكثر نصوصه. وعنه: لا. اختاره جماعة وفاقاً، وعن أحمد: لا يعجبني. ان للماء سكانا. واحتج أبو المعالي للتحريم خلوة بهذا
стр. 360
الخبر، ونقل حرب: أن أحمد كرهه شديدا. انتهى.
(و) كره أيضاً: (إسراف) في الماء الذي يتوضأ أو يغتسل به، والزيادة الكثيرة فيه؛ لما روي: " ان النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؛ فقال: أفي الوضوء إسراف؛ قال: نعم وان كنت على نهر جار " (١) . رواه ابن ماجه.
وإلا) يكره (إسباغ) في وضوء، أو غسل (بدون ما ذكر) من الوضوء بالمد والغسل بالصاع؛ لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: " انها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من اناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك " (٢) . رواه مسلم.
(ومن نوى بغسل رفع الحدثين) الأكبر والأصغر عنه، (أو) نوى بغسله رفع (الحدث وأطلق) بان لم يقيد لا بأكبر ولا بأصغر، (أو) نوى بغسله (امرا) أي:
فعل أمر إلا يباح إلا بوضوء وغسل)؛ كصلاة وطواف ونحوهما: (أجزأ) هذا الغسل (عنهما) أي: عن الطهارتين منفردتين؛ لقوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا) [النساء: ٤٣] جعل الغسل غاية للمنع من الصلاة فإذا اغتسل وجب إلا يمنع منها.
ولأنه ما عبادتان من جنس. فدخلت الصغرى في أفعال الكبرى بالنية؛ كالعمرة في أفعال الحج فيما إذا أحرم قارنا.
وعنه: يجب مع الغسل الوضوء.
قال في " الفروع " بعد ان قدم الأولى: فعل الأولى لو نوى رفع الحدث وأطلق ارتفعا، وظاهر كلام جماعة عكسه كالرواية الثانية. وقيل: يجب الوضوء. انتهى.
стр. 361
وقوله: وقيل: يجب الوضوء مختص بما إذا نوى رفع الحدث وأطلق. قال في " الإنصاف ": فائدتان:
إحداهما: مثل نية الوضوء والغسل: لو نوى استباحة الصلاة أو أمرا لا يباح
إلا بالوضوء والغسل؛ كمس المصحف ونحوه، لا قراءة القرآن ونحوه. الثانية: لو نوت من انقطع حيضها بغسلها حل الوطء صح على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يصح؛ لأنه اانما ما يوجب الغسل، وهو الوطء، ذكره أبو المعالي. انتهى.
وعلم مما تقدم: انه ان لم ينو الوضوء لم يجزئه إلا عن الغسل؛ لقوله ﵊: "وانما لكل امرئ ما نوى " (١) .
فان نواهما ثم أحدث في أثناء غسله ثم غسله ثم إذا أراد الصلاة توضأ.
وعلم منه أيضاً: سقوط الترتيب والموالاة في أعضاء الوضوء. فلو اغتسل
إلا أعضاء الوضوء لم يجب الترتيب في غسلها؛ لأن حكم الجنابة باق.
(وسن لكل) ممن وجب عليه غسل (من جنب ولو) كان الجنب (أنثى، و)
كل من (حائض ونفساء انقطع دمهما غسل فرجه) أي: ان يغسل فرجه، (ووضوء) (٢) أي: وان يتوضأ (لنوم) أى إذا أرادا نوما؛ لما روي ان عمر ﵁: " ساً ل النبي ﷺ : أيرقد أحدنا وهو جنب؛ قال: نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد " (٣) . متفق عليه.
(وكره تركه) أي: ترك الجنب الوضوء (له) أي للنوم (فقط) أي: فلا يكره
ترك الجنب الوضوء؛ لما يأتى ذكره دون النوم.
стр. 362
قال في " الإنصاف " في هذه المسألة: فعل القول بالاستحباب يكره تركه على الصحيح من المذهب نص عليه.
(و) سن للجنب أيضاً: الوضوء (لمعاودة وطء)؛ لما روي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد ان يعود فليتوضأ" (١) .
رواه مسلم.
(والغسل) لمعاودة الوطء (أفضل) من الوضوء؛ لأنه انشط.
(و) يسن لكل من جنب وحائض ونفساء انقطع دمهما: الوضوء إلأكل وشرب): أماالجنب؛ فلما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: " ان النبي ﷺ كان إذا أراد ان يأكل أو ينام توضأ. يعني وهو جنب " (٢) . رواه أبو داود.
وأما غيره؛ فبالقياس عليه.
قال في " الإنصاف ": الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم كالجنب، وقبل انقطاعه لا يستحب لهما الوضوء؛ لأجل الأكل والنوم. قاله الأصحاب. انتهى.
وحكم الشرب كالأكل. صرح به في " الرعاية " و" الفروع "
و" الإنصاف ".
(ولا يضر نقضه) أي: نقض الوضوء (بعد) فلا تسن أعادته ان أحدث قبل
ما توضأ لأجله.
قال في " الفروع ": ومن أحدث بعده لم يعده في ظاهر كلامهم؛ لتعليلهم بخفة الحدث أو بالنشاط.
стр. 363
فصلى [في حكم الحمام]
(يكره بناء الحمام وبيعه وإجارته) قدمه في " الإنصاف ". ثم قال: وحرمه القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على غير البلاد الباردة.
وقال في رواية ابن الحكم: لا تجوز شهادة من بناه للنساء. انتهى.
(و) تكره (القراءة) في الحمام (والسلام فيه). .
قال في " الإنصاف ": وتكره فيه القراءة نص عليه، ونقل صالح: لا يعجبنى. وقيل: لا تكره.
والصحيح من المذهب: يكره السلام. وقيل لا. انتهى.
قال في " الفروع " بعد ان ذكر نقل صالح: وظاهره ولو خفض صوته خلافاً
لأبي حنيفة.
(يلا الذكر).
قال في " الإنصاف ": ولا يكره الذكر على الصحيح من المذهب.
قال في " الشرح ": فأما رد السلام فقال أحمد: ما سمعت فيه شيئاً.
وقال ابن عقيل: يكره.
والأولى جوازه من غير كراهة؛ لعموم قوله ﵇: " أفشوا السلام بينكم " (١) . ولأنه لم يرد فيه نص، والأشياء على الإباحة والله أعلم. انتهى.
стр. 364
قال في " الفروع ": وسطحه ونحوه كبقيته ذكره بعضهم، ويتوجه فيه كصلاة.
(ودخوله) أي: الحمام (بسترة مع أمن الوقوع في محرم مباح) نص عليه.
فانه يروى " ان ابن عباس دخل حماما وكان بالجحفة " (١) . ويروى ذلك عن النبي ﷺ ، و" كان الحسن وابن سيرين يدخلان الحمام ". زواه الخلال، ذكره في "الشرح ".
(وان خيف) الوقوع في محرم بدخول الحمام (كره) دخوله.
(وان علم) الوقوع في محرم لجدخول الحمام حرم وكل هذا في حق الرجل،
جزم بالمسالتين في " الرعاية الكبرى " وغيرها.
وأما المرأة فيجوز لها دخول الحمام لعذر؛ كتعذر غسلها ببيتها، أو وجود مرض، أو لخوف ضرر، أو لحيض أو نفاس. ويحرم بدون عذر وهو المراد بقوله: (أو دخلته أنثى بلا عذر حرم).
