ولم يطأ) في يومه واحدة منهن: (طلقن) كلهن (ثلاثاً ثلاثاً).
بيان ذلك: أنه إذا لم يطأ واحدة فقد وجد التعليق فيها فتطلق كل واحدة من ضراتها طلقة ولا تطلق هي، وكذلك إذا لم يطأ ثانية فإنما تطلق كل واحدة من ضرائرها (١) طلقة، ولا تطلق هي، فبترك الوطء في أولى تطلق الثانية والثالثة والرابعة طلقة طلقة، لأنهن ضرائراها، وبتركه في ثانية تطلق الأولى والثالثة والرابعة طلقتين طلقتين، وفي الأولى والثانية طلقة طلقة. وإذا لم يطأ ثالثة طلقت الأولى والثانية والرابعة طلقة طلقة فيتكمل الطلاق في الأولى والثانية طلقتين طلقتين، وفي الرابعة ثلاثاً وبترك الوطء في رابعة طلقت كل واحدة من ضراتها طلقة، فيكمل الطلاق في كل واحدة من الأولى والثانية والثالثة ثلاثاً، لأنه كان قد وقع بكل واحدة قبل هذا طلقتان.
(فإن وطئ واحدة) منهن ثم لم يطأ في يومه غيرها: (فـ) ـإنه يقع عليها (ثلاث بعدم وطء ضراتها، و) يطلقن (هن) أي: ضراتها (ثنتين ثنتين.
وإن وطئ ثنتين) منهن ثم لم يطأ في يومه غيرها: (فـ) ـإنه يقع بالموطوءتين (ثنتان ثنتان) بعدم وطء ضرتيهما، (وهما) أي: ويقع باللتين لم يطأهما (واحدة واحدة.
وإن وطئ ثلاثاً) منهن ثم لم يطاً في يومه غيرهن: (وقع بالموطوءات فقط واحدة واحدة) بعدم وطء ضرتهن، ولم يقع بالتي لم توطأ شيء؛ لوطء ضراتها كلهن. وإن وطئ الأربع لم تطلق واحدة منهن، لعدم المقتضي وهو وجود الصفة (٢) .
(وإن أطلق) بأن قال: أيتكن لم أطأ اليوم ولا بعده، أو أيتكن لم أطأها ابداً فضراتها طوالق: (تقيد بالعمر) فيطلقن كلهن ثلاثاً إذا مات ولم يطأ واحدة منهن. قال في " الرعاية ": وإن أطلق وقت الوطء ولا نية له فطول عمره. انتهى.
стр. 4272
(ولو قال) زوج لزوجته أو غيرها: (كلَّما أكلت رمانة) أو قال: تفاحة،
أو قال: ما يشبههما (فأنت طالق، وكلما أكلت نصف رمانة)، أو قال: نصف تفاحة، أو قال: نصف ما علق الطلاق على أكل كله بكلما (فأنت طالق، فأكلت رمانة)، أو تفاحة كاملة أو ما علق الطلاق على أكل كله ونصفه بـ " كلما ": (فثلاث) أي: فإنه يقع بها الطلاق الثلاث، لوجود صفة النصف مرتين والجميع مرة فيطلق بكل نصف طلقة وبالكامل طلقة.
(ولو كان بدل " كلَّما " أداة غيرها) أي: غير " كلما "، كما لو قال: إن
أكلت رمانة فأنت طالق، وإن أكلت نصف رمانة فأنت طالق، أو قال: متى أكلت رمانة فأنت طالق، ومتى أكلت نصف رمانة فأنت طالق، أو نحو ذلك فأكلت رمانة: (فثنتان) يعني: فإنها تطلق طلقتين فقط بصفة النصف مرة وبصفة الكامل مرة، ولا تطلق بالنصف الآخر، لأنها لا تقتضي التكرار.
(وإن علقه) أي: علق الزوج الطلاق (على صفات، فاجتمعن) أي: الصفات (في عين) واحدة، (كـ) قوله: (إن رأيتِ رجلاً فأنت طالق، وإن رأيتِ أسود فأنت طالق، وإن رأيت فقيها فأنت طالق، فرأت رجلاً أسود فقيها: طلقت ثلاثاً)، لأن الطلاق معلق على كل واحدة من هذه الصفات. فإذا وجد. وقع به الطلاق، كما لو وجدت في ثلاثة أعيان، لأنها تطلق طلقة، لكونها رأت رجلاً، وطلقة لكونها رأت أسود، وطلقة لكونها رأت فقيها، كما لو رأت ثلاثة رجال أحدهم (١) فقيه، والآخر أسود، والثالث فقيه.
(و) من قال لزوجته: (إن لم أطلقك) فأنت طالق، (أو) قال لها: إن
لم أطلقك (فضرتك طالق، فمات أحدهما) في صورة ما إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق، (أو) مات (أحدهم) في صورة ما إذا قال: إن لم أطلقك فضرتك طالق: (وقع) الطلاق: (إذا بقي من حياً ة الميت ما لا يتسع لإيقاعه)، لأنه علق الطلاق على ترك الطلاق فإذا مات الزوج فقد وجد الترك منه، وإن ماتت هي
стр. 4273
فكذلك؛ لأن طلاقها فات بموتها. وكذا تطلق الضرة فيما إذا قال: فضرتك طالق بموت أحدهم؛ لأنه إن كان هو الميت فقد فات الطلاق الذي تنحل به يمينه وهو طلاق المحلوف عليها، وإنما كان وقوعه إذا بقي من حياً ة الميت ما لا يتسع لإيقاعه؛ لأن ما علق بحرف " إن " على التراخي فكان له تأخيره ما دام وقت الإمكان باقياً. فإذا ضاف على الفعل تعين فإذا نقص الزمان عنه فات؛ لعدم إمكان الفعل فيما بقي.
(ولا يرث) الزوج زوجة (بائناً) أي: بانت منه بالطلاق المعلق؛ كما لو أبانها عند موتها، (وترثه) أي: ترث الزوجة الزوج إن كان هو الميت؛ كما لو أبانها عند موته.
قال أحمد في رواية أبي طالب. إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق ثلاثاً إن
لم أتزوج عليك ومات ولم يتزوج عليها ورثته وإن (١) ماتت لم يرثها. وذلك؛ لأنها تطلق في آخر حياته. فأشبه طلاقه لها في تلك الحال.
(وإن نوى) بقوله: إن لم أطلقك فأنت طالق ونحوه (وقتاً) معيناً تعلق
به، (أو قامت قرينة بفور: تعلق به). فلو لم يطلقها حتى مضى الوقت المعين في الصورة الأولى أو مضى زمن يمكن إيقاع الطلاق فيه في الصورة الثانية وقع الطلاق المعلق.
أما من حلف ليفعلن شيئاً ولم يعين له وقتاً بلفظه ولا نيته كان على التراخي؛ لأن (٢) لفظه مطلق بالنسبة إلى الزمان كله فلا يتقيد بوقت دون وقت.
وقال الله في الساعة: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سباً ٣٠].
وقال : ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧].
وكذلك روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه في نوبة الحديبية قال: " قلت
стр. 4274
للنبي ﷺ : أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؛ قال: بلى. فأخبرتك أنك آتيه العام؛ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به (١) .
قال في " شرح المقنع ": وهذا لا خلاف فيه نعلمه.
(و) من قال لزوجته: (متى لم) أطلقك، (أو إذا لم) أطلقك، (أو أيَّ وقت لم أطلِّقك فأنت طالق، أو) قال لزوجاته: (أيتكن لم) أطلِّقها، (أو من لم أطلِّقها فهى طالق، فمضى زمن يمكن إيقاعه) أي: إيقاع " الطلاق (فيه، ولم يفعل) يعني: ولم يطلقها: (طلقت) في الأصح.
(و) من قال لزوجته: (كلَّما لم أطلقك فأنت طالق، فمضى ما) أي:
زمن (يمكن إيقاع ثلاث) أي: ثلاث طلقات (مرتَّبة) أي: واحدة بعد واحدة (فيه) أي: في الزمن الذي مضى، (ولم يطلقها) فيه (طلقت ثلاثاً)، لأن " كلما " تقتضي التكرار.
قال الله : ﴿كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: ٤٤] فيقتضي تكرار الطلاق تكرار (٢) الصفة
والصفة عدم طلاقه، فإذا مضى زمن يمكن فيه أن يطلقها ولم يفعل فقد وجدت الصفة، فيقع واحدة وثانية وثالثة.
ومحل ذلك: (إن) كان (دخل بها.
وإلا) أي: وإن لم يكن دخل بها: (بانت بـ) ـالطلقة (الأولى) ولم يلزمها ما بعدها، لأن إلبائن لا يقع عليها طلاق (٣) .
***
стр. 4275
[فصل: في تعليق الطلاق بلفظ: " إن "]
(فصل. وإن قال عامي) أي: غير نحوي لزوجته: (أن قمتِ بفتح الهمزة) أي: همزة أن (فأنت طالق، فشرطٌ) في الأصح (كنيته) أي: كما لو قاله نحوي ونوى الشرط؛ لأن العامي لا يريد بذلك إلا. الشرط ولا يعرف أن مقتضاها التعليل فلا يريده ولا يثبت له حكم ما لا يعرفه ولا يريده؛ كما لو نطق بكلمة الطلاق أعجمي لا يعرف معناها، وإن كان نحوياً وقع طلاقه في الحال؛ لأن أن المفتوحة في اللغة إنما هي للتعليل فمعناه: أنت طالق لأنك قمت أو لقيامك.
قال الله : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال : ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم].
وقال ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١].
وقيل: إن حكم النحوي حكم العامي في أنه: لا يقع طلاقه بذلك إلا أن ينويه. وقيل: تطلق في الحال في حقهما جميعاً.
(وإن قاله) أي: قال: أن قمت فأنت طالق بفتح الهمزة (عارف بمقتضاه)
من أن معنى " أن " للتعليل، (أو قال) إنسان لزوجته: (أنت طالق إذ قمت، أو) أنت طالق (وإن قمت، أو) أنت طالق (ولو قمت: طلقت في الحال)؛ لأن الواو ليست جواباً للشرط.
