(و) من قال لزوجته: (إن خالفت أمري فأنت طالق، فنهاها، فخالفته
ولا نية) له تخالف لفظه: (لم يحنث، ولو لم يعرف حقيقتهما) أي: حقيقتي الأمر والنهي في الأصح، لأنها خالفت نهيه لا أمره، فأما إن نوى مطلق المخالفة فيحنث، لوجود الصفة وهي المخالفة.
(و) من قال لزوجته: (إن خرجت) بغير إذني، (أو زاد: مرة) بأن قال: إن خرجت مرة (بغير إذنى، أو إلا بإذني، أو حتى آذَنَ لك فأنت طالق، فخرجت ولم يأذن) لها في الخروج: طلقت، لوجود الصفة.
(أو أذن) لها (ثم نهاها) ثم خرجت ولم يأذن لها بعد أن نهاها: طلقت، لخروجها بعد نهيه بغير إذنه في الأصح، لأن هذا الخروج يجري مجرى خروج ثان. (أو أذن) لها (ولم تعلم) فخرجت طلقت، لأن الإذن هو الإعلام ولم يعلمها، (أو) أذن لها و (علمت) فخرجت (ثم خرجت بلا إذنه: طلقت) على الأصح؛ لأنها خرجت بغير إذنه.
وعنه: لا تطلق حتى ينوي الإذن في كل مرة.
(إلا إن أذن) لها (فيه) أي: في الخروج (كلما شاءت). نص عليه،
فلا يحنث بخروجها بعد ذلك بغير حلف متجدد.
(أو قال): إن خرجت (إلا بإذن زيد) فأنت طالق، (فمات زيد ثم خرجت) فإنه لا يحنث.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وحنثه القاضي وجعل المستثنى محلوفاً عليه. انتهى.
فعلى هذا يكون المعنى على قول القاضي: إن حصل منك خروج بدون إذن
زيد فأنت طالق فيفوت المحلوف عليه بموته.
(و) إن قال لها: (إن خرجت إلى غير حمام بلا إذني فأنت طالق، فخرجت له) أي: للحمام (ولغيره) طلقت في الأصح، لأنها إذا خرجت للحمام ولغيره فقد صدق عليها أنها خرجت إلى غير الحمام.
стр. 4307
(أو) خرجت (له) أي: للحمام (ثم بدا لها غيره: طلقت) أيضاً في الأصح؛ لأن ظاهر هذه اليمين المنع من غير الحمام. فكيف ما صارت إليه حنث؛ كما لو خالفت لفظه.
نقل الفضل بن زياد عن أحمد أنه سئل: إذا حلف بالطلاق أنه لا يخرج من
بغداد إلا لنزهة فخرج إلى النزهة ثم مر إلى مكة. فقال: النزهة لا تكون إلى مكة. وظاهر هذا أنه حنثه.
(ومتى قال) الزوج بعد خروجها وحلفه: (كنت أذنت) في خروجها
وأنكرت الزوجة، (قُبل) منه إن أتى (ببينة)، لا بدونها؛ لوقوع الطلاق في الظاهر.
(و) من قال لزوجته: (إن قرُبت) بضم الراء (دار كذا فأنت طالق، وقع)
الطلاق على زوجته (بوقوفها تحت فنائها) أي: فناء الدار التي حلف عليها، (ولصوقِها) أي: لصوق الزوجة (بجدارها) أي: جدار الدار التى حلف عليها.
(و) إن قال لها: إن قرِبت دار فلان (بكسر راء قرِبت: لم يقع) عليه
طلاق (حتى تدخُلَها) زوجته.
قال في " الفروع ": لأن مقتضاهما ذلك. ذكرهما في " الروضة "،
واقتصر في " الفروع " على ذلك.
***
стр. 4308
(فصل في تعليقه بالمشيئة)
(إذا قال) الزوج لزوجته: (أنت طالق إن) شئت، (أو إذا) شئت، (أو
متى) شئت، (أو أنى) شئت، (أو أين) شئت، (أو كيف) شئت، (أو
حيث) شئت، (أو أيّ وقت شئت، فشاءت) أي: فقالت زوجته: شئت
(ولو) كانت (كارهة).
وعبارته في " التنقيح ": مكرهة. والصواب: كارهة غير مكرهة.
(أو) كانت مشيئتها (بعد تراخ، أو) كانت مشيئتها (بعد رجوعه) عن
تعليق طلاقها على مشيئتها: (وقع) الطلاق المعلق على المشيئة، لأنها صفة
معلق عليها الطلاق. فوقع بوجودها وكان على التراخي، كسائر التعاليق.
ولأنه إزالة ملك معلق على المشيئة. فكان على التراخي؛ كالعتق.
فإن قَيد المشيئة بوقت، فقال: أنت طالق إن شئت اليوم تقيد به فإن خرج
اليوم قبل مشيئتها لم تطلق.
و (لا) يقع (إن (١) قالت: شئتُ إن شئتَ) ولو شاء، (أو) قالت: شئت
(إن شاء أبي ولو شاء) أبوها؛ لأن المشيئة أمر حقيقي لا يصح تعليقه على
شرط. وكذلك إن قالت: قد شئت إن طلعت الشمس. نص على هذا أحمد.
قال أبن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا
قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، فقالت: قد شئت إن شاء فلان: أنها قد
ردت الأمر، ولا يلزمها الطلاق وإن شاء فلان. وذلك، لأنه لم يوجد منها
مشيئة إنما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط، وليس تعليق المشيئة بشرط مشيئة.
стр. 4309
(و) إن قال لها: (أنت طالق إن شئتِ وشاء أبوك، أو) أنت طالق (إن
شاء زيد وعمرو، لم يقع حتى يشاءا) أي: تشاء هي وأبوها، أو يشاء (١) زيد وعمرو في الأصح ولو شاء أحدهما على الفور والآخر على التراخي؛ لأن المشيئة [قد وجدت منهما جميعاً.
(و) إن قال لها: (أنت طالق إن شاء زيد، فشاء) زيد (ولو) في حالة كونه (مميزاً يعقلها) أي: يعقل المشيئة] (٢) ، (أو) في حال كونه (سكران، أو) كانت المشيئة (بإشارة مفهومة ممن خَرَسَ، أو كان) زيد (أخرس) وشاء بإشارة مفهومة: (وقع) الطلاق.
أما الصبي العاقل والسكران؛ فلصحة الطلاق منهما؛ لأنهما إذا صح طلاقهما صح أن يشاآه لغيرهما.
وأما من خرس أو كان أخرس؛ لأن طلاقهما في أنفسهما يقع بالإشارة. فصح طلاق من علقه بمشيئة واحد منهما أو بمشيئتهما.
(لا إن مات) زيد، (أو غاب أو جن قبلها) أي: قبل المشيئة فلا تطلق؛
لأن (٣) شرط الطلاق لم يوجد.
(ولو قال) لزوجته: أنت طالق (إلا أن يشاء) زيد، (فمات) زيد (أو جُنَّ، أو أباها) أي: أبى المشيئة زيد، (وقع) الطلاق (إذاً)؛ لأنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بشرط ولم يوجد.
(وإن خرس) زيد (وفهمت إشارته: فكنطقه). فلو قال: شئت أن لا تطلق لم يقع.
(وإن نَجَّزَ) طلقة بأن قال: أنت طالق طلقة إلا أن تشائي، أو يشاء زيد ثلاثاً، (أو علق طلقة) بأن قال: هي طالق طلقة إن دخلت الدار (إلا أن تشاء
стр. 4310
هي، أو) يشاء (زيد ثلاثاً، أو) قال: هي طالق (ثلاثاً) إلا أن تشاء أو يشاء زيد واحدة، أو قال: هي طالق ثلاثاً إن دخلت الدار (إلا أن تشاء أو يشاء) زيد (واحدة، فشاءت أو شاء) زيد (ثلاثاً في) المسألة (الأولى: وقعت) الثلاث في الأصح؛ (كواحدة) أي: كما يقع طلقة واحدة إن شاءت واحدة أو شاء زيد واحدة (في) المسألة (الثانية.
وإن شاءت) هي (أو شاء) زيد (ثنتين) أي: طلقين في المسألتين؛ (فكما لو لم يشاءا) أي: لا هي ولا زيد؛ لأنه لم يقل: إلا أن تشاء هي أو يشاء زيد ثنتين.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق وعبدى حر إن شاء زيد، ولا نية) لقائل ذلك، تخالف ظاهر لفظه. (فشاءهما) أي: شاء زيد الطلاق والعتق: (وقعا) على الأصح.
(وإلا) أي: وإن لم ينو زيد شيئاً: (لم يقع شيء) يعني: وإن لم يشاءهما
لم يقع واحد منهما؛ لأن المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، وقد وليهما التعليق فيتوقفان عليه، ولا تحصل المشيئة بواحد من العتق أو الطلاق؛ لأن الطلاق والعتق جملة واحدة، فلا تحصل المشيئة بأحد جزئيها دون الأخر. (و) من قال لزوجته (ياطالق) إن شاء الله طلقت. قاله في " الترغيب ". وقال: إنها أولى بالوقوع من قوله: أنت طالق إن شاء الله.
(أو) قال لها: (أنت طالق) إن شاء الله: طلقت.
(أو) قال: (عبدي حر إن شاء الله): عتق.
(أو قدم الاستثناء)؛ كما لو قال: إن شاء الله أنت طالق، أو قال: إن شاء الله عبدي حر: عتق (١)
(أو قال): أنت طالق إلا أن يشاء الله، أو قال: عبدي حر (إلا أن يشاء الله.
أو) قال: أنت طالق إن لم يشأ الله، أو قال: عبدي حر [(إن لم) يشأ الله.
стр. 4311
(أو) قال: أنت طالق ما لم يشأ الله، أو قال عبدي حر] (١) (ما لم يشأ الله: وقعا) أي: الطلاق والعتق على-الأصح، لقصده بقول: إن شاء الله تأكيد الوقوع. وقد نص أحمد على وقوعهما فى رواية الجماعة، وذكر قول قتادة: قد شاء
الله الطلاق حين أذن فيه.
