عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه. فلم يلحقه، كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل. وإنما يعتبر الإمكان مع بقاء الزوجية أو العدة، وأما بعدهما فلا يكتفى
بإلإمكان للحاق النسب وإنما يكتفى بالإمكان لنفيه؛ وذلك لأن الفراش سبب
ومع وجود السبب يكتفى بالإمكان. فإذا انتفى السبب وآثاره انتفى الحكم
بالإمكان لانتفاء سببه.
وعلم مما تقدم أنها إن ولدت قبل مضي ستة أشهر من آخر أقرائها: أنه يلحق
الزوج؛ لأنا تيقنا (١) أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها، وأنها كانت حاملا به في
زمن (٢) روية الدم فيلزم أن لا يكون الدم حيضا. فلم تنقض عدتها به.
(أو فارقها حاملا فوضعت، ثم) وضعت (آخر بعد نصف سنة) لم يلحقه
الولد الثانى، لأنه لا يمكن أن يكون الولدان حملا واحدا. فعلم أنها علقت به
بعد زوال الزوجية وانقضاء العدة، وكونها حملت به وهي أجنبية.
(أو علم انه) أي: أن الزوج (لم يجتمع بها) زمن الزوجية: (بأن تزوجها
بمحضر حاكم أو غيره ثم ابانها) بالمجلس، (أو مات) الزوج (بالمجلس، أو
كان بينهما) أي: بين الزوجين (وقت عقد مسافة لا يقطعها في المدة التي ولدت
فيها)، كمشرقي تزوج بمغربية ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه نسبه؛
لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم إذا مضى زمن
الإمكان لحق الولد، وإن علم أنه لم يحصل منها الوطء.
ولأنه لم يحصل إمكان الوطء في هذا العقد. فلم يلحق به الولد؛ كزوجة
الطفل.
(أو كان الزوج لم يكمل له عشر) من السنين، (أو قطع ذكره مع أنثييه: لم
يلحقه) نسبه، لأنه يستحيل منه الإيلاج والإنزال.
(ويلحق) النسب زوجا (عنينا) في الأصح، (ومن قطع ذكره فقط) أي:
стр. 4412
دون أنثييه في الأصح، (وكذا من قطعت أنثياه فقط، عند الأكثر) من الأصحاب.
قال في "المقنع ": وإن قطع أحدهما فقالط أصحابنا: يلحقه نسبه. وفيه بعد.
ووجه بعده: أنه لا يخلق منه ولد عادة ولا وجد ذلك. فأشبه ما لو قطع ذكره
مع أنثييه في الأصح.
(وقيل: لا) يلحقه نسبه مع قطيع أنثييه.
قال (المنقح: وهو الصحيح).
ووجهه: ما تقدم.
(وإن ولدت) مطفقة (رجعية بعد أربع سنين منذ طلقها وقبل) أربع سنين
منذ (انقضاء عدتها، أو لأقل من أربع سنين منذ انقضت) عدتها: (لحق نسبه)
أي: نسب ما ولدته بالمطلق في الأصح؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات في
السكنى والنفقة ووقوع الطلاق عليها والظهار والإيلاء والحل. فأشبهت ما قبل الطلاق.
(ومن أخبرت) بالبناء للمفعول (بموت زوجها فاعتدت) للوفاة، (ثم
تزوجت) ثم ولدت: (لحق بثان) أي: بالزوج الثاني الذي تزوجته (ما ولدت)
وعاش (لنصف سنة فأكثر) منذ تزوجته. نص عليه؛ لأن ما ولدته لدون ذلك
ليس منه يقينا.
стр. 4413
] فصل: متى يلحق الولد]
(فصل. ومن ثبت) أنه وطئ أمته في الفرج أو دونه، (أو أقر أنه وطئ أمته
في الفرج أو دونه، فولدت لنصف سنة) فأكثر (لحقه) نسب ما ولدته؛ لأن أمته
بوطئه صارت فراشا له. فإذا أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء لحقه نسبه؛
" لأن سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن ولمدة زمعة. فقال: هو أخي وابن وليدة
أبي، ولد على فراشي. فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد بن زمعه. الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١) . متفق عليه. فيلحقه.
(ولو قال: عزلت، أو) قال: (لم أنزل)؛ لما روى ابن عمر أن عمر
رضي الله تعالى عنه قال: " ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلون. لا تأتني
وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد أو أنزلوا " (٢) .
رواه الشافعي في " مسنده ".
وهي (٣) قضية اشتهرت ولم تنكر فتكون إجماعا.
ولأنها ولدت على فراشه ولدا يمكن كونه منه، بأن يكون أنزل ولم يحس
به، أو أصاب بعض الماء فم الرحم وعزل بافيه فيلحقه نسبه.
(لا إن ادعى استبراء) بعد الوطء بحيضة فلا يلحقه؛ لأن بالاستبراء تيقن
براءة رحمها. فإذا ولدت بعد ذلك تيقنا أنه من غيره فلا يلحق به.
стр. 4414
(ويحلف عليه) أي: على الاستبراء في الأصح؛ لأنه حق لولد لولا دعواه
للحق به. فيحلف لنفيه، كما يحلف الزوج لنفي الولد في اللعان.
(ثم تلد لنصف سنة بعده) أي: بعد الاستبراء؛ لأنها إن ولدت قبل نصف
سنه من حين الاستبراء تبينا ان لا استبراء، ويلحقه.
(وإن أقر) سيد أمة (بالوطء) أي: بوطء أمته (مرة) واحدة، (ثم ولدت
ولو بعد أربع سنين من وطئه: لحقه) نسب ما ولدته فى الأصح؛ لأنه باعترافه
بالوطء صارت فراشا له. فلحقه ما ولدته بعد ذلك وإن جاوز أكثر مدة الحمل؛ لإمكان كونه منه.
(ومن استلحق ولدا) من أمته ثم ولدت بعد ذلك ولدا آخر: (لم يلحقه ما
بعده) أي: بعد الذي استلحقه (بدون إقرار آخر) أي: غير الإقرار الأول في
الأصح انه (١) وطئها بعد ما ولدت الولد الأول؛ لأن الوطء الذي اعترف به أولا
قد ولدت منه وحصل به استبرأوها من الوطء الأول، فلا يلحقه ما بعده إلا بوطء
يمكن أن يكون منه.
(ومن أعتق) أمة اقر بوطئها (أو باع من أقر بوطئها، فولدت لدون نصف
سنة) من حين عتقها أو لدون نصف سنة من حين بيعها: (لحقه) أي: لحق.
المعتق أو البائع ما ولدته؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر. فإذا أتت به لدونه وعاش
علم ان حملها كان قبل عتقها وقبل بيعها حين كان فراشا له، (والبيع باطل)؛
لأنها صارت أم ولد له، حتى (ولو) كان (استبرأها قبله) أي: قبل أن يبيعها؛
لأنها لما ولدت لدون نصف سنة من حين البيع تبينا أن ما رأته من الدم دم فساد؛
لأن الحامل لا تحيض.