قال في " الشرح ": لما روي ان رسول الله ﷺ قال: " ستفتح أرض العجم وستجدون فيها حمامات فامنعوا نساءكم إلا حائضا أو نفساء " (٢) .
وروي " أن عائشة دخل عليها نساء من أهل حمص فقالت: لعلىكن من النساء اللاتي يدخلن الحمامات. سمعت رسول الله ﷺ يقول: ان المرأة إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت سترما بينها وبين الله " (٣) . رواهما ابن ماجه.
стр. 365
[باب: التيمم]
(بابٌ) بالتنوين. (التيمم) لغة: القصد. قال الله : (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) [المائدة: ٦] أي: اقصدوا.
وقال امرؤ القيس:
تيممّتِ العين التي عند ضارجٍ يفيء عليها الظلُ عَرْمَضُها طامي (١)
أي: قصدت.
وأما التيمم في عرف أهل الشرع فهو: (استعمال تراب مخصوص) وهو: ان يكون طهوراً مباحا غير محترق، له غبار يعلق باليد إذا ضرب بها (ل) مسح (وجه ويدين)، لأجل رفع حكم ما يمنع الصلاة من حدث ونجاسة على بدن (بدل طهارة ماء) بالتنوين.
(لكل ما) أي فعل (يفعل به) أي: بالماء. وذلك كالطواف ومس المصحف ونحوهما.
(عند عجز) متعلق باستعمال (عنه) أي: عن الماء (شرعا) أي: من جهة الشرع. فلا يشترط لصحة التيمم: عدم الماء حسا لصحة التيمم في بعض الصور مع وجود الماء.
(سوى نجاسة على غير بدن) مثل: النجاسة على الثوب فانه لا يتيمم لها،
(و) سوى تيمم لأجل (لبث بمسجد لحاجة) إلى اللبث فانه لا يتيمم لذلك. وهذا
стр. 366
مستثنى من قوله: لكل ما يفعل به.
وأجميعتء على جواز التيمم في الجملة. وسنده الكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ فقوله تعالي: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيد اطيبا فامسحوا بوجوهكم وأيد يكم منه) [المائدة: ٦].
وأما السنة؛ فلما روي عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال:
" كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فصلى بالناس فإذا هو برجل معتزل فقال: ما منعك ان تصلى؛ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فانه يكفيك " (١) . متفق عليه.
ولحديث عمار (٢) وغيره.
(وهو) أي: التيمم (عزيمة) وتقدم الكلام على معناها في مسح الخفين فـ (يجوز بسفر المعصية)؛ كالمسح على الجبيرة فانه لا يجوز تركه. بخلاف الرخصة؛ كالمسح على الخف، والفطر، والقصر في السفر، فانه يجوز له غسل الرجلين والصوم والإتمام في السفر.
(وشروطه) أي شروط التيمم الذي لا يصح بدون واحد منها (ثلاثة):
الأولى: (دخول وقت لصلاة) لمن تيمم لها.
(ولو) كانت الصلاة (منذورة ب) زمن (معين)؛ كما لو نذر ان يصلى ركعتين
من يوم كذا بعد طلوع الشمس بعشر درج (فلا يصح) التيمم لهذه الصلاة قبل دخول الوقت المذكور.
ولا (ل) صلاة (حاضرة، و) لا لصلاة (عيد ما لم يدخل وقتهما) أي: وقت الصلاة الحاضرة وصلاة العيد.
стр. 367
(ولا) يتيمم (لفائتة) من الصلوات المفروضات (إلا إذا ذكرها واراد فعلها.
ولا ل) صلاة (كسوف قبل وجوده، ولا ل) صلاة (استسقاء ما لم يجتمعوا)
أي الناس لها.
(ولا لـ) صلاة (جنازة إلا إذا غسل الميت أو يمم لعذر، ولا ل) صلاة (نفل
وقت نهي)؛ لأن التيمم طهارة ضرورة. فلم تجز قبل الوقت؛ كطهارة المستحاضة. ولأن ما قبل الوقت مستغن عن التيمم فيه فأشبه ما لو تيمم عند عدم العذر.
الشرط (الثاني: تعذر الماء) أي: تعذر استعماله (لعدمه) أي: لعدم الوصول اليه (ولو بحبس) للماء عن المتيمم بوضعه في مكان لا يصلى اليه، أو حبس المتيمم عن الخروج في طلب الماء، (أو قطع عدو ماء بلدة، أو عجز عن تنأولىه) أي: تناول الماء من بئر أو نحوها (ولو بفم؛ لفقد الة) يتناول بها الماء؛ كمقطوع اليدين، وكما لو كانت يداه نجستان وعجز عن تناول الماء بفمه، والماء دون قلتين. وكالصحيح يفقد ما يستقي به من حبل أو دلو أو نحوهما. ولا فرق في ذلك بين كونه مقيما أو مسافرا، سفرا قصيرا أو طويلا. فمن اتصف بصفة من هذه الصفات جاز له ان يتيمم ويصلى؛ لما روى أبو ذر رضي الله تعالى عنه ان رسول الله ﷺ قال: "ان الصعيد الطيب طهور المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فان ذلك خير" (١) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهذا عام فى السفر وغيره. ولأنه عادم للماء. أشبه المسافر.
فاً ما الآية فلعلى ذكر السفر فيها خرج مخرج الغالب؛ لكون الغالب ان الماء
انما يعدم فيه، كما ذكر السفر في عدم وجود الكاتب في الرهن وليس بشرط فيه.
стр. 368
وأما تعذر استعمال الماء مع وجوده لعأرض فهو المشار اليه بقوله: (أو لمرض) يعجز معه عن الوضوء بنفسه (مع عدم موضئ) عنده، (أو
خوف فوت الوقب بانتظاره) أي: بانتظار المريض من يوضئه، وكذا لو عجز عن صب الماء على نفسه في الغسل ولم يجد من يصب عليه، (أوخوفه) أي المريض القادر على التوضئ بنفسه أو بموضئ (باستعماله) أي: استعمال الماء (بطء برء) أي: أن يطول مرضه، (أو بقاء) أثر (شين) أي: فاحش في جسده بسبب استعماله الماء.
قال في " الشرح ": واختلفوا في الخوف المبيح للتيمم فروي عن أحمد:
لا يبيحه إلا خوف التلف. وهذا أحد قولي الشافعي. والصحيح من المذهب: انه يباح له التيمم إذا خاف زيادة المرض، أو تطأولى البرء، أو خاف شيئاً فاحشا، أو الما غير محتمل، وهذا مذهب أبي حنيفة، والقول ى للشا فعي، لعموم قوله تعالى: (وان كنتم مرضى) [المائدة: ٦].
ولأنه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شيء من ماله، أو ضررا في نفسه من
لص أو سبع أو لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن مثله. فلأن يجوز ها هنا أولىى. انتهى.
