قال الأطباء: وهو نافع أيضاً اللثة ومن تغيرّ النكهة.
قال الناظم: ويلقي ما أخرجه الخلال ولا يبتلعه، للخبر.
(و) يُسن (مَسْحُ الصَّحْفة) التي يأكل فيها، (وأكلُ ما تناثَر)، والأكل عند حضور رب الطعام وإذنه. قاله (١) في "الإنصاف" ولم يعزه إلى أحد.
(و) يُسن للآكل إذا أكل مع غيره (غَضُ طرفه عن جليسه).
قال الشيخ عبد القادر: من الأدب: أن لا يكثر النظر إلى وجوه الآكلين.
(و) يُسن (إيثار (٢) على نفسه).
قال في "الرعاية الكبرى"و"الآداب": ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب والمروءة، ومع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، وميع العلماء بالتعلم.
وقال الإمام أحمد: يأكل بالسرور مع الإخوان، وبالإيثار مع الفقراء، وبالمروءة مع أبناء الدنيا. انتهى.
(و) يُسن (شربُه ثلاثاً).
قاله (٣) في " الإنصاف ". ولم يعزه إلى أحد.
(و) يُسن (غَسلُ يديه) عند إرادة الأكل (قبل طعام: متقدماً به) أي: بالغسل (ربُّه)
أي: رب الطعام على الضيف إن كان.
(و) غسل يديه أيضاً (بعده) أي: بعد الطعام: (متأخراً به) أي: بالغسل (ربُّه)
أي: رب الطعام عن الضيف إن كان. على الأصح.
قالى المروذي: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء.
стр. 4097
[وعنه: لا يستحب] (١) قبله؛ لأن ذلك من فعل اليهود.
والأول المذهب.
ووجهه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع " (٢) رواه ابن ماجه.
وروى أبو بكر بإسناده عن الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم " (٣) . يعني به: غسل اليدين.
قال في " الفروع ": ويكره بطعام ولا بأس بنخالة، وغسله في الإناء الذي أكل فيه. نص عليهما. ثم قال بعد قليل: ويعرض الماء لغسلهما أو يقدمه بقرب طعامه ولا يعرضه. ذكره في " التبصرة ".
(وكُره تنفسُه في الإناء).
قال في"الإنصاف ": ويسن الشرب ثلاثاً ويتنفس دون الإناء ثلاثاً، فإن تنفس فيه كره.
(و) كُره (ردُّ شيء) من طعام أو شراب (من فيه) أي: من فمه (إليه) أي: إلى الإناء.
قال في " الإنصاف ": ويكره إخراج شيء من فيه ورده إلى القصعة.
ولا يمسح يده بالخبز، ولا يستبذله. ولا يخلط طعاماً بطعام. قاله الشيخ عبد القادر.
(و) كُره (نفخُ الطعام) ليبرد.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. زاد في " الرعاية "و" الآداب " وغيرهما: والشراب.
وقال في " المستوعب ": النفخ في الطعام والشراب والكتاب منهي عنه.
стр. 4098
وقال الآمدي: لا يكره النفخ والطعام حار.
قلت: وهو الصواب إن كان ثَم حاجة إلى الأكل حينئذ. انتهى.
(و) كره أيضاً (أكله) أي: أكل الطعام (حاراً).
قال في " الإنصاف ": قلت: عند عدم الحاجة.
(أو أكله) يعني: أنه يكره الأكل (من أعلا الصَّحْفة أو وسطها)، لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يأكل أعلا الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها. فإن البركة تنزل من أعلاها " (١) .
وفي حديث آخر: " كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يُبارك فيها " (٢) رواهما ابن ماجه.
(و) كُره لمن حضر مائدة (فعلُ ما يَستقذِرُه من غيره) بأن يتمخط ونحوه.
[قال في" الإنصاف": وكذا يكره الكلام بما يستقذر أو بما يضحكهم [أو يحزنهم. قاله عبدالقادر.
(و) كُره لرب الطعام (مَدحُ طعامه وتقويمُه)] (٣) .
قال في " الإنصاف "] (٤) : وحرمهما في " الغنية ".
(و) كُره (عيبُ الطعام).
قال في"الإنصاف": وحرمه في " الغنية ".
(و) كُره (قِرانُه في تمر مطلقاً) في الأصح.
وقيل: مع شريك لم يأذن.
стр. 4099
قال في "الفروع ": قال في"الترغيب" وشيخنا: ومثله قران ما العادة بتناوله إفراداً.
(و) كُره (أن يَفْجَأ قوماً عند وضع طعامهم تعمُّداً).
قال في " الإنصاف ": كره الإمام أحمد أن يتعمد القوم عند وضع الطعام فيفجأهم. وإن فجأهم بلا تعمد: أكل. نص عليه.
وأطلق في " المستوعب " وغيره: الكراهة، إلا من عادته السماحة. انتهى.
(و) كُره (أكلُ بشماله بلا ضرورة).
قال في " الإنصاف ": ويكره ترك التسمية والأكل بشماله، إلا من ضرورة على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وذكره النووي في الشرب إجماعاً.
وقيل: يجبان. اختاره ابن أبي موسى.
(و) كُره (أكله كثيراً: بحيث يؤذيه).
ويجوز [أكله كثيراً] (١) بحيث لا يؤذيه.
قال في " الفروع ". قاله قي " الترغيب "، وهو مراد من أطلق.
وفي " الغنية ": يكره مع خوف تخمة.
وكَره شيخنا أكله حتى يتخم، وحرمه أيضاً. وحرم أيضا الإسراف، وهو: مجاوزه الحد. انتهى.
(أو قليلاً: بحيب يَضرُّه).
قال أحمد في أكله قليلاً: ما يعجبني.
قال في " الإنصاف ": ولا يقلل من الأكل بحيب يضره ذلك.
(و) كُره (شربُه من فمِ سِقَاء).
стр. 4100
قال في " الإنصاف ": وكره الإمام أحمد الشرب من فم السقاء واختناث الأسقية، وهو قلبها.
قال الجوهري: خنثت الإناء وأخنثته، إذا ثَنَيْتَه إلى خارجٍ فشربت منه، فإن كسرته إلى داخل فقد قَبَعْتَه. انتهى. بالقاف والباء الموحدة والعين المهملة.
ويكره أيضاً الشرب من ثلمة (١) الإناء.
وقال في " المستوعب ": ولا يشرب محاذياً للعروة ويشرب مما يليها.
وظاهر كلام الأصحاب: أنهما سواء. وحمله في الآداب على أن العروة متصلة برأس الإناء.
وإذا شرب ناوله الأيمن.
قال في " الترغيب ": وكذا في غسل يده.
وقال ابن أبي المجد: وكذا في رش الماء، ورد. انتهى.
(و) كُره الشرب (في أثناء طعام بلا عادة)، لأنه مضر.
ولا يكره شربه قائماً.
قال في " الفروع ": نقله الجماعة.
وعنه: بلى. وجزم به في " الإرشاد ". واختاره شيخنا. وسأله صالح عن
شربه قائماً في نفس ونائماً؟ قال: أرجو. ويتوجه: كأكل.
وظاهر كلامهم: لا يكره أكله قائماً. ويتوجه كشرب. قاله شيخنا. انتهى.
(و) كُره (تعليةُ قَصعةٍ، ونحوها)، كالطبق (بخُبز)، نص على ذلك في
رواية مهنا؛ لاستعماله له.
وقال الآمدي: يحرم عليه ذلك، وأنه نص أحمد.
وكره الإمام أحمد أيضاً الخبز الكبار وقال: ليس فيه بركة.
стр. 4101
وذكر معمر: أن أبا أسامة قدم لهم طعاماً فكسر الخبز. [قال أحمد] (١) : لئلا يعرفون كم يأكلون.
ويجوز قطع اللحم بالسكين، والنهي عنه لا يصح. قاله أحمد.
(و) كُره (نِثَار والتقاطُه) على الأصح؛ تنزيهاً لما يحصل فيه من النهبة والتزاحم، وذلك يورث الخصام والحقائد بين الناس. فيكون مكروهاً؛ لتعرض الملتقطين لذلك؛ لما روى زيد بن خالد " أنه سمع النبي ﷺ عن النهبة والخلسة " (٢) رواه أحمد.
وعن عبد الله بن يزيد الأنصاري " أن النبي ﷺ نهى عن المثلة والنهبى " (٣) رواه أحمد والبخاري.