(وكذا) الحكم: (إن لم يستبرئها) بل بيعها (وولدته لأكثر) من نصف
سنة وأقل من أربع سنين من حين بيع، (وادعى مشثر انه) أي: أن الولد (من
بائع) فإنه يلحق بالبائع؛ لأنه وجد منه سبب الولادة وهي الوطء، ولم يوجد ما
стр. 4415
يعارضه ولا ما يمنعه. فتعين إحالة حكمه على من وجد السبب منه، سواء ادعاه
البائع أو لم يدعه.
(وإن ادعاه) أي: ادعى الولد (مشتر لنفسه) فيما إذا باعها قبل استبرائها
وولدته لأكثر من نصف سنة من حين بيع، (أو) ادعى في هذه الصوره (كل
منهما) أي: من البائع والمشتري (أنه) أي: أن الولد (للآخر والمشتري مقر
بوطئها) في هذه الصورة: (أري) الولد (القافة) على الأصح. نقله صالح
وحنبل؛ لأن نظر القافة طريق شرعي إلى معرفة النسب عند الاحتمال، بدليل ما روت عائشه قالت: "إن رسول الله ﷺ دخل علي مسرورا، تبرق أسارير (١) وجهه. فقال: ألم تري أن مجززا نظر انفا إلى زيد بن حارثة وأسأمة بن زيد،
فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٢) . رواه الجماعة. وهذا لفظ أحمد
والبخاري.
(وإن استبرئت) أي: استبرأ البائع الجارية التي وطئها ثم باعها (ثم ولدت
لفوق نصف سنة) من حين البيع، (أو لم تستبرا) يعني: أو باعها ولم يستبرئها
وولدت لفوق نصف سنة من حين البيع، (ولم يقر مشتر له) أي: للبائع (به)
أي: بالولد الذي ولدته: (لم يلحق) الولد (بائعا)؛ لأنه ولد أمة المشتري
فلا يقبل دعوى غيره له إلا بإقرار من المشتري.
(وإن ادعاه) أي: ادعى البائع أن الولد ولده (وصدقه مشتر) على ذلك
стр. 4416
(في هذه) الصورة، (أو في) صورة (ما إذا باع) إنسان جارية لآخر (ولم
يقر) البائع (بوطء) أي: بأنه وطئها، (وأتت به) أي: بولد (لدون نصف
سنة) من حين بيع، وادعى البائع أنه ولده وصدقه المشتري على ذلك:
(لحقه) أي: لحق الولد البائع، (وبطل البيع)؛ لأن الحق في ذلك
لا يعدوهما. فإذا تصادقا على شيء لزمهما.
(وإن لم يصدقه مشتر) أي: يصدق المشتري البائع في دعواه في
الصورتين: (فالولد عبد له) أي: للمشتري (فيهما) أي: في الصورتين،
ولا يثبت نسبه من البائع في الأصح، لأن فيه ضررا على المشتري فإنه لو أعتقه
كان أبوه أحق بميراثه من مولاه.
(وإن ولدت من مجنون، من) أي: أمة (لا ملك له) أي: للمجنون
(عليها) أي: على الأمة (ولا شبهة ملك: لم يلحقه) أي: يلحق المجنون
نسب ما ولدته منه، لأن وطئه لم يستند إلى ملك ولا اعتقاد إباحة. فإن كان قد
أكرهها على الوطء. فعليه مهر مثلها، كالمكلف، لأن الضمان يستوي فيه
المكلف وغيره.
(ومن قال عن ولد بيد سريته، أو) بيد (زوجته، أو) بيد (مطلقته: ما
هذا ولدي، ولا ولدته) أنت (فإن شهدت) امرأة واحدة في الأصح (مرضية
بولادتها له: لحقه) نسب الولد.
(وإلا) أي: وإن لم تشهد امرأة مرضية: (فلا) يقبل قولها عليه، لأن
الولادة يمكن إقأمة البينة عليها. والأصل عدمها. فكانت البينة على مدعيها،
وكان القول قول من ينكرها.
(ولا آثر لشبه) لأحد مدعي ولد (مع) وجود (فراش) ينتمي إليه الولد؛
لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " اختصم سعد بن أبي وقاص
وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ . فقال سعد: يا رسول الله! ابن اخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه. انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي
يا رسول الله! ولد على فراش أبي. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبها بينا
стр. 4417
بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي
منه يا سودة بنت زمعة " (١) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
فألحق الولد بصاحب الفراش مع تحققه أنه من عتبة بالشبه، ولذلك قال
لسودة: " احتجبي منه ".
ولأن الفراش كاليد على غير الولد. فقدم صاحب الفراش كما يقدم صاحب اليد. (وتبعيه (٢) نسب لأب) إجماعا، (ما لم ينتف، كابن ملاعنة) فولد قرشي
من غير قرشية قرشي. بخلاف ولد قرشية من غير قرشي فإنه لا يكون قرشيا. (وتبعيه ملك أو) تبعية (حرية لأم، إلا مع شرط) بأن يشترط زوج الأمة
على سيدها عند تزويجها أن ما تأتي منه بولد يكون حرا، (أو) مع (غرور) بأن يتزوج امراة على أنها حرة فتبين أمة، فإن ولدهما في الصورتين يكون حرا.
(وتبعية دين) أي: دين ولد (لخيرهما) أي: خير أبويه دينا. فلو تزوج
مسلم حرة كتابية، أو تسرى مسلم بأمة كتابية فما تلده يكون مسلما، وإذا تزوج
كتابي بحرة مجوسية، أو تسرى بأمة مجوسية فما تلده منه يكون كتابيا.
(وتبعية نجاسة وحرمة أكل لأخبثهما) أي: أخبث الأبوين. فالبغل نجس
محرم الأكل لتبعيته لأخبث أبويه وهو الحمار الذي هو نجس محرم الأكل دون أطيبهما الذي هو الفرس الطاهر المباح الأكل. والله أعلم.
стр. 4418
[كتاب العدد]
هذا (كتاب العدد. واحدها) أي: واحد العدد: (عدة.
وهي) أي: العدة: (التربص المحدود شرعا) مأخوذه من العدد، لأن
أزمنة العدة محصورة مقدرة بعدد الأزمان والأحوال، كالحيض والأشهر
ونحوهما.
والأصل في وجوب العدة الكتاب والسنة والاجماع.
فمما في الكتاب قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقره: ٢٢٨].
ومنه قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
ومما في السنة قوله ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد
على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " (١).
وفيها أحاديث كثيرة تجئ إن شاء الله تعالى في أثناء الباب.
وأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة.
والمقصود منها: استبراء رحم المرأة من الحمل الممكن وجوده حين
الفرقة، لئلا يطأها غير الزوج المفارق لها قبل العلم ببراءة الرحم، فيحصل
الاشتباه وتضيع الأنساب.
стр. 4419
والعدة: أربعة أقسام:
معنى محض، وتعبد محض، ويجتمع الأمران والمعنى أغلب، ويجتمع
الأمران والتعبد أغلب.
فا لأول: عدة الحامل.