ومما يبيح التيمم أيضاً ما أشير اليه بقوله:
(أو ضرر بدنه) يعني: ان الانسان إذا خاف ضرر بدنه (من جرح) فيه، (أو)
من (برد شديد، أو) خاف (فوت رفقة، أو) فوت (مال) ان تخلف ليتوضأ، (أو) خاف ان تطهر بما معه من الماء (عطش نفسه، أو) عطش (غيره من آدمي أو بهيمة محترمين) احترازا عن نحو الحربي والخنزير والكلب الأسود البهيم، (أو احتياجه) أي: خاف ان توضأبما معه من الماء ان يحتاجه (لعجن أو طبخ). فمن خاف شيئاً من ذلك أبيح له التيمم: أماضرر بدنه من الجرح أو البرد " فلأن الخوف لا يختلف وانما اختلفت جهاته.
وأما خوف فوت الرفقة أو المال إذا تأخر ليتطهر بالماء فقد قال في
" الإنصاف ": لو خاف فوت رفقة ساغ له التيمم.
стр. 369
قال في " الفروع ": وظاهر كلامه ولو لم يخف ضرراً بفوت الرفقة؛ لفوت
الألف والأنس. انتهى.
وخوف فوت الماء أولى من خوف فوت الرفقة.
وأما خوفه على نفسه أو غيره العطش ان توضأبما معه من الماء فقد قال في
" الشرح ": قال ابن المنذر: أجميع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ان المسافر إذا كان معه ماء فخشي العطش انه يبقي ماءه للشرب ويتيمم. منهم على وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد والثوري ومالك والشافعى وإسحاق وأصحاب الرأي. انتهى.
وأما كونه يتيمم مع وجود الماء المحتاج اليه لعجن وطبخ فنقله في
" الفروع " عن ابن الجوزي واقتصر عليه، وقاله في " الرعاية " بصيغة التمريض وعبارته: وقيل أو احتاجه لطبخ ونحوه. انتهى.
ومما يبيح التيمم أيضاً: لو لم يجد ماء إلا مع من لم يبذله إلا بزيادة كثيرة
عادة على ثمن مثله في ذلك المكان الذي هما به. وهو المشار اليه بقوله:
(أو لعدم بذله إلا بزيادة كثيرة عادة على ثمن مثله في مكانه)؛ لأن عليه في
دفع الزيادة الكثيرة ضررا كثيرا. فلم يلزمه ان يتحمله؛ كضرر النفس.
(ولا إعادة في الكل) أي: في كل ما تقدم من الصور؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته.
(ويلزم) من احتاج الى ماء يتطهر به (شراء ماء و) شراء (حبل ودلو) احتيج اليهما لاستقاء الماء. (بثمن مثل أو زائد) عن ثمن المثل شيئاً، (يسيرا) إذا كان معه ما يشتري به بدليل ما يأتي، (فاضل من حاجته)؛ لأن ى على ثمن العين كالقدرة على العين في المنع من الأنتقال الى البدل.
ولأن ضرر الزيادة يسير، وقد اغتفر الضرر اليسير في النفس ففي المال أحر ى.
(و) يلزم أيضاً: (استعارتهما) أي: الحبل والدلو بان يطلبهما ممن هما معه
стр. 370
على وجه العارية، (وقبولهما عارية) إذا بذلا له على وجه العارية، (و) قبول (ماء قرضا، و) قبوله (هبة) أي: على وجه الهبة، (و) قبول (ثمنه قرضا وله وفاء) بذلك؛ لأن المنة في ذلك يسيرة في العادة فلا يضر احتمالها.
(ويجب) على من معه ما يستغني عن شربه (بذله لعطشان) ولو كان الماء نجسا؛ لأنه انقاذ من هلكة كانقاد الغريق.
(وييمم) عوضا عن غسل (رب ماء مات لعطش رفيقه) كما يتيمم لو كان حيا لذلك. (ويغرم) الرفيق (ثمنه) أي: الماء (مكانه وقت إتلافه) أي: الماء لورثة الميت.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامه في " النهايه ": ان غرمه مكانه فمثله. وقيل: أولىى به. وقيل: رفيقه ان خاف الموت. انتهى.
(ومن أمكنه ان يتوضأ به) أي: بالماء الذي معه (ثم يجميعه) بعد وضوئه به (ويشربه لم يلزمه) لأن النفس تعاف شرب ذلك.
(ومن قدر على) استعمال (ماء بئرب) تدلية (ثوب يبله ثم) يخرجه (يعصره لزمه) ذلك (ما لم تنقص قيمته) أي: الثوب بسبب بله بذلك نقصا (اكثر من ثمن الماء) لو اشتراه فلا يلزمه. وحيث لزمه فانه يفعله (ولو خاف فوت الوقت)؛ لأنه قادر على استعمال الماء. أشبه ما لو كانت الة الاستقاء المعتادة حاضرة عنده.
(ومن) أجنب أو أحدث و (بعض بدنه) الواجب غسله لو كان سليماً (جريح أو
نحوه) أي: نحو الجريح؛ كمن به قروح ويتضرر باستعمال الغسل في ذلك البعض (ولم يتضرر بمسحه بالماء وجب) المسح (وأجزأ) عن التيمم. نص عليه في المجروح؛ لقوله ﵊: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (١) . ولأنه عجز عن غسله وقدر على مسحه وهو بعض الغسل. فوجب الإتيان
стр. 371
بما قدر عليه؛ كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر محل الإيماء.
وعنه: أن فرضه التيمم.
وعنه: يجمع بينهما.
(وإلا) أي. وان لم يمكنه المسح من غير تضرر (تيمم له) أي: للجرح ونحوه، (ولما يتضرر بغسله مما قرب) من الجرح؛ لاستوائهما في الحكم.
(وان عجز عن ضبطه) أي: ضبط ما يتضرر بغسله مما قرب من الجرح
(وقدر ان يستنيب) من يضبطه (لزمه) ذلك لتعلق فرض الغسل بما عدا ما يتضرر بغسله (١) ، وان عجز عن الاستنابة أيضاً تيمم وصلى وأجزأه.
(ويلزم من جرحه ببعض أعضاء وضوئه إذا توضأ ترتيب) لوجوبه في الوضوء. (فيتيمم له) أي: للعضو الجريح (عند غسله لو كان صحيحا). فلو كان الجرح في الوجه بحيث لا يمكنه غسل شيء منه تيمم أولىا ثم أتم الوضوء. وان كان في بعض وجهه خير بين غسل الصحيح منه ثم يتيمم للجرح منه، وبين التيمم ثم يغسل صحيح وجهه ويتمم الوضوء. وان كان الجرح في عضو آخر
لزمه غسل ما قبله، ثم كان فيه على ما ذكرنا في الوجه. وان كان في وجهه ويديه ورجليه احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله؛ ليحصل الترتيب،
ولو غسل صحيح وجهه ثم تيمم له وليديه تيمماً واحدا لم يجزئه؛ لأنه يؤدي
إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه اليدين في حالة واحدة.
فان قيل: هذا يبطل بالتيمم عن جملة الطهارة حيث يسقط الفرض عن جميع الأعضاء جملة واحدة. قلنا: إذا كان عن جملة الطهارة فالحكم له دونها، وان كان عن بعضها ناب عن ذلك البعض فاعتبر فيه مايعتبر فيما عنه من الترتيب. قاله في "الشرح ".
في ج زيادة: مما قرب من الجرح.
