الشرط (الخامس) من شروط صحة النكاح: (كفاءة زوج على رواية) وهي المذهب عند أكثر المتقدمين.
(فتكون) الكفاءة على هذه الرواية (حقاً لله تعالى) سبحانه، (ولها) أي: وللزوجة (ولأوليائها كلهم.
فـ) على هذه الرواية (لو رضيت) امرأة (مع أوليائها) أن تتزوج (بغير كفء: لم يصح) النكاح " لفوات شرطه.
(و) على هذه الرواية فالمعتبر وجودها حالة العقد، و (لو) وجدت حالته
ثم (زالت بعد عقد) لم ينفسخ، قيل لأحمد فيمن يشرب المسكر: يفرق بينهما؛ قال: أستغفر الله.
وحيث لم تنفسخ (فلها فقط) أي: دون أوليائها (الفسخ)، كعتقها تحت عبد. واحتج من اختار هذه الرواية بأن منعها تزويج نفسها، لئلا تضعها في غير كفء. فبطل العقد، لتوهم العار فهاهنا أولى.
ولأن لله (١) فيها نظرّا.
ولأن الولي إذا زوجها بغير كفء يكون فاسقاً.
(وعلى) رواية (أخر ى: أنها) أي: الكفاءة (شرط للزوم) أي: لزوم النكاح، (لا للصحة) أي: صحة النكاح. وهي المذهب عند أكثر المتأخرين.
قال في " المقنع ": وهي أصح.
قال في " الإنصاف ": قال في " الرعايتين ": وهي أولى للآثار. وقدمه
في " المحرر " و " الفروع ".
قلت: وهو الصواب الذي لا يعدل عنه. انتهى.
وهذا قول أكثر أهل العلم. ويدل له ما روت عائشة " أن أبا حذيفة بن عتبة
стр. 3922
ابن ربيعة تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار " (١) . رواه البخاري والنسائى وأبو داود.
وعن أبي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: " رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال " (٢) رواه الدارقطني.
فتزويج سالم وبلال امرأتين من قريش تدل على جوازه.
وقد " أمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد فنكحها بأمره " (٣) . متفق عليه.
ولأن الكفاءة حق لا يخرج عن المرأة وأوليائها. فإذا رضوا به صح " لأنه إسقاط لحقهم، ولا حجر عليهم فيه.
(فـ) على هذه الرواية (يصح) النكاح مع فقد الكفاءة.
(ومن لم يرض) بغير الكفؤ بعد أن يعقد: (من امرأة وعصبةٍ، حتى من يَحدث منهم (٤) الفسخ) أي: فسخ النكاح؛ لاشتراط رضى المرأة وجميع الأولياء؛ للزوم العقد على الأصح.
(فيفسخ) أي: فيملك الفسخ (أخ مع رضا أب)، لأن العار في تزويج من
ليس بكفؤ عليهم أجمعين.
(وهو) أي: خيار الفسخ لعدم الكفاءة (على التراخي)، لأنه خيار نقص
في المعقود عليه. أشبه خيار العيب.
стр. 3923
(فلا يسقط إلا بإسقاط عصبة، أو بما يدل على رضاها) أي: رضى الزوجة: (من قول و) من (فعل)؛ كما لو مكنته عالمة بأنه غير كفؤ. (والكفاءة) لغة المماثلة والمساواة، ومنه قوله ﷺ : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " (١) أي: تتساوى. فيكون دم الرفيع منهم؛ كدم الوضيع.
وهي هنا (دين، فـ) على الرواية الأولى (لا تزوج عفيفة) عن الزنا (بفاجر) وهو الفاسق؛ لأنه مردود الشهادة والرواية، وذلك نقص في إنسانيته فلا يكون كفؤاً لعدل. ويشهد لذلك قوله : ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وهدا صريح في نفي المساواة.
(ومَنْصِب، وهو: النسب فلا تُزوَّج عربية) من ولد إسماعيل؛ لأنه أبو العرب (بعجمي)؛ لأن عمر قال: " لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء " (٢) رواه الدارقطني.
ولأن العرب يعتدون الكفاءة في النسب ويأنفون من نكاح الموالي ويرون ذلك نقصاً وعاراً. فوجب اعتبار النسب لذلك.
(وحرية، فلا تُزوَّج حرة بعبد)؛ لأنه منقوص بالرق ممنوع من التصرف في كسبه، غير مالك له.
ولأن ملك السيد لرقبته لشبه (٣) ملك البهيمة. فلا يساوي الحرة لذلك.
(ويصح) النكاح (إن عتق) العبد (مع قبوله) النكاح؛ كما لو قال له
стр. 3924
سيده: أنت حر مع قبولك النكاح، أو يكون السيد وكيلاً عن عبده في قبول النكاح فيقول بعد إيجاب النكاح للعبد: قبلت له هذا النكاح وأعتقته.
قال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب صحته، لأنه لم يمض زمن بعد العقد يمكن الفسخ فيه.
قال في " الإنصاف " أما إن كان قد مسَّه رق أو أباه فالصحيح من المذهب جواز تزويجه بحرة الأصل. اختاره ابن أبي موسى والمصنف والشارح وغيرهم، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب في " الأنتصار " وقدمه في " الفروع ". قال في " الرعاية ": فلا تزوج به في رواية. انتهى.
(وصناعة غير زَريَّة) أي: دنيئة. (فلا تُزوج بنت بَزَّاز) أي: الذي يتجر
في البز وهو القماش (بِحجَّام) أي: بمن صناعته الحجامة، (ولا) تزوج (بنت تانىَ صاحب عقار بحائك)، ونحوه، كالكساح والدباغ؛ لأن ذلك نقص في عرف الناس. فأشبه نقص النسب. وقد جاء في حديث: " العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكاً أوحجاماً " (١) .
فيل لأحمد: وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟
قال: العمل عليه يعني: لأنه ورد موافقاً لأهل العرف.
(ويسارٌ بحسب ما يجب لها، فلا تُزَوَّج موسرة بمعسر)، لأن على الموسرة ضرراً في إعسار زوجها؛ لإخلاله بنفقتها، ومؤنة أولاده. ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة فكذلك إذا كان مقارناً.
ولأن ذلك نقصاً في عرف الناس يتفاضلون فيه؛ كتفاضلهم في النسب.
وإنما اعتبرت الكفاءة في الرجل دون المرأة؛ لأن الولد يشرف بشرف أبيه
لا بشرف أمه. فلا يعتبر ذلك في الأم.
وتزوج رسول الله ﷺ بصفيه بنت حيي وتسرى بالإماء وقال: " من كانت
стр. 3925
عنده جارية فعلمها وأحسن تعليمها وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران " (١) . متفق عليه.
قال في " الفروع ": وموالي بنى هاشم لا يشاركونهم في الكفاءة في النكاح. نقل الميمونى: مولى القوم من أنفسهم في الصدقة، ولم يكن عنده هذا كهذا في التزويج. ونقل مهنا: إنه كفؤ لهم. ذكرهما في " الخلاف ". وزاد الشافعية على ما سبق أن غير المنتسب إلى العلماء والصلحاء المشهورين ليس كفؤاً للمنتسب إليهما، وأن من به عيب مثبت للفسخ ليس كفؤاً للسليمة منه، وإن لم يثبت الفسخ، فلهم فيه وفي تأثير رق الأمهات وجهان، وأن الحائك ونحوه ليس كفؤاً لبنت الخياط ونحوه، ولا المحترف لبنت العالم، ولا المبتدع للسنية. انتهى.
***
стр. 3926
[باب: المحرمات في النكاح]
هذا (باب) يذكر فيه من يحرم نكاحهن وما يحرمه.
ثم (المحرمات في النكاح ضربان) أي: صنفان:
(ضرب) منهما يحرمن (على الأبد، وهن) أي: واللائي يحرمن على
الأبد (أقسام) خمسة:
(قسم) منها وهو الأول: اللائي يحرمن (بالنسب. وهن سبع: الأم) وهي الوالدة، (والجدة لأب) وهي أم الآباء وإن علت، (أو أم) أي: والجدة لأم وهي أم الأم وأم آبائها (وإن علت)؛ لقوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وأمهاتك: كل من انتسبت إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي ولدتك، أو مجازاً وهي التي ولدت من ولدك وإن علت. ومن ذلك جدتاك أم أمك وأم أبيك، وجدتا أمك، وجدتا أبيك، وجدتا جدتيك، وجدتا أجدادك وإن علون، وارثات [كن أو غير وارثات] (١) كلهن أمهات محرمات. ذكر أبو هريرة (٢) هاجر أم إسماعيل فقال رسول الله: " تلك أمكم يا بني ماء السماء ".