والثاني: عدة المتوفى عنها زوجها التي لم يدخل بها.
والثالث: عدة الموطوءة التي يمكن حملها ممن يولد لمثله، سواء كانت
ذات أقراء أو أشهر. فإن معنى براءة الرحم أغلب من التعبد بالعدد المعتبر لغلبة
ظن البراءة.
والرابع: كما في عدة الوفاة للمدخول بها التي يمكن حملها وتمضي أقرأوها
في أثناء الشهر، فإن العدد الخاص أغلب من براءة الرحم بمضي تلك الأقراء.
(ولا عدة في فرقة) زوج (حي قبل وطء، أو) قبل (خلوة، ولا) عدة
(لقبلة أو لمس)؛ لأن العدة إنما وجبت في الأصل، لبراءة الرحم. وقد
تيقناها في هذه المسائل.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزأب: ٤٩].
(وشرط) في وجوب العدة الوطء:
كونها) أي: كون الموطوءة (يوطأ مثلها.
وكونه) أي: كون الواطئ (يلحق به ولد)، لأن العدة قرار لبراءة الرحم
من الحمل. فإذا كانت الموطوءة لا يوطأ مثلها، أوكان الواطئ لا يلحق به الولد لصغره فلا فائدة في العدة؛ لتيقن براءة الرحم من الحمل.
(و) شرط في وجوب العدة (لخلوة: طواعيتها) يعني: أن لا تكون
مكرهة على الخلوة؛ لأن الخلوة إنما أقيمت مقام الوطء، لأنها مظنته وإنما
تكون مظنة الوطء مع التمكين فأما مع عدمه فلا.
(و) شرط أيضا (علمه) أي: علم الزوج (بها). فلو خلت معه في بيت
стр. 4420
وهو أعمى لا يبصر من غير أن يعلم بذلك، أو تركت في مخدع في البيت بحيث
لا يراها البصير والزوج لا يعلم بذلك لم تجب العدة؛ لأن التمكين الموجب
للعدة لم يوجد. فلا تجب العدة؛ كما لو كانت في بيت إلى جانب البيت الذي
هو فيه. وكذا لو خلا بها من لا يولد لمثله لصغره، أو كانب لا يوطأ مثلها
لصغرها؛ لأنه لو وجدت حقيقة الوطء مع ذلك لم تجب عدة فكذا مع مظنته.
فأما مع خلو الزوج من مانع الإحرام والصوم الواجب والعنة والجب وخلو الزوجة من الرتق ونحوه وخلوهما من المرض ونحوه فغير معتبر. وإلى ذلك أشير
بقوله:
(ولو مع مانع؛ كإحرام وصوم وجب وعنة ورتق)؛ وذلك لأن الحكم
هاهنا معلق على مجرد الخلوة التي هي مظنة الإصابة دون حقيقتها. وقد وجد ما
علق عليه الحكم فوجب وجوده.
(وتلزم) العدة الوفاة مطلقا) أي: سواء كان الزوج كبيرا أو صغيرا،
يمكنه الوطء أو لا يمكنه، خلا بها أو لم يخل بها، كبيرة كانت الزوجة أو
صغيرة؛ لعموم قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
(ولا فرق في عدة) وجبت بدون وطء (بين نكاح فاسد وصحيح). نص
عليه. والمراد بالفاسد: النكاح المختلف فيه؛ كالحنفي يتزوج بلا ولي ونحو
ذلك؛ لأنه نكاح وجب إقرار الزوجين عليه ولم يجز إنكاره. فكان كالصحيح
في ثبوت أحكامه.
(ولا عدة في) نكاح (باطل) أي: مجمع على بطلانه (إلا بوطء)؛ لأن
وجود صورته كعدمها.
(والمعتدات ست) أي: ستة أصناف:
الأولى من المعتدات: (الحامل. وعدتها: من موت وغيره إلى وضع كل
الولد، أو) وضع من (الأخير من عدد) من الأولاد إن كانت حاملا باً كثر من
واحد، سواء كانت حرة أو أمه، مسلمة أو كافرة، وسواء كانت الفرقة طلاقا أو
стр. 4421
فسخا؛ لعموم قوله : ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وهذا إجماع أهل العلم.
إلا ما روي عن ابن عباس وعلي من وجه: " أن المتوفى عنها زوجها تعتد
بأطول الأجلين " (١) .
وقد روي أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة.
وإنما قلت: أو الأخير (٢) من عدد؛ لأنه إذا كان حملها أكثر من واحد فلا
تنقضي العدة إلا بوضع الأخير؛ لأن بقاء بعض الحمل يوجب بقاء العدة؛
لأن الله قال: ﴿الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وهذه لم
تضع حملها بل بعضه.
(ولا تنقضي) عدة الحامل (إلا بما) أي: إلا بوضع ما (تصير به أمة أم
ولد). وتقدم ذلك في باب أمهات الأولاد.
(فإن لم يلحقه) أي: يلحق الحمل الزوج الصغره، أو لكونه خصيا مجبوبا،
أو لولادتها لدون نصف سنة منذ نكحها ونحوه)؛ كالذي تأتي به بعد أربع سنين
منذ أبانها، (ويعيش) ما ولدته لدون نصف سنة من يوم تزوجها: (لم تنقض
به) عدتها من زوجها؛ لأنه حمل منفي (٣) عنه يقينا. فلم تنقض به عدتها منه.
стр. 4422
(وأقل مده حمل) يعيش: (ستة أشهر)، لأن الله قال:
(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف: ١٥].
والمراد بالانفصال: انقضاء أقل مدة الرضاع، لأن الولد ينفصل بذلك عن
أمه.
وقال الله في موضع آخر: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقط الحولان التي هي مدة الرضاع والفصال من ثلاثين شهرا بقى ستة أشهر مدة الحمل.
وقد روى الأثرم بإسناده عن أبي الأسود: " أنه رفع إلى عمر أن امرأة ولدت
لستة أشهر. فهم عمر برجمها. فقال له علي: ليسي لك ذلك. قال الله سبحانه
وتعالى:: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف: ١٥]. فحولان وستة أشهر وثلاثون
شهرا. فخلى عمر سمبيلها فولدت مرة أخرى كذلك الحد " (١) .
وذكو ابن قتيبة في " المعارف ": أن عبدالملك بن مروان ولد لستة أشهر.
فأما دون ذلك فلم يوجد.
(وغالبها) أي: غالب مدة الحمل: (تسعة) أي: تسعة أشهر، لأن
غالب النساء يلدن فيها.
(وأكثرها) أي: أكثر مدة الحمل: (أربع سنين) على الأصح، لأن ما
لا تقدير فيه من الشرع يرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد من تحمل أربع سنين.
قال الإمام أحمد: نساء بنى عجلان يحملن أربع سنين، وامرأة محمد بن
عجلان حملت ثلاث بطون كل دفعه أربع سنين، وبقى محمد بن عبد الله بن
الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين. فإذا (٢) ثبت وجود ذلك وجب أن يجعل
стр. 4423
ذلك أقصى مدة الحمل؛ لأن في الحكم (١) بدونه مخالفة للوجود وحكم على ما
تكرر وقوعه بالبطلان من غير دليل.