(وكذا) تطلق في الحال إذا قال: (إن) قمت وأنت طالق، (أو) قال:
(لو قمت وأنت طالق. فإن قال) فيما تقدم: (أردت) بقولي: وأنت طالق (الجزاء، أو) أردت (أن قيامها وطلاقها شرطان لشيء، ثم أمسكت دين) فيما
стр. 4276
بينه وبين الله وعلى الأصح، (وقبل) منه (حكماً)، لأن ما قاله يحتمله لفظه وهو أعلم بمراده. وإن جعل لهذا جزاء فقال: إن دخلت الدار وأنت طالق فعبدي حر: صح ولم يعتق العبد حتى تدخل الدار وهي طالق " لأن الواو هنا للحال. لقول (١) الله : ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].
ولو قال: إن دخلت الدار طالقاً فأنت طالق فدخلت وهي طالق طلقت أخرى
وإن دخلتها غير طالق لم تطلق؛ لأن هذا حال فجرى مجرى قوله: إن دخلت الدار راكبة.
(و) قوله: (أنت طالق لو قمت؛ كـ) قوله: أنت طالق (إن قمت) في الأصح فلا تطلق حتى تقوم.
وفي " الكافي ": وإن قال: أنت طالق لو دخلت طلقت؛ لأن لو تستعمل
بعد الإثبات لغير المنع؛ لقوله : ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦].
وإن قال: أردت الشرط قبل، لأنه يحتمل. انتهى.
(وإن قال) لزوجته: (إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن دخلت ضرتك،
فمتى دخلت الأولى: طلقت)، سواء دخلت الأخرى أو لا، (لا الأخرى) يعني: ولا تطلق الأخرى (بدخولها.
فإن قال: أردت جعل الثانى) أي: الدخول الثانى وهو دخول الضرة (شرطاً لطلاقها أيضاً) يعني: وإن دخلت ضرتك فأنت طالق أيضاً ودخلت الأخرى: (طلقت) الأولى (ثنتين)، طلقة بدخولها وطلقة بدخول ضرتها. (وإن قال: أردت أن دخول الثانية شرط لطلاقها) أي: طلاق الثانية، (فـ) الأمر (على ما أراد). فمن دخلت منهما طلقت طلقة.
(و) إن قال: (إن دخلت الدار وإن دخلت هذه فأنت طالق، لم تطلق إلا
стр. 4277
بدخولهما) في الأصح؛ لأنه جعل دخولهما شرطاً للطلاق.
(و) إذا ألحق شرطاً بشرط، كما لو قال لزوجته: (إن قمتِ فقعدتِ)
فأنتِ طالق، (أو) إن قمت (ثم قعدت) فأنت طالق، (أو إن قمت متى قعدت) فأنت طالق، (أو إن قعدت إذا قمت، أو) إن قعدت (متى قمت) فأنت طالق، (أو إن قعدت إن قمت فأنت طالق: لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد)، لأن لفظ ذلك يقتضي تعليق الطلاق على القيام معقباً بالقعود.
(وإن عكس ذلك) بأن قال: إن قعدت فقمت، أو إن قعدت ثم قمت،
[أو إن قعدت متى قمت] (١) ، أو إن قمت إذا قعدت، أو إن قمت إن قعدت فأنت طالق: (لم تطلق حتى تقعد ثم تقوم)، لأنه جعل القعود شرطاً لتعليق الطلاق على القيام، والشرط لا بد أن يتقدم المشروط. فلهذا لا بد من تقدم القعود " ليوجد مشروطه وهو: تعليق القيام. فإذا وُجِد القيام بعد ذلك وقع الطلاق؛ لوجود شرطه وهو: القيام.
(و) لو قال: (أنت طالق إن قمتِ وقعدتِ، أو) أنتِ طالق (لا قمت وقعدت،
تطلق بوجودهما) أي: وجود القيام والقعود، (كيفما كان) أي: سواء تقدم القيام على القعود، أو تقدم القعود على القيام، لأن الواو لا تقتضي ترتيباً. ولا تطلق بوجود أحدهما على الأصح؛ لأن الواو للجمع فلا تطلق قبل وجودهما.
(و) إن قال: (إن قمتِ أو قعدتِ فأنت طالق، أو) قال: (إن قمتِ وإن قعدتِ) فأنت طالق، (أو) قال: أنت طالق (لا قمت ولا قعدت، تطلُق بوجود أحدهما)، لأن " أو " لأحد الشرطين.
ولأن باقي الأمثلة تقتضي تعليق الجزاء على واحد من المذكورين.
(و) إن قال: (إن أعطيتُك إن وعدتُك إن سألتني فأنت طالق لم تطلُق حتى تسأله، ثم يَعِدَها، ثم يُعطيها).
وهذا المثال ونحوه من الأمثلة المتقدمة؛ كقوله: إن قمت إن قعدت ونحو
ذلك، كإن أكلت إن لبست، أو إن أكلت إذا لبست يسميه النحويون: اعتراض
стр. 4278
الشرط على الشرط. فيقتضي تقديم المتأخر وتأخير المتقدم؛ لأنه جعل الثانى في اللفظ شرطاً للذي قبله، والشرط يتقدم المشروط.
قال الله : ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].
فكأنه قال: إن سألتني فوعدتك فأعطيتك (١) فأنت طالق.
ولا فرق في ذلك بين كون الشرط بـ " إذا " أو بـ " إن " في الأصح. وهو
قول أبي حنيفة والشافعي.
(و) إن قال: (كلَّما أجنبتُ فإن اغتسلتُ من حمَّام فأنت طالق، فأجنب ثلاثاً) أي: ثلاث مرات، (واغتسل مرة فيه) أي: في الحمام: (فطلقة) أي: فإنه يقع عليه طلقة واحدة في الأصح.
(ويقع) الطلاق (ثلاثاً مع فعل لم يتردَّد مع كل جنابة؛ كموت زيد وقدومه). فلو قال: كلما أجنبت ومات زيد فأنت طالق فأجنب (٢) ثلاث مرات ومات زيد طلقت ثلاثاً، وكذا إذا قال: كلَّما أجنبت وقدم زيد فأنت طالق.
(وإن أسقط) المعلق (الفاء من جزاء متأخر)؛ كقوله: إن دخلت الدار
أنت طالق (فكبقائها) أي: فكبقاء الفاء. فلا تطلق حتى تدخل؛ لأنه أتى بحرف الشرط فدل ذلك أنه أراد التعليق. وإنما حذف الفاء وهي مرادة كما يحذف المبتدأ تارة والخبر أخرى؛ لدلالة الكلام على المحذوف. ويجوز أن يكون حذف الفاء على التقديم والتأخير فكأنه قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار فقدم الشرط، ومراده التأخير. ومهما أمكن حمل كلام العاقل على فائدة وتصحيحه عن الفساد وجب. فأما إن قال: أردت الإيقاع في الحال وقع؛ لأنه يقر على نفسه بما هو (٣) أغلظ فيؤخذ (٤) به.
стр. 4279
(فصل: في تعليقه بالحيض)
(إذا قال) لزوجته: (إذا حضتِ فأنت طالق)، فإن الطلاق (يقع بأوله) أي: أول الحيض: (إن تبين) كون الدم (حيضاً)، لأن الصفة وجدت ولذلك حكمنا بأنه حيض في المنع من الصلاة والصيام.
(وإلا) أي: وإن لم يتبين أنه حيض كما لو لم يتم لها تسع سنين، أو نقص
عن أقل الحيض: (لم يقع) عليه طلاق، لأن الصفة لم توجد.
(ويقع) الطلاق (في) ما إذا قال: (إذا حضت حيضة) فأنت طالق، (بانقطاعه من أول حيضة تستقبلها. ويدل لذلك قوله: (ولا يُعتدُّ بحيضة علَّق فيها).
ووجه ذلك: أنه علق الطلاق بالمرة الواحدة من الحيض بحرف " إذا " وهو اسم للزمان المستقبل، فيعتبر ابتداء الحيضة وانتهاؤها بعد التعليق. فإن كانت حائضاً حين التعليق لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض حيضة مستقبلة وينقطع دمها. ولأنه إذا انقطع دمها فقد انتهت الحيضة فيقع بها الطلاق حينئذ. وهذا هو الأصح. وقيل: لا تطلق حتى تغتسل من الحيض المستقبلة.
(و) إن قال لها: (كلما حضت) فأنت طالق، (أو زاد حيضة) بأن قال لها: كلما حضت حيضة فأنت طالق فإنها تطلق طلقة بشروعها في حيضة مستقبلة، وكذا تطلق الثانية والثالثة، فـ (تفرغ عدتها بآخر حيضة رابعة).
وفي " الفر وع ": بأول حيضة رابعة.
قال ابن نصر الله: وقوله: بأول حيضة رابعة غير ظاهر الآية، إلا على القول
بأن القروء الأطهار (١) .
стр. 4280
وقال في " الرعاية ": فحاضت ثلاث حيضات طلقت ثلاثاً فإذا حاضت أخرى فرغت عدتها، وإنما كان كذلك لأن الرجعية إذا طلقت بنت على عدة الطلاق الأول رواية واحدة. انتهى.
(وطلاقُه) أي: طلاق من قال لزوجته: كلما حضت فأنت طالق (في) حيضة (ثانية غير بِِدْعِي).
قال في " الفروع ": وطلاقه في الثانية مباح. انتهى.
وذلك؛ لأنه لا أثر له في تطويل العدة.
(و) من قال لزوجته: (إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق، فـ) -إنه (إذا مضت حيضة مستقرَّة تبيَّنا وقوعه لنصفها) على الأصح، لأنه علقه بنصف الحيضة والنصف لا يعرف إلا بوجود الجميع، لأن أيام الحيض قد تطول وقد تقصر فإذا حاضت ثم طهرت تبينا مدة الحيضة فحكمنا بوقوع الطلاق في نصفها. فأما قبل انقضاء الحيضة وقبل تبين نصف مدتها فإنا نحكم بوقوع الطلاق ظاهراً بمضي نصف عادتها في الأصح، لأن الظاهر أن حيضها على السواء.
ولأن الأحكام تتعلق بالعادة فيتعلق بها وقوع الطلاق.
(ومتى ادعت حيضاً) من علق طلاقها على حيضها (وأنكر) زوجها حيضها: (فقولها) يعني: فإنه يقبل قولها في ذلك على الزوج، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي من غير يمين على الأصح؛ لأنها أمينة على نفسها، وذلك لقول الله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قيل: هو الحيض والحمل. ولولا أن قولها فيه مقبول لما حرم عليها كتمانه، إذ لا فائدة فيه مع عدم القبول.