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: " من انتهب فليس منا " (٤) رواه أحمد والترمذي وصححه.
وهذا يدخل في عمومه.
ولأن أخذه على هذا الوجه فيه دناءة وسخف فيكره لذلك.
(ومن حصل في حجْره) شيء (منه) فهو له، (أو أخذه) أي: أخذ شيئاً من النثار: (فله مطلقاً) أي: سواء قصد تملكه بذلك أو لم يقصده في الأصح؛ لأن مالكه قصد تمليكه لمن حصل في حيزه وقد حازه مَن حصل في حجره أو أخذه. فيملكه؛ كالصيد إذا دخل في داره أو خيمته فإنه يملكه بذلك وإن لم يقصده.
وفائدة قولنا: يملكه: أنه إذا ملكه لم يجز لغيره أخذه منه.
стр. 4102
(وتُباح المناهدة، وهي: أن يُخرج كل واحد: من رفقةٍ شيئاً من النفقة).
وظاهر ما نقل عن الجوهري التساوي فيما يخرجونه. فإنه قال: المناهدة إخراج كل واحد من الرفقة نفقته على قدر نفقة صاحبه.
(ويدفعونه إلى من يُنفق عليهم منه، ويأكلون جميعاً.
فلو أكل بعضهم أكثر، أو تصدَّق منه: فلا بأس).
قال في " الفروع ": نقل أبو داود: لا بأس أن يتناهد في الطعام ويتصدق منه. لم يزل الناس يفعلون هذا. ويتوجه رواية: لا يتصدق إلا بإذن. انتهى.
قال في "الإنصاف": قال في "الفروع": وما جرت العادة به؛ كإطعام سائل وسنور وتلقيمٍ وتقديمٍ يحتمل كلامهم وجهين.
قال: وجوازه أظهر.
وقال في " آدابه ": الأولى جوازه.
وقال في " الرعايه الكبرى ": ولا يلقم جليسه ولا يفسح له إلا بإذن رب الطعام.
وقال الشيخ عبد القادر: يكره أن يلقم من حضر معه؛ لأنه يأكل على ملك صاحبه على وجه الإباحة.
وقال بعض الأصحاب: من الأداب: أن لا يلقم أحداً يأكل معه إلا بإذن مالك الطعام.
فال في " الآداب ": وهذا يدل على جواز ذلك عملاً بالعادة والعرف في ذلك، لكن الأدب والأولى الكف عن ذلك؛ لما فيه من إساءة الأدب على صاحبه، والإقدام على طعامه ببعض التصرف من غير إذن صريح، وفي معنى ذلك: تقديم بعض الضيفان ما لديه ونقله إلى البعض. لكن لا ينبغي لفاعل ذلك: أن يسقط حق جليسه من ذلك. والقرينة تقوم مقام الإذن في ذلك. انتهى.
(ويسُن إعلان نكاح، وضربُ بُدفٍ مباح). وقد تقدم ما لم يبح منه في باب الغصب (فيه) أي: في النكاح.
стр. 4103
(وفي ختان، وقدوم غائب، ونحوهما)، كالولادة والإملاك.
قال في " الإنصاف ": إعلان النكاح مستحب بلا نزاعٍ.
وكذا يستحب الضرب عليه بالدف. نص عليه وعليه الأصحاب.
واستحب الإمام أيضاً: الصوت في العرس.
ونقل حنبل: لا بأس بالصوت والدف فيه. انتهى.
وظاهره: سواء كان الضارب رجلاً أو امرأة.
قال في "الفروع ": وظاهر نصوصه وكلام الأصحاب التسوية. قيل له في رواية المروذي: ما ترى الناس اليوم تحرك الدف في إملاك أو بناء بلا غناء، فلم يكره ذلك.
وقيل له في رواية جعفر: دكون فيه جرس؛ قال: لا.
وقال الموفق: ضرب الدف مخصوص بالنساء.
وقا ل في"الرعاية ": ويكره للرجال مطلقاً.
قال فى " الفروع ": ويكره لرجل التشبه.
وقال أحمد: لا بأس بالغزل في العرس؛ لـ " قول النبي ﷺ للأنصار:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
لولا الذهب الأحمر … لولا الذهب الأحمر
ولولا الحبة السوداء ما سرت عذاريكم " (١) .
لا على ما يصنع الناس اليوم، ومن غير هذا الوجه:
ولولا الحنطة الحمراء … ما سرت عذاريكم
وقال أحمد أيضاً: يستحب ضرب الدف والصوت في الإملاك. فقيل له:
ما الصوت؟ قال: يتكلم ويتحدث ويظهر.
стр. 4104
والأصل في هذا ما روى [محمد بن] (١) حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : "فصلُ ما بين الحلال والحرام: الصوت والدف في النكاح " (٢) رواه النسائي.
وقال ﷺ : " أعلنوا النكاح " (٣) .
وفي لفظ: " أظهروا النكاح " (٤) .
وكان يحب أن يُضرب عليه بالدف.
وفي لفظ: " واضربوا عليه بالغربال " (٥) .
وعن عائشة " أنها زوجت يتيمة رجلاً من الأنصار. وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها. قالت: فلما رجعنا. قال لنا رسول الله ﷺ : ما قلتم يا؟ عائشة؛ قالت: سلمنا ودعونا بالبركة ثم انصرفنا. فقال: إن الأنصار قوم فيهم غزل.
ألا قلتم يا عائشة؟
أتيناكم أتيناكم … فحيانا وحياكم " (٦)
روى هذا كله أبو عبد الله ابن ماجه في " سننه ".
وتحرم كل ملهاة سوى الدف، كمزمار وطنبور ورباب وجنك.
قال في " المستوعب " و" الترغيب ": سواء استعمل لحزن أو سرور.
قال في " الفروع ": وسأله ابن الحكم عن النفخ في القصبة كالزمارة؟
قال: أكرهه. وفي القضيب: وجهان.
وفي " المغنى ": لا يكره إلا مع تصفيق أو غناء أو رقص ونحوه.
وكره أحمد الطبل لغير حرب. واستحبه ابن عقيل فيه، لتنهيض طباع
стр. 4105
الأولياء، وكشف صدور الأعداء، وليس عبثاً. وقد أرسل الله الرياح والرعود قبل الغيث (١) ، والنفخ في الصور للبعث، وضرب الدف في النكاح، وفي الحج العج والثج. انتهى.
وفي " عيون المسائل "وغيرها فيمن أتلف آلة لهو: الدف مندوب إليه في النكاح؛ لأمر الشارع. بخلاف العود والطبل فإنه لا يباح استعماله والتلهي به بحال.
وسئل أحمد عن القصائد قال: أكرهه. وقال: بدعة لا يجالسون.
وكره أحمد التّغْبير بالغين المعجمة والباء الموحدة، ونهى عن استماعه.
وقا ل (٢) : بدعة ومحدث.
ونقل أبو داود: لا يعجبني.
ونقل يوسف: لا يستمعه، قيل: هو بدعة؟ قال: حسبك.
وفي " المستوعب ": منع من إطلاق اسم البدعة عليه ومن تحريمه؛ لأنه شعر ملحن كالحداء، والحدو للإبل ونحوه.
قال في " القاموس ": والمُغَبِّرَة: قوم يُغَبِّرون بذكر الله تعالى أي: يهللون ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها. سموا بها (٣) ؛ لأنهم يُرَغِّبُون الناس في الغَابِرة أي: الباقية. انتهى.
ونقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم أقواماً أفضل منهم. قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون. قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة. قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه. فقال ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]
ولعل مرادَه سماعُ القرآن. وعذرهم لقوة الوارد. كما عذر يحيى القطان في الغشي.
стр. 4106
وقد قال أحمد لإسماعيل بن إسحاق الثقفي وقد سمع عنده كلام الحارث المحاسبي ورأيَ أصحابه: ما أعلم أنى رأيت مثلهم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل، ولا أرى لك صحبتهم.
وقد نهى عن كتابة كلام منصور بن عمار والاستماع القاصِّ به.
قال أبو الحسين: لئلا يلهو به عن الكتاب والسنة لا غير.
وأنكر الآجري وابن بطة وغيرهما هذا السماع.
وفي " الغنية ": يكره تخريق الثياب في حق المتواجد عند السماع، ويجوز سماع القول بالقضيب، ويكره الرقص. والله أعلم.
