← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

(و) إذا اختلف الزوجان أو ورثتهما (١) (في قبضٍ) لصداق (٢) ، (أو) في (تسمية مهر مثلٍ: فقولهُا) إن وجدت، (أو) قول (ورثتها بيمين) من قبل المنكر؛ لأن الأصل عدم القبض وعدم التسمية. (وإن تزوَّجها) أي: تزوج رجل امرأة (على صداقين: سر، وعلانية: أخذ) الزوج (بـ) الصداق (الزائد مطلقاً) أي: سواء كان الزائد صداق السر أو كان الزائد صداق العلانية. وهذا هو الأصح؛ للحوق الزيادة بالصداق بعد العقد على ما يأتي. قال في " الإنصاف ": أما على تقدير وقوع أن مهر السر أكثر: فلا نعلم أحداً صرح بأنها لا تستحق الزائد. انتهى. وقال الخرقي: وإن تزوجها على صداقين سر وعلانية أخذ بالعلانية، وإن كان قد انعقد بالسر. قال الموفق في " المغني " ومن تابعه من الشارح (٣) وغيره: وجه قول الخرقي: أنه إذا عقد في الظاهرعقداً بعد عقد السر فقد وجد منه بذلُ الزائد على مهر المثل. فيجب ذلك عليه؛ كما لو زادها في صداقها. قالوا: ومقتضى ما ذكرناه من التعليل لكلام الخرقي: أنه إن كان مهر السر اكثر من العلانية وجب مهر السر؛ لأنه وجب عليه بعقد ولم يسقطه العلانية فبقي وجوبه. انتهى (٤) . قال الزركشي: قد حملنا كلام الخرقي على ما إذا كان العلانية أزيد وهو متأخر بناء على الغالب. انتهى. قال في " الإنصاف ": قلت: هذا الواقع ولا يتأتّى في العادة غيره. انتهى. (وتُلحق به) أي: بالمهر (زيادة بعد عقد) أي: عقد النكاح ما دامت في

стр. 4062

حباله: (فيما يُقرِّرُه) أي: يقرر المهر كاملاً، (و) فيما (ينصِّفُه) على الأصح. قال أحمد في الرجل يتزوج المرأة على مهر فلما رآها زادها في مهرها: فهو جائز. فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف الصداق الأول ونصف الزيادة. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا تلحق الزيادة بالعقد؛ لأن الزوج ملك البضع بالمسمى في العقد بعد لزومه. فلم يحصل بالزيادة شيء من المعقود عليه. فلا تكون عوضاً في النكاح؛ كما لو وهبها شيئاً. ولأنها زيادة في عوض العقد بعد لزومه. فلم تلحق به؛ كالبيع. ولنا: قول الله : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر. فكان حالة للزيادة؛ كحالة العقد. وبهذا فارق البيع والإجارة. وقوله: إنه لم يحصل بالزيادة شيء من المعقود عليه يبطل بجيمع الصداق فإن الملك ما حصل به، ولهذا صح خلوه عنه. إذا ثبت هذا فإن معنى لحوق الزيادة: أنه يثبت لها حكم المسمى في العقد، في أنها تتنصف بالطلاق قبل الدخول، ولا تفتقر إلى شروط الهبة. وليس معناه: أن الملك يثبت فيها من حين العقد. ولأنها ثبتت لمن كان الصداق له؛ لأن الملك لا يجوز تقدمه على سببه ولا وجوده في حال عدمه، وإنما يثبت الملك بعد سببه من حينئذ. (وتُملك) الزيادة (به) أي: بجعلها (من حينها. فما) زاده زوج (بعد عتق زوجة) زوّجها سيدها وهي أمة (لها) دون سيدها. قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: تملك الزيادة من حينها. نقله مهنا في أمة عتقت فزيد مهرها. وجعلها القاضي لمن أصل الزيادة له. انتهى. (ولو قال) الزوج: هو (عقد) واحد (أُسِرَّ ثم أُظهر) بالبناء للمفعول،

стр. 4063

(وقالت) الزوجة: بل هما (عقدان بينهما فرقة، فـ) القول في ذلك (قولها) بيمينها؛ لأن الظاهر أن الثاني عقد صحيح يفيد حكماً كالأول. ولها المهر في العقد الثاني إن كان دخل بها ونصف المهر في العقد الأول إن ادعى سقوط نصفه بالطلاق قبل الدخول. وإن أصر على الإنكار سئلت المرأة فإن أدعت أنه دخل بها في النكاح ثم طلقها طلاقاً بائناً ثم نكحها نكاحاً ثانياً حلفت على ذلك واستحقت، وإن أقرت بما يسقط نصف المهر أو جميعه لزمها ما أقرت به. قاله في " شرح المقنع ". (وإن اتَّفقا قبل عقد على مهر، وعقداه بأكثر تجمُّلاً) مثل: أن يتفقا على أن المهر ألف ويعقدانه على ألفين (فالمهر: ما عقد عليه) وهما الألفان على الأصح؛ لأنها تسمية صحيحة في عقد صحيح. فوجبت (١) ؛ كما لو لم يتقدمها اتفاق على خلافها. ولا فرق في ذلك بين أن يكون السر من جنس العلانية بأن يتفقا على ألف درهم ويعقداه على ألفي درهم، أو من غير جنسه باًن يتفقا على ألف درهم ويعقداه على مائة دينار. (ونص: أنها تفي) لزوجها (بما وعَدتْ به وشرَطتْه) يعني: أنه حيث تقرر أن الواجب مهر العلانية فيستحب للمرأة أن تفي للزوج بما وعدته به وشرطته: من أنها لا تأخذ منه إلا مهر السر. قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا زوَّجوا امرأة في السر وأعلنوا مهراً ينبغى أن يفوا (٢) ، ويؤخذ بالعلانية. فاستحب الوفاء بالشرط؛ لكيلا يحصل منهم غرور. ولأن النبي ﷺ قال: " المؤمنون على شروطهم " (٣) . (وهدية زوج ليست من المهر). نص عليه. (فما) أهداه الزوج (قبل

стр. 4064

عقدٍ: إن وعَدُوه) بأن يزوجوه (ولم يَفُوا) بأن زوجوا غيره (رجع بها) أي: بالهدية. قال في " الإنصاف ": قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ". قلت: وهذا مما لا شك فيه. انتهى. (وما قُبض) أي: قبضه أخو الزوجة أو نحوه (بسبب نكاح)؛ كالذي يسمونه الميكلة (فكمهر) أي: فحكمه حكم المهر فيما يقرره وينصفه. (وما كُتب فيه المهر: لها، ولو طُلقت) أي: لا يخرج منها بطلاقها. قال ذلك والمسألة التي قبلها الشيخ تقي الدين. (وتُردُّ هدية) على زوج (في كل فرقة اختياريَّة مسقطة للمهر؛ كفسخ لفَقْد كفاءة، ونحوه قبل الدخول. وتثبت) الهدية (مع) أمر (مقررٍ له) أي: للمهر (أو لنصفه). قال في القاعدة الخمسين بعد المائة: حكى الأثرم عن الإمام أحمد في المولى يتزوج العربية: يفرق بينهما. فإن كان دفع إليها بعض المهر ولم يدخل بها: يردوه، وإن كان أهدى هدية: يردونها عليه. قال الماضي في " الجامع ": لأن في هذه الحال (١) يدل على أنه وهب شرط بقاء العقد. فإذا زال ملك الرجوع؛ كالهبة بشرط الثواب. انتهى. قال فى " الإنصاف ": وهذا في الفرقة القهرية لفقد الكفاءة ونحوها ظاهر. وكذلك الفرقة الاختيارية المسقطة للمهر. فأما الفسخ المقرر للمهر أو لنصفه (٢) فتثبت معه الهدية. انتهى. (ومن أخذ) شيئًا (بسبب عقد؛ كدلاّل) في بيع، (ونحوه)؛ كإجارة (فإن فُسخ بيعُ بإقالة، ونحوها: مما يقف على تراض: لم يرده.

