الثلث إلا أحدهما ولم تجز عتقهما الورثه. (ولا شيء له) أى لمن خرجت عليه القرعة (من الدراهم) الموصى بها ولو خرجت من الثلث؛ لأن الوصية بالدراهم المائتين وقعب لغير معين فلم تصح. نص على ذلك.
قال في " المغني ": نقلها صالح.
وقال في " المحرر ": نقله حنبل.
وعنه: هي له من الثلث
قال في " المحرر ": نص عليه في رواية صالح. واختاره (١) أبو بكر، ونسب ذلك في " المغني " للقاضي.
(ويصح) أن قال: (اعطوا ثلثي احدهما)؛ كما لو قال: أعتقوا أحد عبدي، (وللورثة الخيرة) فيمن يعطوه الثلث من الاثنين.
والفرق بين هذه المسألة وما قبلها: أن قوله: أعطوا ئلثِي أحدهما أمرٌ بالتمليك. فصح جعله إلي اختيار الورثة؛ كما لو قال لوكيله: بيع سلعتي من أحد هذين. بخلاف قوله: وصميب. فإنه تمليك معلقٌ بالموت. فلم يصح لمبهنم. قال في " الفروع ": ولو وصى بثلثه لأحد هذين أو قال: لجاري أو قريبي فلان باسم مشترك: لم يصح.
وعنه: يصح؛ كقوله: أعطوا ثلثي أحدهما في الأصح. فقيل يعينه الورثة. وقيل: بقرعة.
وجزم ابن رزين بصحتها لمجهول ومعدوم، وبهما.
وجزم الشيخ في " فتاويه " في الصورة الأولى بأنه لا يصح، واحتج به على أنه لا يصح رجوعه عن إحداهما (٢) . فعلى الأوَّلة لو قال: عبدي غانم حر بعد موتي
стр. 3362
وله مائة وله عبدان بهذا الاسم عتق أحدهما بقرعة ولا شيء له. نقله يعقوب وحنبل.
وعلى الثانية: هي له من ثلثه. اختاره أبو بكر. انتهى كلامه في
" الفروع ".
قال ابن قندس في " حواشي الفروع " عند هذه المسألة: قال المصنف في أصوله في العموم في مساً لة: يجوز أن يراد بالمشترك معنياه (١) . قال: ولم أجد خلافا عندنا لو وصى بثلثه لجاره أو قريبه فلان باسم مشترك: لم يعم. وهل مح الوصية أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد. فإن صحت فقيل تعيَّنه الورثة.
وقيل: يقرع.
ويتوجه العموم أن قيل به هنا، ويحتمل مطلقاً لعمومه (٢) بالإضافة ولا يتحقق مانع.
وقال القاضي علاء الدين البعلي في " قواعده " في قاعدة المفرد المضاف يعم: مقتضى القاعدة أو يصرف إليهما. يعني فيما إذا قال: وصيت لجاري محمد وله جاران بهذا الاسم. فقوله موافق للاحتمال الذي ذكره المصنف في أصوله. واعلم أنه يظهر لي أن ما قالاه ضعيف جداً، لأن العموم ارتفع بقوله محمد أو خالد مثلاًً وحيث ارتفع العموم تخصص لصاحب الاسم وذلك الاسم لا يعم كل من اسمه ذلك لأنه علم مشخّص فلا يتناول إلا شخصاً واحداً. وليس من قبيل المشترك لأن المشترك أن يكون اللفظ الوأحد معناه متعدد كالعين والقرء على ما ذى وه في تقاسيم (٣) الألفاظ، وأما العلم فإن معناه وأحد فالأشخا ص المسمى كل وأحد منهم بمحمد اسم كل وأحد منهم غير اسم الآخر ولكن الألفاظ متشابهة. فصار كأنه قال: أو صيت لشخص وأحد اسمه محمد وحصل الإبهام
стр. 3363
بمشابهة الألفاظ: فيبطل أو يعطاه واحد (١) على الخلاف. انتهى.
قال في " الأنصاف ": لو وصى بثلثه لأحد هذين أو قال لجاري أو قريبي فلان بإسم (٢) مشترك: لم تصح الوصية على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب.
وعنه: تصح كقوله: أعطوا ثلثي أحدهما في أصح الوجهين.
قال في " القواعد الأصولية ": فيما إذا قال: لجاري أو قريبي فلان باسم مشترك: أصح الروايتين عند الأصحاب لا يصح للإبهام (٣) . واختار الصحة في غير الأولى القاضي وأبو بكر في " الشافي " وابن رجب. انتهى.
وعبارة ابن رجب في القاعدة الخامسة بعد المائة: فاًما أن كان الإبهام في المملك فإن كان على وجه يؤول إلى العلم كقوله: أعطوا أحد هذين كذا: صحت الوصية كما لو قال (٤) في الجعالة: من رد عبدي فله كذا.
وإن كان على وجه لا يؤول إلى العلم كالوصية لأحد هذين ففيه روايتان. وعلى الصحة يميز بالقرعة. وهذه المسألة الأولى التي لم ينسب له فيها اختيار (٥) وقال بعد ذلك بنحو ورقة: ومنها الوصية لجاره محمد وله جارأن بهذا الاسم وله حالتان:
إحداهما: أن يعلم بقرينة أو غيرها (٦) أو أراد واحداً منهما معيناً وأشكل علينا معرفته فهاهنا تصح الوصية بغير تردد ويخرج المستحق منهما بالقرعة على قياس المذهب في اشتباه المستحق للمال بغيره من الزوجة المطلقة والسلعة المبيعة وغيرهما (٧) .
стр. 3364
والحالة الثانية: أن يطلق وقد يذهل عن (١) تعيين احدهما بعينه: فهي (٢) كالوصية لأحدهما مبهماً. ولذلك حكى الأصحاب في الصحة (٣) روايتين. ولكن المنصوص عن أحمد الصحة.
قال صالح: سألت أبي عن رجل مات وله ثلاث غلمان ثلاثتهم اسمهم (٤) فرج. فإنه أوصى عند موته فقال: فرج حر، وفرج له مائة، وفرج ليس له شيء. قال: يقرع بينهم فمن أصابته القرعة فهو حر. وأما صاحب المائة فلا شيء له وذلك أنه عبد والعبد هو وماله لسيده. وهذا يدل على صحة الوصية مع اشتراك الاسم؛ لأنه إنما علل البطلان هاهنا بكونه عبدا. فدل على أو لو كان حراً لا استحى (٥) .
وزعم صاحب " المغني " أن رواية صالح تدل على بطلان الوصية. وخالفه
صا حب " المحرر ".
ونقل حنبل: قال أبو عبد الله: في رجل له غلامان اسمهما واحد فإنه أوصى
عند موته فقال: فلان حر بعد موتي لأحد الغلامين، وله مائتا درهم، وفلان ليس هو حر، واسمهما واحد. قال: يقرع بينهما فمن أصابته القرعة فهو حر. وأما صاحب المائتين فليس له شيء. وذلك أو عبد والعبد وماله لسيده.
وهذه تدل (٦) على ما دلت عليه رواية صالح. لكن السؤال يقتضي أن الموصى له بالمائتين هو العتيق والجواب يدل على خلافه، ومن ثم زعم صاحب " المحرر " أنها تدل على بطلان الوصية للإبهام. وليس كذلك (٧) . لأنه إنما علل بكونه عبدا لم يعتق. وتاًولها القاضي وابن عقيل على أن الوصية لم تصح
стр. 3365
لكونه عبداً حال الأيصاء، ولا تكفي حريته حال الاستحقاق. وعلى هذا فلا تصح الوصية لأم الولد والمدبر وهو ضعيف جدا. وجواب أحمد يتنزل على أن الموصى له بالدراهم غير المعتق.
ونقل يعقوب بن بختان: أن أبا عبد الله سئل عن رجل له ثلاث غلمان اسم
كل وأحد منهم فرج. فقال: فرج حر ولفرج مائة درهم فقال: يقرع بينهم فمن خرج سهمه فهو حر. والذي أوصى له بالمائة لا شيء له لأن هذا ميراث.
وهذه الرواية من جنس ما قبلها حيث علل فيها ببطلان الوصية بكون العبد الموصى له ميراثاً للورثة. فهذه الروايات التامة التي ساقها الخلال في " الجامع " وكلها دالة على الصحة. وهو قول القاضي وساقها أبو بكر في " الشافي " على أن الموصى له بالدراهم هو المعتق وإن أحمد صحح الوصية له رواية صالح وأبطلها في رواية حنبل.
قال أبو بكر: وبالصحة أقول.
وفي " الخلال " أيضاً عن مهنا: أن أحمد قال في رجلين شهدا على رجل أو أوصى عند موته فقال: لفلان بن فلان من أصحاب فلان ألف درهم، أو أحالى بها، والشهود لا يعرفون فلان بن فلان. كيف (١) يصنعون وقد مات الرجل؟ فقال: ينظرون في أصحاب فلان فيهم فلان بن فلان في أصحاب فلان؛. قلت: فإذا جاء رجلان فقال: كل منهما أنا فلان بن فلان من أصحاب فلان. قال: فلا يدفع إليهم شيء حتى يكون رجل واحد.