***
стр. 4107
[باب: عِشْرَة النساء]
هذا (باب عشرة النساء)، والعشرة بكسر العين أصلها الاجتماع، يقال: لكل جماعة عشرة ومعشر.
(وهي) هاهنا: (ما يكون بين الزوجين من الأُلفة والانضمام).
إذا عرفت ذلك فإنه (يلزم كلاً) من الزوجين (معاشرة الآخر بالمعروف، وأن لا يمطله) أي: يمطل الآخر (بحقه، ولا يتكرَّه لبذله) أي: لبذل ما عليه للآخر من الحق.
والأصل في ذلك قوله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
وقوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
قال أبو زيد: تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيكم.
وقال ابن عباس: إنى لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
وقال الضحاك في تفسيرها: إذا أطَعن الله وأطعن أزواجهن فعليه أن يحسن صحبتها، ويكف عنها أذاه، وينفق عليها من سعته.
وقال بعض أهل العلم: التماثل هاهنا في تأدية كل واحد منهما ما عليه من الحق لصاحبه بالمعروف، ولا يمطله به ولا يظهر الكراهة بل ببشر وطلاقة، ولا يتبعه أذى ولا منة؛ لأن هذا من المعروف الذي أمر الله به.
ويستحب لكل واحد منهما تحسين الخلق لصاحبه، والرفق به، واحتمال أذاه؛ لقول الله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ - إلى قوله -
﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾ [النساء: ٣٦] قيل: هو كل واحد من الزوجين.
стр. 4108
وقال النبي ﷺ : " استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن
بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (١) رواه مسلم.
وقال رسول الله ﷺ : " إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج لن تستقيم على طريقة. فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها وفيها عوج " (٢) متفق عليه.
وقال: " خياركم خياركم لنسائه " (٣) رواه ابن ماجه.
وحق الزوج عليها أعظم من حقها عليه. قال الله. ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقال النبي ﷺ : " لو كنت آمرا أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق (٤) " (٥) رواه أبو داود.
وقال: "إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع" (٦) متفق عليه.
وقال: "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهدُ إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة بغير إذنه فإنه يرد إليه شطره " (٧) رواه البخاري.
وينبغي إمساكها مع كراهته لها، لقوله : ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
стр. 4109
قال ابن الجوزي وغيره: قال ابن عباس: ربما رزق منها ولداً فجعل الله فيه خيراً كثيراً.
قال: وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها ونبهت على معنيين:
أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محموداً، ومحمود (١) عاد مذموماً.
والثانى: أنه لا يكاد يجد محبوباً ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره لما يحب. وقال في كتابه " السر المصون ": معاشرة المرأة بالتلطف مع إقامة هيبته.
(ويجب بعقدٍ تسليمُها ببيت زوج: إن طلبها)؛ كما يجب للمرأة تسليم الصداق إن طلبته.
وقوله: (وهي حرة)؛ لأن الأمة لا يجب تسليمها إلا ليلاً.
وقوله: (ولم تشترط دارها)؛ لأنها إذا اشترطت دارها لم يكن للزوج طلبها إلى بيته.
وقوله: (وأمكن استمتاع بها)؛ لأنها إذا لم يمكن الاستمتاع بها لم يجب على أهلها تسليمها إليه إن ذكر أنه يحضنها ويربيها؛ لأنه لا يملك الاستمتاع بها، وليست له بمحل، ولا يأمن شر نفسه إلى مواقعتها فيفضيها.
(ونصه) أي: نص الإمام أحمد: أن التي يمكن الاستمتاع بها أنها (بنت تسع) فأكثر. فإنه في رواية أبي الحارث في الصغيرة يطلبها زوجها فإن أتى عليها تسع سنين دفعت إليه: ليس لهم أن يحبسوها بعد التسع، وذهب في ذلك إلى " أن النبي ﷺ بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين " (٢) .
لكن قال القاضي: هذا عندي ليس على طريق التحديد. وإنما ذكره؛ لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها. فيلزم تسليم بنت تسع.
стр. 4110
(ولو) كانت (نِضْوَة الخلقة) أي: مهزولة الجسم.
(ويستمتع بمن يخشى عليها؛ كحائض). وقد تقدم أنه ليس له أن يستمتع من الحائض إلا بما دون الفرج.
(ويُقبل قول) امرأة (ثقة في ضيق فرجها، وعَبَالَةِ ذكَره، ونحوهما)؛ كقروج في الفرج.
(وتنظرُهما) أي: ويجوز أن تنظرهما المرأة الثقة (لحاجة وقت اجتماعهما)؛ لتشهد بما تشاهد.
(ويلزمه) أي: يلزم الزوج (تسلُّمها) أي: تسلم زوجة: (إن بذَلتْه) فتلزمه النفقة بتسلمها أو لا.
(ولا يلزم) أحداً من زوجة أو وليها (ابتداء تسليم مُحْرِمَة) [بحج أو عمرة] (١) ، (ومريضةٍ) لا يمكن الاستمتاع بها، (وصغيرةٍ وحائض، ولو قال: لا أطأ ومتى امتنعت قبل مرض ثم حدث فلا نفقة)؛ لأن كلا من ذلك مانع يرجى زواله، ويمتنع الاستمتاع بها معه. أشبه ما لو طلب أن يتسلمها في نهار رمضان.
(ولو أنكر) من ادعت زوجته (أن وطأه يؤذيها: فعليها البينة)؛ لأنها تدعي شيئاً الأصل عدمه. فكان عليها البينة؛ كسائر الدعاوي.
(ومن استَمْهَل منهما) أي: من الزوجين الاخر: (لزم إمهالهُ ما) أي: زمناً (جرت عادة بإصلاج أمره) أي: أمر من استمهل صاحبه (فيه)؛ لأن ذلك من حاجة المستمهل. فإذا منع منه كان تعسيراً لحاله. فوجب إمهاله طلباً لليسر والسهولة. والمرجع في ذلك إلى العرف. بين الناس؛ لأثه لا تقدير فيه. فوجب الرجوع فيه إلى العادة.
وقيل: إنما تمهل اليومين والثلاثة.
стр. 4111
(لا لعمل جهاز) بفتح الجيم وكسرها.
وفي " الغنية ": إن استَمهلت هي أو أهلها استحبّ له إجابتهم ما يعلم به التهيؤ من شراء جهاز وتزين. انتهى.
(ولا يجب تسليم أمة مع إطلاق إلا ليلاً). نص عليه.
وللسيد استخدامها نهاراً، وعليه إرسالها بالليل للاستمتاع بها؛ لأنه زمانه. وذلك؛ لأن السيد يملك من أمته منفعتين: الاستخدام والاستمتاع.
فإذا عقد على أحدهما لم يلزم تسليمها إلا في زمن استيفائها؛ كما لو أجرها للخدمة لم يلزمه تسليمها إلا في زمنها وهو النهار.
(فلو شرط) تسليمها (نهاراً، أو بذله) أي: بذل تسليمها نهاراً (سيد وقد شرط كونها) أي: كون الأمة (فيه) أي: في النهار (عنده) أي. عند السيد (أوْ لا) أي: أو لم يشرط ذلك: (وجب) على الزوج (تسلُّمُها) نهاراً أيضاً في الأصح؛ لأن الزوجية تقتضي وجوب التسليم مع البذل ليلاً ونهاراً، وإنما منع في الأمة في زمان النهار لحق السيد. فإذا بذله فقد ترك حقه فعاد إلى الأصل في الزوجية.
ولأن عقد الزوجية اقتضى لزوم نفقتها ليلاً ونهاراً ما لم يمنع منه مانعُ، فإذا امتنع المانع ببذل السيد تسليمها وجب على الزوج قبوله.
(وله) أي: وللزوج (الاستمتاع) بالزوجة من أي محل شاء في قُبُل، (ولو) كان (من جهة العجيزة في قُبُل)؛ لأن التحريم ختمى بالدبر دون ما سواه.
قال ابن الجوزي في كتابه " السر المصون ": كره العلماء الوطء بين الإليتين؛ لأنه يدعو إلى الوطء في الدبر. وجزم به في " الفصول ". نقله عنهما في " الفروع "، ثم قال: كذا قالا.
