فنهاه عن قربانها قبل التكفير؛ لأن ما حرم (١) الوطء من القول حرم دواعيه؛
كالطلاق والإحرام. (بخلاف كفارة يمين) فإنه لو حلف: لا يطأها كان له أن
يطأها قبل إخراج كفارة اليمين.
(وتثبت) أي: تستقر كفارة الظهار (في ذمته) أي: ذمة المظاهر
(بالعود، وهو: الوطء). نص عليه أحمد. (ولو) كان الوطء (من مجنون)
بأن ظاهر ثم جن.
(لا) إن كان الوطء (من مكره). وأنكر قول مالك: أنه العزم على الوطء.
وقال القاضي وأبو الخطاب: هو العزم.
فعلى المذهب: متى وطئ لزمته الكفارة ولا تجب قبل ذلك، إلا أن الكفارة
شرط لحل الوطء فيؤمر بها من أراده ليستحله بها، كما يؤمر بعقد النكاح من أراد
حل المرأه.
ووجه ذلك: أن العود هو فعل ضد قولط المظاهر فإن المظاهر محرم للوطء
على نفسه ومانع لها منه فالعود فعله. فأما الإمساك عن الوطء فليس بعود، لأنه
ليس بعود في الظهار المؤقت فكذلك في المطلق. وقول من قال: إن الظهار
يقتضي إبانتها ممنوع وإنما يقتضي تحريمها واجتنابها ولذلك صح توقيته.
ولأن الله قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادله: ٣] وثم
للتراخي، والإمساك غير متراخ.
ويدل على إبطال قول من قال: إن العود غير الوطء أن الظهار يمين مكفرة.
فلا تجب الكفارة إلا بالحنث فيها وهو فعل ما حلف على تركه؛ كسائر الأيمان.
ولأن الظهار يمين يقتضي ترك الوطء. فلا تجب كفارتها إلا به؛ كالإيلاء.
стр. 4377
(ويأثم مكلف) بالوطء قبل التكفير، لمخالفة قول الله في
العتق والصيام: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
(ثم لا يطأ حتى يكفر) يعني: أن تحريم زوجته باق عليه حتى يكفر في قول
أكثر أهل العلم.
(وتجزي) كفارة (واحدة) ولو كرر الوطء، لحديث سلمة بن صخر حين
ظاهر ثم وطئ قبل التكفير، فأمره النبي ﷺ بكفارة واحدة (١) .
- ولأنه وجد العود والظهار فيدخل في عموم قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادله: ٣].
ويكون ذلك (كمكرر ظهارا من) امرأة (واحدة قبل تكفير، ولو) كان
تكراره (بمجالس، أو أراد) بتكراره (استئنافا). نص عليه في رواية جماعة،
لأن تكرير الظهار قول لم يؤثر في تحريم الزوجة لتحريمها بالقول الأول. فلم
تجب فيه كفارة ثانية، كاليمين بالله .
(وكذا) لو ظاهر (من نساء بكلمة) واحدة، كما لو قال: أنتن على كظهر
أمي فإنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة بغير خلاف في المذهب.
(و) إن ظاهر منهن (بكلمات) بأن قال لكل واحدة: أنت علي كظهر
أمي، كان عليه (لكل) منهن (كفارة)، لأنها أيمان متكررة على أعيان
متفرقة. فكان لكل واحدة كفارة، كما لو كفر ثم ظاهر.
ولأنها أيمان لا يحنث في أحدها بالحنث في الأخرى. فلا تكفرها كفارة
واحد ة.
(ويلزم إخراج) لكفارة الظهار (بعزم على وطء). نص عليه أحمد، لقوله
: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فمنع من الوطء قبل التماس. فوجب فعله قبله.
стр. 4378
(ويجزئ) الإخراج (قبله) أي: قبل العزم؛ لانعقاد سبب الوجوب وهو
الظهار السابق على الإخراج.
(وإن اشترى) المظاهر من زوجته الأمة (زوجته) فظهاره (١) بحاله، (أو
بانت) زوجته المظاهر منها (قبل الوطء ثم أعادها مطلقا) ارتد أو لا: (فظهاره
بحاله). نص عليه؛ لأنه حرمها على نفسه بالظهار وذلك يقتضى حرمتها إلى
حين التكفير. فيكون تحريمها بعد شراء الزوجة وبينونتها كما قبل ذلك؛ لعموم
قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
وفيما إذا اشترى زوجته وجه: أن له الوطئ مع كفارة يمين.
(وإن مات أحدهما قبله) أي: أحد الزوجين بعد الظهار وقبل إخراج
الكفارة ولم يكن وطئها: (سقطت) الكفارة، سواء كان ذلك متراخيا عن ظهاره
أو عقبه؛ لأن العود هو الوطء وقد وجد الموت قبله فامتنع حنثه، ولم يجب عليه بإمساكه قبل الموت شيء، ويرثها وترثه كما بعد التكفير.
стр. 4379
] فصل: في كفارة الظهار]
(فصل) في كفارة الظهار وما في معناها.
(وكفارته) أي: كفارة الظهار (وكفارة وطء نهار رمضان على الترتيب)
وهي: (عتق رقبة، فإن لم يجد: فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع:
فإطعام ستين مسكينا).
والأصل في كفارة الظهار قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا … ﴾ إلى آخر الآية] المجادده: ٣].
وفي كفارة الوطء نهار رمضان ما روى ابو هريرة " أن رجلا قال:
يا رسول الله! وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : هل تجد
رقبه تعتقها؛ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال:
لا. قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكينا؛ قال: لا … وذكر الحديث " (١)
متفق عليه.
وفي كفارة الوطء نهار رمضان روايه: أنها على التخيير.
(وكذا) في الترتيب (كفارة قتل، إلا انه لا يجب فيها إطعام) على
الأصح، لأن الله لم يذكر الإطعام في كفارة القتل.
(والمعتبر) في الكفارات: (وقت وجوب) على الأصح؛ (كـ) وجوب
(حد، و) وجوب (قود).
стр. 4380
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن عبد حلف على يمين فحنث فيها
وهو عبد فلم يكفر حتى عتق أيكفر كفارة حر أو كفارة عبد؟ قال: يكفر كفارة
عبد، لأنه إنما يكفر ما وجب عليه يوم حنث لا يوم حلف. قلت له: حلف وهو
عبد وحنث وهو حر؛ قال: يوم حنث واحتج فقال: افترى وهو عبد ثم أعتق
فإنما يجلد جلد العبد.
ولأن الكفارات تجب على وجه الطهرة فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب.
بخلاف الوضوء فإنه لو تيمم ثم وجد الماء بطل تيممه. وهنا لو صام ثم قدر على الرقبة لم يبطل صومه. ولو قتل وهو رقيق ثم عتق لم يسقط عنه القود إذا قتل
رقيقا قبل عتقه.
(وإمكان الأداء) في الكفارات (مبني على) إمكان أداء (زكاة). ووقت
وجوب في ظهار وقت العود، لأن الكفارة لا تجب حتى يعود، وفي يمين زمن
حنث، وفي قتل زمن زهوق الروج.
(فـ) ـعلى المذهب: (لو أعسر موسر قبل تكفير: لم يجزئه صوم)،
لأنه غير ما وجب عليه وتبقى الرقبة في ذمته إلى ميسرته، كما تبقى سائر
الواجبات في ذمته إلى حين إمكان الأداء.
(ولو أيسر معسر) وجبت عليه الكفارة حالة إعساره: (لم يلزمه عتق،
ويجزئه) العتق على الأصح، لأن العتق هو الأصل في الكفارات. فوجب أن
يجزئه، كسائر الأصول.
(ولا يلزم عتق إلا لمالك رقبة) حين الوجوب (ولو) كانت الرقبة (مشتبهة
برقاب غيره)، لأنه يمكنه العتق. (فيعتق رقبة) ناويا بذلك التي في ملكه،
(ثم يقرع بين الرقاب: فيخرج من قرع) فيتعين للحكم بحريته.
قال في " الفروع ": هذا قياس المذهب. قاله القاضي وغيره. انتهى.
(أو) إلا (لمن تمكنه) بأن يقدر على شرائها (بثمن مثلها) أو على زيادة
(أو مع زيادة) عن ثمن مثلها (لا تجحف) به في الأصح، (أو) يمكنه شراؤها
стр. 4381
(نسيئة وله مال غائب) يوفي ثمنها منه،، (أو) له (دين مؤجل) يوفي بثمنها
النسيئة فيلزمه العتق.
(لا بهبة) يعني: لا إن وهبت له الرقبة أو وهب له ثمنها فإنه لا يلزمه قبول ذلك.
(و) يشترط للزوم الرقبة أيضا كونها (تفضل عما يحتاجه) المظاهر: (من
أدنى مسكن صالح لمثله، و) من (خادم لكون مثله لا يخدم نفسه، أو) لأجل
(عجزه) عن خدمة نفسه.
(و) كون الرقبة تفضل عن (مركوب وعرض بذلة) يعني: يحتاج إلى
استعماله؛ كآلة حرفته ونحو ذلك.