стр. 4065

وإلا) أي: وإن لم يقف الفسخ على تراض؛ كالفسخ لعيب أو نحوه: (رده) أي: رد ما أخذ بسبب عقد. (وقياسه) أي: وقياس ذلك في الأنكحة: (نكاح فُسخ لفقد كفاءة، أو عيب فيردُّه) أي: فيرد الآخذُ ما أخذ بسبب عقد النكاح؛ لأن الفسخ بذلك لم يقف على تراضي الزوجين، وإنما يقع قهراً على الزوج وعلى المعيب منهما. (لا) إن فسخ (لردَّة ورضاع ومخالَعة) فإن الآخذ لا يرد في هذه الصور شيئاً. قال في " الإنصاف ": وإن كانت العطية لغير المتعاقدين بسبب العقد؛ كأجرة الدلال ونحوها ففي النظريات لابن عقيل: إن فسخ البيع بإقالة ونحوهما مما يقف على التراضي فلا ترد الأجرة. وإن فُسخ بخيار أوعيب: ردت؛ لأن البيع وقع متردداً بين اللزوم وعدمه. وقياسه في النكاح: أنه إن فُسخ لفقد الكفاءة أو لعيب: رُدت. وإن فسخ لردة أو رضاع أو مخالعة: لم ترد. انتهى. نقله صاحب "القواعد". ***

стр. 4066

[فصل: في عدم تسمية الصداق] (فصل في المفوّضة) بكسر الواو وفتحها. فمن كسر أضاف الفعل إلى المرأة على أنها فاعلة، ومن فتح أضافه إلى وليها. ومعنى التفويض: الإهمال، كأن المهر أهمل حيث لم يسم. قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا يعني: مهملين. (و) التفويض ضربان: الأول: (تفويض بُضع: بأن يزوج اب بنته المجبرة، أو غيرها بإذنها) بلا مهر، (أو) يزوج (غير الأب بإذنها)؛ كأخ يزوج أخته (بلا مهر) فيصح العقد مع عدم تسمية صداق. ويجب لها مهر المثل في قول عامة أهل العلم؛ بدليل قوله : ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وروي عن ابن مسعود "أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وَكْس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بِرْوع بنت واشق امرأةٍ منا مثل ما قضيت " (١) . رواه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 4067

ولأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع دون الصداق فصح من غير ذكره. ولا فرق في ذلك بين أن يقول: زوجتك بغير مهر أو يزيد لا في الحال ولا في الثانى (١) ؛ لأن معناهما واحد. (و) الضرب الثانى: (تفويض مهر) وهو: أن يجعلا الصداق إلى رأي أحد الزوجين أو رأي أجنبي؛ (كـ) أن يقول: زوجتك بنتي أو أختي أو نحوهما (على ما شاءت) الزوجة، (أو شاء) الزوج، (أو شاء أجنبي)، أي: فلان وهو أجنبي من الزوجين، (ونحوه) أي: نحو هذا اللفظ؛ كزوجتك على حكمك، أو حكمها، أو حكمي، (فالعقد صحيح) في جميع هذه الصور. (ويجب به) أي: بالعقد في المسألتين (مهر المثل)؛ لأنها لم تأذن في تزويجها إلا على صداق، لكنه مجهول. فسقط لجهالته، ووجب مهر المثل. (ولها مع ذلك) أي: مع التفويض (ومع فساد تسمية)؛ كما لو تزوجها على خمر أو خنزير أو كلب (طلب فرضه) قبل الدخول وبعده فإن امتنع أجبرعليه؛ لأن النكاح لا يخلو من المهر. فوجب لها المطالبة ببيان قدره. وبهذا قال الشافعي. قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم فيه مخالفاً. (ويصح إبراؤها منه) أي: إبراء الزوجة من مهر المثل (قبل فرضه) أي: قبل أن يفرضه الحاكم على الأصح. وعنه: لا؛ لجهالته. ووجه الصحة: انعقاد سبب وجوبه وهو عقد النكاح؛ كالعفو عن القصاص بعد الجرح وقبل الزهوق. (فإن تراضيا ولو على) شيء (قليل: صح) يعني: أنه إن اتفق الزوجان على فرضه جاز ما رضياه، قليلاً كان أو كثيراً، وسواء كانا عالمين بمهر المثل أو جاهلين به؛ لأنه إذا فرض لها كثيراً فقد بذل لها من ماله فوق ما يلزمه، وإن

стр. 4068

فرض لها يسير فقد رضيت بدون ما يجب لها. (وإلا) أي: وإن لم يتراضيا على شيء (فرَضه) أي: فرض مهرَ المثل (حاكمُ بقدره) أي: بقدر مهر المثل؛ لأن الزيادة عليه ميل على الزوج، والنقص عنه ميل على الزوجة ولا يحل الميل. ولأنه إنما يفرض بدل البضع فيقدر بقدره كالسلعة إذا تلفت يرجع في تقويمها بما يقوله أهل الخبرة، ويعتبر معرفة مهر المثل؛ ليتوصل إلى إمكان فرضه. ومتى صح الفرض صار كالمسمى في العقد في أنه يتنصف بالطلاق، ولا تجب المتعة معه. (ويلزمهما فرضه كحكمه) يعني: يلزم الزوجين ما فرضه الحاكم، رضيا به أو لم يرضيا؛ كما يلزمهما ما حكم به. قال في"الفروع": (فدل أن ثبوت سبب المطالبة؛ كتقديره أجرة مثلٍ أو نفقةٍ، ونحوه حكم)، خلافاً لمالك. انتهى. قال ابن نصر الله في " حاشية الفروع ": قوله: فدل أن ثبوت سبب المطالبة وهو هنا فرض الحاكم فإن مجرد فرضه له سبب لمطالبتها، وليس بحكم صريح ولكنه متضمن للحكم. انتهى. يعني: (فلا يغيِّره) أي: يغير حكم الحاكم الأول (حاكم آخر: ما لم يتغيَّر السبب)؛ كيسرة في النفقة أو عسرة. (وإن مات أحدهما) أي: أحد الزوجين اللذين لم يسم في عقد نكاحهما صداق (قبل دخولٍ) بالزوجة (و) قبل (فرضٍ) للصداق، سواء كان الميت الزوج أو الزوجة: (وَرِثه صاحبه)؛لأن ترك تسمية الصداق لم يقدح في صحة النكاح. (ولها) مع وجود ما يقرر المهر من موت أو دخول أو غيرهما (مهر نسائها) أي: مهر مثلها المعتبر بمن يساويها من جميع أقاربها كما يأتي؛ لحديث ابن مسعود السابق (١) .

стр. 4069

(وإن طُلقِّت) المفوضة (قبلهما) أي: قبل الدخول وفرض المهر (لم يكن عليه) أي: على المطلق (إلا المتعة) على الأصح. نص عليه أحمد في رواية الجماعة. وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء والثوري والشافعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى: أن لها نصف مهر مثلها، لأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول. فوجب نصفه بالطلاق قبل الدخول؛ كما لو سمى لها محرّماً. وقال مالك والليث وابن أبي ليلى: المتعة مستحبة، لأن الله قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ولأنها لو كانت واجبة لم تختص (١) المحسنين دون غيرهم. ولنا: قوله : ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].والأمر يقتضي الوجوب. ولقوله أيضاً: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]. ولأن أداء الواجب من الإحسان فلا تعارض. ولأنه طلاق في نكاحٍ يقتضي عوضاً. فلا يعدل عنه؛ كغير المفوضة. وإن طلقت قبل الدخول وبعد فرضه كان لها نصف ما فرض لها، ولا متعة على الأصح؛ لقوله : ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ولأنه مفروض يستقر بالدخول. فيتنصف (٢) بالطلاق قبله، كالمسمى في العقد.

стр. 4070

وكل فرقة يتنصف بها المسمى توجب المتعة إذا كانت مفوضة، وكل فرقة سقط بها المسمى؛ كاختلاف الدين، والفسخ بالرضاع ونحوه إذا جاء من قبلها لا تجب به متعة. وذلك لأن المتعة أقيمت مقام نصف المسمى. فسقطت في كل موضع يسقط؛ كما يسقط الأبدال إذا سقط مبدَلها. (وهي) أي: المتعة: (ما تجب لحرة أو سيد أمة على زوج، بطلاقٍ قبل دخول، لمن لم يُسمَّ لها مهر مطلقاً) أي: سواء كانت مفوضة البضع، أو مفوضة المهر، أو سمي لها مهر فاسد؛ كالخمر والخنزير، وسواء في ذلك الحر والعبد والحرة والأمة والمسلم والذمي والمسلمة والذمية؛ لعموم النص. ولأن ما يجب من الفرض يستوي فيه المسلم والكافر والحر والعبد، كالمهر. وإن وهب الزوج للمفوضة شيئاً ثم طلقها قبل فرض الصداق فقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يكن فرض لها مهراً ثم وهب لها غلاماً ثم طلقها قبل الدخول؟ قال: لها المتعة. وذلك؛ لأن الهبة لا تنقضي بها المتعة، كما لا ينقضي بها نصف المهرالمسمى. ولأن المتعة إنما تجب بالطلاق فلا يصح قضاؤها قبله. ولأنها واجب. فلا تنقضي بالهبة، كالمسمى، ولا تتقدر المتعة، بل يكون (على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره). وذلك، لأن (١) المتعة معتبرة بحال الزوج في يساره وإعساره. نص عليه أحمد وهو الأصح. وقيل: بحال الزوجة. وقيل: بحالهما. ووجه المذهب: قوله : ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهذا نص في أنها تعتبر بحال الزوج. ولو كان الاعتبار بحال الزوجة لم يكن على الموسِع قدره وعلى المقتر قدره.