ولأنه تعليق إلى ما لا سبيل إلى علمه. فبطل " كما لو علقه على شيء من المستحيلات.
ولأنه إن شاء حكم في محل. فلم يرتفع بالمشيئة " كالبيع والنكاح، ولتضاد الشرط والجزاء في قوله: أنت طالق، أو عبدي حر إن لم يشأ الله.
(و) من قال لزوجته: (إن قمت) فأنت طالق إن شاء الله، (أو) قال لها: (إن لم تقومي فأنت طالق) إن شاء الله.
(أو) قال سيد لأمته: إن قمت، أو قال: إن لم تقومي فأنت (حرة إن شاء الله.
أو) قال لزوجته: (أنت طالق) إن قمت إن شاء الله، أو أنت طالق إن لم تقومي إن شاء الله، أو أنت طالق لتقومين إن شاء الله، أو أنت طالق لا قصت إن شاء الله.
(أو) قال لأمته: أنت (حرة إن قمت) إن شاء الله، (أو) أنت حرة (إن
لم تقومي) إن شاء الله، (أو) أنت حرة (لتقومين) إن شاء لله، (أو) أنت حرة (لا قمت إن شاء الله).
ففي هذه الصور كلها للأصحاب سبع طرق حررها العلامة ابن رجب ونقلها
عنه في " الإنصاف "، أصحها ما أشير إليه بقوله:
(فإن نوى ردَّ المشيئة إلى الفعل: لم يقع) الطلاق (به) أي: بفعل ما حلف على تركه، أو بترك ما حلف على فعله، لأن الطلاق هاهنا يمين، إذ هو تعليق على ما يمكن فعله وتركه فإذا أضافه إلى مشيئة الله لم (٢) يقع
стр. 4312
عليه طلاق؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه " (١) . رواه الخمسة إلا أبا داود.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث " (٢) . رواه الترمذى وابن ماجه.
وقال: " فله ثُنْيَاه " (٣) .
فإذا نوى رد المشيئة إلى الفعل لم تطلق؛ لأن الفعل بمشئية الله فإذا رد المشيئة إليه لم يحنث.
فمن قال لزوجته: أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله لم تطلق، دخلت أو
لم تدخل؛ لأنها إن دخلت فقد فعلت المحلوف عليه، وإن لم تدخل علمنا أن الله لم يشاءه؛ لأنه لو شاءه لوجد فإن ما شاء الله كان وما لم يشأه لم يكن.
وكذلك إن قال: أنت طالق لا تدخلى الدار إن شاء الله.
(وإلا) أي: وإن لم ينو رد المشيئة إلى الفعل: (وقع) الطلاق على الأصح.
وقال في " شرح المقنع ": وإن لم تعلم نيته فالظاهر رجوعه إلى الدخول، ويحتمل أن يرجع إلى الطلاق. انتهى.
(وإن حلف: لا يفعل) كذا (إن شاء زيد، لم تنعقد يمينه حتى يشاء) زيد
(أن لا يفعله) الحالف.
стр. 4313
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق لرضا زيد، أو) أنت طال لـ (مشيئته) أي: مشيئة زيد، (أو) قال لها: أنت طالق (لقيامك، ونحوه)، كقوله: أنت طالق لسوادك، أو لسمنك، أو لقصرك: (يقع) الطلاق (في الحال)، لأن معناه أنت طالق لكون زيد رضي بطلاقك، أو لكونه شاء طلاقك، أو لكونك قمت، أو لكونك سوداء، أو لكونك سمينة، أو لكونك قصيرة. (بخلاف قوله): أنت طالق (لقدوم زيد) فإنها لا تطلق حتى يقدم زيد، (أو) أنت طالق (لغد) فإنها لا تطلق حتى يأتي الغد.
(ونحوه)؛ كقوله: أنت طالق لحيضك وهي طاهر فإنها لا تطلق حتى تحيض.
(فإن قال فيما ظاهره التعليل)، كقوله: أنت طالق لتكليمك زيداً: (أردت الشرط) أي: أردت إذا كلمته دين، و (قُبل منه حكماً) في الأصح؛ لأن لفظه يحتمله.
ولأن ذلك يستعمل للشرط؛ كقوله: أنت للسُّنة، أو قال: للبدعة.
(و) من قال لزوجته: (إن رضي أبوك فأنت طالق، فأبى) أبوها الطلاق
(ثم رضي) بعد إبائه: (وقع) الطلاق؛ لأن الشرط مطلق فكان متراخياً.
قال في " الفر وع ": ذكره في الفنون، وأن قوماً قالوا: ينقطع بالأول. انتهى.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق إن كنت تُحبين أن يعذبك الله بالنار،
أو) إن كنت (تبغضين الجنة، أو) إن كنت تبغضين (الحياة، ونحوهما)؛ كقوله: أنت طالق إن كنت تبغضين الخبز أو الأطعمة اللذيذة، أو تبغضين العافية (فقالت: أحبُّ) يعني: لشيء علق طلاقها على محبته مما تقدم، (أو) قالت (أُبغضُ) لشيء علق طلاقها على بغضها له مما تقدم: (لم تطلق إن قالت: كذبت، ولو قال): إن كنت تحبينه بقلبك، أو إن كنب تبغضينه (بقلبك)؛ لاستحالته في العادة كقوله: إن كنت تعتقدين أن الجمل يدخل في (١) خرم الإبرة
стр. 4314
فأنت طالق، فقالت: أنا أعتقده فإن عاقلاً لا يجوزه فضلأ عن اعتقاده.
(ولو قال) زوج لزوجته: (إن كان أبوك يرضى بما فعلته فأنت طالق، فقال: ما رضيت، ثم قال: رضيت طلقت)؛ لأنه علقه على رضى مستقبل وقد وجد،
(لا إن قال: إن كان أبوك راضياً به) أي: بما فعلته فأنت طالق؛ لأنه ماضٍٍ
(وتعليق عتق) فيما تقدم (كطلاق.
ويصح) تعليق العتق (بالموت) وهو التدبير. بخلاف تعليق الطلاق.
стр. 4315
(فصل: في مسائل متفرقة)
يعلق فيها الطلاق
(إذا قال) لزوجته: (أنت طالق إذا رأيت الهلال، أو) قال: أنت طالق
(عند رأسه) أي: رأس الهلال: (وقع) الطلاق (إذا رؤي) الهلال (وقد غربت الشمس) في الأصح.
وقيل: تطلق برويتها له قبل الغروب.
(أو تمت العدَّة) بتمام ثلاثين يوماً؛ لأن الروية للهلال في عرف الشرع:
العلم به في أول الشهر، بدليل قوله ﷺ : " إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا " (١) . والمراد به: روية البعض وحصول العلم. فانصرف لفظ الحالف إلى عرف الشرع، كما إذا قال: إذا صليت فأنت طالق فإنه ينصرف إلى الصلاة الشرعية لا إلى الدعاء. وفارق ما إذا علق طلاقها على روية زيد فإن ذلك لم يثبت له عرف شرعي يخالف الحقيقة. ولذلك لو لم يره أحد لكن ثبت الشهر بتمام العدد طلقت؛ لأنه قد علم طلوعه.
(وإن نوى العِيان) بأن قال المعلق: نويت إذا عوين الهلال بأن لم يحصل
دون معاينته غيم أو قتر، (أو) نويت (حقيقة رؤيتها)، دُيَّنَ فيما بينه وبين الله، و (قبل) منه ذلك (حكماً)؛ لأن لفظه يحتمله.
(. وهو هلال) يعني: أنه يسمى هلالاً (إلى) ليلة (ثالثة) من الشهر، (ثم يُقّمِرُ) أي: ثم بعد الثالثة يسمى قمراً في الأصح.
وقيل: يسمى قمراً إذا استدار.
стр. 4316
وقيل: إذا بهر (١) ضوءه. فلو لم ير الهلال حتى أقمر ولا نية له تخالف لفظه: لم تطلق.
(و) من قال لزوجته: (إن رأيت زيدا فأنت طالق، فرأته) مطاوعة (لا مكرهة ولو) كان زيد عند رويتها إياه (ميتا، أو) كان (في ماء، أو) كان في (زجاج شفاف: طلقت)؛ لأنها رأته حقيقة في حال طواعيتها. فوجدت الصفة المعلق عليها طلاقها.
(إلا مع نية أو قرينة) تخص الروية بحالة فلا تطلق برويتها إياه في غير تلك الحالة. (ولا تطلق: إن رأت خياله في ماء، أو) رأت خياله في (مرآة)؛ لأنها لم تره، (أو جالسته) أي: جالست زيداً حال كونها (عمياء) يعني: فإنها لا تطلق في الأصح؛ لأنها لم تره ما لم تكن نيته أن لا تجمع به.
(و) من له زوجتان فأكثر وقال: (من بَّشْرتني، أو) قال من: (أخبرتني بقدوم أخي فهى طالق فأخبره) بذلك (عدد) أي: اثنتان فأكثر من زوجاته (معاً) أي: لم تسبق واحدة غيرها: (طلقن) أي: طلق ذلك العدد الذي أخبره معاً؛ لأن لفظة " من " تقع على الواحد فما زاد.
قال الله : ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]
وقال : ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١].
لأنه قد حصل التبشير أو الخبر بالعدد معا. فطلق؛ لوجود الصفة به.
(وإلا) أي: وإن لم يبشره أو " يخبره إلا واحدة بعد واحدة: (فسابقة) يعني: فإنه تطلق السابقة وحدها.
ومحل ذلك: إن (صُدِّقت)؛ لأن التبشير حصل بإخبار السابقة.
(وإلا) أي: وإن لم تصدق الأولى: (فـ) تطلق (أول صادقة)؛ لأن السرور أو الغم إنما حصل بخبرها.
стр. 4317
(ومن حلف عن شيء) لايفعله (ثم فعله)، حال كونه (مكرهاً) لم يحنث. نص عليه. واختاره الأكثر؛ لعدم إضافة الفعل إليه. بخلاف ما لو فعله ناسياً على ما يأتي.