стр. 372
(و) يلزم أيضاً من الجرح ببعض أعضاء وضوئه: (موالاة. فيعيد غسل الصحيح عند كل تيمم). فلو كان الجرح في رأجله فتيمم لها عند غسلها ثم بعد زمن لا تمكن فيه الموالاة خرج الوقت بطل تيممه وبطلت طهارته بالماء أيضاً " لفوات الموالاة فيعيد غسل الصحيح ثم يتيمم عقبه.
وعلم مما تقدم: أن التيمم عن جرح لو كان في غسل جنابة لم تبطل طهارته بالماء بخروج الوقت، لعدم وجوب الترتيب والموالاة فيه.
(ولو وجد) مريد الطهارة (حتى المحدث) حدثا أصغر فقط (ماء) قليلا
إلا يكفي لطهارته استعمله) وجوباً (ثم تيمم) للباقي من أعضاء طهارته الذى لم يجد له ماء.
ولا يصح تيممه قبل استعماله، لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) [المائدة: ٦]، وقوله ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (١) . رواه البخاري. ولأنه قدر على بعض الشرط. فلزمه فعله، كبعض السترة، وكما لو كان
بعض بدنه جريحا وبعضه صحيحا فانه يلزمه غسل الصحيح.
(ومن) لزمته طهارته وقد (عدم الماء لزمه إذا خوطب بصلاة طلبه)، لأنه
لا أثر لطلبه قبل ذلك.
ويكون طلبه للماء (في رحله) بأن يفتش في رحله ما يمكن أن يكون فيه،
(وما قرب عادة) منه بأن ينظر ورائه وأمامه وعن يمينه وعن شماله، فان رأى خضرة أو شيئاً يدل على الماء قصده فاستبرأه.
(و) يلزمه أيضاً: طلبه (من رفيقه).
وعلم مما تقدم: أنه لو تيمم قبل طلب الماء لم يصح تيممه، لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) [١ المائدة: ٦]. ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب " لجواز أن يكون بقربه ماء لا يعلمه.
стр. 373
ولأن التيمم بدل. فلم يجز العدول إليه قبل الطلب المبدل؛ كالصيام في
الظهار.
ومحل هذا: (ما لم يتحقق عدمه) أي: عدم الماء؛ لأنه لا أثر لطلب شيء
متحقق العدم.
وعلم من ذلك: انه يجب الطلب مع ظن العدم. وعنه: لا يلزمه طلبه ان
ظن عدمه، ذكره في " التبصرة ".
(ومن تيمم) لعدم الماء (ثم رأى ما يشك معه في الماء لا في صلاة بطل
تيممه)؛ لأنه إذا راى خارج الصلاة ركبا يحتمل ان يكون معه ماء أو ما يشك معه
في الماء، من خضرة أو نحوها وجب عليه طلبه، وإذا وجب عليه الطلب بطل
تيممه.
قال في " الفروع ": وقيل: لا؛ كما لو كان في صلاة. جزم به الأصحاب. انتهى.
وأما كون الصلاة لا تبطل إذا وجد ذلك فيها؛ لأنه لا يلزمه طلبه حينئذ.
وحيث لزم عادم الماء طلبه (فان دله عليه ثقة أو علمه قريبا عرفا) منه. (ولم
يخف) بقصده إياه (فوت وقت ولو) كان الوقت الذي يخاف فوته (للاختيار) بان
يظن أنه لا يدرك الصلاة بالوضوءإلا في وقت الضرورة، (أو) لم يخف بقصده
فوت (رفقة، أو عدو، أو مال، أو) لم يخف (على نفسه) ان قصد الماء لصا أو
سبعا أو عدوا ونحو ذلك (ولو) كان المخوف منه (فساقا) يفسقون بطالب الماء.
بشرط أن لا يكون خوفه جبنا. وإلى ذلك أشير بقوله: (غير جبان)، أمامن
خوفه جبنا لا عن سبب يخاف من مثله كالذي يخاف بالليل وليس شيء يخاف منه
فلا التفات لخوفه، ولا يباح له التيمم في هذه الحالة، نص عليه.
(أو) لم يخف على (ماله) ان قصد الماء وترك دابته أو أهله أو ماله: شرود
دابته أو أن يأتي إلى أهله لص أو سبع: (لزمه قصده) أي: الماء ولم يصح تيممه
في هذه الحالة.
стр. 374
(وإلا) أي: وان لم يلزمه قصده بأن خاف شيئاً مما ذكر (تيمم) وصلى
ولا إعادة؛ لأنه انما ترك استعمال الماء خوف الضرر فكان حكمه حكم المريض.
(ولا يتيمم) أي: ولا يصح التيمم مع وجود الماء، الخوف فوت جنازة) بالوضوء، (ولا) لخوف فوت (وقت فرض إلا هنا) أي: في الصورة المتقدمة وهي ما إذا كان الماء قريبا وخشي ان قصده خروج الوقت قبل وصوله اليه والطهارة به.
(و) إلا (فيما إذا وصل مسافر إلى ماء، وقد ضاق الوقت) عن طهارته به،
(أو) لم يضق الوقت عن الطهارة به ولكن (علم النوبة) أي نوبة استقائه منه (لا تصلى اليه إلا بعده) أي: بعد الوقت: فيصح تيممه حينئذ.
وفي خوف فوت الجنازة رواية يجوز التيمم.
وفي خوف فوت الوقت في الصور المتقدمة وجه: بعدم جواز التيمم.
(ومن ترك ما يلزمه قبوله أو تحصيله من ماء) كما لو وهب له ماء فاًبى قبوله، أو دل عليه قريبا فلم يقصده (وغيره) أي غير الماء " كما لو أعير حبلا أو دلوا فأبى قبوله (وتيمم وصلى: أعاد)، لأنه قادر على استعمال الماء من غير ضرر يلحقه. فلم يصح تيممه؛ كالصحيح إذا كان بين يديه ما يملكه وتركه وتيمم.
(ومن خرج) من المصر إلى أرض من أعماله الحرث أو صيد ونحوه)، كاحتطاب (حمله) أي: حمل الماء معه في المنصو ص عن الإمام (ان أمكنه) حمله " لأنه لا عذر له في عدم حمله مع إمكانه. (و) متى حمله وفقده أو لم يحمله وحضرت الصلاة فانه (يتيمم ان فاتت حاجته) التي خرج اليها (برجوعه) إلى المصر ويصلى (ولا يعيد)؛ لأنه أشبه المسافر الخارج إلى قرية أخرى.
وفيه وجه يعيد إلا أن تكون الأرض التي خرج اليها من غير أرض قريبة
فلا إعادة عليه وجها واحدا؛ لأنه مسافر. قاله في " الشرح ".
стр. 375
(ومن في الوقت) أي: وقت الصلاة الحاضرة (أراقه) أي: الماء (أو مر به وأمكنه الوضوء) منه (ويعلم أنه لا يجد غيره) ولم يتوضأ منه (أو باعه أو وهبه) وقد دخل الوقت ولم يترك منه ما يتطهر به: (حرم) عليه ذلك (ولم يصح العقد) الذي وقع عليه من البيع أو الهبة؛ لأنه تعلق به حق الله تعالى. فلم يصح نقل الملك فيه؛ كالأضحية المعيبة.
(ثم ان) لم يجد غيره و (تيمم وصلى لم يعد)؛ لأنه اصلاة بتيمم صحيح؛ لعدم القدرة على الماء حينئذ. أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت. وفيه وجه؛ لأنه فوت على نفسه القدرة على الطهارة بالماء فبقي في عهدة الواجب.
