قال في " الأنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وعلى رواية أن الإنسان ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث سواء كان له وارث أو لم يكن: للموصى له ثلث المال بالوصية ثم فرضه من الباقي، والبقية لبيت المال. وقيل: لا تصح الوصية لأحد الزوجين ولو لم يكن له وارث غيره.
(ويجب على من عليه حق بلا بينة ذكره.
وتحرم) الوصية (ممن يرثه غير زوج أو) غير (زوجة بزائد على الثلث
* لأجنبي ولوارث بشيء) مطلقاً.
قال في " الأنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه. انتهى.
وقيل: تكره ولا تحرم.
ولا فرق في ذلك بين وجود الوصية في حال صحة الموصي أو مرضه.
وعنه: أنها في حال صحته من كل مال. ونقله (١) حنبل.
أما كون الوصية تحرم لغير وارث بزائد على الثلث؛ فـ " لقول النبي ﷺ لسعد حين قال: أو صي بمالي كله؟ قال: لا. قال: فالشطر. قال: لا. قال: الثلث. قال: الثلث والثلث كثير. أنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم (٢) عالة يتكففون الناس " (٣) . متفق علمه.
واما كونها تحرم للوارث بشيء؛ فلما روى عمرو بن نجارجة " أن النبي ﷺ خطب على ناقته وإنا تحت جرأنها وهي تقصع بجرتها وإن لعابها لسيل بين كتفي. فسمعته يمول: أن الله قد اعطى كل ذي حق حقه. فلا وصية لوارث " (٤) . رواه الخمسة إلا النسائي.
стр. 3292
وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أن الله قد أعطى كل
ذي حق حقه فلا وصية لوارث " (١) رواه ابو داود وابن ماجه والترمذي.
ولأن النبي ﷺ منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض في حال الصحة وقوة الملك وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يعطه فيما بعد ذلك؛ لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم. ففي حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلق الحقوق به وتعذر تلافي العدل بينهم: أو لى وأحرى.
(وتصح) هذه الوصييه المحرمة (وتقف على أجازة الورثة) " لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الو رثة " (٢) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة " (٣) رواهما الدارقطني.
قال في " المغني ": والاستثناء من النفي إثبات، فيكون ذلك دليلأً على صحة الوصية عند الإجازة. ولو خلا من الاستثناء كان معناه: لا وصية نافذة أو لازمة أو ما أشبه هذا. انتهى.
وهذأن الحديثان مخصصأن لما تقدم من العموم.
ولأن المنع من ذلك إنما هو لحق الورثة. فإذا رضوا بإسقاطه جاز.
وما في المتن من كون الوصية صحيحة في نفسها هو المذهب.
стр. 3293
قال في " المغني ": وظاهر مذهب أحمد والشافعي أن الوصيه صحيحة في نفسها، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنه تصرفٌ صدر من أهله فى محله. فصح؛ كما لو وصى لأجنبي. يعني بالثلث فاًقل.
وقال في " الأنصاف ": أن الصحيح من المذهب.
وعنه: أن الوصية باطلة.
قال في " الإضاف ": واختاره بعض الأصحاب وهو وجه في " الفائق " في الأجنبي ورواية في الوارث. انتهى.
قال في " المغني ": وفائدة الخلاف: أن الوصية إذا (١) كانت صمحيحة فأجازة الورثة تنفيذ وأجازة محضة يكفي فيها قول الوارث: أجزت أو أمضيت أو نفذت. فإذا قال ذلك لزمت الوصية، وإن كانت باطلة كانب الإجازة هبة مبتدأة تفتقر إلى شروط الهبة من اللفظ والقبول والقبض كالهبة المبتدأة. ولو رجع المجيز قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض صح رجوعه. انتهى.
وإسقاط مريض دينه عن أجنبي أنه وارث كوصيته له به.
(ولو وصى) من له ورثة الكل وارث) منهم (بمعين) من المال (بقدر إرثه، أو) وصى (بوقف ثلثه على بعضهم) أى بعض الورثة: (صح) ذلك (مطلقاً) أى سواء أجاز ذلك بقية الورثة أو لا، وسواء كان في الصحة أنه في حال المرض.
ومثال الأولى: لو كان لإنسان ابن وبنت لا يرثه غيرهما، وله عبد قيمته مائة وجارية قيمتها خمسون فوصى لابنه بالعبد ولبنته بالجارية: فإن ذلك يصح من غير أجازة كل وأحد منهما للآخر؛ لأن حق الوارث في القدر لا في العين (٢) . بدليل ما لو عاو ض المريض بعفورثته أنه أجنبياً جميع ماله بثمن مثله: فإن ذلك يصح ولو تضمن فوات عين جميع المال.
стр. 3294
وتقدم الخلاف فيما إذا عاوض المريض بعض ورثته بثمن المثل (١)
وقيل: لا يصح أن يوصي لكل وارث بمعين بقدر إرثه إلا بأجازة بعضهم لبعض. وأما الثانية: وهي ما إذا أوصى بأن يكون ثلثه وقفاً على بعض ورثته. قال (٢) في " الأنصاف ": فإنه يصح على الصحيح من المذهب على ما تقدم
في الهبة. وفيه قول اختاره المصنف بعدم الصحة. انتهى.
(وكذا وقف زائد) على الثلث (إذا أُجيز): فإنه يُنفذ. لا أن لم يجز (ولوكان الوارث واحداًً)؛ لأنه يملك رده إذا كان على غيره. فأحرى إذا كان على نفسه.
(ومن لم يف ثلته بوصايا هـ: أُدخل النقص على كلٍّ) من الموصى له (بقدر وصيته). حتى (وإن) كانت وصية بعضهم (عتقاً)؛ لأنهم تساوا في الأصل وتفإنه اتوا في المقدار. فوجب أن يكون كذلك؛ كمسائل العول.
قال في " الأنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب.
وعنه: يقدم العتق ولو استوعب الثلث. انتهى.
فعلى الأنهلى: لو وصى لرجل بثلث ماله، وللاخر بمائة، ولثالث بمعين قيمته خمسون، ولفداء اسير بثلاثين، ولعمارة مسجد بعشرين. وكان ثلث ماله مائة. وبلغ جميع الوصايا ثلاثمائة: نسبت منها الثلث. فكان ثلثها. فيعطى كل واحد ثلث وصيته.
(وإن أجازها) أى أجاز الوصية المتوقفة على الإجازة (ورثةٌ بلفظ أجازة) كأجزتها (أو إمضاء) كأمضيتها (أو تنفيذ) كنفذتها. والمراد بعد موت الموصي. وعنه: وقبله. وسيأتي في المتن التنبيه على ذلك.
(لزمت) الو صية المجازة بعد أن كانت موقوفة- قال بعض الأصحاب:
стр. 3295
بغير خلاف- " لأن الحق لهم. فلزمت بأجازتهم، كما تبطل بردَّهم.
(وهي) أى الإجازة (تنفيذ) لما وصى به الموروث. لا ابتداء عطية " لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: اا].
وعنه. أنها ابتداء عطية.
قال ابن رجب في فوائده الملتحقة بـ " قواعده ": أجازة الورثة هل هي تنفيذ للوصية أو ابداء عطية؟
في المسألة روايتان معروفتان. أشهرهما: أنها تنفيذ. وهذا الخلاف قيل: أو مبني على أن الوصية بالزائد على الثلث هل هو باطل أو موقوف على الإجازة؟
وقيل: بل هذا الخلاف مبني على القول بالوقف أم على البطلان. فلا معنى للتنفيذ (١) . وهو أشبه.
ولهذا الخلاف فوائد كثيرة منها:
أو لا يشترط لها شروط الهبة. وإلى ذلك أُشير في المتن بقوله:
(لا تثبت لها) أى للأجازة (٢) (أحكام هبة. فلا يرجع اب) وارث من الموصي (أجاز) وصية لابنه، لأن الأب إنما يملك الرجوع فيما وهبه هو لابنه.
والإجازة تنفيذ لما وهبه غيره لابنه.
(ولا يحنث بها) أى بالإجازة (من حلف لا يهب) شيئاً فأجاز الوصية
به (٣) " لأن الأجازه ليست بهبه.
(وولاء عتق) صادر من الموروث مفتقر إلى الإجازة سواء كان تنجيزاً " كما لو أعتق (٤) عبدا لا يملك غيره ثم مات. أو موصى به، كما لو وصى بعتق
стр. 3296
عبد لا يملك غيره فإن عتق ثلثيه في المسألتين موقوف على أجازة الورثة. فإذا أجاز (١) الورثة عتق باقي هذا العبد في المساًلتين أو نحوهما من كل عتق (مجاز): كان ولاؤه (لموصر تختص به عصبته)؛ لأن الإجازة تنفيذ لفعل الميت (٢) .