ومثل ذلك: قوله : ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
لما حرم كتمانها دل على قبولها. كذا هاهنا.
ولأنه معنى فيها لا يعرف إلا من جهتها. فوجب الرجوع إلى قولها فيه.
(كـ) قول زوجها لها: (إن أضمرتِ بُغضي فأنت طالق، وادَّعته) أي:
стр. 4281
وادعت إضمارها بغضه وأنكرها فإنها تطلق، لأنه لا يعرف علم ذلك إلا من جهتها. فوجب الرجوع إلى قولها فيه.
و (لا) يقبل قولها عليه (في ولادةٍ) علق طلاقها عليها، لأن ذلك قد يعرف
من غير جهتها.
ومحل ذلك: (إن لم يُقرَّ بالحمل)، لأن إقراره بالحمل يرجح قولها.
و (لا) يقبل قولها عليه (في قيام، ونحوه)، كدخول الدار، وكلام زيد، وأكل شيء علق طلاقها على وجوده في وقت معين أو مطلقاً؛ لإمكان حصول علم ذلك من غير جهتها.
(ولو أقرَّ) الزوج (به) أي: بوجود ما علق عليه الطلاق: (طلقت، ولو أنكرته) الزوجة؛ لأنه أقر بما يوجب طلاقها فطلقت. أشبه ما لو قال: قد طلقتها.
(و) من قال لزوجته: (إذا طُهرتِ فأنت طالق وهي حائض) حين قوله لها ذلك: (فـ) -إنها تطلق (إذا تقطع الدم) أي: دم حيضها على الأصح. نص عليه أحمد في رواية إبراهيم الحربي؛ لقول الله ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي ينقطع مدهن ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾] البقرة: ٢٢٢ [أي: اغتسلن.
ولأنه قد ثبت لها أحكام الطاهرات في وجوب الصلاة وصحة الطهارة وصحة الصيام.
ولأنها ليست حائضاً. فوجب أن تكون طاهراً؛ لأنهما ضدان على التغيير. فيلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر.
(وإلا) أي: وإن لم تكن حائضاً حين قوله: إذا طهرت فأنت طالق: (فـ) -إنها تطلق (إذا طهرت) أي: انقطع دمها (من) حيضة (مستقبَلة)؛ لأن إذا اسم لزمن مستقبل يقتضي فعلاً مستقبلاً، وهذا الطهر والحيض مستدام غير متجدد، ولا يفهم من إطلاق حاضت المرأة وطهرت إلا ابتداء ذلك فتعلقت الصفة به.
стр. 4282
(و) من قال لزوجته: (إن حضتِ فأنت وضرَتُكِ طالقتان، فقالت: حضت وكذَّبها: طلَقت وحدها) أي: دون ضرتها؛ لأن قولها مقبول على نفسها. وأما الضرة فلا تُطلَّق إلا أن تقيم بينة على حيض المقول لها ذلك. وإن أقر بحيض المقول لها ذلك طلقتا بإقراره وكذا لو كذبتاه (١) .
(و) من قال لزوجته: (إن حضتما فأنتما طالقتان، وأدَّعتاه) أي: ادعت
كل واحدة منهما أنها حاضت، (فصدَّقهما: طلقتا)؛ لأنه بتصديقه مقر بوقوع الطلاق عليه.
(وإن أكذبهما: لم تطلقا) أي: لم تطلق واحدة منهما؛ لأن طلاق كل واحدة منهما متعلق بشرطها وهما حيضها وحيض ضرتها، وإقرار كل واحدة منهما على ضرتها غير مقبول فلا تطلق بقولها.
(وإن أكذب إحداهما: طلقت وحدها)، لأن قولها مقبول في حقها [وقد صدق الزوج ضرتها فوجد الشرطان في حقهما. ولم تطلق المصدقة؛ لأن قول ضرتها غير مقبول في حقها] (٢) ولم يصدقها الزوج. فلم يوجد شرط (٣) طلاقها. (وإن قاله لأربع) أي: قال الزوج لنسائه الأربع: إن حضتن فأنتن طوالق، (فادَّعينه) أي: ادعى الأربع أنهن حضن، (وصدَّقهن: طلِّقن) جميعهن؛ لأنه قد علق طلاق كل واحدة على حيض الأربع. فإذا صدقهن طلقن كلهن؛ لأنه قد وجد حيضهن بتصديقه (٤) .
(وإن صدَّق ثلاثاً) منهن: (طلقت المكذَّبة) وحدها؛ لأن قولها مقبول في حيضها وقد صدق الزوج صواحبها فوجد حيض الأربع في حقها فطلقت. وإنما لم تطلق المصدقات، لأن قول المكذَّبة غير مقبول في حقهن.
(وإن صدَّق دون ثلاث: لم يقع شيء) من الطلاق. يعني: أنه متى صدق
стр. 4283
واحدة أو اثنتين فقط لم تطلق واحدة منهن، لأنه لم يوجد شرط الطلاق " لكون قول كل واحدة منهن لم يعمل به إلا في حق نفسها.
(وإن قال) لنسائه الأربع: (كلما حاضت إحداكن) فضراتها طوالق، (أو) قال لنسائه الأربع: (أيتُكن حاضت فضرَّاتها طوالق، فادَّعينه) أي: ادعت كل واحدة منهن أنها حاضت، (وصدقهن: طلقن كاملاً) أي: ثلاثاً ثلاثاً " لأنه مقر بحيض كل واحدة. فيقع بكل واحدة تحيض كل واحدة من ضرائرها الثلاث طلقة، فيطلقن ثلاثاً ثلاثاً.
(وإن صدق واحدة) [من الأربع وكذب تلاثاً] (١) : (لم تطلق)، لأنه
لا يقبل قول ضرائرها عليها، (وطلق ضراتها طلقة طلقة)، لأن لهن صاحبة ثبت حيضها بإقراره. بخلاف المصدقة، لأنها ليس لها من صواحبها من ثبت حيضها.
(وإن صدَّق ثنتين: طلّقتا طلقة طلقة)، لأن لكل واحدة منهما ضرة مصدقة، (و) طلقت (المكذبتان ثنتين ثنتين)، لأن لكل واحدة منهن ضرتين مصدقتين.
(وإن صدق) من الأربع (ثلاثاً: طلقن ثنتين ثنتين)، لأن لكل واحدة منهن ضرتين مصدقتين، (و) طلقت (المكذبة ثلاثاً)، لأن لها ثلاث ضرائر مصدقات.
(و) من قال لزوجتيه: (إن حضتما حيضة) فأنتما طالقتان، (طلقتا بشروعهما في حيضتين) في الأصح، الأشهر من الأربعة أوجه (٢) .
قال في " الإنصاف ": قاله القاضي أبو يعلى وغيره.
قال في " الفروع ": والأشهر تطلق بشروعهما. وأطلقهن في " القواعد
الأصولية ". انتهى.
стр. 4284
ووجه ذلك: أن وجود الحيضة الواحدة منهما محال فيلغو قوله: حيضة، ويصير كقوله: إن حضتما فأنتما طالقتان.
ومن قال لزوجتيه: إن حضتما فأنتما طالقتان طلقتا بشروعهما في حيضتين. والوجه الثاني: لا يطلقان إلا بحيضة من كل واحدة؛ لأن الحيضة الواحدة منهما لا تمكن فيكون كأنه قال: إن حضتما كل واحدة حيضة فأنتما طالقتان.
والوجه الثالث: تطلقان بحيضة من إحداهما؛ لأن الشيء يضاف إلى جماعة وقد فعله واحد منهم، فيقال: قتل الجيش فلاناً وقد قتله أحدهم.
وقال : (يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) [الرحمن: ٢٢] وإنما
يخرج من أحدهما. فلما كان هذا الفعل لا يمكن اشتراكهما فيه؛ لأنه واحد كان وجوده من إحداهما وجوداً منهما؛ لأن الاشتراك في الحيضة الواحدة غير مراد؛ لاستحالته، فتوجد الصفة بوجودها من إحداهما فيطلقان.
والوجه الرابع: لا تنعقد الصفة فلا تطلق واحدة منهما بوجود حيض منهما؛
لأنه تعليق بالمستحيل. فلا يقع؛ كقوله: أنتما طالقتان إن صعدتما السماء. قال في " الإنصاف ": هذه المسألة مبنية على قاعدة أصولية وهي: ما إذا لم ينتظم الكلام إلا بارتكاب مجاز: إما بارتكاب مجاز الزيادة، أو بارتكاب مجاز النقصان. فارتكاب مجاز النقصان أولى؛ لأن الحذف في كلام العرب أكثر من الزيادة. ذكره جماعة من الأصوليين. انتهى.
***
стр. 4285
(فصل في تعليقه بالحمل والولادة)
(إذا قال) لزوجته: (إن كنتِ حاملاً فأنت طالق، فبانت حاملاً زمن حلف: وقع) الطلاق (منه) أي: زمن الحلف، ويتبين كونها حاملاً زمن حلف بأن تلد لدون ستة أشهر من (١) حين حلف ويعيش، أو لدون أربع سنين ولم يطأها بعد حلفه؛ لأن بوضعها في هاتين الصورتين تبينا أنها كانت حاملاً حين اليمين فتطلق بذلك.
(وإلا) أي: وإن لم يتبين كونها حاملاً حين اليمين بأن تلده لأكثر من أربع سنين من حين حلفه، (أو وطئ بعده) أي: بعد حلفه (وولدت لستة أشهر فأكثر من أول وطئه: لم تطلُق) في الأصح؛ لأنها إذا ولدت لستة أشهر فأكثر أمكن أن يكون الولد من هذا الوطء، وأمكن أن يكون من غيره فيكون الطلاق مشكوكاً فيه. والأصل عدم الوقوع مع الشك.
(و) إن قال لها: (إن لم تكوني حاملاً) فأنت طالق، (فبالعكس) يعني: فيكون الحكم على عكس قوله: إن كنت حاملاً فأنت طالق. فكل صورة قلنا في تلك المسألة: لا تطلق، نقول هاهنا: تطلق، وفي كل موضع قلنا هناك: تطلق، نقول هنا: لا تطلق. فإذا ولدت بعد ما مضى ليمينه أكثر مدة الحمل طلقت؛ لأنا نتبين بذلك أن الحمل لم يكن موجوداً عند اليمين؛ لأن أكثر مدة الحمل انقضت ولم تلد. فعلمنا أن الولادة من حملٍ بعده، وإلا فلا تطلق في الأصح.