(أو) فعله حال كونه (مجنوناً، أو) حال كونه (مغمى عليه، أو) حال "
كونه (نائماً: لم يحنث)؛ لكونه مغطى على عقله في هذه الأحوال.
(و) من فعل ما حلف لا يفعله، حال كونه (ناسياً) لحلفه، (أو) كونه
، (جاهلاً) وجود الحنث بفعله، أو جاهلاً أنه الفعل المحلوف عليه؛ كمن حلف لا يدخل دار زيد ثم دخل دار زيد جاهلاً أنها دار زيد، (أو عقدها) أي: عقد اليمين (يظُن صدْقَ نفسه) فيما حلف عليه، (فبان بخلاف): فإنه (يحنث في)
ما إذا كان حلفه بـ (طلاق وعتق فقط)؛ لأن كلا من الطلاق والعتاق معلق بشرط فيقع بوجود شرطه من غير قصد، وكذا إذا بان. بخلاف ظنه؛ لتبين كذبه.
ولأن هذا تعلق به حق آدمي. فتعلق به؛ كالإتلاف.
وقوله: فقط أخرج به اليمين المكفرة؛ لأن حلفه على ما يظنه وفعل ما حلف
على تركه لم يقصد به المخالفة. فلم يحنث به؛ كما لو فعله نائماً أو مجنوناً.
ولأنه أحد طرفي اليمين. فاعتبر فيه القصد؛ كحالة الابتداء باليمين.
وهذا التفصيل هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة.
وعنه: يحنث في الجميع.
وعنه: لا يحنث في الجميع.
(و) من حلف على شيء (ليفعلنه، فتركه مكرهاً) على تركه: لم يحنث
في الأصح؛ لعدم إضافة الترك إليه، (أو) تركه (ناسياً: لم يحنث) على ما قطع به في " التنقيح ".
وعبارة " الفروع " في هذه المسألة: وإن حلف ليفعلنه فتركه مكرهاً لم
يحنث كالتي قبلها على كلام القاضى وابن عقيل وجماعة. وكذا ناسياً على كلام جماعة. وكلام جماعة: يقتضي حنثهما. انتهى.
стр. 4318
قال في " تصحيح الفروع " بعد ذكر عبارته، أحدهما: لا يحنث فيهما،
وهو الصواب خصوصاً المكره.
والقول الآخر: يحنث وهو قوي في الناسي. انتهى.
فلم ينسب لأحد تصحيحاً في شيء من ذلك، إلا أنه لما قطع بذلك في
" التنقيح " تبعته عليه، لقوله في خطبته: أن ما وضعه في " التنقيح " عن تحرير. (ومن يمتنع بيمينه) أي: يمين الحالف، كزوجته وولده وغلامه ونحوهم، (وقصد) بيمينه (منعه كهو) أي: كالحالف. فمن حلف على زوجته أو نحوها لا تدخل داراً فدخلتها ناسية أو جاهلة يمينه كان فيها التفصيل السابق في الحالف إذا فعل ما حلف على تركه ناسياً أو جاهلاً بين كون اليمين بطلاق وعتاق (١) أو غيرهما.
(و) من حلف: (لا يدخل على فلان بيتاً، أو) حلف (لا يكلمه، أو) حلف لا (يسلُم عليه) أي: على فلان، (أو) حلف لا (يُفارقه حتى يقضيه) حقه، (فدخل بيتاً هو) أي: فلان (فيه) ولم يعلم، (أو سلَّم عليه أو على قوم) هو أي: فلان (فيهم ولم يعلم به، أو قضاه) فلان (حقَّه ففارقه فخرج رديئاً، أو أحاله) فلان (به) أي: بحقه (ففارقه ظناً منه أنه بَرّ: حنث) الحالف بما ذكر، لأنه فعل ما حلف عليه قاصداً لفعله. فحنث، كما لو تعمد ذلك على الأصح.
(إلا في السلام) أي: إلا إذا سلم على قوم هو فيهم ولم يعلم.
(و) إلا في مسألة (الكلام) يعني: إذا حلف لا يكلم فلاناً فسلم على قوم هو فيهم
ولم يعلم فإنه لا يحنث على الأصح؛ لأنه لم يقصد سلامه أو كلامه عين المحلوف عليه وإنما دخل فيهم من حيث لم يعلم الحالف به فهو بمنزلة المستثنى منهم.
(وإن علم به) أي: علم الحالف بالمحلوف عليه (في سلام) أو كلام أنه فيهم، (ولم ينوه) بالسلام أو الكلام، (ولم يستثنه بقلبه: حنث) على
стр. 4319
الأصح؛ لأنه سلم عليه وهو منهم ولم يستثنه. فصار؛ كما لو سلم عليه منفرداً أو كلمه منفرداً.
(و) من حلف: (ليفعلن شيئاً، لم يبرَّ حتى يفعل جميعه). فمن حلف
لياً كلن هذا الرغيف لم يبر حتى يأكله كله. ومن حلف ليدخلن هذه الدار لم يبر حتى يدخلها بجملته؛ لأن اليمين تناولت فعل الجميع. فلم يبر إلا بفعله؛ كما لو أمره الله بشيء لم يخرج من عهدة الأمر إلا بفعل جميعه؛ لأن اليمين على فعل شيء إخبار بفعله في المستقبل مؤكد بالقسم، والخبر بفعل شيء يقتضي فعله كله.
(و) من حلف على شيء (لا يفعله، أو) حلف على (من يمتنع بيمينه؛ كزوجة وقرابة) لا يفعل شيئاً، (وقصد منعه) من فعله، (ولا نية) تخالف ظاهر ذلك، (ولا سبب، ولا قرينة) يقتضى فعل جميعه (ففعل) المحلوف عليه (بعضه) أي: بعض ما حلف عليه أن لا يفعله: (لم يحنث) على الأصح. نص عليه فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أختها لم تطلق حتى تدخل كلها. ألا ترى أن عوف بن مالك قال: " كلى أو بعضي " (١) ؛ لأن الكل لا يكون بعضاً والبعض لا يكون كلاً.
و" لأن النبي كان يخرج رأسه وهو معتكف إلى عائشة فترجله وهي حائض " (٢) . والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد [والحائض ممنوعة من اللبث فيه] (٣) .
(فـ) يتفرع على ذلك: (من حلف على) إنسان (ممِسك مأكولاً:
لا أكَلَه، ولا ألقاه، ولا أمسكَه، فأكل بعضاً ورمى الباقي) لم يحنث؛ لأنه لم يأكله كله، ولم يلقه كله، ولم يمسكه كله.
(أو) حلف: (لا يدخل داراً، فأدخلها بعض جسده، أو دخل طاقَ بابها)
لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها بجملته.
стр. 4320
(أو) حلف على امرأة: (لا يلبس ثوباً من غزلها، فلبس ثوباً فيه منه) أي: في الثوب شيء من غزلها لم يحنث؛ لأنه لم يلبس ثوباً كله من غزلها.
(أو) حلف: (لا يشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه) لم يحنث. فإن
من شرب بعض ماء الإناء لا يقال: شرب مائه، وإنما يقال: شرب بعض مائه. (أو) حلف: (لا يبيع عبدَه ولا يهبُه، فباع أو وهب بعضه) أو باع بعضه ووهب بعضه لم يحنث، لأنه لم يبعه كله ولم يهبه كله.
ويلحق (١) بذلك في عدم الحنث ما أشير إليه بقوله:
(أو لا يستحق علىَّ فلان شيئاً) يعني: أن من ادعى عليه بشيء فأجاب بعدم الاستحقاق وحلف: أنه لا يستحق عليه المدعي شيئاً مما ادعاه، (فقامت بينة بسبب الحق: من قرض أو نحوه) على المدعى عليه (دون أن يقولا) أي: الشاهدين: (وهو) أي: والدين باقٍ (عليه: لم يحنث) المدعى عليه؛ لإمكان صدقه بدفع ذلك، أو براءته منه، لكنه يحكم عليه بما شهدا به؛ لأن الأصل بقاؤه.
(و) من حلف: (لا يشرب ماء هذا النهر، فشرب منه) حنث وجهاً واحداً، لأن شرب جميعه ممتنع فلا ينصرف يمينه إليه. وكذلك إذا حلف لا يأكل الخبز، أو لا يشرب الماء، وما أشبهه مما علق على اسم جنس، أو علق على اسم جمع؛ كالمسلمين والمساكين والمقاتلين فإنه يحنث بالبعض.
وكذا من حلف: لا يشرب من الفرات فشرب من نهر يأخذ من ماء الفرات
فإنه يحنث في الأصح.
(أو) حلف على امرأة: (لا يلبس من غَزْلها، فلبس ثوباً فيه منه) أي:
من غزلها: (حنث)؛ لأنه لبس من غزلها. بخلاف ما لو قال: ثوباً من غزلها. وتقدم: أنه لا يحنث.
стр. 4321
(و) من قال لزوجته: (إن لبستُ ثوباً أو لم يقل: ثوباً) بأن قال: إن لبست (فأنت طالق، ونوى) بيمينه ثوباً (معيّناً: قُبِل) منه ذلك (حُكماً) أي: في الحكم؛ لأن لفظه يحتمله، ولإمكان صدقه، (سواء) كان يمينه (بطلاق أم غيره.
و) من حلف: (لا يلبس ثوباً أو لا يأكل طعاماً، اشتراه) أي: اشترى الثوب زيد، (أو نسجه أو طبخه) أي: طبخ الطعام (زيد، فلبس) الحالف (ثوباً نسجه هو) أي: زيد (وغيره، أو) لبس ثوباً أو أكل طعاماً (اشترياه) أي: اشتراه زيد هو وغيره، (أو) اشتراه (زيد لغيره، أو أكل من طعام طبَخاه: حنث) على الأصح، كما لو حلف: أن لا يلبس من غزل فلانة فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها.
(وإن (١) اشترى غيره) أي: غير زيد (شيئاً) انفرد بشرائه، (فخلطه) زيد (بما اشتراه فأكل) الحالف منه (أكثر مما اشترى شريكه) أي: شريك زيد في الشراء: (حنث) وجهاً واحداً، لأنه أكل مما اشتراه زيد يقيناً.