стр. 4071

إذا ثبت هذا (فأعلاها خادم) إذا كان الزوج موسراً، (وأدناها) إذا كان الزوج فقيراً (كسموة تجزئها) أي: تجزئ المرأة (في صلاتها)،وهي درع وخمار وثوب تصلي فيه. ونحو ما ذكرنا في أدناها قال الثوري والأوزاعي وعطاء ومالك وأبوعبيد. وأصحاب الرأي قالوا: درع وخمار وملحفة. وعنه: يرجع في تقدير المتعة إلى الحاكم. وعنه: يجب للمفوضة إذا طلقت نصف مهر المثل. والأول المذهب. (ولا تسقط) المتعة (إن وهبته) أي: وهبت المرأة للزوج (مهر المثل قبل الفرقة) في الأصح، لأن الله قال: [وَمَتِّعُوهُنَّ] [البقرة: ٢٣٦] فأوجب لها المتعة فيه. وهي إنما وهبته مهر المثل فلا تدخل المتعه فيه. ولا يصح إسقاطها قبل الفرقة؛ لأنه إسقاط ما لم يجب. فلا يصح؛ كما لو أسقطت الشفعة قبل البيع. (وإن دخل) الزوج (بها) أي: بالمفوّضة: (استقر مهر المثل)؛ لأنه يقرر مهر المثل ما يقرر المسمى. (ولا متعة) للمفوضة التي تقرر لها مهر المثل بالدخول عليها: (إن طُلقت بعد) أي: بعد تقرر مهر المثل لها على الأصح، لقوله : ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ثم قال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] فخص الأولى بالمتعة والثانية بنصف المفروض، مع تقسيمه النساء قسمين، وإثباته لكل قسم حكماً. فدل ذلك على اختصاص كل قسم بحكمه (١) .

стр. 4072

(ومهر المثل معتبر بمن يساويها من جميع أقاربها) على الأصح. وذلك؛ (كأم وخالة وعمة وغيرهن)؛ كأخت وبنت أخ وبنت عم، (القربى فالقربى)؛ لقوله في حديث ابن مسعود: "ولها صداق نسائها" (١) . فإن المرأة تطلب لحسبها كما جاء في الأثر وحسبها يختص به أقاربها، ويزداد المهر لذلك ويقل لعدمه. وتعتبر المساواة (في مال) متعلق بيساويها وكذا ما بعده، (وجمالٍ، وعقلٍ وأدبٍ، وسِنٍ، وبَكارةٍ أو ثُيُوبةٍ، و) في (بلدٍ) وفي صراحةِ نسبها وكل ما يختلف لأجله الصداق. وإنما اعتبرت هذه الصفات؛ لأن مهر المثل إنما هو بدل متلف. فاعتبرت الصفات المقصودة فيه. (فإن لم يكن) في نسائها (إلا دونها: زيدَت بقدر فضيلتها)؛ لأن زيادة فضيلتها يقتضي زيادة في مهرها، فتقدر الزيادة بقدر الفضيلة. (أو) لم يوجد في نسائها (إلا فوقها: نُقِصت بقدر نقصها)؛ كأرش العيب بقدر نقص المبيع. (وتُعتبر عادة: في تأجيل) أي: عادة نسائها في تأجيل المهر (وغيره)؛ كفي جنسه. وإن كانت عادتهم التخفيف على عشيرتهم دون غيرهم اعتبر ذلك. وعلى هذا: لو كانت عادتهم التخفيف لمعنى مثل: شرف الزوج ويساره ونحو ذلك اعتبر ذلك جرياً على عادتهم. (فإن اختلفت) عادتهم (أو) اختلفت (المهور: أُخذ بـ) مهر (وسطٍ حال) من نقد البلد. فإن جمعت نقوداً فمن غالبه؛ لأنه بدل متلف. فأشبه قيم المتلفات. (وإن لم يكن لها أقارب: اعتُبر شَبَهُها بنساء بلدها. فإن عُدمن) أي: عدمت نساء بلدها: (فـ) يكون الاعتبار (بأقرب النساء شَبهاً بها، من أقرب بلد إليها)؛ لأنه لما تعذر أقاربها اعتبر أقرب الناس شبهاً بها من غيرهم، كما اعتبرنا الأقارب البعيدة مع عدم الأقارب القريبة.

стр. 4073

[فصل: في صداق العقد الفاسد] (فصل. ولا مهر بفرقة قبل دخول) [أو خلوة] (١) ، (في نكاح فاسد، ولو بطلاق أو موت)؛ لأن المهر يجب بالعقد والعقد فاسد؛ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه. فإذا افترقا قبل الدخول بطلاق أو غيره فلا مهر فيه؛ لأنه عقد فاسدُ. فيخلو من العوض؛ كالبيع الفاسد. (وإن دخل) أي: وطئ فيه الزوجة (أو خلا بها) فيه: (استقر) عليه المهر (المسمى) على الأصح المنصوص؛ لأن في بعض ألفاظ حديث عائشة " ولها الذي أعطاها بما أصاب منها " (٢) . قال القاضي: حدثناه أبو بكر البرقاني وأبو محمد الخلال بإسنادهما. ولأنهما اتفقا على أنه المهر. فيلزمهما ذلك باعترافهما. واستقراره بالخلوة بقياسه على العقد الصحيح. (ويجب مهر المثل بوطءٍ ولو) كان الوطء (من مجنون في) نكاح (باطل إجماعاً)؛ كنكاح زائدة على أربع، (أو) وطء (بشبهة، أو) وطء (مكرَهة على زناً)، إذا كان وطؤها (في قُبُل دون أرش بكارة) للمكرهة على الأصح. يعني: أنه متى وطئت امرأة باسم نكاح باطل إجماعاً، أو وطئت بشبهة؛ كمن وطئ امرأة أجنبية يظنها امرأته (٣) ، أو وطئت امرأة مكرهة بزنا فإنه يجب لها مهر المثل بذلك؛ لقوله ﷺ : " فلها المهر بما استحل من فرجها " (٤) أي: نال منه،

стр. 4074

وهو الوطء. فإن ذِكْره الاستحلال في غير موضع الحل دليل على إرادة المباشرة المقصودة بالاستحلال وهي الوطء وقد وجدناها هنا. فيجب المهر بذلك. ولأنه إتلاف للبضع بغير رضى مالكه. فأوجب القيمة وهو المهر، كسائر المتلفات. وأما كونه لا يجب مع المهر أرش البكارة، لأنه وطء ضُمِن بالمهر. فلا يجب معه الأرش؛ كسائر الوطء. ولأن الأرش يدخل في مهر المثل، لأنه يعتبر ببكرٍ مثلها، فلا يجب مرة أخرى. ولا فرق بين كون الموطوءة أجنبية أو من ذوات محارمه على الأصح؛ لأن ما ضُمن للأجنبي ضمن للمناسب؛ كالمال ومهر الأمة. ولأنه أتلف منفعة بضعها بالوطء. فلزمه مهرها؛ كالأجنبية. ولأ ـحل مضمون على غيره. فوجب عليه ضمانه؛ كالمال. وبهذا فارق اللواط فإنه غير مضمون على أحد؛ لأن الشرع لم يرد ببدله ولا هو إتلاف لشيء. فأشبه القبلة والوطءَ دون الفرج. (ويتعدد) المهر (بتعدُّدِ شبهة)؛ كما لو وطئها ظاناً أنها زوجته فاطمة، ثم وطئها ظاناً أنها زوجته عائشة، ثم وطئها ظانا انها أمته فإنه يجب عليه ثلاثة مهور. (و) يتعدد عليه المهر أيضاً بتعدد (إكراه) على الزنا، لا بتكرار الوطء في الشبهة الواحدة. قاله بمعناه في " الترغيب " وغيره. وذكر أبو يعلى الصغير: يتعدد بتعدد الوطء في الشبهة، لا في نكاح فاسد. وفي " المغني " و" النهاية " وغيرهما في الكتابة (١) : يتعدد في نكاح فاسد ووطؤه مكاتبته: إن استوفت مهراً عن الوطء الأول، وإلا فلا. وفي " الانتصار " و" عيون المسائل " و" المغني ": لا يتعدد في نكاح