(وتلزم) الإجازة (بغير قبول) من المجاز له.
قال في " الفوائد ": وإن قلنا هي هبة افتقرت إلى أيجاب وقبول. ذكره
أبن عقيل وغيره. انتهى.
(و) تلزم أيضاً بغير (قبض) كبغير قبول.
وتلزم الإجازة (ولو) كانت (من سفيه ومفلس). قاله في " الفروع " وقدمه في " الأنصاف ".
وكلامه في المغني، يقتضي التفرقة بين المفلس والسفيه.
وعبارته: ولا تصح الأجازه إلا من جائز التصرف. فأما الصبي والمجنون والمحجور عليه لسفه فلا تصح الإجازة منهم؛ لأنها تبرع بالمال. فلم يصح منهم؛ كالهبة.
وأما المحجور عليه لفلس فإن قلنا: الإجازة هبة لم تصح مئه؛ لأنه ليس له
هبة (٣) ماله وإن قلنا: هي تنفيذ صحت. انتهى.
لكن تعليله بأن الإجازة تبرصم بالمال فيه نظر على المذهب. والله اعلم.
(و) تلزم الإجازة (مع كونه) أى المجاز (وقفاً على مجيزه). يعني وإن قلنا: لا يصح وقف الإنسان على نفسه؛ لأن الوقف ليس منسوباً للمجيز ولا صادراًعنه وإنما هومنفذ له.
стр. 3297
(و) تلزم الإجازة أيضاً (مع جهالة المجاز). قاله في " المحرر "
و" الفروع ".
قال شارح " المحرر ": ولا يشترط أن تكون معلومة له لأنها عطية غيره. انتهى.
قال ابن رجب في " فوائده ": وطريقة صاحب " المغني " أن الإجازة
لا تصح بالمجهول. ولكن هل يصدق في دعوى الجهالة؟
على وجهين. ومن الأصحاب من قال: أن قلنا الإجازة تنفيذ: صحت بالمجهول ولا رجوع، وإن قلنا هبة فوجهان. انتهى.
(ويُزاحَم) بالبناء للمفعول فيما إذا أوصى لوأحد بثلث ولآخر بزائد على الثلث (بـ) قدر (مجاوز لثلثه الذي لم يجاوز هـ لقصده) أى الموصي (تفضليه؛ كجعله الزائد لثالث).
قال ابن رجب: ومنها: أن ما جاوز الثلث من الوصايا إذا أجيز هل يزاحم بالزائد ما لم يجاوز هـ؟ هو مبنى على هذا الاختلاف. ذكره صاحب " المحرر ". وأشكل توجهيه على الأصحاب. وهو واضح. فإنه إذا كانت معنا وصيتان إحداهما مجاوز ة للثلث والأخرى لا تجاوز هـ كنصف وثلث، وأجاز الورثة الوصية المجاوز ة للثلث خاصة: فإن قلنا الإجازة تنفيذ زاحم صاحب النصف صاحب الثلث بنصف كامل. فيقسم الثلث بينهما على خمسة: لصاحب (١) النصف ثلاثة أخماسه، وللآخر خمساه. ثم يكمل لصاحب النصف نصفه بالإجازة. وإن قلنا الإجازة عطية فإنما يزاحمه بثلث خاصة. إذ الزيادة على عطية محضة من الورثة لم تتلف من الميت فلا يزاحم بها الوصايا فيقسم الثلث بينهما نصفين ثم يكمل لأصحاب النصف ثلث بالإجازة. وهذا مبني على أن القول بأن الإجازة عطية أو تنفيذ مفرع على القول بإبطال الوصية بالزائد على الثلث وصحتها كما سبق. انتهى.
стр. 3298
قال في " الأنصاف " بعد أن حكى كلام ابن رجب: وقد تكلم القاضي محب
االدين ابن نصر الله البغدادي على هذه المسألة في كراسة بما لا طائل تحته. وما قاله ابن رجب: صحيح واضح.
وقال الزركشي: وقد يقال أن عدم المزاحمة إنما هو في الثلثين؛ لأن الهبة تختص بهما والمجيز يشرك بينهما فيهما (١) . أما الثلث فيقسم بينهما على قدر أنصابهما. قلت: الذي يظهر أن هذا هو الصواب. انتهى كلامه في " الأنصاف ".
وعبارة " المحرر ": ولو جاوز الثلث زاحم ما لم يجاوز هـ. فال شارحه: ومقتضى عبارته: أن لا يزاحم ما جاوز الثلث ما لم (٢) يجاوزه يعني في الثلث مع الرد ونحوه وهذا لا قائل به ولو قال: زاحم بالزائد ما لم يجاوزه صح. انتهى.
ومن فوائد الخلاف أيضاً: ما نقله ابن رجب عن القاضي في " خلافه " أن الموصى له لو قبل الوصية المفتقره إلى الإجازة قبل الأجازه ثم أجيزت: فإن قلنا الإجازة تنفيذ فالملك (٣) ثابت له من حين قبوله، وإن قلنا: عطية لم يثبب الملك إلا بعد الإجازة.
فال في " المحرر ": وفوائد هذا الأصل كنيرة ومع ذلك تعتبر أجازة المجيز
في مرضه من ثلثه كالصحيح إذا حابى في بيع له فيه خيار ثم مرض في مدة الخيار تصير محاباته من الثلث.
فظاهر هذه العبارة وعباره " الفروع " أن كون أجازة المريض من رأس ماله أو من الثلث ليس من فوائد الخلاف في كون الإجازة تنفيذ أو ابتداء عطية. فلهذا قلت:
стр. 3299
(لكن لو أجاز مريض) مرض الموت المخوف وصية بما يتوقف على الإجازة (فمن ثلثه)، لأن بالإجازة قد ترك حقاً مالياً كان يمكنه أن لا يتركه فاعتبر من ثلثه (كمحاباة صحيح في بيع خيار لى (١) يعني كما لو باع صحيح شيئاً يساوي مائه وخمسين بمائة بشرط الخيار له إلى شهر مثلاً (ثم مرض) البائع (زمنه) أى في الشهر المشروط لنفسه فيه الخيار ولم يختر فسخ البييع حتى مات، فإن محاباته بالخمسين تعتبر من ثلثه. فإن كان يمكنه عدم ترك القدر المحابة به. فإنه لو فسخ البيع رجع ذلك إلى ورثته. فلما لم يفسخه صار كأنه اختار وصول ذلك إلى المشتري. فيكون من ثلثه " كما لو أعطاه إياه في حال مرضه من غير بيع. (وإذن) من مردض (في قبض هبة) وهبها وهو صحمح " لأنها قبل القبض
كان يمكنه الرجوع فيها. فلما أذن في قبضها صار كأنها ستاًنفها في حال مرضه. فاعتبرت من ثلثه.
(لا خدمته) أى لا أن استاً جر صحيح إنساناً لخدمته مدة بشرط الخيار للأجير بأجرة حاباه الأجير (٢) فيها بأن كانت ناقصة عن أجر (٣) مثله ثم مرض زمن الخيار ولم يفسخ الإجاره حتى مات. فإن محاباة الأجير تكون من رأس ماله " لأن تركه (٤) اختيار الفسخ في الخدمة ليس بترك مال.
وجل ابن رجب الإجازة في مرض الموت من فوائد الخلاف وعبارته: ومنها: لو أجاز المريض في مرض موته وصمية موروثه، فإن قلنا أجازته عطية فهي معتبرة من ثلثه، وإن قلنا تنفيذ فطريقان (٥) :
أحدهما: القطع بأنها من الثلث أيضاً، كذا قال القاضي في "خلافه " وصاحب " المحرر ". وشبهه بالصحيح إذا حابى في بيع له فيه خيار ثم مرض في
стр. 3300
مدة الخيار فإنه تصير محاباته من الثلث؛ لأنه تمكن من استرداد ماله إليه فلم يفعل فقام ذلك مقام ابتداء إخراجه في المرض. ونظيره لو وهب الأب لولده شيئاً ثم مرض وهو بحاله ولم يرجع فيه.
والطريق الثانى: أن المسالة على وجهين. وهي طريقة أبي الخطاب في
" أنتصاره ". وهما منزلأن على أصل الخلاف في حكم الإجازة. وقد يتنزلان على أن الملك هل ينتقل إلى الورثة في الموصى به أم تمنع الوصية الأنتقال؟ وفيه وجهان:
فإن قلنا: تنتقل إليهم فالإجازة من الثلث، لأنه إخراج مال مملوك. وإلا فهي من رأس المال؛ لأنه امتناع من تحصيل مال لم يدخل بعد في ملكه. وإنما تعلق به حق ملكه. بخلاف محاباة الصحيح إذا مرض فإن المال (١) كان على ملكه وهو قادر على استرجاعه. أنضهى.