وفي الدعاء المأثور: " اللهم لِلَّهِ صلي على أبينا آدم وأمنا حوى ".
(والبنات) لصلب، (وبنات الولد وإن سفل)، وارثات كن أو غير وارثات كلهن بنات محرمات؛ لقوله : ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، حتى (ولو) كن (منفيات بلعان، أو) كن (من زنا)؛ لدخولهما في عموم اللفظ؛ لأن نفي المنفية باللعان لا يمنع احتمال كونها خلقت من مائه.
стр. 3927
وأما ابنته من الزنا؛ فلكونها خلقت من مائه. فحرمت عليه؛ كتحريم الزانية على ولدها من الزنا.
(والأخت من الجهات الثلاث) وهي الشقيقة والأخت لأب والأخت لأم؛
لقو له : (وَأَخَوَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣].
(وبنت لها) أي: للأخت، (أو) بنت (لابنها) أي: لابن الأخت،
(أو) بنت (لبنتها) أي. بنت الأخت؛ لقوله : (وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) [النساء: ٢٣].
(وبنت كل أخ شقيق) [أي: سواء كان شقيقاً أو لأب أو لأم، (وبنتها) أي: بنت بنت الأخ، (وبنت ابنها) أي: بنت ابن بيت الأخ؛ لقوله : ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾] (١) [النساء: ٢٣].
(وإن نزلن كلهن)؛ لدخولهن في عموم اللفظ.
(والعمة) من كل جهة (والخالة من كل جهة)؛ لقوله : وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣]. حتى (وإن علتا) أي: العمة والخالة؛ (كعمة أبيه، و) عمة (أمه، وعمة العم لأب)؛ لأنها عمة أبيه، (لا) عمة العم الذي هو عم (لأم)، لأنها أجنبية منه، (وعمه الخالة لأب)؛ لأنها عمة الأم، (لا عمة الخالة لأم)؛ لأنها أجنبية منه، (وخالة العمة لأم)؛ لأنها عمة الأم، (لا خالة العمة لأب)؛ لأنها أجنبية؛ لدخول من قلنا: يحرمن ممن ذكرنا في عموم لفظ العمات والخالات.
إذا تقرر هذا (فتحرم كل نسيبة، سوى بنت عم و) بنت (عمة، وبنت خال و) بنت (خالة).
القسم (الثانى) من المحرمات على الأبد: المحرمات (بالرضاع، ولو)
كان الإرضاع (٢) (محرماً؛ كمن غصب (٣) امرأة على إرضاع طفل)، لأن سبب
стр. 3928
التحريم لا يشترط كونه مباحاً، بدليل أن الزنا يثبت به تحريم المصاهرة، وكذا لو غصب لبن امرأة وسقاه طفلاً سقيا محرماً، فإن التي منها اللبن يحرم على هذا الطفل، وإن كانت طفلة فإنها تحرم على الرجل الذي ثاب هذا اللبن من الحمل الناشئ عن وطئه.
(وتحريمه) أي: تحريم الرضاع؛ (كـ) تحريم (نسب) يعني: أن كل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع؛ لما روى ابن عباس؛ أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة. فقال: إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم. وفي لفظ. من النسب ") (١) . متفق عليه.
وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب " (٢) . رواه أحمد والترمذي وصححه.
ولأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن في قوله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر المحرمات. فيدخل في هذا البنات، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات، وأخوات المرضعة وأمهاتها، وأمهات صاحب اللبن وأخواته، وكل امرأة من أنسابه، أو أنساب المرضعة؛ كعمته وعمتها وخالته وخالتها.
قال (٣) أبن البنا وابن حمدان وصاحب " الوجيز ". إلا أم أخته وأخت ابنه يعني: فلا يحرمن بالرضاع.
стр. 3929
وفيها أربع صور، ولهذا قيل: إلا المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه
من النسب، وإلا أم المرتضع وأخته من النسب لا يحرمان على أبي المرتضع [ولا ابنه الذي هو أخو المرتضع في الرضاع. والحكم الذي هو الإباحة صحيح في المسائل الأربع وهي أن أم المرتضع] (١) وأخته من الرضاع لا تحرمان على أبيه ولا أخيه من النسب، وأن أمه وأخته من النسب لا تحرمان على أبيه ولا أخيه من الرضاع. فالمسألتان اللتان استثناهما ابن البنا ومن تبعه هما من جملة الأربع. قال في " التنقيح ": لكن الصواب عدم الاستثناء " لأن إباحتهن لكونهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة، لا في مقابلة من يحرم من النسب، والشارع إنما حرم من الرضاع ما يحرم من النسب لا ما يحرم بالمصاهرة. انتهى.
وحيث تقرر أن تحريم الرضاع كتحريم النسب كان حلائل آبائه وأبنائه من الرضاع كحلائل آبائه وأبنائه من النسب، وإلى ذلك أشير بقوله:
(حتى في مصاهرة. فتحرم زوجة أبيه وولده من رضاع، كـ) ما تحرم عليه زوجة أبيه وولده (من نسب)، إلا أنه (لا) تحرم على الرجل (أم أخيه) من رضاع، (و) لا (أخت ابنه من رضاع). وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
القسم (الثالث) من المحرمات على الأبد: المحرمات (بالمصاهرة، وهن أربع) أي: المحرمات بالمصاهرة:
الأولى منهن: (أمهات زوجته وإن علون) من نسب ومثلهن من رضاع فيحرمن بمجرد العقد. نص عليه وهو قول أكثر أهل العلم " لقوله : ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والمعقود عليها من نسائه. فتدخل أمها في عموم الآية.
قال ابن عباس: " أبهموا ما أبهم القرآن " بمعنى: عموا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " من تزوج امرأة
стр. 3930
فطلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج ربيبته، ولا يحل له أن يتزوج أمها " رواه أبو (١) حفص بإسناده.
(و) الثانية والثالثة: (حلائل عمودي نسبه). وعمودا نسبه: آباؤه وأبناؤه وحلائلهم زوجاتهم. سميت امرأة الرجل حليلة؛ لأنها محل إزار زوجها، وهي محللة له.
(ومثلهن) أي: ومثل زوجات الآباء والأبناء من النسب زوجات الآباء والأبناء (من رضاع. فيحرمن) أي: زوجات الآباء وإن علو. فتحرم على الرجل امرأة أبيه، قريباً كان أو بعيداً، وارثاً كان أو غير وارث، من نسب أو رضاع؛ لقوله : ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢].
وسواء في هذا امرأة أبيه وامرأة جده لأبيه وجده لأمه، قرب أم بعد. ويحرم عليه أيضاً من وطئها أحد آبائه بشبهة أو ملك يمين.
قال ابن المنذر: الملك في هذا والرضاع بمنزلة النكاح والنسب.
قال في " شرح المقنع ": وممن حفظنا ذلك عنه عطاء وطاووس والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي ولا نحفظ عن أحد خلافهم.
ويحرم على الرجل أيضاً زوجة ابنه، وزوجة ابن بنته، وزوجة ابن بنت بنته، وزوجة ابن بنت ابنه ونحوهم، قربوا أو بعدوا، من نسب أو رضاع (بمجردعقد) في حلائل الآباء والأبناء.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم في هذا خلافاً.
(لا بناتهن وأمهاتهن) يعني: أنه لا يحرم على الرجل بنات حلائل آبائه وأبنائه ولا أمهات حلائل آبائه وأبنائه. فتحل له ربيبة والده وولده وأم زوجة
стр. 3931
والده وولده (١) ؛ لقوله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
(و) الرابعة: (الربائب، وهن: بنات زوجة دخل بها وإن سفلن) من نسب أو رضاع؛ لقوله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣].
(أو كُنَّ) بنات (لربيب، أو) كن بنات (ابن ربيبة) وسواء في ذلك القريبات والبعيدات، والوارثات وغير الوارثات، وسواء كن في حجره أو لا في قول عامة الفقهاء؛ لأن الربيبة لا تأثير لها في التحريم.
وأما قوله : ﴿فِي حُجُورِكُم﴾ [النساء: ٢٣] فإنه لم يخرج مخرج الشرط، وإنما وصفها بذلك؛ تعريفاً لها بغالب أحوالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه.