стр. 4075

فاسد. وقاله في " التعليق "؛ لدخولها على أن تستحق مهراً أي: واحداً. (ويجب) المهر (بوطءِ ميتة). قال في "الفروع ": ولو وطئ ميتة لزمه المهر في ظاهر كلامهم. وهو متجه. وقيل للقاضى: لو لم يبطل الإحرام بالموت لزمته الفدية إذا طيب؟ فقال: إنما لم تلزمه؛ لأن وجوبها يتعلق بحصول الانتفاع بذلك، وبالموت يزول، والمنع لحق الله، ولا يزول بالموت. ولأنه باطل بالمحُرم الميت في عهد النبي ﷺ . ولأنه لا يمتنع بقاء التحريم. ويزول الضمان بالمال، كما أن كسر عظم الميت محرم ولا ضمان، ووطء الميتة محرم ولا مهر ولا حد. فسوَّى القاضي بين المهر والحد في النفي، فقد يتوجه منه استواؤهما، فيثبت في هذا ما يثبت في هذا. انتهى. (لا مطاوعةٍ) يعني: أنه لا يجب للحرة المطاوعة على الزنا مهر؛ لأنه إتلاف للبضع برضى مالكه. فلم يجب له شئ؛ كسائر المتلفات، وسواء كان الوطء في قبل أو دبر. (غير أمة)، لأنها لا تملك بضعها ولا يسقط حق سيدها بطواعيتها. (أو مبعَّضة بقدر رق) يعني: أن المبعضة لو طاوعت على الزنا لا يسقط حق مالك بعضها (١) من مهرها ما يقابل قدر ماله فيها من الرق؛ لأن رضاها لا يسقط حق مالك بعضها من مهرها. (وعلى من أذهبَ عُذرة أجنبية) أي: غير زوجة (بلا وطء، أرشُ بكارتها) لا مهر مثلها على الأصح؛ لأنه إتلاف جزء لم يرد الشرع بتقدير عوضه. فرجع فيه إلى أرشه؛ كسائر المتلفات. (وإن فعله) أي: أذهب عذرتها (زوج) بلا وطء، (ثم طلَّق) من أذهب عذرتها بغير الوطء (قبل دخول) بها: (لم يكن عليه إلا نصف المسمى)؛

стр. 4076

لقوله : ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذه مطلقة قبل المسيس والخلوة فلا يكون لها سوى نصف الصداق المسمى. ولأنه أتلف ما يستحق إتلافه بالعقد. فلا يضمنه بغيره؛ كما لو أتلف عذرة أمته. (ولا يصح تزويج مَن نكاحها فاسد، قبل طلاقٍ أو فسخٍ. فإن أباهما) أي: أبى الطلاق والفسخ (زَوْج: فَسَخَه حاكم). نص عليه. وظاهره لو زوجها (١) قبل فسخه لم يصح مطلقاً، خلافا لمالك. قاله في" الفروع ". وقال الشافعي: لا حاجة إلى فسخ ولا طلاق، لأنه نكاح غير منعقد. أشبه النكاح في العدة. ولنا: أنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتيج في التفريق إلى إيقاع فرقة؛ كالصحيح المختلف فيه. ولأن تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسليط زوجين عليها، كل واحد منهما يعتقد صحة نكاحه وفساد نكاح الآخر. ويفارق النكاح الباطل من هذين الوجهين. قال في " شرح المقنع ": فعلى هذا متى تزوجت بآخر قبل التفريق: لم يصح النكاح الثاني، ولم يجز تزويجها لثالث حتى يطلّق الأولان أو يفسخ نكاحهما. انتهى. (ولزوجة قبل دخول، منعُ نفسها) من الزوج (حتى تقبض مهراً حالاًّ) عليه. ولا فرق في ذلك بين المسمى لها والمفوضة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: أن للمراة أن تمتنع من دخول الزوج عليها حتى يعطيها مهرها.

стр. 4077

ولأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء. فإذا تعذر استيفاء المهر عليها لم يمكنها استرجاع عوضها. بخلاف البيع. (لا) إذا كان المهر (مؤجلاً) ثم (حلَّ)؛ لأنها رضيت بتأخيره. (ولها زمنه) أي: وللزوجة زمن امتناعها من أجل قبض مهرها الحالّ: (النفقة). قال في " الفروع ": وعلّل أحمد وجوب النفقة بأن الحبس من قبله. وظاهر كلام جماعة: لا نفقة. وهو متجه. انتهى. (و) للزوجة أيضاً زمن امتناعها من أجل قبض مهرها الحال (السفر بلا إذنه) أي: إذن الزوج؛ لأنه لم يثبت للزوج عليها حق الحبس. فصارت كمن لا زوج لها. ولو بقي منه درهم كان كبقاء جميعه؛ كسائر الديون. قال في " الإنصاف ": حيث قلنا لها منع نفسها: فلها أن تسافر بغير إذنه. قطع به الجمهور. وقال في " الروضة ": لها ذلك في أصح الروايتين. انتهى. (ولو قبضته) أي: قبضت مهرها الحال (وسلَّمت نفسها، ثم بان) الذي قبضته (مَعيباً: فلها منع نفسها) حتى تقبض بدله؛ لأنها إنما أسلمت نفسها ظناً منها أنها قبضت صداقها فتبين عدمه. (ولو أبى كلُ) من الزوج والزوجة (تسليم ما وجب عليه) للآخر؛ بأن قال الزوج: لا أسلم إليها الصداق حتى أتسلمها، وقالت: لا أسلم نفسي حتى أقبض صداقي الحالّ: (أُجبر زوج) على تسليم الصداق أوّلاً، (ثم) أجبرت (زوجة) على تسليم نفسها؛ لأن في إجبارها على تسليم نفسها أولاً خطر إتلاف البضع، والامتناع من بدل الصداق. فلا يمكن الرجوع في البضع. (وإن بادر أحدهما) أي: أحد الزوجين (به) أي: ببذل ما وجب عليه للآخر: (أُجبر الآخر)؛ لأنه لم يبق له حجة في التأخير. (ولو أبت) الزوجة (التسليم) أي: تسليم نفسها (بلا عذر) لها: (فله) أي: فللزوج (استرجاع مهرٍ قُبض) أي: قبضته منه.

стр. 4078

قال في " الإنصاف ": فإن بادر هو فسلم الصداق فله طلب التمكين. فإن أبت بلا عذر فله أسترجاعه. انتهى. (وإن دخل) الزوج بها مطاوعة (أو خلا بها مطاوعة: لم تملك منع نفسها) منه (بعد) أي: بعد ما ذكر في الأصح؛ لأن التسليم استقر به العوض برضى المسلم. فلم يكن لها أن تمنع (١) نفسها بعد ذلك. وعلم مما تقدم أنه لو وطئها مكرهه لم يسقط حقها من الامتناع بعد ذلك؛ لأنه حصل بغير رضاها فهو كالمبيع إذا أخذه المشتري من البائع كرهاً. (وإن أعسر) الزوج (بمهر حالٍّ ولو بعد دخول) في الأصح (فلحرة مكلفة) أي: فللزوجة إن كانت حرة مكلفة (الفسخ)؛لأنه تعذر الوصول إلى العوض بعد قبض المعوض. فكان لها الفسخ؛ كما لو أفلس المشتري. ومحل ذلك الفسخ: (ما لم تكن) الزوجة (عالمة بُعسرته) أي: عسرة الزوج حين العقد لرضاها به معسراً. (والخِيَرَة) في الفسخ (لـ) ـزوجة (حرة) مكلفة (وسيد أمة. لا ولي صغيرة ومجنونة)؛ لأن الحق إذا كانت حرة مكلفة لها، وإذا كانت أمة فلسيدها؛ لأنه مالك نفعها. والصداق عوض منفعتها فهو ملكه. (ولا يصح الفسخ إلا بحكم حاكم)؛ لأنه فسخ مختلف فيه. فأشبه الفسخ للعنة، والفسخ للإعسار بالنفقة. ولأنه لو قيل بصحته بغير حكم حاكم لاعتقدت الزوجة إباحتها للأزواج بذلك، والزوج يعتقد بقاء زوجته. فإذا تزوجت معتمدة على فسخها من غير حاكم صار لها زوجان كل واحد يعتقد حلها له وتحريمها على الآخر. وهذا لا يكون في الإسلام. ومن اعترف لامرأة بأن هذا ابنه منها لزمه لها مهر مثلها؛ لأنه الظاهر. قاله في " الترغيب " واقتصر عليه في " الفروع ".