(و) كونها تفضل أيضا عن (كتب علم يحتاج إليها، وثياب تجمل)
لا تزيد على ملبوس مثله، (وكفايته، و) كفاية (من يمونه) المظاهر (دائما،
ورأس ماله لذلك) أي: لكفايته وكفاية من يمونه، (ووفاء دين)؛ لأن ما
استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل؛ كمن وجد ما يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. فإن كان له خادم وهو ممن يخدم
نفسه عادة لزمه إعتاقها؛ لأنها فاضلة عن حاجته.
(ومن له فوق ما يصلح لمثله: من خادم، ونحوه)؛ كمركوب وملبوس
(وأمكن بيعه وشراء) بدل (صالح لمثله، و) شراء (رقبة بالفاضل: لزمه) العتق.
(فلو تعذر) عليه ما ذكر، (أو كان له سرية يمكن بيعها وشراء سرية ورقبة
بثمنها: لم يلزمه) ذلك؛ لأن الغرض قد يتعلق بنفس السرية فلا يقوم غيرها مقامها. (وشرط في رقبة) تجزئ (في كفارة، و) في (نذر عتق مطلق: إسلام)
على الأصح؛ لقول الله : (١) ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
والحق بذلك سائر الكفارات حملا للمطلق على المقيد كما حمل مطلق قوله
: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢ [على المقيد
стр. 4382
في قوله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة حمل عليه من جهة القياس. والجامع بين كفارة القتل وغيرها
من الكفارات: أن الإعتاق يتضمن تفريغ العتيق المسلم لعبادة ربه، وتكميل
أحكامه، ومعونه المسلمين فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة، تحصيلا لهذه المصالح. والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الأيمان فيها،
فيتعدى ذلك إلى كل عتق في كفارة. فيختص بالمؤمنة، لاختصاصها بهذه
الحكمة.
(و) شرط في الرقبة أيضا (سلأمة من عيب مضر ضررا بينا بالعمل)، لأن
المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه ولا يحصل هذا مع ما يضر (١) بالعمل ضررا يينا، (كعمى)، لأن الأعمى لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع. (وشلل يد أو رجل، أو قطع إحداهما)، لأن اليد آلة البطش، والروجل آلة
المشي. فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلف أحدهما أو شللها.
(أو) قطع (سبابة، أو) قطع إصبع (وسطى، أو إبهام من يد أو رجل، أو
خنصر وبنصر) أي: مع بنصر (من يد) واحدة، لأن نفع اليد يزول بذلك.
(وقطع أنمله من إبهام، أو) قطع (أنملتمن من غيره) أي: من غير الإبهام
(كـ) قطع (كله)، لأن ذلك يذهب بمنفعة تلك الأصبع.
(ويجزئ من قطعت بنصره من إحدى يديه أو) إحدى (رجليه، و) قطعت
(خنصره من) اليد أو الرجل (الأخرى)، لأن نفع كل من اليد والرجل باق.
(أو جدع أنفه) يعني: أنه يجزئ من قطع أنفه (أو أذنه، أو يخنق
أحيانا)، لأن ذلك لا يعتبر بالعمل.
(أو علق عتقه بصفة لم توجد)، لأن ذلك لا أثر له.
أما من علق عتقه بصفة ثم نواه عند وجودها فلا يجزئ، لأن سبب عتقه انعقد
عند وجود الصفة فلا يملك صرفها إلى غيرها.
стр. 4383
(و) يجزئ (مدبر، وصغير، وولد زنا، وأعرج يسيرا ومجوب،
وخصي، وأصم، وأخرس تفهم إشارته، وأعور، ومرهون، ومؤجر،
وجان، وأحمق، وحامل)، لأن ما في هؤلاء من النقص لا يضر بالعمل، وما
فيهم من الوصف. لا يؤثر في صحة عتقهم.
(و) يجزئ (مكاتب لم يود) من كتابته (شيئا) على الأصح.
(لا من أدى) منها (شيئا) على الأصح، لأنه إن أدى شيئا فقد حصل
العوض عن بعضه. فلم يجزئه، كما لو أعتق بعض رقبة. وإذا لم يؤد شيئا فقد
أعتق رقبة كاملة سالمة الخلق لم يحصل عن شيء منها عوض.
(أو اشتري بشرط عتق) يعني: أنه لا يجزئ من الكفارة من اشتري بشرط
العتق على الأصح. روي عن معقل بن يسار ما يدل عليه. وذلك لأنه إذا اشتراه بشرط العتق فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا الشرط. فكان ذلك كأنه
أخذ عن العتق عوضا.
(أو يعتق) على المظاهر (بقوابة)، لأن. الله قال:
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادده: ٣] والتحرير فعل العتق ولم يحصل العتق هاهنا بتحرير منه ولا إعتاق. فلم يكن ممتثلا للأمر؛ لأن عتقه مستحق بسبب غير سبب الكفاره.
(و) لا يجزئ (مريض مأيوس) منه، لأنه لا يتمكن من العمل مع بقاء
مرضه، (و) لا (مغصوب منه).
قال في " الإنصاف ": لا يجزئ إعتاق المغصوب على الصحيح من
المذهب. قدمه في " الفروع " في موضع، وفيه وجه آخر: أنه يجزئ. انتهى.
(و) لا يجزئ (زمن ومقعد)، لأنه لا يمكنهما (١) العمل في أكثر الصنائع.
стр. 4384
(و) لا يجزئ (نحيف عاجز عن عمل)؛ لأنه كالمريض المأيوس من برؤه.
(و) لا يجزئ (أخرس أصم ولو فهمت إشارته).
قال في " الإنصاف ": لا يجزئ الأخرس الأصم ولو فهمت إشارته على
الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به في" الهداية "
و"المذهب" و"المستوعب " و" الخلاصة " و" الهادي " و" المحرر"
و" النظم " و" الرعايتين " وغيرهم. وقدمه في"الفروع ". واختار أبو الخطاب والمصنف يعني: الموفق الإجزاء إذا فهمت إشارته. انتهى.
ووجه المذهب: أنه ناقص بفقد حاستين تنقص بفقدهما قيمته نقصا كثيرا.
(و) لا (مجنون مطبق)؛ لأنه إذا امتنع الإجزاء بنقصان العمل فبالجنون (١)
المطبق الذي يمنع منه بالكلية (٢) أولى.
(و) لا (غائب لم تتبين حياته) في الأصح؛ لأن وجوده غير متحقق.
والأصل بقاء شغل الذمة بالكفارة فلا يبرأ بالشك.
قال في " الإنصاف ": محل الخلاف: إذا لم يعلم خبره مطلقا، أما إن
أعتقه ثم تبين بغد ذلك كونه حيا فإنه يجزئ قولا واحدا. قاله الأصحاب.
(و) لا (موصى بخدمته ابدا) لنقصه، (أو ام ولد) يعني: أنه لا يجزئ
في الكفارة عتق أم ولد على الأصح؛ لأن عتقها مستحق بسبب آخر. فلم يجزئ
عنه؛ كما لو اشترى من يعتق عليه بنيه العتق عن الكفارة.
(و) لا (جنين) يعني: أنه لا يجزئ فى الكفارة عتق الجنين ولو ولد بعد
عتقه حيا؛ لأنه لم يثبت له أحكام الدنيا بعد.
(ومن اعتق) عن كفارة (جزءا) من رقيق (ثم) أعتق (ما بقي) منه ولو مع
طول المدة بين العتقين أجزأه؛ لأنه أعتق رقبة كاملة في وقتين. فأجزأه؛ كما لو أطعم المساكين.
стр. 4385
ويتصور ذلك بما إذا كان يملك نصف رقيق فأعتق نصيبه وهو معسر بقيمة
باقيه ثم أيسر فاشترى باقيه (١) من شريكه وأعتقه.
(أو) كان يملك (نصف قنين)، ذكرين أو انثيين، أو أحدهما ذكر والاخر
أنثى فأعتق النصف الذي يملكه من كل منهما عن كفارته: (أجزأ) ـه (٢) ذلك على
الأصح، لأن الأشقاص كالأشخاص. ولا فرق بين كون الباقي منهما حرا أو رقيقا.
(لا ما سرى بعتق جزء) يعني: أن المظاهر لو كان له جزء في رقيق فأعتقه
وهو موسر فسرى العتق إلى بقيته لم يجزئه ما سرى إليه العتق، حتى يعتق نظير ما سرى إليه العتق من غير ذلك الرقيق؛ لأن عتق نصيب شريكه بالسراية لم يحصل بإعتاقه؛ لأن السراية غير فعله، وإنما هي من آثار فعله. أشبه ما لو اشترى من
يعتق عليه ينوي به الكفارة.
(ومن علق عتقه بظهار) بأن قال: متى ظاهرت من زوجتي كان عبدي فلان
حرا، (ثم ظاهر: عتق) العبد، (ولم يجزئه عن كفارته) في الأصح؛ (كما
لو نجزه عن ظهاره ثم ظاهر) بأن قال لعبده: أنت حر الساعة عن ظهاري إن ظاهرت: عتق ولم يجزئه عن ظهاره إن ظاهر.