(فإن ماتت) الزوجة (قبل دخول) لم يحرمن بناتها على الأصح.
وعنه: يحرمن؛ لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق وفي العدة. فتقوم مقامه في تحريم الربيبة.
والأول قول علي وعامة الفقهاء؛ لقوله : ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا نص لا يُترك بقياس ضعيف.
(أو أبانَها) أي: أبان الزوجة (بعد خلوة وقبل وطء: لم يحرمن) أي: لم تحرم عليه بناتها على الأصح؛ لأن الخلوة لا تسمى دخولاً.
(وتحل زوجة ربيب) أبانها لزوج أمه.
(و) تحل (بنت زوج أم) لابن امرأته.
(و) تحل (زوجة زوج أم)؛ لقوله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
(و) تحل (لأنثى ابن زوجة ابن) أي: ابن زوجة ابنها، (وزوج زوجة
стр. 3932
أب) أي: وأن تتزوج زوج زوجة أبيها، (أو زوجة ابن) يعني: وأن تتزوج زوج زوجة ابنها؛ لأن الأصل في الفروج الحل، إلا ما ورد الشرع بتحريمه.
(ولا يحرَم) بتشديد الراء (في مصاهرة، إلا تغييب حشفه أصلية في فرج أصلي ولو دبراً)؛ لأنه فرج يتعلق به التحريم إذا وجد في الزوجة والأمة وكذلك في الزنا.
(أو) كان الوطء (بشبهة أو) كان (زناً بشرط حياتهما) أي: حياة الواطئ والموطوءة في الأصح. فلو أولج الرجل ذكره في فرج ميتة، أو أدخلت امرأة حشفة ميت في فرجها لم يؤثر في تحريم المصاهرة.
(و) بشرط) (١) (كون مثلهما بَطَأ ويُوطَأ) في الأصح. فلو أدخل ابن ست سنين حشفته في فرج امرأة، أو أدخل كبير حشفته في فرج بنت سبع سنين لم يؤثر في تحريم المصاهرة.
أما ثبوت تحريم المصاهرة بالوطء الحلال؛ فإجماع.
وأما بوطء الشبهة وبالزنا؛ فعلى الصحيح من المذهب.
قال في " الإنصاف ": ظاهر كلام الخرقي أن وطء الشبهة ليس بحلال ولا بحرام. فقال: ووطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة. وصرح القاضي في " تعليقه ": أنه حرام. انتهى.
ووجه كون وطء الحرام محرم: أنه لما كان الوطء يسمى نكاحاً بدليل قول الشاعر: إذا زنيت فأجد نكاحاً.
دخل في عموم قوله : ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢]. وفي الآية أيضاً قرينة تصرفه إلى الوطء وهي قوله : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً﴾ [النساء: ٢٢]، وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء.
ولأن ما تعلق من التحريم بالوطء المباح تعلق بالمحظور؛ كوطء الحائض.
стр. 3933
(ويحرم بوطء ذكر ما يحرم بـ) وطء (امرأة) على الأصح.
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب. انتهى. وهذا من مفردات المذهب، وهو قول الأوزاعي.
(فلا يحل) على هذا القول (لكل: من لائطٍ ومَلُوط به أمّ الآخر ولا ابنته) أي: ولا ابنه الآخر.
ووجهه: أنه وطء في فرج. فنشر الحرمة، كوطء المرأة.
وقال أبو الخطاب: يكون ذلك كالمباشرة فيما دون الفرج فيكون فيه الروايتان.
قال في " شرح المقنع ": والصحيح إن هذا لا ينشر الحرمة فإن هؤلاء غير منصوص عليهن، ولا هن في معنى المنصوص عليه. فوجب أن لا يثبت حكم التحريم فيهن فإن المنصوص عليهن في هذا حلائل الأبناء ومن نكحهن الآباء وأمهات النساء وبناتهن، وليس هؤلاء منهن ولا في معناهن. انتهى.
القسم (الرابع) من المحرمات على الأبد: المحرمة (باللعان) نصاً. (فمن لاعن زوجته ولو في نكاح فاسد، أو بعد إبانة لنفي ولد) في الأصح: (حرمت أبداً، ولو أكذب نفسه).
قال في " شرح المقنع ": أما إذا لم يكذب نفسه فلا نعلم أحداً قال بخلاف ذلك إلا قولاً شاذاً. انتهى.
قال في " الفروع ": وتحرم الملاعنة أبداً على الملاعن. نقله الجماعة.
وعنه: حلها بتكذيبه نفسه ذكره ابن رزين.
القسم (الخامس) من المحرمات أبداً: (زوجات نبينا ﷺ على غيره)، لقوله : ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
(ولو مَن فارقها) في الحياة، لأنها من زوجاته.
(وهُنَّ أزواجُه دنيا وأخرى).
стр. 3934
[فصل: في المحرمات إلى أمد]
(فصل. الضرب الثاني) من المحرمات في النكاح المحرمات: (إلى أمد. وهن) أي: المحرمات إلى أمد (نوعان:
نوع) منها حرم (لأجل الجمع. فيحرُم) الجمع (بين أختين)، سواء كانتا
من نسب أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة (١) ، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده، لعموم قوله : ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
(و) يحرم الجمع أيضاً (بين امرأة وعمتها أو خالتها وإن علتا من كل جهة
من نسب أو رضاع).
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به، وليس فيه بحمد الله اختلاف إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافاً وهم الرافضة والخوارج لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وهي ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجمعوا بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " (٢) . متفق عليه.
وفي رواية أبي داود: " لا تُنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى " (٣) .
стр. 3935
ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاء
ذلك إلى قطيعة الرحم المحرم (١) . فإن احتجوا بعموم قوله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، خصصناه بما روي من الحديث الصحيح.
(و) يحرم الجمع أيضاً (بين خالتين أو) بين (عمتين أو) بين (عمة وخالة). وصورة الجمع بين خالتين: أن يتزوج كل من رجلين بنت الآخر وتلد له بنتاً فالمولودتان كل واحدة منهما خالة الأخرى.
وصورة الجمع بين العمتين: أن يتزوج كل من رجلين أم الآخر وتلد له بنتاً فالمولودتان كل واحدة منهما عمة الأخرى لأم.
وصورة الجمع بين العمة والخالة: أن يتزوج الرجل امرأة ويتزوج ابنه أمها
وتلد كل واحدة بنتاًً من الابن خاله بنت الأب وبنت الأب عمة بن الإبن.
(أو) بين (امرأتين: لو كانت إحداهما ذكراً والأخرى أنثى حرُم نكاحه)
أي: نكاح الذكر (لها) أى: للأنثى، (لقرابة أو رضاع) أي: لأجل ما بينهما من القرابة، لأن المعنى الذي حرم الجمع من أجله إفضاؤه إلى قطيعة الرحم القريبة، لما في الطباع من التنافس والغيرة من الضرائر. وألحق بالقرابة الرضاع، لقوله ﷺ : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (٢) .
(لا) الجمع (بين أخت شخص من أبيه وأخته من أمه) ولو في عقدٍ واحد.
ذكره في " الرعاية " وغيره " لأنه لو كانت إحداهما ذكراً حلت له الأخرى. (ولا) الجمع (بين مُبانة شخص وبنته من غيرها ولو في عقد) واحد، لأنه
وإن حرمت إحداهما على الأخرى لو قدرناها ذكراً لم يكن تحريمها إلا من أجل المصاهرة، لأنه لا قرابة بينهما.
стр. 3936
قال في " الإنصاف ": لو كان لكل رجل (١) بنت، ووطئا أمة، فألحق ولدها بهما، فتزوج رجل بالأمة وبالبنتين: فقد تزوج أم رجل وأختيه. ذكره ابن عقيل واقتصر عليه في " الفروع ".
قلت: فيعايا بها، وقد نظمها بعضهم لغزاً. انتهى.
إذا تقرر هذا (فمن تزوج أختين أو نحوهما)؛ كامرأة وبنت أخيها أو بنت أختها (فى عقد) واحد، (أو) في (عقدين معاً) أي: في وقت واحد: (بطلا) أي: بطل العقدان في حق المرأتين؛ لأنه لا يمكن تصحيحه فيهما، ولا مزية لإحداهما على الأخرى فيبطل فيهما. وكذا لو تزوج خمس زوجات في عقد واحد فإنه يبطل في الجميع؛ لما تقدم.