стр. 4079

[باب: الوليمة] (باب الوليمة. وهي اجتماعُ لطعام عُرْس خاصة). هذا قول أهل اللغة. قاله في " المطلع ". قال ابن عبدالبر: قاله ثعلب وغيره. واختاره الموفق والشارح وغيرهما. وقدمه في " النظم ". وقال بعض أصحابنا: الوليمة تقع على كل طعام لسرورٍ (١) حادث إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر. وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث إطلاقاً متساوياً. قاله القاضي في" الجامع ". نقله عنه الشيخ تقي الدين. وقال في " المستوعب ": وليمة الشيء: كماله وجمعه؛ لأنها مشتقة من الالتيام والاجتماع. قال ابن الأعرابي. يقال: أوْلم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه. وأصل الوليمة تمام الشئ واجتماعه. ويقال للقيد: ولم؛ لأنه يجمع إحدى الرجلين إلى الأخرى. وقال الأزهري: مسمي طعام العرس وليمة؛ لاجتماع الرجل والمرأة. (وحِذَاق): اسم (لطعام عند حِذَاقِ صبي. وعَذِيرة وإعْذار). اسم (لطعام ختان. وخُرْسة وخُرْس): اسم (لطعام ولادة.

стр. 4080

ووكِيرةُ): اسم (لدعوة بِناء. ونَقيعة): اسم لطعام (لقدوم غائب. وعَقِيقة): اسم (لذبح لمولود. ومَأدُبة): اسم (لكل دعوة لسبب وغيره. ووضيِمةُ): اسم (لطعام مأتم. وتُحفة): اسم (لطعام قادم. وشُنْدخِيَّة): اسم (لطعام إملاكٍ على زوجة. ومُشدَاخ): اسم (لـ) طعام (مأكول في ختمة القارى). وقد نظمها بعضهم ولم يستوعبها، فقال: وليمة عرس، ثم خُرس ولادة … وليمة عرس، ثم خُرس ولادة ومأدبة أطلق نَقيعة غائب … وَضِيمة موت والوَكيرة للدار وزيدت لأملاك المزوج شندخ … ومشداخ المأكول في ختمة القاري فأخلَّ بالحذاق وبالتحفة. (ولم يخُصُّوها) أي: الدعوة (لإخاءٍ وتَسَرٍ باسم. وتسمى الدعوة العامة: الجَفَلَى) بفتح الفاء. (و) تسمى الدعوة (الخاصة: النّقَرى). قال الشاعر: نحن في المشتاة (١) ندعو الجفلى … نحن في المشتاة (٢) ندعو الجفلى أي: يخص قوماً دون قوم. والآدب بالمد: صاحب المأدبة. (وتُسن الوليمة بعقد) أي: عقد النكاح؛ لما روي أن النبي ﷺ أمر بها

стр. 4081

وفعلها " فقال لعبد الرحمن بن عوف حين قال له: تزوجت: أولم ولو بشاة " (١) . وقال الحسن: " ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه ما أولم على زينب جعل يبعثني فأدعو له الناس فأطعمهم لحماً وخبزاً حتى شبعوا " (٢) . وقال أنس: " إن رسول الله ﷺ اصطفى صفية لنفسه فخرج بها حتى بلغ ثنية الصهباء. فبنى بها. ثم صنع حيساً في نِطع صغير. ثم قال: ائذن لمن حولك. فكانت وليمة رسول الله ﷺ على صفية " (٣) متفق عليهن. قال في " الإنصاف ": تستحب الوليمة بالعقد. قاله ابن الجوزي، واقتصر عليه في " الفروع "، وقدمه في " تجريد العناية ". وقال الشيخ تقي الدين: تستحب بالدخول. قلت: الأولى أن يقال: وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس؛ لصحة الأخبار في هذا وهذا. وكمال السرور بعد الدخول، لكن قد جرت العادة فعل ذلك قبل الدخول بيسير. انتهى. وقال في " الإنصاف " أيضاً: ولو بشاة فأقل. قاله في "الرعايتين "و " الحاوي الصغير " و" الفروع " وغيرهم.

стр. 4082

وقال في"الهداية"و"المذهب"و"المستوعب"و"الخلاصة"و"المحرر"وغيرهم: يستحب أن لا تنقص عن شاة. انتهى. والإجابة إلى دعوة الوليمة واجبة بشروط أشير إليها بقوله: (وتجب إجابة من عيَّنه) بالدعوة (داعٍ مسلم: يحرُم هجره، ومكسبُه طيب إليها) أي: إلى الوليمة، (أول مرة: بأن يدعوه في اليوم الأول). وسيأتى الكلام على محترزات ما ذكر. ووجه وجوب الإجابة؛ ما روى أبو هريرة مرفوعاً قال: "شرالطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لا يجب فقد عصى الله ورسوله " (١) رواه مسلم. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم إليها " (٢) متفق عليه. وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ : "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله " (٣) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. فجعل ترك الإجابة عصياناً لله ورسوله. وهذا معنى الوجوب. ولأن الدعوة إنما تصنع للفرح والسرور باجتماع الإخوان، وفي ترك الإجابة كسر (٤) لقلب الداعي. فوجبت الإجابة لذلك. وقيل: إجابة الدعوة فرض كفاية.

стр. 4083

وقيل: مستحبة. (وتُكره إجابة من في ماله) جزء (حرام؛ كأكله) يعني: كما يكره أكله (منه، ومعاملته، وقبول هديته، و) قبول (هبته، ونحوه)؛ كقبول صدقته. وفي جواز الأكل من مال من في ماله حرام أربعة أقوال: أحدها: التحريم مطلقاً. قطع به ولد الشيرازي في " المنتخب ". قال الأزجي في " نهايته ": هذا قياس المذهب. وقدمه أبو الخطاب في" الانتصار ". وسأل المروذي أحمد عن الذي يعامل بالربا يأكل عنده؟ قال: لا. قال في "الرعاية الكبرى " في آدابها: ولا يأكل مختلطاً بحرام بلا ضرورة. القول الثاني: إن زاد الحرام على الثلث حرم الأكل وإلا فلا. قدمه في" الرعاية ". القول الثالث: إن كان الحرام أكثر حرم الأكل، وإلا فلا إقامة للأكثر مقام الكل. قطع به ابن الجوزي في " المنهاج ". نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورِث مالاً فيه حرام: إن عرف شيئاً بعينه رده، وإن كان الغالب على ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا. ونقل حرب في الرجل يخلف مالاً: إن كان غالبه نهباً أو ربا ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه، إلا أن يكون يسيراً لا يعرف. القول الرابع: عدم التحريم مطلقاً قلّ الحرام أو كثر، لكن يكره. وتَقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته. جزم به في"المغني " و"الشرح "،وقاله ابن عقيل في " فصوله " وغيره، وقدمه الأزجي وغيره. وهذا القول هو الذي في المتن. قال في " الإنصاف ": قلت: وهذا المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة. وأطلقهن في " الفروع " في باب صدقة التطوع و" القواعد الأصولية ". قال في " الفروع ": وينبني على هذا الخلاف حكم معاملته وقبول صدقته وهبته وإجابة دعوته ونحو ذلك. انتهى.