(أو علق ظهاره بشرط) بأن قال: إن كلمت زيدا فزوجتي علي كظهر أمي
(فأعتقه) أي: أعتق عبده عن ظهاره المعلق (قبله) أي: قبل وجود الشرط
المعلق عليه الظهار ثم وجد الشرط فإنه لا يجزئه هذا العتق في كفارته عن ظهاره. (ومن أعتق) في كفارته (غير مجزئ ظانا إجزاءه: نفذ) العتق فيه، وبقيت
الكفارة في ذمته.
стр. 4386
] فصل: إذا لم يجد رقبة في الكفارة]
(فصل. فإن لم يجد) الرقبة بأن عجز عنها العجز الشرعي: (صام)
المظاهر، سواء كان (حرا أو قنا شهرين، ويلزمه تبييت النية) لصرمه؛ لكونه
واجبا.
(و) يلزمه (تعيينها) أي: تعيين النية (جهة الكفارة)؛ لقوله ﷺ : " إنما
الأعمال بالنيات " (١) .
(و) يلزمه أيضا (التتابع) أي: تتابع صوم الشهرين بالفعل، (لا نيته)
أي: لا نية التتابع إذا حصل بالفعل؛ لقول الله : ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجاددة: ٤]. والمراد بالتتابع: الموالاة بين صيام أيام الشهرين بأن لا يفطر فيهما ولا يصوم من غير الكفارة.
وأما كونه لا تجب نيه التتابع في الأصح؛ لأنه تتابع واجب. فلم يفتقرإلى
نية؛ كالمتابعة بين الركعات. ويفارق الجميع بين الصلاتين فإنه رخصة فافتقر
إلى نية الترخص.
(وينقطع) التتابع (بوطء مظاهر منها ولو) كان (ناسيا) على الأصح؛ لأن
الوطء لا يعذر فيه بالنسيان، (أو) كان وطؤه (مع عذر يبيح الفطر)؛ كما لو
وطئ المظاهر منها وهو مريض مرضا يبيح الفطر، أو وهو مسافر سفرا يبيح الفطر، (أو) وطئها (ليلا)، عامدا أو ناسيا على الأصح؛ لأن الله سبحانه
стр. 4387
وتعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجاددة: ٤]. فأمر بصيام الشهرين خاليين عن وطء، ولم يأت بهما كما أمر. فلم يجزئه؛ كما لو
وطئها نهارا ذاكرا.
ولأنه تحويم للوطء لا يختص النهار ولا إذا كان ذاكرا. فاستوى فيه الليل
والنهار مع الذكر والنسيان؛ كالاعتكاف.
(لا) إذا وطئ (غيرها) أي: غير المظاهر منها (في) الأحوال (الثلاثة)
وهي: الوطء مع النسيان، والوطء مع عذر يبيح الفطر، والوطء ليلا؛ لأن ذلك
غير محرم عليه ولا هو محل لتتابع الصوم. فلم يقطع التتابع؛ كالأكل.
(و) ينقطع التتابع أيضا (بصوم غير رمضان)؛ لأنه قطع التتابع بشيء
يمكنه التحرز منه. أشبه ما لو أفطر من غير عذر، (ويقع) صومه (عما نواه)؛
لأنه زمان لم يتعين للكفارة.
وفي " الترغيب ": هل يفسد (١) أو ينقلب نفلا فيه وفي نظائره؟ وجهان.
(و) ينقطع التتابع أيضا. (بفطر) في أثناء الشهرين (بلا عذر) ولو ناسيا
لوجوب التتابع، أو ظنا أنه قد أتم الشهرين؛ لأنه أفطر لجهله. فقطع التتابع؛
كما لو ظن أن الواجب شهر واحد.
لا أن أكره على الفطر في الأصح.
(لا برمضان) يعني: أن التتابع لا ينقطع بصوم رمضان، (أو فطر واجب؛
كعيد) يعني: كفطر يوم عيد، (وحيض، ونفاس، وجنون، ومرض
مخوف). وذلك مثل: أن يبتدئ الصوم من أول شعبان فيتخلله رمضان ويوم
الفطر، أو يبتدئ من أول ذي الحجة فيتخلله يوم النحر وأيام التشريق فإن التتابع
لا ينقطع بهذا ويبني على ما مضى.
وأما الحيض والنفاس والجنون والمرض فكل وأحد منها لا يمكن التحرز منه
стр. 4388
فلا ينقطع به التتابع. ويلحق بذلك الإغماء جميع اليوم فإنه لا يصح ذلك اليوم
ولا ينقطع به التتابع.
(و) لا ينقطع التتابع أيضا بفطر) حامل ومرضع: خوفا على أنفسهما)،
لأنهما كالمريض، (أو) فطر (لعذر يبيحه، كسفر، ومرض غير مخوف) في
الأصح، لأن كلا منهما يبيح الفعل. أشبه المرض المخوف.
(و) كفطر (حامل ومرضع: لضرر ولدهما) بالصوم في الأصح، لأنه
فطر يبيح لهما بسبب لا يتعلق باختيارهما. فلم ينقطع التتابع به، كما لو أفطرتا
خوفا على أنفسهما.
(و) كفطر (مكره) على الفطر، (ومخطى) لمن أكل يظنه ليلا فبان
نهارا، (وناس).
أما المكره والناسي؛ فلبقاء صومهما.
وأما المخطئ؛ فإنه معذور في الفطر.
(لا جاهل) يعني: لا إذا أفطر جاهلا بوجوب التتابع ونحوه فإن التتابع
ينقطع بذلك، لأن هذا أمر يمكنه التحرز منه بسؤاله عن حكمه.
стр. 4389
] فصل: إذا لم يستطع الصوم]
(فصل. فإن لم يستطع صوما: لكبر، أو مرض ولو رجي برؤه)، أو
(يخاف زيادته أو تطاوله، أو) لا يستطيع (لشبق) به: (أطعم ستين
مسكينا)؛ لقول الله : ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجاددة: ٤].
وقد وردت السنة بكون الكبر والشبق من الأعذار التي يجوز معها الانتقال إلى الطعام. فمن ذلك: " أن أوس بن الصامت لما أمره رسول الله ﷺ بالصوم قالت امرأته: يا رسول الله! إنه شيخ كبير. ما به من صيام. قال: فليطعم ستين مسكينا " (١) .
ولما " أمر رسول الله ﷺ سلمة بن صخر بالصيام. قال: وهل أصبت
ما أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم " (٢) . فنقله إلى الطعام لما أخبره أن به من
الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام. وقس عليهما ما في معناهما.
ويشترط في المسكين الذي يجزئ إطعامه كونه (مسلما حرا، ولو) كان
(انثى). ويأتي حكم المكاتب.
(ولا يضر وطء مظاهر منها أثناء إطعام). نقله ابن منصور عن أحمد.
وكذا في أثناء عتق؛ كما لو عتق نصف عبد ثم وطئها، ثم عتق نصفا آخر فإن
وطئه لا يؤثر فيما عتقه قبله- ومنعهما في " الانتصار "- ثم سلم الإطعام؛ لأنه
بدل والصوم مبدل؛ كوطء من لا يطيق الصوم في الإطعام.
стр. 4390
(ويجزئ دفعها) أي: دفع الكفارة (إلى صغير من أهلها) أي: ممن يصح
دفعها إليه ولو كان كبيرا، (ولو لم يأكل الطعام) على الأصح، لأنه حر مسلم
محتاج. فأشبه الكبير.
ولأن أكله للكفارة ليس بشرط والصغير تصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه مما
تتم به كفايته. ويقبضها له وليه،
(و) يجزئ دفعها إلى (مكاتب) على الأصبح، لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته.
فأشبه المسكين، (و) إلى (من يعطى من زكاة لحاجة). كالفقير والمسكين
وابن السبيل والغارم لصصلحة نفسه، لأن ابن السبيل والغارم إنما يأخذان
لحاجتهما فهما في معنى الفقير والمسكين اللذان يأخذان لحاجتهما إلى القوت.
(و) يجزئ دفعها إلى (من ظنه مسكينا فبان غنيا) في الأصح، بناء على
الأصح من الروايتين في الزكاة.
(وإلى مسكين) واحد (في يوم واحد من كفارتين) على الأصح، لأنه دفع
القدر الواجب إلى العدد الواجب. فأجزأ، كما لو دفع ذلك في يومين.
(لا) دفع كفارته (إلى من تلزمه مؤنته) أي: يلزم الدافع مؤنة المدفوع إليه
فإنها لا تجزئ. وتقدم تعليل ذلك في الزكاه.
(ولا) يجزئ أيضا (ترديدها على مسكين) واحد (ستين يوما، إلا أن
لا يجد) مسكينا (غيره). فيجزئه على الأصح، لتعذر غيره من المساكين.
ولأن ترديد الإطعام في الأيام المتعددة في معنى إطعام العدد، لأنه يدفع به
حاجة المسكين في كل يوم. فهو كما لو أطعم في كل يوم واحدا (١) ، فيكون
بمعنى إطعام العدد من المساكين والمشيء بمعناه يقوم مقامه بصورته عند تعذرها. ولهذا شرعت الأبدال، لقيامها مقام المبدلات في المعنى.