(وإلا: فلا) أي: وإن لم يأكل أكثر مما اشتراه شريك زيد لم يحنث.
وعلم مما تقدم أنه إذا أكل قدر ما اشترى شريك زيد: أنه لا يحنث في الأصح، لأن الأصل عدم الحنث ولم يتيقن.
(و) من حلف: (لا بِِتُّ عند زيد، حنث بـ) مبيته عنده (أكثر الليل)،
لأن ذلك يسمى مبيتاً.
(لا إن حلف: لا أقمت عنده) أي: عند زيد (كلَّ الليل، أو نواه) أى:
نوى بقوله: لا بِِتُّ عنده إرادة جميع الليل، (فأقام) عنده (بعضه) أي: بعض الليل ولو كان البعض أكثره.
(ولا إن حلف: لا بات) ببلد، (أو) لا (أكل ببلد، فبات أو أكل خارج بنيانه) أي: بنيان البلد فإنه لا يحنث. والله أعلم.
стр. 4322
[باب: التأويل في الحلف]
هذا (باب) يذكر فيه (التأويل في الحلف.
وهو) أي: والتأويل في الحلف: (أن يريد) الحلف (بلفظٍ) أي: باللفظ الصادر منه (ما) أي: معنى (يخالف ظاهره) أي: ظاهر لفظه.
(ولا ينفع) التأويل في الحلف (ظالماً) بحلفه؛ (لقول رسول الله ﷺ :
" يمينكَ على ما يُصدِّقُكَ به صاحبُك) " (١) . رواه مسلم وأبو داود.
فالظالم كالذى يستحلفه الحاكم على حقَّ عنده، فهذا تنصرف يمينه إلى ظاهر الذي عناه المستحلف.
ولا ينفع الحالف تأويله؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
" اليمينُ على نية المستحْلِف " (٢) . رواه مسلم.
ولأنه لو ساغ التأويل للظالم لبطل المعنى المبتغى باليمين، إذ المقصود منها تخويف الحالف؛ ليرتدع عن الجحود خوفاً من عاقبة اليمين الكاذبة، فمتى ساغ التأويل له انتفى ذلك، وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق.
стр. 4323
(ويباح) التأويل (لغيره) أي: لغير الظالم يحلفه، سواء كان مظلوماً أو
كان لا ظالماً ولا مظلوماً في ظاهر كلام أحمد. فإنه روي أن مهنا والمروذي كانا عند الإمام أحمد هما وجماعة معهما، فجاء رجل يطلب المروذي ولم يرد المروذي أن يكلمه فوضع مهنا إصبعه في كفه، [وقال: ليس المروذي هاهنا وما يصنع المروذي هاهنا. يريد ليس المروذي في كفه] (١) . فلم ينكر أحمد ذلك.
وروي أن مهنا قال لأحمد: إني أريد الخروج يعني: السفر إلى بلده وأحب
أن تسمعني الجزء الفلاني. فأسمعه إياه. ثم رآه بعد ذلك. فقال: ألم تقل أنك تريد الخروج؟ فقال له مهنا. قلت: إني أريد الخروج الآن. فلم ينكر ذلك عليه أحمد.
وروى أنس: " أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! احملني. فقال: إنا حاملوك على ولد الناقة. فقال: وما أصنع بولد الناقة؟ قال رسول الله ﷺ : وهل تلد الإبل إلا النوق؟ (٢) . رواه أبو داود.
و" قال لامرأة وقد ذكرت له زوجها: أهو الذي في عينيه بياض؟ فقالت:
يا رسول الله لِلَّهِ إنه لصحيح العين " (٣) . وأراد النبى ﷺ البياض حول الحدقة. وقد " كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً " (٤) .
ويروى عن سفيان: أن رجلاً خطب امرأة وتحته أخرى، فقالوا:
لا نزوجك حتى تطلق امرأتك. فقال: اشهدوا أنى قد طلقت ثلاثاً. فزوجوه فأقام على امرأته. فقالوا: قد طلقت ثلاثاً. قال: ألم تعلموا أنه كان لي ثلاث
стр. 4324
نسوة فطلقتهن؟ قالوا (١) : بلى. قال: قد طلقت ثلاثاً. قالوا: ما هذا أردنا فذكر ذلك شقيق لعثمان فجعلها نيته.
ويروى عن الشعبي: أنه كان في مجلس فنظر إليه رجل ظن أنه يطلب منه التعريف به والثناء عليه، فقال الشعبي: إن له بيتاً وشرفاً. فقيل للشعبي بعد ما ذهب الرجل: أتعرفه؛ قال: لا. ولكنه نظر إليَّ. قيل: فكيف أثنيت عليه؟ قال: شرفه إناؤه وبيته الذي يسكنه.
إذا تقرر هذا (فلو حلف آكل مع غيره تمراً أو نحوه) مما له نوى، كمشمش وخوخ على غيره: (لتميَّزن نوى ما أكلت، أو) حلف (لتخبرنَّ بعدده) أي: عدد نوى كل ما أكلت (فأفرد) المحلوف عليه (كلَّ نواة) وحدها فيما إذا حلف: ليميزن نوى ما أكلت، (أو عدَّ) المحلوف عليه: لتخبرن بعدد نوى ما أكلت (من واحد إلى عددٍ يتحقق دخول) نوى (ما أكل فيه) أي: فيما عده بَرَّ.
(أو) حلف إنسان (ليطبخنَّ قدراً برطل ملح، ويأكل منه) أي: مما طبخه برطل ملح (فلا يجد طعم الملح، فصَلَق به بيضاً وأكله) برَّ.
(أو) حلف إنسان: أنه (لا يأكل بيضاً ولا تفاحاً، وليأكلن مما في هذا الوعاء فوجده بيضاً وتفاحاً، فعمل من البيض ناطفاً ومن التفاح شراباً، وأكله) بر؛ لأن ذلك ليس بيضاً ولا تفاحاً.
(أو) حلف (مَن على سُلَّم: لا نزلتُ إليك، ولا صعدتُ إلى هذه، ولا أقمتُ مكاني ساعة فنزلت العليا، وصعدت السفلى وطلع، أو نزل): لم يحنث.
(أو) حلف مَن على سُلَّم: (لا أقمتُ عليه، ولا نزلتُ منه، ولا صعدتُ فيه، فأنتقل إلى سُلَّمٍ آخر: لم يحنث في الكل)؛ لأن الصفة المعلق عليها اليمين لم توجد.
(إلا مع حيلة أو قصد). فمن حلف: لتخبرنى بعدد نوى ما أكلت وقصده
стр. 4325
الإخبار بكميته من غير نقص ولا زيادة لم يبر (١) إلا بذلك، فلا يبر بالحيلة بأن يعد المحلوف عليه من واحد إلى عدد يتحقق دخول ما أكل فيه؛ لأن ذلك حيلة على عدم الحنث فلا يبر به؛ لأن ظاهر حال الحالف إرادته.
(أو) مع (سبب) يقتضي إرداة معرفة الكمية من غير نقص ولا زيادة فتنصرف اليمين إليه؛ لأنه العرف.
(و) من حلف: (ليقعُدنَّ على بارِيَّةِ بيته، ولا يُدخِلُه باريةً، فأدخله) أي: أدخل بيته (قصباً ونسج) القصب (فيه، أو نسج قصباً كان فيه) أي: في البيت فجعله بارية وقعد عليها أولاً: (حنث)؛ لحصول البارية في بيته.
(و) من حلف وهو في ماء: (لا أقمتُ في هذا الماء، ولا خرجتُ منه وهو) أي: والماء (جار: لم يحنث)، سواء أقام أو خرج؛ لأنه إنما يقف في غيره أو يخرج منه.
(إلا بقصد) أي. إلا أن يقصد أن لا يخرج من الماء مطلقاً، (أو) إلا
بـ (سبب) يقتضي عدم إرادة عين ذلك الماء.
(وإن كان) الماء (راكداً: حنث ولو حُمل منه مكرهاً)؛ لأنه يمكنه الامتناع. فلم يكن مكرهاً حقيقة.
ويجوز التعريض في المخاطبة لغير ظالم ولو بلا حاجة في الأصح.
ومنه لحاجة ما أشير إليه بقوله:
(وإن استحلفه ظالم: ما لفلان عندك وديعة، وهي) أي: ووديعة فلان (عنده، فعنَى بـ " ما ": الذي) فيصير الكلام معناه الذي لفلان عندي وديعة، (أو نوى غيرها) أي: نوى غير الوديعة المطلوبة منه، (أو) نوى مكاناً (غير مكانها، أو استثناها بقلبه) بأن نوى: أنه ليس لفلان عنده وديعة إلا التي عنده: (فلا حنث) في جميع هذه الصور؛ لأنه صادق.
(وكذا لو استحلفه) ظالم (بطلاق أو عتاق: أن يفعل ما) أي: شيئاً
стр. 4326
(يجوز) له (فعله، أو) استحلفه ظالم إن (يفعل ما) أي: شيئاً (لا يجوز) له فعله، (أو أنه لم يفعل كذا) في الماضي (لشيء لا يلزمه الإقرار به، فحلف، ونوى بقوله): أن زوجته (طالق: من عمل) تعمله أي عمل كان؛ كالخياطة والغزل والتطريز، لا أنه طالق من عصمته، (و) نوى (بقوله: ثلاثاً) أي: طالق من عملها: (ثلاثة أيام، ونحوه)؛ كما لو نوى بقوله: طالق من رباط فإنه لا حنث عليه فيما بينه وبين الله رواية واحدة.
(وكذا إن قال) له ظالم: (قل زوجتي) طالق إن فعلت كذا، (أو) قال له الظالم قل: (كلُّ زوجة لي طالق إن فعلت كذا، ونوى زوجته العمياء أو اليهودية أو الحبشية، ونحوه)؛ كالرومية ولم تكن له زوجة متصفة بهذه الأوصاف، (أو نوى) بقوله: (كل زوجة) يعني: (تزَّوجها بالصين، ونحوه) من الأقاليم البعيدة، (و) الحال: أن الحالف (لا زوجة) له بذلك المكان الذي نواه، (ولم يتزوج بما نواه) من الأمكنة لم يحنث.