стр. 4084

وحيث تقرر أنه إنما تجب إجابة من عينه الداعي المسلم في اليوم الأول (فإن دعا) رب الوليمة (الجفَلَى) بفتح الفاء، ويقال: الأجفلى وذلك، (كـ) قوله: (أيها الناس تعالوا إلى الطعام)، أو قال رسول رب المال: أمرت أن أدعو كل من لقيته، أو أمرت ان أدعو كل من شئته: كرهت في أصح الوجوه. قال في " الإنصاف ": جزم به في " الكافي " و" الرعايتين " و" الوجيز " وغيرهم. انتهى. وقيل: لم تجب ولم تستحب. قاله الموفق وشارح " المقنع " وغيرهما. وقيل: تباح (١) . (أو) دعاه رب الوليمة (في) المرة (الثالثة)، كما لو دعاه في اليوم الثالث كرهت إجابته. نقل حنبل: إن أحب أجاب في الثاني ولا يجيب في الثالث. وذلك " لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الوليمة أول يوم حق، والثانى معروف، والثالث رياء وسمعة " (٢) رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما. وروي عن سعيد بن المسيب " أنه دُعي إلى وليمة مرتين فأجابه، فدعي الثالثة فحصب الرسول " (٣) رواه الخلال. (أو دعاه ذمي: كُرهت إجابته). قال في " الإنصاف ": وأما إذا دعاه الذمي فالصحيح من المذهب: لا تجب إجابته. ثم قال: فعلى المذهب: تكره إجابته، على الصحيح من المذهب. انتهى.

стр. 4085

وذلك؛ لأن المطلوب إذلال أهل الذمة وذلك ينافي إجابتهم؛ لما في الإجابة من الإكرام. ولأنه لا يؤمن اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة. (وتُسن) الإجابة إلى دعوة الوليمة إذا دعي (في ثاني مرة)، كما لو دعي إليها في اليوم الثانى؛ لما في الحديث أنه ﷺ قال: " الوليمة أول يوم حق والثانى معروف " (١) . (وسائر الدعوات) أي: باقيها (مباحة) يعني: لا تكره ولا تستحب نص عليه. أما كونها" لا تكره؛ فلما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب. فإن شاء طعم وإن شاء ترك " (٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه. و"كان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم " (٣) متفق عليه. ولو لم تكن مباحة لبيَّنها النبي ﷺ فإن هذه الألفاظ تدل على الأمر بالإجابة إليها، وأقل درجات الأمر الاستحباب، لكن لا تستحب، بمعنى: أنها غير مسنونة؛ لأنها لم تكن تفعل في عهد رسول الله ﷺ وأصحابه. فروى الحسن قال: " دعي عثمان بن أبي العاص إلى ختانٍ. فأبى أن يجيب وقال: كنا لا نأتى

стр. 4086

الختان على عهد رسول الله ﷺ ولا ندعى إليه " (١) رواه أحمد. (غير عقيقة فُتسن، و) غير دعوة (مأتم فتُكره). هذا استثناء من باقي الدعوات غير الوليمة. وتقدم الحكم في كل من ذلك في محله. (والإجابة إليها) أي: إلى باقي الدعوات غير الوليمة (مستحبة)؛ لما روى البراء " أن النبي ﷺ أمر بإجابة الداعي " (٢) متفق عليه. وأدنى أحوال الأمر الاستحباب. ولحديث جابر السابق. ولأن في الإجابة جبر قلب الداعي، وتطييب خاطره. وقد دعي أحمد إلى ختان فأجاب وأكل. (غير) إجابة دعوة (مأتم فتُكره). وتقدم ذلك في كتاب الجنائز. (ويستحب) لمن دعي إذا حضر الطعام (أكله) منه (ولو) كان (صائماً) متطوعاً. ولأن له الخروج من الصوم. ولأن في أكله إدخال السرور على قلب أخيه المسلم. وقد روي " أن النبي ﷺ كان في دعوة ومعه جماعة فاعتزل رجل من القوم ناحية، فقال: إنى صائم. فقال النبي ﷺ : دعاكم أخوكم وتكلف لكم. كُلْ ثم صم يوماً مكانه إن شئت " (٣) .

стр. 4087

وروى أبو حفص بإسناده عن عثمان بن عفان " أنه أجاب عبد (١) المغيرة وهو صائم فقال: إنى صائم ولكني (٢) أحببت (٣) أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة ". (لا) إن كان صائماً (صوماً واجباً) فلا يفطر؛ لقوله : ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. ولأن الفطر محرم والأكل غير واجب. وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليدَع، وإن كان مفطراً فليطعم ". رواه أبو داود. وفي رواية: " فليصل " (٤) . يعني: يدعو. و" دعي ابن عمر إلى وليمة فحضر ومد يده، وقال: بسم الله، ثم قبض يده وقال: كلوا فإني صائم " (٥) . وسُن الإخبار بصيامه كما فعل ابن عمر؛ ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة في ترك الأكل. وعن عبد الله قال: إذا عرض على أحدكم الطعام وهو صائم فليقل: إنى صائم، وإن كان مفطراً فالأولى له الأكل؛ لأنه أبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه. (وإن أحب دعا وانصرف)؛ لقول النبي ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك " (٦) .

стр. 4088

في " شرح المقنع ": حديث صحيح. (فإن دعاه أكثر من واحد) في وقت واحد: (أجاب الأسبق قولاً)؛ لأن الإجابة وجبت بدعاء الأول. فلم يزل الوجوب بدعاء من بعده، ولم تجب إجابته؛ لأنها غير ممكنة مع إجابة الأول. فإن استويا (فالأدْيَن) أي: أجاب الأدين من الداعين؛ لأنه الأكرم عند الله. فإن استويا في الدين (فالأقرب رحماً)؛ لما في تقديمه من صلة الرحم. فإن استويا في القرابة (فـ) الأقرب (جِواراً)؛ لما روى أبو داود بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا اجتمع داعيان أجب أقربهما باباً. فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً " (١) . وروى البخاري عن عائشة قالت: " قلت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؛ قال: أقربهما منك باباً " (٢) . ولأن هذا من أبواب البر فقدم بهذه المعاني. (ثم قُرع) يعني: أنه إذا دعاه أكثر من واحد واستووا في هذه المعاني أقرع بينهما أو بينهم؛ لأن القرعة تعني المستحق عند استواء الحقوق. (وإن عَلم) من دعي (أن في الدعوة منكراً؛ كزمر وخمر وأمكنه الإنكار: حضر وأنكر)؛ لأنه يؤدي بذلك فرضين: إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر. (وإلا) أي: وإن لم يمكنه الإنكار (لم يحضر)؛ لأن الإجابة حينئذ لا تجب بل تحرم؛ لما روى عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر " (٣) رواه أحمد،

стр. 4089

ورواه الترمذي من حديث جابر؛ لأنه يكون قاصداً لرؤية المنكر وسماعه بلا حاجة. (ولو حضر) من غير علم بالمنكر (فشاهده) أي: شاهد المنكر: (أزاله)؛ لوجوبه عليه، (وجلس) بعد ذلك إجابة لمن دعاه. (فإن لم يقدر: انصرف)؛ لئلا يكون قاصداً لرؤيته أو سماعه. ولما روى نافع قال: " كنت أسير مع عبد الله بن عمر فسمع زمارة راع (١) . فوضع أصبعيه في أذنيه. ثم عدل عن الطريق. فلم يزل يقول: يا نافع! أتسمع؟ حتى قلت: لا. فأخرج أصبعيه من أذنيه. ثم رجع إلى الطريق. ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع " (٢) رواه أبو داود والخلال. وخرج أحمد من وليمة فيها آنية فضة، فقال الداعي: نحولها فأبى أن يرجع. نقله حنبل. (وإن عَلم به) أي: بالمنكر (ولم يره ولم يسمعه: أُبيح الجلوس) والأكل أيضاً. نص عليه. وأبيح له الانصراف فيخير. وذلك؛ لأنه لا يجب عليه إنكار مع عدم رؤية المنكر وعدم سماعه. (وإن شاهد سُتوراً معلَّقة فيها صُور حيوان: كُره) له الجلوس ما دامت معلقة في الأصح. قال في " الإنصاف ": والمذهب لا يحرم. انتهى. قال أحمد في رواية الفضل: إذا رأى صوراً على الستر لم يكن رآها حين دخل، قال: هو أسهل من أن تكون على الجدار. قيل له: فإن لم يرها إلا عند وضع الخوان بين أيديهم أيخرج؟ فقال: لا يضيق على الناس، ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم يعني: ولا يخرج. واحتج من حرم الجلوس معها بأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة (٣) .