والظاهر: أن أحمد لم يتوقف في الدفع إلا ليتيقن (٢) المستحق من غيره.
لا لصحة الوصية. فإنها هاهنا لمعينين في نفس الأمر. وإنما اشتبه علينا لاشتراك الاسمين. فلذلك وقف الدفع على معرفة عين المستحق إذا رجي أنكشاف الحال. وأما مع الأياس من ذلك فيتعين تعيين المستحق بالقرعة. فاله بعض أصحابنا المتقدمين وهو الحق. انتهى.
стр. 3366
ومن أجل هذه العبارة ذكر في " الأنصاف " أو (١) ممن اختار الصحة في غير المسألة الأولى وهي الوصية لأحد هذين.
وذكر ابن رجب أيضاً في " اخر القاعدة المذكورة عن الشيخ تقي الدين: أو أفتى فيمن وقف على أحد أولاد هـ وله عدة أولاد وجهل اسمه أو يميز بالقرعة. (ولو وصى) إنسان (ببيع عبده) المعين لمعين من اثنين؛ كما لو قال لوصيه: بعه (لزيد، أو) قال: بعه (لعمرو، أو) أبهم فقال: بعه (أحدهما: صح). وتكون الخيرة في الأخيره فيمن يبيعه إياه منهما للوصي؛ لأن الموصي جعل لوصيه (٢) تعيين ما شاء منهما والوصية ببيع شيء لمن يعينه الموصي أو وصيه في ذلك فيها غرض مقصود عرفا فصحت الوصية به. ثم هذا تارة يكون الغرض الإرفاق بالعبد بإيصاله إلى من هو معروف بحسن الملكة وإعتاق الرقاب، وتارة يكون الغرض الإرفاق بالمشتري لمعنى يحصل له من العبد. فلو تعذر بيع العبد لذلك الشخص أوأَبَى أن يشتريه (٣) بثمن عينه الموصي أو بقيمته أن لم يعين الثمن: بطلت الوصية.
(لا) الوصية ببيعه (مطلقاً) فإنها لا تصح؛ لأنها لا بد لها من مستحق،
ولا مستحق (٤) هاهنا.
(ولو وصى له) أى إنسان (بخدمة عبده سنة ثم هو) أى العبد بعد خدمته للموصى له سنة (حرِّ، فوهبه) أى وهب الموصى له بالخدمة العبد (الخدمةَ) عند ابتداء المدة (أو رد) الوصية بالخدمة: (عتق) العبد عتقا (منجزاً).
قال في " الفروع ": وذكر الشيخ لا. انتهى.
ولم يذكر في " المغني " القولط بتنجيز العتق مع هبة الخدمة للعبد أو رد الوصية إلا عن ملك.
стр. 3367
وعلم مما تقدم أنه لو خدمه بعض المدة ثم وهبه ما بقي منها أو يعتق بمجر
الهبة. (ومن وَّصى بعتق عبد بعينه، أو وقْفهْ: لم يقعْ) العتق أو الوقف (حتى ينجزّه وارثه)؛ لأن الوصي أمر بالفعل (١) في هذه الصورة فلم يقع إلا بفعل
المأمور أشبه التوكيل في العتق أوالوقف فإنه لا يقع حتى يفعله الوكيل. لكن هنا يلزم الماًمور أن يفعل لأنه (٢) تنفيذ وصي.
(فإن ابى: فحاكم). ويكون حراً أو وقفاً من حين أعتق أو وقف. وولأنه للموصي. (وكسبه) أى الموصى بعتقه أو وقفه (بين موت) أى موت الموصي (و) بين (تنجيز) لما أو صي به من العتق أو الوقف (إرثٌ) أى لا للمعتق (٣) ولا للموقوف عليه؛ لأن ذلك إنما يكون بالتنجيز فما قبله إرث.
وذكز جماعة في الموصى بعتقه أن كسبه بين موت سيده وبين تنجيز عتقه له.
ذكره في " الفروع " ثم قال: ويتوجه مثله في موصى بوقفه.
وفي الروضة: الموصى بعتقه ليس بمدبر وله حكم المدبر في كل أحكامه. انتهى
стр. 3368
[باب: احكام الموصى به]
هذا (باب) أحكام (الموصى به) وهو آخر أركان الوصية الأربعة. وهي: موص وصيغه وموصى له وموصى به.
و (يعتبر إمكانه) قاله في " الفروع ". (فلا تصح) الوصية (بمدِّبر) لعدم إمكأنه بحريته بموت الموصي. ولا بحمل امته الأىسة ولا بخدمة أمته الزِّمِنَة. (و) يعتبر أيضاً (اختصاصه) أى اختصاص الموصي بالموصى به.
قال في " الفروع ": وفي " الترغيب " وغيره: اختصا صه به.
(فلا تصح) وصية إنسان (بمال غيره ولو مَلَكَه بعدُ)؛ كما لو قال: أو صيت (١) لك بثلث مال زيد. فإن الوصية لا تصح ولو ملك الموصي مال زيد بعد الوصية؛ لفساد الصيغة حينئذ بإضافة المال إلى غيره.
(وتصح) الوصية (بأناء من ذهب و) بأناء (فضة)؛ لأنه مالٌ يباح الأنتفاع
به على غير هذا الوجه بأن يكسره ويبيعه، أو يغيره عن هيئته بأن يجعله حلياً يصلح للنساء، أو نحو ذلك. فصحت الوصية به؛ كالأمة المغنية.
(و) تصح الوصية أيضاً (بما يعجز) الموصي (عن تسليمه) لو كان واجباً
عليه حال الوصية؛ (كآبق) من رقيق، (وشارد) من دواب، (وطير بهواء، وحمل ببطن، ولبن بضرع)؛ لأن الوصية اجريت مجرى الميراث. وهذا يورث فيوصى به. وللوصي السعي في تحصيله. فإن قدر عليه أخذه إذا خرج من الثلث.
ولا فرق في الحمل بين أن يكون حمل أمة أو حمل بهيمة مملوكة؛ لأن الغرر
стр. 3369
لا يمنع الصحة. فجرى مجرى إعتاقه. ويعتبر وجوده في الأمة بما يعتبر به وجود الحمل الموصى له. وإن كان حمل بهيمة اعتبر وجوده بما يثبت به وجوده في سائر الأحكام.
(و) تصح الوصية أيضاً (١) بشيء (معدوم)؛ لأنه يجوز أن يملك بالسلم والمضاربة والمساقاة. فجاز أن يملك بالوصية؛ وذلك وصيته (٢) (بما تحمل أمته) ابداً، أو مدة معينة، (أو) بما تحمل (شجرله أبدا، أو مدة معينة) كسنة وسنتين ونحو ذلك.
ولا يضمن الوارث السقي؛ لأنه لم يضمن تسليمها. بخلاف مشتر.
(و) كوصيته (بمائة) من دراهم أو غيرها (لا يملكها) الموصي حال الوصية. وليس هذا من قبيل الوصية بمال غيره لأنه لم يضفها إلى ملك إنسان سواه.
إذا تقرر هذا (فإن حصل شيء) من نماء ما في ملكه (٣) مما أوصى به، (أو
قدر على المائة) التي لم تكن في ملكه، (أو) على (شيء منها عند موت) أى موت الموصي: (فله) أى فهو للموصى له به بمقتضى الوصية. (إلا حمل الأمة) الموصى له به (فـ) تكون له (قيمته).
- قال في " الفروع ": نص عليه. انتهى.
قال ابن قندس في " حواشي الفروع ": ولم أجد هذا النقل في غير هذا الكتاب. ولعل وجهه مراعاة عدم التفرقة بين ذوي الأرحام في الملك. أنتهى (٤) . (وإلا) أى وإن لم يحصل من ذلك شيء (٥) : (بطلت) الوصية؛ لأنها لم تصادف محلاً؛ كالوصية بتلثه ولم يخلف شيئاً. وتكون قيمة الولد مع رقه على
стр. 3370
مالك (١) الأمة. ومع حريته ورق الأمة كما لو وطئت بشبهة على واطئ. وإن لم تحمل حتى صا رت حرة لم يكن للموصى له شيء. والله أعلم.
(و) تصح الوصية أيضاً (بغير مال؛ ككلب مباح النفع. وهو كلب صيد وماشية وزرع).
وقيل: وبيوت.
(وجرو لما يباج اقتناؤه له) مما ذكر.
قال في " الفروع ": والأصح وتربية صغير لأحدها.
(غيرُ) كلبٍ (أسود بهيم)؛ لكونه لا يباج صيده ولا اقتناؤه.
ووجه صحة الوصية بذلك: أن فيه نفعاً مباحاً وتقر اليد عليه وتنتقل اليد فيه
إلى الورثة عند الموت. فصح نقلها إلى الموصى له.،
ومحل صحة الوصيةً (٢) أن كان للموصى كلب. (فإن لم يكن له كلب: لم تصح) الوصية. ولو قال: من كلابي أو من مالي؛ لأنه لا يصح شراء الكلب لأنه لا قيمة له. بخلاف ما لو أوصى بمتقومٍ أومثلي (٣) ليس في ملكه فإن الموصى له يشترى له ذلك من التركة.