(و) إن تزوجهما في عقدين (في زمنين: يبطل) عقد (متأخر)؛ لأن الجمع حصل به (فقط) أي: دون " العقد الأول؛ لأن الأول لا جمع فيه؛ (كواقع) أي: كما لو وقع عقد الأخت الثانية (في عدة) الأخت (الأخرى، ولو بائناً) أي: ولو كانت معتدة من خلع أو طلاق بائن، وكما لو تزوج خامسة في عدة رابعة أبانها.
(فإن جُهل) أسبق العقدين (فُسخا).
قال أحمد في رجل تزوج أختين لا يدري أيتهما تزوج أولاً: يفرق بينه وبينهما؛ لأن إحداهما محرمه عليه ونكاحها باطل ولا يعرف المحللة له فقد اشتبهتا عليه، ونكاح إحداهما صحيح، ولا يتيقن بينونتها منه إلا بفسخ نكاحهما. فوجب ذلك؛ كما لو زوَّج الوليان ولم يعرف الأول منهما.
قال في " شرح المقنع ": وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها فلا بأس، وسواء فعل ذلك بقرعة أو غيرها.
(ولإحداهما) أي: إحدى من لا يجوز الجمع بينهما إذا عقد عليهما في زمنين وجهل أسبقهما ولم يدخل بواحدة منهما (نصف مهرها بقرعة) بين
стр. 3937
الزوجتين لمن خرجت له. وإن أصاب واحدة منهما أقرع بينهما أيضاً فإن وقعت لغير المصابة فلها نصف المهر، وللمصابة مهر المثل بما استحل من فرجها، وإن وقعت للمصابة فلا شيء للأخرى، وللمصابة المسمى جميعه، وإن كان أصابهما فلإحداهما المسمى وللأخرى مهر المثل يقترعان عليهما.
(ومن ملك أخت زوجته، أو) ملك (عمتها، أو) ملك (خالتها: صح) ملكه لها؛ لأن الملك يراد للاستمتاع ولغيره، ولذلك صح شراء من لا تحل له؛ كأخته من الرضاع، (وحرُم أن يطأها) أي: أن يطأ التي ملكها (حتى يفارق زوجته وتنقضي عدتها)؛ لأن لا يكون جامعاً بينهما في الفراش، أو جامعاً ماءه في رحم أختين [أو نحوهما. وذلك لا يحل؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين " (١) ] (٢) .
(ومن ملك أختين، أو نحوهما)؛ كامرأة وعمتها أو خالتها (معاً) أي:
في عقد واحد: (صح) العقد.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافاً في ذلك. انتهى.
وكذا لو اشترى جارية ووطئها حل له شراء أختها وعمتها وخالتها، كما يحل شراء المعتدة من غيره والمزوجة مع كونهما لا يحلان له.
(وله وطء أيهما شاء) منهما؛ لأن الأخرى لم تصر فراشاً؛ كما لو كان في ملكه إحداهما وحدها.
(وتحرم به) أي: بوطء إحداهما (الأخرى). نص على ذلك أحمد في
وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٤٩) ٢: ١٧٠٢ كتاب الرضاع، باب تحريم الربيبة وأخت المرأة.
стр. 3938
رواية الجماعة؛ لعموم قوله : ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فإنه يريد بها العقد والوطء جميعاً، بدليل أن سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن والعقد عليهن.
ولأنها امرأة صارت فراشاً. فحرمت أختها؛ كالزوجة.
ويستمر التحريم (حتى يحرَّم الموطوءة) منهما (بإخراج عن ملكه، ولو ببيع للحاجة) إلى التفريق. قاله الشيخ تقى الدين وابن رجب.
(أو هبة أو تزويج بعد استبراء).
قال الخرقي: وإذا اشترى أختين فأصاب إحداهما لم يصب الأخرى، حتى
تحرم عليه الأولى ببيع أو نكاح أو هبة وما أشبههما، ويعلم أنها ليست بحامل منه. انتهى.
(ولا يكفي) في ذلك (مجرَّد تحريم)؛ لأن هذا يمين مكفرة ولو كان يحرمها، إلا أنه لعارض متى شاء أزاله بالكفارة فهو كالحيض والنفاس والإحرام والصيام.
(أو كتابةٍ) يعني: أنه لا يكفيه أن يكاتبها؛ لأنه سبيل من استباحتها بما
لا يقف على غيرهما.
(أو رهنٍ) يعني: أنه لا يكفيها أن يرهنها، لأن منعه (١) من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها. ولهذا يحل له وطؤها بإذن المرتهن في وطئها.
ولأنه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه.
(أو بيع بشرط خيار له) يعني: أنه لا يكفيه بيعها بشرط الخيار له؛ لأنه يقدر على استرجاعها متى شاء بفسخ البيع.
قال في " الوجيز ": فإن وطئ إحداهما لم تحل له الأخرى حتى تحرم " الموطوءة بما لا يمكن أن يرفعه وحده. وجزم به ابن عبدوس في " تذكرته "، فشمل كلامهما هذه الصورة، وشمل قوله في المتن: حتى تحرم الموطوءة
стр. 3939
بإخراج عن ملكه، ما لو خرج عن ملكه بعضها فإن ذلك محرم لها.
(فلو خالف) بأن لم يخرج الموطوءة ولا بعضها عن ملكه (ووطئ) الأخرى:) لزمه أن يُمسك عنهما) أي: عن الموطوءة أولاً والموطوءة ثانياً (حتى يحرم إحداهما، كما تقدم) في الأصح؛ لأن الثانية قد صارت فراشاً له يلحقه نسب ولدها. فحرمت عليه أختها؛ كما لو وطئها ابتداء.
واستدلال من قال: أن الأولى باقية على الحل بحديث: " إن الحرام لا يحرم الحلال " لا يصح؛ لأن الخبر ليس بصحيح، ويرد عليه إذا وطئ الأولى وطئاً محرماً كفي حيض أو إحرام أو صوم فرض فإن أختها تحرم عليه بذلك.
(فإن عادت) الأولى (لملكه ولو) كان عودها (قبل وطء الباقية: لم يُصِبْ واحدة) منهما (حتى يحرَّم) على نفسه (الأخرى).
قال (ابن نصر الله: إن لم يجب استبراء، فإن وجب: لم يلزم ترك الباقية فيه) أي: في زمن الإستبراء.
قال (المنقح: وهو) أي: ما قاله ابن نصر الله (حسن)؛ لأنها محرمة
عليه زمن الاستبراء.
ومثل ذلك: لو عادت إليه معتدة فإنه لا يلزمه ترك الباقية حتى تنقضي عدة
العائدة.
(ومن تزوج أخت سُرُيته ولو بعد إعتاقها زمن استبرائها: لم يصح) النكاح
على الأصح؛ لأن عقد النكاح تصير به المرأة فراشاً. فلم يجز أن يرد على فراش الأخت؛ كالوطء.
ولأن لوطئ مملوكته معنى يحرم أختها لعلة الجمع. فمنع صحة النكاح؛ كالزوجية. ويفارق ذلك صحة شراء أختها، فإن الشراء يكون للوطء وغيره. بخلاف النكاح، ولهذا صح شراء الأختين في عقد وشراء من لا تحل لمشتر برضاع أو غيره. بخلاف النكاح.
(وله) أي: وللمتسري (نكاح أربع سواها) أي: سو ى أخت سُريته.
(وإن تزوَّجها) أي: تزوج أخت سُريته (بعد تحريم السُرِّية واستبرائها، ثم
стр. 3940
رجعت إليه السُرِِّية) ببيع أو غيره، (فالنكاح) باقٍ (بحاله)؛ لأن النكاح صحيح وهو أقوى، ولا يحل له وطؤها حتى تبين الزوجة وتنقضي عدتها. (ومن وطئ امرأة بشبهة أو زناً: حرم في) زمن (عدتها نكاح أختها) وكذا عمتها وخالتها.
(و) كذا يحرم عليه (وطؤها: إن كانت زوجة أو أمة) له.
(و) حرم عليه أيضاً (أن يزيد على ثلاث غيرها) أي: غير الموطوءة بشبهة
أو زنا (بعقد) فإن (١) كان معه ثلاث زوجات لم يحل له أن يتزوج رابعة حتى تنقضي عدة موطوءته بشبهة أوزنا.
(أو وطء) يعني: أنه لو كان معه أربع زوجات ووطئ امرأة بشبهة أو زنا لم يحل أن يطأ أكثر من ثلاث منهن حتى تنقضي عدة موطوءته بالشبهة أو الزنا؛ لأن لا يجتمع ماؤه في أكثر من أربع نسوة.