(وأقل مدة تبين ولد) يعني: أقل مدة يتبين فيها الولد: (أحد وثمانون
يوما)؛ لما روى ابن مسعود: " أن النبي ﷺ قال: يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما. ثم يكون علقه مثل ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك. تم يبعث
إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي هو أم سعيد. ثم ينفخ
فيه الروح " (٢) . متفق عليه.
وإنما يكون مضغة بعد الثمانين يوما. وإنما يتبين كونه ابتداء خلق آدمي
بكونه مضغة؛ لأن المني قد لا ينعقد، والعلقة قد تكون دما انحدر من موضع من البدن.
وأما المضغة فالظاهر كونها ابتداء خلق آدمي؛ لأنها في الغالب فيها
التخاطيط فهي أظهر في ذلك مما قبلها من المني والعلقة.
(الثانية) من المعتدات: (المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه.
وإن كان) الحمل (من غيره) أي: من غير الزوج المتوفى: (اعتدت
للوفاة بعد وضع) أي: بعد وضع الحمل الذي هو من غير المتوفى عنها. ولا
يشترط لوجوب عدة الوفاة كون المتوفى خلا بها، أو يولد لمثله، ولا كون
الزوجة يوطأ مثلها فتجب العدة، (ولو) كان المتوفى (لم يولد لمثله، أو)
كانت لا (يوطأ مثلها، أو) كان موته (قبل خلوة) بها. وفي ذلك تفصيل أشير
إليه بقوله:
(وعدة حرة) يعني: كاملة الحرية: (أربعة أشهر وعشر ليال بعشرة
أيام)؛ لأن النهار تبع لليل. والإجماع منعقد على ذلك؛ لعموم قوله سبحانه
стр. 4424
وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
ولأن النكاح عقد عمر فإذا مات انتهى، والشيء إذا انتهى تقررت أحكامه،
كتقرر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجازة بانقضاء مدتها، والعدة من
أحكام النكاح.
ولأن المطلقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها ونفيه باللعان، وهذا ممتنع
في حق الميت فلا نأمن أن تأتي بولد فيلحق الميت نسبه وما له من ينفيه فاحتيط بإيجاب العدة عليها بحفظها عن التصرف والمبيت (١) في غير منزلها " حفظا لها.
إذا ثبت هذا فإنه لا يعتبر وجود الحيض في عدة الوفاة في قول عأمة أهل
العلم.
(و) عدة (أمة) متوفى عنها زوجها: (نصفها) أي: نصف عدة الحرة
وذلك شهران وخمس ليال بخمسه أيام، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم
أجمعوا على تنصيف عدة الأمة في الطلاق فكذا في عدة الموت.
ولأنه في معنى ذو عدد. فوجب أن لا يتساوى فيه الأمة والحرة، كالحد.
(و) عده (منصفة) أي: من نصفها حر ونصفها رقيق (ثلاثة أشهر وثمانية
أيام)، وعدة من ثلثها حر شهران وسبعة وعشرين يوما. وعلى هذا فقس.
(وإن مات في عدة مرتد) باًن ارتد زوج المسلمة بعد الدخول وقلنا إن الفسخ
يقف على انقضاء العدة. وهو المذهب.
وقيل: قبل انقضاء عدتها، سقط ما مضى من عدتها قبل موته وابتدأت عدة
وفاة من موته. نص عليه في رواية ابن منصور، لأنه كان يمكنه تلافي النكاح
بعوده إلى الاسلام.
(أو) مات (زوج كافرة أسلمت) بعد دخوله بها في عدتها وقبل إسلامه قبل
انقضاء عدتها.
стр. 4425
قال في " الإنصاف ": في قياس التي قبلها. ذكره الشيخ تقي الدين.
(أو) مات (زوج) مطلقة (رجعية) قبل انقضاء عدتها (سقطت) العدة
للطلاق، (وابتدأت عدة وفاة من موته) على الأصح، لأن الرجعية زوجة
يلحقها طلاقه وإيلاؤه. فكان عليها عدة الوفاة، كما لو لم يطلقها. وينقطع
حكم عدة الطلاق، لأنها بالموت صارت كسائر زوجاته.
(وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل) عن عدة الطلاق؛ لقوله
: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ولأنها أجنبية منه في النظر إليها، وعدم وقوع الطلاق بها، وعدم
توارثهما، وعدم صحة إيلائه منها.
(وتعتد من أبانها في مرض موته، الأطول من عدة وفاة و) من عدة
(طلاق) على الأصح.
وعنه: أنها تبني على عدة الطلاق، وفاقا لمالك والشافعي، لأنه مات
وليست زوجة له، لأنها بائن من النكاح فلا تكون منكوحة.
والأول المذهب.
ووجهه: أنها وارثة. فيجب عليها عدة الوفاة، كالرجعية، ويلزمها عدة
الطلاق، لما ذكروه في دليلهم.
ومحل ذلك: (ما لم تكن) الزوجة (أمة أو ذمية) والزوج مسلم، (أو)
تكن الزوجه ممن (جاءت البينونة منها) باًن كانت سألته الطلادتى أو نحو ذلك:
(ف) ـأنها تعتد (لطلاق لا غير)، لانقطاع أثر النكاح بعدم ميراثها، لأنها
لا ترث رواية واحدة.
(ولا تعتد لموت من انقضت عدتها قبله) أي: قبل الموت، (ولو
ورثت)، سواء كان انقضاؤها بالحيض، أو بالشهور، أو بوضع الحمل، وكذا
لو طلقها في مرضه قبل الدخول فإنه لا يكون عليها عدة لموته في الأصح،
لأن الله سبحانة وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن
стр. 4426
تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وقال : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾] البقرة: ٢٢٨].
وقال سبحانه وتعالي: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
فلا يجوز تخصيص هذه النصوص في حالة إرثها منه بالتحكم.
ولأنها أجنبية تحل للأزواج ويحل للمطلق نكاح أختها وأربع سواها. فلم
يجب عليها عدة لموته؛ كما لو تزوجت.
(ومن طلق معينة) من نسائه (ونسيها، أو) طلق (مبهمة ثم مات قبل
قرعة: اعتد كل نسائه، سوى حامل، الأطول منهما) أي: من عده الطلاق
وعدة الوفاة؛ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون المخرجة بالقرعة وأن تكون
غير المخرجة. فكان الاحتياط أن تعتد كل واحدة أطول العدتين.
(وإن ارتابت متوفى عنها) زوجها، (زمن تربصها) وفي الأصح: (أو
بعده) أي: بعد زمن تربصها، (بأمارة حمل؛ كحركة، أو انتفاخ بطن، أو
رفع حيض: لم يصح نكاحها حتى تزول الريبة)؛ للشك في انقضاء عدتها؛ لأن الشك في انقضاء العدة يوجب التوقف عن التزويج؛ تغليبا لجانب الحرمة على
جانب الحل؛ كسائر المواضع المشتبهة. وزوال الريبه إما بعدم (١) الموجب لها
من الحركة والانتفاخ، أو عود الحيض، أو مضي زمن لا يمكن أن تكون فيه
حاملا.