قال في " الأنصاف ": أما أن كان عنده ما يصيد به ولم يصد به، [أو يصيد
به] (٤) عند الحاجه إلى الصيد، أو لحفظ ماشية أو زرع أن (٥) حصلا: فخلاف. قاله في " الفروع "،*
وذكره في " المغني " و" الشرح" احتمالين مطلقين. ذكره في البيع.
قلت: الذي يظهر أن ذلك كالجرو الصغير. وقدم في " الكافي " الجواز، وقدمه ابن رزين.
стр. 3371
وجعل في " الرعاية ": الكلب الكبير الذي لا يصيد به بل لهواً كالجرو الصغير.
وأطلق الخلاف فيه. وجزم بالكراهة في " أداب الرعايتين ".
وقال في " الواضح ": الكلب ليس مما يملكه.
وفي طريقة بعض الأصحاب إنما يصح لملك اليد الثابت (١) له؛ كخمر تخلل.
ولو مات من في يده خمر ورث عنه. فلهذا يورث الكلب نظراً إلى اليد حساً.
ثم قال: تقسم الكلاب المباحة بين الورثة .. قاله في " الرعاية ". والمو صى
له والمو صى لهما (٢) : بالعدد. فإن تشاحوا: فبقرعة.
ثم قال: لو أو صى له بكلب، وله- أى للمو صي كلاب.
قال (٣) في " الرعاية " له أحدها بقرعة. وجزم به ابن عبدوس في
" تذكر ته ".
وعنه: بل (٤) ما شاء الورثة. انتهى.
قلت: وهذا هو الصواب. وأطلقهما الحارثي. انتهى كلامه في "الأنصاف ". (وزيتٍ متنجس لغير مسجد)، لأن فيه نفعا مباحا. وهو جواز الاستصباج
قال في " التنقيح ": أن جاز الاستصباج به. انتهى.
والمذهب جوازه في غير المسجد.
(وله) أى للموصى له بالكلب والزيت (ثلثيهما) حتى (ولو كثر المال) المخلف عن المو صي.
стр. 3372
قال في " الأنصاف ": وهو المذهب. قدمه في " الرعايتين " و" الفروع "
و" الفائق " واختاره في " المحرر ". انتهى.
ووجه ذلك: أن للموصي حق اليد عليه. فلا يملك إزالة ذلك عن ورثته بالكلية؛ كسائر حقوقه.
ولأن هذا ليس بمال ولا يقابَل بشيء من ماله. فيعتبر بنفسه؛ كما لو لم يكن
له مال سواه.
وقيل: أن كان له مال سواه وإن قَلَّ فللموصى له كل الزيت؛ لأن المال وإن
قل خير من النجاسة. فيكون ذلك المال (١) للورثة في مقابلة الموصى به. جمعاً بين الحقين.
قال الحارثي: ويحتمل وجهاً ثالثاً وهو أن يضم إلى المال بالقيمه. فتقدر المالية فيه كتقديرها في الجزء في بعض الصور. ثم يعتبر من الثلث كأنه مال. قال: وهذا أصح. انتهى.
وإن وصى لشخص بثلث ماله ولاخر بكلابه أو بزيته المتنجس: فله ثلث ذلك
وجها واحداً؛ لأن ما حصل للورثة من ثلثي المال قد (٢) جازت الوصية فيما يقابله (٣) من حق الموصى له وهو الثلث. فلا يحتسب عليهم في حق الزيت أو الكلاب.
وعلم مما تقدم أن من أو صي له بثلاتة من الكلاب لم يكن له إلا وأحد منها.
ومحل ذلك (أن لم تجز الورثة) الوصية في جميعه؛ لأن الحق في الزائد
عن الثلث لهم.
و (لا) تصح الوصية (بما لا نفع فيه كخمر وميتة ونحوهما) كخنزير؛ لأن الأنتفاع بذلك محرم، فكانت الوصية به وصية بمعصية. فلم تصح؛ كما لو أوصى بأن يكفن في جلود الميتة.
стр. 3373
(وتصح) الوصية (بمبهم، كثوب). فإنه يشمل المنسوج من الصوف والقطن والكتان والحرير والمتروك على هيئته والمصبوغ والكبير والصغير ونسج كل بلد، لأن غاية ذلك أنه مجهول، وإذا صحت بالمعدوم فالمجهول أولى. (ويعطى) أى تعطي الورثة الموصى له بثوب (ما يقع عليه الاسم) أى اسم ثوب (١) ؛ لأنه اليقين.
(فإن اختلف) اسم الموصى به (بالعرف والحقيقة) اللغوية: (غُلَّبت)
بالتضعيف، والبناء للمفعول. يعني أنه يعمل بمقتضى الحقيقة مع مخالفة العرف لها (٢) " لأنها الأصل. ولهذا يحمل عليها كلام الله ، وكلام رسول الله ﷺ .
(فـ) على هذا تكون (شاة وبعير وثور) إذا وصي (٣) بوأحد منها متناولاً
(لذكر وإنثى)، ويتناول لفظ: الشاة الضأن والمعز والصغير بدليل قوله ﷺ : " في أربعين شاةٍ شاةٌ " (٤) .
والبعير بفتح الموحدة وكسرها في لسأن العرب للذكر والأنتى لقولهم: حلبت البعير يريدون الناقة. فالجمل في لسانهم كالرجل من بني آدم والناقة كالمرأة والبكرة كالفتاة. وكذلك القلوص والبعير كالإنسان. ذكره في " المغني ". وكذا الحكم في لفظ الثور.
ولا فرق في ذلك بين أن يقول: أو صيت له بثلاث أو بثلاثة من غنمي أو إبلي
أو بقري أو نحو ذلك. فلذلك قلت (مطلقاً).
وقيل: أن قال بثلاثة (٥) أو أربعة أو نحو ذلك مما اتصلت به الهاء فهو للذكور، وإن قال: بثلاث أو اربع أو نحوهما بدون هاء فهو للإناث.
стр. 3374
وقيل: يغلب العرف فتكون الشاة للأنثى، والبعير للذكر من الإبل، والثور للذكر من البقر؛ لأنه المتبادر إلى الفهم.
(وحُصان) بكسر الحاء المهملة (وجمل) بفتح الميم (١) وسكونها (وحمار وبغل وعبد: لذكر) فقط. لكن في العبد قول أنه للذكر والأنثى.
واستدل بكونه (٢) للذكر فقط بقول الله : (وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) [النور: ٣٢]. فإن المعطوف يغاير المعطوف عليه ظاهراً. ولأنه (٣)
في العرف كذلك. فإنه لا يفهم من إطلاق اسم العبد إلا الذكر. ولو وكله في شراء عبد لم يكن له شراء أمة. فلا تنصرف الوصية إلا إلى الذكر.
(وحِجْرْ) بكسر الحاء المهملة ثم بسكون الجيم واخرها (٤) راء. الأنثى من الخيل.
قال في " القاموس ": وبالهاء لحن. انتهى.
(وأتان): الحمارة. قال في " القاموس ": والأتانة قليلة. انتهى.
(وناقة وبقرة لأتتى). قاله في " الأنصاف ".-
(وفرس ورقيق: لهما). أى للذكر والأنثى ويكونان للخنثى أيضاً.
(والدابة اسم لذكر وإنثى من خيل وبغال وحمير).
قال في " الأنصاف ": هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب. وقطع به كثير منهم فتقيد يمين من حلف لا (٥) يركب دابة بها.
وفي " الترغيب ": وجه في وصيته بدابة يرجع إلى عرف البلد.
стр. 3375
وذكر أبو الخطاب في " التمهيد " في الحقيقة العرفيه: أن الدابة اسم للفرس عرفاً. وعند الإطلاق تنصرف إليه. وذكره في " الفنون " (١) عن أصولي. يعني نفسه. قال: لأن لها نوع قوة من الدبيب. ولأنه ذو كَرِّ وفرِّ. انتهى.
ووجه المذهب: أن الاسم في العرف يقع على جميع ذلك. لكن أن قرن به
ما يصرفه إلى أحدها؛ مثل أن قال: دابة يقاتل عليها أو يسهم لها (٢) أنصرف إلى " الخيل. وإن قال: دابة ينتفع بظهرها ونسلها خرج منه البغال؛ لأنه لا نسل لها وخرج منه الذكور لذلك.
(و) تصح الوصية أيضاً (بغير معين كعبد من عبيده) ولا يسميه، (ويعطيه الورثة ما شاؤوا منهم) أى من عبيده ..
قال في " المقنع ": في ظاهر كلامه.
قال في " الأنصاف ": وهو إحدى الروايتين. ونص عليه في روايه ابن منصور وهو المذهب. اختاره القاضي وابو الخطاب والشريف أبو جعفر في " خلافيهما " (٣) والشيرازي والمصنف وابن عبدوس في " تذكرته " وقدمه في " الرعايتين " و" الحاوى الصغير " وصححه في " النظم ".