(ولا يحل نكاح موطوءة بشبهة في عدتها)؛ كمعتدة من فراق زوج، (إلا من واطئ) على الأصح يعني: إلا أن يتزوجها واطئها بالشبهة؛ لأن المنع من نكاح المعتدة كونه يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وهو مأمون في هذه الصورة، فإن النسب كما يلحق في النكاح يلحق في وطء الشبهة. أشبه ما لو نكح معتدته من طلاق.
(لا إن لزمتها) أي: لزمت المعتدة من وطء الشبهة (عدة من غيره) أي:
من غير واطئها فلا.
(وليس لحر جمع) أي: أن يجمع (أكثر من أربع) أي: من أربع زوجات؛ لأن النبي ﷺ قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: " أمسك أربعاً وفارق سائرهن " (٢) .
وقال نوفل بن معاوية: " أسلمت وتحتي خمس نسوة، فقال النبي ﷺ :
стр. 3941
فارق واحدة منهن " (١) رواهما (٢) الشافعي في " مسنده ".
وإذا مُنع من استدامة زيادة على أربع فالابتداء أولى.
وقوله : (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ ورُبَاع) [النساء: ٣] أريد به التخيير بين اثنين وثلاث وأربع، كما قال تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، ولم يرد أن لكل تسعة أجنحة، ولو أراد ذلك لقال تسعة، ولم يكن للتطويل معنى، ومن قال غير ذلك فقد جهل اللغة العربية.
(إلا النبي ﷺ فكان له أن يتزوَّج بأيِّ عدد شاء)؛ لأنها من خصائصه.
(ونسخ تحريم المنع) وهو قوله : ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] بقوله : ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾] الأحزاب: ٥١].
(ولا لعبد) يعني. وليس لعبد (جمع أكثر من ثنتين) أي: من زوجتين،
وفاقاً للشافعي وأصحاب الرأي، وهو قول عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف. وقد روى ليث بن أبي سليم عن الحكم بن قتيبة أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا ينكح أكثر من ثنتين.
ويقوي هذا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين " أن عمر سأل
الناس كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: " اثنتين وطلاقه اثنتين ". فدل هذا على أن ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم فلم ينكر.
وهدا يخص عموم الآية مع أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار، وهو قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
ولأن النكاح مبني على التفضيل ولهذا فارق النبي ﷺ فيه أمته.
ولأن فيه ملكاً.
стр. 3942
(ولمن نصفه حر فأكثر، جمع ثلاث) أي: ثلاث زوجات على الأصح.
نص عليه. .
وفي " الفنون " قال فقيه: شهوة المرأة فوق شهوة الرجل بتسعة أجزاء فقال حنبلي: لو كان هذا ما كان له أن يتزوج بأربع وينكح من الإماء ما شاء، ولا تزيد المرأة على رجل، ولها من القَسْم الربع، وحاشا حكمته أن تضيق على الأحوج.
وذكر ابن عبد البر عن أبي هريرة. وبعضهم يرفعه: " فضلت المرأة على الرجل بتسعة وتسعين جزءاً من اللذة أو قال من الشهوة، ولكن الله ألقى عليهن الحياء ".
(ومن طلَّق واحدة من نهاية جمعه)؛ كالحر يطلق واحدة من أربع، والعبد
يطلق واحدة من ثنتين: (حرُم) عليه (تزوجه بدلها حتى تنقضي عدتها). نص عليه؛ لأن المعتدة في حكم الزوجة؛ لأن العدة أثر للنكاح وهو باق. فلو جاز له أن يتزوج غيرها لكان جامعاً بين أكثر ممن يباح له.
(بخلاف موتها) يعني: بخلاف ما لو ماتت. نص عليه؛ لأنه لم يبق
لنكاحها أثر.
(فإن) طلق واحدة من نهاية جمعه مدعياً انقضاء عدة المطلقة بأن (قال: أخبرتني بانقضائها، فكذبته) لم يقبل قولها عليه في عدم جواز نكاحه؛ لأنه لا حق لها في هذه الدعوى. وإنما الحق في (١) ذلك لله فنديُنُه في ذلك ونصدقه.
ولأنها متهمة في ذلك بإرادة منعه نكاح غيرها. فلذلك لا يقبل قولها عليه.
إذا تقرر هذا (فله نكاح أختها و) نكاح (بدلها) في الأصح.
(وتسقط الرجعة) يعني: أنه لو كان الطلاق رجعياً ولو لم يتزوج بدلها
стр. 3943
وأراد رجعتها لم يملك ذلك مؤاخذة له بإقراره بانقضاء عدتها، (لا السكنى والنفقة) يعني: أنه لا يسقط عنه بما يدعيه من إخبارها بانقضاء عدتها مع تكذيبها إياه سكناها إن كانت رجعية ولا نفقتها، لأن ذلك حق لها يدعيه عليها وهي منكرة له والأصل معها، لأنه لا مانع من صدقها. فكان القول قولها فيه دونه.
(و) لا يسقط أيضاً (نسب الولد) إذا أتت به المطلقة لمدة تلحقه فيها ما لم يثبت إقراره بانقضاء عدتها بالقروء ثم يأتي به لأكثر من ستة أشهر بعدها، لأن إقرار المطلق لا يقبل عليها.
стр. 3944
[فصل: في المحرمات لعارض]
(فصل. النوع الثاني) من المحرمات في النكاح إلى أمد: المحرمات
(لعارض يزول. فتحرم) عليه (زوجة غيره)؛ لقوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
(ومعتدَّته) أي. معتدة غيره؛ لقوله : ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
(ومستبرأة منه) أي: من غيره؛ لأن تزويجها زمن استبرئها يفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وسواء في ذلك المعتدة من وطء مباحٍ أو محرم أو من غير وطء؛ لأنه لا يؤمن أن تكون حاملاً.
(و) تحرم (زانية على زان وغيره حتى تتوب: بأن تُراود) على الزنا (فتمتنع) على الأصح؛ لما روي عن عمر (١) " أنه قيل له: كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك فإن طاوعته فلم تتب، وإن أبت فقد تابت ". فصار أحمد إلى قول عمر اتباعاً له.
قال في " الفروع ": والتوبة كغيرها، ونصه: الامتناع من الزنا بعد الادعاء
به، وروي عن عمر وابن عباس. انتهى.
وصحح الموفق: أن توبتها كتوبة غيرها.
وعلم مما تقدم أنها إذا تابت حلت للزانى وغيره مع انقضاء عدتها، كما
سيأتى في قول أكثر أهل العلم، منهم أبو بكر وعمر وابنه وابن عباس وجابر. وروي عن ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة: أنها لا تحل للزانى
стр. 3945
بحال. فيحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة، أو قبل استبرائها. فيكون كقولنا (١) .
(و) يحرم أيضاً على الرجل (مطلَّقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره، وتنقضي عدتهما) أي: عده الزانية وعدة مطلقته ثلاثاً من الزوج الذي نكحته.
والأصل في تحريم الزانية قوله : ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] لفظه لفظ الخبر والمراد النهي،
" وقوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥] وهن العفائف. ومفهومه: أن غير المحصنة لا تباح.
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي
كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها: عَنَاق وكانت صديقته قال: فجئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله لِلَّهِ أنكح عَنَاقاً قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] فدعاني فقرأها عليّ وقال: لا تنكحها " (٢) رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
والأصل في تحريم المطلقة ثلاثاً قوله : ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمراد بالنكاح هنا الوطء، بدليل أن النبي ﷺ قال لامرأة رفاعة لما أن أرادت أن ترجح إليه بعد أن طلقها ثلاثاً وتزوجت بعبد الرحمن بن الزَّبير: " لا. حتى تذوقي عسيلته " (٣) .
(و) تحرم (محرِمة حتى تُحِل)، لما روى عثمان بن عفان أن
стр. 3946
رسول الله ﷺ قال: " لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " (١) رواه الجماعة إلا البخاري. ولم يذكر الترمذي الخطبة.
ولأنه عارض منع الطيب. فمنع النكاح؛ كالعدة. (و) تحرم (مسلمة على كافر. حتى يُسلم)؛ لقوله : ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. (و) يحرم (على مسلم، ولو) كان (عبداً كافرة)؛ لقوله : ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) [الممتحنة: ١٠].