(والاعتبار بكون من وصي له) وصية (أو وُهب له) من قبل مريض هبة (وارثاً أولًا عند الموت) أى موت الموصي. فمن أوصى لأحد إخوته ثم حدث له ولد: صحت الوصية للموصى له، لأنه عند الموت ليس بوارث. ومن أوصى لأخيه بشيء وللموصي ولد فمات قبله: وقفت على أجازة بقية الورثة.
قال ابن رجب في القاعدة السابعة عشر بعد المائة.: وحكى بعضهم خلافاً ضعيفاً أن الاعتبار بحال الوصية. انتهى.
فعلى المذهب: لو وصى رجل لأجنبية وأو صت له ثم تزوجها: وقفب وصية كل منهما على الأجازه من ورثته.
وإن وصى إنسان لزوجته بشيء ثم طلقها: لم يفتقر ذلك إلى أجازة إلا في زائد على الثلث.
قال في " المغني ": إلا أنه إن طلقها في مرض موته فقياس المذهب أنها
لا تعطى أكثر من ميراثها، لأنه متهم في أو طلقها ليوصل إليها ماله بالوصية.
стр. 3301
فلم ينفذ لها ذلك " كما لو طلقها في مرض موته وأوصى لها بأكثر مما كانت ترث (١) انتهى.
(و) الاعتبار (أجازة) للوصية أو العطية من قبل الورثة (أو رد) منهم
لأحدهما (بعده) أى بعد الموت، وما قبل ذلك من رد أو أجازه لا عبرة به.
قال في " الأنصاف ": هذا المذهب نص عليه وعليه جماهير الأصحاب
وقطع به كثير منهم وقدمه في " الفروع " وغيره.
وعنه: تصح أجازتهم قبل الموت في مرضه. خرجها القاضي أبو حازم من
إذن الشفيع في الشراء.
قال في القاعدة الرابعة: بالعفو عن الشفعة. فخرجه المجد في " شرحه "
على روايتين واختارها صاحب " الرعاية " والشيخ تقي الدين. انتهى.
(ومن أجاز) من الورثة هبة في المرض أو وصية، وكان الموهوب أو
الموصى به جزءاً (مشاعاً) كنصف وثلثين (٢) ونحوهما. (ثم قال) المجيز: (إنما أجزت) ذلك (لأنني ظننته) أى المال المخلف (قليلا) ثم تبين (٣) لي أو كثير: (قبل) قوله في ذلك (بيمينه) " لأن الغالب أن المجيز إنما يترك- الاعتراض للموصى له في الوصية، لأنه لا يرى المنازعة في ذلك القدر ويستخفه (٤) . فإذا ادعى أو إنما أجاز لظنه قلة المال كان الظاهر معه فقد ادعى ممكنا (فيرجع بما زاد على ظنه)، لأن ما هو في ظنه قد أجازه فلا اعتراض له فيه فبقي ما ليس في ظنه والأصل عدم علمه به. وإنما لزمه اليمين لتنتفي التهمة فلو
كان المال ألفا وظنه ثلاثمائة وكانت الوصية بالنصف فقد أجاز السدس وهو خمسون فهي جائزة عليه مع ثلث الألف. فيكون للموصى له تلاثمائة وثلاثة
стр. 3302
وثمانون وثلث؛ لأن ثلث المال لا اعتراض له فيه فيزاد ما هو مقر بأجازته عليه ويرجع ببقية النصف وهو مائة وستة عشر وثلثان.
وقيل: لا يقبل قوله؛ لأنه رجوع عن قول يلزمه به حق. فلم يقبل؛ كالرجوع في الأقرار.
(إلا أن يكون المال) المخلف (ظاهراً لا يخفى) على المجيز، (أو تقوم بينة) على المجيز (بعلمه قدره): فلا يقبل قوله، ولا يملك رجوعاً إلا فيما يملك الرجوع في مثله (١) في الهبة إذا قلنا أن الإجازة ابتداء عطية والمذهب خلافه.
(وإن كان) ما أجازه الوارث من عطية في المرض أو وصية (عيناً) كعبد وثوب معينين، (أو) كان (مبلغاً معلوماً) كمائة درهم وعشرة دنانير وعشرة أو سق من بر أو نحوه، (وقال) الوارث المجيز: إنما أجزت ذلك لأنني (ظننت الباقي كثيراً: لم يقبل) قوله في ذلك.
قال في " الأنصاف ": في أظهر الوجهين وهو المذهب. انتهى.
يعني أنه لا يملك في ذلك رجوعاً.
ووجهه: إن أجاز قدرأ من المال معلوماً. فلم يكن له الرجوع فيه؛ كما لو وهبه.
وقال في " الفروع ": فال شيخنا: وإن قال ظننت قيمته ألفا فبان أكثر: قُبل. وليس نقضاً (٢) للحكم بصحة الإجازة ببينة أو إقرار. قال (٣) : وإن أجاز وقال أردت اصل الوصيه قبل. انتهى.
стр. 3303
(فصل) في حكم قول الوصية وردها
وما يترتب على ذلك وغير ذلك. (وما وُصِّيَ به لغير محصور) كالفقراء والمساكين والمجاهدين في سبيل الله وبني هاشم، (أو مسجد ونحوه) كثغر وخانقاة (١) ورباط وحج: (لم يُشترط قوله) من النوع الموقوف عليه كالفقراء ونحوهم؛ لأن اعتبار القبول من جميعهم متعذر. وكذا من المسجد ونحوه فسقط. وعلى هذا تلزم الوصية بمجرد الموت.
(وإلا) أى وإن لم تكن الوصية على هذه الصفة بل كانت على ادمي معين:
(اشتُرط) قبوله لها؛ لأن الوصية في هذه الحالة تمليك مال لمعين يملك (٢) . فاعتبر قبوله؛ كالهبة والبيع.
قال أحمد: الهبة والوصية واحد. قاله في " المغني " و" الفروع "
وا لزركشي وغيرهم.
وقال في " القواعد ": نص أحمد في مواضع على أنه لا يعتبر للوصية قبولٌ.
فيملك الموصى له الموصى به قهرا؛ كالميراث. وهو وجه للأصحاب حكاه غير
واحد. أنتهى.
ولا يتعين القبول باللفظ بل يجزئ ما قام مقامه (٣) من الأخذ والفعل الدال
على الرضى كقولنا في الهبة والبيع.
قال في " الفروع ": وفي " المغني " وطؤه قبولٌ كرجعة وبيع خيار.
انتهى.
стр. 3304
ويجوز القبول على الفور والتراخي.
(ومحلُّه بعد الموت)؛ لأن الموصى له قبل ذلك لم يثبت له حق. وكذلك
لا عبرة برده قبل الموت.
قال (١) في " الفروع ": لا قبول ولا رد لموصى له في حياة الموصي، ولا
رد بعد قبوله. وفيه وجه فيما كيل أو وزن.
وقيل: وغيره. أنتهى.
(ويثبت ملك موصى له من حِينه) أى من حين القبول بعد الموت.
قال في " المغني ": قي الصحيح من المذهب. وهو قول مالك وأهل العراق، وروي عن الشافعي. وذكر أبو الخطاب في المسألة وجهاً آخر: أو إذا قبل تبينا أن الملك ثبت حين موت الموصي. وهو ظاهر مذهب الشافعي، لأن ما وجب أنتقاله بالقبول وجب أنتقاله من جهة الموجب عند الإيجاب، كالهبة والبيع.
ولأنه لا يجوز أن يثبت الملك فيه للوارث لأن الله تعالى قال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١١].
ولأن الإرث بعد الوصية ولا يبقى للميت لأنه صار جماداً لا يملك شيث. وللشافعي قول ثالثٍ غير مشهور: أن الوصحة تملك بالموت، ويحكم بذلك
قبل القبول لما ذكرنا.
قال: ولنا: أو تمليك عين لمعين يفتقر إلى القبول. فلم يسبق الملك القبول؛ كسائر العقود.
ولأن القبول من تمام السبب، والحكم لا يتقدم (٢) سببه.
стр. 3305
ولأن القبول لا يخلو من أن يكون شرطاً أو جزءاً من السبب، والحكم
لا يتقدم سببه (١) ولا شرطه.
ولأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل.
فإن قيل: فلو قال لامرأته: أنت طالق قبل موتى بشهر، ثم مات تبينا وقوع الطلاق قبل موته بشهر.
قلنا: ليس هذا شرطاً في وقوع الطلاق، وإنما تبين به الوقت الذي يقع فيه الطلاق.
ولو قال: إذا مت فاً نت طالق قبله بشهر: لم يصح.
وأما أنتقاله من جهة الموجب في سائر العقود فإنه لا ينتقل إلا بعد القبول فهو كمساًلتنا. غير أن ما بين الإيجاب والقبول ثم يسير لا يظهر له أثر. بخلاف مسألتنا.