ومحل إباحة الاستمتاع بها: (ما لم يَضُرَّ) بها (أو يَشغل) استمتاعه بها (عن فرض) ولو كانت على تنور أو على ظهر قتب. كما رواه أحمد وغيره.
قال في " الإنصاف ": قال أبو حفص والقاضي: إذا زاد الرجل على المرأة في الجماع صولح على شيء منه.
стр. 4112
وروى ذلك بإسناده عن ابن الزبير" أنه جعل للرجل أربعاً بالليل، وأربعاً بالنهار ".
وعن أنس " أنه صالح رجلاً استعدى على امرأة على ستة ".
قال القاضي: لأنه غير مقدر، فقدِّر. كما أن النفقة حق لها غير مقدرة. فيرجعان في التقدير إلى اجتهاد الحاكم.
قال الشيخ تقي الدين: فإن تنازعا فينبغي أن يفرضه الحاكم؛ كالنفقة، وكوطئه إذا زاد.
قلت: ظاهر كلام أكثر الأصحاب: خلاف ذلك، وأنه يطأ ما لم يشغلها عن الفرائض ولم يضرها بذلك. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(و) للزوج (السفر) إلى حيث شاء (بلا إذنها) أي: إذن الزوجة ولو كان عبداً مع سيده وبدونه. بخلاف سفرها بلا إذنه؛ لأنها لا ولاية لها عليه في ترك السفر.
(و) له السفر (بها، إلا أن تشترط بلدها)، " لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم " (١) .
أما إن اشترطت بلدها فلها شرطها؛ لقول النبى ﷺ : " إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج " (٢) .
(أو) إلا أن (تكون امة: فليس له) أي: للزوج سفر بها بلا إذن سيدها؛ لما في ذلك من تفويت منفعتها نهاراً على سيدها.
стр. 4113
(ولا لسيد (١) سفر بها بلا إذن الآخر) أي: إذن زوجها، صحبته أم لا في الأصح؛ لما في ذلك من تفويت استمتاع زوجها بها ليلاً.
(ولا يلزم) الزوج (ولو بوَّأها) أي: هيأ لها (سيدها مسكناً أن يأتيها الزوج فيه). وهذا مبني على مسألة جواز سفر سيدها بلا إذن زوجها. قاله في " الترغيب ".
يعني: أنا إن قلنا أن للسيد السفر بها بلا إذن زوجها لزم الزوج إتيانها في المسكن الذي بوأها سيدها لها؛ لأن ذلك بمثابة سفره بها، وإن قلنا ليس للسيد السفر بها بلا إذن زوجها لا يلزم الزوج ذلك.
(وله) أي: ولسيد العبد المزوج (السفر بعبده المزوَّج، واستخدامه نهاراً)، ومنعه من التكسب؛ لتعلق المهر والنفقة بذمة سيده. وإن قلنا النفقة والمهر في كسبه لم يمنعه منه.
(ولو قال سيد) لمن ادعى أنه زوَّجه أمته: (بعتُكَها، فقال: بل زوَّجتَنِيها وجب تسليمها) لمدعي التزويج، (وتحلُّ له)؛ لاتفاقهما على استحقاقه لتسلمها.
(ويلزمه الأقل من ثمنها أو) من (مهرها، ويحلف) المدعي عليه البيع وأنه شراها الثمن زائد) فإن نكل لزمه.
قال في " الفروع ": وعند القاضي لا مهر ولا ثمن ولا يمين عنده على البائع؛ لأنه لا يراها في نكاح. وذكر الأزجي مثله إلا في اليمين قال: وإن نكل أحدهما عنها قضي عليه، وثبت ما يدعيه الآخر من بيع أو زوجية.
(وما أوْلَدَها) من سُلمت إليه بدعوى الزوجية ودعوى سيدها الشراء (فحر، لا ولاء عليه)؛ لأنه انعقد حراً لإقرار السيد بأنها ملك الواطى.
(ونفقته) أي: نفقة الولد (على أبيه)؛ لأن الأصل أن نفقة من لا مال له على أبيه. (ونفقتها) أي: نفقة أمة (٢) (على زوجها) أي: على أبي الولد. (ولا
стр. 4114
يردها) أي: ولا يملك أبو الولد ردها على سيدها (بعيب، ولا غيره) ولو اعترف سيدها بعد ولادتها أنها زوجه لأبي الولد؛ لاعترافه بأنها صارت أم ولد.
(ولو ماتت) بعد أن ولدت (قبل) موت (واطئ وقد كسبت) شيئاً:
(فلسيد منه) أي: من كسبها (قدر) جميع (ثمنها، وبقيته) أي: بقية كسبها (موقوف حتى يصطلحا) أي: الزوج والسيد عليه.
(و) إن ماتت (بعده) أي: بعد الواطئ (وقد أولدها فحرة) أي: فقد ماتت حرة، (ويرثها ولدها: إن كان) موجوداً.
(وإلا) أي: وإن لم يكن ولدها موجوداً (وُقف) بالبناء للمفعول ما تركته. ولعل وقفه إلى أن يظهر لها وارث. والله أعلم.
وليس لسيدها أخذ قدر ثمنها منه؛ لأنه لا يدعيه على الواطئ، لزوال ملكه عنه بموته. بخلاف ما إذا ماتت في حياة الواطئ فإن سيدها يدعي أن كسبها انتقل إلى الواطئ، والواطئ يقر أنه لسيدها فلهذا يأخذ منه قدر ما يدعيه وهو ثمنها أو بقيته.
(ولو وجع سيد) عن دعوى بيعها، (فصدَّقه الزوج لم يُقبل) تصديقه (في إسقاط حرية ولد) أتت به منه، (و) لا في (استرجاعها) إلى الملك المطلق (إن صارت أم ولد. ويُقبل) تصديقه (في غيرهما) أي: غير حرية الولد وغير رجوعها إلى الملك المطلق وغيرهما، مثل: ملكه لتزويجها عند حلها للأزواج وأخذ قيمتها إن قتلت ونحوهما.
(ولو وجع الزوج) عن دعوى التزويج: (ثبتت الحرية) للولد، (ولزمه الثمن) لسيدها.
قال الشيخ تقي الدين قي " فتاويه ": ذكرها الشيخ في أواخر باب ما إذا وصل بإقراره ما يغيره. ولعله يريد بقوله: ذكرها الشيخ، جده الشيخ مجد الدين. والله أعلم.
وما ذكرته في المتن هو الذي قدمه صاحب " الفروع ". ثم قال: وقال
стр. 4115
الأزجي: إن كان التنازع قبل الاستيلاد تحالفا، فإذا تحالفا فلا مهر ولا ثمن، وترد إلى سيدها. قيل: ترجع إليه رجوع البائع في السلعة إذا أفلس المشتري وتعذر الثمن، فيحتاج السيد أن يقول: فسخت البيع، وتعود ملكاً ظاهراً وباطناً.
وقيل: ترجع رجوع من لزمه دين فلم يقضه فيبيعها ويستوفي حقه، وما فضل تحيّل في رده إلى مستحقه.
وإن أمسكها البائع على بقية الثمن وفسخ البيع لتعذر الثمن واسترجعها وكان صادقاً حلت له، وإلا حلت ظاهراً. انتهى.
***
стр. 4116
[فصل: في حكم الوطء في الحيض]
(فصل. ويحرم وطء) أي: وطء الزوج امرأته أو السيد أمته (في حيض) إجماعاً؛ لقول الله : ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
(أو) وطءُ في (دُبُر) فيحرم في قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. ورويت إباحته عن ابن عمر وزيد بن أسلم ونافع ومالك.
وروي عن مالك أنه قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك أنه حلال.
وأهل العراق من أصحاب مالك ينكرون ذلك.
وأحتج من أحله بقوله : ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله : [وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ] [المؤمنون: ٥_٦].
ولنا: ما روي أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن " (١) .
وعن أبي هريرة وابن عباس عن النبي ﷺ قال: [" لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها " (٢) . رواهما ابن ماجه.
стр. 4117
وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال:] (١) " محاش النساء حرام عليكم " (٢) .
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " (٣) . رواهن كلهن الأثرم.
فأما الآية فروى جابر قال: " كان اليهود يقولون: إذا جامع الرجل امرأته في فرجها من ورائها جاء الولد أحول فأنزل الله : ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، من بين يديها ومن خلفها، غير أن لا يأتيها إلا في المأتي " (٤) متفق عليه.
وفي رواية: " أيتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج " (٥) .