(غير حرة كتابية، أبواها كتابيان)؛ لقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]. (ولو) كان أبواها (من بني تغلب ومن في معناهم) من نصارى العرب ويهودهم على الأصح (حتى تسلم). فإن قيل: قوله : ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] عام فيقتضي التحريم مطلقاً. قلنا: يتخصص بما ذكرناه، على أنه قد قيل عن ابن عباس أن قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] نسخ بآية المائدة.
стр. 3947
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية صالح فقال: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقال في سورة المائدة وهي آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وقيل: إن المشركين لا يتناول بإطلاقه أهل الكتاب، بدليل قوله سبحانه
وتعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١]، وقال : ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥].
وظاهر كلامه في المتن: "أنه لا فرق بين الحربية (١) وغير الحربية وهو كذلك
في الأصح.
(ومُنع النبي ﷺ من نكاح كتابية، كأمة) أي: كما منع من نكاح أمة (مطلقاً) أى: في كل زمان وعلى كل حال على الأصح.
وقال في " عيون المسائل " يباح له ملك اليمين، مسلمة كانت أو مشركة. والأول المذهب.
(ولكتابي نكاح مجوسية، ووطؤها بملك) في الأصح، (لا مجوسي لكتابية)، لأنها أعلا منه في المنصوص.
(ولا يحل لحر مسلم نكاح امة مسلمة إلا أن يخاف عنت العزوبة لحاجة متعة، أو) لحاجة (خدمة) إلى المرأة، لكونه كبيراً أو مريضاً أو عيرهما. . نص عليه.
وأدخل القاضي وأبو الخطاب في " خلافيهما " الخصي والمجبوب: إذا
كان له شهوة يخاف معها من التلذذ بالمباشرة حراماً، وهو عادم الطول، وهو ظاهر كلام الموفق والخرقي وغيرهما.
(ولو) كان خوف عنت العزوبة (مع صغر زوجته الحرة، أو غيبتها، أو
стр. 3948
مرضها) أي: مرض زوجته الحرة. نص عليهما.
قال في " شرح المقنع ": أو وجد مالاً ولم يزوج، لقصور نسبه فله نكاح الأمة. نص عليه أحمد في الغائبة، وهو ظاهر مذهب الشافعي.
وقال بعضهم: لا يجوز، لوجدان الطول.
ولنا: أنه غير مستطيع الطول إلى حرة تعفه فأشبه من لم يجد شيئاً، ألا ترى
أن الله نزل ابن السبيل الذي له اليسار في بلده فقيراً لعدم قدرته عليه في الحال. انتهى.
ولهذا قالوا: (ولا يجد طَوْلاً) أي: (مالاً حاضراً يكفي لنكاح حرة ولو) كانت الحرة (كتابية فتخل) له الأمة حينئذ (ولو قدر على ثمن أمة). قدمه في "التنقيح "، ثم قال: وقيل لا ولو كتابية، واختاره جمع كثير وهو أظهر. انتهى.
وممن اختار القول الثانى القاضي في " المجرد " وأبو الخطاب في " الهداية " والمجد في " المحرر " وابن عقيل وصاحب " المذهب " و " مسبوك الذهب " و " المستوعب " و " الخلاصة " و " النظم " والموفق في " المقنع " و " الشرح " و " الحاوي الصغير " و " الوجيز " وابن عبدوس وغيرهم.
واشترط في المتزوج عدم الطول وفي الأمة الإسلام، لقوله : ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
واشترط خوف العنت، لقوله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
والصبر عن نكاح الأمة مع وجود الشرطين أفضل، لقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
وعلم مما تقدم أنه متى عدم أحد الشرطين لم يحل له نكاح الأمة لما في ذلك
من إرقاق الولد مع الغنى عنه، وفاقاً لمالك والشافعي.
(ولا يبطل نكاحها) أي: نكاح الأمة التي تزوجها وفيه الشرطان: (إن
стр. 3949
أيسر) بملك ما يكفي لنكاح حرة، (و) لو (نكح حرة عليها، أو زال خوف العنت، ونحوه)؛ كما لو نكح الأمة لحاجة خدمة " لكونه مريضاً فعوفي.
أما كون النكاح لا يبطل إن أيسر على الأصح، لأن فقْد الطَّول أحد شرطي إباحة نكاح الأمة. فلم يعتبر استدامته لخوف العنت والاستدامة للنكاح يخالف ابتداءه، بدليل أن العدة والردة وأمن العنت يمنعن ابتداءه دون استدامته.
وأما كون نكاح الأمة لا يبطل إذا نكح حرة عليها على الأصح " فلما روي
عن علي أنه قال: " إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة ". ولأنه لو بطل بنكاح الحرة لبطل بالقدرة عليه، فإن القدرة على المبدل كاستعماله، بدليل الماء مع التراب.
(وله) أي: ولمن تزوج الأمة وفيه الشرطان: (إن لم تُعفَّه) الأمة التي نكحها (نكاح أمة أخرى) عليها (إلى أن يصرن أربعاً.
وكذا) له أن يتزوج الأمة (على حرة لم تُعفَّه، بشرطه)، وهو: أن لا يجد طولاً لنكاح حرة على الأصح في المسألتين، لعموم قوله : ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً … ﴾ الآية [النساء: ٢٥].
قال أحمد: إذا لم يصبر كيف يصنع؛
فأما إن كان تحته حرة أو أمة تعفه فلا خلاف في تحريم نكاح أمه أخرى،
وأما إن نكح أمتين في عقد واحد وهو يستعف بواحدة فنكاحهما باطل؛ لأنه يبطل في إحداهما وليست بأولى من الأخرى. فبطل فيهما، كما لو جمع بين أختين.
(وكتابي حر في ذلك) أي: في إباحة نكاح الأمة بوجود الشرطين فيه (كمسلم).
قال في " الترغيب " وغيره: فإن اعتبر فيها الإسلام اعتبر في الكتابي كونها كتابية. (ويصح نكاح أمة من بيت المال)، مع أن فيه شبهة تسقط الحد، لكن
لا يجعل الأمة أم ولد. ذكره في " الفنون " واقتصر عليه في " الفروع " ويأتي؛ لأن للإمام التصرف في بيت المال بما يرى أنه مصلحة.
стр. 3950
ولأن حق الزوج في بيت المال لم يتعين في المنكوحة.
(ولا تصير) الأمة التي ينكحها من بيت المال (إن ولدت) منه (أم ولد)، لأن
الأمة لا تصير بحملها من زوجها أم ولد، لأنها لو كان يملكها لما صح نكاحه إياها. (ولا يكون ولد الأمة) الذي ليس بذي رحم محرم من مالكها (حراً، إلا باشتراط) من الزوج على مالكها حرية ولدها، لقوله ﷺ : " المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً " (١) .
ولقول عمر: " مقاطع الحقوق عند الشروط " (٢) .
ولأن هذا لا يمنع المقصود من النكاح. فكان لازماً؛ كشرط سيدها زيادة في مهرها.
(و) يجوز (٣) (لقن ومدبر ومكاتب ومبعض نكاح أمة ولو) كانت ملكاً
(لابنه) الحر، لأن الرق قطع ولاية والده عنه وعن ماله. ولهذا لا يلي ماله ولا نكاحه، ولا يرث أحدهما صاحبه فهي كالأجنبي منه، (حتى) لو تزوجها (على حرة) وهذا مضى على أن الكفاءة ليست شرطاً لصحة النكاح، فإن الحرية لا تعتبرفي الكفاءة.
قال في " الإنصاف ": وهل له يعني: العبد أن ينكحها على حرة؛ على روايتين، وأطلقهما في " الهداية " و " المستوعب " و " الخلاصة " و " المغني " و " الشرح " و " شرح ابن منجا "، إحداهما: يجوز وهو المذهب، صححه في " التصحيح " و " النظم "، وجزم به في " الوجيز "، وقدمه في " المحرر " و " الفروع " و " الحاوي الصغير "، واختاره ابن عبدوس في " تذكرته ".
والرواية الثانية: لا يجوز.
(وجمع بينهما) أي: وللعبد أن يجمع بين الأمة والحرة (في عقد) واحد
على الأصح.
стр. 3951
قال في " الإنصاف ": فإن جمع بينهما في العقد جاز يعني (١) : على الرواية
الأولى. قاله في " المحرر " و " الفروع " وغيرهما. انتهى.
ولأنه إذا جاز إفراد كمل واحدة بالعقد جاز الجمع بينهما؛ كالأمتين.