(وإن ظهرت) الريبة (بعده) أي: بعد نكاحها (دخل بها) الزوج (أو لا:
لم يفسد) النكاح بذلك؛ لأنه شك طرأ على يقين النكاح فلا يزول به، (ولم
يحل) للزوج (وطؤها حتى تزول) الريبة؛ لأنا شككنا فى صحة النكاح.
стр. 4427
ولأنه لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره (١) .
(و) إذا ظهر أنها حامل فإنها (متى ولدت) ولدا وعاش (لدون نصف سنة
من عقد) أي: من حين تزوجت: (تبينا فساده) أي: فساد النكاح؛ لأنه
نكحها وهي حامل. وإن ولدته لأكثر من ذلك فالولد لاحق بالزوج.
(الثالثة) من المعتدات: (ذات الأقراء المفارقة) لزوجها (في الحياة)
بعد دخوله بها (ولو) كانت مفارقتها (بـ) طلقة (ثالثة) إجماعا. قاله في
" الفروع ".
(فتعتد حرو ومبعضة) أي: من بعضها حر، مسلمة كانت أو كافرة (بثلاثة
قروء) بغير خلاف بين أهل العلم، لعموم قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
(وهي) أي: القروء: (الحيض) على الأصح.
والقروء في كلام العرب: يقع على الحيض والطهر جميعا فهو من الأسماء
المشتركة.
وذكر عن ابن عمرو بن العلاء أنه قال: القروء الوقت. وهو يصح للحيض
وللطهر؛ لأن كل واحد منهما يأتي لوقت.
واختلف أهل العلم في المراد بقوله : ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فروي عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن المسيب والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي أنها: الحيض.
قال القاضي: الصحيح عن أحمد: أن الأقراء الحيض وإليه ذهب أصحابنا
ورجع عن قوله: أنها الأطهار.
стр. 4428
ووجه المذهب: قول الله : ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فنقلهن عند عدم
الحيض
إلى الاعتداد بالأشهر. فيدل ذلك على أن الأصل الحيض؛ كما قال
: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ [المائدة: ٦].
ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القروء بمعنى الحيض.
قال النبي ﷺ : " تدع الصلاة أيام أقرائها " (١) . رواه أبو داود.
وقال النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: " انظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي.
وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء " (٢) . رواه النسائي.
ولم يعهد في لسانه استعمال القروء بمعنى الطهر. فوجب ان يحمل كلامه
على المعهود في لسانه.
(و) عدة (غيرهما) أي: غير الحرة والمبعضة ممن يحضن (بقرأين)؛
لقول النبي ﷺ : " قروء الأمه حيضتان " (٣) .
ولأنه قول عمر وابنه وعلي ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان
إجماعا. وهذا يخص عموم الآية.
وكان القياس يقتضي: أن تكون عدة الأمة حيضه ونصفا كما كان حدها على
النصف من حد الحرة، إلا أن الحيض لا يتبعض فكمل حيضتين.
стр. 4429
(وليس الطهر عدة).
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه يعني: أن العدة تتعلق بخروج خارج من
الرحم. فوجب أن تتعلق بالطهر؛ كوضع الحمل.
(ولا تعتد بحيضة طلقت فيها) حتى تأتي بثلاث حيضات كوامل بعدها.
قال في " شرح المقنع ": لا نعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم؛ لأن الله
أمر بثلاثة قروء. فيتناول ثلاثة كاملة والتي طلق فيها لم يبق منها
ما يتم به مع اثنين ثلاثة كاملة.
(ولا تحل لغيره) أي: لغير مطلقها حيث لم يستوف ما يملكه من الطلاق
(إذا انقطع دم) الحيضة (الأخيرة حتى تغتسل) على الأصح؛ لأنه قول أكابر الصحابة، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبو موسى وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء.
ولأن وطء الزوجة قبل الاغتسال حرام؛ لوجود أثر الحيض الذي يمنع الزوج
الوطء كما يمنع الحيض. فوجب أن يمنع ذلك ما منعه الحيض ويوجب ما أوجبه الحيض، كما قبل انقطاع الدم.
(وتنقطع بقية الأحكام) من التوارث، ووقوع الطلاق، وعدم صحة اللعان،
وانقطاع النفقة ونحو ذلك (بانقطاعه) أي: انقطاع دم الحيضة الثالثة؛ لأن هذه الأحكام لا أثر فيها للاغتسال فلا يتوقف عليها. بخلاف ما المقصود منه الوطء.
(ولا يحتسب مدة نفاس لمطلقه بعد وضع) يعني: أن من طلقت عقب
ولادة لا يحتسب مدة نفاسها بحيضه فلا بد أن تحيض بعد الأربعين ثلاث حيضات كاملة.
(الرابعة) من المعتدات: (من لم تحض) إما (لصغر أو إياس، المفارقة
في الحياة. فتعتذ حرة ثلاثة أشهر) إجماعا؛ لقول الله سبحانه وتعالي:
﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] يعني: كذلك (من وقتها) أي. من الساعة التي فارقها فيها في
стр. 4430
الأصح. فلو فارقها في نصف الليل أو نصف النهار اعتدت من ذلك الوقت إلى
مثله في قول أكثر العلماء.
(و) عدة (أمة) لم تحضر لصغر أو إياس مفارقة في الحياة (بشهرين) على
الأصح. نص عليه. واحتج بقول عمر رضي الله تعالى عنه " عده أم الولد
حيضتان ولو لم تحض كان عدتها شهرين ". رواه الأثرم عنه بإسناده.
ولأن الواجب عليها لو كانت ذات قروء قرءان. فيجب شهران بدلهما؛
ليكون البدل كالمبدل.
ولأن غالب النساء يحضن في كل شهر حيضة فناسب ان يكون يدل كل حيضة
شهرا.
(و) عدة (مبعضة) أي: من بعضها حر وبعضها رقيق لم تحض لصغر أو
إياس مفارقة في حياة (بالحساب) فتزيد على الشهرين من الشهر الثالث بقدر ما
فيها من الحرية. فمن ثلثها حر فعدتها شهران وثلث، ومن نصفها (١) حر
فعدتها شهران ونصف، ومن ثلثاها حر فعدتها شهران وعشرون يوما. وعدة أم الولد التي (٢) ليس بعضها حرا عدة الأمة؛ لأنها (٣) مملوكة.
(وعدة بالغة لم تمر حيضا ولا نفاسا، ومستحاضة ناسية لوقت حيضها، أو)
مستحاضة (مبتدأة؛ كآيسة) يعني: أن عدة هؤلاء كعدة الآيسة؛ لدخول البالغة
التي لم تحض في عموم قوله : ﴿وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. ولأن المستحاضة الناسية لوقت حيضها والمبتدأة لا يعلمان زمن حيضهما،
والغالب على النساء أن يحصل لهن في الشهر طهر وحيضة. فمن كانت تحيض ثلاث حيضات فعدتها مع عدم الحيض ثلاثة أشهر، ومن كانت عدتها لو كانت
تحيض حيضتين فحدتها مع عدم الحيض شهران.