(ويحرُم وطؤها) أي: وطء الزوج لمن قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالق، أو قال لها: إن لم تكونى حاملاً فأنت طالق (قبل استبراءٍ: فيهما)
стр. 4286
أي: في صورة الإثبات وصورة النفي، (وقبل زوال ريبة، أو ظهور حمل في) الصورة (الثانية) وهي ما إذا قال لها: إن لم تكونى حاملاً فأنت طالق؛ لجواز أن تحمل من الوطء الصادر بعد الحلف. فيطُهر أن الطلاق لم يقع وقد كان وقع، فيكون ذلك ذريعة إلى إباحة المحرم.
ومحل تحريم الوطء: (إن كان) الطلاق (بائناً). نص عليه أحمد وهو الأصح.
وقال القاضي: يحرم وإن كان رجعياً، سواء قلنا أن الرجعية مباحة أو محرمة. وقيل: لا يحرم الوطء مطلقاً؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
(ويحصل) الاستبراء (بحيضة موجودةٍ، أو مستقبَلةٍ أو ماضيةٍ لم يطأ بعدها) أي: بعد الحيضة الماضية. وهذا على الأصح.
قال أحمد في رواية أبي طالب: متى قال لامرأته: إذا حملت فأنت طالق
لا يقربها حتى تحيض، فإذا طهرت وطئها، فإن تأخر حيضها أريت النساء من أهل المعرفة. وذلك؛ لأن المقصود معرفة براءة رحمها وهو يحصل بحيضة بدليل قوله ﷺ : " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " (١) . يعني: يعلم براءة رحمها من الحمل (٢) بحيضة.
وقيل: تستبرأ بثلاثة قروء.
(و) من قال لامرأته: (إن) حملتِ فأنت طالق (٣) ، (أو إذا حملت) فأنت طالق، أو متى حملت فأنت طالق: (لم يقع) عليه طلاق (إلا بـ) حمل (متجدد) في الأصح.
وعنه: تطلق إن بانت حاملاً.
والأول، المذهب؛ لأنه علق طلاقها على وجود أمرٍ في زمن مستقبل يقتضي سبباً وهو الوطء. فلا تطلق بوجوده قبله.
стр. 4287
(ولا يطؤ) ها (إن كان وطئ في طُهر حلفه قبل حيض)؛ لجواز أن يكون الوطء سبباً وقدحصل، فيحصل مسببه وهو الطلاق.
(ولا) يطؤها (أكثر من مرة كل طُهر)؛ لجواز أن تحمل من المرة الأولى فيكون وطؤه في المرة الثانية في أجنبية؛ لأن محل تحريم الوطء أكثر من مرة في كل طُهر إذا كان الطلاق بائناً.
(و) لو قال لها: (إن كنت حاملاً بذكر فـ) أنت طالق (طلقة، و) إن كنت حاملاً (بأنثى فـ) أنت طالق (ثنتين، فولدت ذكرين: فـ) ـإنها تطلق (طلقة) واحدة في الأصح؛ لأنه جعل الطلقة الواحدة مع وصف حملها بالذكورية، والطلقتين مع وصفه بالأنوثية، ولم توجد الأنوثية فلا تطلق أكثر من طلقة.
(و) إن ولدت (أنثى) فأكثر (مع ذكر فأكثر: فثلاث) يعني: فإنه يقع عليه ثلاث طلقات بأنثى فأكثر وبالذكر فأكثر واحدة؛ لأنه علق على وجود الحمل بالذكر واحدة وعلى وجوده بالأنثى طلقتين، وقد وجد المعلق عليه فيهما. فيقع المعلق وهو الثلاث.
(وإن قال) لها: (إن كان حملُك) ذكراً فأنت طالق واحدة، وإن كان حملك أنثى فأنت طالق ثنتين، (أو) قال لها: إن كان (ما في بطنك) ذكراً فأنت طالق واحدة، وإن كان ما في بطنك أنثى فأنت طالق ثنتين، (فولدتهما) أي: ولدت ذكراً وأنثى: (لم تطلق)، لأن قوله: إن كان حملك ذكراً، وقوله: إن كان ما في بطنك ذكراً يقتضي حصر الحمل في الذكورة، لأنه جعل قوله: ذكراً خبراً عن الحمل أو عن ما في بطنها. فيقتضي عدم الأنوثية فيه " ليكون الخبر حقاً. فإذا وجدت الأنوثة لم تطلق، لأن حملها لم تتمحض ذكوريته فلا يكون المعلق عليه موجوداً.
وإذا قال: إن كان حملك أنثى، أو قال: إن كان ما في بطنك أنثى يقتضي حصر الحمل في الأنوثة، لأنه جعل قوله: أنثى في الصورتين خبراً عن الحمل أو عما في بطنها. فيقتضي عدم الذكورة فيه، ليكون الخبر حقاً. فإذا وجدت
стр. 4288
الذكورية لم تطلق؛ لأن حملها لم تتمحض أنوثيته. فلا تطلق؛ لعدم وجود المعلق عليه.
(ولو أسقط " ما ") من قوله: إن كان ما في بطنك، بأن قال: إن كان في بطنك ذكر فأنت طالق واحدة وإن كان في بطنك أنثى فأنت طالق ثنتين فولدت ذكراً وأنثى: (طلقت ثلاثاً) لوجود الصفة؛ لأنه قد تبين أنه كان في بطنها ذكراً وأنثى. (وما علق) من طلاق (على ولادة: يقع بإلقاء ما تصير به أمة أمَّ ولد) وهو
ما تبين فيه بعض خلق إنسان، لأنها قد ولدت ما يسمى ولداً كما ذكر في باب أمهات الأولاد. فيقع الطلاق؛ لوجود الصفة.
ولا تطلق بإلقاء علقة ونحوها، لأنها لا تسمى ولداً، ويجوز أن لا يكون ابتداء خلق إنسان. فلا يقع الطلاق بالشك.
(و) من قال لزوجته: (إن ولدت ذكراً فـ) أنت طالق (طلقة، و) إن ولدت (أنثى فـ) أنت طالق (ثنتين، فثلاث بمعيَّة) يعني: فإنها تطلق ثلاث تطليقات إذا ولدت ذكراً وأنثى معاً بحيث لا يسبق أحدهما الآخر؛ لأنها طلقت بولادتها للذكر طلقة وللأنثى طلقتين.
(وإن سبق أحدهما) أي: أحد الولدين الآخر (بدون ستة اشهر: وقع ماعلق به) أي: بالسابق منهما؛ لأنه صفة علق عليها الطلاق فوقع بوجودها. ثم إن كان السابق الذكر طلقت به طلقة، (وبانت بـ) ـالولد (الثاني) الذي هو الأنثى، وإن كان السابق الأنثى طلقت بها طلقتين وبانت بالولد الثانى الذي هو الذكر، (ولم تطلق به) أي: بالثانى في الأصح؛ لأن العدة انقضت بوضعه فصادفها الطلاق بائناً. فلم يقع، وكما لو قال: إن مت فأنت طالق. وقد نص أحمد فيمن قال: أنت طالق مع موتى: أنها لا تطلق فهذا أولى، و (كـ) ما لو قال: (أنت طالق مع انقضاء عدِّتك)؛ لوجوب (١) تعقب الوقوع الصفة.
(و) إن سبق أحدهما الآخر (بستة أشهر فأكثر وقد وطئ بينهما: فثلاث)
стр. 4289
يعني: فإنها تطلق ثلاث طلقات؛ لوجوب (١) العدة بالوطء بينهما. فيكون الثانى من حمل مستأنف بلا خلاف بين الأمة. فلا يمكن ادعاء أن تحمل بولد بعد ولد. قاله في " الخلاف " وغيره في الحامل لا تحيض.
(ومتى أشكل سابق) فيما إذا ولدتهما متعاقبين وجهل: هل سبق الذكر الأنثى فتطلق به وتبين بها، أو الأنثى الذكر فتطلق بها وتبين به: (فطلقة) يعني: فإنها تقع عليها طلقة واحدة (بيقين، ويلغو ما زاد) فلا تلزمه الطلقة الثانية للشك فيها في الأصح. والورع: أن يلتزم الطلقة الثانية؛ لاحتمال سبق الأنثى.
وقال القاضي: قياس المذهب: أن يقرع بينهما.
(ولا فرق بين) كون (من تلده حيَّاً أو ميتاً)؛ لأن الشرط ولادة ذكر أو أنثى
وقد وجدت.
ولأن العدة تنقضى به وتصير به الأمة أمَّ ولد فيكون معتبراً. كذلك هنا.
(و) من قال لزوجته: (إن ولدتِ ذكرين، أو) ولدت (انثيين، أو) ولدت (حييّن، أو) ولدت (ميتيّن فأنت طالق، فلا حنث بذكر وأنثى) يعني: فلا تطلق إن ولدت ذكراً وأنثى: (أحدهما فقط حي) يعني: والآخر ميت؛ لأن الصفة لم توجد.
(و) من قال لزوجته: (كلَّما ولدت) فأنت طالق، (أو زاد: ولداً) بأن قال: كلما ولدت ولداً (فأنت طالق، فولدت ثلاثة) أي: ثلاثة أولاد (معاً) أي: غير متعاقبين: (قثلاث) أي: فإنها تطلق ثلاثاً؛ لأن الولادة متعددة بالنسبة إلى كل واحد من الأولاد، وكما تنسب الولادة إلى الواحد منهم تنسب إلى كل واحد من الآخرين، وقد علق الطلاق بكل ولادة فيقيع بكل ولادة طلقة.
(و) إن ولدت الثلاثة (مُتعاقبَين) بأن ولدت ولداً (٢) ثم آخر ثم آخر:
стр. 4290
(طلّقت بأول) طلقة (وبثان) طلقة، (وبانت بثالث) ولم تطلق به؛ لأن العدة انقضت بوضعه.
(و) إن قال: كلما ولدت فأنت طالق فـ (ولدت اثنين) متعاقبين، (و) كان قد (زاد: للسنة)، بأن قال: كلما ولدت فأنت طالق للسنة، (فـ) ـإنه يقع بها (طلقة بطهر) من نفاسها، (ثم) طلقة (أخرى بعد طُهرٍ من حيضة). ذكره القاضي.
***
стр. 4291
[فصل: تعليق الطلاق بالطلاق]
(فصل في تعليقه) أي: تعليق الطلاق (بالطلاق.
