كخمسة في كل شهر. فإذا استحيضت جلستها فقط، وأما المختلفة فان كانت
على ترتيب؛ مثل: أن ترى في شهر ثلاثة، وفي الثانى أربعه، وفي الثالث خمسه، ثم تعود إلى ثلاثة، ثم إلى أربعة، ثم إلى خمسة على ما كانت: فهذه
إذا استحيضت في شهر فعرفت نوبته عملت عليه ثم على الذي بعده والذي بعده على العادة، وان نسيت نوبته حيضناها اليقين وهو ثلاثة أيام، ثم تغتسل وتصلي بقية الشهر، وان علمت انه غير الأول وشكت هل هو الثانى أو الثالث؛ جلست أربعة؛ لأنها اليقين، ثم تجلس من الشهرين الأخرين ثلاثة ثلاثة وتجلس في الرابع اربعة؛ ثم تعود إلى الثلاثة كذلك ابدا.
وكذا (لا) تجلس (ما نقصته) عادتها (قبل)؛ كان كانت عادتها خمسة أيام
من كل شهر، ثم صارت تحيض من كل شهر يومين، ثم استحيضت فانها
لا تجلس إلا اليومين التى استقرت عليها عادتها قبل الاستحاضة، ولا يشترط لنقصها تكرار.
وحيث قلنا تجلس عادتها فمحله: (ان علمتها)؛ وذلك أن تعرف شهرها
وهو: ما يجتمع لها فيه حيض وظهر صحيحان، وتعرف وقت حيضها منه وظهرها وعدد أيامها؛ لما روت أم سلمة: " أن امرأة كانب تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ فقال: لتنظر الأيام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي اصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلي " (١) . رواه أبو داود وابن ماجه.
وهذا أحد الأحاديث الثلاثة التي قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه: أن
الحيض يدور عليها.
(وإلا) أي: وان لم تعلم عادتها بأن جهلت شهرها ووقت حيضها وعدد
أيامها (عملت) وجوباً (بتمييز صالح) لأن يكون حيضا
؛ بأن لا ينقص عن يوم
стр. 422
وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يوماً؛ لما روى أبو داود والنسائى من حديث فاطمة بنت أبى حبيش: " إذا كان دم الحيض فانه دم اسود يعرف فأمسكي عن الصلاة. فإذا كان الآخر فتوضئي فانما هو عرق " (١) .
ولأنها مستحاضة لا تعلم لها عادة. فلزمها العمل بالتمييز؛ كالمبتدأه.
والمذهب (ولو تنقل) التمييز (أو لم يتكرر)؛ كما تقدم في المبتدأة.
(و) المذهب أيضاً أن التمييز (لا تبطل دلالته بزيادة الدمين) اللذين هما
الأسود والأحمر، أو الثخين والرقيق، أو المنتن وغير المنتن (على شهر) أي:
على ثلاثين يوماً بأن كانت ترى عشرة أيام أسود وثلاثين أحمر دائما؛ لأن الأحمر بمثابة الطهر، ولا حد لأكثره فلا يضر ذلك.
(ولا يلتفت لتمييز إلا مع استحاضة)؛ لأنه يجب عليها أن تجلس جميع دم
لم يجاوز أكثر الحيض ولو كان مختلف الصفة لصلاحيته أن يكون حيضا كله. (فان عدم) تمييز دمها مع جهلها عادتها (فمتحيرة)؛ لأنها قد تحيرت في حيضها بجهل العادة وعدم التمييز. وهذه (لا تفتقر استحاضتها إلى تكرار).
قال في " الإنصاف "؛ على أصح الوجهين. بخلاف غير المتحيرة على الصحيح. انتهى.
ولهذه التي يسميها الفقهاء متحيرة أحوال:
أحدها: أن تنسى عدد ايامها دون موضع حيضها ولذلك أشير بقوله:
(وتجلس ناسية العدد فقط غالب الحيض) أي: ستا أو سبعا بالتحري (في
موضع حيضها) من اوله، وستأتي الإشارة إلى ذلك في المتن.
وعنه: تجلس فيه أقل الحيض فقط.
(فان لم تعلم إلا شهرها وهو: ما يجتمع) لها (فيه حيض وظهر صحيحان
ففيه) أي: فتجلس فيه ستا أو سبعا) أن اتسع له) أي لهذا القدر. وذلك بأن
стр. 423
تقول: كان يتحصل لي حيض وطهر في كل عشرين يوماً فتجلس في أولها ستا أو سبعا بالتحري، ثم تغتسل وتصلي إلى أن تمضي بقية العشرين، ثم تجلس
كذلك أبدا.
(والا) أي: وان لم يتسع لذلك بأن قالت: كان يتحصل لي في كل ستة عشر
يوماً حيض وطهر: (جلست الفاضل بعد أقل الطهر). وقد تقدم أن أقل الطهر
ثلاثة عشر يوماً فيكون الفاضل بعد ذلك من الستة عشر يوماً ثلاثة فتجلسها من اول الستة عشر، ثم تغتسل وتصلي بقية الستة عشر يوماً ثم تجلس ثلاثة ابدا.
الحال الثانى: أن تذكر عدد أيام حيضها وتنسى موضعه وإلى ذلك أشير
بقوله:
(وتجلس العدد به من ذكرته ونسيت الوقت) من أول كل مدة علم الحيض
فيها وضاع موضعه كنصف الشهر الثانى، وان لم تعلم لحيضها مدة بأن كانت
لا تعلم هل كان حيضها في اول الشهر أو وسطه وأخره؟ فانها تجلس العدد من
اول كل شهر هلالي.
الحال الثالث: أن لا تذكر عددا ولا وقتا لحيضها وإلى ذلك أشير بقوله:
(و) تجلس (غالب الحيض من نسيتهما) أي: نسيت العدد والوقت (من أول
كلل مدة علم الحيض فيها وضاع موضعه؛ كنصف الشهر الثانى)، أو نصف
الشهر الأول، أو العشر الأوسط من الشهر. .
(وان جهلت) كون موضعها في شيء من ذلك (فـ) انها تجلس غالب الحيض
(من اول كل) شهر هلالي (كمبتدأة)؛ لأن النبي ﷺ قال لحمنة: " تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي وصلي اربعاً وعشرين ليلة أو ثلاثاً
وعشرين ليلة وأيامها وصومي " (١) . فقدم حيضها على الطهر ثم أمرها بالصلاه
والصوم في بقية الشهر.
стр. 424
وفي ذلك وجه: انها تتحرى فأي وقت أداها اجتهادها إلى الجلوس فيه
جلسته. سواء كان ذلك الوقت من أول الشهر أو وسطه أو اخره.
(ومتى ذكرت) ناسية العادة (عادتها رجعت إليها) فجلستها، لأن ترك
الجلوس فيها انما كان لعارض النسيان وإذا زال العارض رجعت إلى الأصل. (وقضت الواجب زمنها) أي زمن عادتها، (و) قضت أيضاً الواجب (زمن جلوسها في غيرها) أي غير عادتها. فلو كانت عادتها خمسة من آخر العشر الأول فجلست سبعة من أوله ثم ذكرت لزمها قضاء ما تركت من الصلاة والصيام المفروض في الخمسة الأولى، وقضاء ما صامت من الفرض في الثلاثة الأيام الأخيرة؛ لأنها صامتها في زمن حيضها.
(وما تجلسه ناسية) لعادتها (من) حيض (مشكوك فيه كحيض يقينا) أي:
كالحيض المتيقن في أحكامه. (وما زاد) على ذلك أي: على ما تجلسه (إلى أكثره) أي أكثر الحيض من ظهر مشكوك فيه (كطهر متيقن) في أحكامه.
قال في " الرعاية ": والحيض والطهر مع الشك فيهما؛ كاليقين فيما يحل ويحرم ويكره ويجب ويستحب ويباح ويسقط. وعنه: يكره الوطء في طهر مشكوك فيه كالاستحاضة. انتهى.