(وكذا لو نوى) من استحلفه ظالم أنه لم يفعل كذا بقوله: (إن كنت فعلتُ
كذا بالصين، أو نحوه: من الأماكن التي لم يفعله فيها) فزوجته طالق: لم يحنث. (وكذا) لو قال له ظالم (قُل: نسائي طوالق إن كنتُ فعلت كذا، ونوى) بنسائه: (بناته، أو نحوهن)؛ كأخواته لم يحنث.
(ولو قال) له ظالم: (كلُّ ما أحلُفك به فقل: نعم، أو) قال له الظالم: (اليمين التي أحلفك بها لازمة لك، قل: نعم، فقال: نعم، ونوى بهيمة الأنعام): لم يحنث.
(وكذا) لو قال له الظالم (قُل: اليمين التي تحلِّفني بها) لازمة لي، (أو)
قال له الظالم قُل: (أيمان البيعة لازمة لي) يعني: إن كنت فعلت كذا وقد فعله، (فقال ونوى يده، أو) نوى (الأيدي التي تبسط عند البيعة) لم يحنث. (وكذا) لو قال له الظالم (قُل: اليمين يميني، والنية نيتك، ونوى بيمينه: يده، وبالنية) في قوله: والنية نيتك: (البضعة من اللحم): لم يحنث.
(وكذا) لو قال له الظالم (قُل: إن) كنت (فعلتُ كذا فزوجتي عليَّ كظهر
стр. 4327
أمي، ونوى بالظهر: ما يركب من خيل ونحوها)؛ كالجمال والحمير: لم يحنث. (وكذا لو) قال له الظالم قل: إن كنت فعلت كذا فأنا مظاهر من زوجتى،
و (نوى بمُظاهر: انظر أيُّنا أشدُ ظهراً): لم يحنث.
(وكذا) لو قال له الظالم (قل): إن لم أكن فعلت كذا، (وإلا فكل مملوك لي حر) وكان فعل ذلك الشيء، (ونوى بالمملوك: الدقيق الملتوت بالزيت أو السمن): لم يحنث.
(وكذا لو نوى بالحر: الفعلَ الجميل، أو الرمل الذي ما وُطى) فإنه لا يحنث.
(و) كذا لو قال له الظالم قل: إن كنت فعلت كذا فجاريتي حرة، أو فجواري حرائر، أو فمماليكي أحرار، فقال ذلك، ونوى (بالجارية: السفينة أو الريح، و) نوى (بالحرة: السحابة الكثيرة المطر، أو (١) الكريمة من النوق، و) نوى (بالأحرار: البَقْل، و) نو ى (بالحرائر: الأيام) فإنه لا يحنث.
(ومن حلف) بالله أو بطلاق أو غيرهما: (ما فلان هنا، وعين موضعاً ليس فيه) فلان: (لم يحنث)؛ لأنه صادق.
(و) من حلف (على زوجته: لا سرقت مني شيئاً، فخانته في وديعة: لم يحنث)؛ لأن الخيانة ليست بسرقة.
(إلا بنية) بأن ينوي بسرقتها خيانتها، (أو) بـ (سبب) وهو: أن تكون خيانتها هي المهيجة ليمينه.
***
стр. 4328
[باب: الشك في الطلاق]
هذا (باب) يذكر فيه (الشك في الطلاق).
الشك هو: التردد بين شيئين لا يترجح أحدهما على الآخر.
(وهو هنا: مطلق التردد) يعني: والمقصود به هاهنا التردد بين وجود المشكوك فيه من لفظ الطلاق أو عدده أو شرطه، وعدمه. والبقاء على الأصل واجب إلى أن يثبت المزيل.
والأصل في هذا حديث عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ : " أنه سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " (١) . متفق عليه.
فأمره بالبناء على اليقين واطراح الشك فلهذا قلت:
(ولا يلزم) الطلاق (بشكٍ فيه، أو) بشك (فيما عُلِّق عليه) الطلاق، (ولو) كان المعلق عليه الطلاق (عَدَمِيّاً)؛ بأن قال: إن لم أدخل الدار يوم كذا فزوجتي طالق، ومضى اليوم وشك هل دخل الدار فيه أوْ لا، لأنه شك طرأ على يقين. فوجب اطراحه؛ كما لو شك المطهر في الحدث.
قال الموفق: والورع: التزام الطلاق.
وقال الخرقي: إذا طلق فلم يدر أواحدة طلق أم ثلاثاً اعتزلها. وعليه نفقتها
ما دامت في العدة. فإن راجعها في العدة استمر عليه وجوب نفقتها، ولم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق.
стр. 4329
والأول المذهب.
قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل لفظ بطلاق امرأته لا يدري واحدة أم ثلاثاً: أما الواحدة فقد وجبت عليه وهي عنده حتى يستيقن.
ووجه ذلك: أن ما زاد على القدر الذي تيقنه طلاق مشكوك فيه. فلم يلزمه؛ كما لو شك في أصل الطلاق. فتبقى أحكامه أحكام المطلق دون الثلاث من إباحة الرجعة.
قال في " شرح المقنع ": وظاهر قول سائر أصحابنا: إنه إذا راجعها حلت له. وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور؛ لأن التحريم المتعلق بما يتقنه يزول بالرجعة يقينا فإن التحريم أنواع: تحريم تزيله الرجعة، وتحريم يزيله نكاح جديد، وتحريم يزيله نكاح بعد زوج وإصابة.
ومن تيقن الأدنى لا يثبت فيه حكم الأعلى؛ كمن تيقن الحدث الأصغر
لا يثبت فيه حكم (١) الأكبر ويزول تحريم الصلاة بالطهارة الصغرى. انتهى.
(وسن ترك وطء قبل رجعة) على الأصح.
(وتمام التورع: قطع شكٌ بها) أي: " بالرجعة، (أو بعقدٍ) جديد (أمكن) يعني: إن لم تكن قد بقيت في طلاقها على واحدة؛ لأنه على تقدير الوقوع لا تحل له بدونهما. فكان الأولى فعلهما؛ ليتيقن الحِل بذلك.
(وإلا) أي: وإن لم يكن ذلك: (فـ) يرفع الشك (بفرقة متيقنة)، وذلك (بأن يقول: إن لم تكن طلقت فهى طالق)؛ لأنه إذا استحب له ترك وطئها ولم يمكنه استباحته بالرجعة أو تجديد العقد كان الأولي الفرقة؛ لئلا تبقى معلقة ممنوعاً من وطئها بالتحرج منه.
ومتى فارقها على ذلك لم تحل لغيره فالأولى إيقاع الطلاق عليها بيقين وهو إيقاعه على تقدير: أن لا يكون وقع قبل ذلك.
стр. 4330
(ويمنع حالف: لا يأكل تمرة، ونحوها)؛ كزبيبة ولوزة وفستقة (اشتبهت بغيرها من أكل واحدة) مما اشتبهت به؛ لاحتمال أن تكون المحلوف عليها، هذا (وإن لم نمنعه) أي: نمنع الحالف (بذلك) أي: بأكله واحدة مما اشتبهت المحلوف عليها به (من الوطء) أي: وطء زوجته التي حلف بالطلاق منها؛ لأن الباقي بعد المأكولة يحتمل أن المحلوف عليها فيه ويقين النكاح ثابت فلا يزول بالشك.
وقال الخرقي: يمنع من وطئها؛ لأنه شاكٌ في حلها. فحرمت عليه؛ كما
لو اشتبهت امرأة بأجنبيةٍ. ووافق على بقاء أحكام النكاح من لزوم النفقة والكسوة والمسكن، وإن كانت يمينه ليأكلن هذه التمرة مثلاً فلا يتحقق بره حتى يعلم أنه أكلها، أو يأكل الثمر (١) التي اختلطت به كله (٢) .
(ومن شك في عدده: بنى على اليقين).
وقال الخرقي: إذا طلق فلم يدر أواحده طلق أم ثلاثاً: لم يحل له وطئها حتى يتيقن.
(فـ) يتفرع على ذلك أن من قال لزوجته: (أنت طالق بعدد ما طلق زيد زوجته، وجُهل) بأن لم يعلم عدد ما طلق فلان زوجته: (فطلقة) أي: فإنه يقع عليه طلقة واحدة؛ لأنها المتيقنة.
(و) من قال (لامرأتيه: إحداكما طالق وثَمَّ مئويَّة) أي: وهناك من نواها منهما بالطلاق: (طلقت) المنوية وحدها؛ لأنه عيّنها بنيته. فأشبه ما لو عينها بلفظه. فلو ادعته إحداهما وقال: إنما عينت ضرتك قبل منه؛ لأن ما قاله محتمل، ولا يعرف إلا من جهته.
(وإلا) أي: وإن لم ينو واحدة بعينها: (أُخرجت) المطلقة (بقرعة).
стр. 4331
نص عليه في رواية الجماعة، (كمُعيَّنَةٍ مَنْسِيَّة) يعني: كما لو عينها ثم أنسيها فإنها تخرج بقرعة.
(وكقوله) أي: وكما لو قال زوج حفصة وعمرة (عن طائر: إن كان غُرابّا فحفصة طالق، وإلا) أي: وإن لم يكن غرابّا (فعمرة) طالق، ثم ذهب الطائر (وجُهل) هل كان غرابّا أوْ لا؟ فإنه يقرع بينهما على الأصح. فتطلق من أخرجتها القرعة، لأنه لا سبيل إلى معرفة المطلقة منهما عينا فهما سواء. والقرعة طريق شرعي لإخراج المجهول. فشرعت القرعة، كما في المبهمة.
(وإن مات) قبل أن يقرع (أقرَعَ ورثته)، لقيامها مقامه، (ولا يطأ) أي: ويحرم وطؤه (قبلها) قبل القرعة إن كان الطلاق بائناً، (وتجب النفقة) أي: نفقة الزوجتين إلى حين القرعة، لأن كل واحدة منهما محبوسة لحقه في حكم الزوجية. فوجبت نفقتهما، كسائر الزوجات.