(ومن ضل عن رحله وبه الماء وقد طلبه، أو) ضل (عن موضع بئر كان
يعرفها فتيمم) وصلى قبل أن يجد ماء ضل عنه: (أجزأه) ذلك، ولا تلزمه الإعادة عند وجود ماء ضل عنه؛ لأنه حال تيممه لم يكن واجدا للماء فدخل في عموم قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) [المائدة: ٦].
ولأنه غير مفرط. حتى (ولو بان بعد) أي: بعد أن تيمم وصلى (بقربه بئر خفية لم يعرفها)؛ لعدم تفريطه.
(لا ان نسيه) أي: الماء، (أو جهله بموضع يمكنه استعماله وتيمم) وصلى
فانه لا يجزئه نص عليه؛ لأنها طهارة تجب مع الذكر. فلم تسقط بالنسيان؛ كمصلى ناسيا لحدثه ثم تذكر، و (كمصلى عريانا، ومكفر بصوم ناسيا للسترة والرقبة) فانه لا تصح صلاته ولا يجزئه الصوم والحال ما ذكر.
(ويتيمم) بالبناء للمفعول أى يشرع التيمم (لكل حدث): أماللحدث الأصغر، فبالاتفاق. وأما للأكبر؛ ففي قول أكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة. وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ومن وافقه لا يرى التيمم للجنب.
وحكم الحائض والنفساء إذا انقطع دمها حكم الجنب.
(ولكل نجاسة ببدن) أي: بدن المتيمم.
قال أحمد: هو بمنزلة الجنب يتيمم.
стр. 376
(لعدم ماء أوضرر) في بدنه.
(ولو من برد حضرا) أي: في الحضر، مع عدم ما يسخن به الماء (بعد تخفيفها) عن بدنه (ما أمكن) بمسح رطبة أو حك يابسة (لزوما) أي: على وجه اللزوم.
(ولا إعادة) عليه. ولا فرق بين كون النجاسة على محل صحيح أو جريح.
قال في " الفروع ": ويتيمم لنجاسة بدن على الأصح خلافاً للأئمة الثلاثة؛ لعدم ماء، أو ضرر، ولا إعادة اختاره الاكثر. وعنه: بل. وعنه: لعدم. انتهى.
ووجه الأولى: قوله ﵊: " الصعيد الطيب طهور المسلم " (١) ، وقوله: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " (٢) .
ولأنها طهارة في البدن تراد للصلاة. فجاز لها التيمم قياسا على الحدث.
ووجه عدم وجوب الإعادة: قوله ﷺ : " التراب كافية ما لم تجد الماء " (٣) ، وقياسا على طهارة الحدث.
وعلم مما تقدم: أنه لا يتيمم للنجاسة على الثوب ولا على المكان.
(وان تعذر) على من أراد الصلاة (الماء والتراب لعدم) كمن حبس بمحل
لا ماء فيه ولا تراب، (أو) لأجل (قروح) في بدنه (لا يستطيع معها مس البشرة) بماء ولا تراب (ونحوها) أي: نحو القروح كالجراحات: (صلى الفرض فقط) أي: دون النوافل (على حسب (٤) حاله)؛ لأن الطهارة شرط. فلم تؤخر الصلاة
стр. 377
عند عدمه؛ كالسترة.
(ولا يزيد) ان كان جنبا (على ما يجزئ) في الصلاة.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الأصحاب فلا يقرأ زائدا على الفاتحة، ولا يسبح زائدا على المرة الواحدة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع أو سجود وجلوس بين السجدتين، وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الأول نهض في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الاخير سلم في الحال.
(ولا يؤم متطهرا بأحدهما) أي: لا يؤم هذا المصلى على حسب حاله متوضئا ولا متيمما؛ لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم حدثه.
(ولا إعادة) على هذا المصلى على حسب حاله في إحدى الروايتين.
قال في " الإنصاف ": وهي المذهب. انتهى.
لأنه اتى بما أمر به. فوجب أن يخرج به عن العهدة.
والرواية الثانية: يغيد.
قال في " الفروع ": ولا إعاده. وعنه: بل. نقله واختاره الاكثر وفاقاً
للشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه ولو تيمم في المنصوص.
(وتبطل) صلاة المصلى على حسب حاله (بحدث ونحوه)؛ كطروء نجاسة
لا يعفى عنها على بدنه أو ثوبه (فيها) أي: في الصلاة؛ لأن حدوث المنافي للصلاة فيها يقتضي بطلانها على أي حالة كانت. فوجب وجود مقتضاه وهو البطلان ثم يستأنفها على حسب حاله.
(وان وجد) العادم للماء (ثلجا وتعذر تذويبه مسح به أعضاءه لزوما).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب نص عليه.
وقيل: لا يلزمه. انتهى.
لأنه ماء جامد قد تعذر أن يستعمل في الطهارة الاستعمال المعتاد وهو
الغسل؛ لعدم ما يذيبه. فوجب ان يستعمل الاستعمال المقدور عليه وهو مسح
стр. 378
الأعضاء الواجب غسلها به، يؤيد ذلك قوله ﵊: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (١) .
(وصلى ولم يعد) صلاته (ان جرى) أي: الثلج (بمس)، لأنه حينئذ يصيرغسلاخفيفا.
وعلم مما تقدم: أنه إذا لم يجر بمس أن عليه الإعادة ومثله لو صلى
بلا تيمم مع وجود طين يابس عنده؛ لعدم ما يدقه به ليكون له غبار.
(الشرط الثالث) من شروط صحة التيمم: (تراب). فلا يجوز التيمم بالرمل، ولا النورة، ولا الحصى، ولا نحيت الحجارة، ولا ما في معنى ذلك.
(طهور) فلا يجوز التيمم بتراب تيمم به لزول طهوريته باستعماله. وذلك
هو التراب المتناثر من الوجه اليدين بعد مسحهما به والباقي عليهما. ووجه ذلك: أنه تراب مستعمل في طهارة إباحة الصلاة. أشبه الماء المستعمل في الطهارة. وفيه وجه: أما إذا تيمم جماعة من موضع واحد فيجوز بلا خلاف كما إذا توضأ جماعة من حوض واحد يغترفون منه.
(مباح) فلا يجوز التيمم بتراب مغصوب " كما لا يجوز الوضوء بالماء المغصوب.
قال في " الفروع ": وتراب مغصوب كالماء. وظاهره ولو تراب مسجد وفاقاً للشافعي وغيره، ولعله غير مراد، فانه لا يكره بتراب زمزم مع أنه مسجد. انتهى.
(غير محترق) فلا يجوز التيمم بما دق من خزف أو نحوه؛ لأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب.
(يعلق غباره)؛ لقوله تعالى: فتيممواصعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) [المائدة: ٦]. وما لا غبار له لا يمسح بشيء منه.
стр. 379
وشمل ذلك ما لو ضرب على لبد، أو ثوب، أو بساط، أو حصير، أو حائط، أو صخرة، أو حيوان، أو بردعة حمار، أو شجر، أو خشب، أو عدل شعير، أو نحوه مما عليه غبار طهور يعلق بيديه فانه يصح التيمم. وخرج بذلك السبخة ونحوها مما ليس له غباريعلق باليد فانه لا يصح التيمم به.