(وغيرهما) أي: وغير الحيض المشكوك فيه والطهر المشكوك فيه (استحاضة). ووجه ذلك: خبر حمنة، وكالمبتدأة والمعتادة فان الشك قائم في حقهما.
ولأن الاستحاضه تطول مدتها غالبا ولا غاية لانقطاعها تنتظر، فتعظم مشقة
قضاء ما فعلته في الطهر المشكوك فيه من صوم مفروض. بخلاف النفاس المشكوك فيه؛ لأنه لا يتكرر غالبا، وبخلاف ما زاد على الأقل في المبتدأة ولم يجاوز الأكثر، وعلى عادة المعتادة لانكشاف أمره قريبا بالتكرار.
وقيل: تقضي ما صامته فيه.
وقيل: يحرم وطؤها فيه.
стр. 425
وقيل: به في مبتدأة استحيضت، وقلنا لا تجلس الأكثر.
(وان تغيرت عادة) معتادة (مطلقاً) يعني بزيادة أو تقدم أو تاً خر (فـ) حكم
زمن الدم الزائد على العادة أو المتقدم عليها أو المتأخر عنها (كدم زائد على اقل
حيض من مبتداة في إعادة صوم ونحوه). يعني: انها لا تلتفت إليه حتى يتكرر
ثلاث مرات. فتصوم فيه وتصلي قبل التكرار وتغتسل عند انقطاعه غسلا ثانيا حيث كان أنفطاعه في زمن ظهر معتاد. فإذا تكرر فقد صار عادة فتعيد ما صامته فيه من فرض وما فعلته من طواف واجب؛ لأنا تبينا انها صامت وطافت في حيض. ولا تقضي الصلاة؛ لأن الحائض لا يلزمها صلاة. وفي ذلك وجه: انها تجلسه من غير تكرار.
(ومن انقطع دمها) في أثناء عادتها اغتسلت وصلت وجوباً (ثم) أن (عاد) الدم
(في عادتها جلسته)؛ لأنه صادف زمن العادة. فأشبه ما لو لم ينقطع.
وعنه: انه ليس بحيض. وهو ظاهر كلام الخرقي.
(لا ما جاوزها) أي: جاوز العادة، (ولو لم يزد على اكثره) أي: أكثر
الحيض (حتى يتكرر) ثلاث مرات فتجلسه بعد التكرار؛ لأنه قد تبين انه
حيض.
(وصفرة وكدرة في أيامها) أي: أيام العادة (حيض) نص عليه؛ لقوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهو يتناول الصفرة والكدرة. و" لأن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرة والكدرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. تريد بذلك الطهر من الحيض " (١) .
(لا) أن وجد شيء من ذلك (بعد) أي: بعد العادة (ولو تكرر) فلا تجلسه.
نص عليه؛ لقول أم عطية: " كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً " (٢) .
стр. 426
رواه أبو داود والبخاري، ولم يذكر: " بعد الطهر ".
وعنه: أن ذلك حيض أن تكرر.
(ومن) كانت (ترى يوماً أو أقل) من يوم (أو اكثر) من يوم (دما) متفرقا (يبلغ مجموعه) أي: مجموع مما ترى من الدم (اقله) أي: أقل الحيض، (ونقاء متخللا) بين الدماء: (فالدم حيض)؛ لأنه دم في زمن يصلح كونه حيضا. أشبه
ما لو لم يفصل بينهما طهر. والنقاء المتخلل طهر؛ لما تقدم من أن الطهر في أثناء الحيضة صحيح.
(ومتى انقطع قبل بلوغ الأقل وجب الغسل) إذا.
وفيه وجه: لا يحتاج إلى غسل حتى ترى من الدم ما يبلغ أقل الحمض.
وشرط ذلك: أن لا يجاوز مجموعهما أكثر الحيض، (فان جاوز أكثره)
كمن ترى يوماً دما ويوماً نقاء إلى ثمانية عمثر يوماً مثلا (فمستحاضة) ترد إلى عادتها أن كانت لها عادة، وان نسيت عادتها عملت بتمييز صالح أن كان لها تمييز، وان كانت مبتدأة ولا تمييز لها جلست اليقين في ثلاثه أشهر تم تنتقل إلى غالب الحيض.
قال في " الشرح ": وهل تلفق لها السبعة من خمسه عمثر يوماً، أو تجلس أربعة من سبعة؟ على وجهين.
стр. 427
فصل [في حكم دائم الحدث]
(يلزم كلل من دام حدثه) دائما من مستحاضة ومن به سلس بول أو مذي أو
ريح وجريح لا يرقى دمه ومن به رعاف دائم (غسل المحل) الملوث بالحدث لإزالة ما عليه منه. (وتعصيبه) تعصيبا يمنع الخارج حسب الإمكان من حشو بقطن، وشد بخرقة طاهرة. وتستثفر المستحاضة أن كان دمها كثيراً بخرقة مشقوقة الطرفين تشدهما على جنبيها ووسطها على الفرج " لأن في حديث:
" لتستثفر بثوب " (١) .
وقال لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: " أنعت لك الكرسف- يعني:
القطن- تحشين به المكان. قالت: انه أكثر من ذلك قال: تلجمي " (٢) .
و (لا) يلزم (إعادتهما) أي: إعادة الغسل والتعصيب الكل صلاة أن لم
يفرط)، لأن الحدث مع غلبته وقوته لا يمكن التحرز من خروجه قالت عائشة: " اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأه من ازواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي " (٣) . رواه البخاري.
(وتتوضأ لوقت كل صلاة أن خرج شيء)، لما روى عدي بن ثابت عن ابيه
عن جده عن رسول الله ﷺ : " في المستحاضة: تدع الصلاة أيام اقرائها، ثم تغتسل وتصوم وتصلي، وتتوضأعند كل صلاة " (٤) . رواه أبو داود والترمذي.
стр. 428
وعن عائشة قالت: " جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فذكر
خبرها. ثم قال: وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت " (١) . رواه الإمام- أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنها طهارة عذر وضرورة. فتقيدت بالوقت؛ كالتيمم.
وعلم مما تقدم: انه إذا لم يخرج شيء لم يجب وضوء. نص عليه فيمن به
سلس البول، وانه إذا كان الوضوء قبل الوقت بطل بدخول الوقت أو خرج شيء.
(وان اعتيد انقطاعه) أي: انقطاع الحدث (زمنا يتسع للفعل) أي: فعل
الصلاة المفروضة والطهارة لها (فيه: تعين) فعل العبادة في زمن انقطاع الحدث؛ لأنه قد أمكن الإتيان بالعبادة على وجه لا عذر معه ولا ضرورة. فتعين فعلها على هذا الوجه؛ كمن لا عذر له.
(وان عرض هذا الانقطاع) يعني المتسع لفعل الطهارة والصلاة (لمن عادته الاتصال) أي: اتصال الحدث وهو متوضئ (بطل وضوءه)؛ لأنه صار بهذا الانقطاع في حكم غير من حدثه دائم.
وعلم مما تقدم: أن الانقطاع زمنا لا يتسع لفعل الطهارة والصلاة لا أثر له.
(ومن) أي: والذي (تمتنع قراءته) في الصلاة قائما لا قاعدا، (أو يلحقه
السلس) في الصلاة (قائما) لا قاعدا: (صلى قاعدا).
ولو كان لو قام وقعد لم يحبسه، ولو استلقى حبسه: صلى قائما؛ لأن
المستلقي لا نظير له اختيارا.
стр. 429
(ومن لم يلحقه) السلس (إلاراكعا أو ساجدا) لا يكفيه الإيماء و (ركع
وسجد). نص عليه كالمكان النجس.
قال في " الفروع ": ويتخرج انه يومئ. وجزم به أبو المعالي" لأن فوات
الشرط لا بدل له.
(وحرم) على زوج (وطء مستحاضة من غير خوف عنت منه أو منها):
أما كون وطئها يحرم مع عدم خوف العنت منه أو منها؛ فلما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها انها قالت: " المستحاضة لا يغشاها زوجها " (١) .