стр. 4431
(ومن علمت ان لها حيضة في كل أربعين) يوما (مثلا) ثم استحيضت
ولسيت وقت حيضها: (فعدتها ثلاثة أمثال ذلك)؛ لأنه لا يتحقق زمن فيه ثلاث حيضات إلا بمضي ذلك.
(ومن لها) من المستحاضات (عادة) علمت بها، (أو) كان لها (تمييز:
عملت به) إذا صلح أن يكون حيضا.
(وإن حاضت صغيرة في) أثناء (عدتها: استأنفتها) أي: ابتدأت عدتها
(بالقرء)؛ لأن العدة بالأشهر إنما شرعت بدلا عن الأقراء لعدمها في حق
الصغيره. فإذا وجد المبدل بطل حكم البدل؛ كالمتييمم يجد الماء وقد تيمم
لعدمه.
(ومن يئست في) أثناء (عدة أقراء: ابتدات عدة آيسة) يعني: أن من
بلغت سن الإياس في أثناء عدتها وقد حاضت بعض أقرائها أو لم تحض انتقلت
إلى عدة الشهور؛ لأنها حينئذ آيسة، وقد جعل الله عدة الآيسات بالشهور. فلا تعتد بما حاضته.
(وإن عتقت معتدة) وقد بقي من عدتها شيء (أتمت عدة أمة)، وفي
الأصح (إلا الرجعية: فتتم عدة حرة)؛ لأنها إذا عتقت وهي رجعية فقد وجدت
الحرية وهي في حكم الزوجات، بدليل انه لو مات زوج الرجعية انتقلت إلى عدة الوفاة. فوجب أن تعتد عدة الحرائر؛ كما لو طلقها زوجها بعد عتقها.
وإن عتقت وهي بائن فلم توجد الحرية في الزوجية. فلم (١) يجب عليها عدة
الحرائر؛ كما لو أعتقت بعد مضي القرءين.
ولأن الرجعية تنتقل إلى عدة الوفاة لو مات فتنتقل إلى عدة الحرائر، والبائن
لا تنتقل إلى عدة الوفاة. فلا تنتقل إلى عدة الحرائر؛ كما لو انقضت عدتها.
(الخامسة) من المعتدات: (من ارتفع حيضها، ولم تدر سببه. فتعتد
للحمل غالب مدته) وذلك تسعة أشهر؛ ليعلم براءة رحمها. فإذا مضت ولم يبن
стр. 4432
حمل علم براءة رحمها ظاهرا، (ثم تعتد) بعد ذلك (كآيسة على ما فصل).
قال الشافعي: هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار لا ينكره منهم منكر
علمناه، لأن الفرض بالاعتداد معرفة براءة رحمها وهذا يحصل به براءة الرحم فاكتفي به. وإنما وجبت العدة بعد التسعة الأشهر التي علم برائتها من الحمل
فيها، لأن عدة الشهور إنما تجب بعد العلم ببراءة الرحم من الحمل [إما بالصغر
أو الإياس، وهاهنا لما احتمل انقطاع الحيض للحمل واحتمل انقطاع للإياس
اعتبرنا البراءة من الحمل] (١) بمضي مدته فتعين كون الانقطاع للإياس فأوجبنا
عدته عند تعينه ولم يعتبر ما مضى، كما لم يعتبر ما مضى من الحيض قبل
الإياس، لأن الإياس طرأ عليه.
(ولا تنتقض) العدة (بعود الحيض بعد المدة)، لأن عدتها انقضت، كما
لو اعتدت الصغيرة بثلاثة أشهر ثم حاضت، وكذا لو حاضت حيضة بعد طلاقها
ثم ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه فإنها تعتد (٢) للحمل تسعة أشهر، ثم تعتد
كآيسة.
(وإن علمت) المعتدة (ما رفعه) أي: ما رفع الحيض: (من مرض، أو
رضاع، ونحوه)، كنفاس: (فـ) ـإنها (لا تزال) في عدة (حتى يعود)
الحيض (فتعتد به) وإن طال الزمن، لأنها مطلقة لم تيأس من الدم. فتجب
عليها العدة بالأقراء وإن تباعدت، كما لو كانت ممن بين حيضتيها مدة طويلة.
(أو تصير آيسة) يعني: أو تصير إلى سن الإياس: (فتعتد عدتها) أي:
عدة الآيسة. نص على ذلك في رواية صالح وأبي طالب وابن منصور (٣) .
وعنه: ينتظر زوال ما رفع الحيض ثم إن حاضت اعتدت بالأقراء وإلا اعتدت
بسنة.
стр. 4433
(و) متى اختلف الزوج والمطلقة في أي وقت وقع الطلاق فإنه (يقبل قول
زوج: إنه لم يطلق إلا بعد حيضة أو ولادة) يعني: إلا بعد أن حاضت أو
ولدت، (أو) أنه لم يطلق إلا (في وقت كذا) حيب لا بينة للمطلقة تشهد
بدعواها، لأنه يقبل قوله في أصل الطلاق وعدده فقبل في وقته.
ولأنه أمر لا يعلم إلا منه. فقبل قوله فيه، كالنية في اليمين.
(السادسة) من المعتدات: (امرأة المفقود.
فتتربص حرة و) كذا (أمة) على الأصح، لأن الأربع سنين مضروبه لكونها
أكثر مدة الحمل، [ومدة الحمل] (١) في الأمة والحرة سواء (ما تقدم في ميراثه)
أي: ميراث المفقود، وذلك أنه إذا كان ظاهر غيبته الهلاك، كالذي يفقد من
بين أهله، أو في مفازة مهلكة، أو بين الصفين حال الحرب (٢) ، أو كان في
سفينة فانكسرت، فهلك قوم ونجا آخرون فإنها تتربص أربع سنين.
وإن كان ظاهر غيبته السلامة، كالتاجر والسائح المنقطع خبره فإنها تتربص
تسعين سنة من يوم ولد. وهذا على الأصح؛ لأن أكثر الناس لا يبلغ التسعين،
(ثم تعتد) في الحالتين (للوفاة.
ولا تفتقر) في ذلك (إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة) على
الأصح، لأنها فرقة تعقبها عدة الوفاة. فلا تتوقف على حكم الحاكم، كما لو
قامت البينة على موته، وكما نقول في العدة ومدة الإيلاء ومدة التربص في التي تباعدت حيضتها.
(ولا) تفتقر أيضا (إلى طلاق ولي زوجها بعد اعتدادها) للوفاة لتعتد بثلاثه
قروء بعد ذلك على الأصح. فإن ولي الرجل لا ولاية له في طلاق امرأته.
ولأننا حكمنا عليها بعدة الوفاة. فلا يجب عليها مع ذلك عدة الطلاق، كما
لو تيقنت وفاته.