(لا نكاح سيدته) يعني: أنه لا يجوز للعبد ولا يصح منه نكاح من تملكه أو تملك بعضه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل (٢) العلم على أن نكاح المرأة عبدها باطل؛ لأن أحكام الملك والنكاح تتناقض، إذ ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها وأن يكون بحكمها، ونكاحه إياها يقتضي عكس ذلك.
ولما روى الأثرم بإسناده عن أبي الزبير عن جابر " أنه سأله عن العبد ينكح سيدته فقال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب ونحن بالجابية وقد نكحت عبدها فأشهرها عمر وهم أن يرجمها وقال: لا يحل لك ".
(ولأمة نكاح عبد ولو) كان العبد (لابنها)؛ لأن رقها قطع التوارث بينها وبين ابنها، فهو كالأجنبي منها.
إلا أن تتزوج) الأمة (٣) (سيدها)؛ لأن النكاح يوجب للمرأة حقوقاً من القسم والمبيت وغيرهما، وذلك يمنعه ملك اليمين. فلا يصح مع وجود ما ينافيه. ولأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع. فلا يجتمع معه عقد أضعف منه.
(ولا) يجوز (لحر أو حرة نكاح امة أو عبد ولدهما) يعني: أنه لا يجوز للحر أن يتزوج أمة ولده، ولا للحرة أن تتزوج عبد ولدها.
قال في " الفروع ": ولحر نكاح أمة والده دون أمة ولده في الأصح فيهما. ومثله حرة نكحت عبد ولدها. وقيل: يجوز. انتهى.
стр. 3952
ووجه ذلك: أن الابن لو ملك جزءاً من امة لم يجز لأبيه أن يتزوجها ما دام للابن فيها ملك، ولو ملك جزءاً من عبد لم يجز لوالدته أن تتزوجه ما دام لابنها فيه ملك فمع كونها أو كونه كلها أو كله للولد أولى بالتحريم.
(وإن ملك أحد الزوجين) الزوج الآخر] بشراء أو إرث أو هبة ونحو ذلك] (١) ، (أو) ملك (ولده) أي: ولد أحد الزوجين (الحر) الزوج الآخر، (أو) ملك (مكاتبه) أي: مكاتب أحد الزوجين، (أو مكاتب ولده) أي: ولد أحد الزوجين (الزوج الآخر، أو بعضه) أي: بعض الزوج الآخر: (انفسخ النكاح).
قال في " الفروع ": وإن ملك أحد الزوجين وعلى الأصح أو ولده الحر،
وفي الأصح: أو مكاتبه الزوج الآخر أو بعضه: انفسخ النكاح. فلو بعثت إليه زوجته: حرمت عليك ونكحت غيرك وعليك نفقتي ونفقة زوجي، فقد ملكت زوجها وتزوجت ابن عمها. انتهى.
ولا ينقص بهذا الفسخ عدد الطلاق، فمتى أعتقته ثم تزوجها لم يحتسب
عليه بتطليقه، لأنه لم يلفظ بصريح الطلاق ولا كنايته. أشبه انفساخ النكاح بإسلام أحد الزوجين أو ردته.
أما إذا ملك أحد الزوجين الآخر فلا خلاف في فسخ النكاح بذلك. وأما انفساخه بملك ولد احد الزوجين الزوج الآخر على الأصح فإن ملك (٢) أحد الزوجين كملك أصله في إسقاط الحد فكان كملكه في إبطال النكاح.
(ومن جمع في عقد) واحد (بين مباحة ومحرمة؛ كأيِّم) بتشديد المثناة من تحت، وهي: من لا زوج لها، (ومزوجة: صح في الأيِّم) على الأصح؛ لأنها محل قابل (٣) للنكاح أضيف إليها عقد صادر من أهله لم يجتمع معها في
стр. 3953
مثلها. فصح؛ كما لو انفردت به. وفارق العقد على الأختين؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى وهاهنا قد تعينت التي بطل النكاح فيها، فعلى الصحة يكون لها من المسمى لهما بقسط مهر مثلها منه في الأصح.
وقيل: يكون لها نصف المسمى.
(و) من جمع في عقد (بين أم وبنت: صح) العقد (في البنت) على الأصح؛ لأنه عقد تضمن عقدين يمكن تصحيح أحدهما دون الآخر، فصح فيما يصح، وبطل فيما يبطل.
بيانه: أنا لو فرضنا أن العقد على الأم بطل ثم عقد على البنت صح نكاح البنت، ولو فرضنا أن العقد على البنت سبق وبطل تم عقد على الأم لم يصح فإذا وقعا معاً فنكاح البنت أبطل نكاح الأم؛ لأنها تصير أم زوجته، ونكاح الأم لا يبطل نكاح البنت؛ لأنها تصير ربيبته من زوجة لم يدخل بها. فصح لذلك نكاح البنت، وبطل نكاح الأم.
(ومن حرُم نكاحها: حرُم وطؤها بملك)؛ لأن النكاح إذا حرم لكونه طريقاً
إلى الوطء. فلأن يحرم الوطء نفسه بطريق الأولى.
(إلا الأمة الكتابية)؛ لدخولها في عموم قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]
ولأن نكاح الإماء من أهل الكتاب إنما حرم من أجل إرقاق الولد وإبقائه مع كافره، وهذا معدوم في وطئهن بملك اليمين.
(ولا يصح نكاح خنثى مشكل حتى يتبين أمره). نص عليه في رواية الميمونى. وذلك؛ لأنه لم يتحقق وجود ما يبيح له النكاح. فلم يبح له؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات.
ولأنه قد اشتبه المباح والمحظور في حقه فحرم.
(ولا يحرم في الجِنة زيادة العدد.
و) لا يحرم فيها أيضاً (الجمع بين المحارم وكيره). قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ". والله أعلم.
стр. 3954
[باب: الاشتراط في النكاح]
هذا (باب الشروط في النكاح). والمراد بالشرط في النكاح: ما يشرطه الزوجين على الآخر مما له فيه غرض صحيح، وليس بمناف لمقتضى النكاح. (ومحل المعتبر منها) أي: من الشروط في النكاح: (صلب العقد) أي: عقد النكاح.
قال في " التنقيح ": قلت: (وكذا لو اتفقا عليه قبله) وقاله جماعة. انتهى.
قال في " الإنصاف ": الشروط المعتبرة في هذا الباب محل ذكرها: صلب العقد. قاله في " المحرر " وغيره، وجزم به في " الرعايتين " و " الحاوي الصغير " و " تذكرة ابن عبدوس "، وقاله القاضي في موضع من كلامه.
وقال الشيخ تقي الدين: وكذا لو اتفقا عليه قبل العقد، في ظاهر المذهب. وقال: على هذا جواب أحمد في مسائل الحيل، لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولاً واحداً.
قال الزركشي: وهذا ظاهر إطلاق الخرقي وأبي الخطاب وأبي محمد وغيرهم.
قال: وقال الشيخ تقي الدين في " فتاويه ": إنه ظاهر المذهب ومنصوص أحمد، وقول قدماء أصحابه، ومحققي المتأخرين.
قلت: وهو الصواب الذي لا شك فيه. انتهى.
أما إذا لم يقع الشرط إلا بعد لزوم العقد، فالمنصوص عن أحمد: أنه
لا يلزمه. قاله في " الإنصاف ".
(وهي) أي: الشروط في النكاح (قسمان):
стр. 3955
أحدهما: (صحيح لازم للزوج فليس له فكُه) أي: فك ما اشترطت عليه زوجته من الشروط الصحيحة (بدون إبانتها)، لأنه بزوال العقد يزول ما هو مرتبط به.
(ويسن وفاؤه) أي: وفاء الزوج (به) أي: بالشرط (١) .
قال في " الإنصاف ": وهو ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله، ومال الشيخ تقي الدين إلى وجوب الوفاء.
ومن أمثلة الشرط الصحيح (٢) قوله:
(كزيادة مهر) يعني: كاشتراطها على الزوج زيادة قدر معين على مهرها،
(أو) لو اشترط كون مهرها من (نقد معين) فيتعين كالثمن في البيع، (أو) يشترط عليه أنه (لا يُخرجها من دارها، أو لا يتزوَّج) عليها، (أو) لا (يتسرى عليها، أو لا يفرِّق بينها وبين أبويها، أو) لا يفرق بينها وبين (أولادها).