ولأن بها أذى. فحرم وطؤها، كالحائض.
وأما كونه يباح مع خوف العنت، لأن حكمه أخف من حكم الحيض،
ومدته تطول. بخلاف الحيض.
ولأن وطء الحائض قد يتعدى إلى الولد. بخلاف المستحاضة.
وعنه: أن وطئها مباح مطلقاً. وهو قول أكثر العلماء.
وعنه: انه يكره.
وحيث قلنا: يحرم لا كفاره فيه في الأشهر.
(ولرجل شرب) دواء (مباح يمنع الجماع)، ككافور ونحوه.
(ولانثى شربه) أي: شرب الدواء المباح الإلقاء نطفة).
قال في " الفروع ": ذكره في " الوجيز ". وفي " أحكام النساء "
لابن الجوزي: يحرم انتهى.
(و) لها أيضاً: شرب دواء مباح لأجل (حصول حيض). ذكره الشيخ
تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ".
قال أبو يعلى الصغير: (إلا قرب رمضان لتفطره).
قال في " الانصاف": قلت: وليس له مخالف. والظاهر انه مراد من ذكر المسألة.
стр. 430
(و) لها أيضاً: شرب دواء مباح (لقطعه) أي: قطع الحيض. نص عليه.
قال في" الفروع ": وقال القاضي: بإذن الزوج؛ كالعزل. يؤيده قول
أحمد في بعض جوابه: المزوجة تستاذن زوجها، ويتوجه يكره. انتهى.
الا فعل الأخير بها) أي: ليس لأحد أن يسقيها دواء لقطع الحيض
(بلا علمها) لإسقاط حقها مطلقاً من الغسل المقصود.
قال في " الإنصاف ": قال في " الفائق ": ولا يجوز ما يقطع الحمل.
ذكره بعضهم.
стр. 431
فصل [في النفاس]
(النفاس لا حد لأقله). وبه قال الثوري والشافعي؛ لأنه لم يرد في الشرع تحديده فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلا وكثيرا وقد روي: " أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ﷺ فلم تر دما فسميت ذات الجفوف " (١) .
ولأن اليسير دم وجد عقيب سببه. فكان نفاسا؛ كالكثير. وعنه: أقله
يوم.
(وهو) أي: النفاس (دم يرخيه الرحم مع ولادة وقبلها) أي: قبل الولادة
(بيومين أو ثلاثة بإمارة) متعلق بقوله وقبلها. (وبعدها) أي: بعد الولادة (إلى تمام اربعين) يوماً. اولها (من ابتداء خروج بعض الولد) وهو بقيه الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله.
وأصله لغه: من التنفس. وهو الخروج من الجوف، أو من نفس الله كربته
أي: فر جها.
وعلم من قوله: إلى تمام الأربعين: أن أكثر النفاس أربعون يوماً.
وعنه: ستون.
والأول المذهب.
стр. 432
قال الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي (١) . قال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس.
(وان جاوزها) أي: جاوز دم النفاس أربعين يوماً (وصادف عادة حيضها ولم يزد) عن العادة. فالمجاوز حيض، لأنه دم في زمن العادة. أشبه ما لو يتصل بزمن النفاس.
(أو زاد وتكرر ولم يجاوز اكثره) أي أكثر الحيض: (فحيض) أي: فالزائد حيض، لأنه دم متكرر في زمن يصلح أن يكون حيضا. أشبه ما لو لم يكن قبله نفاس.
(وإلا) أي: وان جاوز أكتر الحيض تكرر أو لا، (أو لم يصادف) ما جاوز الأربعين (عادة: فاستحاضة) أي: فالدم المجاوز لأكثر الحيض والذي لم يصادف عادة استحاضة.
(ولا تدخل استحاضة في مدة نفاس) كما انها لا تدخل في مدة حيض، لأن الحكم للأقوى.
(ويثبت حكمه) أي: حكم النفاس (بوضع ما يتبين فيه خلق انسان) نص
عليه. فلو وضدت علقة أو مضغة لاتخطيط فيها لم يثبت لها بذلك حكم النفاس. نص عليه.
وعنه: يثبت بوضع مضغة. وعنه: وعلقة.
(والنقاء زمنه) أي: زمن النفاس (طهر) ولو كان أقل من يوم، كالنقاء زمن عادة الحيض.
وعنه: أن رأت النقاء أقل من يوم لا يثبت لها أحكام الطاهراًت.
(ويكره وطؤها فيه).
стр. 433
قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن أبي العاص:
" انها اتته قبل الأربعين. فقال: لا تقربيني " (١) .
ولأنه لا يؤمن من عود الدم في زمن الوطء. فيكون وطئها في نفاس.
ويجب عليها الصلاة وفعل الصوم المفروض.
وعنه: لا يكره وطؤها فيه. وعنه: يحرم.
(وان عاد الدم في الأربعين أو لم تره) عند الولادة (ثم راته فيها) أي: في الأربعين (فمشكوك فيه) أي: فهذا الدم مشكوك فيه: في كونه دم نفاس، أو دم فساد.
وعنه: هو نفاس.
وعلى المذهب: وهو كونه مشكوكا فيه (تصوم وتصلي) معه؛ لأن سبب العادة متيقن وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه.
(وتقضي الصوم المفروض) ونحوه؛ لأن فعله مع الشك في صحته ليس بمبرئ لما تيقن شغل ذمتها به.
(ولا توطأ) في هذا الدم، كما لا توطا المبتدأة في الدم الزائد على اليوم
والليله قبل تكراره.
(وان صارت نفساء بتعديها) على نفسها بضرب أو شرب دواء أو غيرهما (لم تقض) الصلاة زمن نفاسها.
قال في " الفروع ": والمذهب أن صارت نفساء بتعديها لم تقض؛ لأن
وجود الدم ليس بمعصية من جهتها، فقيل للقاضي وغيره: وخوف التلف في سفر المعصية ليس معصية من جهته؟ فقال: إلا انه يمكنه قطعه، والنفساء
стр. 434
لا يمكنها؛ كالسكر يعلق عليه حكم سببه وهو الشرب، وان كان حدث بغير فعله، إلا أن سببه من جهته. فهما سواء. كذا قال.
وقال أيضاً: السكر جعل شرعاً كمعصية مستدامة يفعلها شيئاً فشيئاً بدليل جريان الإثم والتكليف.
ولأن الشرب يسكر غالبا. فأضيف إليه؛ كالقتل يحصل معه خروج الروح
فأضيف إليه. انتهى.
(وفي وطء نفساء ما في وطء حائض). نقله حرب. وقاله غير واحد فتلزمه الكفارة الواجبة في وطء الحائض.
(ومن وضعت توأمين) أي: ولدين (فأكثر فأول نفاس واخره من الأول)؛
لأنه دم خرج عقب الولادة. فكان نفاسا؛ كحمل واحد ووضعه.
(فـ) على هذا الو كان بينهما اربعون) فأكثر (فلا نفاس للثانى). نص عليه؛ لأن الولد الثانى تبع للأول. فلم يعتبر في آخر النفاس، كما لا يعتبر في اوله. وعنه: أن آخر النفاس من الولد الأخير. فلو كان بينهما أربعون فأكثر فهما نفاسان. والله أعلم.
стр. 435
كتاب الصلاة
[الصلاه] في اللغة: الدعاء لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبه: ١٠٣]
أي: ادع لهم. وانما عدي بـ " على " لتضمنه معنى الانزال أي: انزل رحمتك عليهم.
وقال النبي ﷺ : " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فان كان مفطرا
فليطعم، وان كان صائما فليصل " (١).
وقال الشاعر (٢):
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صفيت فاغتمضي يوماًفان لجنب المرءمضطجعا
وفي الشرع: (اقوال وافعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة
بالتسليم).
فان قيل: صلاة الأخرس لا يوجد فيها أقوال؟.
فا لجواب: أن الأقوال المقدرة كالموجودة.
والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينه: ٥]
ومن السنة قول النبي ﷺ : " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله
إلا الله وان محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان،
стр. 436
وحج البيت من استطاع إليه سبيلا " (١) . متفق عليه.
والأخبار في ذلك كثيرة.
وأجمع المسلمون على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة.
وسميت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء.
وقيل: لأنها ثانيه لشهادة التوحيد، كالمصلي من السابق في الخيل.
واشتقاقهما من الصلوين، وأحدهما صلا كعصا، وهما عرقان من جانب
الذنب. وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود.
وقال ابن فارس: من صليت العود بتشديد اللام إذا لينته؛ لأن المصلي يلين
ويخشيع.
ورده النووي بأن لام الكلمة في الصلاة واو، ومن صليت ياء.
وجوابه: أن الواو وقعت رابعة فقلبت ياء.
وفرضت الصلاة ليلة الإسراًء بعد مبعثه بخمس سنين. وقيل: قبل الهجرة
بسنة. وقيل: بعد مبعثه بخمسة عشر شهرا.
(وتجب) الصلوات (٢) (الخمس) في كل يوم وليله (على كل مسلم) ذكر أو
أنثى أو خنثى، حر أو عبد أو مبعض (مكلف) أي: بالغ عأقل (غير حائض ونفساء) فلا تجب عليهما؛ لأنها لو وجبت عليهما لأمرتا بقضائها إذا طهرتا من الحيض والنفاس.
ومن فاتته الصلاة وهو من أهل وجوبها لزمه قضاوها (ولو لم يبلغه الشرع أو
نائما، أو مغطى عقله بإغماء، أو شرب دواء، (و) شرب (محرم).
أما النائم والناسي " فلقول النبي ﷺ : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها.
стр. 437
إذا ذكرها " (١) .رواه مسلم.
ويلحق بذلك الساهي ومن لم يبلغه الشرع.
وأما المغمى عليه؛ فلما روي " أن عمارا غشي عليه ثلاثاً ثم أفاق فقال:
هل صليت؟ قالوا: ما صليب منذ ثلاث. ثم توضأ وصلى تلك الثلاث " (٢) .
وعن عمران بن حصين وسمرة بن جندب نحوه، ولم يعرف لهم مخالف
فكان كا لإجماع.
ولأن الإغماء لا تطول مدته غالبا، ولا يثبت على متلبس به الولاية، ويجوز
على الأنبياء، ولا يسقط الصوم. فكذا الصلاة " كالنائم.
وأما شارب الدواء المباح فأولى بالوجوب من المغمى عليه.
وأما المغطى عقله بشرب مسكر مكرها فكذلك. وان كان بشرب محرم كالسكران، فلان سكره معصية. فلا يناسبها إسقاط الواجب.
стр. 438
(فيقضي) الصلاة زمن سكره (حتى زمن جنون طرا) على السكر (متصلا به) تغليظا عليه. وفيه احتمال: لا يلزمه قضاء زمن جنونه.
(ويلزم) مستيقظا (إعلام نائم بدخول وقتها) أي: وقت الصلاة (مع ضيقه)
أي: إذا ضاق.
قال في" الإنصاف ":ويجب إعلامه إذا ضاق الوقت على الصحيح. جزم
به أبو الخطاب في " التمهيد ". وقيل: لا يجب إعلامه. وقيل: يجب ولو لم يضق الوقت، بل بمجرد دخوله. وهن احتمالات مطلقاًت في " الرعاية "
و" الفروع " انتهى.
(ولا تصح) الصلاة (من مجنون)؛ لأنه لا يعقل النيهة. فلم تصح منه. أشبه
الطفل الذي لا يعقل.
وعلم مما تقدم أن الصلاة لا تجب على كافر ولا مجنون: أما الكافر؛ فانها
لو وجبت عليه في حال كفره لوجب عليه قضاؤها إذا أسلم. وهو لا يجب إجماعاً؛ لأنه أسلم خلق كثير في عصر النبي ﷺ ومن بعده، فلم يؤمر أحد بقضاء؛ لما فيه من التنفير عن الإسلام.
وأما المجنون؛ فلانه ليس من أهل التكليف. أشبه الطفل.
ولو ضرب رأسه فجن لم يجب عليه القضاء على الصحيح. قاله في القاعده الثانيه بعد المائة.
وفي " المستوعب": لا تجب على الأبله الذي لا يعقل.
وقال في الصوم: لا يجب على المجنون ولا على الأبله اللذين لا يفيقان.
وقال في " الفروع ": وجزم بعضهم، وقدمه بعضهم: أن زال عقله بغير
جنون لم تسقط. انتهى.
(وإذا صلى) كافر في دار الإسلام أو دار الحرب في جماعة أو منفودا بمسجد
أو خارجه، (أو اذن ولو في غير وقته، كافر يصح إسلامه) بأن يعقله: (حكم به) أي: بإسلامه. ومعنى الحكم بإسلامه: انه لو مات عقب الصلاة أو الأذان قضي
стр. 439
بتركته لأقاربه من المسلمين دون الكفار، ويدفن في مقابو المسلمين، وانه لو أراد البقاء على الكفر وقال: انما صليت أو انما أذنت متلاعبا اومستهزءا لم يقبل منه؛ كما لو أتى بالشهادتين، ثم قال: انما قلت ذلك متلاعبا أو مستهزءا.
أما كون الكافر يحكم بإسلامه إذا صلى؛ فلما روى أبو داود من حديث
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " نهيت عن قتل المصلين " (١) . فظاهره أن العصمة تثبت بالصلاة، وهي لا تكون بدون الإسلام.
ولما روى البخاري من حديث أنس موقوفا من قوله حين سأله ميمون بن سياه (٢) فقال: " من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا،
وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم " (٣) .
والظاهر من قوله: " وصلى صلاتنا " انه لا يحكم بإسلامه حتى يصلي
ركعة، لما يأتي فيمن حلف لا يصلي صلاة: انه لا يحنث حتى يصلي ركعة. ولأن الصلاة على هذه الهيئة عبادة تختص بشرعنا. أشبهت الأذان.
وأما كونه يحكم بإسلامه بالأذان؛ لإتيانه بالشهادتين طائعا.
(ولا تصح صلاته) أي: صلاة الكافر (ظاهرا). فيؤمر بإعادتها؛ لفقد
شرطها وهو الإسلام حالة نيتها.
قال في " المغني ": أن علم انه كان قد أسلم ثم توضأ وصلى بنية صحيحة فصلاته صحيحة وإلا فعليه الإعادة. انتهى.
وقيل: بل تصح ظاهرا لكن لا تصح إمامته فيها. وقيل: بلى.
(ولا يعتد بأذانه) فلا يسقط به فرض الكفاية؛ لاشتراط النية فيه، وعدم صحتها من الكافر.
(ولا تجب) الصلاة (على صغير) لم يميز قولا واحدا، ولا تصح منه على الصحيح
стр. 440
وأما المميز فلا تجب عليه على الصحيح لكن تصح منه، وإلى ذلك أشير
بقوله:
(وتصح من مميز. وهو: من بلغ) أي: استكمل (سبعا) من السنين.
واختار صاحب " الرعاية ": ستا.
وقال في " القواعد الأصولية ": وفي كلام بعضهم ما يقتضي انه ابن عشر.
وقال ابن أبي الفتح في" المطلع ": هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب،
ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الأفهام. وصوبه في" الإنصاف " وقال:
ان الاشتقاق يدل عليه.
وعنه: تجب الصلاة على المميز. وعنه: على من بلغ عشرا. وعنه:
على المراهق.
(و) متى صلى المميز كان (الثواب له).
قال في " الفروع ": ذكره الشيخ في غير موضع، وذكره شيخنا، وذكر في
"شرح مسلم ": في حجه: انه صحيح يقع تطوعا، يثاب عليه عند مالك والشافعي وأحمد، وكذا قال ابن عقيل في " الفنون ". انتهى.