(ولو قدم) من عليه كفارة (إلى ستين) مسكينا (ستين مدا) مما يجزئ في
فطرة، (وقال: هذا بينكم، فقبلوه. فإن قال: بالسوية أجزأ) ـه ذلك.
стр. 4391
(وإلا) أي: وإن لم يقل بالسوية (فلا) يجزئه في الأصح: (ما لم يعلم)
من عليه الكفارة (أن كلا) من المساكين (أخذ قدر حقه) من ذلك فيجزئه.
(والواجب) في الكفارات (ما يجزئ في فطرة: من بر مد) واحد، (ومن
غيره) أي: غير البر من شعير وتمر وزبيب وأقط) مدان) اثنان.
(وشن إخراج أدم مع) إخراج (مجزئ). نص على ذلك. وإخراج الحب
أفضل عند أحمد من إخراج الدقيق والسويق، ويجزءان لكن بوزن الحب. وإن أخرجها بالكيل فيزيد على كيل الحب قدرا يكون بقدره وزنا، لأن الحب إذا
طحن توزع فيكون في مكيال الحب أكثر مما يكون في مكيال الدقيق.
(ولا يجزئ خبز) على الأصح، لأنه خرج عن حالة المكيال والادخار.
فأ شبه الهريسة.
(ولا) يجزئ في كفارة (غير ما يجزئ في فطرة ولو كان) ذلك (قوت
بلده) على الأصح، لأن الفطرة وجبت طهرة للصائم، والكفارة وجبت طهرة
للمكفر عنه من ذنب المنكر من القول والزور. فاستويا في حكم الطهرة. فكان
المخرج عن أحدهما ما يخرج عن الآخر.
(ولا) يجزئه في الكفارة (أن يغدي المساكين أو يعشيهم) على الأصح،
لأن المنقول عن الصحابة إعطأوهم.
وقال النبي ﷺ لكعب في فدية الأذى. " أطعم ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين " (١) .
ولأنه مال وجب للفقراء شرعا. فوجب تمليكهم إياه. (بخلاف نذر
إطعامهم) أي: إطعام المساكين، لأنه إذا غداهم أو عشاهم فقد وفى بنذره.
стр. 4392
(ولا) تجزئه (القيمة) أي: أن يخرج قيمة الواجب على الأصح، لظاهر
قوله : ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجاددة: ٤]. ومن أخرج القيمة
لم يطعم.
(ولا) يجزئ في كفارة (عتق، و) لا (صوم، و) لا (إطعام إلا بنية)
وهو: أن ينوي كون ذلك من جهة الكفارة، لقول النبي ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " (١) ..
ولأن العتق والصوم والإطعام مما يختلف وجهه فيقع متبرعا به، ويقع عن
نذر وعن كفارة. فلا ينصرف إلى هده الكفارة بدود النية.
وصفتها: أن ينوي بالعتق أو الصيام أو الإطعام عن هذه الكفارة، فإن زاد
الواجبة فهو تأكيد.
(و) حينئذ (لا تكفي نية التقرب) إلى الله (فقط) " لأن
التقرب يتنوع إلى واجب وإلى نفل. وموضيع النية مع التكفير أو قبله بيسير. وإن كانت الكفارة صياما اشترط نية الصيام عن الكفارة في كل ليلة، لقول النبي ﷺ : " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " (٢) .
إذا علمت ذلك (فإن كانت) عليه كفارة (واحدة لم يلزمه تعيين سببها) بنيته
في الأصح، بل ينوي العتق، أو الصوم، أو الإطعام الكفارة الواجبة عليه، لأنه
تعين بكون السبب الموجب لها واحدا.
(ويلزم مع نسيانه) أي: نسيان سببها (كفارة واحدة) في الأصح.
وقيل: تلزمه كفارات بعدد الأسباب كل واحدة عن سبب، كمن نسي صلاة
من يوم لا يعلم عينها فإنه يلزمه خمس صلوات.
(فإن عين) سببا (غيره) أى: غير السبب الذي وجبت الكفارة فيه (غلطا
стр. 4393
و) كان (سببها من جنس) واحد (يتداخل) مثل: كفارة يمين عن لبس غلط
فيها فنواها عن يمين أكل وليست عليه: أجزأه ذلك عما عليه من كفارة يمين
اللبس، أو كانت عليه ونسيها: (أجزأه) ذلك (عن الجميع) أي: جميع ما
عليه من كفارة الأيمان.
(وإن كانت) عليه كفارات (أسبابها من جنس) واحد (لا يتداخل)؛ كما
لو لزمته كفارات لظهاره (١) من نسائه الأربع بكلمة لكل واحده اجزأ عن واحدة.
ولا يجب عليه تعيين سببها بأن ينوي أن هذه الرقبة كفارة عن ظهاري من فلانة، وهذه عن ظهاري من فلانة. فإذا اعتق رقبة واحدة وأطلق بأن لم يعينها عن واحدة
من نسائه حلت له واحدة غير معينة؛ كما لو كان عليه صوم يومين من رمضان فصام منهما يوما.
فال في " شرح المقنع ": وقياس المذهب: أن يقرع بينهن فتخرج المحللة
منهن بالقرعة.
(أو) كانت عليه كفارات (من أجناس؛ كظهار وقتل، و) وطء في (صوم
ويمين) بالله ، (فنوى إحداها) أي: إحدى هذه الأربع:
(أجزأ) ـه ذلك (عن واحدة) منها.
(ولا يجب) أي: ولا يشترط لإجزائها (تعيين سببها) بأن يقول: عن
الظهار، أو عن القتل، أو عن نحو ذلك في الأصح؛ لأنها عبادة واحدة واجبة.
فلم تفتقر صحة أدائها إلى تعيين سببها؛ كما لو كانت من جنس. والله سبحانه
وتعالى أعلم.
стр. 4394
(كتاب اللعان)
واشتقاقه من اللعن؛ لأن كلأ من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة (١) إن كان
كاذبا.
وقيل: لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبا فتحصل اللعنة
عليه، وهي: الطرد والإبعاد.
(وهو) شرعا: (شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونه بلعن
وغضب، قائمة مقام حد قذف أو تعزيبر في (٢) جانبه، و) قائمة مقام (حبس في جانبها) ..
والأصل فيه: قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ … ﴾ الآيات] النور: ٦ - ٩].
وما روى سهل بن سعد " أن عويمر العجلانى أتى رسول الله ﷺ . فقال:
يا رسول الله! أرأيت رجلا وجد مع امرأة رجلا فقتله تقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : قد نزل فيك شيء وفي صاحبتك فاذهب فأت بها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله. فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها
يا رسول الله! إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل ان يأمره رسول الله ﷺ .
قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين " (٣). رواه الجماعة إلا الترمذي.
стр. 4395
إذا علمت ذلك فإنه (من قذف زوجته بزنا ولو) كان ما قذفها به من الزنا
(بطهر وطئ فيه) الزوج، وسواء كان قذفه إياها بالزنا (في قبل أو دبر فكذبته:
لزمه) أي: لزم الزوج (ما يلزم بقذف أجنبية.
ويسقط) عنه ما كان يلزمه لو لم تصدقه (بتصديقها) إياه.
(وله إسقاطه) أي: إسقاط ما كان يلزمه بقذفه (بلعانه ولو وحده) يعني:
وأن تلاعن هي، (حتى) ولو كان ما أسقطه بلعانه (جلدة) من حد القذف (لم
يبق) عليه (غيرها.
وله) أي: وللزوج (إقأمة البينة) عليها (بعد لعانه) بالزنا، (ويثبت
موجبها) أي: موجب البينة.
(وصفته) أي: صفه اللعان: (أن يقول زوج أربعا) أولا: (اشهد بالله
إنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ويشير إليها، ولا حاجة لأن تسمى أو تنسب إلا مع غيبتها، ثم يزيد في خامسة: وإن لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين). ولا يشترط على الأصح أن يقول: فيما رماها به من الزنا.
(ثم) تقول (زوجة أربعا: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من
الزنا، ثم تزيد في خامسة: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين). ولا
يشترط على الأصح أن تقول: فيما رمانى به من الزنا.
(فإن نقص لفظ من ذلك) أي: مما يشترط ذكره (ولو أتيا بالأكثر) من
ذلك، (وحكم حاكم) به: لم يصح؛ لأنه نص القرآن أتى على خلاف القياس
بعدد. فكان واجبا؛ كسائر المقدرات بالشرع.
(أو بدأت به) أي: بدأت المرأة باللعان، (أو قدمت " الغضب "، أو
أبدلته بـ " اللعنة "، أو " السخط "، أو قدم " اللعنة "، أو ابدلها بـ " الغضب "
стр. 4396
أو " الإبعاد "، أو أبدل) لفظ: (" اشهد " بـ " أقسم " أو " أحلف "، أو أتى
به) أي: أتى الزوج باللعان (قبل إلقائه عليه، أو بلا حضور حاكم أو نائبه،
أو) لاعن (بغير العربية من يحسنها و) إن لم يحسنها (لا يلزمه تعلمها إن عجز
عنه) أي: عن اللعان (بها) أي: بالعربية، (أو علقه) أي: علق اللعان
(بشرط، أو عدمت موالاة الكلمات: لم يصح) في الأصح؛ لمخالفته للنص.