وقال الخرقي: يعطى واحداً بالقرعة. وهو رواية عن أحمد. اختاره
ابن أبي موسى وصاحب " المحرر " وأطلقهما في " الفروع ".
وقال في " التبصرة ": هاتان الروايتان في كل لفظ احتمل معنيين. قال: ويحتمل حمله على ظاهرهما. انتهى.
ووجه المذهب: أنه يعطيه الورثة من عبيد الميت من صحيح أومعيب أو
جيد أورديء أوكبير أوصغير يتناوله اسم العبد. فاً جزأ؛ كما لو وصى بعبد ولم يضفه إلى عبيده.
стр. 3376
(فإن ماتوا) أى عبيد الموصي بعد موته (إلا واحد: تعينت) الوصية (فيه)؛ لتعذر تسليم الباقي.
(وإن قتلوا) كلهم بعد موته: (فله) أى فللموصى (١) له (قيمة أحدهم) الذي يختار الورثة أن يعطى للموصى له قيمته (على قاتل) له. كما يلزم (٢) القاتل قيمته وإن لم يكن موصى به.
(وإن لم يكن له) أى للموصي (عبد) حال الوصية (ولم يملكه) أى يملك
عبدا (قبل موته: لم تصح) الوصية؛ كما لو أوصى له بما في كيسه ولا شيء فيه. وتبطل إن ماتوا كلهم قبل موت الموصي؛ لأن الوصية إنما تلزم بالموت، ولارقيق له حينئذ.
(وإن ملك) من ليس له عبيد حين الوصية (عبداً واحداً) بعدها (٣) ، (أو
كان له) حين الوصية عبد واحد: (تعين) كونه للموصى له؛ لأنه لم يكن للوصية محل غيره.
(وإن قال) الموصي: (أعطوه عبداً من مالي، أو) أعطوه (مائة من أحد كيسيّ. و) الحال أنه (لا عبد له) في ماله (٤) في المسألة الأولى، (أو لم يوجد فيهما) أى في الكيسين (شيء) في المسأله الثانية: (اشتري له ذلك) الموصى به من مال التركة؛ لأنه لم يقيد ذلك (٥) بكونه في ملكه، وقد قصد أن يصل له من ماله (٦) ذلك الموصى به (٧) . وقد امكن ذلك بشرائه من الثلث. فنفذت الوصية.
стр. 3377
وقيل: إن مات قبل أن يملك عبداً أو يجعل في أحد الكيسين مائة: بطلت الوصية.
(و) من وصى لإنسان (بقوس) مبهم صحت الوصية؛ لما في القوس من المنفعة المباحة. ولأن جهالتها لا تنافي صحة الوصية.
(و) حيث تقرر ذلك فلو كان (له) أى للموصي (أقواس) منها: ما هو
(لرمي) بنشاب. وهي (١) القوس الفارسية. أو لرمي بنبل وهي القوس العربية. أو قوس بمجرى أو قوس زنبور أو جرج.
(و) منها ما هو لرمي (بندق) ويسمى قوس جلاهق.
قال في " القاموس ": الجلاهق كغلابط البندق الذي يرمى به. وأ صله بالفارسية جلة وهي كبة غزل والكبير جلها وبها سمي الحائك.
ومنها قوس (نَدْفٌ.
فله) أى للموصى له من ذلك (قوس النشاب؛ لأنها أظهرها. إلا مع صرف
قرينة إلى غيرها).
قال في " الأنصاف ": وهذا المذهب. صححه المصنف وغيره. وجزم به
في " الو جيز " وغيره وقدمه في " الفروع " و" الفائق " و" الرعايتين " و" الحا وي الصغير " و" النظم ".
قا ل الحارثي: وهو الأصح. انتهى.
وقيل: له مع عدم القرينة وأحد منها؛ كالوصية بعبد من عبيده.
وقيل: له وأحد منها غير قوس البندق.
وقيل: له قوس النشاب، أو النبل.
ومن أمثلة صرف القرينة عن قوس النشاب: لو كان الموصى له ندافاً (٢)
стр. 3378
لا عادة له بالرمي. أو كانت عادته رمي الطيور بالبندق: فإنه ينصرف في المسألة الأولى لقوس الندف.
وفي الثانية: لقوس البندق، لأن ظاهر حال الموصي أنه قصد نفعه بما جرت عادته بالأنتفاع به.
وعلم مما تقدم: أنه لو لم يكن له إلا قوس واحدة من هذه القسيَّ: تعينت
الوصية فيها. وإن كان عنده أقواس النشاب فللورثة أن يعطوه ما شاؤوا منها " كالوصية بعبد من عبيده.
(ولا يدخل وَتَرُها) أى وتر القوس في الو صية بقوس " لأن الاسم يقع عليها دونه. وفيه وجه: أنه يدخل، لأنه لا ينتفع بها إلا به.
(و) من وصى لإنسان (بكلب أوطبل) وله منها ما هو محرم كالكلب الأسود البهيم وطبل اللهو. (وثَمَّ) بفتح المثلثة (مباحٍُ) من الكلاب كالذي يجوزاقتناؤه، ومن (١) الطبول كطبل (٢) الحرب: (أنصرف) اللفظ (إليه) " لأن وجود المحرم كعدمه شرعا. فلا يشمله اللفظ عند الإطلاق.
وقيل: لا تصح الو صية بمباح ومحرم معا.
(وإلا) أى وإن لم يكن عنده كلب مباح ولا طبل مباح: (لم تصح)
الو صية " لأن الو صية بالمحرم معصية. ولعدم المنفعة المباحة فيه. فلو كان عنده طبل يصلح للحرب وللهو معا صحت الو صية به لقيام المنفعة المباحة فيه. وعلم مما تقدم: عدم صحة الو صية بالمزمار والطنبور ولو لم يكن فيه أوتار، لأنه مهيأً لفعل المعصية. أشبه ما لو كان فيه أو تار.
(ولو وصى) إنسان (بدفن كتب العلم: لم تدفن).
قال في " الفروع ": قاله أحمد. وقال: ما يعجبني.
ونقل الأثرم: لا بأس.
стр. 3379
ونقل غيره: تحسب من ثلثه.
وعنه: الو قف.
قال الخلال: الأحوط دفنها. انتهى كلامه في " الفروع ".
ووجه المذهب: أن العلم مطلوب نشره ودفنه مناف لذلك. والله أعلم.
(ولا يدخل فيه) أى في كتب العلم (أن وصى بها لشخص كتب الكلام).
قال في " الفروع ": قال ابن الجوزي أما من عنده أنه حكاية (١) عن الشافعي ولم يخالفه لو أن رجلاً وصى (٢) بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام: لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العلم. انتهى.
واقتصر على ذلك.
(ومن وصى بإحراق ثلث ماله: صح. وصرف في تجمير (٣) الكعبة) أى تبخيرها. (و) في (تنوير المساجد). ذكره ابن عقيل واقتصر عليه في " الفروع ".
(و) من أوصى بثلث ماله (في التراب) فإنه (يصرف فى تكفين الموتى).
قاله ابن عقيل وابن الجوزي واقتصر عليه في " الفروع ".
(و) من وصى بثلث ماله (في الماء): فإنه (يصرف فى عمل سفرللجهاد). قاله ابن عقيل وابن الجوزي واقتصر عليه في " الفروع ".
(وتصح) الوصية (بمصحف ليقرأ فيه)؛ لأن تلاوة القرآن قربة. فصحت الوصية بما يعين عليها؛ كالوصية بفرس يُغْزَا (٤) عليه. (ويوضع) المصحف الموصى به (بمسجد)؛ لأنه محل الطاعات، (أو موضع حريز) خشية أن يُسرق.
стр. 3380
(وتنفذ وصية) أى وصية الموصي بجزء مشاع من ماله كالربع والخمس (فيما علم من ماله وما لم يعلم).
قال في " الأنصاف ": جزم به في " المغني " و" الشرح" وغيرهما ولا أعلم
فيه خلافا. انتهى.
وقال في " المبدع " بعد أن ذكر المسألة في كلام " المقنع ": وعنه أن علم
به. وحكى ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وربيعة. إلا في (١) المدبر فإنه يدخل في كل شيء. والأنهل اشهر؛ لأن الوصية بجزء من ماله لفظ عام. فيدخل فيه ما لم يعلم به من ماله؛ كما لو نذر الصدقه بثلثه.
(فإن وصى) إنسان (بثلثه فاستحدب مالاً) بعد الوصية (ولو بنصب أُحْبُولة
قبل موته، فيقع فيها صيد بعده: دخل تحت ثلثه) أى ثلث المال المستحدب (٢) (في الوصية).
قال في " الأنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب. انتهى.
قال في " المحرر ": ومن وصى بثلث ماله تناول المتجدد (٣) والموجود،
وإن لم يعلم به.
وعنه: لا يتناول المتجدد. إلا أن يعلم به، أو يقول في وصيته بثلثي يوم أموت. أنتهى.
ووجه المذهب: أن المتجدد بعد الوصية ترثه ورثته.
(ويقضى منه دينه). أشبه ما لو ملكه قبل الوصية.