وقولهم: أن الملك لا يثبت للوارث ممنوع. فإن الملك ينتقل إلى الوراث بحكم الأصل إلا أن يمنع منه مأنع.
وقول الله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١١].قلنا: المراد به وصية مقبولة. بدليل أنه لو لم يقبل لكان ملكاً للوارث وقبل قبولها فليست مقبولة.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١٢].
أى لكم ذلك مستقر. فلا يمنع هذا ثبوت الملك غير مستقر. ولهذا لا يمنع الدين ثبوت الملك في التركة وهو آكد (٢) من الوصية. وإن سلمنا أن الملك لا يثبت للوارث فإنه يبقى ملكا للميت كما إذا كان عليه دين. وقولهم: لا يبقى له ملك ممنوع فإنه يبقى ملكه فيما يحتاج إليه من مَؤُنة
стр. 3306
تجهيزه ودفنه وقضاء ديونه. ويجوز أن يتجدد له ملك في ديته إذا قتل، وفيما إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته بحيب تقضى ديونه، وتنفذ وصاياه، ويجهز أن كان قبل تجهيزه. فهذا يبقى على ملكه لتعذر أنتقاله إلى الوارث من أجل الوصية. وامتناع أنتقاله إلى الوصي (١) قبل تمام السبب. فإن رد الموصى له أو قبل أنتقل (٢) حينئذ. فإن قلنا بالأول وأنه ينتقل إلى الوارث: فإنه يثبب له الملك على وجه لا يفيد إباحة التصرف كثبوته في العين المرهونة (٣) . فلو باع الموصى به أو رهنه أو أعتقه أو تصرف بغير ذلك لم ينفذ شيء من تصرفاته. ولو كان الوارث ابناً للموصى به مثل أن تملك امرأة زوجها الذي لها منه ابن فتوصي به لأجنبي. فإذا ماتت (٤) أنتقل الملك فيه إلى ابنه إلى حين القبول ولا يعتق عليه. انتهى كلامه في " المغني ".
وعبارته في " الفروع ": ويملكه الوصي (٥) ونماء منفصل منذ قَبِلَ. ذكر الشيخ أو المذهب ونصره القاضي واصحابه فهو قبله للورثة فيزكونه.
وقيل: للميت.
وقيل: منذ مات الموصي فيزكيه.
وعنه: نَتبَّينه إذا قبله.
وعليه والذي قبله لو قبله وارثه كان ملكا لموروثه ويثبت حكمه. انتهى.
ويتفرع على هذا الخلاف مسائل أُشير إليها بقوله:
(فلا يصح تصرفه) أى تصرف الموصى له في العين الموصى بها (قبله) أى
قبل القبول، يعني أو لو باع الموصى له العين الموصى بها أنه أجرها أو وهبها أو
стр. 3307
كانت أمة فاًعتقها أو زوجها أو نحو ذلك قبل قبوله للوصية: لم يصح شيء من ذلك؛ لأنها ليست في ملكه إذاً.
(و) مما يتفرع على هذا الخلاف أيضاً أن (ما حدث) من العين الموصى
بها بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له بها (من نماء منفصل) كالولد والثمرة والكسب: (فللورثة) أى ورثة الموصي؛ لأن العين في ملكهم حينئذ.
(ويتبع) نماء (متصل) الأصل كما يتبع في العقود والفسوخ.
(وإن كانت) الوصية (بأمة فأحبلها وارث قبله) أى قبل القبول وولدت (١) منه: (صارت أم ولده) لوجود ملكه فيها (وولده حر)؛ لأنها أتت به من وطء في ملكه.
(و) حينئذ (لا يلزمه) من اجل ذلك (سوى قيمتها للوصي) أى للموصى
له بها إذا قبلها بعد ذلك؛ (كما لو أتلفها). وإنما وجبت له قيمتها بإتلافها قبل دخولها في ملكه بالقبول إذا قبلها بعد ذلك؛ لثبوت حق التملك له فيها بموت الموصي.
ولو وصى لرجل بأرض فبنى الوارث فيها وغرست قبل القبول، ثم قبل من وصى له بها.
قال في " الأنصاف ": ففي " الإرشاد " أن كان الوارث عالما بالوصية قلع بنأوه اوغراسه مجاناً، وإن كان جاهلاً فعلى وجهين.
قال في " القوعد ": وهو متجه على القول بالملك بالموت. أما أن قيل هي
قبل القبول على ملك الوارث فهو كبناء المشتري الشقص المشفوع وغرسه فيكون محترما يتمللى بقيمته. قلت: وهذا (٢) الصواب. انتهى.
فإن قيل: فكيف قضيتم بكونها أم ولد وهي لا تعتق بإعتاقها؟
стр. 3308
قلنا: الاستيلاد أقوى ولذلك يصح من المجنون والراهن والشريك المعسر
وإن لم ينفذ إعتاقهم.
(هوإن وُصي) بالبناء للمفعول (له) أى لإنسان حر (بزوجته) الأمة (فأحبلها وولدت قبله) أى قبل القبول: (لم تصر أم ولد) لزوجها الموصى له بها؛ لأنها لم تكن في ملكه حين إحبالها. (وولده) الذي حملت به قبل قبولها (رقيق)؛ لأنه من مملوكة لغيره دخل على أن ولده منها رقيق. ليخرج بذلك ما لو وطئها بشبهة وما لو اشترط في ابتداء نكاحها حرية أولاد هـ (١) منها.
(و) أن وُصى لإنسان حر (بأبيه) الرقيق (فمات) الموصى له بعد موت الموصي (وقبل قبوله) للوصية (فَقَبِلَ ابنه) أى ابن الموصى له بأبيه الوصية بجده: (عتق موصى به) أى جد القابل (حيئذ) أى حين إذ (٢) قبل الوصية به ابن ابنه؛ لوجود ملكه إذن. (ولم يرث) الجد الموصى به من ابنه الميت أبي (٣) القابل شيئاً؛ لأن حريته إنما حدثت حين القبول بعد أن صار الميراب لغيره.
ومما يتفرع على الخلاف أيضاً: لو كان الموصى به ابن اخ للموصى له
وقد مات بعد موت الموصي فقبل ابنه: لم يعتق عليه ابن عمه؛ لأن القابل إنما تلقى الوصحة من جهه الموصي لا من جهة أبيه، ولم يثبت لأبه ملك في الموصى به.
وكذا لا تقضى ديون موصى له مات بعد موت موصي وقبل قبول من وصية قَبِلهَا وَاِرثُه.
وعلى القول (٤) بأن ملك الموصى به ينتقل إلى الموصى له بموت الموصي،
стр. 3309
وعلى الرواية بأن الموصى له إذا قبل الموصى به: نتبين (١) أو كان ملكه من حين موت (٢) الموصي: تنعكس هذه الأحكام.
(وعلى وارث ضمانُ عين حاضرةٍ) حيث كان الوارث: (يتمكن من قبضها بمجرد موت مورثه) أن تلفت. ومعنى ذلك أن ما يتلف من التركة التي هي عين حاضرة يتمكن الورثة من قبضها فهو عليهم ولا ينقص به ثلث أوصى به.
قال ابن رجب في القاعده الحادية والخمسين: فأما ما ملك (٣) بغير عقد: فنوعان:
أحدهما: الملك القهري " كالميراث. وفي ضمانه وجهان:
احدهما: أنه يستقر على الورثة بالموت إذا كان المال عيناً حاضرةً يتمكن من قبضها.
قال أحمد في رواية ابن منصور: في رجل ترك مائتي دينار وعبداً قيمته مائة، وأوصى لرجل بالعبد. فسرقت الدنانير بعد موت الرجل: وجب العبد للموصى له وذهبت دنانير الورثة.
وهكذا ذكر الخرقي وأكثر الأصحاب، لأن ملكهم استقر بثبوت سببه. إذ
هو لا يخشى أنفساخه. ولا رجوع لهم بالبدل على أحد. فأشبه ما في يد المودع ونحوه. بخلاف المملوك بالعقود، لأنه إما أن يخشى أنفساخ سبب الملك فيه، أو يرجع ببدله. فلذلك (٤) اعتبر له القبض. وأيضاً فالمملوك بالبيع ونحوه ينتقل الضمان فيه بالتمكن من القبض فالميراث أو لى.
وقال القاضي وابن عقيل في كتاب العتق: لا يدخل في ضمانه بدون القبض " لأنه لم يحصل في أيديهم ولم ينتفعوا به، فأشبه الدين والغائب ونحوهما مما لم يتمكنوا من قبضه. فعلى هذا أن زادت التركة قبل القبض فالزيادة للورثة،
стр. 3310
وإن نقصت لم يحسب النقص عليهم وكانت التركة ما بقي بعد النقص. حتى لو تلف المال كله سوى القدر الموصى به صار هو التركة. ولم يكن للموصى له سوى ثلثه. إلا أن يقال (١) : أن الموصى له يملك الوصية بالموت بمجرده أو مراعاً بالقبول: فلا تزاحمه الورثة؛ لأن ملكه سبب استحقاقهم لمزاحمته بالنقص. فيختص به؛ كما لو لم يتلف المال إلا بعد قبوله. وعلى ذلك خرج صاحب " الترغيب " وغيره كلام أحمد في رواية ابن منصور.