وفي " المستوعب ": (أو أن تُرضع ولدها الصغير)، وعلى الأصح: (أو) أن
(يطلق ضرَّتها، أو يبيع أمته)، لأن لها في ذلك قصداً صحيحاً، كما لو اشترطت أن لا يتزوج عليها.
وفي القاعدة الموفية للسبعين من " قواعد ابن رجب ": لو شرطت عليه نفقة ولدها وكسوته صح وكانت من المهر. انتهى.
قال ابن نصر الله: وظاهره: أنه لا يشترط مع ذلك تعيين مدة " كنفقة الزوجة وكسوتها فإنه ذكرها بعدها. انتهى كلام ابن نصر الله.
ويروى صحة الشرط في عقد النكاح وكون الزوج لا يملك فكه، عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص (٣) رضي الله تعالى عنهم. وبذلك قال شريح وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وطاووس والأوزاعي وإسحاق.
стр. 3956
وأبطل الشرط في النكاح الزهري وقتادة وهشام (١) بن عروة ومالك وأصحاب
الرأي.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يفسد المهر ولها مهر المثل.
واحتج المبطل للشرط بقول النبي ﷺ : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو
باطل وإن كان مائة شرط " (٢) وهذا ليس في كتاب الله.
وبقول النبي ﷺ : " المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو
حرم حلالاً " (٣) وهذا يحرم الحلال وهو التزويج والتسري والسفر.
ولأن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا من مقتضاه ولا مبنية على التغليب والسراية. فكانت فاسدة؛ كما لو شرطت أن لا تسلم نفسها.
ولنا: قول النبي ﷺ : " إن أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج " (٤) متفق عليه.
وقوله: " المسلمون على شروطهم " (٥) .
ولأن ذلك قول من سَمََّينا من الصحابة، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم.
وروى الأثرم بإسناده " أن رجلاً تزوج امرأة وشرط لها دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر. فقال عمر: لها شرطها. فقال الرجل: إذا يطلقننا. فمال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط " (٦) .
стр. 3957
ولأنه شرط لها منفعة مقصودة لا يمنع المقصود من النكاح. فكان لازماً؛
كما لو اشترطت كون المهر من غير نقد البلد.
وأما قوله ﷺ : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل " (١) أي: ليس في حكم الله وشرعه وهذا مشروع، وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته وعلى من نفى ذلك الدليل.
وقولهم: أن هذا يحرم الحلال ليس كذلك وإنما يثبت للمرأة إذا لم يفِ لها
به خيار الفسخ.
وقولهم: ليس من مصلحة العقد ممنوع فأنه من مصلحة المرأة وما كان من مصلحة العاقد كان من مصلحة العقد كاشتراط الرهن والضمين في البيع.
وإذا ثبت هذا (فإن لم يف) للزوجة بما شرطت عليه: (فلها الفسخ)؛ لقول عمر للذي قضى عليه بلزوم الشرط حين قال: " إذاً يطلقننا، مقاطع الحقوق عند الشروط " (٢) . ولم يلتفت إلى قوله.
ولأنه شرط لازم في عقد. فيثبت حق الفسخ بترك الوفاء به؛ كالرهن والضمين في البيع.
(على التراخي)؛ لأنه خيار ثبت لدفع الضرر. فكان على التراخي؛ تحصيلاً لمقصوده؛ كخيار القصاص.
(بفعله) أي: بفعل ما اشترطت عليه أن لا يفعله، (لا عزمه) على فعله خلافاً للقاضي في كونها تملك الفسخ بالعزم على الفعل.
(ولا يسقط) ملكها الفسخ بعدم وفائه بما اشترطته، (إلا بما يدل على رضا) منها: (من قول أو تمكين) أي: بأن تمكنه من نفسها، (مع العلم) أي: مع علمها بعدم وفائه لها بما اشترطت عليه، لا إن لم تعلم؛ لأن الاختيار والاستمتاع والتمكين منه قبل العلم بعدم وفائه لا أثر له؛ لأن موجبه لم يثبت. فلا يكون له أثر؛ كالمسقط لشفعته قبل البيع.
стр. 3958
(لكن: لو شرط) لها (أن لا يسافر بها، فخدعها وسافر بها، ثم كرهته،
ولم تُسقط حقها من الشرط: لم يُكرهها بعد).
قال في " الإنصاف ": قال الشيخ تقي الدين: لو خدعها فسافر بها ثم كرهته: لم يكن له أن يكرهها بعد ذلك.
قال ابن نصر الله في " حواشيه على الفروع ": هذا إذا لم تسقط حقها واضح، أما إذا لو أسقطت حقها من الشرط: احتمل أن يكون لها الرجوع فيه، كهبة حقها من بعض مهرها المسمى. والفرق واضح وذكره. انتهى.
قلت: الصواب أنها إذا سقط حقها يسقط مطلقاً. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
فقولي في المتن: " ولم يسقط حقها من الشرط " موافق لقول ابن نصر الله:
هذا إذا لم تسقط حقها واضح. والله أعلم.
(ومن شرط) لزوجته: (أن لا يخرجها من منزل أبويها، فمات أحدهما) أي: أحد أبويها: (بطل الشرط)؛ لأن المنزل بعد أن كان للأبوين صار لأحدهما فاستحال إخراجها من منزل أبويها فبطل الشرط.
قال ابن نصر الله: لو شرط أن لا يخرجها من منزل أبويها فمات الأب فالظاهر أن الشرط يبطل، ويحتمل أن لا يخرجها من منزل أمها إلا أن تتزوج الأم. ولو تعذر سكنى المنزل لخراب أو غيره فهل يسقط حقها من الفسخ بنقلها عنه؟ أفتيت بأنه إن نقلها إلى منزل لا ترتضيه فلها الفسخ، لم أقف فيه على نقل. انتهى.
قال في " الإنصاف " بعد حكايته لكلام ابن نصر الله: قلت: الصواب أن له
أن يسكن بها حيث أراد، سواء رضيت أو لا؛ لأنه الأصل، والشرط عارض وقد زال فرجعنا إلى الأصل، وهو محض حقه.
(ومن شرطت) على زوجها (سُكناها مع أبيه، ثم أرادتها) أي: أرادت سكناها (منفردة: فلها ذلك) أي: لها طلبه بأن يسكنها منفردة.
стр. 3959
قال في " الفروع ": قال شيخنا فيمن شرط لها أن يُسكنها بمنزل) (١) أبيه فسكنت ثم طلبت سكنى منفردة وهو عاجز: لا يلزمه ما عجز عنه، بل لو كان قادراً فليس له (٢) عند مالك وأحد القولين في مذهب أحمد وغيرهما غير ما شرطت لها، كذا قال. والظاهر أن مرادهم صحة الشرط في الجملة، بمعنى ثبوت الخيار لها بعدمه، لا أنه يلزمها؛ لأنه شرط لحقها لمصلحتها لا لحقه لمصلحته حتى يلزم في حقها، ولهذا لو سلمت نفسها من شرطت دارها فيها أو في داره لزم. انتهى.
يعني: لزمه تسلمها. وما قاله صاحب " الفروع " ظاهر. والله أعلم.
стр. 3960
[فصل: في الشروط الفاسدة في النكاح]
(فصل. القسم الثاني) من الشروط في النكاح: شرط (فاسد، وهو) أي: القسم الفاسد (نوعان:
نوع) منهما (يبطل النكاح من أصله. وهو) أي: والنوع الذي يبطل النكاح من أصله (ثلاثة أشياء)؛
أحد الثلاثة: (نكاح الشغار. وهو: أن يزوجه) أي: يزوج رجل رجلاً (وليَّتَه على أن يزوِّجه الآخر وليَّتَه ولا مهر بينهما).
قيل: إن ما سمي هذا النكاح شغاراً، تشبيهاً في القبح برفع الكلب رجله ليبول، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول.
وحكي عن الأصمعي أنه قال: الشغار الرفع فكأن كل واحد منهما رفع رجله للآخر عما يريد.
ولا تختلف الرواية عن أحمد: أن نكاح الشغار فاسدً. رواه عنه جماعة.
قال أحمد: وروي عن عمر وزيد (١) بن ثابت: أنهما فرقا فيه يعني: بين المتناكحين. وهو قول مالك والشافعي وإسحاق.
وحكي عن عطاء وعمرو بن دينار ومكحول والزهري والثوري: أنه يصح، وتفسد التسمية، ويجب مهر المثل؛ لأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد؛ كما لو تزوج على خمر أو خنزير.
ولنا: ما روى ابن عمر " أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار " (٢) متفق عليه.