стр. 4090

ولأنه لو لم يكن محرماً لما جاز ترك الدعوه الواجبة لأجله. ولنا: ما روي " أن النبي ﷺ دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام. فقال: قاتلهم الله، لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط " (١) . رواه أبو داود. ولأن دخول "الكنائس والبِيَع غير محرم وهي لا تخلو منها. وكون الملائكة لا تدخله لا يوجب تحريم دخوله، كما لو كان فيه كلب. ولا تحرم علينا صحبة رفقة فيها جرس، مع أن الملائكة لا تصحبهم. وأما إباحة ترك الدعوة من أجلها؛ فعقوبه لفاعله وزجر له عن فعله. (لا إن كانت) الصور (مبسوطة، أو) كانت (على وِسادة) فإنه لا يكره الجلوس معها؛ لما روت عائشة قالت: " قدم النبي ﷺ من سفر وقد سترت له سهوة (٢) بنمط فيه تصاوير. فلما رآه قال: أتسترين الجدار بستر فيه تصاوير؟ فهتكه. قالت: فجعلت منه منبذتين كأني أنظر إلى النبي ﷺ متكئاً على إحداهما " (٣) رواه ابن عبد البر. قال في " القاموس ": والسهوة: الصُّفَّة أو المُخْدَع بين بيتين، أو شبه الرَّفِ والطاقِ: يوضع فيه الشيء، أو بيت صغير شبه الخزانة الصغيرة، أو أربعة أعواد أو ثلاثة، يعارَض بعضها على بعض، ثم يوضع عليه شيء من الأمتعة. انتهى. والمنبذتان: تثنية مِنْبَذَة كمكنسة وهي: الوسادة.

стр. 4091

ولأنها إذا كانت مبسوطة تداس أو تتبذل (١) لم تكن معزوزة ولا معظمة فلا تشبه الأصنام التي تعبد وتتخذ آلهة فلا تكره. ومتى قطع رأس الصورة ذهبت الكراهة. قال ابن عباس: الصورة الرأس فإذا قطع فليس بصورة. وروي ذلك عن عكرمة. وإن قطع من الصورة ما لا يبقى بعد ذهابه حياة؛ كقطع صدرها فهو كقطع الرأس. وإن بقيت معه الحياة؛ كقطع اليد والرجل فهي باقية على دخولها تحت النهي كبقية الصورة التي لم يقطع منها شيء. فإن كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس أو رأس بلا بدن أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان لم يدخل في النهي. وأما صنعة التصاوير فمحرمة (٢) على فاعلها؛ لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (٣) . وعن مسروق قال: "دخلت مع عبد الله بيتا فيه تماثيل. فقال لتمثال منها: تمثال من هذا؟ قالوا: تمثال مريم. قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون " (٤) متفق عليهما. (وكُره ستر حيطان بستور لا صُوَرَ فيها، أو فيها صور غير حيوان، بلا ضرورة: من حر أو برد) على الأصح. ووجود ذلك عذر في ترك الإجابة إلى الدعوة؛ بدليل ما روى سالم بن عبد الله بن عمر قال: " أعرست في عهد أبي. فآذن إلى الناس. فكان فيمن آذن

стр. 4092

أبو أيوب وقد ستروا بيتي بجادي أخضر. فأقبل أبو أيوب مسرعاً. فاطلع فرأى البيت مستتراً (١) بجادي أخضر. فقال: يا عبد الله! أتستر الجدر؟ فقال أبي واستحيى: غلبتنا النساء يا أبا أيوب! فقال: من خشيت أن يغلبنه لم أخش أن يغلبنك (٢) . ثم قال: لا أطعم لك طعاماً ولا أدخل لك بيتاً، ثم خرج " (٣) . رواه الأثرم. وإنما لم يحرم؛ لأنه لم يثبت في تحريمه حديث. وقد فعله ابن عمر وفُعل في زمن الصحابة. ولأن ذلك تغطية للحيطان فهو بمنزلة التجصيص. وإن ثبت الحديث السابق فهو محمول على الكراهة. ومحل الكراهة: (إن لم تكن) الستور (حريراً) فإن كانت حريراً حرمت، وإلى ذلك أشير بقوله: (ويحرُم به) أي: وتحرم الستور من حرير. وتقدم ذلك في باب ستر العورة. (و) يحرم أيضاً (جلوس معه) أي: مع ستر الحيطان بالحرير؛ لأن ذلك من المنكر. (و) يحرم أيضاً (أكل) من طعام غيره (بلا إذن صريح، أو قرينة) تدل على الإذن؛ كتقديم الطعام إليه والدعاء ونحوه، حتى (ولو) كان أكله (من بيت قريبه أو صديقه)، حتى (و) لو (لم يُحرزه عنه). نقله عن أحمد ابن قاسم وابن النضر. وجزم به في "الجامع ". قال في " الفروع ": وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره: يجوز، واختاره شيخنا، وهو أظهر. انتهى.

стр. 4093

وذلك، لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " من دخل على غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً " (١) رواه [أبو داود] (٢) . ولأنه مال غيره. فلا يباح أكله بغير إذنه؛ كغيره من طعامه. (والدعاء إلى الوليمة، أو تقديم الطعام إذنُ فيه)؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فذلك إذن " (٣) رواه أحمد وأبو داود. وقال عبد الله بن مسعود: " إذا دعيت فقد أُذن لك ". رواه الإمام أحمد بإسناده (لا في الدخول). قال في " الفروع ": وليس الدعاء إذناً للدخول في ظاهر كلامهم خلافاً للـ " مغني ". وفي " الغنية ": لا يحتاج بعد تقديم الطعام إذناً إذا جرت العادة في ذلك البلد بالأكل بذلك، فيكون العرف إذناً. انتهى. (ولا يملكه) أي: يملك الطعام (من قُِّدم إليه) بتقديمه (٤) ، (بل يَهلك) الطعام بالأكل وهو (على ملك صاحبه). قال المجد: مذهبنا لا يملك الطعام الذي قدم إليه، بل يهلك على ملك صاحبه. قال في القاعدة السادسة والسبعين: أكل الضيف إباحة محضة لا يحصل الملك بحال على المشهور عندنا (٥) ٠ انتهى. قال في " المغني ": إن حلف لا يهبه فأضافه لم يحنث؛ لأنه لم يملكه

стр. 4094

شيئاً، وإنما أباحه الأكل. ولهذا لم يملك التصرف فيه بغير إذنه. انتهى. قال الشيخ عبد القادر: يأكل الضيفُ على ملك صاحب الطعام على وجه الإباحة وليس ذلك بتمليك. انتهى. قال في " الآداب ": مقتضى تعليله في " المغني"التحريم. قال في " الإنصاف ": قلت: والأمر كذلك. انتهى. قال في " الفروع ": ويحرم أخذ طعام. فإن علم بقرينة رضى مالكه ففي" الترغيب ": يكره. ويموجه: يباح، وأنه يكره مع ظنه رضاه. انتهى. ولما انتهى الكلام على أحكام الوليمة وتوابعها وما يتعلق بذلك مما ذكر شرع في الكلام على مسائل من آداب الأكل فقال: (وتُسن التسمية جهراً)؛لينبه غيره عليها (على أكل وشرب)؛ لما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله. فإن نسي أن يذكر اسم ألله في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره " (١) . و" كان رسول الله ﷺ جالساً ورجل يأكل. فلم يسم حى لم يبق من طعامه إلا لقمة. فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله. فضحك النبي ﷺ قال: ما زال الشيطان يأكل معه. فلما ذكر اسم الله قاء ما في بطنه " (٢) رواه أبو داود. والشرب مقيس على الأكل. (و) يُسن (الحمد) أي: أن يحمد الله سبحانه: (إذا فرغ) الآكل أو الشارب من أكله أو شربه؛ لقول رسول الله ﷺ : " إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها " (٣) رواه مسلم. وعن معاذ بن أنس الجهنى عن رسول الله ﷺ قال: " من أكل طعاماً فقال:

стр. 4095

الحمد الله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة. غفرله ما تقدم من ذنبه " (١) رواه ابن ماجه. (و) يُسن (أكله) أي: أكل الآكل (مما يليه بيمينه)؛ لما روى عمر بن أبي سلمة قال: " كنت يتيماً في حجر رسول الله ﷺ . فكانت يدي تطيش في الصحفة. فقال لي النبي ﷺ : يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك " (٢) متفق عليه. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله " (٣) رواه مسلم. (و) يُسن كون أكله (بثلاثِ أصابع)، ولا يمسح يده حتى يلعقها. قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن الأكل بالأصابع كلها فذهب إلى ثلاث أصابع. فذكرت له الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ "أنه كان يأكل بكفه كلها " فلم يصححه، ولم ير إلا ثلاث أصابع. وقد روى كعب بن مالك قال: " كان النبي ﷺ يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها " (٤) رواه الخلال بإسناده. (و) يُسن (تخليل ما عَلِقَ بأسنانه) من الطعام. قال في " المستوعب ": روى عن عمر: " ترك الخلال يوهن الأسنان".وذكره بعضهم مرفوعا ً. وروي: " تخللوا من الطعام، فإنه ليس شيء أشد على الملك الذي على العبد أن يجد من أحدكم ريح الطعام ".