والأول (٢) أصح لأن الموصى له تمكن من أخذ العين الموصى بها مع حضور التركة، والتمكن من قبضها بغير خلاف.
ولو لم يدخل في ضمانهم (٣) إلا بالقبض لم يمكن أن يأخذ من العين أكثر من ثلثها. ويوقف قبض الباقي على قبض الورثة. فكلما قبضوا شيئاً أخذ من العين بقدر ثلثه كما لو كانت التركة دينا أوغائبا لا يتمكن من قبضه. انتهى كلام ابن رجب.
قال في " الأنصاف " بعد أن حكى رواية ابن منصور: وهكذا ذكره الخرقي وأكثر الأصحاب. انتهى.
و (لا) يكون على وراث (سقي ثمرة موصى بها)؛ لأنه لم يضمن تسليم
هذه الثمرة إلى الموصى له. بخلاف البيع. قاله في " عيون المسائل " واقتصر عليه في " الفروع ".
(وإن مات موصى له) بشيء (قبل موصي: بطلت) الوصية؛ لأنها عطية صادفت المعطى ميتا. فلم تصح؛ كما لو وهب ميتاً.
(لا أن كانت) الوصية (بقضاء دينه) أى دين الذي مات قبل موت الموصي. فإنها لا تبطل؛ لأن تفريغ ذمة المدين بعد موته (٤) . كتفريغها قبله
стр. 3311
لوجود الشغل في الحالين كما لو كان حياً. ذكره الحارثي واقتصر عليه في
" الأنصاف ".
(وإن ردها) أى رد الموصى له الوصية (بعد موته) أى موت الموصي. (فإن كان) رده (بعد قبوله) للوصية: (لم يصح الرد مطلقاً) أى سواء قبضها أو لم يقبضها، وسواء كانب مكيلاً أو موزوناً أو غيرهما.
قال في " الفروع ": ولا رد بعد قبوله وفيه وجه فيما كيل أو وزن.
وقيل: وغيره. أنتهى.
قال في " الأنصاف ": لو ردها بعد قبوله وقبل القبض: لم يصح الرد مطلقاً عاى الصحيح من المذهب. انتهى.
ووجه ذلك: أن الموصى به دخل في ملك الموصى له بمجرد قبوله للوصية. فلم يملك رده؛ كرده لسائر ملاكه.
(وإلا) أى وإن لم يكن الراد للوصيه قد قبلها: (بطلت).
قال في " المغني ": لا نعلم فيه اختلافاً؛ لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه. فأشبه عفو الشفيع عن المشفعة بعد البيع.
ويحصل الرد بقوله: رددت الوصية، وقوله: لا اقبلها، وما ادى هذا المعنى.
قال أحمد: إذا أوصى لرجل بألف فقال: لا أقبلها: فهي لورثته (١) .
قال في " المغني ": يعني لورثة الموصي.
وقال أيضاً: وكل موضع صح الرد فيه فإن الوصية تبطل بالرد وترجع إلى التركة فيكون للورِّاث (٢) جميعهم، لأن الأصل ثبوت الحق لهم. وإنما خرج بالوصية. فإذا بطلت الوصية رجع إلى ما كا ن عليه. كان الوصيه لم توجد.
стр. 3312
ولو عين بالرد واحداًً وقصد تخصيصه بالمردود: لم يكن له ذلك وكان لجميعهم؛ لأن رده امتناع من تملكه. فيبقى على ما كان عليه.
ولأثه لا يملك دفعه إلى أجنبي فلم يملك دفعه إلى وارث يخصه به.
وكل موضع امتنع الرد لاستقرار ملكه عليه فله أن يخص به واحداًً من الورثة؛ لأنه ابتداء هبة. ويملك أن يدفعه إلى أجنبي فملك دفعه إلى وارث. فلو قال: رددت هذه الوصية لفلان. قيل له: ما اردت بقولك لفلان؟ فإن قا ل: أردت تمليكه إياها وتخصيصه بها فقبلها: اختص بها. وإن قال: أردت ردها إلى جميعهم ليرضى فلان: عادت إلى جميعهم إذا قبلوها. فإن قبلها بعفضهم دون بعض فلمن قبل حصته منها. انتهى.
(وإن امتنع) موصى له بعد موت الموصي (من قبول ورد) للوصية: (حكم عليه بالرد وسقط حقه) من الوصيه. قاله في " الكافي " وجزم به الحارثي وابن رجب في القاعدة العاشرة بعد المائة.
وقال في " الفروع ": وإن لم يقبل فكمتحجر مواتا. ثم قال. وإن طلبه وارث بأحدهما وأبى حكم عليه برد (١) .
وقيل: تنتقل بلا قبول كخيار. انتهى.
(وإن مات) الموصى لى (بعده) أى بعد موت الموصي (وقبل رد) للوصية (٢) ، (و) قبل (قبول) لها: (قام وارثه) أى وارت الموصى له (مقامه) في رد وقبول.
قال في " المقنع ": ذكره الخرقي.
قال في " الأنصاف ": هذا المذهب نصى عليه في رواية صالح. قاله (٣)
стр. 3313
المجد واختاره المصنف والشارح وغيرهما وجزم به في " الوجيز " وغيره. انتهى.
وعنه: تبطل الوصية.
قال في " المحرر ": ونقل عبد الله وابن منصور: تبطل الوصية.
قال في " الفروع " بعد أن قدم المذهب: وعنه تبطل. نصره القاضي وأصحابه.
ووجه المذهب: أن القبول حقٌ ثبت للموروث فينتقل إلى الوارث بعد موته؛ لقوله ﷺ : " من ترك حقا فلورثته " (١) . وكخيار العيب. ثم أن كان الوارث جماعة اعتبر الرد والقبول من جميعهم، وإن رد بعض وقبل بعض ترتب على كل منهما حكمه. وإن كان فيهم من هو محجور عليه تقيد وليه بفعل الأحظ.
стр. 3314
(فصل) في أحكام الرجوع في الوصية
وما يحصل به الرجوع وغير ذلك.
(وإن قال موصر) لغيره بشيء: (رجعت في وصيتي، أو) قال: (أبطلتها ونحوه) كردَّيتها وغيرتَّها وفسختها: (بطلت).
قال في " المغني ": أجمع أهل العلم على أن للوصي أن يرجع في جميع
ما أوصى به، وفي بعضه. إلا الوصية بالعتق. والأكثر ون على جواز الرجوع في الوصية به أيضاً. روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " يُغيِّر الرجل ماشاء من وصيته " (١) . وبه قال عطاء وجابر بن زيد والزهري وقتادة ومالك والشا فعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي: يغيّر منها ما شاء إلا العتق؛ لأنه إعتاق بعد الموت. فلم يملك تغييره؛ كالتدبير.
ولنا: أنها وصية. فملك الرجوع عنها؛ كغير العتق.
ولأنها (٢) عطية تتنجز بالموت. فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها؛ كهبة
ما يفتقر إلى القبض قبل قبضه.
وفارق التدبير فإنه تعليقٌ على شرط. فلم يملك تغييره؛ كتعليقه على صفة
في الحياة. انتهى.
(وإن قال) موصر (في موصى به: هذا لورثتي) أو في ميراثى، (أو) قال: (ما وصيت به لزيد فلعمرو: فرجوع)؛ لأن قوله لورثتي أو في ميراثي ينافي كونه وصية.
стр. 3315
ولأن قوله: ما وصيت به لزيد فلعمرو تصريح بالرجوع عن الأول، أشبه ما
لو قال: رجعب عن وصيتي لزيد وأو صيت لعمرو.
(وإن) وصى لإنسان بشيء ثم (وصى به لاخر ولم يقل ذلك) أى ولم يقل
ما وصيت به لفلان فهو لفلان: (فـ) الموصى به (بينهما) أى بين الموصى له به أوَّلاً وبين الموصى له به ثانيا، كما لو جمع بينهما في الوصية.
قال في " الفروع ": ولو أوصى به لعمرو ولم يرجع فبينهما.
وقيل: للثانى.
ونقل (١) الأثرم: يؤخذ بأخرا لوصية، وفي " التبصرة " للأول. انتهى.