وانما لم تجب الصلاة على من لم يبلغ على الصحيح " لقول النبي ﷺ :
" رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ. . " (١) .
ولأن من لم يبلغ صغير. فلم تجب عليه؛ كالطفل.
ولأن الصغير ضعيف العقل والبنية ولا بد من ضابط يضبط الحد الذي تتكامل
فيه بنيته وعقله. فانه يتزايد تزايدا خفي التدريج. فلا يعلم بنفسه، والبلوغ
ضابط لذلك، ولهذا تجب به الحدود، ويتعلق به أكثر أحكام التكليف فكذلك
стр. 441
الصلاة. فأما التأديب ها هنا فهو كالتأديب على تعلم الخط والقرآن والصناعة؛ ليعتادها ويتمرن عليها. ولا فرق بين الذكر والانثى فيما ذكرنا.
ولا خلاف في انها تصح من الصبي العاقل، ويشترط لصلاته (١) ما يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في السترة، فان قوله ﵇: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " (٢) : يدل على صحتها بدون الخمار. قاله في " الشرح ". (ويلزم الولي امره) أي: أمر الصغير (بها) أي: بالصلاة (لـ) تمام (سبع، وتعليمه إياها) أي: الصلاة (والطهارة، كـ) ما يلزم الولي فعل ما يعود على (إصلاح ماله) أي: مال الصغير، (و) كـ (كفه عن المفاسد، و) يلزمه أيضاً (ضربه على تركها لعشر) أي: لتمامها: أما كون ولي الصغير يلزمه امره بها لسبع وضربه على تركها لعشر؛ فلما روى عمروبن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: " مروا أبناءكم بالصلاة وهم ابناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع " (٣) . رواه أحمد وأبو داود من رواية سوار بن داود، وقد وثقه ابن معين وغيره.
والأمر والتأديب في حقه؛ لتمرينه عليها حتى يألفها ويعتادها فلا يتركها.
ويلزم الولي أيضاً: تعليمه إياها والطهارة. نص عليه؛ لأن الصغير
لا يمكنه فعل ما أمر به إلا إذا علمه. فان احتاج إلى أجرة فمن مال الصغير. فان لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته.
(وان بلغ) الصغير (في) أثناء صلاة (مفروضة) من الخمس؛ كمن تمت مدة
стр. 442
بلوغه وهو فيها، وسمي بلوغا؛ لبلوغه حد التكليف (أو بعدها) أي: بعد أن صلاها (في وقتها لزمه إعادتها)، لأنها نافلة في حقه. فلم تجزئه؛ كما لو نواها نفلا، وكما يلزمه إعادة الحج.
(مع) إعادة (تيمم لها)؛ لأنه لما تيمم لها قبل بلوغه كانت الصلاة التى تيمم
لها نافلة في حقه، ولما بلغ بعد تيممه صارت الصلاة في حقه فريضة، والمتيمم لنافله لا يجوز أن ينوي (١) بتيممه لها فريضه.
(لا) إعادة (وضوء) (٢) ؛ لأن المتوضئ لنافلة يجوز أن يصلى به فريضة.
ولا إعادة غسل لجنابة؛ لما تقدم.
ولأن المقصود بالطهارةغيرها.
(و) لا إعادة (إسلام).
قال في " الفروع ": لأن (٣) أصل الدين لا يصح نفلا، فإذا وجد فعلى وجه
الوجوب. ولأنه يصح بفعل غيره وهو الأب.
وذكر أبو المعالي خلافا.
وقال أبو البقاء: الإسلام أصل العبادات وأعلاها، فلا يصح القياس عليه،
ومع التسليم فقد قال بعض أصحابنا: يجب عليه إعادتها. انتهى.
(ولا يجوز لمن لزمته) صلاة من الخمس (تاخيرها أو) تأخير (بعضها عن
وقت الجواز) في صلاة لها وقت جواز ووقت ضرورة. حال كونه (ذاكرا) لها عند تأخيرها، (قادرا على فعلها): أما كون من تجب عليه الصلاة لا يجوز له
تأخيرها عن وقتها المأمور بإيقاعها فيه؛ لأنه بالتأخير من غير عذر يكون تاركاً للواجب مخالفا للأمر، وهو عاص مستحق للعقاب.
стр. 443
ولأنه لو عذر بالتأخير لفاتت فائدة التوقيت (١) .
وأما كون عدم جواز التاًخير مختصا بالذاكر القادر؛ فلما روى أبو قتادة أن
رسول الله ﷺ قال: " ليس في النوم تفريط، انما التفويط في اليقظة: أن تؤخر
الصلاة إلى أن يدخل وقت صلاة اخرى " (٢) . رواه مسلم.
ويستثنى مما تقدم صورتان إحداهما: ما أشير إليها بقوله:
(إلا لمن له الجمع) أي: الجمع بين الصلاتين في صورة جمع التاًخير.
(وينويه) في الوقت التي تعتبر نيته فيه؛ " لأنه ﷺ كان يؤخر الصلاة الأولى في الجمع ويصليها في وقت الثانية " (٣) . وسياتي.
والصورة الثانية: ما أشير إليها بقوله: (أو لمشتغل بشرطها الذي يحصله
قريبا)؛ كما لو قام يصلي في اثناء الوقت فانقطع ثوبه قطعاً لا تصح معه الصلاة؛ لانكشاف عورته بسبب ذلك القطع، وليس عنده غيره، ولم يفرغ من خياطته حتى خرج الوقت ونحو ذلك.
(وله) أي: ولمن لزمته صلاة (تأخير فعلها في الوقت مع العزم عليه) أي:
على الفعل (مالم يظن مانعا) أي: حصول ما يمنعه من فعلها في الوقت؛
(كموت وقتل وحيض) أي: كمن يظن انه يموت أو يقتل في وقتها قبل فعلها، أو
تظن المراة انها تحيض في وقتها قبل فعلها.
(او) ما لم (يعر سترة اوله)، أي: أول الوقت (فقط) ليصلي فيها ولا يعيرها
стр. 444
له بعد ذلك، (أو لا يبقى وضوء عادم الماء سفرا إلى اخره) أي: آخر الوقت (ولا يرجو وجوده) أي: وجود الماء في الوقت: فانه يتعين فعلها في أول الوقت في هذه الصررة كلها " لما فيها من تفويت الفعل في بعض، والشرط في بعض. (ومن له أن يوخر) الصلاة إلى آخر وقتها، فمات في الوقت قبل فعلها فانها (تسقط بموته)
قال القاضي وغيره: لأنها لا تدخلها النيابه، فلا فائدة في بقائها في الذمة. بخلاف الزكاة والحج.
(ولم يأثم).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقيل: يأثم. انتهى.
ووجه عدم الإثم: انه لم يقصر ولم يعزم على ترك فعلها في الوقت. أما لو
عزم على ترك فعلها في الوقت فهو إثم إجماعاً، مات أم لم يمت، ومتى فعلها في الوقت بعد العزم على تركها فيه وقعت إذا.
(ومن تركها) أي: ترك الصلاة ممن تجب عليه (جحودا) لوجوبها مع علمه بوجوبها، (و) كذا لو) كان جحده لوجوبها (جهلا وعرف) بانها واجبة (وأصر) على جحوده: (كفر) أي: صار مرتدا حكمه حكم سائر المرتدين عن الإسلام " لأنه صار بجحدها على الحالتين المذكورتين في المتن مكذبا لله تعالى
ولرسوله ﷺ ، ولإجماع الأمة.
(وكذا) في الحكم لو تركها (تهاونا أو كسلا إذا) كان ذلك بعد أن (دعاه إمام)
أو نائبه (لفعلها وأبى) أن يفعلها (حتى تضايق وقت التي بعدها) فانه يقتل أيضاً وجوباً بضرب عنقه نص عليه كفرا. اختاره الأكثر، لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَان تَابُواْ وَأَقَامُواْ
الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمًْ﴾ [التوبة: ٥]. فأباح قتلهم حتى يقيموا
الصلاة ويؤتوا الزكاة. فمن ترك الصلاة لم ياًت بشرط التخلية. فيبقى على إباحة القتل.