ولأن اللعان ورد في القران مسقطا للحد على غير القياس. فوجب أن يتقيد
بلفظه، كما قلنا في التكبير في الصلاة.
(ويصح من أخرس) وفي الأصح، (وممن اعتقل لسانه وأيس من نطقه
إقرار) فاعل يصح (بزنا، ولعان بكتابة) متعلق بيصح، (و) بـ (إشارة
مفهومة)؛ لأنه لا سبيل إلى نطقه في هذه الحالة. فانتقلنا إلى ما تحصل به
معرفة ما في نفسه، وهما الكتابة أو الإشارة (١) للضرورة.
(فلو نطق) من لاعن بإشارة (وأنكر) اللعان، (أو قال: لم أرد قذفا
ولعانا قبل فيما عليه: من حد ونسب) (٢) يعني: فيطالب بالحد ويلحقه
النسب، (لا فيما له: من عود زوجيه) فلا يملك إعادة الزوجة؛ لأنها ملكت
نفسها بذلك بحكم الظاهر. فلا يقبل إنكاره له.
(وله) أي: ولمن لاعن بالإشارة ثم نطق وأنكر، وقلنا لا يقبل إنكاره فيما
عليه من حد أو نسب (أن يلاعن لهما) أي: لإسقاط الحد ونفي نسب الولد.
(وينتظر مرجو نطقه) إذا قذف زوجته وأراد لعانها (ثلاثة ايام).
قال في " الفروع ": ومن رجي نطقه انتظر.
وفي " الترغيب ": ثلاثه أيام.
وفائدة صحة قذف الأخرس ولعانه: أن عندما نأمره باللعان ونحبسه إذا نكل
حتى يلاعن. ذكره في " عيون المسائل "، وكلام غيره يقتضي: أنه يحد. انتهى.
стр. 4397
(وسن تلاعنهما قياما)؛ لأن في حديث ابن عباس في خبر هلال: "أن
هلالا جاء فشهد ثم قامت فشهدت " (١) . وهذا يدل على انهما تلاعنا قياما.
(بحضرة جماعة)؛ لأن ابن عباس وابن عمر وسهلا حضروه مع حداثة
أسنانهم. فدل على أنه حضره جمع كثير؛ لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس
تبعا للرجال، وكذلك قال سهل: " فتلاعنا وأنا مع الناس عند
رسولى الله ﷺ " (٢) .
(و) سن (أن لا ينقصوا عن أربعة) من الرجال؛ لأن الزوجة ربما تصدق
على الزنا فيشهدون على إقرارها عند الحاكم.
(و) أن يكون تلاعنهما (بوقت ومكان معظمين). فالوقت المعظم: بعد
العصر يوم الجمعة؛ لقول الله : ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
وأجمع المفسرون على أن المراد بالصلاة هنا: صلاة العصر.
والمكان المعظم إذا كانا بمكة: بين الركن والمقام، وإذا كانا بالمدينة:
عند منبر رسول الله ﷺ ، وإذا كانا ببيت المقدس؛ عند الصخرة. وإذا كانا
بغير ما ذكر: عند منابر جوامعها.
(و) سن (أن يأمر حاكم من) أي: رجلا (يضع يده على فم زوج، و)
امرأة تضع يدها على فم (زوجة عند الخامسة، ويقول: اتق الله فإنها الموجبة،
وعذاب الدنيا اهون من عذاب الآخرة)، لما أخرجه الجوزجانى في حديثا ابن
عباس (٣) .
стр. 4398
وأما كون الخامسة هي الموجبة فإنه إذا كان ك (٧) اوجبت عنيه اللعنة؛
لالتؤامه إياها في الخامسة، وإن كانت كاذبة وجب عليها الغضب بالتزامها إياه في الخامسة. فينبغي التخويف عندها والإعلام أن عذاب الدنيا أهون من عذاب
الآخرة؛ لأن عذاب الدنيا منقطع وعذاب الآخرة دائم؛ ليتوب الكاذب منهما،
ويرتاع عما عزم علحه.
(ويبعث حاكم إلى) امرأة (خفرة) قذفها زوجها وأراد لعانه، (من يلاعن
بينهما)؛ لحصول الغرض ببعث من يثق الحاكم به. فلا ضرورة إلى
إحضا رها.
وأصل الخفر: الحياء، والخفرة: من تترك الدخول والخروج من منزلها
صيانة.
(ومن قذف زوجتين) أي: زوجتيه (فأكثر ولو) كان قذفه لهن (بكلمة)
واحدة: (أفرد كل واحدة بلعان) على الأصح؛ لأنه قاذف لكل واحدة منهن.
فلزمه أن يلاعنها؛ كما لو لم يقذف (١) غيرها.
ولأن القذف حق لآدمي فلا يتداخل.
стр. 4399
] فصل: في شروط اللعان]
(فصل. وشروطه) أي: شروط اللعان المعتد به شرعا (ثلاثة):
الأول: (كونه بين زوجين مكلفين، ولو) كانا (قنين) أو أحدهما،
(أو) كانا (فاسقين أو ذميين، أو أحدهما) كذلك على الأصح.
أما اعتبار الزوجية؛ فلقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾] النور: ٦].
وأما اعتبار التكليف؛ فلأن قذف غير المكلف لا يوجب حدا. واللعان إنما
وجب لإسقاط الحد، فإذا لم يجب لم يجب اللعان؛ لعدم موجبه.
وإنما لم يعتبر كونهما عدلين أو حرين أو مسلمين؛ لعموم قوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.] النور: ٦].
ولأن اللعان يمين، واليمين يصح من كل مكلف.
إذا تقرر هذا (فيحد) الرجل (بقذف أجنبية بزنا ولو نكحها بعد) أي: بعد
أن قذفها. ولا يملك إسقاطه باللعان؛ لأنه وجب في حال كونها غير زوجة.
(أو قال لها) أي: لزوجته: (زنيت قبل أن أنكحك) فإنه يحد للقذف.
ولا يملك أسقاطه باللعان على الأصح؛ لأنه أضافه إلى حال لم تكن فيه زوجة
له. فلا يلاعن؛ كما لو قذف غير زوجته. وفارق قذف الزوجة؛ لأنه محتاج
إليه؛ لأنها خانته. وإن كان بينهما ولد فهو محتاج إلى نفيه.
وأما إذا تزوجها وهو يعلم زناها فهو المفرط في نكاح حامل من الزنا. فلا
يشرع له طريق إلى نفيه ولا إلى لعانها؛ (كمن أنكر قذف زوجته مع بينة) لها
عليه؛ لأنه منكر لقذفها فكيف يحلف على إثباته، (أو) كمن (كذب نفسه)
بعد أن قذفها؛ لأنه مكذب نفسه في قذفها فكيف يحلف على إثباته.
стр. 4400
(ومن ملك زوجته) الأمة (فأتت بولد لا يمكن) أن يكون (من ملك
اليمين) باًن أتت به لدون ستة أشهر من حين ملكها: (فله نفيه بلعان). وإن
أمكن كونه من ملك اليمين فلا.
(ويعزر) الزوج (بقذف زوجة صغيرة أو مجنونة، ولا لعان) يشرع
بينهما؛ لأنه قول تحصل به الفرقة المؤبدة فلا يصح من غير مكلف، أو يمين.
فلا يصح من غير مكلف؛ كسائر الأيمان.
(ويلاعن من قذفها) أي: قذف زوجته (ثم أبانها) بعد أن قذفها، (أو
قال) لها: (أنت طالق يا زانية ثلاثا)؛ كما لو لم يبنها.
أما في الصورة الأولى؛ فلأنه قذفها قبل التلفظ بالطلاق.
وأما في الثانية؛ فلأنه حصل الطلاق قبله. فلو سكت لم تبن بذلك.
وإنما بانت بقوله: ثلاثا فهو حاصل قبل البينونة، فهو كما لو قذفها ثم
أبانها.
(وإن قذفها في نكاح فاسد، أو) قذفها في حال كونها (مبانة بزنا في
النكاح، أو) بزنا في (العدة، أو قال) لها: (انت طالق ثلاثا يا زانية لاعن لنفي
ولد) إن كان بينهما ولد.
(وإلا) أي: وإن لم يكن بينهما ولد: (حد) للقذف.
أما إذا قذفها في النكاح الفاسد وبينهما ولد فإنه يلحقه بحكم عقد النكاح.
فكان له نفيه باللعان؛ كما لو كان في نكاح صحيح. ويفارق ما إذا لم يكن بينهما
ولد، فإنه لا حاجة إلى قذفها؛ لكونها أجنبية.
أما إذا قذفها وهي بائن وبينهما ولد فإنه يلحقه بحكم النكاح السابق. فكان
له نفيه باللعان؛ كما لو كان النكاح باقيا. وتفارق سائر الأجنبيات فإنه لا يلحقه ولدهن، فلا حاجة به إلى قذفهن.