(و) على المذهب (من مات منهما) أى من الموصى له بشيء أو لا والموصى له به ثانيا (قبل) موت (موصر) وتأخر الاخر عن (٢) موت الموصي وَقَبِلَ الوصيد، (أو) تأخر موتهما عن موت الموصي و (رد) أحدهما الوصية (بعد موته) أى الموصي وقبل الآخر: (كان الكل) أى كل الموصى به (٣) (للآخر) الذي قبل الوصية. دون صاحبه بعد (٤) موت الموصي.
قال في " الأنصاف ": قاله الأصحاب.
(لأنه اشتراك تزاحم)، كما لو أوصى لكل وأحد من اثنين بجميع ماله ومات أحدهما قبل موت الموصي، أو رد وقبل الاخر وأجيزت له الوصية: فإنه يأخذ جميع المال.
وإن وصى بثلثه ثم بثلثه لاخر.
قال في " الفروع ": فمتغايران. وفي الرد يقسم الثلث بينهما. انتهى.
(وإن باعه) أى باع الموصي الشيء الموصى به، (أو وهبه، أو رهنه، أو
стр. 3316
أوجبه في بيع، أو هبة) بأن قال لإنسان: بعتكه أو وهبتكه. (ولم يقبل) من قيل له ذلك (فيهما) أى في صورة إيجاب البيع أو إيجاب الهبة. (أو عرضه لهما) أى للبيع والهبة. (أو وصى ببيعه أو عتقه) أى عتق ما وصى به لإنسان من رقيقه بأن قال: أعطوه لزيد ثم قال: اعتقوه، أو ثم قال: هبوه لمن شئتم. وإلى ذلك أُشير بقوله:
(أو هِبَتِه، أو حرّمه عليه) أى على الموصى له به بأن يوصي الإنسان بشيء
ثم يقول: هو حرام عليه.
(أو كاتبه) أى كاتب الذي أوصى به، (أو دبره، أو) كان الموصى به زيتاً
أو قمحاً أو نحوهما فـ (خلطه بما لا يتميز) منه.
(ولو) كان الموصى به (صُبْرة) فخلطها (بغيرها أو أزال أسمه)؛ كما لو قال: أو صيت (١) لزيد بهذه الغرارة الحنطة (فطحن الحنطة) فصار اسمها دقيقا.
(أو) قال أو صيت (٢) لزيد بهذه الغرارة الدقيق فـ (خبز الدقيق) فصار يسمى خبزاً.
(أو) بهذا الخبزف (جعل الخبز فتيتاً.
(أو) وصى لإنسان بشيء من غزل فـ (نسج الغزل) فصار يسمى ثوباً.
وقمس على ذلك قوله: (أو عمل الثوب قميصاً أو ضرب النقرة دراهم أو ذبح الشاه أو بنى) الحجر أو الاجر الموصى به فصار حائطاً أو دارا أو نحو ذلك،
(أو غرس) نوى موصى به فصار شجراً، (أو نجر الخشبة) الموصى بها فصارت (باباً)، أو كرسيا أو دولاباً أو نحو ذلك، (أو أعاد داراً أو دمت، أو جعلها حماماً أو نحوه)، أو كان سفينة فتكسرت وصار اسمها خشبا: (فرجوع) في الجميع.
стр. 3317
أما إذا باع الموصى به أو وهبه أو تصدق به أو نحو ذلك، فلأنه إزالة ملك وذلك ينافي الوصية.
وأما الرهن: فلأنه (١) يراد للبيع.
وأما تعريضه بشيء (٢) من ذلك وأيجابه وإن لم يقع القبول " فلان ذلك دليل على اختيار الرجوع.
وأما وصيته ببيعه أو إعتاقه ونحوهما (٣) ؛ فلكونه وصى بما ينافي الوصية
الأولى.
وأما تحريمه (٤) على الموصى له؛ فلان الوصية له لو بقى حكمها لم يحرم عليه. ذكر مسألة التحريم في " الكافي " واقتصر عليه الحارثي ونصره، نقله في
"الأنصاف ".
وأما كون كلٍّ من الكتابة والتدبير يحصل به الرجوع، فلأن الكتابة بيع، والتدبير أقوى من الوصية لأنه يتنجز بالموت فيسبق أخذ الموصى له.
واما كون خلطه بما لا يتميز رجوعاً، فلان هـ يتعذر بذلك تسليمه.
وأما كون إزالة اسم الموصى به تكون رجوعا؛ فلأنه لم يبق الاسم متناولاً
له.
وإن كان أنهدام الدار لم يُزل اسمها سُلِّمت إليه.
وياً تي في المتن حكم المنهدم منها.
(لأ أن جحدها) أى جحد الموصي الوصية. فإن ذلك لا يكون رجوعاً؛
لأن الوصية عقد. فلا تبطل بالجحود؛ كسائر العقود.
стр. 3318
وقيل: بلى؛ لأن جحدها يدل على عدم إرادة وصول الموصى به إلى الموصى له (١) .
(أو آجر) الموصي العين الموصى بها، (أو زوج) الرقيق الموصى به،
(أو زرع) الأرض الموصى بها، (أو وطئ) الأمة الموصى بها (ولم تحمل) من وطئه، (أو لبس) الثوب الموصى به، (أو سكن موصى به) من دار أو بستان أو بيت شعر أو نحو ذلك: فإن ذلك كله لا يكون رجوعاً؛ لأن ذلك لا يزيل الملك ولا الاسم. ولم يمنع التسليم؛ كما لو غسل الثوب الموصى به، أو كنس الدار الموصى بها، أو علّم الرقيق الموصى به صنعة.
وقيل: أن وطء الأمة الموصى بها رجوع؛ لأنه يعرضها للخروح عن (٢) جواز النقل.
ورد: بأن الوطء أنتفاع لا يزيل الملك في الحال ولا يفضي إليه يقيناً. فأشبه لبس الثوب فإنه ربما أتلفه وليس برجوع.
(أو وصى) إنسان (بثلث ماله فتلف) ماله الذي كان يملكه (٣) حين الوصية بإتلافه أو غيره.
(أو باعه ثم ملك مالاً) غيره: لم يكن إتلافه ولا بيعه رجوعا في وصيته؛ لأنها بجزء مشاع من المال الذي يملكه حين الموت فلم يؤثر ذلك فيها.
(أو) كانت الوصية (بقفيز من صُبْره فخلطها) أى الصبرة (ولو بخير منها)
مما لا يتميز منه: فإن ذلك لا يكون رجوعا في الوصية؛ لأن القفيز كان مشاعاً وبقي على إشاعته.
وقيل: أن خلط الصبره بخير منها كان رجوعا؛ لأنه لا يمكنه تسليم الموصى إلا بتسليم خير منه. ولا يجب على الوارث تسليم خير منه.
стр. 3319
وأجيب: بأنه لا مانع من ذلك لأن خلطها بخير منها من فعل الموصي.
أشبه ما لو صفى الصبرة من غش كان بها.
(وزيادة مو صفي دار) بعد وصيته بها (للورثة)؛ لأن الزيادة لم توجد حين العقد. فلم تدخل في الوصية.
(لا المنهدم) من الدار قبل قبول الوصية فإنه يكون للموصى له (١) عند قبوله (٢) الوصيه؛ لأن المنهدم قد دخل في الوصية عند وجودها. فتبقى الوصية فيه ببقائه؛ كما لو أوصى له بكتاب فإنتقضت منه كراريس. فإنها تكون للموصى له بالكتاب.
وفي المساًلة قولٌ أن الزيادة والمنهدم للورثة. وقولٌ أن ما للموصى له.
(وإن وصى) إنسان (لزيد) بشيء (ثم قال) الموصي (أن قدم عمرو فله)
ما أو صيت به لزيد (فقدم بعد موت مو ص: فلزيد) أى فالموصى به لزيد دون عمرو؛ لأن الموصي لما مات قبل قدوم عمرو أنقطع (٣) حقه من الموصى به وإنتقل إلى زيد؛ لأنه لم يوجد إذ ذاك ما يمنعه. فلم (٤) يؤثر وجود الشرط بعد ذلك؛ كما لو علق إنسان طلاقاً أو عتقاً على شيء فلم يوجد إلا بعد موته. وقيل: بل يكون لعمرو.
وعلم مما تقدم أن عمراً لو قدم في حياة الموصي كان له.
قال في " الأنصاف ": بلا نزاع. انتهى.
ووجه ذلك: أنه جعله له بشرط قدومه. وقد وجد في حالة يعمل عمله فيها فعمل بمقتضاه.
ومتى كانت التبرعات في المرض أو الوصايا بزائد على الثلث ولم تجز الورثة
стр. 3320
الزائد تزاحمت في ثلث باقي المال بعد إخراج الواجب أن كان؛. كالدين ونحوه. وقد حكى القرطبي الإجماع على تقديم الدين على الوصية. الا ما حكي عن
ابي ثور أو قدمها عليه. حكاه العبدري. والحكمة في تقديمها بالذكر في؛ الأية أن الو صية لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض فكان في إخراجها مشقة؛ على الوارث فقدمت حثاً على إخراجها.