стр. 4434
(وينفذ حكم) أى: حكم حاكم (بالفرقة ظاهرا فقط بحيث) إن حكمه
بالفرقة: (لايمنع) وقوع (طلاق المفقود) بعد زمن حكم الحاكم؛ لأن حكم
الحاكم بالفرقة بناء على أن الظاهر هلاكه. فإذا تيقنت حياته انتقض ذلك الظاهر
ولم يبطل طلاقه، كما لو شهدت به بينة كاذبة. ولذلك يخير إذا قدم بينها وبين
صداقها الذي أعطاها الثانى كما يأتي تفصيله، لأن تخييره يدل على بقاء نكاحه.
وهذا (١) المذ هب.
وقيل: ينفذ الحكم ظاهرا وباطنا فتكون امرأة الثانى، ولا خيار للأول.
(وتنقطع النفقة) الجارية عليها من مال المفقود (بتفريقه) أي: تفريق
الحاكم وهو حكمه بالفرقة [إن وقعت من الحاكم. وقد تقدم أن الفرقة لا تتوقف
على الحاكم، (أو بتزويجها) إذا تزوجت من غير أن يحكم الحاكم
بالفرقة] (٢) ؛ لما تقدم، وأنه يصح تزويجها من غير حكم الحاكم بالفرقة؛ لعدم
افتقارها إلى الحكم. وذلك لأنها أسقطت نفقة نفسها بخروجها عن حكم
نكاحه. فإن قدم الزوج واختارها ردت إليه وعادت نفقتها من حين الود.
وقد روي الأثرم والجوزجاني جمن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما
قالا: " تنتظر امرأة المفقود أربع سنين.
قال ابن عمر: وينفق عليها من مال زوجها.
وقال ابن عباس: إذا يجحف ذلك بالورثة ولكنها تستدين، فإن جاء زوجها
أخذت من ماله وإن مات أخذت من تركته نصيبها من الميراث. وقالا: يتفق
عليها بعد في العده بعد الأربع سنين من مال زوجها جميعه أربعة أشهر وعشرا ". وقيل: وتنقطع النفقة بالعدة أيضا.
(ومن تزوجت قبل ما ذكر) من التربص المذكور والاعتداد بعدة: (لم
يصح) نكاحها، (ولو بان أنه كان طلق) وانقضت عدتها حين التزويج، (أو)
стр. 4435
تبين أنه كان (ميتا) وانها انقضت عدة الوفاه (حين التزويج) في الأصح، لأنها
معتقدة تحريم نكاحها.
ولأنها تزوجت في مدة منعها الشرع النكاح فيها. فلم يصح؛ كما لو
تزوجت المعتدة في عدتها، والمرتابة قبل زوال الريبة.
(ومن تزوجت بشرطه) أي: بعد أن تربصت المدة المقدرة شرعا واعتدت
للوفاة، (ثم قدم) زوجها (قبل وطء) الزوج (الثاني) دفع إليه ما أعطاها من
الصداق، و (ردت إلى قادم) أي: إلى المفقود الذي قدم، لأنا تبينا بقدومه
بطلان نكاح الثاني، وليس هناك مانع من الرد. فترد إليه، لبقاء نكاحه.
(ويخير) المفقود (إن وطئ) الزوج (الثاني) قبل قدومه (بين أخذها)
أي: أخذ زوجته (بالعقد الأول ولو لم يطلقـ) ـها (الثانى، ويطأ) ها الأول
(بعد عدته) أي: عدة الثانى، (وبين تركها معه) أي: مع الثاني (بلا تجديد
عقد) الثاني (١) .
قال (المنقح: قلت: الأصح بعقد. انتهى).
وذلك لما روى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان
قالا: " إن جاء زوجها الأول خير بين المرأة وبين الصداق الذي ساق هو ".
رواه الجوزجاني والأثرم.
وقضى به ابن الزبير في مولاة لهم، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة في
عصرهم فكان إجماعا.
قال في " شرح المقنع ": فعلى هذا فإن أمسكها الأول فهي زوجته بالعقد
الأول. والمنصوص عن أحمد: أن الثانى لا يحتاج إلى طلاق، لأن نكاحه كان
باطلا في الباطن، ثم قال بعد يسير: ويجب على الأول اعتزالها حتى تنقضي
عدتها من الثاني، وإن لم يخترها الأول فإنها تكون مع الثاني ولم يذكروا لها عقدا جديدا.
стр. 4436
قال شيخنا: والصحيح: أنه يجب أن يستأنف لها عقدا؛ لأنا (١) تبينا بطلان عقده بمجيء الأول. ويحمل قول الصحابة على هذا لقيام الدليل عليه. فإن زوجة الإنشان لا تصير زوجة لغيره بمجرد تركه لها. انتهى.
وقال في "الرعاية": وإن قلنا يحتاج الثانى عقدا جديدا طلقها الأول كذلك. (ويأخذ.) الزوج الأول (قدر الصداق، الذي أعطاها) إياه على الأصح (من) الزوج (الثانى) إذا تركها له؛ لقضاء علي وعثمان أنه يخير بينها وبين الصداق الذي ساق. إليها هو.
ولأنه اتلف عليه المعوض. فرجع عليه بالعوض؛ كشهود الطلاق إذا رجعوا
عن الشهادة.
فعلى هذا: إن كان لم يدفع إليها الصداق لم يرجع بشيء وإن كان دفع بعضه رجع بنظير ما دفع. ". (ويرجع) الزوج (الثاني عليها) أي: على الزوجة (بما اخذ منه) الزوج الأول على الأصح؛ " لأنها غرأمة لزمت الزوج بسبب وطئه لها. فرجع بها؛ كا لمغرور.
ولأن عدم الرجوع يقضي إلى أن يلزمه مهران بوطء واحد.
والأصل في ذلك ما روى الأثرم والجوزجانى بإسنادهما عن عبيد بن عمير قال: " فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر. فذكرت ذلك له. فقال.: انطلقي فتربصي أربع سنين. ففعلب ثم اتته. فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا. ففعلت ثم اتته. فقال: اين ولي هذا الرجل؛ فجاء وليه. فقال: طلقها ففعل. فقال لها عمر: انطلقي فتزوجي من شئت. فتزوجت. ثم جاء زوجها الأول. فقال له عمر: اين كنت؛ قال: يا أمير المؤمنين استهوتني الشياطين. فوالله ما ادري في اي ارض. كنت عند قوم يشتعبدونني حتى اعتراهم منهم قوم مسلمون فكنت فيمن غنموه. فقالوا لي: أنت رجل من الإنس وهؤلاء
стр. 4437
الجن فمالك ولهم؟ فأخبرتهم خبري. فقالوا: بأيت أرض الله تحب أن
تصبح؛ قلت: بالمدينة هي أرضي فأصبحت وأنا أنظر إلى الحرة. فخيره عمر
إن شاء امرأته (١) وإن شاء الصداق. فاختار الصداق وقال: قد حبلت لا حاجة
لي فيها".
قال أحمد: يروى عن عمر من ثمانية وجوه. ولم يعرف في الصحابة له
مخالف، فلعل بعض وجوهه ليس فيها طلاق وليه.