إذا قال) زوجٌ لزوجته: (إن طلقتك فأنت طالق، ثم أوقعه) أي: أوقع عليها الطلاق (بائناً) يعني: على عوض، أو كانت غير مدخول بها: (لم يقع ما عُلِّق) يعني: لم يقع الطلاق المعلق؛ لأنه لم يصادف عصمة؛ (كمعلق) يعني: كما لو علق الطلاق (على خلع) فإنه لا يقع إذا وجد الخلع؛ لوجوب تعقب الوقوع الصفة.
(وإن أوقعه) أي: أوقع الزوج الطلاق (رجعيّاً) وقع ثنتان، طلقة بالمباشرة وأخرى بوجود الصفة؛ لأنه جعل تطليقها شرطاً لوقوع طلاقها. فإذا وجد الشرط وقع الطلاق.
(أو علقه بقيامها ثم بوقوع طلاقها) بأن قال لها: إن قمت فأنت طالق، ثم
قال لها: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق (فقامت: وقع ثنتان)، طلقة بقيامها وأخرى بوقوع الطلاق عليها؛ بوجود الصفة وهي قيامها. وإن كانت غير مدخول بها طلقت واحدة فقط؛ بوجود قيامها وقد بانت.
(وإن علقه) أي: علق طلاقها (بقيامها ثم بطلاقه لها) بأن قال: إن قمت فأنت طالق، ثم قال لها: إن طلقتك فأنت طالق فقامت: طلقت طلقة واحدة بقيامها، ولم تطلق بتعليق الطلاق؛ لأنه لم يطلقها.
(أو إيقاعه) بأن قال لها: إن قمت فأنت طالق، ثم قال لها: إن أوقعت عليك طلاقي فأنت طالق (فقامت: فواحدة) أي: فتطلق واحدة بقيامها. ولم تطلق بتعليق الإيقاع؛ لأنه لم يوقع عليها طلاقاً بعد التعليق.
(وإن علقه) أي: علق طلاقها (بطلاقها ثم بقيامها) بأن قال: إذا طلقتك
стр. 4292
فأنت طالق، ثم قال: إن قمت فأنت طالق (فقامت: فثنتان)، واحدة بقيامها وأخرى بتطليقها الحاصل بالقيام؛ لأن طلاقها بوجود الصفة تطليق لها.
(و) إن قال لها: (إن طلقتك فأنت طالق، ثم قال: إن وقع عليك طلاقي
فأنت طالق، ثم نجَّزه) أي: نجز طلاقها، حال كونه (رجعيّاً)، بأن كان الطلاق مما يملكه الزوج، وكانت الزوجة مدخولاً بها: (فثلاث)، واحدة بالمباشرة واثنان بالوقوع والإيقاع في الأصح.
وقال القاضي: التعليق مع وجود الصفة ليس تطليقاً.
(فلو قال: أردت إذا طلقتُك طلقت ولم أُردْ عقد صفة، دُيَّن) فيما بينه وبين
الله (١) ؛ لأن كلامه يحتمله، (ولم يقبل) منه (٢) (حكماً)؛ لأنه خلاف الظاهر.
(و) من قال لزوجته المدخول بها: [(كلَّما طلقتك فأنت طالق، ثم قال)
لها: (أنت طالق: فثنتان)، طلقة بالخطاب وطلقة بالتعليق؛ لأن الطلاق معلق على تطليقها، ولم تطلق أكثر من ذلك؛ لأن التطليق لم يوجد إلا مرة واحدة.
(و) لو قال لها] (٣) : (كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم وقع) عليها
طلاقه (بمباشرة)؛ كما لو قال لها: أنت طالق، (أو سببٍ)؛ كما لو علق طلاقها على فعل شيء ففعلته. ولا فرق بين كون التعليق بعد ما قال لها ذلك أو قبله: (فثلاث) يعني: فإنها تطلق ثلاثاً؛ لأن الثانية طلقة واقعة عليها فتقع بها الثالثة. ومحل ذلك: (إن وقعت) الطلقة (الأولى و) الطلقة (الثانية رجعيَّتين)؛
لأنها إذا طلقت بائناً لم يلحقها ما علق عليه.
(ومن علق) الطلاق (الثلاث بتطليق يملك فيه الرجعة)؛ كما لو قال:
كلما طلقتك طلاقاً أملك فيه رجعتك فأنت طالق ثلاثاً، (ثم طلَّق واحدة) وهي
стр. 4293
مدخول بها: (وقع الثلاث) في الأصح، لأن امتناع الرجعة هاهنا لعجزه عنها،
لا لعدم ملكها.
(و) من قال لزوجته: (كلَّما) وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً،
(أو إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً، ثم قال لها: أنت طالق: فثلاث)، منها (طلقة بالمنجَّز، وتتمتُها من المعلَّق. ويلغو قوله: قبله). وهذا قول أبي بكر والقاضي وهو الأصح؛ كما لو قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق ثلاثاً، ثم قال لها: أنت طالق.
وقال ابن عقيل: تطلق بالطلاق المنجز ويلغو المعلق، لأنه طلاق في زمن ماض.
وقال أبو العباس بن سريج الشافعي ومن تبعه: لا تطلق أبداً، لأن وقوع الواحدة يقتضي وقوع ثلاث قبلها، وذلك يمنع وقوعها. فإثباتها يؤدي إلى نفيها فلا تثبت.
ولأن إيقاعها يفضي إلى الدور، لأنها إذا وقعت وقع قبلها ثلاث فيمتنع وقوعها، وما أفضى إلى الدور وجب قطعه من أصله.
(وتسمى) هذه المسألة (السُّرَيجيَّة)؛ لأن ابن سريج أول من قال بها.
ولنا: أنه طلاق من مكلف مختار في محل نكاح صحيح. فيجب أن يقع،
كما لو لم يعقد هذه الصفة.
ولأن عمومات النصوص تقتضي وقوع الطلاق مع بقاء العصمة في كل صورة، من ذلك قوله : ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وقوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
وقوله : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧].
وكذا سائر النصوص.
ولأن. الله شرع الطلاق لمصلحة تتعلق به. وما قاله من
стр. 4294
لا يرى وقوعه يمنعه بالكلية ويبطل مشروعيته ويفوت مصلحته، فلا يجوز ذلك بمجرد الرأي والتحكم.
وما ذكره ابن سريج ومن تبعه من التعليل والإفضاء إلى الدور فغير مسلَّم فإنا إذا
قلنا: لا يعلق الطلاق المعلق فله وجه؛ لأنه أوقعه في زمن ماض ولا يمكن وقوعه في الماضي فلم يقع؛ كما لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بيوم فقدم في اليوم. ولأنه جعل الطلقة الواقعة شرطاً لوقوع الثلاث، ولا يوجد المشروط قبل شرطه (١) .
فعلى هذا لا يمنع وقوع الطلقة المباشرة ولا يفضي إلى دور ولا غيره.
وكون الطلاق المعلق قبله بعده محال لا يصح الوصف به فلغت الصفة ووقع الطلاق؛ كما لو قال: إن طلقتك فأنت طالق ثلاثاً لا تلزمك، فإن قوله: لا تلزمك لغو.
وما تقدم من وقوع الثلاث بطلقة بالمنجز وتتمتها من المعلق فهو في المدخول بها.
(ويقع بمن لم يدخل بها، المنجَّزة فقط)؛ لبينونتها بالمنجز.
(و) من قال لزوجته: (إن وطئتُك وطئاً مباحاً) فأنت طالق قبله ثلاثاً (٢) ،
(أو إن أبنتك) فأنت طالق قبله ثلاثاً، (أو) إن (فسختُ نكاحك) فأنت طالق قبله ثلاثاً، (أو إن ظاهرت منك) فأنت طالق قبله ثلاثاً، (أو) قال لرجعية:
(إن راجعتك فأنت طالق قبله ثلاثاً، ثم وُجد شيء مما عُلِّق عليه) الطلاق: (وقع الثلاث، ولغا قوله: قبله).
قال في " الفروع ": ففي (٣) " الترغيب " تلغو صفة القبلية، وفي إلغاء الطلاق من أصله الوجهان، ويتوجه الأوجه.
стр. 4295
وفي " الرعاية ": احتمال في الثانية والثالثة: يقعان معاً. انتهى.
فقوله: ففي " الترغيب " كذا مقتصراً عليه يدل على رضاه به، وأنه ليس عنده ما يخالفه.
وقال في " الرعاية " بعد قوله: طلقت ثلاثاً، وقيل: لا تطلق في: أبنتك وفسخت نكاحك، بل تبين بالإبانة والفسخ. انتهى.
وقد ظهر من كلام صاحب " الرعاية " على القول الثانى: بل تبين بالإبانة والفسخ أنها لا تبين بقوله: أبنتك وفسخت نكاحك على القول المقدم، وإذا لم تبن بذلك فلا إشكال في وقوع الطلاق المعلق على ذلك مع إلغاء قوله: قبله. وهذا بخلاف قوله (١) : إذا ثبت أو إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثاً ثم بانت منه بخلع [أو غيره] (٢) ، أو فسخت نكاحها (٣) لمقتضٍ فإنها لا تطلق؛ لأنها إذا بانت لم يبق للطلاق محل يقع فيه.
(و) من قال لزوجته: (كلما طلقتُ ضرتك فأنت طالق، ثم قال مثله للضرّة، ثم طلَّق الأولى) بأن قال لها: أنت طالق: (طَلقت الضرَّة طلقة) واحدة بالصفة الموجودة بطلاق الضرة، (و) طلقت (الأولى ثنتين)، واحدة بالمباشرة وواحدة بالصفة؛ لأن وقوعه بالضرة تطليق؛ لأنه أحدث فيها طلاقاً بتعليقه طلاقها ثانياً.
(وإن طلَّق الضرَّة) التي قال لها ثانياً مثل ما قال للأولى (فقط) يعني: ولم يطلق الأولى بعد أن قال لهما ما قال: (طلقتا) أي: الأولى والأخرى (طلقة طلقة)، الضرة بالمباشرة والأولى بالصفة، ولم يقع بالثانية طلقة أخرى؛ لأن طلاق الأولى إنما وقع بالتعليق السابق على تعليق طلاق الثانية. فلم يحدث بعد تعليق طلاق الثانية طلاقها.