стр. 445
ولقوله ﷺ : " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " (١) . رواه مسلم.
ولقوله ﵊: " العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها
فقد كفر " (٢) . رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن
صحيح.
ولقوله ﵊: " من ترك الصلاة متعمدا برئت منه ذمة الله ورسوله " (٣) . رواه الإمام أحمد بإسناده عن مكحول، وهو مرسل جيد.
ولقوله ﷺ : " أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون
الصلاة " (٤) .
قال أحمد: كل شيء ذهب اخره لم ييق منه شيء.
وقال عمر ﵁: " لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " (٥) .
وقال علي ﵁: " من لم يصل فهو كافر ".
قال عبد الله بن شقيق: " لم يكن اصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (٦) .
стр. 446
ولأن الصلاة ركن من أركان الإسلام لا تدخله النيابة. فقتل تاركها؛
كالشهادتين.
وعنه: يجب قتله إذا أبى حتى تضايق وقت أول صلاة.
وعنه: يجب القتل بدخول وقت التى بعدها وان لم يضق.
وعنه: لا يجب حتى يترك ثلاثاً، ويضيق وقت الرابعة.
وعنه: لا يجب حتى يترك صلاة ثلاثة أيام.
(و) حيث وجب القتل على جاحد وجوب الصلاة وتاركها تهاونا فانهما
(يستتابان ثلاثة ايام)، ويضيق عليه، ويدعى في وقت كل صلاة إلى فعلها لأنة
قتل لترك واجب فتقدمته (١) الاستتابة؛ كقتل المرتد.
(فان تابا بفعلها) أي: بفعل الصلاة زمن الاستتابة (وإلا ضربت عنقهما)
بالسيف؛ لقول النبي ﷺ : " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة " (٢) . رواه مسلم. اي:
الهيئة من القتل.
والصحيح من المذهب: انه لا يزاد على ذلك.
وقال القاضي: يضرب ثم يقتل.
(وكذا) أي: وكترك الصلاة جحدا أو تهاونا (ترك ركن) فيها، (أو شرط)
لها (يعتقد) التارك (وجوبه) أي: وجوب الإتيان به. فيقال فيه ما يقال في ترك جميعها.
قال في " الإنصاف ": ذكره ابن عقيل وغيره، وقدمه في" الفروع "
وغيره. انتهى.
وعبارته في " الفروع ": ومن ترك شرطا أو ركنا مجمعا عليه: كالطهارة
فكتركها. وكذا مختلفا فيه يعتقد وجوبه. ذكره ابن عقيل وغيره، وعند الشيخ:
لا. وزاد ابن عقيل أيضاً في " الفصول ": لا بأس بوجوب قتله، كما نحده
стр. 447
بفعل ما يوجب الحد على مذهبه، وهذا ضعيف، وفي الأصل نظر، مع أن الفرق واضح.
وقال ابن هبيرة في قول حذيفة: وقد رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده:
ما صليت، ولومت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا ﷺ : فيه أن انكار المنكر في مثل هذا يغلظ له لفظ الانكار. وفيه إشارة إلى تكفير تارك الصلاة، وإلى تغليظ الأمر في الصلاة، حتى أن من أساء في صلاته ولا يتم ركوعها ولا سجودها فان حكمه حكم تاركها. انتهى.
فائدة:
قال في " الإنصاف ": اختلف العلماء بما كفر إبليس: فذكر أبو إسحاق بن شاقلا: انه كفر بترك السجود لا بجحوده. وقيل: كفر لمخالفة الأمر الشفاهي
من الله تعالى. فانه خاطبه بذلك.
قال الشيخ برهان الدين ولد صاحب " الفروع " في الاستعاذة له: وقال
جمهور العلماء: انما كفر لأنه أبى واستكبر، وعاند، وطغى، واصر واعتقد
انه محق في تمرده. واستدل بـ ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الاعراف: ١٢]. فكان تركه للسجود تسفيها لأمر الله تعالى وحكمته.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: انما أمر بالسجود فاستكبر وكان من
الكافرين. فالاستكبار كفر.
وقال (١) الخوارج: كفر بمعصية الله تعالى، وكل معصية كفر. وهذا خلاف
الإجماع. انتهى.
стр. 448
[باب: الأذان]
هذا (باب) يذكر فيه شيء من أحكام الأذان والإقامة، وما يتعلق بهما.
و (الأذان) لغة: الإعلام. قال الله : وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ
وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: إعلام، وقال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] أي: أعلمهم.
وقال الشاعر:
آذنتنا ببينها أسماء
أي: أعلمتنا. يقال: أذن بالشيء يؤذن أذانا وتاًذينا وأذينا على وزن
رغيف، إذا أعلم به. وهو اسم وضع موضع المصدر. وأصله من الأذن وهو الاستماع، كأنه يلقي في اذان الناس ما يعلمهم به.
والأذان في الشرع: (إعلام بدخول وقت الصلاة، او) إعلام بـ (قربه) أي:
قرب وقتها (لفجر) فقط.
(والإقامة) في الأصل مصدر أقام، وحقيقته إقامة القاعد. فكان المؤذن إذا
أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين وازالهم عن قعودهم.
وهي في الشرع: (إعلام بالقيام إليها) أي: إلى الصلاة (بذكر مخصوص
فيهما) أي: في الأذان والإقامة.
(وهو) أي: الأذان (أفضل منها) أي: من الإقامة.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقيل: الإقامة
أفضل، وهو رواية في " الفائق ". وقيل: هما في الفضيلة سواء.
стр. 449
(و) أفضل أيضاً (من إمامة).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
قال الشيخ تقي الدين: هذا أصح الروايتين واختيار أكثر الأصحاب.
وعنه: الإمامة أفضل. وهو وجه في" الفائق" وغيره. اختاره ابن حامد
وابن الجوزي. وقيل: هما سواء في الفضيلة. وقيل: ان علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل وإلا فلا. انتهى.
ويشهد لفضل الأذان، ما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لو يعلم
الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه " (١) . متفق عليه.
وعن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المؤذنون
أطول الناس أعناقا يوم القيامة " (٢) . رواه مسلم.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " من أذن سبع سنين محتسبا كتب له براءة
من النار " (٣) . رواة ابن ماجه.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة على كثبان المسك يوم
القيامة: رجل أم قوما وهم به راضون، ورجل يؤذن في كل يوم خمس صلوات، وعبد أدى حق الله وحق مواليه " (٤) . رواه الإمام أحمد
والترمذي.
وعن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: " أن الله وملائكته يصلون على
стр. 450
الصف المقدم، والمؤذن يغفر له بمد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه " (١) . رواه الإمام أحمد والنسائي.
ويشهد لكون االأذان أفضل من الإمامة؛ ما روى أبو هريرة أن النبي
ﷺ قال: " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن. اللهم! أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين " (٢) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي.
والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد.
واستدل من قال: أن الإمامة أفضل بأن النبي ﷺ تولاها بنفسه وخلفاءه من
بعده، ولا يختارون إلا الأفضل.
ولأن الإمام يختار لها من هو اكمل حالاً وأفضل، واعتبار فضيلته دليل على
فضيلة منزلته.
وأجيب بانه: انما لم يتول النبي ﷺ وخلفاوه من بعده الأذان؛ لضيق وقتهم عنه، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: " لولا الخليفى (٣) لأذنت ". والله
أعلم.
وذكر أبو المعالي: أن الجمع بين الأذان والإمامة أفضل، وقال أيضاً:
ما صلح له فهو أفضل.
والأصل في مشروعية الأذان والإقامة؛ ما روي عن أنس بن مالك قال: " لما
كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه. فذكروا أن يوقدوا نارا أو يضربوا ناقوسا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامه " (٤) . متفق عليه.