(وإن قتل) عمدا أو خطاً من أوصى بجزء من ماله أو من عليه دين (فأُخذت ديته: فميراث) أى فديته ميراب عنه. فتكون من جملة التركة.
قال في " الأنصاف ": وهو المذهب.
стр. 3381
قال (١) الإمام أحمد: قد " قضى النبي ﷺ أن الدية ميراث " (٢) انتهى.
فعلى هذا (تدخل) الدية (في وصية، ويقضى منها دينه) أى دين المقتول.
قال في " المغني ": اختلفت الرواية عن أحمد: فيمن أوصى بثلث ماله أو جزء منه مشاع، فقتل الموصي، وأخذت ديته. هل للموصي منها شيء أو لا؟ فنقل مهنا عن أحمد: أنه يستحق منها (٣) . وروي ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه في دية الخطأ. وهو قول الحسن ومالك.
ونقل ابن منصور عن أحمد: لا تدخل الدية في وصيته وروي ذلك عن مكحول وشريك وأبي ثور وداود وهو قول إسحاق.
وقال (٤) مالك: في دية العمد، لأن الدية إنما تجب للورثة بعد موت الموصي. بدليل أن سببها الموت فلا يجوز وجوبها قبله، لأن الحكم لا يتقدم سببه. ولا يجوز أن تجب للميت بعد موته " لأنه بالموت تزول أملاكه الثابتة له. فكيف يتجدد له ملك؟ فلا تدخل في الوصية " لأن الميب إنما وصى (٥) بجزء من ماله لابمال ورثته.
ووجه الرواية الأولى: أن الدية تجب للميت لأنها بدل نفسه ونفسه له فكذلك بدلها.
ولأن بدل أطرافه في حال حياته له فكذلك بدلها بعد موته. ولهذا تقضى منها
ديونه ويجهز منها أن كان قبل تجهيزه. وإنما يزول من أملاكه ما استغنى عنه. فاًما ما تعلقت به حاجته فلا.
ولأنه يجوز أن يتجدد له ملكٌ بعد الموت " كمن نصب شبكة فسقط فيها
стр. 3382
صيد بعد موته. فإنه يملكه بحيث تقضى ديونه منه ويجهز. فكذلك ديته؛ لأن تنفيذ وصيته من حاجته (١) فأشبهت قضاء دينه. انتهى.
قال في " الأنصاف ": تنبيه: مبنى الخلاف هذا على أن الدية تحدب على ملك الميت أوعلى ملك الورثة. وفيه روايتان.
والصحيح من المذهب: أنها تحدث على ملك الميت. أنتهى (٢) .
(وتحسب) الدية (على الورثة) أى (٣) ورثة المقتول (أن) كان (وصى بمعين بقدر نصفها) على أحد الوجهين المفرعين (٤) على الروايتين المتقدمتين.
قال في " المغني ": وإن كانت الوصية بمعين: فعلى الرواية الأولى يعتبر خروجه من ثلث ماله وديته، وعلى الأخرى يعتبر خروجه من أصل ماله دون ديته؛ لأنها ليست من ماله.
وفي الدية قول على أنها تركة ولا تدخل في الوصية.
قال في " الرعايتين " و" الحاوى الصغير " و" الفائق ": ودية المقتول عمداًً
أو خطاً تركة تقضى منها ديونه.
وفي وصيته وجهان.
ولو وصى بمعين قدر نصف الدية: فالديه محسوبة على الورثة من ثلثيه (٥) . وقيل: لا.
وعنه: ديته لهم. فلا حق فيها لوصية ولا دين.
وقيل: يقضى منها الدين فقط. نقله في " الأنصاف ".
стр. 3383
[فصل: في حكم الوصية بمنفعة]
(فصل. وتصح (١) الوصية (بمنفعة مفردة) عن الرقبة (٢) في قول الأكثر؛
لأنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة. فصحت الوصية بها؛ كالأعيان.
ولأن الوصية بالمنفعة (٣) هبة بعد الموت. فصحت في الحياة؛ كالمقا رنة.
وذلك (كـ) وصية الإنسان (٤) (بمنافع امته ابداً أو مدة معينة) كشهر وسنة.
قال ابن رجب في القاعدة السادسة والثمانين: وقد قال أحمد في رواية مهنا: فيمن أوصى بخدمة عبد أو ظهر دابة تركب أو بدار تسكن. فقال: الدار لا بأس بها، وأكره العبد والدابة لأتهما يموتان.
قال ابو بكر: الذي أقول به أن الوصية تصح في جميع ذلك؛ لأن الدار تخرب أيضاً.
وحمل القاضي كلام أحمد على الكراهة دون إبطال الوصية.
وقال الشيخ تقي الدين: لم يُرد أحمد أن الوصية لا تجوز إلا بما يدوم نفعه. فإن (٥) هذا لا يقوله أدنى من له نظر في الفقه فضلاً عن أن يكون مثل هذا الإمام. وإنما أراد أن العبد والدابة إذا وصى بمنافعهما على- التأبيد فلم يترك
стр. 3384
للورثة ما ينتفعون به. فلا يجوز أن يحتسب (١) ذلك عليهم من الميراث. فإنه لا فائدة في الرقبة المجردة عن المنافع. بل هو ضرر محض. وقد شرط الله لجواز (٢) الوصية عدم المضارة. لكن أن قصد الموصي أيصال جميع (٣) المنافع [إلى الموصى له فهذه وصية بالرقبة: فلا يحتسب على الورثة منها شيء، ولا يصح الأيصاء معها بالرقبة. وإن قصد مع ذلك بقاء الرقبة للورثة أو الأيصاء بها لآخر بطلت الوصية لامتناع أن يكون المنافع كلها لشخص والرقبة لآخر. ولا سبيل إلى ترجيح أحد الأمرين فيبطلان. أما أن وصى في وقت بالرقبة لشخص وفي اخر بالمنافع لغيره: فهو كما لو أوصى بعين لاثنين في وقتين. واستدل على أن تمليك جميع المنافع] (٤) تمليك للعين بالرقبى والعمرى.
فإنها تمليك للرقبة حيب كانت تمليكاً للمنافع في الحياة. وهذا المعنى منتف في الوصية بسكنى الدار؛ لأن هذا تمليك منفعة خاصة تنتهي بموت الموصى له وبخراب الدار فيعود الملك إلى الورثة كما يعود الملك في السكنى في الحياة. انتهى.
وإنما ذكرت هذا لكون ظاهر النص (٥) مشكل. فأردت ذكر ما أجيب به عنه. فاسترسل الكلام إلى ذكر (٦) اختيار الشيخ تقي الدين في المسألة. والله أعلم. (ويعتبر خروح جميعها) أى جميع الأمة (من الثلث).
قال في " الأنصاف ": وهو الصحيح. وهو ظاهر كلامه في " الوجيز " وصححه في " التصحيح " وقدمه في " الرعايتين " و" الحاوى الصغير " و" الفائق ". انتهى.
стр. 3385
ووجه (١) ذلك: أن المنفعة مجهولة لا يمكن تقويمها على أنفرادها. فوجب اعتبار جميع الموصى بمنفعتها (٢) .
وقيل: تقوم بمنفعتها ثم تقوم مسلوبة (٣) المنفعة فيعتبر ما بينهما.
وقيل: أن وصى بالمنفعة على التاًبيد أعتبرت قيمة (٤) الرقبة بمنافعها من الثلث؛ لأن عبداً لا منفعة له لا قيمة له.
وإن كانت الوصية بالمنفعة مدة معلومة اعتبرت المنفعة فقط من الثلث. (وللورثة) أى ورثة الموصي (ولو أن الوصية) بمنافع الأمة (أبداً عتقها) أى عتق الأمة الموصى بمنافعها؛ لأنها مملوكة لهم، ومنافعها للموصى له، ولا يرجع على معتقها بشيء. وإن أعتقها الموصى له بمنفعتها لم تعتق؛ لأن العتق للرقبة وهو لا يملكها.
وإن وهبها منافعها قبل عتق الورثة لها: فلهم الأنتفاع بها؛ لأن ما يوهب للرقيق يكون لسيده.
(ولا) يجزئ عتق الورثة لها (عن كفارة)؛ كما لا يجزئ عن ذلك عتق الزمنة.
وقيل: تجزئ كالمؤجرة.
(و) للورثة أيضاً (بيعها) من مالك النفع ومن غيره؛ لأنها أمة مملوكة تصح هبتها. فصح بيعها؛ كغير الموصى بنفعها.
وقيل: لا يصح بيعها إلا لمالك نفعها؛ لأنه تجتمع له الرقبة والمنفعة. فينتفع بها بذلك. بخلاف غيره.
وقيل: لا يصح بيعها مطلقاً؛ لعدم نفعها؛ كالحشرات.
стр. 3386
ورُدَّ قياسها على الحشرات بتحصيل الثواب بإعتاقها، وتحصيل ولائها
بالإعتاق.
ولأنه ربما يهبها الموصى له بالنفع نفعها فتكمل لمشتريها.
(و) للورثة أيضاً (كتابتها).
قال في " الفروع ": وفي كتابتها الخلاف. يعني الخلاف الذي في البيع. (ويبقى أنتفاع وصي) في مسألة البيع والكتابة (بحاله)، لأنه لا معارض
له.