والآية الأخرى المراد بها ذلك.
فإن تطاوعا على الوطء في الدبر فرق بينهما. ويعزر عالم تحريمه.
(وكذا عزل) يعني: أنه يحرم العزل عن الزوجة (بلا إذن) زوجة (حرة أو) عن زوجته الأمة بلا إذن (سيد أمة) على الأصح. نص عليه.
ومفهومه: أنه لا يعتبر إذن الزوجة إذا كانت أمة. وهو كذلك في الأصح.
ومعنى العزل: أنه ينزع إذا قرب الإنزال، فينزل خارجاً عن الفرج.
ووجه المذهب: ما روي عن عمر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها " (٦) . رواه أحمد وابن ماجه.
стр. 4118
ولأن لها في الولد حقاً وعليها في العزل ضرر فلم يجز إلا بإذنها.
وقاسوا على ذلك سيد الأمة.
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:
(إلا بدار حرب: فيُسن) عزله (مطلقاُ) أي: سواء كانت زوجته حرة أو أمة، أو كانب له سُرّية خشية استيلاء العدو على الحامل.
(ولها) أي: وللزوجة (تقبيلُه) أي: تقبيل زوجها (ولمسه لشهوة ولو) كان (نائماً، لا استدخال ذكره) في فرجها وهو نائم (بلا إذنه).
قال في" الفروع ": وليس لها استدخال ذكره وهو نائم بلا إذنه، بل القبلة واللمس لشهوة. ذكره في "الرعاية ".
قال ابن عقيل في استدخاله: لا يجوز؛ لأن الزوج يملك العقد وحبسها. انتهى.
(وله) أي: وللز وج (إلزامُها) أي: إلزام زوجته (بغسل نجاسة، وغُسل من حيض ونفاس وجنابة مكلفة) واجتناب المحرمات.
قال في"الإنصاف": فله إجبارها على ذلك إذا كانت مسلمة رواية واحدة. وعليه الأصحاب.
وعنه: لا تجبر على غسل الجنابة. ذكرها في " الرعايتين " و" الحاوي " وغيرهم. قلت: وهو بعيد جداً. انتهى.
قال في " شرح المقنع ": وفي إزالة الوسخ والدرن وجهان بناء على الروايتين في غسل الجنابة. ويستوي في هذه المسلمة والذمية؛ لاستوائهما في حصول النفرة ممن ذلك حالها.
(و) له إلزامها أيضاً بـ (ـأخذ ما يُعاف: من شعر وظُفر).
قال في " شرح المقنع ": وله إجبارها على إزالة شعر العانة إذا خرج عن
стр. 4119
العادة رواية واحدة. ذكره القاضي. وكذلك الأظفار. فإن طالا قليلاً بحيث تعافه النفس ففيه وجهان. وهل له منعها من أكل ما له رائحة كريهة كالبصل والثوم والكراث؟ على وجهين:
أحدهما: له منعها من ذلك؛ لأنه يمنع القبلة وكمال الاستمتاع بها.
والثانى: ليس له ذلك؛ لأنه لا يمنع الوطء. انتهى.
قال في " الإنصاف ". أحدهما: يمنع. جزم في " المنور " وصححه في" النظم " و" تصحيح المحرر " وقدمه ابن رزين في " شرحه ".
والوجه الثانى: لا يمنع من ذلك. انتهى.
(لا بعجن أو خبز أو طبخ، أو نحوها)؛ ككنس الدار، وملء الماء من البئر، وطحن.
قال في " الفروع ": نص عليه. خلافاً للجوزجاني. وأوجب شيخنا: المعروف من مثلها لمثله. وخرّج أيضاً الوجوب من نصه على نكاح الأمة لحاجة الخدمة وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه وجوب الخدمة عليها. انتهى.
(وله) أي: وللزوج المسلم (منع) زوجة (ذمية دخول بَيْعَة وكنيسة، و) على الأصح (شُرب ما يُسكرها) من خمر أو نبيذ، (لا) من شرب ما (دونه. ولا تُكره على إفساد صومها أو صلاتها) بوطء أو غيره (أو) إفساد (سَبْتِها) بشيء مما يفسده؛ لبقاء تحريم السبت عليهم.
(ويلزمه) أي: يلزم الزوج لزوجته المسلمة والذمية والحرة والرقيقة بطلبها (وطء) أي: أن يطأها (في كل ثُلث سنة) أي: في كل أربعة أشهر (مرة: إن قدر) أي: مع قدرته على الوطء. نص على ذلك أحمد.
ووجهه: أن الله قدر ذلك بأربعة أشهر في حق المولي فكذلك في حق غيره؛ لأن اليمين لا توجب ما حلف عليه. فدل أن الوطء واجب بدونها.
стр. 4120
(و) يلزمه لها أيضاُ (مبيت) أي: أن يبيت عندها (بطلبٍ عند حرة ليلة من أربع) أي: من أربع ليال (١) ، ما لم يكن له عذر.
والأصل في ذلك " قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: يا عبد الله!
ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؛ قلت: بلى يا رسول الله! قال: فلا تفعل. صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا" (٢) متفق عليه.
فأخبر أن للمرأة على زوجها حقاً.
وقد روى الشعبي " أن كعب بن سوار كان جالساً عند عمر بن الخطاب فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي. والله إنه ليبيت ليله قائماً ويظل نهاره صائماً. فاستغفر لها وأثنى عليها واستحيب المرأة وقامت راجعة. فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هلا أعديت المرأة على زوجها. فقال لكعب: اقض بينهما فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم. قال: فإنى أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن. فأقضي بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة. فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر. اذهب فأنت قاض على البصرة". روى ذلك عمر بن شبة في كتاب " قضاة البصرة " من وجوه هذا أحدها.
وفي لفظ: قال عمر: " نعم القاضي أنت (٣) ".
وهذه قضية اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعاً.
ولأنه لو لم يكن حقاً للمرأة لملك الزوج تخصيص إحدى زوجاته به كالزياة في النفقة على قدر الواجب.
стр. 4121
(و) يلزمه بطلب زوجة (أمةٍ) أن يبيت عندها ليلة (من) كل (سبع) في الأصح، لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر ولها السابعة.
(وله أن ينفرد) بنفسه (في البقية) يعني: إذا لم يستقر في زوجاته جميع الليالي. فمن ليس معه إلا حرة فله الانفراد بنفسه في ثلاث ليال، وإن كان تحته حرتان فله الانفراد بنفسه في ليلتين، ومن تحته ثلاث ليال حرائر فله الانفراد بنفسه في ليلة من كل أربع، ومن ليس تحته إلا أمة فله الانفراد بنفسه في ست ليال، وإن كان تحته أمتان فله انفراد بنفسه في خمس ليال، ومن تحته ثلاث إماء فله الانفراد بنفسه في أربع ليال، ومن تحته أربع إماء فله الانفراد بنفسه ثلاث ليال من سبع؛ لأنه قد وفاهن حقهن من المبيت. فلم تجب عليه زيادة؛ كما لو وفاهن حقهن من النفقة.
وروى أحمد: لا يبيت وحده ما أحب ذلك، إلا ان يضطر. وقاله أحمد في سفره وحده.
وعنه: لا يعجبني.
(وإن سافر) زوج امرأة (فوق نصف سنة في غير حج أو غزو واجبين، أو)
في غير (طلب رزق يحتاج إليه فطلبت) زوجته (قدومه: لزمه) القدوم.
(فإن أبى شيئاً من ذلك) أي: مما ذكر مما هو واجب عليه من المبيت والوطء والقدوم من السفر (بلا عذر) في الجميع: (فُرِّق بينهما بطلبها، ولو قبل الدخول).نص عليه.
قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها يقول:
غداً أدخل بها، غداً أدخل بها إلى شهر هل يجبر على الدخول؟ قال: أذهب إلى أربعة أشهر إن دخل بها وإلا فرق بينهما. فجعله أحمد كالمُولي.
وقال أبو بكر بن جعفر: لم يرو مسألة ابن منصور غيره وفيها نظر.
قال في " شرح المقنع ": وظاهر قول أصحابنا: أنه لا يفرق بينهما لذلك.
وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه لو ضربت له المدة لذلك وفرق بينهما لم يكن للإيلاء أثر. ولا خلاف في اعتباره.