стр. 4296
(ومثل ذلك): إذا قال زوج حفصة وعمرة مثلاً: (إن) طلقت حفصة فعمرة طالق، (أو) قال: (كلما طلَّقت حفصة فعمرة طالق، ثم قال: إن) طلقت عمرة فحفصة طالق، (أو) قال: (كلما طلقت عمرة فحفصة طالق فحفصة) هنا (١) (كالضرة فيما قبل.
وعكس ذلك قوله لعمرة: إن طلقتُك فحفصة طالق، ثم) قوله (لحفصة: إن طلقتك فعمرة طالق، فحفصة هنا كعمرة هناك).
قال ابن عقيل في المسألة الأولى: أرى متى طلقت عمرة طلقة بالمباشرة وطلقة بالصفة: أن يقع على حفصة أخرى بالصفة في حق عمرة فيقع الثلاث عليهما، وأن قول أصحابنا: في كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق ووجد رجعياً يقع ثلاث يعطي استيفاء الثلاث في حق عمرة؛ لأنها طلقت طلقة بالمباشرة وطلقة بالصفة، والثالثة بوقوع الثانية. وهذا بعينه موجود في طلاق عمرة المعلق بطلاق حفصة. انتهى.
وعبارته في " شرح المقنع ": إذا قال: إن طلقت حفصة فعمرة طالق، ثم قال: إن طلقت عمرة فحفصة طالق ثم طلق حفصة: طلقتا معاً، حفصة بالمباشرة وعمرة بالصفة، ولم ترد كل واحدة منهما على طلقة. وإن بدأ بطلاق عمرة طلقت طلقتين وطلقت حفصة طلقة واحدة؛ لأنه إذا طلق حفصة طلقت عمرة بالصفة؛ لكونه علق طلاقها على طلاق حفصة ولم يعد على حفصة طلاق آخر؛ لأنه ما أحدث في عمرة طلاقاً، وإنما طلقت بالصفة السابقة على تعليقه طلاقها. وإن بدأ بطلاق عمرة طلقت حفصة؛ لكون طلاقها معلقاً على طلاق عمرة، ووقوعه بها تطليق لها؛ لأنه أحدث فيها طلاقاً بتعليقه طلاقها على تطليق عمرة بعد قوله. إن طلقت حفصة فعمرة طالق. ومتى وجد التعليق والوقوع معاً فهو تطليق. وإن وجدا معاً بعد تعليق الطلاق بطلاقها وقع الطلاق المعلق بطلاقها، وطلاق عمرة هاهنا معلق بطلاقها، فوجب القول بوقوعه. ولو قال
стр. 4297
لعمرة: كلما طلقت حفصة فأنت طالق، ثم قال لحفصة: كلما طلقت عمرة فأنت طالق، ثم قال لعمرة: أنت طالق: طلقت طلقتين، وطلقت حفصة طلقة واحدة. وإن طلق حفصة ابتداء لم يقع بكل واحدة منهما إلا طلقة، لأن هذه المسألة كالتي قبلها سواء، فإنه بدأ بطلاق عمرة على تطليق حفصة ثم ثنى بتعليق طلاق حفصة على تطليق عمرة. ولو قال لعمرة: إن طلقتك فحفصة طالق، ثم قال لحفصة: إن طلقتك فعمرة طالق، ثم طلق حفصة: طلقت طلقتين، وطلقت عمرة طلقة. وإن طلق عمرة طلقت كل واحدة منهما طلقة، لأنها عكس التي قبلها. ذكر هاتين المسألتين القاضي في " المجرد ". انتهى.
(و) إن قال زوج (لأربع: أيتكن وقع عليها طلاقي فصواحبُها طوالق، ثم أوقعه) أي: أوقع طلاقه (على إحداهن) أي: إحدى الأربع: (طلقن كاملاً) أي: ثلاثاً ثلاثاً؛ لأنه لما أوقعه على إحداهن طلقت بإيقاعه طلقة، وطلقت كل واحدة من صواحبها بوقوعه عليها طلقة، وصار إذا وقع بواحدة طلقة يقع بكل واحدة من صواحبها طلقة وقد وقع الطلاق على جميعهن فطلقت كل واحدة طلاقاً كاملاً.
(و) لو قال لهن: (كلَّما طلَّقت واحدة فعبد) من عبيدي (حر، و) كلما طلقت (ثنتين فاثنان) من عبيدي حران، (و) كلما طلقت (ثلاثاً) منكن (فثلاثة) من عبيدي أحرار، (و) كلما طلقت (أربعاً) منكن (فأربعة) من عبيدى أحرار، (ثم طلَّقهن ولو) كان طلاقه لهن (معاً) " كما لو قال لهن: أنتن طوالق: (عتَََق خمسة عشر عبداً) في الأصح، لأن فيهن أربع صفات، هن أربع فيعتق أربعة وهن أربعة آحاد، فيعتق أربعة وهن اثنتان واثنتان، فيعتق بذلك أربعة وفيهن ثلاث فيعتق بهن ثلاثة. وإن شئت قلت: يعتق بالواحدة واحد وبالثانية ثلاثة؛ لأن فيها صفتين هي واحدة وهي مع الأولى اثنتان ويعتق بالثالثة أربعة " لأنها واحدة وهي مع الأولى والثانية ثلاث ويعتق بالرابعة سبعة، [لأن فيها ثلاث صفات هي واحدة، وهي مع الأولى والثانية ثلاث. ويعتق بالرابعة سبعة، لأن فيها ثلاث صفات هي واحدة، وهي مع الأولى ثنتان. ويعتق بالثالثة أربعة، لأنها واحدة، وهي مع الأولى والثانية ثلاث ويعتق بالرابعة
стр. 4298
سبعة] (١) ؛ لأن فيها ثلاث صفات هي واحدة، وهي مع الثالثة اثنتان، وهي مع الثلاث التي قبلها أربع.
وقيل: يعتق سبعة عشر؛ لأن صفة الثانية قد وجدت ثلاث مرات فإنها توجد بضم الأولى إلى الثانية، وبضم الثانية إلى الثالثة وبضم الثالثة إلى الرابعة.
وقيل: يعتق عشرون. وهو قول أبي حنيفة، لأن صفة الثالثة وجدت مرة ثانية بضم الثانية والثالثة إلى الرابعة.
وقيل: لا يعتق إلا عشرة، بالواحدة واحد، وبالثانية اثنان، وبالثلاث ثلاثة، وبالأربع أربعة.
وقيل: لا يعتق إلا أربعة؛ كما لو قال: كلما طلقت أربعاً فأربعة أحرار.
(وإن أتى) الزوج (بدل) قوله: (كلَّما، بـ) قوله: (إن أو نحوها) أي: نحو إن مثل: إذا؛ كقوله: إذا طلقت واحدة فعبد من عبيدي حر، [وإذا طلقت ثنتين فعبدان حران] (٢) ، وإذا طلقت ثلاثاً فثلاثة أحرار، وإذا طلقت أربعة فأربعة أحرار، ثم طلق الأربع: (عتَق عشرة) أعبد فقط؛ لعدم تكرارها.
(و) من قال لزوجته: (إن أتاكِ طلاقي فأنت طالق، ثم كتب إليها: إذا أتاك كتابي فأنت طالق، فأتاها) الكتاب (كاملاً، ولم يَنْمَحِ ذكرُ الطلاق) منه: (فثنتان) يعني: فإنها تطلق طلقتين، طلقة بتعليقها على الكتاب، وطلقة بتعليقها على إتيان الطلاق؛ لأن الطلاق أتاها بكتابه إليها المعلق عليه الطلاق.
(فإن قال: أردت أنك طالق بـ) -الطلاق (الأول، دُيِّن) فيما بينه وبين الله ؛ لأن كلامه يحتمله وهو أعلم بنيته، (وقُبل حُكماً)؛ لظهوره.
(ومن كتب) إلى امرأته: (إذا قرأتِ كتابي فأنت طالق، فقُرىّ عليها وقع) الطلاق: (إن كانت أمِّيِّة) وهي التي لا تقرأ المكتوب، لأن ذلك هو المراد بقرائتها.
стр. 4299
(وإلا) أي: وإن لم تكن أميَّة: (فلا) تطلق بقراءة الكتاب عليها في الأصح؛ لأنها لم تقرأه. والأصل في اللفظ كونه للحقيقة إلا مع التعذر؛ كما لو كانت أمية.
ومن حلف: لا يقرأ كتاب فلان فقرأه في نفسه ولم يحرك شفتيه به حنث؛
لأن هذه قراءة الكتب في عرف الناس، فتنصرف يمينه إليه، إلا أن ينوي حقيقة القراءة فلا يحنث إلا بها.
стр. 4300
(فصل في تعليقه بالحلف)
(إذا قال) لزوجته: (إن حلفتُ بطلاقكِ فأنت طالق، ثم علَّقه) أي: علق طلاقها (بما) أي: بشئ (فيه حثُّ) على فعل، كقوله: إن لم أدخل الدار فأنت طالق.
(أو منعُ) من فعل؛ كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق.
(أو تصديق خبر)؛ كقوله: أنت طالق لقد قمت، وإن لم يكن هذا القول
حقا فأنت طالق.
(أو تكذيبه)؛ كقوله: أنت طالق إن لم يكن هذا القول كذبا: (طلقت في الحال).
وهذا كله في الحقيقة ليس بيمين. وإنما سمي حلفاً تجوزاً؛ لما فيه من المعنى المقصود بالحلف وهو الحنث أو الكف أو التأكيد.
(لا إن علَّقه بمشيئتها) أو مشيئة سواها.
(أو) علقه بـ (حيض، أو) بـ (طُهر، أو طلوع الشمس، أو قدوم الحاج، ونحوه)؛ كخسوف القمر، ومجيء المطر، ونبات الشجر.
(و) من قال لزوجته: (إن حلفت بطلاقكِ) فأنت طالق، (أو) قال لها:
(إن كلمتك فأنت طالق وأعاده) لها (مرة) أخرى: (فطلقة) يعني: فإنها تطلق طلقة؛ لأن إعادته حلف. (و) إن أعاده (مرتين: فثنتان) يعني: فتطلق طلقتين. (و) إن أعاده (ثلاثاً) أي: ثلاث مرات: (فثلاث) يعني: فإنها تطلق ثلاثاً؛ لأن كل مرة (١) يوجد بها شرط الطلاق وينعقد شرط طلقة أخرى.