(و) للورثة أيضاً (ولاية تزويجها بإذن مالك النفع).
أما كون ولآية تزويجها للورثة فلان هم المالكون لرقبتها.
وأما كون ذلك لا يكون (١) إلا بإذن مالك المنفعة " لما فيه من الضرر عليه. ويجب تزويجها بطلبها " لأنها لو طلبته من سيدها الذي يملك رقبتها ومنفعتها ولم يطاًها: أجبر عليه وقدم حقها على حقه. فهنا أو لى.
(والمهر له) أى لمالك النفع في كل موضع وجب، لأنه من منافعها. لكن
لما لم يجز أن يطأ الموصى له كان بدله له.
وقيل: لمالك الرقبة؛ لأن (٢) منافع البضع لا تصح الو صية بها " لأن تحريم الوطء بالوصية أو جب خرونجه من- الوصية. وإذا لم يكن الوطء داخلا في الوصية فكذلك بدله.
قال في " الأنصاف " عن الأول: أن المذهب. جزم به في " المنور " وغيره وقدمه في " المحرر " وغيره وصححه في " النظم " والحارثي وغيرهما.
قال في " الفائق ": هذا قول الجمهور. انتهى.
وأضافه في " المغني " و" المقنع " للأصحاب.
стр. 3387
(وولدهما) أى الموصى بنفعها (من شبهة: حرُّ) لاعتقاد الواطئ أو وطئ
في ملك. (وللورثة قيمته عند وضع على واطئ)؛ لأنه لما امتنع رقه وجب لمن كان له لو لم يمتنع رقه جبر ما فات من رقه. وإنما اعتبرت القيمة عند الوضع؛ لأنها لا تعلم قبل ذلك. فوجب اعتبارها بأو ل حالة تعلم بها.
(و) للورثة أيضاً (قيمتها أن قُتلت)؛ لأن الإتلاف صادف الرقبة وهم مالكوها.
(وتبطل الو صية) لفواب المنفعة ضمنا كبطلان الإجارة بقتل (١) الأمة
المستأجر ة.
وقيل: يشترى بقيمتها ما يقوم مقامها. اختاره جماعة.
[وقال في " الأنصاف ": عن الأول أن المذهب. صححه في " التصحيح " وغيره وجزم به في " الوجيز " وغيره] (٢) وقدمه في " المحرر " و" النظم " و"الرعايتين " و" الحا وي الصغير " و" الفر وع " وغيرهم.
(وإن جنت) الأمة الموصى بنفعها (سلمها وارث) أى ولي الجناية (أو فداها مسلوبة) أى بالأقل من قيمتها مسلوبة المنفعة أو أرش الجناية؛ لأنه إنما يفوت لو اقتص منها رقبة مسلوبة المنفعة. فلم يكن عليه أكثر من قيمتها كذلك. (وعليه) أى على الوارث (أن قتلها قيمة المنفعة) فقط (للوصيّ) أى للموصى له بمنفعتها. قاله في " الأنتصار " واقتصر عليه في " الفروع ".
وقال (٣) في " الأنصاف " بعد أن ذكر كلامه في " الأنتصار ": قلت: وعموم كلام المصنف وغيره من الأصحاب أن قتل الوارث كقتل غيره. انتهى. (وللوصي) أى الموصى له بمنفعتها (استخدامها حضراً وسفراً)؛ لأنه مالك لنفعها أشبه مستأجرها للخدمة.
стр. 3388
(وإجارتها)؛ لأنه يملك منفعتها ملكاً تاماً. فملك أخذ العوض عنها؛ كالأعيان. وكما لو كان مستأجراً لها.
(وإعارتها)؛ لأن من ملك إجارة عين لملكه لمنفقها ملك إعارتها.
(وكذا ورثته بعده).
قال في " الفروع ": ونفعها بعد الوصي لورثته. قطع به في " الأنتصار ".
وأنه يحتمل مثله في هبته نفيع داره وسكناها شهراً وتسليمها.
وقيل: لورثة الموصي. انتهى.
وعبارته في " الأنصاف " (١) : لو مات الموصى له بنفعها كانت المنفعة
لورثته على الصحيح من المذهب. جزم به [في " الأنتصار "] (٢) في الأجرة بالعقد. وقال: يحتمل مثله في هبة نفع داره وسكناها شهراً وتسليمها. وقدمه
في " الفروع ".
وقيل: بل لورثة الموصي.
قلت: وينبغي أن يكون الحكم كذلك فيما إذا مات الموصى له برقبتها أن
تكون الرقبة لوارثه. انتهى كلامه في " الأنصاف ".
(وليس له) أى للموصى له بنفع الأمة (ولا لوارث) أيضاً (وطؤها).
قال في " الأنصاف ": هذا المذهب وعليه الأصحاب، وقطع به كثير منهم.- وقال في " الترغيب ": في جواز وطء مالك الرقبة وجهان. انتهى.
ووجه المذهب: أن مالك المنفعة لا لملك رقبتها ولا هو بزوج لها.
ولا يباح الوطء بغيرهما؛ لقول الله تعالى: (إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المؤمنون: ٦].
ومالك الرقبة لا يملك الأمة (٣) ملكا تاما. بدليل أو
стр. 3389
لا يملك الاستقلال بتزويجها. بخلاف مالك الأمة المؤجرة.
(ولا حد به) أى بوطئها (على واحد منهما)؛ لأنه وطء شبهة لوجود الملك لكل منهما فيها (١) .
(وما تلده) من واحد منهما: فهو (حر)؛ لأنه من وطء شبهة.
(وتصير أن كان الواطئ مالك الرقبة) بما (٢) تلده منه (اأم ولد)؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه، وعليه المهر لمالك المنفعة دون قيمة (٣) الولد.
وإن ولدت من مالك المنفعة لم تصر أم ولد له " لأنه لا يملكها. وعليه قيمة
الولد يوم وضعه لمالك الرقبة.
(وولدها من زوج) لم يشترط حريته (أو) من (زنا: له) أى لمالك الرقبة.
قال في " الأنصاف ": قدمه في " المحرر " و" الفر وع " و" النظم " وجزم به
في " المنور ". وهذا المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة. انتهى.
ووجه ذلك: أو ليس من النفع الموصى به ولا هو من الرقبة الموصى بنفعها
فكان لمالك الرقبة.
وقيل: هو بمنزلتها؛ لأن الولد يتبع الأم في حكمها. أشبه ولد المكاتبة. وجزم بهذا القول في " الهدأىة " و" المذهب " و" مسبوك الذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة " و" الكافي " و" شرح ابن منجى " .. وقدمه في " الرعايتين " و" الحاوى الصغير " و" الفائق " و" الشرح ". نقل ذلك في
" الأنصاف ".
(ونفقتها) أى نفقة الموصى بنفعها (على مالك نفعها).
стр. 3390
قال في " الأنصاف ": وهو المذهب صمححه في " التصحيح ". واختاره المصنف والشارح وجزم به في " المنور " و" منتخب الأزجي " وقدمه في " الخلاصة " و" المحرر " و" النظم " و" تجريد (١) العنا ية ".
وزاد في " المغني ": وهو قول أصحاب الرأى والاصطخري. وهو أصح
أن شاء الله تعالى؛ لأنه يملك النفع على التاً بيد. فكانت النفقة (٢) عليه؛ كالزوج. ولأن نفعها له فكان عليه ضررها كالمالك لهما جميعا. يحققه (٣) : أن أيجاب النفقة على من لا نفع له ضررٌ مجرد. فيصير معنى الوصية: أو صيت لك بنفع أمتي وأبقيت على ورثتي ضرها ..
وقيل: على مالك الرقبة.
[قال في " الأنصاف "] (٤) : وهو الذي ذكره الشريف ابو جعفر مذهبا لأحمد (٥) . وجزم به في " الوجيز " وأبو الخطاب في " رووس المسائل " وابن بكروس وغيرهم. وعن القاضي مثله. وقدمه في " الرعايتين " و" الفائق " و" الحاوى الصغير ". انتهى.
قال في " المغني ": وهو قول أبي ثور وظاهر (٦) مذهب الشافعي "؛ لأن النفقة على الرقبة. فكانب على صاحبها؛ كالعبد المستأجر. وكما لو لم يكن لهامنفعة.
قال الشريف: ولأن الفطرة تلزمه. والفطرة تتبع النفقة. ووجوب التابع
على إنسان دليل على وجوب المتبوع عليه. انتهى.
وقيل: تجب نفقتها في كسبها. فإن عدم ففي بيت المال.
стр. 3391
(وإن وصى) مالك أمة (لإنسان برقبتها ولآخر بمنفعتها: صح)؛ لأن الموصى له برقبتها ينتفع بثمنها ممن يرغب في ابتياعها (١) وبعتقها وما يترتب عليه، والموصى له بالمنفعة بما ينتفع به لو (٢) لم يوص برقبتها.
(وصاحب الرقبة) أى الموصى له بها (كالوارث) يعني أنه يقوم مقامه (فيما ذكرنا).