стр. 4122
وقال بعض أصحابنا: إن غاب أكثر من ذلك لغير عذر يراسله الحاكم فإن أبى أن يقدم فسخ نكاحه.
وروي ذلك عن أحمد.
ومن قال: لا يفسخ نكاحه إذا ترك الوطء وهو حاضر فهاهنا أولى.
وفي جميع ذلك: لا يجوز الفسخ عند من يراه إلا بحكم الحاكم، لأنه مختلف فيه.
وعن أحمد ما يدل على أن الوطء غير واجب فيكون هذا كله غير واجب، لأنه حق له. فلم يجبر عليه، كسائر حقوقه. وهذا مذهب الشافعي.
والأول أولى، لما ذكرنا. انتهى.
وسئل أحمد يؤجر الرجل أن يأتى أهله ولمس له شهوة؟ قال: إي والله يحتسب الولد، فإن لم يرد الولد. قال: هذه امرأة شابه لم لا يؤجر.
وهذا صحيح فإن أبا ذر روى أن رسول الله ﷺ قال: "مباضعتك أهلك صدقة. قلت: يا رسول الله! أنصيب شهوتنا ونؤجر؛ قال: أرأيت لو وضعه في غير حقه ما كان عليه وزر؟ قال: قلت: بلى. قال: أفتحسبون بالسيئة ولا تحسبون بالخير " (١) .
ولأنه وسيلة إلى الولد، وإعفاف نفسه وامرأته، وغض بصره.
(وسُن عند وطء قول: بسم الله، اللهم! جنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)؛ لقول الله : ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
قال عطاء: هي التسمية عند الجماع.
وروى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم! جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فولد بمنهما ولد لم يضره الشيطان أبداً " (٢) . متفق عليه.
стр. 4123
قالى المنذري في"حواشيه": قيل لم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء. واختلف في تأويله فقيل: يحتمل أن يكون دفع ضرره وحفظه من إغوائه وإضلاله بالكفر، ويحتمل حفظه من الكبائر والفواحش.
وقيل: لا يصرفه عن توفيقه للتوبة إذا زلّ.
وقيل. هو أن لا يصرع.
وقيل: لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته. انتهى.
(وكُره) كونهما حال الوطء (متجرِّدَيْن)، لما روى عتبة بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجرَّد تجرد العَيْرَيْن " (١) . وواه ابن ماجه.
والعيرين: تثنية عَير بعين مهملة مفتوحة وسكون المثناة من تحت، يريد به حمار الوحش. شبههما به تنفيراً عن تلك الحالة.
(و) كُره (إكثار كلام حالتَه) أي: حالة الوطء؛ لما ووى قبيصة بن ذؤيب أن رسول الله ﷺ قال: " لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء، فإن منه يكون الخرس والفأفاء " (٢) .
ولأنه يكره الكلام حالة البول وحال الجماع في معناه.
(و) كُره (نزعه) أي: نزع ذكره منها (قبل فراغِها)، لما روى أنس بن مالك
قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا جامع الرجل أهله فليقصدها. ثم إذا قضى حاجته فلا يعجلها حتى تقضى حاجتها " (٣) .
стр. 4124
ولأن في ذلك ضرراً عليها ومنعا لها من قضاء شهوتها.
ويستحب: أن يلاعب امرأته عند الجماع؛ لتنهض شهوتها، فتنال من لذة الجماع مثل ما ناله.
وقد روى عمر بن عبدالعزيز عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يواقعها إلا وقد أتاها
من الشهوة مثل ما نال، لا يسبقها بالفراغ. قلت: وذلك؟ إلى قال: نعم إنك تقبلها وتغمزها وتلمسها، فإذا رأيت أنه قد جاءها مثل ما جاءك واقعتها ".
(و) كُره (وطؤه بحيث يراه أو يسمعه) من الناس (غير طفل لا يعقل، ولو رضيا) أي: الزوجان.
قال أحمد في الذي يجامع المرأة والأخرى تسمع قال: كانوا يكرهون الوجس وهو الصوت الخفي، وهو بالجيم والسين المهملة، يقال: توجس إذا تسمع إلى الصوت الخفي.
(و) يُكره لكل من الزوجين (أن يُحدِّثا بما جرى بينهما) لما روي عن الحسن قال: " جلس رسول الله ﷺ بين الرجال والنساء فأقبل على الرجال، فقال: لعل أحدكم يحدث بما يصنع بأهله إذا خلا. ثم أقبل على النساء فقال: لعل إحداكن تحدث النساء بما يصنع بها زوجها. قال: فقالت امرأة: إنهم يفعلون وإنا لنفعل. فقال: لا تفعلوا، فإنما مثل ذلكم كمثل شيطان لقي شيطانة فجامعها والناس ينظرون " (١) .
وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله بمعنا (٢) .
(وله الجمع بين وطء نسائه) بغسل واحد، (أو) أن يجمع بين وطء نسائه (مع) وطء (إمائه بُغسل) واحد؛ لما روى أنس قال: " سكبت لرسول الله ﷺ ومن نسائه غسلاً واحداً في ليلة واحدة " (٣) .
стр. 4125
ولأن حدث الجنابة لا يمنع الوطء بدليل إتمام الجماع.
(لا) أن يجمع بين زوجاته (في مسكن) واحد (إلا برضا الزوجات) كلهن؛ لأن على كل واحدة ضرراً فيه (١) ؛ لما بينهن من الغيرة. واجتماعهن يثير الخصومة. وتسمع كل واحدة حسه إذا أتى غيرها أو كلمها. وإنما جاز ذلك مع الرضى، لأن الحق لا يعدوهن فلهن المسامحة بتركه، وكذا إن رضيتا بنومه بينهما في لحاف واحد.
ويجوز نوم الرجل مع امرأته [بلا جماع] (٢) بحضرة محرم لها؛" كنوم النبي ﷺ وميمونة في طول الوسادة وابن عباس لما بات عندها في عرضها " (٣) .
(و) للزوج (منع كلُّ منهن) أي: من زوجاته (من خروج) من منزله إلى ما لها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما.
قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها، إلا أن يأذن لها.
(ويحرُم) على من لها زوج خروجها (بلا إذنه، أو) بلا (ضرورة) كإتيانها بمأكل ونحوه، لما روى ابن بطة في " أحكام النساء " عن أنس: " أن رجلا سافر ومنع زوجته الخروج. فمرض أبوها. فاستأذنت رسول الله ﷺ في حضور جنازته. فقال لها: اتقي الله ولا تخالفي زوجك. فأوحى الله إلى النبي ﷺ أنى قد غفرت لها بطاعة زوجها ".
ولأن طاعة الزوج واجبة والعيادة غير واجبة. فلا يجوز ترك الواجب لما ليس بواجب.
стр. 4126
وروى عن علي أنه قال: " بلغنى أن نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق.
أما تغارون؟ إنه لا خير فيمن لا يغار " (١) .
وحيث خرجت بلا إذنه بلا ضرورة (فلا نفقة) لها ما دامت خارجة من منزله. (وسُن) للزوج (إذنه) لزوجته: (إذا مرض محرَم لها، أو مات) محرم لها في الخروج إليه؛ لما في ذلك من صلة الرحم. وفي منعها من الخروج إليه قطيعة الرحم، ويكون عدم إذنه حاملاً للزوجة على مخالفته. وقد أمر الله بالمعاشرة بالمعروف وليس ذلك منها.
(وله) أي: وللزوج (إن خافه) أي: خاف خروج زوجته: (لحبس) أي: بأن كان محبوساً ظلماً أو بحق، (أو نحوه)؛ كما لو أراد سفراً (إسكانها حيب لا يمكنها) خروج من ذلك المكان. (فإن لم تُحفَظ) أي: يمكن حفظها باًن لم يكن له (٢) من يحفظها غير نفسه: (حُبست معه) حيب لا محذور، (فإن خيف محذور) بحبسها معه، كما الحبس عليه الآن: (ففي رباط ونحوه).
قال في " الفروع ": قال شيخنا فيمن حبسه بحقها: إن خاف خروجها بلا إذنه أسكنها حيث لا يمكنها. فإن لم يكن لها (٣) من يحفظها غيرنفسه حبست معه. فإن عجز عن حفظها أو خيف حدوث شر أسكنت فيا رباط ونحوه. ومتى كان خروجها مظنة الفاحشة صار حقاً لله تعالى يجب على ولي الأمر رعايته. انتهى.