(ومتى ظهر) أن المطلقه غير المخرجة بأن ذكر من طلق واحدة وأنسيها (أن المطلقة غير المخرّجة) بالقرعة، (رُدّت) إلى الزوج، لأنها زوجته.
ولأنه لم يقع عليه الطلإق بصريح ولا كناية.
ولأن القرعة لا حكم لها مع الذكر فإذا علم المطلقة عيناً رجع إلى قوله في ذلك، لأنه لا يعرف إلا منه.
ولأنه إنما منع منها بالاشتباه. فإذا زال عنها ردت إليه، كما لو عُلمت المذكاة المشتبهة بالميتة فإنه يحل له أكلها. كذلك هذا.
ومحل ذلك: (ما لم تتزّوج) المخرجة بالقرعة؛ لتعلق حق غيره بها. فلا
يقبل قوله في إبطاله، كما في سائر الحقوق، (أو يحكم بالقرعة). نص عليه في رواية الميمونى، فقال: إن كان الحاكم أقرع بينهن قلا أحب أن ترجع إليه " لأن الحاكم في ذلك أكبر منه. وذلك، لأن الفرقة من جهة الحاكم بالقرعة لا يمكن الزوج دفعها فتقع الفرقة بينهما بالقرعة.
(و) من قال (لزوجتيه أو أمتيه: إحداكما طالق) غداً، (أو) قال:
стр. 4332
(حرة غداً، فماتت إحداهما) أي: إحدى الزوجتين، (أو زال ملكه عنها) أي: عن أحد الأمتين (قبله) أي: قبل الغد: (وقع) الطلاق أو العتق (بالباقية)؛ لأن الميتة من الزوجتين أو من الأمتين وقت الوقوع ليست محلاً للطلاق ولا للعتق. وكذا إذا زال ملكه عن إحدى الأمتين؛. أشبه ما لو قال لزوجته وأجنبية: [إحداكما طالق، أو قال لأمته وأجنبية] (١) : إحداكما حرة. وهذا الأصح.
وقيل: يقرع بين الميتة والباقية.
(ومن زوَّج بنتاً من بناته، ثم مات وجُهلت) المزوجة: (حرُم الكل)؛
لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المزوجة.
(ومن) له زوجتان حفصة وعمرة و (قال عن طائر: إن كان غُرابّا فحفصة طالق، وإن كان حماما فعمرة) طالق، ومضى (وجُهل) حاله: (لم تطلُق واحدة منهما) أي: من حفصة وعمرة؛ لاحتمال كون الطائر ليس غُرابّا ولا حماماً.
ولأنه متيقن الحال وشاك في الحنث. فلا يزول عن يقين النكاح بالشك.
(وإن قال) من له زوجة أو أمة عن طائر: (إن كان غُرابّا فزوجتي طالق ثلاثاً، أو) قال: فـ (أمتي حرة. وقال آخر: إن لم يكن غُرابّا مثله) يعني: إن لم يكن غُرابّا فزوجته طالق أو فأمته حرة، (ولم يعلما) كون الطائر غرابّا أو ليس بغراب: (لم يطلُقا) زوجاتهما، (ولم يعتقا) أمتاهما؛ لأن الحانث منهما ليس معلوماً ولا يحكم به في حق واحد منهما بعينه، بل تبقى في حقه أحكام النكاح من النفقة والكسوة والسكنى؛ لأن كل واحد منهما يقين نكاحه باق ووقوع طلاقه مشكوك فيه.
(وحرُم عليهما الوطء)؛ لأن أحدهما حانث بيقين وامرأته محرمة عليه وقد أشكل. فحرم الوطء عليهما جميعاً؛ كما لو حنث في إحدى امرأتيه لا بعينها. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
стр. 4333
(إلا مع اعتقاد أحدهما خطأ الآخر) فإن المعتقد خطأ رفيقه لا يحرم عليه وطء زوجته أو أمته، ولا يحنث فيما بينه وبين الله ؛ لأنه ممكن صدقه. وإن أقر كل واحد منهما: أنه الحانث طلقت زوجتاهما أو عتقت أمتاهما بإقرارهما على أنفسهما.
وإن أقر أحدهما حنث وحده فإن ادعت امرأة أحدهما عليه الحنث فأنكر، فالقول قوله.
(أو يشتري أحدهما أمة الآخر: فيُقرع بينهما) أي: بين الأمتين (حينئذ)، فمن خرجت لها القرعة: عتقت.
(وإن كانت) الأمة (مشتركة بين موسرين، وقال كل منهما) أي: من الشريكين بأن قال أحدهما: إن كان غرابّا (فنصيبي حر)، وقال الآخر: إن لم يكن غرابّا فنصيبي حر (عَتَقَتْ) كلها (على أحدهما، ويميز) من عتقت عليه (بقرعة) والولاء له.
(و) من قال (لامرأته وأجنبية: إحداكما طالق) طلقت امرأته، أو قال لجماعة- ولو كانت لها بنت غير زوجته-: ابنتك طالق، (أو قال: سَلْمَى طالق واسمها) أى: اسم امرأته سلمى واسم الأجنبية سلمى: (طلقت امرأته) " لأنه لا يملك طلاق غيرها.
ولأنه إزالة ملك. أشبه ما لو باع ماله ومال غيره بغير إذنه فإنه يصح في ماله دون مال غيره.
(فإن قال: أودت الأجنبية دُيَّنَ) فيما بينه وبين الله ؛ لاحتمال صدقه.
ولأن لفظه يحتمله.
(ولم يُقبل) منه ذلك (حكماً) أي: في الحكم.
قال أحمد في رجل تزوج امرأة فقال لحماته: ابنتك طالق، وقال: أردت ابنتك الأخرى التي ليست بزوجتي فلا يقبل منه، وذلك لكون الزوجة محلاًً للطلاق. بخلاف غيرها.
стр. 4334
ويستثنى من ذلك صور أشير إليها (١) بقوله:
(إلا بقرينة) دالة على إرادته الأجنبية، مثل: أن يدفع بذلك ظالماً أو يتخلص بذلك من مكروه. فإنه يقبل منه ذلك في الحكم؛ لوجود الدليل الصارف إلى الأجنبية. وإن لم ينو زوجته ولا الأجنبية: طلقت زوجته؛ لأنها محل الطلاق. بخلاف الأجنبية.
(وإن نادى) من له زوجتان هند وعمرة (من امرأتيه هنداً) فقط (فأجابته) زوجته (عمرة، أو لم تجبه) عمرة (وهي الحاضرة) عنده دون هند (فقال: أنت طالق، يظنها المناداة) التي هي هند: (طلقت) هند فقط (دون عمرة) على الأصح؛ لأن المناداة هي المقصودة بالطلاق. فوقع بها؛ كما لو أجابته، وإنما لم تطلق عمرة على الأصح؛ لأنه لم يقصدها.
(وإن عَلِمَها) أي: علم كون المجيبة (غير المناداة: طلقتا) أي: طلقت المناداة؛ لأنها المقصودة بالطلاق، وطلقت المجيبة أيضاً؛ لأنه واجهها بالطلاق مع علمه أنها غير المناداة.
ومحل ذلك: (إن أراد طلاق المناداة) التي هي هند.
(إلا) أي: وإن لم يرد طلاق المناداة: (طلقت عمرة فقط) أي: دون هند التي هي المناداة؛ لأنها غير مواجهة ولا منوية بالطلاق فلا يقع بها شيء. (وإن قال) من له زوجة (لمن) أي: لامرأة (ظنَّها زوجته: فلانة) وسمى زوجته: (أنت طالق، أو لم يسمَّها) أي: يسم زوجته، بأن قال للأجنبية التي ظنها زوجته: أنت طالق من غير أن يقول: فلانة: (طلّقت زوجته)؛ لأن الاعتبار في الطلاق إنما هو بالقصد دون الخطاب.
(وكذا عكسها) على الأصح، وهي: ما إذا رأى زوجته فظنها أجنبية فقال لها: أنت طالق فإذا هي زوجته؛ لأنه واجهها بصريح الطلاق. فوقع؛ كما لو علم أنها زوجته. ولا اثر لظنه إياها أجنبية؛ لأنه لا يزيد على عدم إرادة الطلاق، ولو لم يرده في الزوجة المتحققة وقع فكذلك هاهنا.
стр. 4335
(ومثله) أي: ومثل الطلاق فيما تقدم: (العتق) إذا كان الرقيق بدل الزوجة فإن الحكم فيه كالحكم في الطلاق؛ لأن كلاً من الطلاق والعتق إزالة ملك مبني على التغليب والسراية فكانا بمعنى واحد.
قال أحمد فيمن قال: يا غلام أنت حر يعتق عبده الذي نوى.
وفي " المنتخب ": أو نسي أن له عبداً أو زوجة فبان له.
(ومن أوقع بزوجته كلمة، وشَّك: هل هي) الكلمة (طلاق أو ظهار؟ لم يلزمه شيء) في الأصح. قدمه في " الفنون ".
قال في " تصحيح الفروع ": وقدمه في القاعدة الستين بعد المائة فقال: والمنصوص لا يلزمه شيء.
قال في رواية ابن منصور في رجل حلف بيمين لا يدري ما هي طلاق أو غيره، قال: لا يجب عليه طلاق حتى يعلم أو (١) يستيقن. وتوقف في رواية أخرى.
وقال: في المسألة قولان آخران:
أحدهما: يقرع، فما خرج بالقرعة لزمه. قال: وهو بعيد.
والثاني: تلزمه كفارة، كل يمين شك فيها وجهلها. ذكرهما ابن عقيل في " الفنون ". وذكر القاضي في بعض تعاليقه: أنه استفتي في هذه المسألة فتوقف فيها ثم نظر فإذا قياس المذهب: أنه يقرع بين الأيمان كلها الطلاق، والعتاق، والظهار، واليمين بالله (٢). فأيُ يمين وقعت عليها القرعة فهي المحلوف عليها. قال: ثم وجدت عن أحمد ما يقتضي أنه لا يلزمه حكم هذه اليمين. وذكر رواية ابن منصور. انتهى.