стр. 451
وعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: " لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس
يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؛ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى. قال: فقال تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، اشهد أن لا إله إلا الله، اشهد أن
لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حى
على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر
الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر غير بعيد عني، ثم قال تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر، اشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا
رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحب أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: انها لرويا حق أن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألق عليه ما رايت فليؤذن، فانه اندى صوتا منك. فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في ييته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله! لقد رأيت مثل الذي رأى فقال رسول الله ﷺ : فـ لله الحمد ") (١) .أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وهذا لفظه، وابن ماجة، وأخرج الترمذي بعضه وقال: حديث حسن صحيح. (وسن أذان) أي: أن يؤذن (في يمين أذنى مولود حين يولد، وإقامة) إي:
وان يقيم بأن ياتي بألفاظ الإقامه (في) اذن المولود (اليسرى)؛ " لأنه ﷺ أذن في اذن الحسن حين ولدته فاطمة " (٢) . رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
стр. 452
ولخبر ابن السني: " من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان " (١) . أي: التابعة من الجن.
وليكون إعلامه بالتوحيد أول ما يقرع سمعه عند قدومه إلى الدنيا كما يلقن
عند خروجه منها، ولما فيه من طرد الشيطان عنه فانه يدبر عند سماع الأذان كما ورد في الخبر، وفي " مسند ابن رزين ": " انه ﷺ قرأ في أذن مولود سورة الإخلا ص ". والمراد أذنه اليمنى.
(وهما) أي: الأذان والإقامة (فرض كفاية)؛ لقول رسول الله ﷺ : " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " (٢) . متفق عليه.
والأمر يقتضي الوجوب على أحدهم.
وعن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: " ما من ثلاثة لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان " (٣) . رواه أحمد والطبرانى.
ولانهما من شعائر الإسلام الظاهرة. فكانا فرض كفاية؛ كالجهاد.
(للخمس) أي: للصلوات الخمس دون المنذورة (المؤداة) دون المقضيات (والجمعة) أي: وللجمعة. نص عليها في " الفروع ".
قال في " المبدع ": ولا يحتاج إليه لدخولها في الخمس.
وانما لم يشرعاً في غير ما ذكر؛ لأن المقصود منهما الإعلام بوقت الصلاة المفروضة على الأعيان والقيام إليها وهذا لا يوجد في غيرها.
(على الرجال) متعلق بقوله: فرض كفايه. وعنه: والرجل الواحد،
стр. 453
(الأحرار) صفة للرجال. وخص الأحرار (إذ فرض الكفآية لا يلزم رقيقا)، لاشتغالهم بخدمة ملاكهم (حضرا) في القرى والأمصار. وعنه: في المصر
فقط. وعنه: وسفرا.
وعنه: هما سنة وفاقاً للأئمة الثلاثة، وفي " الروضة ": هو فرض، وهي
سنة.
(و) على المذهب (يسنان لمنفرد)، لما روى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل يؤذن
بالصلاة ويصلي فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة " (١) . رواه النسائي.
(و) يسنان أيضاً (سفرا) " لقول رسول الله ﷺ لمالك بن الحويرث ولابن عم
له: " إذا سمافرتما فأذنا واقيما وليؤمكما أكبركما " (٢) . متفق عليه.
(ولمقضية) أي: ويسنان أيضاً لصلاة مقضية، لما روى عمرو بن أمية الضمري قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فنام عن الصبح حتى طلعت الشمس. فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: تنحوا عن هذا المكان. قال:
ثم أمر بلالا فأذن ثم توضأ وصلى ركعتي الفجر، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم صلاة الصبح " (٣) . رواه أبو داود.
(ويكرهان) أى الأذان والإقا مة (لخناثى ونساء).
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الجمهور.
(ولو) كان الأذان والإقامة من الخناثى والنساء (بلا رفع صوت).
قال في " الإنصاف ": وعنه: يباحان لهما مع خفض (٤) الصوت. ذكرها
في " الرعاية " انتهى.
стр. 454
فعلم من هذا: أن المقدم خلاف هذه الرواية. وهو كونهما يكرهان مطلقاً. وعبارته في " الفروع ": وفي كراهتهما بلا رفيع صوت. وقيل. مطلقاً
روايتان.
وعنه: تسن لهن الإقامة وفاقاً للشافعي، لا الأذان خلافاً لمالك، ويتوجه
في التحريم جهرا: الخلاف في قراءة وتلبية. انتهى.
(ولا ينادى لجنازة وتراويح).
قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب انه لا ينادى على الجنازة والتراويح. نص عليه.
(بل) ينادى (لعيد وكسوف واستسقاء) بأن يقال: (الصلاة جامعة، او)
يقال: (الصلاة) فقط.
قال في " الفروع ": وينادى لكسوف- لأنه في " الصحيحين "- واستسقاء
وعيد: الصلاة جامعة أو الصلاة بنصب الأول على الإغراء، والثانى على الحال. وفي " الرعاية ": برفعهما ونصبهما. وقيل. لا ينادى. وقيل:
لا في عيد كجنازة وتراويح على الأصح فيهما.
قال ابن عباس وجابر: " لم يكن يؤذن يوم الفطر حين خروج الإمام،
ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء ولا شيء " (١) متفق عليه. انتهى.
(وكره) النداء في عيد وكسوف واستسقاء (يحي على الصلاة).
قال في " الفروع ": ذكره ابن عقيل وغيره.
(ويقاتل أهل بلد تركوهما) أي: الأذان والإقامة؛ لانهما من شعائر
الإسلام، وأعلام الدين الظاهرة. فقوتلوا على تركهما؛ كصلاة العيدين. والمقاتل لهما الإمام الأعظم، أو من يجري مجراه؛ كنائبه. ومقتضاه: انه إذا
стр. 455
قام بهما من يحصل به الإعلام غالبا أجزأ عن الكل، وان كان واحدا. نص
عليه.
وعلم مما تقدم: أن من صلى بلا أذان ولا إقامة صحت صلاته؛ لما روي
عن علقمة والأسود انهما قالا: " دخلنا على عبد الله بن مسعود فصلى بنا بلا أذان ولا إقامة " (١) . رواه الأثرم، واحتج به الإمام أحمد. وهو قول
الجمهور.
وروي عن عطاء: أن من نسي الإقامة يعيد صلاته، ونحوه عن الأوزاعي. واجيب بأن الإقامه أحد الأذانين. فلم يفسد تركها؛ كالآخر.
(وتحوم الأجرة عليهما) أي: على الأذان والإقامة؛ لما روي " أن النبي ﷺ
قال لعثمان بن أبي العاصى. واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " (٢) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه. وقال: العمل على هذا عند أهل العلم.
ولأنه يقع قربه لفاعله. أشبه الإمامة. والإقامة كالأذان معنى وحكما
وفيهما (٣) رواية: يجوز.
(فان لم يوجد) مؤذن (متطوع)، ولا مقيم متطوع، (رزق الإمام من بيت المال من يقوم بهما) أي: الأذان والإقامة؛ لأن بالمسلمين حاجة إلى ذلك،
ويكون ما يرزقه الإمام في ذلك من مال الفيء؛ لأنه المعد للمصالح فهو
كأرزاق القضاة والقراء.
وعلم مما تقدم: انه إذا وجد متطوع بذلك لم يعط غيره شيئاً من بيت
المال؛ لعدم الحاجة إليه.
стр. 456
(وشرط) بالبناء للمفعول في المؤذن الذي يعتد بأذانه ثلاثة شروط:
الأول: (كونه مسلما)؛لاشتراط النية فيه، وهي لا تصح من الكافر.
الثاني: كونه (ذكرا).
قال في " الفروع ": ولا يعتد بأذان امرأة وفاقاً وخنثى.
قال جماعه: ولا يصح؛ لأنه منهي عنه كالحكاية. وظاهر كلام جماعة
صحته؛ لأن الكراهة لا تمنيع الصحة. فيتوجه على هذا بقاء فرض الكفاية؛ لأنه لم يفعله من هو فرض عليه. وفي كلام الحنفية؛ لأن صورتها عورة. انتهى.