(وليس له) أي: للزوج (منعُها) أي: منع زوجته (من كلام أبويها، ولا منعهما) أي: منع أبويها (من زيارتها) في الأصح.
(ولا يلزمها) أى: يلزم الزوجة (طاعتهما) أي: طاعة أبويها (في فراقٍ) أي: في فراق زوجها، (وزيارة) أي: زيارتها إياهما، (ونحوهما)؛ كأمرهما بعصيان زوجها، بل طاعة زوجها أحق.
стр. 4127
(ولا تصح إجارتها) أى: أن تؤجر نفسها أو يؤجرها وليها (لرضاعٍ وخدمة) وصنعة (بعد) عقد (نكاح بلا إذنه) أي: إذن زوجها؛ لأنه عقد يفوت به حق من ثبت له الحق بعقد سابق. فلم يصح؛ كإجارة المستأجر. فأما مع إذن الزوج فإن الإجارة تصح ويلزم العقد؛ لأن الحق لهما لا يخرج عنهما.
(وتصح) الإجارة (قبلَه) أي: قبل عقد النكاح، (وتلزم)؛ لأن منافعها ملكت بعقد سابق على نكاحه. فأشبه ما لو أشترى أمة مستأجرة أو داراً مشغولة بما يطول. نقله مهنا.
(وله) أي: وللزوج (الوطء) أي: وطء المستأجرة لخدمة أو رضاع (مطلقاً) أي: سواء أضر وطؤه بالمرتضع أو لا في الأصح؛ لأن وطء الزوج مستحق بعقد التزويج فلا يسقط بأمر مشكوك فيه؛ كما لو أذن فيه الولي ولا يملك الزوج فسخ النكاح مع جهله بكونها مؤجره في الأصح.
***
стр. 4128
[فصل: في القسم بين الزوجات]
(فصل. و) يجب (١) (على) زوج (غيرِ طفل، أن يسوي بين زوجاته: في قَسْم)؛ لأنه إذا قسم لواحدة أكثر من غيرها كان في ذلك مَيل. وقد قال : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وليس مع الميل معروف.
وقال : ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء﴾؛لأن العدل أن لا يقع ميل البتة، وهو متعذر ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ على تحري ذلك وبالغتم فيه َ ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] التي ليست ذات بعلٍ ولا مطلقة.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " (٢) .
وعن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ يقسم بيننا فيعدل. ثم يقول: اللهم! هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " (٣) رواهما أبو فى داود.
(وعماده) أي: عماد القسم: (الليل)؛ لأنه يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام على فراشه مع زوجته عادة.
ولأن النهار للمعاش والاشتغال. قال الله : ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ
стр. 4129
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣].
وقال : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠_١١].
(والنهار يَتْبَعُه) أي: يتبع الليل أي: يدخل في القسم تبعاً لليل؛ لما روي" أن سودة وهبت يومها لعائشة " (١) متفق عليه.
وقالت عائشة: " قُبض رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي " (٢) .
وإنما قبض رسول الله ﷺ نهاراً.
ويتبع اليوم الليلة الماضية؛ لأن النهار تابع لليل (٣) . ولهذا يكون أول الشهر الليل.
ولو نذر اعتكاف شهر دخل معتكفه قبل غروب الشمس من آخر يوم من الشهر الذي قبله، ويخرج منه بعد غروب شمس آخر يوم منه.
(وعكسه) أي: عكس ما تقدم من كون عماد القسم في حقه الليل والنهار تابع يكون في حق (مَن معيشتُه بليل، كحارس) فإنه يقسم بين نسائه بالنهار، ويكون النهار في حقه كالليل في حق غيره.
(ويكون) القسم (ليلة وليلة) في الأصح، لأنه إن قسم ليلتين وليلتين أو أكثر من ذلك كان في ذلك تأخير لحق من لها الليلة التالية التي قبلها، (إلا أن يرضين بأكثر) من ليلة وليلة؛ لأن الحق لا يعدوهن.
(ولزوجة أمة مع) زوجة (حرة، ولو) كانت الحرة (كتابية ليلة من ثلاث)، لما روي عن علي أنه قال: " إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحره ليلتين (٤) . رواه الدارقطني.
واحتج به أحمد.
стр. 4130
ولأن الحرة يجب تسليمها ليلاً ونهاراً فكان حظها أكثر في الإيواء. ويخالف ذلك النفقه والسكنى فإنه مقدر بالحاجة، وحاجة الأمة في ذلك كحاجة الحرة.
ويخالف ذلك أيضاً قسم الابتداء فإنه شرع لزوال الاحتشام من كل واحدٍ من الزوجين من صاحبه، ولا يختلف ذلك بالحرية والرق.
وأما كونه يسوي بين المسلمة والذمية في القسم؛ فلقول ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء.
(و) يقسم (لمبعضة) أي: من بعضها فقط حر (بالحساب).
قال في " الإنصاف ": قاله الأصحاب.
(وإن عَتَقت أمة في نَوبتها، أو) في (نوبة حره سابقة) على نوبة الأمة: (فلها) أي: فللأمة التي عتقت في نوبتها أو نوبة الحره السابقة (قِسْم حرة)؛ لأن النوبة أدركت التي كانت أمة وهي حرة فتستحق قسم حرة.
(و) إن عتقت (في نوبة حرة مسبوقة: يستأنف القسم متساوياً) في الأصح. يعني: أنه إن كان قسم للأمة وعتقت وقد استوفت الحرة يوماً مثله قطع الدور وابتدأ دوراً غيره.
قال في " شرح المقنع ": فإن عتقت الأمة في ابتداء مدتها أضاف إلى ليلتها ليلة أخرى لتساوي الحرة، وإن كان بعد انقضاء مدتها استؤنف القسم متساوياً ولم يقض لها ما مضى؛ لأن الحرية حصلت بعد استيفاء حقها. وان عتقت وقد قسم للحرة ليلة لم يردها على ذلك؛ لأنهما تساويا فيسوي بينهما. انتهى.
وعبارته في " الرعاية " وتبعه صاحب " الفؤوع ": وإن عتقت أمة في نوبتها أو نوبة حرة مسبوقة: فلها قسم حرة، وفي نوبة حرة سابقة، قيل: يُتم للحرة على حكم الرق.
وقيل: يستويان بقطع واستدراك. انتهى.
قال ابن نصر الله في " حاشيته على الفروع ": وقد نسبه شارح" المحرر "
إلى الوهم في ذلك. وسبب وهمه: أن في عبارة صاحب " المحرر " ضميراً
стр. 4131
للحرة (١) فظنه للأمة فانعكس الحكم عليه في المسألتين. فإن عبارة " المحرر": إذا عتقت الأمة في نوبتها أو نوبة الحرة وهي المتقدمة فلها قسم حرة. وإن عتقت في نوبة الحرة وهي المتأخرة فوجهان. فجعل صاحب"الرعاية"قوله: وهي في الموضعين يعود إلى الأمة. وتابعه المصنف- يعني: صاحب" الفروع "- وجعل الشارح هذا وهماً وأن الصواب أن قوله: وهي في الموضعين يعود إلى الحرة، ويؤيد ما قاله شارح
"المحرر"قول ابن عبدوس في" تذكرته": ولأمة عتقت في نوبة حرة سابقة كقسمها، وفي نوبة حرة سابقة كقسمها، وفي نوبة حرة مسبوقة تتمها على الرق. انتهى.
فعلى هذا إذا عتقت في نوبة الحرة ونوبة الحرة متقدمة على نوبة الأمة فلأمة قسم حرة، وإن كانت نوبة الحرة متأخرة عن نوبة الأمة ففيها الوجهان.
وقوله: أي: قول شارح "المحرر" أقرب إلى الصواب. ويظهر ذلك بنظر كلامه فإنه علل ذلك بأنها إذا عتقت في نوبة حرة والحرة متقدمة فإن النوبة تدرك الأمة وهي حرة فتستحق قسم حرة. وإن كانت الحرة متأخرة فأحد الوجهين يقسم للحرة على حكم الرق فلا تزاد الأمة شيئاً، ويكون للحرة ضعف مدة الأمة؛ لأن باستيفاء الأمة مدتها في حال الرق وجب للحرة ضعفها. بخلاف ما إذا عتقت قبل مجيء نوبتها أو قبل تمامها. والجرية الطارئة لا تنقص الحرة مما وجب لها.