стр. 4301
وذلك " لأنه تعليق للطلاق على شرط يمكن فعله وتركه. فكان حلفاً " كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق.
ومحل ذلك: (ما لم يقصد إفهامَها في) قوله: (إن حلفت) بطلاقك فأنت طالق، لا في قوله. إن كلمتك، لأنه تكليم قُصد به الإفهام أو لا.
قال في " الفر ع ": وإن قصد بإعادته إفهامها لم يقع. ذكره أصحابنا. بخلاف ما لو أعاده من علقه بالكلام. وأخطأ بعض أصحابنا وقال فيها كالأولى. ذكره في " الفنون ".
ومحل ذلك أيضاً: إذا كانت الزوجة مدخولاً بها.
(وتَبين غير مدخول بها) إذا أعاده مرة أخرى (١) (بطلقة.
ولم تنعقد يمينه الثانية والثالثة في مسألة الكلام) في غير المدخول بها في الأصح؛ لبينونتها بشروعه في الكلام فلم يحصل جواب الشرط إلا وهي بائن. بخلاف مسألة الحلف فإنها لا تبين إلا بعد انعقاد اليمين. فتنعقد بحيث أنه لو تزوجها بعد ثم حلف بطلاقها طلقت " لوجود الحنث باليمين المنعقدة في النكاح السابق. ولذلك مأخذان:
أحدهما: وهو مأخذ القاضي ومن تبعه: أن الكلام يحصل بالشروع في الإعادة قبل إتمامها فيقع الطلاق قبل إنهاء الإعادة فلا ينعقد؛ لأن إتمام اليمين حصل بعد البينونة.
والمأخذ الثانى: أن الطلاق وإن وقف وقوعه إلى ما بعد إنهاء الإعادة إلا أن الإعادة تترتب عليها البينونة فيقع انعقاد اليمين مع البينونة. فيخرج على الخلاف في ثبوت الحكم مع المانع أو مع سببه. والأصح عند الموفق عدمه.
(و) من قال لزوجتيه: (إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، وأعاده:
وقع بكل) من الزوجتين (طلقة)؛ لما تقدم.
(وإن لم يدخُل بإحداهما) أي: إحدى الزوجتين، (فأعاده بعدُ) أي:
стр. 4302
بعد أن وقع بكل واحدة طلقة: (فلا طلاق)، لأن الحلف بطلاق البائن لايمكن.
(ولو نكح البائن، ثم حلف بطلاقها: طلقتا أيضاً طلقة طلقة) فتصير كل واحدة منهما مطلقة طلقتين في الأصح، لأن الصفة الثانية منعقدة في حقهما جميعاً. ذكره الأصحاب.
وأُورد عليه: أن طلاق كل واحدة منهما معلق بشرط الحلف بطلاقها مع طلاق الأخرى، فكل واحد من الحلفين جزء علة لطلاق كل واحدة منهما، فكما أنه لابد من الحلف بطلاقها في زمن يكون فيه أهلاً لوقوع الطلاق كذلك الحلف بطلاق ضرتها؛ لأنه جزء علة لطلاق نفسها ومن تمام شرطه فكيف يقع (١) بهذه التي جدد نكاحها الطلاق وإنما حلف بطلاق ضرتها وهي بائن؟
وأجيب عنه: بأن وجود الصفة كلها في النكاح لا حاجة إليه، ويكفي وجود آخرها فيه ليقع الطلاق عقبه (٢) .
(و) إن أتى (بـ " كلما " بدل) قوله: (" إن ") بأن قال لزوجتيه: كلما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان وأعاده وكانت إحداهما غير مدخول بها، ثم أعاده حال بينونتها، ثم نكح البائن وأعاده: طلقتا (ثلاثاً ثلاثاً: طلقة عقب حلفه ثانياً، وطلقتين لما نكح البائن وحلف بطلاقها)، لأن اليمين الأولى لم تنحل باليمين الثانية؛ لأن كلما للتكرار واليمين الثانية باقية، فتكون اليمين الثالثة التي تكملت بحلفه على التي جدد (٣) نكاحها شرطاً لليمين الأولى والثانية فيقع بها طلقتان لذلك. وهذا بخلاف ما لو كان التعليق بـ " أن "، فإن اليمين الأولى تنحل بالثانية، لعدم اقتضائها التكرار فتبقى اليمين الثانية فقط، فإذا أعادها بعد الثانية مرة أخرى وجد شرط الثانية فانحلت أيضاً وتنعقد الثالثة.
(ومن قال لزوجتيه حفصة وعمرة: إن حلفتُ بطلاقكما فعمرة طالق، ثم
стр. 4303
أعاده: لم تطلق واحدة منهما)؛ لأن هذا حلف بطلاق عمرة وحدها. فلم يوجد الحلف بطلاقهما.
) ولو قال بعده. إن حلفت بطلاقكما فحفصة طالق: طلقت عمرة)؛ لأنه حلف بطلاقهما بعد تعليقه طلاقها عليه.
(ثم إن قال) بعد ذلك: (إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق: لم تطلق واحدة منهما)؛ لأنه لم يحلف بطلاقهما، وإنما حلف بطلاق عمرة وحدها. (ثم إن قال) بعد ذلك: (إن حلفت بطلاقكما فحفصة طالق. طلقت حفصة) وحدها.
(و) إن قال (لمدخول بهما " كلما حلفت بطلاق إحداكما، أو) قال: كلما حلفت بطلاق (واحدة منكما فأنتما طالقتان، وأعاده: طلقتا ثتنين ثنتين)؛ لأن قوله ذلك حلف بطلاق كل واحدة منهما، وحلفه بطلاق كل واحدة يقتضي طلاق الثنتين، فطلقتا بحلفه بطلاق واحدة طلقة طلقة، وبحلفه بطلاق الأخرى طلقة طلقة.
(وإن قال) لهما: كلما حلفت بطلاق إحداكما، أو قال: كلما حلفت بطلاق واحدة منكما (فهى) طالق، (أو) قال: (فضرَّتها طالق، وأعاده: فطلقة طلقة) يعني: فإن كل واحدة منهما تطلق طلقة؛ لأن حلفه بطلاق واحدة إنما اقتضى طلاقها وحدها، وما حلف بطلاقها إلا مرة فلا تطلق إلا طلقة.
(وإن قال) لهما: كلما حلفت بطلاق واحدة منكما، أو قال: كلما حلفت بطلاق إحداكما (فإحداكما طالق) وأعاده، (فـ) يقع (طلقة بإحداهما تُعين بقرعة)؛ كما لو قال: إحداكما طالق.
(و) إن قال (لإحداهما: إن حلفت بطلاق ضرَّتكِ فأنت طالق، ثم قاله للأخرى) أي. قال للأخرى مثل ما قال للأولى: (طلَقت الأولى)؛ لأنه قد حلف بطلاق ضرتها. (فإن أعاده للأولى: طلقت الأخرى)؛ لأنه قد حلف بطلاق ضرتها.
***
стр. 4304
(فصل في تعليقه بالكلام والإذْن والقربان)
(إذا قال) لزوجته: (إن كلمتك فأنت طالق، فتحقَّقي) ذلك، (أو زجَرها فقال: تنحِّي، أو اسكُتي، أو مُرِّي ونحوه) اتصل ذلك بيمينه أوّلاً في الأصح.
(أو قال لها) بعد التعليق بالكلام: (إن قمت فأنت طالق: طلقت) بذلك
وإن لم تقم؛ لأنه طلاق خارج عن اليمين وقد وجد بعدها فيحنث به.
ومحل ذلك: (ما لم ينو غيره) يعني: إلا أن ينوي أن لا أكلمك بعد انقضاء كلامي هذا، أو ينوي بذلك ترك محادثتها، أو ترك الاجتماع بها ونحو ذلك لم تطلق حتى يوجد ما نواه.
ولو سمعها تذكره بسوء، فقال: الكاذب عليه لعنة الله: حنث. نص عليه؛ لأنه كلمها.
(و) لو قال لها: (إن بدأتُكِ بكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتُكَ به فعبدي حر: انحلت يمينه)؛ لأنها كلمته. فلم يكن كلامه لها بعد ذلك ابتداء. ومحل ذلك: (إن لم تكن له نية) يعني: إلا أن ينوي أنه لا يبدأها في مرة أخرى وبقيت يمينها معلقة. وإلى ذلك أشير بقوله:
(ثم إن بدأته) بكلام (حنِثَت، وإن بدأها) بكلام بعد قولها: إن بدأتك
به (١) فعبدي حر: (انحلت يمينها) أيضاً.
(وإن علَّقه) أي: علق طلاقها (بكلامها زيداً) بأن قال لها: إن كلمت زيداً فأنت طالق، (فكلمته) أي: كلمت زيداً (فلم يسمع) زيد كلامها،
стр. 4305
(لغفلة) من زيد، (أو شغل) عنها، (ونحوه)؛ كخفض صوتها وكانت منه بحيث لو رفعت صوتها سمعها، (أو) كلمته (وهو مجنون، أو) وهو (سكران، أو) وهو (أصم يسمع لولا المانع): حنث؛ لأنها كلمته، (أو كاتبْتُه أو راسلَتْه ولم ينو مشافَهتها): حنث؛ وذلك لقوله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ [الشورى: ٥١].
ولأن القصد بالترك لكلامها إياه هجرانها ولا يحصل ذلك مع مواصلتها بالكتب والرسل.
(أو كلمت غيره) أي: غير زيد، (وزيد يسمع، تقصدُه به: حنث)؛ لأنها قد قصدته وأسمعته كلامها. أشبه ما لو خاطبته.
أما لو أرسلت إنساناً يسأل أهل العلم عن مسألة أو حديث فجاء الرسول فسأل المحلوف عليه لم يحنث بذلك؛ لأنها لم تقصده بإرسال الرسول.
وكذا (لا) يحنث (إن كلمته)، حال كونه (ميتاً أو غائباً أو مُغمىً عليه أو نائماً) في الأصح؛ لأن التكليم فعل يتعدى إلى المتكلم، ولا يكون ذلك إلا في حالة يمكنه الاستماع فيها.
وكذا لا يحنث إذا كلمته في حالة أشير إليها بقوله:
(أو وهي مجنونة)؛ لأنها لا قصد لها، (أو أشارت إليه) أي: إلى زيد؛
لأن الإشارة ليست بكلام عند أهل الشرع.