стр. 4096

قال الأطباء: وهو نافع أيضاً اللثة ومن تغيرّ النكهة. قال الناظم: ويلقي ما أخرجه الخلال ولا يبتلعه، للخبر. (و) يُسن (مَسْحُ الصَّحْفة) التي يأكل فيها، (وأكلُ ما تناثَر)، والأكل عند حضور رب الطعام وإذنه. قاله (١) في "الإنصاف" ولم يعزه إلى أحد. (و) يُسن للآكل إذا أكل مع غيره (غَضُ طرفه عن جليسه). قال الشيخ عبد القادر: من الأدب: أن لا يكثر النظر إلى وجوه الآكلين. (و) يُسن (إيثار (٢) على نفسه). قال في "الرعاية الكبرى"و"الآداب": ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب والمروءة، ومع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، وميع العلماء بالتعلم. وقال الإمام أحمد: يأكل بالسرور مع الإخوان، وبالإيثار مع الفقراء، وبالمروءة مع أبناء الدنيا. انتهى. (و) يُسن (شربُه ثلاثاً). قاله (٣) في " الإنصاف ". ولم يعزه إلى أحد. (و) يُسن (غَسلُ يديه) عند إرادة الأكل (قبل طعام: متقدماً به) أي: بالغسل (ربُّه) أي: رب الطعام على الضيف إن كان. (و) غسل يديه أيضاً (بعده) أي: بعد الطعام: (متأخراً به) أي: بالغسل (ربُّه) أي: رب الطعام عن الضيف إن كان. على الأصح. قالى المروذي: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء.

стр. 4097

[وعنه: لا يستحب] (١) قبله؛ لأن ذلك من فعل اليهود. والأول المذهب. ووجهه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع " (٢) رواه ابن ماجه. وروى أبو بكر بإسناده عن الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم " (٣) . يعني به: غسل اليدين. قال في " الفروع ": ويكره بطعام ولا بأس بنخالة، وغسله في الإناء الذي أكل فيه. نص عليهما. ثم قال بعد قليل: ويعرض الماء لغسلهما أو يقدمه بقرب طعامه ولا يعرضه. ذكره في " التبصرة ". (وكُره تنفسُه في الإناء). قال في"الإنصاف ": ويسن الشرب ثلاثاً ويتنفس دون الإناء ثلاثاً، فإن تنفس فيه كره. (و) كُره (ردُّ شيء) من طعام أو شراب (من فيه) أي: من فمه (إليه) أي: إلى الإناء. قال في " الإنصاف ": ويكره إخراج شيء من فيه ورده إلى القصعة. ولا يمسح يده بالخبز، ولا يستبذله. ولا يخلط طعاماً بطعام. قاله الشيخ عبد القادر. (و) كُره (نفخُ الطعام) ليبرد. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. زاد في " الرعاية "و" الآداب " وغيرهما: والشراب. وقال في " المستوعب ": النفخ في الطعام والشراب والكتاب منهي عنه.

стр. 4098

وقال الآمدي: لا يكره النفخ والطعام حار. قلت: وهو الصواب إن كان ثَم حاجة إلى الأكل حينئذ. انتهى. (و) كره أيضاً (أكله) أي: أكل الطعام (حاراً). قال في " الإنصاف ": قلت: عند عدم الحاجة. (أو أكله) يعني: أنه يكره الأكل (من أعلا الصَّحْفة أو وسطها)، لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يأكل أعلا الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها. فإن البركة تنزل من أعلاها " (١) . وفي حديث آخر: " كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يُبارك فيها " (٢) رواهما ابن ماجه. (و) كُره لمن حضر مائدة (فعلُ ما يَستقذِرُه من غيره) بأن يتمخط ونحوه. [قال في" الإنصاف": وكذا يكره الكلام بما يستقذر أو بما يضحكهم [أو يحزنهم. قاله عبدالقادر. (و) كُره لرب الطعام (مَدحُ طعامه وتقويمُه)] (٣) . قال في " الإنصاف "] (٤) : وحرمهما في " الغنية ". (و) كُره (عيبُ الطعام). قال في"الإنصاف": وحرمه في " الغنية ". (و) كُره (قِرانُه في تمر مطلقاً) في الأصح. وقيل: مع شريك لم يأذن.

стр. 4099

قال في "الفروع ": قال في"الترغيب" وشيخنا: ومثله قران ما العادة بتناوله إفراداً. (و) كُره (أن يَفْجَأ قوماً عند وضع طعامهم تعمُّداً). قال في " الإنصاف ": كره الإمام أحمد أن يتعمد القوم عند وضع الطعام فيفجأهم. وإن فجأهم بلا تعمد: أكل. نص عليه. وأطلق في " المستوعب " وغيره: الكراهة، إلا من عادته السماحة. انتهى. (و) كُره (أكلُ بشماله بلا ضرورة). قال في " الإنصاف ": ويكره ترك التسمية والأكل بشماله، إلا من ضرورة على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وذكره النووي في الشرب إجماعاً. وقيل: يجبان. اختاره ابن أبي موسى. (و) كُره (أكله كثيراً: بحيث يؤذيه). ويجوز [أكله كثيراً] (١) بحيث لا يؤذيه. قال في " الفروع ". قاله قي " الترغيب "، وهو مراد من أطلق. وفي " الغنية ": يكره مع خوف تخمة. وكَره شيخنا أكله حتى يتخم، وحرمه أيضاً. وحرم أيضا الإسراف، وهو: مجاوزه الحد. انتهى. (أو قليلاً: بحيب يَضرُّه). قال أحمد في أكله قليلاً: ما يعجبني. قال في " الإنصاف ": ولا يقلل من الأكل بحيب يضره ذلك. (و) كُره (شربُه من فمِ سِقَاء).

стр. 4100

قال في " الإنصاف ": وكره الإمام أحمد الشرب من فم السقاء واختناث الأسقية، وهو قلبها. قال الجوهري: خنثت الإناء وأخنثته، إذا ثَنَيْتَه إلى خارجٍ فشربت منه، فإن كسرته إلى داخل فقد قَبَعْتَه. انتهى. بالقاف والباء الموحدة والعين المهملة. ويكره أيضاً الشرب من ثلمة (١) الإناء. وقال في " المستوعب ": ولا يشرب محاذياً للعروة ويشرب مما يليها. وظاهر كلام الأصحاب: أنهما سواء. وحمله في الآداب على أن العروة متصلة برأس الإناء. وإذا شرب ناوله الأيمن. قال في " الترغيب ": وكذا في غسل يده. وقال ابن أبي المجد: وكذا في رش الماء، ورد. انتهى. (و) كُره الشرب (في أثناء طعام بلا عادة)، لأنه مضر. ولا يكره شربه قائماً. قال في " الفروع ": نقله الجماعة. وعنه: بلى. وجزم به في " الإرشاد ". واختاره شيخنا. وسأله صالح عن شربه قائماً في نفس ونائماً؟ قال: أرجو. ويتوجه: كأكل. وظاهر كلامهم: لا يكره أكله قائماً. ويتوجه كشرب. قاله شيخنا. انتهى. (و) كُره (تعليةُ قَصعةٍ، ونحوها)، كالطبق (بخُبز)، نص على ذلك في رواية مهنا؛ لاستعماله له. وقال الآمدي: يحرم عليه ذلك، وأنه نص أحمد. وكره الإمام أحمد أيضاً الخبز الكبار وقال: ليس فيه بركة.
следующие страницы →