قال الزمخشري: ولذلك جيء بكلمة أو التي للتسوية، أى فيستويان في الاهتمام وعدم التضييع. وإن كان مقدماً عليها.
وقال السهيلي: لما كانت الوصيه طاعة وخيرا والدين غالبا ل منفعة وهو مذموم في غالب أحواله وقد تعوذ منه ﵇ (١) فبدأ بالأفضل.
وقال ابن عطية: الوصية غالبا تكون لضعاف فقوى جانبها بالتقديم في الذكر؛ لئلا يطمع ويتساهل فيها. بخلاف الدين.
ولما كان الواجب لا بد له من مُخرج أُشير إلى تبيينه (٢) بقوله:
(ويُخرج وصي) أو صي له أن يخرج الواجب. فإن لم يكن (فوار ث) جائز التصرف. فإن لم يكن أو ابى الوارث إخراجه (فحاكمٌ: الواجبَ) مفعول يخرج.
(ومنه) أى من الواجب (وصية بعتق في كفارة تخيير) ككفارة اليمين (من رأس المال) متعلق بيخرج يعني أو يجب إخراجه (ولو لم يوص به)؛ لقوله
стр. 3321
تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١١].
وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١٢].
ودين الله كدين الآدمي؛ لقوله ﷺ : " فدين الله أحق بالوفاء " (١) رواه البخاري والنسائي.
وحكم إخراج الأجنبى زكاة أو نحوها عن الميت بإذن وصيه أو وارثه كإخراج
الإذن.
(فإن وصى) الميت (معه) أى مع الوصية بإخراج (٢) الواجب أو مع ثبوت واجب عليه (بتبرع) من معين أو مشاعٍ (٣) (اعتبر الثلث) الذي يخرج منه التبرعات (من) المال (الباقي بعد) إخراج الواجب. فلو كان المخلف أربعين وقد أوصى بثلث ماله وعليه دين عشرة فإنها تدفع أولاّ ثم يدفع إلى الموصى له بثلث المال عشرة لأنها ثلث الباقي بعد الدين.
(وإن قال) من أوصى بتبرع وعليه واجب: (أخرجوا الواجب من ثلثي: بُدِئَ) بالبناء للمفعول (به) أى بإخراج الواجب من الثلث؛ لأنه أنفرد عن الجرع بمزية الوجوب. وفائدة ذلك مزاحمة الواجب لصاحب التبرع في الثلث.
وحيث أخرج الواجب من الثلث وفضل منه شيء (فما فضل منه فلصاحب التبرع).
ومحل ذلك أن لم يفضل شيء عما أوصى له به؛ كما لو وصى لإنسان بثلث
ماله ثم قال: أخرجوا الواجب من ثلثي.
стр. 3322
(وإلا) أى وإن لم يفضل شيء من الثلث بعد إخراج الواجب منه: (بطلت) الوصية بالتبرع؛ كما لو رجع عنها.
وعبارة " الفروع " في هذه المسألة: ويخرج وصيه ثم وارثه لا حاكم في المنصو ص ثم حاكم الواجب، كحج وغيره. ومثله (١) وصيته بعتق في كفارة تخيير من رأس ماله، وتبرعه من ثلث بافيه.
ونقل إبراهيم: في حج لم يو صبه وزكاة (٢) وكفارة: من الثلث.
ونقل عنه: من كله مع علم ورثته.
ونقل عنه: في زكاة من كله مع صدقة.
وعنه: تقدم الزكاة على الحج.
ونقل ابن صدقة فيمن أو صت في مرضها لزوجها بمهرها: هذه وصية لوارث
لا تجوز إلا بأجازة الورثة. قيل: فأوصت وهي صحيحة. [فقال: أن كانت صحيحة] (٣) جاز. قال الله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ … ) الآية] النساء: ٤].
فإن أخرجه من لا ولاية له من ماله بإذن اجزأ وإلا فوجهان.
وفي " الخلاف ": وقد قيل له: لا يجوز إخراج الزكاة حيا بلا أمره فكذا (٤)
بعد موته كالأجنبي. فقال: لا نسلم أن الأجنبي لا يجوز إخراج الزكاة عنه بعد موته؛ لقوله في رواية حنبل: لا يعجبني يأخذ دراهم ليحج بها إلا أن يكون متبرعا بحج عن أبيه وأمه (٥) وأخيه. وإن سلمنا ذلك فالمعنى في الأجنبي أنه لا يخلف الميت بخلاف الوارث (٦) .
стр. 3323
فإن قال: أدوا الواجب من ثلثي.
وقيل: أو قال حجوا وتصدقوا (١) بُدئ به، فإن نَفَذَ (٢) ثلثه سقط تبرعه.
وقيل: يتزاحمان فيه وباقي (٣) الواجب من ثلثيه (٤) .
وقيل: من رأس ماله فيدخله الدور.
فلو كان المال ثلاثين (٥) والتبرع عشرة والواجب عشرة: جعلت تتمة الواجب شيئاً يكن (٦) الثلث عشرة إلا ثلث شيء بين الواجب والتبرع للواجب خمسة إلا سدس شيء فاضمم (٧) الشيء إليه يكون خمسة وخمسة أسداس شيء يعدل الواجب عشرة فيكون الشيء ستة للتبرع أربعة. وإن شئت خذ حصة الواجب من الثلث ثم أنسب كلا من حصة التبرع والورثة من الباقي فخذ منهم تتمة الواجب بقدر النسبة، أو أنسب تتمته من الباقي وخذ بقدرها. أنتهت. وإنما سقتها لما فيها من الفوائد.
стр. 3324
[باب: حكم الموصى له]
هذا (باب) حكم (الموصى له) ونحو ذلك.
(تصح الوصية) من كل من تصح وصيته (لكل من يصح لمليكه: من مسلم وكافر).
قال في " التنقيح ": مطلقاً أن كان معيناً وإلا فلا. قطع به الحارثي وغيره. انتهى.
فلأجل ذلك قلت: (معين).
وقوله مطلقاً: يشمل الكافر الحربي والمرتد فلأجل ذلك قلت: (ولو مرتداً
أو حر بياً).
وعبارته في " الفروع ": تصح لمن يصح تمليكه (١) ولأهل الذمة. ذكره القاضي وغيره. والمذهب ولحربي كالهبة إجماعاً.
وفي " المنتخب ": تصح لأهل الذمة ودار الحرب. نقله ابن منصور. انتهى.
فالوصية لعامة النصارى أو نحوهم لا تصح على مقتضى ما ذكره الحارثي ومن تابعه. وتصح على ظاهر نقل ابن منصور وكلام القاضي. ولم يحك في " الأنصاف " ما نقله في " الفروع " عن القاضي. فيحتمل أنه لم يعده قولاً لحمله إطلاقه على ما قيده الحارثي. والله اعلم.
والأصل فى جواز وصية (٢) المسلم للذمي قوله تعالى: (إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) [الأحزاب: ٦].
стр. 3325
قال محمد بن الحنفية وعطاء وقتادة: أن ذلك هو وصية المسلم لليهودي.
قال في " المغني ": وروي أجازة وصية المسلم للذمي عن شريح والشعبي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأى ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. انتهى.
قال في " الأنصاف " بعد أن ذكر أنه تصح وصية المسلم للذمي: بلا نزاع.
وكذا الحربي (١) . نص عليه. والمرتد على الصحيح من المذهب. انتهى.
وفي المرتد وجه: لا تصح الوصية له بناء على زوال ملكه بردته. ذكره ابن
رجب في الفائدة السادسة عشر.
قال في " الأنصاف ": وصحح الحارثي عدم البناء. انتهى.
وقال ابن أبي موسى: لا تصح لمرتد لأن ملكه غير مستقر ولا يرث ولا يورث. وفي الحربي أيضاً وجه: أو لا تصح الوصية له. ذكره في " الرعاية ". وفصل الحارثي فقال: والصحيح من القول أو إذا لم يتصف بالقتال والمظاهرة (٢) صحت، وإلا لم (٣) تصح. نقله عنه في " الأنصاف ".
وقد استدل أبو حنيفة على عدم صحة الوصية للحربي
بقوله تعالى:
لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ....... ) إلى قوله: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ … ) الآية [الممتحنة: ٨ - ٩].
وأجاب عن ذلك في " المغني " بأن الأية حجة لنا فيمن لم يقاتل. فاً ما المقاتل فإنما نهى عن توليه لا عن بره والوصية له (٤) . وإن احتج بالمفهوم فهو لآ يراه حجة. ثم قد حصل الإجماع على جواز الهبة للحربي. والوصية في معناه. انتهى جوابه في " المغني ".