(فان خالطه) أي: خالط التراب الذي يجوز التيمم به المتقدم وصفه (ذو غبار غيره) لا يجوز التيمم به؛ كالحص والنورة ونحوهما (فكماء) طهور (خالطه) ماء (طاهر) يعني: ان كانت الغلبة للتراب جاز التيمم به، وان كانت الغلبة للمخالط لم يجز التيمم به قياسا على الماء. فأما ان كان المخالط لا غبار له يعلق باليد لم يمنع التيمم؛ لأن أحمد رضي الله تعالى عنه قد نص على جواز التيمم من الشعير؛ وذلك لأنه لا يحصل على اليد منه ما يحول بين غبار التراب وبينها.
فائدتان:
الأولى: قال في " الإنصاف ": أعجب الإمام أحمد رحمه الله تعالى حمل التراب لأجل التيمم، وعند الشيخ تقي الدين وغيره: لا يحمله.
قال في " الفروع ": وهو أظهر.
قلت: وهو الصواب إذا لم ينقل عن الصحابة ولا غيرهم من السلف فعل
ذلك مع كثرة أسفارهم.
الثانية: لا يجوز التيمم بالطين.
قال القاضي: بلا خلاف.
قال في " الإنصاف ": لكن ان أمكنه تجفيفه والتيمم به قبل خروج الوقت
لزمه ذلك، ولا يلزمه ان خرج الوقت على الصحيح من المذهب. وقيل: يلزمه وان خرج الوقت وهو احتمال في " المغني ". انتهى.
стр. 380
فصل [في فرائض التيمم]
(وفرائضه) أي: التيمم خمس.
الأولى: (مسح وجهه سوى ما تحت شعر ولو خفيفا، وداخل فم وأنف، ويكره) إدخال التراب في الفم والأنف.
قال في " الإنصاف ": مراده بقوله: مسح جميع وجهه سوى المضمضة والاستنشاق قطعا، بل يكره. انتهى.
(و) مسح (يديه إلى كوعيه) هذا هو الفرض الثانى " لقوله تعالى: (فآمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) [المائدة: ٦].
وإذا علق حكم بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع " كقطع السارق، ومس الفرج.
ولما روى عمار قال: " بعثنى النبي ﷺ في حاجة فاً جنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبى ﷺ فذكرت ذلك له فقال: انما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة. ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه " (١) . متفق عليه.
(ولو أمر المحل) الذي يجب مسحه في التيمم (على تراب) ومسحه به، (أو صمده) أي: نصب المحل الذي يجب مسحه في التيمم الريح فعمه) التراب (ومسحه به: صح) التيمم في الصورتين ان نوى التيمم، كما لو صمد أعضاء الوضوء بعد نيته للمطر حتى جرى الماء على أعضائه.
стр. 381
(لا ان سفته) أي: سفت الريح التراب على المحل الذي يجب مسحه في التيمم من غير تصميد (فمسحه به) فانه لا يصح التيمم؛ لأن الله أمر بقصد الصعيد ولم يوجد.
(وان تيمم) المتيمم (ببعض يده أو) تيمم (بحائل) كخرقة أو نحوها صح لأن الله تعالى أمر بالمسح ولم يعين اليد.
(أو يممه غيره فكوضوء) يعني: أنه صح كما لو وضأه غيره. وتعتبر النية
في المتيمم دون الميمم؛ لأنه الذي يتعلق به الإجزاء والمنع.
(و) الفرض الثالث: (ترتيب.
و) الرابع: (موالاة لحدث أصغر) في المسألتين؛ لأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والتراب والموالاة فرضان في الوضوء فكذا في التيمم القائم مقامه.
(وهي) أي: الموالاة في التيمم (بقدرها في وضوء).
قال في " الرعاية ": والموالاة بقدرها زمنا في الوضوء عرفا. انتهى.
(و) الفرض الخامس: (تعيين نية استباحة ما يتيمم له) من صلاة أو طواف أو
غيرهما (من حدث) أكبر، كحيض ونفاس وجنابة، أو أصغر وهو ما أوجب وضوءاً (أو نجاسة) على بدنه. فلو نوى بتيممه رفع الحدث لم يصح تيممه؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ لأن التيمم طهارة ضرورة. فلم ترفع الحدث؛ كطهارة المستحاضة.
ولو اجتمع حدث ونجاسة على بدن وعين بتيممه أحدهما دون الآخر لم يكتف بهذا التيمم. وهذا هو المراد بقوله: (فلا يكفي أحدهما) أي: عن الآخر.
وكذا لو كان عليه حدثان أكبر وأصغر فنوى بتيممه أحدهما لم يجزه عن
الآخر. وهذا هو المراد بقوله: (ولا أحد الحدثين عن الآخر).
وكذا لو كان التيمم عن جرح في عضو من أعضائه فلا بدأن ينوي التيمم عن
стр. 382
غسل ذلك العضو. والأصل في ذلك قوله " ﷺ : " انما الأعمال بالنيات وانما لامرئ ما نوى " (١) .
(وان نواهما) أي: الحدثين بتيممه الواحد أجزأ عن الحدثين (أو أحد أسباب أحدهما): أي أحد الحدثين كما لو بال ومس ذكره، ولمس امراه لشهوة، ونوى بتيممه أحد هذه الاسباب (أجزأ) هذا التيمم (عن الجمع). أي جميع الأسباب المذكورة.
وكذا إذا وجد منه موجبات للغسل ونوى بتيممه أحدها فانه يجزئ عن جميعها.
(ومن نوى) بتيممه (شيئاً) أي فعل شيء من العبادات التى تشترط لها الطهارة " كالصلاة: (استباحه) أي: استباح ما نواه، (ومثله). فمتى نوى بتيممه فرضا معينا " كظهر أو عصر استباح فعله وفعل مثله؛ كقضاء فائتة.
(ودونه)؛ كفعل صلاة منذورة وراتبة، وطواف، ومس مصحف. (فأعلاه) أي: أعلى ما يستباح بالتيمم: (فرض عين)، كواحدة من الخمس، (ف) يليه
(نذر) أي: ما نذر لله أن يصليه، (ف) فرض (كفآية) " كصلاة العيد، (فنافلة) " كتحية المسجد، (فطواف نفل، فمس مصحف، فقراءة) قرآن، (فلبث) بمسجد ..
أما كونه إذا نوى استباحة الأعلى يستبيح به ما دونه، لأن الأدنى تبع للأعلى
في الاستباحة.
وأما كونه إذا نوى استباحة الأدنى لا يستبيح به الأعلى، لأنه لا يملك ما لم ينوه، ولا متبوعه. وقد قال النبي ﷺ : " وانما لامرئ ما نوى " (٢) .
(وان أطلقها) أي: أطلق نية الاستباحة (لصلاة أو طواف) بأن لم يعين
стр. 383
فرضهما ولا نفلهما: (لم يفعل) بهذا التيمم (إلا نفلهما)، لقوله ﷺ : " انما الأعمال بالنيات وانما لامرئ ما نوى " (١) . وهذا ما نوى الفرض فلا يحصل له. وفارق طهارة الماء، لأنها ترفع الحدث المانع من فعل الصلاة فيباج له جميع ما يمنعه الحدث، ولا يلزم استباحة النفل بنية الفرض، لأن الفرض اعلى ما في الباب، فنيته تضمنت نية ما دونه، فإذا استباحه استباح ما دونه تبعا.