الشرط (الثاني: سيق قذفها) أي: سبق قذف الزوج زوجته (بزنا ولو في
دبر)؛ لأن كلا منهما قذف يجب به الحد ويسقط باللعان، وسواء في ذلك
стр. 4401
الأعمى والبصير. نص على ذلك، لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ … ﴾ الآية [النور: ٦]. وهذا رام لز وجته.
وذلك (كـ) قوله: (زنيت، أو يا زانية، أو رأيتك تزنين)، أو زنا
فرجك.
(وإن قال) لها: (ليس ولدك مني، أو قال معه: ولم تزن، أو
لا أقذفك، أو وطئت بشبهة، أو) وطئت (مكرهة، أو) وطئت (نائمة، أو)
وطئت (مع إغماء، أو) مع (جنون: لحقه) الولد، (ولا لعان) على
الأصح، لأنه لم يقذفها بما يوجب الحد.
(ومن أقر بأحد توأمين: لحقه) التوأم (الآخر)، لأن الحمل الواحد
لا يجوز أن يكون بعضه منه وبعضه من غيره. فإذا ثبت نسب أحدهما منه ثبت
نسب الاخر ضرورة. فجعلنا ما نفاه تابعا لما استلحقه، ولم يجعل ما استلحقه
تابعا لما نفاه، لأن النسب يحتاط لإثباته، لا لنفيه.
(و) يترتب على هذا: أنه إذا كان قذف أمهما فإنه (يلاعن لنفي الحد) في
الأصح، لأنه لا يلزم من كون الولد منه انتفاء الزنا عنها، كما لا يلزم من وجود
الزنا كون الولد منه. ولذلك لو أقرت بالزنا أو قامت به بينة: لم ينتف الولد عنه
بذلك.
الشرط (الثالث: أن تكذبه) الزوجة في قذفه إياها، ويستمر) تكذيبها
(إلى انقضاء اللعان)، لأنها إذا لم تكذبه لا تلاعنه، والملاعنة إنما تنتظم من
الزوجين.
(فإن صدقته) فيما قذفها به (ولو مرة) واحدة، (أو عفت) أي: أعفته
عن المطالبة بحد قذفه إياها، (أو سكتت) بأن لم تقر ولم تنكر، (أو ثبت زناها
بـ) شهادة (أربعة سواه، أو قذف مجنونة بزنا قبله) أي: قبل جنونها، (أو)
قذف (محصنة فجنت) قبل اللعان، (أو) قذفها [حال كونها] (١) (خرساء،
стр. 4402
أو) حال كونها (ناطقة فخرست) قبل اللعان (ولم تفهم إشارتها، أو) حال
كونها (صماء)، وهناك ولد (لحقه النسب) على أكثر نصوص الإمام أحمد،
(ولا لعان)، لأن وجوب الحد شرط اللعان، لأنه ثبت لدرء (١) الحد عن
القاذف. فإذا لم يجب الحد لم يكن للعان فائدة كما سبق. ونفي الولد جاء تبعا
للعان، لا مقصودا لنفسه. فإذا انتفى اللعان انتفى نفي الولد.
(وإن مات أحدهما) أي: أحد الزوجين (قبل تتمته) أي: تتمة اللعان:
(توارثا وثبت النسب، ولا لعان)؛ لأن اللعان لم يوجد. فلم يثبت حكمه.
وكذا إن مات أحدهما قبل لعانها وبعد لعانه؛ لأنه مات قبل تلاعن الزوجين؛
لأن الشرع إنما رتب هذه الأحكام على اللعان التام، والحكم لا يثبت قبل كمال
سببه، ويتوارثان لبقاء الزوجية.
(وإن مات الولد: فله لعانها ونفيه) بعد موته؛ لأن شروط اللعان تتحقق
بدون الولد فلا ينتفي بموته.
(وإن لاعن، ونكلت) الزوجة عن اللعان: (حبست حتى تقر أربعا) أي:
أربع مرات، (أو تلاعن) على الأصح.
قال أحمد: فإن أبت المراة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت
أن أحكم عليها بالرجم؛ لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا
أبت اللعان؟
ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا، لأن الفراش قائم حتى تلتعن،
والولد للفراش.
стр. 4403
] فصل: فيما يترتب على اللعان]
(فصل. ويثبت بتمام تلاعنهما أربعة أحكام):
الحكم الأول: (سقوط الحد) عنه إن كانت الزوجة محصنه، (أو
التعزير) إن لم تكن محصنه، (حتى) أنه يسقط عنه حد القذف أو التعزير
(لمعين) أي: لرجل معين (قذفها به) باًن قال لها: زنيت بزيد فإنه يسقط عنه
حد القذف لزيد، (ولو اغفله) أي: أغفل ذكر الرجل الذي عينه (فيه) أي:
في اللعان؛ لأن اللعان بينة في أحد الطرفين باتفاق. فكان بينة في الطرف
الاخر؛ كالشهادة.
ولأن به حاجة إلى قذف الزانى لما أفسد عليه من فراشه، وربما يحتاج إلى
ذكره ليستدل بشبه الولد للمقذوف على صدق قاذفه.
والأصل في ذلك ما روى ابن عباس: " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند
النبي ﷺ بشريك بن سحماء. فقال النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك. فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إنى لصادق. ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل ﵇ بقوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]. فانصرف النبي ﷺ . فأرسل إليها. فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كان عند الخامسة وقفوها. فقالوا: إنها موجبة. ونكصت حتى
ظننا أنها ترجيع. ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت. وقال
النبي ﷺ : انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك. فقال النبي ﷺ : لولا ما مضى من
стр. 4404
كتاب الله لكان لي ولها شأن " (١) . رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي.
فأسقط الحد باللعان مع تعيين قذفها به.
الحكم (الثاني: الفرقة) بين المتلاعنين (ولو بلا فعل حاكم) يعني: ولو
لم يفرق الحاكم بينها على الأصح.
الحكم (الثالث: التحريم المؤبد)؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه
أنه قال: " المتلاعنان يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا " (٢) رواه سعيد.
ولأن اللعان معنى يقتضي التحريم المؤبد. فلم يقف على حكم الحاكم؛ كالرضاع.
ولأن الفرقة لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهاه؛
كالتفريق للعيب والإعسار. ولوجب أن الحاكم إذا لم يفرق بينهما: أن يبقى
النكاح مستمرا.
فعلى المذهب: يحصل التحريم المؤبد (ولو أكذب نفسه) على الأصح؛
لأن الأخبار جاءت عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم " أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا " (٣) .
(أو كانت أمة فاشتراها بعده) يعني: أن اللعان يثبت التحريم المؤبد حتى
ولو لاعن زوجته الأمة ثم اشتراها من سيدها بعد أن لاعنها لم يحل له وطئها في
الأصح؛ لأنه تحريم مؤبد. فحرمت على مشتريها؛ كتحريم الرضاع.
стр. 4405
ولأن المطلق ثلاثا إذا اشترى مطلقته لم تحل له قبل زوج وإصابة فهاهنا
أولى.
الحكم (الرابع: انتفاء الولد) عن الملاعن. (ويعتبر له) أي: لانتفائه
(ذكره صريحا) في اللعان؛ (كأشهد بالله: لقد زنت، وما هذا بولدي،
وتعكس هي) فتقول: أشهد بالله لقد كذب وهذا الولد ولده؛ لأنها أحد
الزوجين. فكان ذكر الولد منها شرطا في اللعان؛ كالزوج.
(أو) ذكره (تضمنيا؛ كقول) ملاعن (مدع زناها في طهر لم يصبها فيه،
وأنه اعتزلها حتى ولدت) عند التلاعن: (أشهد بالله إني لصادق فيما ادعيت
عليها، أو) فيما (رميتها به من زنا ونحوه) فينتفي.
(ولو نفى عددا) من الأولاد: (كفاه لعان واحد). ولم يحك في
" الإنصاف " في ذلك خلافا.
(وإن نفى حملا، أو استلحيقه، أو لاعن عليه مع ذكره: لم يصح) نفيه.
(ويلاعن) أولا (لدرء حد، وثانيا بعد وضع لنفيه)؛ لأنه من الجائز أن
يكون ما في بطنهما ريحا فهو حمل غير متيقن. فيصير الإقرار به أو نفيه مشروطا بوجوده، وكذا اللعان عليه، ولا يصح ذلك بشرط.
ولأن الإجماع منعقد على أنه لو تركه فلم ينفه لم يلزمه بذلك، وله أن ينفيه
بعد وضعه. وهذا يدل على اعتبار التعيين في وجوده، لكن إذا قال هو: من زنا
فهو قاذف فيلاعن لدرء الحد لا لنفيه؛ كما لو لم تكن حاملا فإذا وضعته وشاء
نفيه لاعن ثانيا لنفيه.
قال في " المحرر" بعد أن ذكر أن الحمل لا ينتفي باللعان: إلا أن يصف زنا
يلزم منه نفيه؛ كمن ادعى زناها في طهر لم يصبها فيه واعتزالها حتى ظهر حملها، ثم لاعنها لذلك، ثم وضعته لمدة الإمكان من دعواه: فإنه ينتفى عنه. انتهى.