стр. 3326
قال في " المبدع ": ويستثنى من الوصية لكافر ما إذا أوصى له بمصحف أو
عبد مسلم أو سلاح أو حد قذف فإنها لا تصح (١) انتهى.
واما إذا وصى لكافر بعبد كافر فأسلم قبل موت الموصي: بطلت الوصيه.
وإن أسلم بعد الموت وقبل القبول: بطلت أيضاً على الصحيح من المذهب
من كون الملك لا يثبت إلا بالقبول، لأنه لا يجوز أن يبتدئ الكافر ملكاً على مسلم. والله أعلم.
(و) تصح وصية الإنسان (لمكاتبه ومكاتب وارثه) ما تصح لمكاتب (اجنبي) من الموصي، لأن مكاتب الإنسان معه في المعاملات كالأجنبي. فكذا في الوصية. ولا فرق في ذلك بين أن يوصي له بجزء مشاع من ماله (٢) " كثلثه وربعه. أو بشيء (٣) معين، كالثوب والفرس، لأن الورثة لا يستحقون المكاتب بموت مورثهم ولا يملكون ماله.
(و) تصح وصية الإنسان أيضاً (لأم ولده)، لأنها حرة عند لزوم الوصية.
و (كو صيته أن ثلث قريته) أو ربعها أو نحو ذلك (وقف عليها ما دامت على ولدها). نقله المروذي واقتصر عليه في " الفروع ". أى ما دامت حاضنة لولدها منه.
(وإن شُرط) في وصيته (عدم تزويجها ففعلت) أى فوافقت على ذلك (وأخذت الو صية ثم تزوجت: ردت ما أخذت)، لبطلان الوصيه بفوات شرطها.
قال في " الأنصاف ": قدمه ابن رزين في " شرحه " بعد قول الخرقي (٤)
وإذا أوصى لعبده بجزء من ماله.
стр. 3327
قال في " بدائع الفوائد ": قبل آخره (١) بقريب من كُرأسِّين: قال في رواية
أبي الحارث: ولو دفع إليها مالا- يعني إلى زوجته (٢) على أن لا تتزوج بعد موته فتزوجت ترد الما ل إلى ورثته.
قال في " الفروع " في باب الشروط في النكاح: وإن أعطته مالاً على أن
لا يتزوج عليها: رده إذا تزوج. ولو دفع إليها مالاً على أن لا تتزوج بعد موته فتز وجت: ردته (٣) إلى ورثته. نقله أبو الحارث. أنتهى.
فقياس (٤) هذا النص أن أم ولده ترد ما أخذت من الوصسية إذا تزوجت فتبطل الوصية بردها. وهو ظاهر ما اختاره الحارتي.
وقيل: لا تبطل كوصيته (٥) بعتق أمته (٦) على أن لا تتزوج فمات فقالت:
لا الزوج: عتقت.
فإذا تزوجت لم يبطل عتقها ولا واحداً عند الأكثر.
وقال الحارثي: ويحتمل الرد إلى الرق وهو الأظهر ونصره واطلقهما في
" الفروع " و" المغني " و" الشرح" و"" الرعاية الكبرى " والحارثى (٧) انتهى كلامه في " الأنصاف ".
والفرق بين رالوصية والعتق أن العتق لا يمكن رفعه بخلاف الوصية.
(و) تصح وصية الإنسان أيضاً (لمدبره)؛ لأنه يصير حراً عند لزوم الوصية. فصحت الوصية له؛ كأم الولد.
(فإن ضاق ثلثه) أى ثلث المخلف (عنه) أى عن نفس المدبر (وعن
стр. 3328
وصيته) أى لوصية له (بُدئ) بالبناء للمفعول من الثلث (بعتقه) أى قدم عتقه (١) على الوصية له؛ لأن عتقه أنفع له من الوصية.
وقال القاضي: يعتى بعضه ويملك من الوصية بقدر ما (٢) عتق منه.
ورد: بأنها وصية صحيحه لعبده. فيقدم عتقه على ما (٣) يحصل له من المال؛ كما لو وصى لعبده القن بمشاع من ماله.
(و) تصح وصية الإنسان (٤) (قنه) أى لرقيقه الذي ليس بمدبر ولا مكاتب
ولا أم ولد سواء كان ذكراً أو أنثى (بمشاع) من ماله (كلثلثه) وربعه ونحوهما. (و) تصح وصيته (٥) لقنه أيضا (بنفسه ورقبته) بأن يقول لقنه: أو صيت لك بنفسك أو برقبتك كما لو وصى له بعتقه.
(ويعتق) كله (بقبوله أن خرج) له (من ثلثه)؛ لأنه وصية لعبده بسدس (٦) ماله مشاعاً أونحو ذلك لدخل فيه نفس العبد فيملك الجزء الموصى به من نفسه بقبوله. فيعتق منه بقدره لتعذر ملكه لنفسه. ثم يسري العتق إلى (٧) بقيته أن حمله الثلث كما لو أعتق بعض عبده بل أو لى.
(وإلا) أى وإن لم يكن يخرج من الثلث إلا بعضه (فـ) يعتق منه (بقدره)
أى بقد ر ما يخرج من الثلث؛ لأن الوصي في الزائد على الثلث لا تنفذ إلا بأجازة (٨) الورثه ولم توجد. فلو ك أنت الوصية لقنه (٩) بثلث المال وقيمته مائة وله سواه خمسون عتق منه لصفه.
стр. 3329
(وإن كانت) الوصية (به) أى بالثلث (وفضل شيء) من الثلث بعد عتقه: (أخذه) المو صى له " كما لو كانت قيمته مائة وله سواه خمسمائة فإنه يعتق ويأخذ مائة " لأن ما يأخذه تمام الثلث المو صى له به.
وإن أوصى له بربع المال وقيمته مائة وله سواه ثمانمائة: عتق وأعطي مائة وخمسة وعشرين تمام الربع.
وفي " المحرر ": ويتخرج أن يعطى مائتين (١) تكميلاً لعتقه بالسراية من تتمة الثلث. انتهى.
قال شارحه: لأنه قد أوصى (٢) له بربع نفسه فعتق بالوصية. ويسري الباقي
على المعتق من بقية ثلثه. فقد عتق منه بالوصية خمسة وعشرون وله تمام الربع مائتأن. ولا اعتراض للورثة فيه لخروجه من الثلث لأن عتقه جميعه ووصيته ثلث المال وهو ثلاثمائة (٣) ، ويبقى لهم ستمائة وهي ثلثاه (٤) انتهى.
وإن كانت الوصية لقنه بجزء منه كثلثه وربعه وخرج كله من الثلث: عتق ما
وصى له به من نفسه.
وفي بقيته روايتان.
ولا تصح الوصية لقن نفسه (لا بمعين) لا يدخل فيه الموصى له، كالثوب والدار والفرس وقن سواه ومائة من ماله " لأنه إذا لم يدخل منه شيء فيما وصى له به: لم يعتق منه شيء.
وإذا لم يعتق منه شيء فإنه يؤول إلى الورثة، ويكون (٥) ما وصى له به لهم. فيصير كان الميت وصى لورثته بما يرثونه (٦) . فتلغو الوصية لعدم فائدة تترتب عليها.
стр. 3330
قال في " الأنصاف ": وإن وصى له بمعين أو بمائة لم يصح هذا المذهب.
قا له في " الفروع " وغيره. وصححه المصنف والشارح وغيرهما.
قال الزركشي: هذا المشهور من الروايات.
قال ابن رجب: أشهر الروايتين عدم الصحة. جزم به في " الوجيز " وغيره. أنتهى.
وعنه: تصح كالمشاع.
قال في الفوائد الملتحقة بـ " القواعد ": ومنهم من حمل الصحة على أن الوصية بقدر المعين أو المقدر من التركة لا بعينه فتعود إلى الجزء المشاع. قال (١) : وهو بعيد جداً. انتهى.
وعليها ما ذكره في " الكافي " أو يشتري العبد من الوصية فيعتق وما بقي فهو
له.
قال الزركشي: محافظة على تصحيح كلام المكلف ما أمكن. إذ تيم الوصية يستلزم ذلك. وبنى الشيرازي الخلاف على تمليكه. ثم قال: وعلى (٢) رواية الصحة تدفع المائة إليه. فإن باعه الورثه بعد ذلك فالمائة لهم.
قال في " الرعاية ": أن لم يشترطها المبتاع.
وعنه: تصح ويعطى ثلث المعين أن خرج معه من الثلث.
وعنه: منعها لقِنِّ زمنها. ذكره ابن عقيل.
(ولا) تصح وصية الإنسان (لقن) إنسان (غيره)؛ لأنه لا يملك على المذهب.
قال في " التنقيح ": وتصح لعبد غيره أن قلنا يملك، وإلا فلا. انتهى.
وهذا مخالف لكلامه في " الأنصاف " وعبارته قوله: وتصح لعبد غيره.