(وتسمية فيه) أي: في التيمم (كوضوء) فتجب مع الذكر وتسقط مع السهو.
ولما تم الكلام على النية في التيمم شرع في مبطلاته فقال:
(ويبطل) التيمم (حتى تيمم جنب لقراءة) قرآنا، (ولبث) بمسجد، (و) تيمم (حائض لوطء بخروج الوقت)، لأن التيمم طهارة ضرورة فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة (ك) ما لو تيمم (لطواف، و) صلاة (جنازة، و) صلاة (نافلة ونحوها)؛ كتيممه لسجود شكر، وكذا لو تيمم عن (نجاسة) ببدنه قاله في " الرعاية "، فان التيمم في جميع هذه الصور يبطل بخروج الوقت " لأن طهارته انتهت بانتهاء وقتها فبطلت، كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة. ولو كان في صلاة بطلت. وقيل: لا.
ومحل هذا الخلاف: (ما لم يكن في صلاة جمعة) فانها لا تبطل؛ لأنها لاتنقض.
قال في " الإنصاف ": تنبيه: محل الخلاف في هذه المسألة: إذا كان في
غير صلاة الجمعة، أما إذا خرج وقت الجمعة وهو فيها لم تبطل، ذكره الأصحاب وجزم به في " الفروع " والزركشي وغيرهما. قلت: فيعايى بها. انتهى.
(أو) ما لم (ينو الجمع في وقت ثانية) من يباح له بأن يتيمم في وقت الظهر لصلاتها مجموعة مع العصر جمع تأخير (فلا يبطل) تيممه (بخروج وقت الأولى)
стр. 384
التي هي الظهر؛ لأن نية الجمع صيرت الوقتين كالوقت الواحد.
(و) يبطل التيمم أيضاً: (بوجود ماء) مقدور على استعماله من غير ضرر على
ما مر في موضعه.
قال في " الفروع ": وان قدر عليه في تيممه بطل، وكذا بعده قبل الصلاة. ذكره بعضهم إجماعا.
(و) يبطل التيمم أيضاً: بـ (زوال مبيح) للتيمم؛ كما لو تيمم لمرض فعوفي
أو لبرد فزال؛ لأن التيمم طهارة ضرورة فتزول بز وال تلك الضرورة.
(و) يبطل التيمم أيضاً: بـ (مبطل ما تيمم له) من الطهارتين، فيبطل تيممه
عن الوضوء بما يبطل الوضوء من بول ونحوه، ويبطل تيممه للغسل بما يبطل الغسل من خروج مني دفقا بلذة ونحوه.
(و) يبطل التيمم أيضاً: بـ (خلع ما يمسح)؛ كخف وعمامة (ان تيمم وهو عليه).
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب المنصو ص عن أحمد في رواية عبد الله على الخفين، وفي رواية حنبل: عليهما وعلى العمامة. انتهى.
وكذا ان انقضت مدة المسح.
(لا) إذا تيمم (عن حيض ونفاس بحدث غيرهما) يعنى: أنه لا يبطل تيمم المرأة التي انقطع عنها دم الحيض لأجل وطء زوجها بحدث غير وجود الحيض، ولا من انقطع دم نفاسها بدون وجود دم النفاس.
قال في " الفروع " وتبعه في " الإنصاف ": فلو تيممت بعد طهرها من
الحيض له ثم أجنبت فله الوطء؛ لبقاء حكم تيمم الحيض، والوطء انما يوجب حدث الجنابة. انتهى.
(وان وجد الماء) من تيمم لعدمه (في صلاة أو طواف بطلا) أي: الصلاة والطواف لبطلان طهارته. فيتوضأ ان كان محدثا، ويغتسل ان كان جنبا ويبتدأ الصلاة.
стр. 385
(وان) تيمم لعدم الماء وصلى أو طاف ثم وجد الماء بعد ان (انقضيا لم يجب إعادتهما) ولو لم يخرج الوقت. واحتج أحمد " بأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما تيمم وهو يرى بيوت المدينة فصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ". فلم يعد.
ﷺ ولأنه أدى فرضه كما أمر. فلم تلزمه الإعادة، كما لو وجد بعد الوقت. ولأن عدم الماء عذر معتاد. فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة " كالمرض، وكما لو وجده بعد الوقت.
(و) ان وجد الماء من تيمم لعدمه وهو (في قراءة، و) كذا ان كان في (وطء، و) كذا ان كان في (نحوهما)، كلبث بمسجد (يجب الترك) أي: ترك القراءة والوطء ونحوهما. والأصل في ذلك قوله ﵊:. " الصعيد الطيب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك " (١) . أخرجه أبو داود والنسائي.
فهذا يدل بمفهومه على أنه لا يكون طهوراً عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب استعماله عند وجوده.
(ويغسل ميت) يمم لعدم الماء، (ولو صلى عليه) ولم يدفن حتى وجد الماء،) وتعاد) الصلاة عليه ولو كانت الأولى بوضوء.
(وسن لعالم وراج وجود ماء، أو مستو عنده الأمران) وهما الوجود والعدم (تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار)، لقول على رضي الله تعالى عنه في الجنب: " يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت. فان وجد الماء وإلا تيمم ". ولأنه يستحب تأخير الصلاة لإدراك الجماعة فتأخيرها لإدراك الطهارة أولى.
стр. 386
وعلم مما تقدم: أنه لو تيمم وصلى أولى الوقت أجزأه ولو وجد الماء بعد ذلك في الوقت؛ لأنه أتى بما أمر في حال العذر. فلا إعادة عليه بزواله؛ كمن صلى عريانا ثم قدر على السترة في أولى الوقت، وكمن صلى جالسا لمرض ثم برا في الوقت.
(وصفته) أى التيمم: (أن ينوي) بالتيمم استباحة ما يتيمم له مع تعيين الحدث الذي يتيمم عنه. (ثم يسمي) ان ذكر التسمية. (ويضرب التراب بيده مفرجتي الأصابع) ليصلى التراب إلى ما بينها (ضربة) واحدة. ولو كان التراب ناعما فوضع يديه على التراب وضعا من غير ضرب فعلق التراب بيديه أجزأه. ثم (يمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه). .
قال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب: أن المسنون والواجب ضربة واحدة نص عليه، وعليه جمهور الأ صحاب. انتهى.
قال في " الشرح ": قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله التيمم ضربة واحدة؛ فقال: نعم للوجه والكفين، ومن قال: ضربتين فانما هو شيء زاده. انتهى. والأصل في ذلك ما روى عمار قال: " بعثني النبي ﷺ في حاجة فاً جنبت
فلم أجد الماء. فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة. ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك. فقال: انما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا. ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه " (١) . متفق عليه. ولأنه حكم علق بمطلق اليدين. فلم يدخل فيه الذراع؛ كقطع السارق،
ومس الفرج، وقد احتج ابن عباس بهذا.
فان قيل قد روي في حديث عمار: " إلى المرفقين " (٢) ، فعلى هذه الرواية
يحتمل أنه أراد بالكفين اليدين إلى المرفقين.