والوجه الثانى: يسوى بينهما بقطع واستدراك يعني (٢) : أنه إن كان قسم للأمة وعتقت وقد استوفت الحرة يوماً مثله قطع الدور (٣) وابتدأ دوراً غيره.
وإن فضلت الحرة عنها (٤) بشئ استدركه بالقضاء للأمة وذلك؛ لأن نوبتي الأمة والحرة مدة واحدة وقد عتقت الأمة في أثنائها فصارتا حرتين، فوجب أن
стр. 4132
يتساويا (١) فيها؛ كما لو عتقت في آخر نوبتها. انتهى.
قال في " الفروع " بعد ذلك: وفي " المغني " و" الترغيب ": وإن عتقت بعد نوبتها اقتصرت على يومها. زاد في " الترغيب " بدأ بها أو بالحرة.
قال ابن نصر الله: ويدخل في هذه العبارة ما لو كانت (٢) نوبة الحرة قبل نوبة الأمة أو بعدها، وسواء كانت النوبتان متواليتين أو متفرقتين وبينهما زمن من غيرهما برضاهما.
ويفهم منها: أنها متى كان عتقها قبل نوبتها لم يقتصر على يومها.
ومقتضى ذلك: أن يكون لها قسم حرة، سواء كان ذلك في نوبة الحرة السابقة، أو في الزمن المتخلل بين النوبتين برضاهما، أو قبل مجيء نوبتهما من الدور، مثل: أن يكون التراضي وقع بينهم على أن يبيت عند الحرة من كل سبعة أيام يومين هما الخامس والسادس، وعند الأمة السابع، وينفرد لنفسه في أربعة أيام متقدمة على الثلاثة المقسوم فيها. انتهى.
(ويطوف بمجنون مأمون) معه أكثر من زوجة في قسم (وليُّه)، وإن لم يكن مأموناً فلا قسم عليه، لأنه لا يحصل منه أنس ولا فائدة.
(ويحرم تخصيص) لبعض زوجاته (بإفاقة. فلو أفاق في نوبة واحدة: قضى يوم جنونه للأخرى)، وإن لم يعدل الولي في القسم ثم أفاق المجنون فعليه أن يقضي للمظلومة؛ لأنه حق ثبت في ذمته. فلزمه إيفاوه حال الإفاقة؛ كالمال.
(وله أن يأتيهن) أي: وللزوج أن يأتي زوجاته كل واحدة في مسكنها؛ " لأن رسول الله ﷺ كان يقسم هكذا " (٣) .
стр. 4133
ولأنه أهون لهن وأستر حتى لا يخرجن من بيوتهن.
(و) له (أن يدعوهن إلى محلِّه) باًن يتخذ لنفسه منزلاً يدعو إليه كل واحدة منهن في ليلتها ويومها؛ لأن له نقل زوجته حيث شاء بمسكن يليق بها.
(و) له (أن يأتى بعضاً) من الزوجات إلى مسكنها، (و) أن (يدعو بعضاً) منهن إلى منزله؛ لأن له أن يسكن كل واحدة منهن حيث شاء.
وإن حبس الزوج فأحب القسم بين نسائه بأن يستدعي كل واحدة في نوبتها فعليهن طاعته.
(ولا يلزم من دُعيت إتيان: ما لم يكن سكن مثلها)، لما في ذلك من
الضرر عليها، ويجب عليه العدل بينهن.
(ويَقسم) وجوباً زوج مريض ومجبوب وخصي وعنين، لأن القسم للأنس وذلك حاصل ممن لا يطأ.
وقد روت عائشة " أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه، ويقول: أين أنا غداً، أين أنا غداً " (١) . رواه البخاري.
فإن شق عليه ذلك استأذنهن في السكون عند إحداهن، كما فعل النبي ﷺ .
قالت عائشة: " إن رسول الله ﷺ بعث إلى نسائه فاجتمعن. قال: إنى لا أستطيع أن أدور بينكن. فإن رأيتنَّ أن تأذنَّ لي فأكون عند عائشة فعلتن. فأذنّ له (٢) . رواه أبو داود.
فإن لم يأذنّ له أقام عند إحداهن بالقرعة أو اعتزلهن جميعاً إن أحب. قاله في
" شرح المقنع ".
ويجب القسم (لحائضٍ ونُفساء، ومريضة ومَعيبة ورَتقْاء، وكتابيَّة ومُحرِمة وزَمِنة، ومميِّزة ومجنونة مأمونة، ومن آلى) منها (أو ظاهر منها، أو وُطئت
стр. 4134
بشبهة، أو سافر بها بقُرعة: إذا قَدِم)؛ لأن القصد الإيواء والسكن والأنس، وهو حاصل بالمبيت عندها.
(وليس له) أي: للزوج (بُداءة) في قسم (ولا سفر بإحداهن، بلا قرعة)؛ لأن في البداءة بإحداهن تفضيلاً لها، والتسوية واجبة، ولا يمكن الجمع بينهن في البداءة. فوجب المصير إلى القرعة.
و" لأن النبى ﷺ كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فمن خرجت لها القرعة خرج بها معه " (١) . متفق عليه.
(إلا برضاهن ورضاه) يعني: إلا أن يرضى الزوج والزوجات بالبداءة بواحدة معينة، أو بالسفر بها فيجوز؛ لأن الحق لا يعدوهم.
(ويقضي) الزوج لبقية الزوجات (مع) خروج (قرعةٍ) في السفر بإحداهن، (أو) مع (رضاهن) بالسفر بمعينة منهن (ما تعقَّبه سفر أو تخلله) أي: تخلل السفر (من إقامة) في الأصح لساكنهما فيما تعقب السفر أو تخلله، لا زمن مسيره وحله وترحاله؛ لأن ذلك لا يسمى سكناً. فلا يجب قضاؤه؛ كما لو كانا منفردين.
(و) يقضي من سافر بواحدة من زوجتيه أو زوجاته (بدونهما) أي: بدون قرعة وبدون رضى بقية زوجاته (جميع غيبته)؛ لأنه خصَّ بعضهن بمدة على وجه تلحقه التهمه فيه. فلزمه القضاء؛ كما لو كان حاضراً.
ولا فرق في ذلك بين السفر الطويل والقصير؛ لعموم الخبر والمعنى، ولا
بين من أراد السفر إلى بلد معين ثم عنّ له السفر إلى بلد أبعد منه.
(ومتى بدأ) القسم (بواحدة من نسائه بقرعة أوْ لا) أي: وبدون قرعة:
(لزمه مَبيت) ليلة (آتية عند) زوجة (ثانية)؛ ليحصل التعديل في الصورة
стр. 4135
الأولى، ويتدارك الظلم في الصورة الثانية.
(ويحرم) على زوج (أن يدخل إلى كير ذات ليلة فيها) أي: في الليلة التي ليست لها (إلا لضرورة) مثل: أن يكون منزولاً بها فيريد أن يحضرها أو توصي إليه ونحو ذلك.
(و) يحرم أن يدخل إليها (في نهارها) أي: نهار ليلة غيرها (إلا لحاجة؛ كعيادة)، أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته.
(فإن لم يلبث) مع الضرورة أو الحاجه أو مع عد مهما: (لم يقض)؛ لأنه
لا فائدة في قضاء الزمن اليسير.
(وإن لبث أو جامع: لزمه لقضاء لُبثٍ وجماع) في الأصح. وهو: أن يدخل على المظلومة في ليلة المجامعة فيجامعها ليعدل بينهما؛ لأن اليسير مع الجماع يحصل به السكن. فأشبه الزمن الكثير.
(لا) قضاء (قبلة ونحوها من حقِّ الأخرى)، لما روت عائشة قالت:
" كان رسول الله ﷺ يدخل عليَّ في يوم غيري فينال مني كل شيء ألا الجماع " (١) .
(وله قضاء أول ليل عن آخره) في الأصح، لأنه قد قضى بقدر ما فاتها من الليل.
وقيل: ليس له ذلك، لعدم المماثلة.
(و) قضاء (ليل صيف عن) ليل (شتاء، وعكسهما) يعني: أن له قضاء آخر ليل عن أوله، وليل شتاء عن ليل صيف؛ لأنه قد قضى ليلة عن ليلة.
(ومن انتقل) من بلد (إلى بلد) وله زوجات: (لم يجز أن يصحب