قال في " المغني ": وإذا أوصى (٣) لرجل بحب زرعه ولآخر بنبته (٤) : صح والنفقة (٥) بينهما؛ لأن كل وأحد منهما تعلق حقه بالزرع.
فإن امتنع أحدهما من الأنفاق فهما بمنزلة الشريكين في أصل الزرع إذا امتنع أحدهما من سقيه والأنفاق عليه. فيخرج في ذلك وجهان:
أحدهما: يجبر على الأنفاق عليه. هذا قول أبي بكر؛ لأن في ترك الأنفاق ضرراً عليهما وإضاعة للمال. وقد قال النبي ﷺ : " لا ضرو ولا ضرار " (٦) .
و" نهى عن إضاعة المال " (٧) .
والوجه الآخر: لا يجبر؛ لأنه لا يجبر على الأنفاق على مال نفسه ولا مال
غيره إذا كان كل وأحد منهما منفردا. فكذلك إذا اجتمعا.
وأصل الوجهين: إذا استهدم الحائط المشترك فدعى أحد الشريكين الآخر
إلى مباناته فامتنع.
стр. 3392
وينبغي أن تكون النفقة بينهما على قدر قيمة حق كل واحد منهما كما لو كانا مشتركين في أصل الزرع.
وإن وصى لواحد بخاتم ولآخر بفصه: صح. وليس لواحد منهما الأنتفاع به
إلا بإذن صاحبه. وأيهما طلب قلع الفص من الخاتم أجيب إليه، وأجبر الآخر عليه. وإن اتفقا على بيعه أو اصطلحا على لبسه جاز لأن الحق لهما لا يعدوهما. وإن وصى لرجل بدينار من غلة داره وغلتها ديناران: صح. فإن أراد الورثة
بيع نصفها وترك النصف الذي أجره دينار: فله منعهم منه " لأنه يجوز أن ينقص اجره عن الدينار. وإن كانت الدار (١) لا تخرج من الثلث: فلهم بيع ما زاد عليه وعليهم ترك الثلث. فإن كانت غلته ديناراً أو اقل فهو للموصى له. وإن كانت أكثر فله دينار والباقي للورثة. أنتهى (٢) .
(ومن وصي له بمكاتب: صح)، لأنه يجوز بيعه. (وكان) الموصى به (كما لو اشتراه)، لأن الوصية تمليك اشبهت الشراء. ويعتبر من الثلث أقل الأمرين من قيمته مكاتباً أوما بقي عليه، لأنه أن كانت قيمته أكثر فهو لا يملك عليه سوى (٣) ما بقي من نجوم الكتابة. وإن كانت نجوم الكتابه أكثر وموصى (٤) له بالرقبة، ونجوم الكتابة لم تتعين لجواز أن يعجز المكاتب نفسه فلا يحتسب (٥) على الموصي ما لم يتحقق وجوده له. ف ن أدى عتق والولاء للموصى له به كمشتريه، وإن عجز عاد قناً له. وإن عجز في حياة الموصي: لم تبطل الوصية، لأن رقه لا ينافيها. وإن أدى إلى الموصي: عتق، وبطلت الوصية وإن كان الموصي قد قال: أن عجز ورق فهو لك بعد موتي ففيه وجهان. (وتصح) الوصية (بمال الكتابة)، لأنها (٦) تصح بما ليس بمستقر، كما
стр. 3393
تصح بما لا يملكه في الحال كحمل الجارية. وحينئذ للموصى له استيفاء المال عند حلوله، والإبراء منه (١) . ويعتق باً حدهما، والولاء لسيده؛ لأنه المنعم عليه.
وفي " الخلاف ": لا تصح الوصية بمال الكتابة والعقل؛ لأنه غير مستقر.
وعلى الأول إذا عجز فأراد الوارث تعجيزه وأراد الوصي (٢) أنظاره أو بالعكس: قُدِّم قول الوارث. ومتى عجز فهو عبد للوارث.
(و) تصح الوصية أيضاً (بنَجْم منها) أى الكتابة. والمراد مالها؛ لأن الوصية
إذا صحت بشئ صحت ببعضه. وللورثة مع إبهام النجم أن يعطوه أىَّ نجم شاؤوه. كما لو وصى بعبد من عبيده. وسواء كانت الوصية بذلك لأجنبي أو للمكاتب.
(فلو وصى بأوسطها) أى أو سط النجوم لأجنبى، (أو قال: ضعوه) عن المكاتب، (والنجوم شفع) كالأربعة والستة والثمانية: صحت الوصية، و (صرف) اللفظ (للشفع المتوسط؛ كالثانى. والثالب من أربعة. والثالث والرابع من ستة). والرابع والخامس من ثمانية.
قال في " الأنصاف ": قال في " القواعد الأصولية ": ذكره أبو محمد المقدسي وغيره. انتهى.
وعلم مما تقدم أن النجوم لو كانت وتراً كان النجم الأوسط (٣) من ثلاثة الثانى. ومن خمسه الثالب. ومن سبعة الرابع بلا إشكال.
(وإن قاك) الموصي (٤) : (ضعوا) عنه (نجماً: فما شاء وارث) من النجوم وضعه عنه.
(وإن قال): ضعوا (أكثر ما عليه، ومثل نصفه: وضع) عنه (فوق نصفه) أى نصف ما عليه. ووضع عنه أيضاً ("فوق ربعه) بشرط أن يكون مثل نصف الموضوع أوَّلاً.
стр. 3394
(و) إن قال: ضعوا عنه (ما شاء: فالكل) يجب وضعه إذا شاءه، وخرج
من الثلث.
(و) إن قال: ضعوا عنه (ما شاء من مالها): فيجب عليهم وضع (فما شاء منه. لاكلُّه)؛ لأن "من "للتبعيض.
وقيل: ليس عليهم أيضاً أن يضعوا الكل إذا شاءه في المسألة التي قبل هذه.
وإن قال: ضعوا عنه أكثر نجومه وهي متفاوته: أنصرف لأكثرها مالاً. (وتصح) الوصية (برقبته) أى برقبة المكاتَب (لشخص، و) الوصية
(لآخر بما عليه)، لأن كلاَّ من الرقبة والدين مملوك للوصي. (فإن أدى) ما عليه للموصى له به (عتق) وبطلت الوصية برقبته.
قال في " الأنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. انتهى. وقيل: لا تبطل ويكون الولاء له، لأنه أقامه مقام نفسه.
وكذا الحكم لو أبرأه من مال الكتابة الموصى له به.
(وإن عجز) عاد قِناً للموصى له برقبته، و (بطلت) الوصية (فيما عليه)
عند العجز. وما أخذه الموصى له بما عليه من مال الكتابة قبل عجزه: فهو له. ومتى اختلفا في فسخ الكتابة قُدم قول الموصى له بالرقبة، لأنه قائم مقام
الوارث.
وتصح مع فساد الكتابة الوصية برقبة المكاتب، وبما يقبضه. لا بما عليه،
لأنه لاشيءعليه.
(وإن وصى) إنسان (بكفارة أيمان فأقله ثلاثة).
قال في " الفروع ": نقله حنبل واقتصر عليه.
ووجه ذلك: أو أتى بلفظ الجمع. وأقله ثلاث.
стр. 3395
[فصل: في حكم تلف الموصى به]
(فصل. وتبطل وصيةٌ بمعيَّن، بتلفه) قبل موت الموصي. وكذا بعده قبل قبوله الوصية " لأن حق الموصى له لم يتعلق بغير العين. فإذا ذهبت (١) زال حقه بخلاف ما إذا أتلفه الوارث أوغيرَه ثم قبله الموصى له فإن على متلفه (٢) ضمانه له.
(وإن تلف المالُ كله غيره) أى غير الموصى به المعين، وكان تلف ما عداه (بعد موت موص فـ) الموصى به كله (للموصى له)، لأن حقوق الورثة لم تتعلق به لتعيينه للموصى له. بدليل أنه يملك أخذه بغير رضاهم.
قال أحمد: فيمن خلف مائتي دينار وعبداً (٣) قيمته مائة، ووصى لرجل بالعبد. فسرقت الدنانير بعد الموت: فالعبد للموصى له.
قال في " الأنصاف ": فهو للموصى له بلا نزاع. ويشكل عليه ذكر غيره للخلاف.
قالى في " الفروع ": وإن تلف غيره فللموصى له كله. ذكره الشيخ. وقال غيره: ثلثه أن ملكه بقبوله. ويشكل عليه كون الشيخ لم ينفرد بالقول المنسوب إليه. وإنما قاله تبعا لمن تقدمه (٤) . وعبارة الخرقي: وإن تلف المال كله (٥) إلا الموصى به فهو للموصى له. انتهى.
стр. 3396
(وإن لم يأخذه) أى يأخذ ألموصى له الموصى به (حتى غلا أو) حتى (نما) بأن صار إلى صفة زادت بها قيمته: (قُوِّم) بالبناء للمفعول أى (١) اعتبرت قيمة ما وصي به لتخرج من الثلث أو لا تخرج (حين موت) أى موت الموصي؛ لأنه حال لزوم الوصية.