(وإن شكَّ) من له زوجة: (هل ظاهر) منها، (أو حَلَفَ بالله تعالى؛ لزمه بحنثٍ، أدنى كفارتَيِهْما) أي: كفارة الظهار واليمين؛ لأنه اليقين، وما عداه مشكوك فيه. والأحوط أعلاها. والله أعلم.
стр. 4336
[كتاب الرَّجعة]
هذا (كتاب) أحكام (الرَّجعة.
وهي): أي: الرجعة في الشرع: (إعادة مطلَّقةٍ) طلاقا (غير بائن، إلى
ما كانت عليه) قبل الطلاق، (بغير عقد) أي: عقد نكاح.
قال الأزهري: الرجعة بعد الطلاق أكثر ما تقال بالكسر، والفتح جائز،
يقال: جائتني رجعة الكتاب أي: جوابه. ولعله إنما قيلت بالكسر؛ لكون
المرتجعة باقية في حال الارتجاع بعد الطلاق. فهي كالرِّكبة والجِلسة. وأما
بالنظر إلى أنها فعل المرتجع مرة واحدة، فتكون بالفتح؛ لكونها فعلة واحدة،
فلهذا الناس متفقون فيها على الفتح.
وهي ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب؛ فقوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
واما السنة؛ فما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حين طلق امرأته
فقال النبي ﷺ : " مره فليراجعها " (١). رواه الجماعة إلا البخاري.
وقد "طلق النبي ﷺ حفصة ثم راجعها " (٢). رواه أبو دأود والنسائى وابن ماجه
стр. 4337
وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون
الثلاث والعبد دون الاثنين: أن لهما الرجعة في العدة.
إذا تقرر ذلك فإنه (إذا طلق حر من دخل) بها (أو) من (خلا بها في نكاح
صحيح) طلاقا (اقل من ثلاث، أو) طلق (عبد) زوجته التي دخل بها أو خلا
بها في نكاح صحيح طلقة (واحدة بلا عوض) في طلاق الحر أو العبد: (فله)
أي: فللمطلق حرا كان أو عبدا، (ولولي مجنون) طلق وهو عاقل، ثم جن
قبل مضي زمن يملك فيه الرجعة لو كان عاقلا ما دامت (في عدتها، رجعتها ولو كرهت) المطلقة ذلك.
وعلم مما تقدم أن الرجعة إنما تصح بأربعة شروط:
الأول: أن يكون دخل بها، لأن الرجعة لا تكون إلا في العدة، وغير
المدخول بها لا عدة عليها. فلا يمكن رجعتها. وحكم الخلوة حكم الدخول في
ذلك , لأن الخلوة تقرر المهر وتوجب العدة، فهي كالدخول في الأصح.
ولأن من خلا بها ثم طلقها معتده غير بائن. فجازت رجعتها، كالمدخول بها.
الثانى: أن يطلق في نكاح صحيح، لأن الطلاق حل للنكاح. فهو فرع
عليه. فإذا لم يصح النكاح لم يصح الطلاق، لأنه فرعه.
ولأن الرجعة إعادة إلى النكاح فإذا لم تحل بالنكاح وجب ان لا تحل بالرجعة إليه. الثالث: أن يطلق دون ما يملكه من عدد الطلاق وهو الثلاث للحر والاثنان
للعبد، لأن من استوفى عدد طلاقه لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فرجعتها
لا تمكن لذلك.
الرابع: أن يكون الطلاق بغير عوض، لأن العوض في الطلاق إنما جعل
لتفتدي به المرأة نفسها من الزوج ولا يحصل مع ثبوت الرجعة فلذلك امتنعت
الرجعة مع العوض في الطلاق.
стр. 4338
فإذا وجدت هذه الشروط كان له رجعتها ما دامت في العدة؛ لأنه إجماع
للمسلمين؛ لقوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]
ولأن النكاح باق بينهما بدليل أنه يلحقها طلاقه. فلو لم يكن النكاح باقيا لم يلحقها الطلاق.
وسواء رضيب رجعتها أو كرهتها؛ لقوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فجعل الحق لهم.
ولقوله : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [البقرة: ٢٣١]، فلو لم
يستقلوا بالإمساك لم يصح الخطاب لهم.
ولأنه إمساك للمرأة بحكم الزوجية. فلم يعتبر رضاها؛ كالمبييع في زمن
خيار المجلس.
وأما كون ولي المجنون يملك رجعة زوجة المجنون؛ لأنه حق للمجنون
يخشى فواته بانقضاء عدة الرجعية. فملك استيفأوه له؛ كبقية حقوفه في الأصح.
قال في "الإنصاف ": الصحيح من "المذهب ": أن ولي المجنون يملك الرجعه.
وقيل: لا يملكها. انتهى.
ولا فرق في ذلك بين كون المرتجعة حرة على حرة، أو أمة على أمة، أو
حرة على أمة، (أو أمة على حرة، أو) كانت الرجعة أمة و (أبى سيد)
رجعتها، (أو) كانت صغيرة أو مجنونة وأبى (ولي) رجعتها؛ لأنها لو كانت
حرة مكلفة وأبت لم يلتفت إليها فكذا سيدها ووليها.
ولا يشترط لصحة الرجعة أن يريدا إصلاحا في الأصح؛ لأنه ليس المراد من
الآية شريطة قصد الإصلاح للرجعة، بل التحريض على الإصلاح والمنع من قصد
الإضرار.
إذا تقرر هذا فإن الرجعة تصح (بلفظ: راجعتها، ورجعتها، وارتجعتها،
وأمسكتها، ورددتها، ونحوه) مثل: أعدتها؛ لأنه قد وردت السنة بلفظ
стр. 4339
الرجعة في حديث ابن عمر في قوله ﷺ : " مره فليراجعها " (١) .
وقد اشتهر هذا الاسم فيها من أهل العرف كاشتهار اسم الطلاق، فيسمونها
رجعة والمرأة رجعية. وورد الكتاب بلفظ الرد [في قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وبلفظ الإمساك] (٢) في قوله : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [البقرة: ٢٣١]، وقوله : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) [البقرة: ٢٢٩] فتصح الرجعة بهذه الألفاظ ونحوها.
(ولو زاد: للمحبة أو) زاد اللإهانة)، كما لو قال: راجعتها للمحبة،
أو راجعتها للإهانة.
قال في " الرعاية ": وإن قال: راجعتك للمحبة أو للإهانة، فهي رجعة
صحيحة، وكذا إن قال: راجعتك لمحبتي إياك أو لإهانتك. انتهى.
ووجه الصحة في ذلك، لكونه أتى بالرجعة وبين سببها.
ومحل ذلك: حيث لا نية تخالف ذلك ولذلك قلت: (إلا أن ينوي رجعتها
إلى ذلك) أي: إلى المحبة أو إلى الإهانة (بفراقها) منه فلا تصح الرجعة.
قال في " الرعاية ": وإن أراد: راجعتك إلى الإهانة بفراقي إياك أو المحبة
فلا رجعه. انتهى.
وذلك لحصول التضاد، لأن الرجعة لا تراد بالفراق.
و (لا) تصح الرجعة بقول الزوج: (نكحتها، أو تزوجتها) في الأصح،
لأن ذلك كنايه، والرجعة استباحة بضع مقصود. فلا تحصل بالكنايه،
كالنكاح.
(وليس من شرطها) أي: شرط صحه (٤) الرجعة (الإشهاد) عليها على الأصح،
стр. 4340
لأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول. فلم تفتقر إلى شهادة؛ كسائر حقوق الزوج.
وجملة ذلك: أن الرجعة لا تفتقر إلى ولي، ولا صداق، ولا رضى
المرأة، ولا علمها بإجماع أهل العلم؛ لأن حكم الرجعية حكم الزوجات،
والرجعة إمساك للرجعية واستبقاء لنكاحها.
ولهذا سمى الله الرجعة إمساكا، وتركها فراقا وسراحا،
فقال : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾
[الطلاق: ٢]. وإنما تشعث النكاح بالطلقة وانعقد بها سبب زواله فالرجعة تزيل شعثه وتقطع مضيه إلى البينونة. فلم يحتج إلى ما يحتاج اليه ابتداء النكاح.
(وعنه: بلى) أي: وعن الإمام أحمد رواية أخرى: انه يشترط لصحة
الرجعة الإشهاد عليها.
(فـ) على هذه الرواية (تبطل) الرجعة (إن أوصى) الزوج (الشهود
بكتمانها) عن المطلقة؛ لحديث علي.
قال أبو بكر في " الشافي ": حدثنا محمد بن يوسف حدثنا يحيى بن جعفر
عن عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة عن خلاس قال: " طلق رجل امرأته علانية وراجعها سرا، وأمر الشاهدين أن يكتماها الرجعة. فاختصموا إلى علي. فجلد الشاهدين واتهمهما .. ولم يجعل له عليها رجعة ".
(والرجعية زوجة) أي: يملك الزوج منها ما يملك ممن لم يطلقها.
فعلى هذا (يصح أن تلاعن، و) أن (تطلق، ويلحقها ظهاره وإيلاؤه)
ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه إن مات بالإجماع، وإن خالعها صح خلعه؛
لأنها زوجة يصح طلاقها. فصح خلعها؛ كما قبل الطلاق.
ولأن مقصود الخلع الخلاص من ضرر الزوج ونكاحه الذي هو سببه،
والنكاح باق ولا تأمن رجعته.
(ولها) أي: وللرجعية (أن تتشرف له) أي: لمطلقها باًن تتعرض له تريه
نفسها.
стр. 4341
(و) لها أيضا أن (تتزين) لمطلقها، كما تتزين النساء لأزواجهن؛ لأن
ذلك كله مباح لكل واحد من الزوجين من الآخر قبل الطلاق. فكذلك في هذه
الحال على الأصح.
(وله) أي: وللمطلق (السفر) بالرجعية (والخلوة بها، ووطؤها)؛
لأنها في حكم الزوجات فأبيحت له؛ كما قبل الطلاق على الأصح.