قال شارحه: فإن كان وصف ما يلزم منه نفي الولد؛ كمن ادعى أنها زنت
في ظهر لم يجامعها فيه، وأنه اعتزلها حتى ظهر حملها، ثم لاعنها لذلك فإنه
стр. 4406
ينتفي الحمل إذا وضعته لمدة الإمكان من حين ادعى ذلك؛ لأنه ادعى ما يلزم منه نفيه. فانتفى عنه؛ كما لو لاعن عليه بعد ولادته. انتهى.
ولم يذكرا في ذلك خلافا.
(ولو نفى) إنسان (حمل اجنبة) أي: مخير زوجته: (لم يحد)؛ لأن
ذلك ليس بقذف؛ (كتعليقه) أي: تعليق الزوج أو غيره (قذفا بشرط)؛ كما
لو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت زانية، أو إن دخلت الدار فأنب زانيه.
(إلا) إن قال لها: (أنت زانية إن شاء الله) فيكون قذفا.
(لا) إن قال لها: (زنيب إن شاء الله) فإنه لا يكون قذفا.
وأكثر ما قيل في الفرق بين الصورتين: أن الجملة الإسمية تدل على ثبوت
الوصف فلا تقبل التعليق. والجملة الفعلية تقبله؛ كقولهم، للضعيف: طبت إن
شاء الله ويكون مرادهم بذلك التبرك والتفاؤل بالعافية.
(وشرط لنفي ولد بلعان:
أن لا يتقدمه) أي: يتقدم اللعان (إقرار به) أي: بالولد الذي يرلد نفيه.
(أو) إ قرار (بتوأمه.
أو) لا يتقدم اللعان (بما يدل عليه) أي: على الإقرار به؛ (كما لو نفاه
وسكت عن توأمه، أو هنئ به فسكت، أو أمن على الدعاء) بالهناء به، (أو أخر
نفيه مع إمكانه) من غير عذر، أو أخره (رجاء موته) فيلحقه؛ لأنه خيار ثبت
لدفع ضرر متحقق. فكان على الخيار؛ كخيار الشفعة.
وقيل: له نفيه ما دام في المجلس.
لا إن أخره مع عذر مثل: أن تلده ليلا، أو يكون جائعا أو ظمآنا، أو يخاف
ضياع ماله باشتغاله بنفيه فيؤخره إلى زوال عذره فقط فلا يلحقه.
(وإن قال: لم أعلم به) أي: بالولد، (أو) لم أعلم (أن لي نفيه، أو)
لم أعلم (أنه) أي: نفيه (على الفور وأمكن صدقه قبل) منه بيمينه؛ لأن
الأصل عدم العلم. وإن لم يمكن صدقه بأن ادعى عدم العلم به وهو معها في
стр. 4407
الدار، أو ادعى عدم العلم بملك نفيه وهو فقيه لم يقبل منه، لأن ذلك مما
لا يخفى على الفقيه.
(وإن أخره) أي: أخر نفيه (لعذر؛ كحبس، ومرض، وغيبة، وحفظ
مال، أو ذهاب ليل، ونحو ذلك)؛ كملازمة غريم يخاف فوته أو غيبته: (لم
يسقط نفيه).
وإن علم بولادته وهو غائب عن البلد فأمكنه السير فاشتغل به لم يسقط نفيه،
وإن أقام من غير حاجة سقط.
(ومتى أكذب نفسه بعد نفيه: حد لمحصنة) أي: إن كانت أم ولد
محصنة، (وعزر لغيرها) أي: لغير المحصنة؛ كما لو كانب أم الولد أمة أو
ذمية، وسواء كان قد لاعن قبل ذلك أو لم يلاعن؛ لأن اللعان يمين أو بينة درأت
عنه الحد أو التعزير. فإذا أقر بما يخالف المحلوف بعد ذلك سقط حكمها؛ كما
لو حلف أو أقام بينة على حق غير ذلك ثم أقر به.
(وانجر النسب) أي: نسب الولد الذي نفاه أولا (من جهة الأم إلى جهة
الأب) الذي أكذب على نفسه بعد نفيه؛ (كولاء) يعني: كما ينجر الولاء من
موالي الأم إلى موالي الأب بعتق الأب.
(وتوارثا) أي: وورث كل من الأب الذي أكذب نفسه والولد الذي
استلحقه بعد نفيه الآخر؛ لأن الإرث تابع للنسب. فإذا ثبت النسب ثبت
الإرث.
ولا فرق في ذلك بين كون] [أحدهما غنيا أو فقيرا، ولا بين كون] (١) الولد
حيا أو ميتا، ولا بين كون الولد له ولد أو لا؛ لأن ولد الولد يتبع نسب الولد.
فإن قيل: يستلحق الولد الميت إذا كان غنما إنما يدعي مالا.
قلنا: إنما يدعي النسب، والميراث تبع له.
فإن قيل: [هو متهم في أن غرضه حصول الميراث.
стр. 4408
قلنا: النسب لا تمنيع التهمة لحوقه، بدليل أنه لو كان الابن حيا غنيا والأب
فقيرا فاستلحقه [ (١) فهو متهم في إيجاب نفقته على الابن، ولا يمنع ذلك ثبوت
النسب، لأن النفقة تابعة للنسب؛ كالإرث.
(ولا يلحقه) يعني: أن الملاعن لا يلحقه نسب الولد الذي نفاه ثم مات
(باستلحاق ورثته بعده) على الأصح. نص عليه، لأن الوارث إذا حمل على
غيره نسبا قد نفاه عنه لم يقبل منه.
ولأن نسب الولد انقطع بنفيه عن الميت، لتفرده بالعلم به دون غيره.
ولذلك لا تقبل الشهادة به، إلا أن تستند إلى قوله. فلا يقبل إقرار غيره به عليه،
كما لو شهد به.
(والتوأمان المنفيان: أخوان لأم) فقط في الأصح، لانتفاء النسب من جهة
الأب.
(ومن نفى من) أي: ولدا (لا ينتفي)؛ كمن أقر به قبل ذلك، أو وجد منه
ما يدل على الرضى به، (وقال: إنه من زنا حد إن لم يلاعن) على الأصح،
لأنه قذف زوجته. فكان له إسقاط الحد باللعان.
стр. 4409
(فصل: فيما يلحق من النسب)
(من أتت زوجته بولد، بعد نصف سنة منذ أمكن اجتماعه بها، ولو مع غيبة
فوق أربع سنين).
قال في " الفروع ": ولو مع غيبته (١) عشرين سنة. قاله في " المغني " في
مساً لة القافة، وعليه نصو صأحمد. ولعل المراد ويخفى سيره، وإلا فالخلاف
على ما يأتي. انتهى.
(ولا ينقطع الإمكان) عن الاجتماع (بحيض).
قالط في " الفروع ": ولا ينقطع الإمكان عنه بالحيض. قاله في
" الترغيب ". انتهى.
(أو) الت به (لدون أربع سنين منذ أبانها) زوجها، (ولو) كان الزوج
(ابن عشر فيهما) أي: في حين إمكان اجتماعه بها وفي حين إبانتها: (لحقه
نسبه) على الأصح؛ لقولط النبي ﷺ : " الولد للفراش " (٢) .
стр. 4410
ولأن مع ذلك يمكن كونه منه.
وقدرنا بعشر سنين فما زاد؛ لقول النبي ﷺ : "واضربوهم عليها لعشر
وفرقوا بينهم في المضاجع " (١) .
ولأن تمام عشر سنين زمن يمكن فيه البلوغ. فيلحق فيه الولد؛ كالبالغ.
وقد روي أن عمرو بن العاص وابنه لم يكن بينهما إلا اثنا عشر عافا.
وأمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع دليل على إمكان الوطء الذي هو سبب الولادة.
(ومع هذا) أي: مع لحوق النسب به (لا يحكم ببلوغه)؛ لأن الحكم
بالبلوغ يستدعي يقينا لترتيب الأحكام عليه من التكاليف ووجوب الغرامات فلا
يحكم به مع الشك. وإنما ألحقنا الولد به حفظا للنسب احتياطا.
(ولا يكمل به) أي: بإلحاقنا به النسب (مهر)؛ لأن الأصل براءة ذمته فلا
نثبته عليه بدون ثبوت نسبه الموجب له.
(ولا تثبت) به (عدة ولا رجعة)؛ لأن السبب الموجب لهما غير ثابت فلا
يثبتان بدون ثبوت سببهما.
(وإن لم يمكن كونه منه) أي: من الزوج؛ (كلأن) أي: مثل ما لو (أتت
به لدون نصف سنة منذ تزوجها وعاش) لم يلحقه؛ لأنها مدة لا يمكن ان تحمل
وتلد فيها. فعلم أنها كانت حاملا به قبل تزوجها.
(أو) أتت به (لأكثر من أربع سنين منذ أبانها) لم يلحقه؛ لأن بقاءها حاملا
به بعد البينونة إلى تلك المدة غير ممكن فعلم انها حملت به بعد بينونتها.