(و) من قال لزوجتيه: (إن كلَّمتُما زيداً وعمراً فأنتما طالقتان، فكلمت
كل واحدة واحداً) بأن كلمت إحداهما زيداً وكلمت الأخرى عمراً: (طلقتا) في الأصح؛ لأن المعلق عليه الطلاق وجود الكلام منهما لهما، وقد وجد بالتعليق فيقع الطلاق.
(لا إن قال) لزوجتيه: (إن كلَّمتُما زيداً وكلَّمتُما عمراً) فأنتما طالقتان فإنه
لا يحنث (حتى يكلِّما كلاً منهما) أي: كلاً من زيد وعمرو؛ لأنه علق طلاقهما بكلامهما لكل واحد منهما.
стр. 4306
(و) من قال لزوجته: (إن خالفت أمري فأنت طالق، فنهاها، فخالفته
ولا نية) له تخالف لفظه: (لم يحنث، ولو لم يعرف حقيقتهما) أي: حقيقتي الأمر والنهي في الأصح، لأنها خالفت نهيه لا أمره، فأما إن نوى مطلق المخالفة فيحنث، لوجود الصفة وهي المخالفة.
(و) من قال لزوجته: (إن خرجت) بغير إذني، (أو زاد: مرة) بأن قال: إن خرجت مرة (بغير إذنى، أو إلا بإذني، أو حتى آذَنَ لك فأنت طالق، فخرجت ولم يأذن) لها في الخروج: طلقت، لوجود الصفة.
(أو أذن) لها (ثم نهاها) ثم خرجت ولم يأذن لها بعد أن نهاها: طلقت، لخروجها بعد نهيه بغير إذنه في الأصح، لأن هذا الخروج يجري مجرى خروج ثان. (أو أذن) لها (ولم تعلم) فخرجت طلقت، لأن الإذن هو الإعلام ولم يعلمها، (أو) أذن لها و (علمت) فخرجت (ثم خرجت بلا إذنه: طلقت) على الأصح؛ لأنها خرجت بغير إذنه.
وعنه: لا تطلق حتى ينوي الإذن في كل مرة.
(إلا إن أذن) لها (فيه) أي: في الخروج (كلما شاءت). نص عليه،
فلا يحنث بخروجها بعد ذلك بغير حلف متجدد.
(أو قال): إن خرجت (إلا بإذن زيد) فأنت طالق، (فمات زيد ثم خرجت) فإنه لا يحنث.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وحنثه القاضي وجعل المستثنى محلوفاً عليه. انتهى.
فعلى هذا يكون المعنى على قول القاضي: إن حصل منك خروج بدون إذن
زيد فأنت طالق فيفوت المحلوف عليه بموته.
(و) إن قال لها: (إن خرجت إلى غير حمام بلا إذني فأنت طالق، فخرجت له) أي: للحمام (ولغيره) طلقت في الأصح، لأنها إذا خرجت للحمام ولغيره فقد صدق عليها أنها خرجت إلى غير الحمام.
стр. 4307
(أو) خرجت (له) أي: للحمام (ثم بدا لها غيره: طلقت) أيضاً في الأصح؛ لأن ظاهر هذه اليمين المنع من غير الحمام. فكيف ما صارت إليه حنث؛ كما لو خالفت لفظه.
نقل الفضل بن زياد عن أحمد أنه سئل: إذا حلف بالطلاق أنه لا يخرج من
بغداد إلا لنزهة فخرج إلى النزهة ثم مر إلى مكة. فقال: النزهة لا تكون إلى مكة. وظاهر هذا أنه حنثه.
(ومتى قال) الزوج بعد خروجها وحلفه: (كنت أذنت) في خروجها
وأنكرت الزوجة، (قُبل) منه إن أتى (ببينة)، لا بدونها؛ لوقوع الطلاق في الظاهر.
(و) من قال لزوجته: (إن قرُبت) بضم الراء (دار كذا فأنت طالق، وقع)
الطلاق على زوجته (بوقوفها تحت فنائها) أي: فناء الدار التي حلف عليها، (ولصوقِها) أي: لصوق الزوجة (بجدارها) أي: جدار الدار التى حلف عليها.
(و) إن قال لها: إن قرِبت دار فلان (بكسر راء قرِبت: لم يقع) عليه
طلاق (حتى تدخُلَها) زوجته.
قال في " الفروع ": لأن مقتضاهما ذلك. ذكرهما في " الروضة "،
واقتصر في " الفروع " على ذلك.
***
стр. 4308
(فصل في تعليقه بالمشيئة)
(إذا قال) الزوج لزوجته: (أنت طالق إن) شئت، (أو إذا) شئت، (أو
متى) شئت، (أو أنى) شئت، (أو أين) شئت، (أو كيف) شئت، (أو
حيث) شئت، (أو أيّ وقت شئت، فشاءت) أي: فقالت زوجته: شئت
(ولو) كانت (كارهة).
وعبارته في " التنقيح ": مكرهة. والصواب: كارهة غير مكرهة.
(أو) كانت مشيئتها (بعد تراخ، أو) كانت مشيئتها (بعد رجوعه) عن
تعليق طلاقها على مشيئتها: (وقع) الطلاق المعلق على المشيئة، لأنها صفة
معلق عليها الطلاق. فوقع بوجودها وكان على التراخي، كسائر التعاليق.
ولأنه إزالة ملك معلق على المشيئة. فكان على التراخي؛ كالعتق.
فإن قَيد المشيئة بوقت، فقال: أنت طالق إن شئت اليوم تقيد به فإن خرج
اليوم قبل مشيئتها لم تطلق.
و (لا) يقع (إن (١) قالت: شئتُ إن شئتَ) ولو شاء، (أو) قالت: شئت
(إن شاء أبي ولو شاء) أبوها؛ لأن المشيئة أمر حقيقي لا يصح تعليقه على
شرط. وكذلك إن قالت: قد شئت إن طلعت الشمس. نص على هذا أحمد.
قال أبن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا
قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، فقالت: قد شئت إن شاء فلان: أنها قد
ردت الأمر، ولا يلزمها الطلاق وإن شاء فلان. وذلك، لأنه لم يوجد منها
مشيئة إنما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط، وليس تعليق المشيئة بشرط مشيئة.
стр. 4309
(و) إن قال لها: (أنت طالق إن شئتِ وشاء أبوك، أو) أنت طالق (إن
شاء زيد وعمرو، لم يقع حتى يشاءا) أي: تشاء هي وأبوها، أو يشاء (١) زيد وعمرو في الأصح ولو شاء أحدهما على الفور والآخر على التراخي؛ لأن المشيئة [قد وجدت منهما جميعاً.
(و) إن قال لها: (أنت طالق إن شاء زيد، فشاء) زيد (ولو) في حالة كونه (مميزاً يعقلها) أي: يعقل المشيئة] (٢) ، (أو) في حال كونه (سكران، أو) كانت المشيئة (بإشارة مفهومة ممن خَرَسَ، أو كان) زيد (أخرس) وشاء بإشارة مفهومة: (وقع) الطلاق.
أما الصبي العاقل والسكران؛ فلصحة الطلاق منهما؛ لأنهما إذا صح طلاقهما صح أن يشاآه لغيرهما.
وأما من خرس أو كان أخرس؛ لأن طلاقهما في أنفسهما يقع بالإشارة. فصح طلاق من علقه بمشيئة واحد منهما أو بمشيئتهما.
(لا إن مات) زيد، (أو غاب أو جن قبلها) أي: قبل المشيئة فلا تطلق؛
لأن (٣) شرط الطلاق لم يوجد.
(ولو قال) لزوجته: أنت طالق (إلا أن يشاء) زيد، (فمات) زيد (أو جُنَّ، أو أباها) أي: أبى المشيئة زيد، (وقع) الطلاق (إذاً)؛ لأنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بشرط ولم يوجد.
(وإن خرس) زيد (وفهمت إشارته: فكنطقه). فلو قال: شئت أن لا تطلق لم يقع.
(وإن نَجَّزَ) طلقة بأن قال: أنت طالق طلقة إلا أن تشائي، أو يشاء زيد ثلاثاً، (أو علق طلقة) بأن قال: هي طالق طلقة إن دخلت الدار (إلا أن تشاء
стр. 4310
هي، أو) يشاء (زيد ثلاثاً، أو) قال: هي طالق (ثلاثاً) إلا أن تشاء أو يشاء زيد واحدة، أو قال: هي طالق ثلاثاً إن دخلت الدار (إلا أن تشاء أو يشاء) زيد (واحدة، فشاءت أو شاء) زيد (ثلاثاً في) المسألة (الأولى: وقعت) الثلاث في الأصح؛ (كواحدة) أي: كما يقع طلقة واحدة إن شاءت واحدة أو شاء زيد واحدة (في) المسألة (الثانية.
وإن شاءت) هي (أو شاء) زيد (ثنتين) أي: طلقين في المسألتين؛ (فكما لو لم يشاءا) أي: لا هي ولا زيد؛ لأنه لم يقل: إلا أن تشاء هي أو يشاء زيد ثنتين.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق وعبدى حر إن شاء زيد، ولا نية) لقائل ذلك، تخالف ظاهر لفظه. (فشاءهما) أي: شاء زيد الطلاق والعتق: (وقعا) على الأصح.
(وإلا) أي: وإن لم ينو زيد شيئاً: (لم يقع شيء) يعني: وإن لم يشاءهما
لم يقع واحد منهما؛ لأن المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، وقد وليهما التعليق فيتوقفان عليه، ولا تحصل المشيئة بواحد من العتق أو الطلاق؛ لأن الطلاق والعتق جملة واحدة، فلا تحصل المشيئة بأحد جزئيها دون الأخر. (و) من قال لزوجته (ياطالق) إن شاء الله طلقت. قاله في " الترغيب ". وقال: إنها أولى بالوقوع من قوله: أنت طالق إن شاء الله.
(أو) قال لها: (أنت طالق) إن شاء الله: طلقت.
(أو) قال: (عبدي حر إن شاء الله): عتق.
(أو قدم الاستثناء)؛ كما لو قال: إن شاء الله أنت طالق، أو قال: إن شاء الله عبدي حر: عتق (١)
(أو قال): أنت طالق إلا أن يشاء الله، أو قال: عبدي حر (إلا أن يشاء الله.
أو) قال: أنت طالق إن لم يشأ الله، أو قال: عبدي حر [(إن لم) يشأ الله.