(وتحصل به) أي: بوطئه إياها (رجعتها ولو لم ينوها) أي: ينو الرجعة
بالوطء؛ لأن الطلاق سبب لزوال الملك ومعه خيار. فتصرف المالك بالوطء في
مدته يمنع عمله؛ كوطء البائع الأمة المبيعة في مدة الخيار.
(لا) بإنكار طلاقها. قاله في " الترغيب " وغيره؛ لأن إنكار الطلاق مناف
لوجود حقه في الرجعة.
ولا تحصل الرجعة أيضا (بمباشرة) يعني: أنه لا تحصل الرجعة بمباشرة
دون فرج، (و) لا بـ (نظر لفرج) في الأصح.
(وكذا خلوة لشهوة) على الأصح، (إلا على قول) وهو رواية.
قال (المنقح: اختاره الأكثر). انتهى.
(وتصح) الرجعة (بعد طهر من) حيضة (ثالثة ولم تغتسل) على الأصح.
نص عليه في رواية حنبل. وعليه أكثر الأصحاب. وروي عن عمر وعلى وابن مسعود وسعيد بن المسيب والثوري وأبي عبيد.
وروي عن شريك: له الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة؛ وذلك
لأن وطء الزوجة قبل الاغتسال حرام؛ لوجود أثر الحيض الذي يمنع الزوج
الوطء كما يمنع الحيض. فوجب أن يمنع ذلك ما يمنعه الحيض ويوجب ما
أوجبه الحيض كما قبل انقطاع الدم.
فأما بقية الأحكام من قطع الإرث والطلاق واللعان والنفقة وغيرها فيحصل
بانقطاع الدم رواية واحدة. قاله في " المحرر " تبعا للقاضي وغيره.
(و) تصح الرجعة أيضا (قبل وضع ولد متأخر) فيما إذا كانت حاملا باًكثر
من واحد؛ لبقاء العدة.
стр. 4342
(لا (١) في ردة) يعني: انه متى ما ارتدت الرجعية لم تصح رجعتها زمن ردتها
في الأصح، لأن الرجعة استباحة بضع مقصود. فلا تصح مع الردة " كالنكاح.
(ولا تعليقها) يعنى: أنه لا يصح تعليق الرجعة (بشرط؛ كـ) قوله
لزوجته: (كلما طلقتك فقد راجعتك)، لأن الرجعة استباحة بضع مقصود. فلا
يصح تعليقها بشرط " كالنكاح.
(ولو عكسه) بأن قال لمطلقته الرجعية: كلما راجعتك فقد طلقتك:
(صح) التعليق، (وطلقت) بوجود صفته، لأنه طلاق معلق بصفة. فطلقت
بوجودها، كسائر الصفات.
(ومتى اغتسلت) الرجعية (من) حيضة (ثالثة، ولم يرتجعها) قبل ذلك:
(بانت، ولم تحل) له (إلا بنكاح جديد)، لقول الله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يريد الرجعة عند جماعة أهل التفسير ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
أي: في العده.
وأجمع أهل العلم على أن المرأة إذا طلقها زوجها رجعيا ولم يرتجعها حتى
حلت لغيره: أنها تبين منه فلا تحل له إلا بعقد جديد.
(وتعود) إليه بالنكاح الجديد (على ما بقي: من طلاقها ولو) كان عودها
(بعد وطء زوج آخر) أي: غير المطلق على الأصح.
وعنه: إن رجعت بعد وطء زوج غيره رجعت بطلاق ثلاث.
وجملة ذلك: أن الزوج متى طلق زوجته ثلاثا أو انقضت عدتها وتزوجت
بغيره بنكاح صحيح ثم طلقها بعد أن وطئها وعادت لزوجها الأول فإنها تعود على طلاق ثلاث بإجماع أهل العلم. وأنه متى طلقها دون ثلاث وانقضت عدتها
وتزوجت من أصابها أو من لم يصبها وبانت منه وعادت إلى الأول فالمذهب:
أنها تعود إليه على ما بقي من طلاقها.
وهذا قول الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عمر وعلي، ومنهم أبي
стр. 4343
ومعاذ وعمران بن حصين وأبو هريرة وزيد وعبد الله ببن عمروبن العاص
رضي الله تعالى عنهم.
وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن.
وبالرواية الثانية يقول ابن عمر وابن عباس وأبو حنيفة وابو يوسف؛ لان وطء
الثانى مثبت للحل. فيثبت كلا بتسع لثلاث طلقات؛ كما بعد الثلاث.
ولأن وطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث فأولى ان يهدم ما دونها.
ووجه، المذهب: أن وطء الثانى لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول.
فلا يغيرحكم الطلاق؛ كوطء السيد.
ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث. فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني.
وقولهم: ان وطء الثانى مثبت للحل لا يصح؛ لوجهين:
أحدهما: منع كونه مثبتا للحل أصلا وإنما هو في الطلاق الثلاث غاية
للتحريم، بدليل قوله : ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقر ة: ٢٣٠]، و (حتى) للغا ية.
وإنما سمى النبي ﷺ الزوج الذي قصد الحيلة محلالا تجوزا بدليل انه لعنه.
ومن أثبت حلالا يستحق لعنا.
والثانى: ان الحل إنما يثبت في محل فيه تحريم وهي المطلقة ثلاثا وهاهنا
هي حلال له فلا يثبت فيها حل.
وقولهم: أنه يهدم الطلاق.
قلنا: بل هو غاية لتحريمه، وما دون الثلاث لا تحريم فيها فلا تكون غاية له.
(وإن أشهد) من طلق زوجته رجعيا (على رجعتها) في العدة، (ولم
تعلم) هي (حتى اعتدت ونكحت من أصابها) ثم جاء وادعى أنه كان راجعها قبل القضاء عدتها وأقام البينة بذلك وقبلت: (ردت إليه)؛ لأنه ثبت أنها زوجته، وأن
نكاح الثانى فاسد؛ لأنه تزوج امرأة في عصمة غيره، سواء دخل بها الثانى أو لم يدخل على الأصح.
стр. 4344
وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم الثوري والشسافعي وأصحاب الرأي. وروي
ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه.
(ولا يطؤها.) الأول حيث أصابها الثانى (حتى تعتد) من وطء الثانى.
(وكذا) الحكم (إن) لم تكن بينه و (صدقاه) أي: صدقه الزوج
والزوجة؛ لأن تصديقهما أبلغ من إقأمة البينة.
(وإن لم تثبت رجعته) ببينة (وأنكراه) أي؛ أنكر الزوج والزوجة رجعته:
(رد قوله) والنكاح صحيح في حقهما.
(وإن صدقه) الزوج (الثاني) وحده: (بانت منه)؛ لاعترافه بفساد
نكاحه. وعليه مهرها إن كان دخل بها، أو نصفه إن كان لم يدخل بها؛ لأنه
لا يصدق على المرأة في إسقاط حقها عنه. ولا تسلم المرأه إلى المدعي؛ لأنه
لا يقبل قول الزوج الثانى عليها، وإنما يقبل في حق نفسه فقط.
(وإن صدقته) المرأة وحدها: (لم تقبل على) الزوج (الثاني) في فسخ
نكاحه؛ لأن قولها إنما يقبل على نفسها، (ولا يلزمها مهر الأول له) أي:
للأول في الأصح. (لكن: متى بانت) من الثانى (عادت إلى الأول بلا عقد
جديد)، لكن لا يطأ حتى تعتد للثانى. ومتى مات الأول قبل بينونتها من الثانى
فقال الموفق ومن تبعه: ينبغى أن ترثه لإقراره بزوجيتها ولصديقها له، وإن ماتت
لم يرثها الأول؛ لتعلق حق الثانى بالإرث، وإن مات الثانى لم ترثه هي؛
لأنكارها صحة نكاحه،
قال الزركشي: قلت: ولا يمكن الأول من تزويج أختها ولا أربع سواها.
(ومتى ادعت) من المطلقات أو المفسوخ نكاحهن (انقضاء عدتها، وأمكن)
أي: وكان ذلك فى زمن يمكن انقضاء العدة فيه: (قبلت) دعواها؛ لقول الله
سبحانه وتهعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].قيل
في التفسير: هو الحيض والحمل. فلولا أن قولها مقبول لم (١) يحرجن بكتمانه.
стр. 4345
ولأنه أمر تختص المرأة بمعرفته. فكان القول قولها فيه؛ كالنية من الإنسان
فيما تعتببر. فيه النية، أو أمر لا يعرف إلا من جهتها فقبل قولها فيه؛ كما يجب
على التابعي قبول (١) خبر الصحأبي عن رسول الله ﷺ .
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:
(لا في شهر) يعني: لا إن ادعت الحرة انقضاء عدتها في شهر [أي:
ثلاثين يوما] (٢) (بحيض) فإنه لا يقبل منها ذلك، (إلا ببينة) نص على ذلك؛
لأن شريحا قال: إذا ادعت أنها حائض ثلاث حيض في شهر وجاءت ببينة من
النساء العدول من بطانة أهلها ممن يرضى صدقه وعدله: أنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي فقد انقضت عدتها، وإلا فهي
كاذبة. فقال له علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: قالون ومعناه بالرومية: أصبت وأحسنت. فأخذ أحمد بقول علي في الشهر.
وإنما لم تصدق في الشهر؛ لأن حيضها ثلاث مرات فيه يندر جدا فيرجح
بالبينة، ولا يندر فيما زاد على الشهر كندرته في الشهر.
وقال الشافعي: لا يقبل قولها في أقل من اثنين وثلاثين يوما ولحظتين، لأنه
لا يتصور عنده في أقل من ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل في أقل من ستين يوما.
وقال صاحباه: لا تصدق فى أقل من تسعة وثلاثين يوما، لأن أقل الحيض
عندهما ثلاثه أيام.
(و) على مذهبنا: (اقل ما) أي: أقل زمن (تنقضي عدة حرة فيه بأقراء:
تسعة وعشرون يوما ولحظة) على المذهب في كون الأقراء الحيض، وأقل الطهر ثلاثة عشر يوما.
(و) أقل زمن تنقضي فيه عدة (أمة: خمسة عشر) يوما (ولحظة).