(أو أقرت بانقضاء عدتها بالقروء، ثم ولدت لفوق نصف سنة منها) أي:
من عدتها التي أقرت بانقضائها بالقرء لم يلحقه؛ لأنها أتت به بعد الحكم بانقضاء
стр. 4411
عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه. فلم يلحقه، كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل. وإنما يعتبر الإمكان مع بقاء الزوجية أو العدة، وأما بعدهما فلا يكتفى
بإلإمكان للحاق النسب وإنما يكتفى بالإمكان لنفيه؛ وذلك لأن الفراش سبب
ومع وجود السبب يكتفى بالإمكان. فإذا انتفى السبب وآثاره انتفى الحكم
بالإمكان لانتفاء سببه.
وعلم مما تقدم أنها إن ولدت قبل مضي ستة أشهر من آخر أقرائها: أنه يلحق
الزوج؛ لأنا تيقنا (١) أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها، وأنها كانت حاملا به في
زمن (٢) روية الدم فيلزم أن لا يكون الدم حيضا. فلم تنقض عدتها به.
(أو فارقها حاملا فوضعت، ثم) وضعت (آخر بعد نصف سنة) لم يلحقه
الولد الثانى، لأنه لا يمكن أن يكون الولدان حملا واحدا. فعلم أنها علقت به
بعد زوال الزوجية وانقضاء العدة، وكونها حملت به وهي أجنبية.
(أو علم انه) أي: أن الزوج (لم يجتمع بها) زمن الزوجية: (بأن تزوجها
بمحضر حاكم أو غيره ثم ابانها) بالمجلس، (أو مات) الزوج (بالمجلس، أو
كان بينهما) أي: بين الزوجين (وقت عقد مسافة لا يقطعها في المدة التي ولدت
فيها)، كمشرقي تزوج بمغربية ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه نسبه؛
لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم إذا مضى زمن
الإمكان لحق الولد، وإن علم أنه لم يحصل منها الوطء.
ولأنه لم يحصل إمكان الوطء في هذا العقد. فلم يلحق به الولد؛ كزوجة
الطفل.
(أو كان الزوج لم يكمل له عشر) من السنين، (أو قطع ذكره مع أنثييه: لم
يلحقه) نسبه، لأنه يستحيل منه الإيلاج والإنزال.
(ويلحق) النسب زوجا (عنينا) في الأصح، (ومن قطع ذكره فقط) أي:
стр. 4412
دون أنثييه في الأصح، (وكذا من قطعت أنثياه فقط، عند الأكثر) من الأصحاب.
قال في "المقنع ": وإن قطع أحدهما فقالط أصحابنا: يلحقه نسبه. وفيه بعد.
ووجه بعده: أنه لا يخلق منه ولد عادة ولا وجد ذلك. فأشبه ما لو قطع ذكره
مع أنثييه في الأصح.
(وقيل: لا) يلحقه نسبه مع قطيع أنثييه.
قال (المنقح: وهو الصحيح).
ووجهه: ما تقدم.
(وإن ولدت) مطفقة (رجعية بعد أربع سنين منذ طلقها وقبل) أربع سنين
منذ (انقضاء عدتها، أو لأقل من أربع سنين منذ انقضت) عدتها: (لحق نسبه)
أي: نسب ما ولدته بالمطلق في الأصح؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات في
السكنى والنفقة ووقوع الطلاق عليها والظهار والإيلاء والحل. فأشبهت ما قبل الطلاق.
(ومن أخبرت) بالبناء للمفعول (بموت زوجها فاعتدت) للوفاة، (ثم
تزوجت) ثم ولدت: (لحق بثان) أي: بالزوج الثاني الذي تزوجته (ما ولدت)
وعاش (لنصف سنة فأكثر) منذ تزوجته. نص عليه؛ لأن ما ولدته لدون ذلك
ليس منه يقينا.
стр. 4413
] فصل: متى يلحق الولد]
(فصل. ومن ثبت) أنه وطئ أمته في الفرج أو دونه، (أو أقر أنه وطئ أمته
في الفرج أو دونه، فولدت لنصف سنة) فأكثر (لحقه) نسب ما ولدته؛ لأن أمته
بوطئه صارت فراشا له. فإذا أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء لحقه نسبه؛
" لأن سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن ولمدة زمعة. فقال: هو أخي وابن وليدة
أبي، ولد على فراشي. فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد بن زمعه. الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١) . متفق عليه. فيلحقه.
(ولو قال: عزلت، أو) قال: (لم أنزل)؛ لما روى ابن عمر أن عمر
رضي الله تعالى عنه قال: " ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلون. لا تأتني
وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد أو أنزلوا " (٢) .
رواه الشافعي في " مسنده ".
وهي (٣) قضية اشتهرت ولم تنكر فتكون إجماعا.
ولأنها ولدت على فراشه ولدا يمكن كونه منه، بأن يكون أنزل ولم يحس
به، أو أصاب بعض الماء فم الرحم وعزل بافيه فيلحقه نسبه.
(لا إن ادعى استبراء) بعد الوطء بحيضة فلا يلحقه؛ لأن بالاستبراء تيقن
براءة رحمها. فإذا ولدت بعد ذلك تيقنا أنه من غيره فلا يلحق به.
стр. 4414
(ويحلف عليه) أي: على الاستبراء في الأصح؛ لأنه حق لولد لولا دعواه
للحق به. فيحلف لنفيه، كما يحلف الزوج لنفي الولد في اللعان.
(ثم تلد لنصف سنة بعده) أي: بعد الاستبراء؛ لأنها إن ولدت قبل نصف
سنه من حين الاستبراء تبينا ان لا استبراء، ويلحقه.
(وإن أقر) سيد أمة (بالوطء) أي: بوطء أمته (مرة) واحدة، (ثم ولدت
ولو بعد أربع سنين من وطئه: لحقه) نسب ما ولدته فى الأصح؛ لأنه باعترافه
بالوطء صارت فراشا له. فلحقه ما ولدته بعد ذلك وإن جاوز أكثر مدة الحمل؛ لإمكان كونه منه.
(ومن استلحق ولدا) من أمته ثم ولدت بعد ذلك ولدا آخر: (لم يلحقه ما
بعده) أي: بعد الذي استلحقه (بدون إقرار آخر) أي: غير الإقرار الأول في
الأصح انه (١) وطئها بعد ما ولدت الولد الأول؛ لأن الوطء الذي اعترف به أولا
قد ولدت منه وحصل به استبرأوها من الوطء الأول، فلا يلحقه ما بعده إلا بوطء
يمكن أن يكون منه.
(ومن أعتق) أمة اقر بوطئها (أو باع من أقر بوطئها، فولدت لدون نصف
سنة) من حين عتقها أو لدون نصف سنة من حين بيعها: (لحقه) أي: لحق.
المعتق أو البائع ما ولدته؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر. فإذا أتت به لدونه وعاش
علم ان حملها كان قبل عتقها وقبل بيعها حين كان فراشا له، (والبيع باطل)؛
لأنها صارت أم ولد له، حتى (ولو) كان (استبرأها قبله) أي: قبل أن يبيعها؛
لأنها لما ولدت لدون نصف سنة من حين البيع تبينا أن ما رأته من الدم دم فساد؛
لأن الحامل لا تحيض.
(وكذا) الحكم: (إن لم يستبرئها) بل بيعها (وولدته لأكثر) من نصف
سنة وأقل من أربع سنين من حين بيع، (وادعى مشثر انه) أي: أن الولد (من
بائع) فإنه يلحق بالبائع؛ لأنه وجد منه سبب الولادة وهي الوطء، ولم يوجد ما
стр. 4415
يعارضه ولا ما يمنعه. فتعين إحالة حكمه على من وجد السبب منه، سواء ادعاه
البائع أو لم يدعه.
(وإن ادعاه) أي: ادعى الولد (مشتر لنفسه) فيما إذا باعها قبل استبرائها
وولدته لأكثر من نصف سنة من حين بيع، (أو) ادعى في هذه الصوره (كل
منهما) أي: من البائع والمشتري (أنه) أي: أن الولد (للآخر والمشتري مقر
بوطئها) في هذه الصورة: (أري) الولد (القافة) على الأصح. نقله صالح
وحنبل؛ لأن نظر القافة طريق شرعي إلى معرفة النسب عند الاحتمال، بدليل ما روت عائشه قالت: "إن رسول الله ﷺ دخل علي مسرورا، تبرق أسارير (١) وجهه. فقال: ألم تري أن مجززا نظر انفا إلى زيد بن حارثة وأسأمة بن زيد،
فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٢) . رواه الجماعة. وهذا لفظ أحمد
والبخاري.
(وإن استبرئت) أي: استبرأ البائع الجارية التي وطئها ثم باعها (ثم ولدت
لفوق نصف سنة) من حين البيع، (أو لم تستبرا) يعني: أو باعها ولم يستبرئها
وولدت لفوق نصف سنة من حين البيع، (ولم يقر مشتر له) أي: للبائع (به)
أي: بالولد الذي ولدته: (لم يلحق) الولد (بائعا)؛ لأنه ولد أمة المشتري
فلا يقبل دعوى غيره له إلا بإقرار من المشتري.
(وإن ادعاه) أي: ادعى البائع أن الولد ولده (وصدقه مشتر) على ذلك