قال في " الأنصاف ": وهذا المذهب مطلقاً نص عليه في رواية ابن منصور وقطيع به الخرقي والمصنف والشارح وغيرهم وقدمه في " الفروع " وغيره. انتهى.*
و (لا) يُقوّم حين (أخذ)، ولا يلتفت إلى ما زاد أو نقص من حين الموت
إلى حين الأخذ. والمراد بالأخذ هنا القبول.
وقال في " المحرر " بعد أن ذكر أن في حين أنتقال الملك إلى الموصي، ولمن يكون (٢) من حين الموت إلى حين القبول ثلاثة أقوال:
الأول: أنه إذا قبل الوصية تبينا أنه ملكه عقيب (٣) الموت.
والثانى: أنه من الموت إلى القبول ملك للوراث (٤) .
والثالث: أنه باقٍ على ملك الميت إلى حين قبول الوصية.
وعبارته بعد ذكر ذلك: وإذا تلف المو صى به قبل القبول: بطلت الوصية على الوجوه كلها. وإن تغير في سعر أو صفة: قُوِّم بسعره (٥) يوم الموت على أدنى صفاته من حين الموت إلى القبول، على الأول. وعلى الآخرين يعتبر وقت القبول سعراً وصفة. انتهى.
وعلى المذهب: إن كان الموصى به وقت الموت ثلث التركة أو دونه:
стр. 3397
نفذت الوصية، واستحقه الموصى له كله. فإن زادت قيمته بعد ذلك حتى صار معادلاً لسائر المال، أوأكثر منه، أو هلك المال كله سواه: فهو للموصى له لا شئ للورثة فيه. وإن كان حين الموت زائداً عن الثلث فللموصى له منه قدر ثلث المال. فإن كان نصف المال فللموصى له ثلثاه، وإن كان ثلثيه فللموصى له به نصفه، وإن كان نصف المال وثلثه فللموصى له خمساه. فلو وصى بعبد قيمته مائة وله مائتان، فزادت قيمته بعد الموت حتى صار يساوي مائتين: فهو للموصى له كله، وإن كانت قيمته حين الموت مائتين فللموصى له به ثلثاه؛ لأنه ما ثلث المال، وإن نقصت قيمته بعد الموت حتى صار يساوي مائة لم يزد حق الموصى له عن ثلثيه شيئاً. إلا أن تجيزه (١) الورثة، وإن كانت قيمته أربعمائة فللموصى له نصفه لا يزاد حقه عن ذلك سواء نقص العبد أو زاد، أو نقص المال أو زاد.
وعطية المريض أيضاً يعتبر خروجها من الثلث حين الموت.
نقل صالح: فيمن له ألف درهم وعبد قيمته ألف فاً عتق العبد في مرض موته، وأنفق الدراهم: عتق من العبد ثلثه. فاعتبر ما له (٢) حين الموت من العبد لا فيما قبله. فلما لم يكن له حين الموت إلا العبد لم يعتق منه إلا ثلثه، ولو لم يتلف الألف لعتق منه ثلثاه، ولو زاد ماله قبل موته حتى بلغ ألفين وتركهما مع العبد عتق كله، وإن تلف من التركة لشيء بفعل مضمون على الورثة حسب (٣) عليهم من التركة. قاله في " المغني ".
(وإن لم يكن لموص) بشيء معين (سواه) من المال (إلا دينٌ) في ذمة وسر أو معسر (٤) ، (أو) إلا مال (غائب) عن البلد: (فلمو صى له)
стр. 3398
بمعين (١) (ثلث موصى به). ويجب تسليمه إليه؛ لأن حقه فيه مستقر. ولا (٢) فائدة في وقفه؛ كما لو لم يخلف سواه.
وقيل: لا يُدفع إليه منه شيء، لأن الورثة شركاؤه في التركة. فلا يحصل له شيء ينتفع به ما لم يحصل للورثة مثلاًه مما (٣) يباج لهم الأنتفاع به. ولم يحصل لهم (٤) شيء (٥) ينتفعون به لأنه م لا يملكون التصرف في ثلثي المعين الموقوفين؛ لتعلق حق الموصى له.
وأجيب عن ذلك: بأن عدم الأنتفاع لا يمنيع نفوذ الوصية في الثلث المستقر. وإنما لم نمكنه من جميعه، لأنه ربما فات ما سواه فيسقط حقه مما عدا الثلث.
ولأن في إعطائه جميع المعين تعجيلاً لحقه. فيكون ظلماً في حق الورثة.
فياً خذ ثلث المعين الحاضر فقط.
(وكلما اقتضى) شيء من الدين (أو حضر شيء) من المال. الغائب: (ملك) الموصى له بالمعين (من موصى به قدر ثلثه) أى ثلث ما اقتضي أو حضر (حتى يتم) ملكه عليه. بأن يحصل من الدين أوالمال (٦) الغائب ما يقابل المعين مرتين. فلو خلف تسعة عيناً، وعشرين ديناً (٧) وابناء. ووصى بالتسعة لإنسان: وجب أن يسلم له من التسعة ثلاثة، وكلما اقتضي من الدين شيء فللوصي ثلثه. فإذا اقتضي ثلاثة (٨) له من التسعة واحد. وهكذا حتى يقتضى ثمأنية عشر. فيكمل له التسعة.
стр. 3399
وإن جحد الغريم الدين أو مات ولم يترك شيئاً: أخذ الابن الستة الباقية من العين.
(وكذا حكم مدين). قال في " الفروع ": ومثله المدبر. ذكره أصحابنا.
وفي " الترغيب ": فيه نظر. فإنه يلزم من (١) تنجيز عتق ثلثه تسليم ثلثيه إلى الورثة وتسليطهم عليهما ميع توقف عتقهما بحضور المال. وهذا سهو منه. قال وكذا إذا كان الدين على أحد أخوي الميت ولا مال له (٢) غيره. فهل يبرأ عن نصيب نفسه قبل تسليم نصيب أخيه؟ على الوجهين. انتهى كلامه في " الفروع ". فائدة:
قال في " المغني ": ولو وصى لرجل بثلث ماله، وله مائتان ديناً (٣) وعبد يساوي مائة، ووصى لآخر بثلث العبد: اقتسما ثلث العبد نصفين. وكلما اقتضي من الدين شيء فللموصى له بثلث المال ربعه، وله وللآخر من العبد بقدر ربع ما استوفي بينهما نصفين. فإذا استوفي (٤) الدين كله كمل للوصيين نصف العبد ولصاحب الثلث (٥) ربع المائتين. وذلك هو ثلث (٦) المال. وإن استوفي الدين قبل القسمة قسما بينهما كذلك: للموصى له بالثلث ربع المائتين وربع العبد، وللموصى له بثلث العبد ربعه؛ لأن الوصيتين أربعة أتساع المال، والجائز منها ثلث المال وهو ثلاثة أتساع. وذلك ثلاثة أرباع وصيتهما. فرددنا كل واحد منهما إلى ثلاثة أرباع وصيته. وهو ربع المال كله لصاحب ثلثه، وربع العبد لصاحب ثلثه.
وفي المسألة أقوال سوى ما قلناه (٧) تركناها لطولها. وهذا أسدها أن شاء الله
(٧)
стр. 3400
تعالى؛ لأننا أدخلنا النقص على كل وأحد منهما بقدر ما له في الوصية وكملنا لهما الثلث. وإن أجيز لهما أخذ كل وأحد منهما ما بقي من وصيته وهو ربعها فيكمل ثلث المال لصاحبه وثلمث العبد للاخر.
وإن خلف ابنين وترك عشرة عينا وعشرة دينا على أحد ابنيه وهو معسرفى (١) ، ووصى لأجنبي بثلث ماله: فإن الوصي والابن الذي لا دين عليه يقتسمان (٢) العشرة العين نصفين، ويسقط عن المدين ثلثا دينه، ويبقى لهما عليه ثلثه. فإن كانت الوصية بالربع قسمت العشرة العين بينهما أخماساً: للو صي (٣) خمساها أربعة، وللابن ستة، وسقط عن المدين ثلاثة أرباع دينه، وبقي عليه ربعه. فإذا استوفي (٤) قسم بينهما اخماساً كما قسم العين؛ لأن الوصية بالربع وهو ثمنان ويبقى سته أثمان [لكل ابن ثلاثة أثمان] (٥) . فصار نصيب الوصى والابن الذي لا دين عليه خمسة أثمان: للابن ثلاثة (٦) ، وللوصي سهمأن. فلذلك قسمنا العين وما حصل لهما من الدين بينهما أخماسا، وسقط عن المدين (٧) ثلاثة أرباع ما عليه؛ لأن له ثلاثة أثمان. وهي [ثلاثة ارباع] (٨) النصف الذي عليه. أنتهى. (ومن وصي له بثلث عبد) أو بثلث مكان أو نحوهما (فاستحق ثلثاه) أى
ثلثا الموصى بثلثه: (فله) الثلث (الباقي) الذي لم يخرج مستحقاً أن خرج من (٩) الثلث؛ لأن الباقي كله مو صى به، وقد خرج من الثلث. فاستحقه الموصى له؛ كما لو كان شيئاً معيناً.