الثالث: كونه (عاقلا) فلا يصح من مجنون؛ كسائر العبادات.
(و) مؤذن (بصير اولى) من مؤذن أعمى؛ لأن البصير يؤذن عن يقين. بخلاف الأعمى، فانه ربما يغلط في الوقت، ومثلهما عارف بالوقت مع جاهل
به.
وعلم مما تقدم صحة أذان الأعمى؛ لأن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي ﷺ .
قال ابن عمر: " وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحت أصبحت " (١) . رواه البخاري.
قال في " الشرح الكبير ": ويستحب أن يكون معه بصير كما كان ابن
أم مكتوم يؤذن بعد بلال.
(وسن) بالبناء للمفعول (كونه) أي المؤذن (صيتا) أي: رفيع الصوت؛
لقول النبي ﷺ لعبد الله بن زيد: " ألقه على بلال فانه اندى صوتا منك" (٢) . واختار أبا محذوره للأذان؛ لكونه صيتا.
ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان.
وسن أيضاً: أن يكون (امينا)؛ لما روي عن أبي محذورة قال: قال
стр. 457
رسول الله ﷺ : " أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم (١) المؤذنون" (٢) .
رواه البيهقي من رواية يحيى بن عبد الحميد. وفيه كلام.
ولأنه يؤذن على موضع عال، فلا يؤمن منه النظر إلى العورات.
وسن أيضاً: كونه (عالما بالوقت)، ليتحراه فيؤذن في أوله.
ولأنه إذا لم يكن عالما بالوقب لا يؤمن منه الخطأ. واشترطه أبو المعالي.
(ويقدم) من اثنين فأكثر (مع التشاح) بتشديد الحاء في الأذان (الأفضل في
ذلك) أي: في هذه الخصال المذكورة، لأن النبي ﷺ قدم بلالا على عبد الله بن زيد " لكونه اندى صوتا منه، وقدم أبا محذورة لصوته. وقسنا عليه سائر الخصال.
(ثم) أن استووا في الخصال المذكورة قدم الأفضل (في دين وعقل)،
لماروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم
أقروكم " (٣) رواه أبو دا ود وغيره.
ولأنه إذا قدم بالأفضلية في الصوت ففي الأفضلية في ذلك بالطريق الأولى. ولأن مراعاتهما (٤) أولى من مراعاة الصوت، لأن الضرر بفقدهما اشد.
(ثم) أن استووا في جميع ما تقدم قدم (من يختاره أكثر الجيران)، لأن
الأذان لإعلامهم. فكان لرضاهم أثر في التقديم.
ولانهم اعلم بمن يبلغهم صوته ومن هو أعف عن النظر.
(ثم) أن تساووا في جميع الجهات (يقرع) بينهم. فأيهم خرجت له القرعة
قدم، لقول النبي ﷺ : " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا
стр. 458
إلا أن يستهموا عليه لاستهموا " (١) .
و" لما تشاج الناس في الأذان يوم القادسيه أقرع بينهم سعد " (٢) .
(ويكفي مؤذن) واحد في المصر (بلا حاجة).
قال في " الفروع ": ويكفي مؤذن في المصر. نص عليه وأطلقه جماعة،
وقال جماعة: يسمعهم.
وفي" المستوعب": متى أذن واحد سقط عمن صلى معه مطلقاً خاصة.
وقيل: يستحب أن يؤذن اثنان، ويتوجه احتمال فى الفجر فقط؛ كبلال وابن
أم مكتوم، ولا يستحب الزيادة عليهما،
وقال القاضي: على أربعة، لفعل عثمان إلا من حاجة.
والأولى: أن يؤذن واحد بعد واحد.
(ويزاد) ان دعت الحاجة إلى أكثر (بقدرها).
قال في " الفروع ": وان لم يحصل الإعلام بواحد زيد بقدر الحاجة كل
واحد في جانب أو دفعه واحدة (٣) بمكان واحد.
(ويقيم) الصلاة (من يكفي) في الإقامة.
وان أذن اثنان واحد بعد واحد يقيم من أذن أولاً. قاله في" الفروع ".
(وهو) أي: الأذان (خمس عشرة كلمة بلا ترجيع) الشهادتين خفية يان
يخفض بهما صوته ثم يعيدهما رافعاً بهما صوته، خلافاً لمالك والشافعي.
بتربيع التكبيو أوله، لا مرتين خلافاً لمالك. فيكون الأذان عند مالك سبع عشرة كلمة، وعتد الشافعي تسع عشره كلمة، واحتجا بما روى أبو محذور:
стр. 459
" أن النبي ﷺ لقنه الأذان والقاه عليه فقال له تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، اشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، اشهد أن محمدا رسول الله. . ثم ذكر سائر الأذان " (١) . أخرجه مسلم.
واحتج مالك لمذهبه بأن الأذان الذي كان يؤذن به أبو محذورة: الله أكبر الله اكبر، اشهد أن لا إله إلا الله.
واحتج الإمام أحمد رحمه الله تعالى بحديث عبد الله بن زيد، لأن بلالا كان
يؤذن به مع رسول الله ﷺ حضرا وسفرا، واقره النبي ﷺ بعد أذان أبى محذورة.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل إلى أى الأذان تذهب؟ قال: إلى أذان
بلال. قيل له: أليس حديث أبى محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد، لأن
حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال: اليس قد رجع النبي ﷺ إلى المدينة، وأقر بلال على اذان عبد الله بن زيد.
ويحتمل أن النبي ﷺ انما أمر أبا محذورة بذكر الشهادتين سراً، ليحصل له الإخلاص بهما فانه في الإسراًر أبلغ، وخص أبا محذورة بذلك؛ لأنه لم يكن مقرا بهما حينئذ فان في الخبر: " انه كان مستهزءا يحكي أذان مؤذن النبي ﷺ . فسمع النبي ﷺ صوته فدعاه فأمره بالأذان. قال: ولا شئ عندي أبغض من النبي ﷺ ولامماجاء به " (٢) فقصد النبي ﷺ نطقه بالشهادتين سراً " ليسلم بذلك، وهذا لا يوجد في غيره. ودليل هذا الاحتمال: كون النبي ﷺ لم يأصر به
بلالا ولا غيره ممن هو ثابت الإسلام.
(وهي) الإقامة (إحدى عشرة) كلمة (بلا تثنية) وفاقاً للشافعي. وهي
المذكورة في حديث عبد الله بن زيد؛ لما روي عن عبد الله بن عمر انه قال:
" انما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة.
стр. 460
إلا أن يقول: قد قمت الصلاة، قد قامت الصلاة " (١) . رواه الإمام أحمد
وأبو داود والنسائي.
وقال أبو حنيفة: الإقامة مثل الأذان وتزيد: قد قامت الصلاة مرتين؛
لحديثين:
الأول: ما روي عن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه انه قال: " كان
أذان رسول الله ﷺ شفعا في الأذان والإقامة " (٢) . رواه الترمذي.
والثانى: ما روي عن أبي محذورة " أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشره كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة " (٣) .رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث
حسن صحيح.
وأجيب عن الأول: بأن الراوي عن عبد الله بن زيد: عبد الرحمن بن
أبي ليلى، وقد قال الترمذي: عبد الرحمن لم يسمع من عبد الله بن زيد.
وأجيب عن الثاني بأن أبا حنيفة لم يعمل به في الأذان، والشافعي لم يعمل به
في الإقامة. فكان الأخذ بحديث عبد الله بن زيد السابق الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه أولى.
وقال مالك: الإقامة عشر كلمات يقول: قد قامت الصلاة مرة واحدة؛
لقول انس: " أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " (٤) . متفق عليه.
وأجيب بأن هذا الحديث حجه لنا؛ لأنه ذكره مجملا، وقد فسره ابن عمر