стр. 387
قلنا: حديث: " إلى المرفقين " لا يعول عليه، انما رواه سلمة، وشك
فيه. ذكر ذلك النسائي، فلا يثبت مع الشك. مع أنه قد أنكر عليه، وخالف به
سائر الرواة الثقات.
(وان بذل) بالبناء للمفعول ماء لأولى جماعة، (أو نذر) ماء لأولى جماعة، (أو وقف) ماء على أولى الجماعة، (أو وصي بماء لأولى جماعة قدم غسل طيب
محرم)؛ لما يترتب عليه من وجوب الفدية بتأخير غسل الطيب من غير عذر.
(ف) ان فضل عن غسل طيب المحرم شيء قدم به غسل (نجاسة ثوب)؛ لوجوب
إعادة الصلاة على من صلى في ثوب نجس لعدم غيره. (ف) ان فضل عن غسل
نجاسة الثوب شيء قدم به غسل نجاسة (بقعة) تعذرت الصلاة في غيرها؛ لأنه
وان لم تجب على المصلى فيها إعادة لا يصح التيمم لها. (ف) ان فضل عن غسل
نجاسة بقعة المصلى شيء قدم به غسل نجاسة على (بدن)؛ لاختلاف العلماء في
صحة التيمم لها بخلاف الحدث. (ثم) ان فضل شيء عن غسل النجاسة على
البدن قدم (ميت) به؛ لأن غسله خاتمة طهارته، والاحياء يرجعون إلى الماء
فيغتسلون.
ولأن القصد بغسل الميت تنظيفه ولا يحصل بالتيمم، والحي يقصد يغسله
استباحة ما هو محرم عليه بدونه وذلك يحصل بالتراب.
(ف) ان فضل عن غسل الميت شيء قدمب به (حائض) انقطع دمها لغسلها من
الحيض؛ لأن حدثها أغلظ من الجنب. بدليل وجوب نقض شعرها للغسل من
الحيض دون الجنابه.
ولأنها تقضي به حق الله تعالى وحق زوجها في إباحة وطئها.
(ف) ان فضل شيء قدم به (جنب) يكفيه الماء لغسله من الجنابة؛ لأن حدث
الجنابة أغلظ من حدث المحدث حدثا أصغر.
ولأنه يستفيد به ما لا يستفيده المحدث به.
(ف) ان فضل عن الجنب شيء توضأبه (محدث إلا ان كفاه) أي: كفى الماء
стр. 388
لوضوء المحدث (وحده) أي: دون أن يكفي الجنب لغسله (فيقدم) به المحدث
(على جنب)؛ لأن استعماله في طهارة كاملة أولى من استعماله في بعض طهارة.
وان كان الماء لا يكفي الجنب ولا المحدث لطهارة كاملة قدم به الجنب؛ لأنه يستفيد به تطهير بعض أعضائه.
(ويقرع مع التساوي) وهو ما إذا لم يكن أحدهما أولى من الآخر بأن يجتمع حائضان أو محدثان والماء لا يكفي إلا أحدهما فانه يقرع بينهما. فمن قرع صاحبه قدم به؛ لأنه صار أولى بخروج القرعة له.
(وان تطهر به) أي: بالماء (غير الأولى) به؛ كما لو تطهر به حي مع وجود ميت يحتاجه (أساء) الحي (وصحت) طهارته؛ لأن الأولى لم يملكه بكونه أولى وانما رجح لشدة حاجته.
(والثوب) المبذول للأولى من حي وميت محتاج كل منهما اليه (يصلى فيه) الحي. (ثم يكفن به) الميت جمعا بين المصلحتين. والله أعلم.
стр. 389
[باب: إزالة النجاسة]
هذا (باب) كيفية (إزالة النجاسة الحُكْميَّة) أي: الطارئة على الأعيان الطاهرة، وحكم زوالها، وذكر النجاسات، وذكر ما يعفى عن يسيره منها،
وما يلتحق بذلك.
(يشترط لـ) تطهير (كل متنجس حتى) لو كان المتنجس (أسفل خف، و) أسفل (حذاء) وهو النعل، (و) حتى (ذيل امرأة سبع غسلات).
أما أسفل الخف والحذاء؛ فقياسا على الرجل، وأما الذيل؛ فقياسا على
بقية الثوب.
وأما كون الغسلات سبعا؛ فلما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " أمرنا بغسل الأنجاس سبعا " (١) . فينصرف إلى أمر النبي ﷺ .
وقياسا على نجاسة الكلب والخنزير تستوعب كل غسلة المحل المتنجس.
وهي كافية (ان أنقت) النجاسة، (وإلاف) يزاد على السبع (حتى تنقى) النجاسة (بماء) متعلق بغسلات، (طهور) صفة للماء يعني: أنه يشترط أن تكون كل غسلة من السبع بماء طهور، فلو كانت إحداهما بغير الماء، أو بماء طاهر غير طهور لم يعتد بها (مع حت وقرص) للمحل المتنجس (لحاجة) إلى شيء من ذلك ولو في كل مرة (ان لم يتضرر المحل) المتنجس بالحت أو القرص، (و) مع (عصر مع إمكان) للعصر (فيما) أي في متنجس (تشزب) النجاسة (كل مرة) من الغسلات، ويكون العصر (خارج الماء، وإلا) أي: وان لم يكن العصر خارج الماء بأن عصر داخل الماء ولو مرات (ف) ذلك (غسلة) واحدة (يبني عليها) أي:
стр. 390
يتمم ما بقي من الغسلات السبع، (أو دقه) أي: دق ما تشرب نجاسة، (وتقليبه) ان لم يمكن عصره، (أوتثقيله) كل غسلة حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء.
(و) يشترط (كون إحداها) أي: أحد الغسلات السبع (في متنجس بكلب،
أو) متنجس (بخنزير، أو) بـ (متولد من أحدهما) أي: الكلب والخنزير (بتر اب طهور). ومحل هذا: إذا كانت النجاسة على غير الأرض. والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب " (١) . رواه مسلم.
ويشترط كون التراب: (يستوعب المحل؛ إلا فيما يضر) يعني: إلا إذا
كان المتنجس محلا يضره التراب (فيكفي مسماه) أي: مسمى التراب.
قال في " الفروع ": وهل يعتبر استيعاب محل الولوغ به، أم مسمى التراب، أم مسماه فيما يضره، أم ما يغير الماء؛ فيه أوجه. انتهى.
قال في " الإنصاف " عما في المتن: قلت: وهو الصواب. انتهى.
(ويعتبر مائع يوصله) أي: التراب (اليه) أي: إلى المحل المتنجس.
قال في " الفروع ": ذكره أبو المعالي و" التلخيص " وفا قا للشافعي. ريحتمل أن يكفي ذره ويتبعه الماء، وهو ظاهر كلام جماعة، وهو أظهر. انتهى.
(و) الغسلة (الأولى أولى) بجعل التراب فيها.
قال في " الشرح ": والمستحب أن يجعل التراب في الغسلة الأولى لموافقة
لفظ الخبر، وليأتي الماء بعده فينظفه. ومتى غسل به أجزأه؛ لأنه روي في حديث: " إحداهن " (٢) ، وفي حديث: " أولاهن " (٣) ، وفي حديث: " في الثامنة " (٤) . فيدل على أن محل التراب من الغسلات غير مقصود. انتهى.