(وإن لم يقدم) الزوج الأول (حتى مات) الزوج (الثاني) معها:
(ورثته)؛ لصحة نكاحها في الظاهر. (بخلاف ما إذا مات الأول بعد تزوجها)
فإنها لا ترثه، لأنها أسقطت حق نفسها من إرثه بتزويج الثانى.
وإن ماتت بعد قدوم الأول فإن اختارها ورثها وإن لم يخترها ورثها الثانى.
(ومن ظهر موته باستفاضة أو بينة فكمفقود) يعنى: أنه متى عاد بعد ذلك
فحكمه حكم المفقود في أنه متى حضر بعد أن تزوجت زوجته فإنه يخير بعد وطء الزوج الثانى بين أخذها بالعقد الأول، وبين تركها للزوج الثاني ويأخذ منه قدر صداقها الذي أصدقها الثاني على التفصيل المتقدم.
(وتضمن البينة) التي شهدت بوفاته (ما تلف من ماله) أي: مال من
شهدت بوفاته، لأن شهادتهما سبب استيلاء الغير على ماله.
(و) ضمنت أيضا (مهر) الزوج (الثاني) الذي أخذه منه الزوج الأول،
لأن شهادة اليينة سبب ذلك.
وللمالك أيضا: تضمين من باشر إتلاف ماله؛ لأنه أتلفه بغير إذن مالكه.
(ومتى فرق) بالبناء للمفعول أي: فرق الحاكم (بين زوجين لموجب)
شرعي يقتضي التفريق بينهما، (ثم بان انتفاؤه) أي: انتفاء الموجب للتفريق،
كمن له زوجتان تزوجهما مرتين، تم قامت بينة أن الثانية أخت للأولى ففرق
الحاكم بينهما وتزوجت بآخر، ثم تبين خطأ الشهود وظهر أن أخت زوجته غير
стр. 4438
التي كانت في عصمته: (فكمفقود) يعنى: فإن حكم ذلك حكم المفقود إذا
تربصب زوجته المدة الشرعية واعتدت وتزوجت فإنها ترد إليه إن لم يكن وطئها الزوج الثانى، ويخير بعد وطئه بين أخذها وأخذ صداقها الذي أصدقها الثانى.
ذكره في " الفروع " عن الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه، وعبارته كما في المتن. وقال الشيخ تقي الدين في موضع آخر: خروج البضع من ملك الزوج متقوم
بالمسمى كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وهو أخص الروايتين عن أحمد. ثم
قال: ونظير هذا أن يشهد قوم بتعذر النفقة من جهة الزوج فيفرق الحاكم بينهما ثم يظهر أن النفقة لم تكن تتعذر وقد تزوجت من دخل بها، فقياس المفقود: أن يخير الزوج بين امرأته وبين مهرها. وكذلك لو فرق الحاكم لكونه عنينا ثم تبين خلافه. وبالجملة فكل صورة فرق بينه وبين امرأته لسبب يوجب الفرقة ثم تبين انتفاء ذلك السبب فهو يشبه المفقود. والتخيير فيه بين المرأة والمهر أعدل الأقوال.
(ومن أخبر بطلاق) زوج (غائب و) أخبر (انه وكيل) شخص (آخر في
إنكاحه بها) أي: بالزوجة التي أخبر أن زوجها الغائب طلقها، (وضمن المهر)
أي: مهر الشخص الذي ذكر أنه وكيله في إنكاحه بها، (فنكحته) أي: نكحت الشخص بمباشرة من ذكر أنه وكيله، (ثم جاء الزوج) الغائب (فأنكر) ما ذكر
عنه من طلاقها: (فهى زوجته) أي: فهي باقية على نكاحه، لأنه لم يثبت ما
يرفعه، (ولها المهر) على من نكحته معتمدة على ما ذكر لها بوطئه.
قال في " الفروع " بعد أن قدم ما في المتن: وقيل: كمفقود. ذكره في
" المنتخب ". انتهى.
(وإن طلق غائب) زوجته في غيبته، (أو مات: اعتدت منذ الفرقة)
يعني: فعدتها من يوم طلق أو من يوم مات مطلقا على الأصح؛ لأن معنى
العدة: ان تستمر بعد الفرقة على حالها في منع نكاح الغير حتى تنقضي مدة
العدة، وهذه ممنوعه من النكاح مدة العدة بعد الطلاق أو الموت .. فوجب
انقضاؤها بذلك.
(وإن لم تحد) يعني: وإن لم تأت بالإحداد عليه في صورة الموت، لأن
стр. 4439
الإحداد ليس شرطا لانقضاء العدة، لأنها لو تركت الإحداد قصدا مع موت
زوجها عندها لم تجب عليها إعادة العدة، فكذا مع غيبته، وسواء ثبت ذلك ببينة
أو أخبرها من تثق به.
(وعدة موطوءة بشبهة أو زنا؛ كمطلقة) أي: كعدة مطلقة، سواء كانت
حرة أو كانت أمة مزوجة، وكذا موطوءة في نكاح فاسد؛ لأنه وطء يقتضي شغل الرحم. فوجبت العده منه، كالوطء في النكاح الصحيح .. وهذا على الأصح.
وعنه: يكفي في الزنا استبراء بحيضة.
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:
(إلا أمة) أي: إلا إذا وطئت أمة (غير مزوجة: فـ) ـأنها (تستبرأ
بحيضة) فقط؛ لأن استبرائها من الوطء المباح يحصل بذلك فكذا غيره.
(ولا يحرم على زوج) وطئت زوجته الحرة أو الأمه بشبهه أو زنا (زمن
عدة) من ذلك (غير وطء في فرج) في الأصح؛ لأنها زوجة حرم وطؤها
لعارض مختص بالفرج. فأبيح الاستمتاع منها بما دونه، كالحيض.
(ولا ينفسخ نكاح بزنا). نقله الجماعة عن أحمد. وقال حديث
النبي ﷺ : " لا ترد يد لامس " (١) : لا يصح.
(وإن أمسكها) زوجها بأن لم يطلقها من أجل زناها (استبرأها) بأن لم
يطأها حتى تنقضي عدتها كغيرها من المعتدات. والحديث على ظاهره: أنها
كانت وطئت.
стр. 4440
] فصل: إذا وطئت معتدة]
(فصل. وإن وطئت معتد؛ بشبهة، أو) وطئت بـ (نكاح فاسد: أتمت عدة
الأول)، سواء كانت عدته من نكاح صحيح أو فاسد أو من وطء شبهة،] ما لم
تحمل من الثاني. فتنقضي عدتها بوضع الحمل قبل أن تتم عدة الأول، كما يأتي
في المتن] (١) .
(ولا يحسب منها) أي: من عدة الأول (مقامها عند الثاني) يعني: أن
المعتدة لو تزوجت في عدتها زوجا ثانيا غير الأول فوطئها ثم لم يفرق بينهما إلا
بعد مدة لم يحتسب من عدة الأول زمن مقامها عند الثانى في الأصح؛ لأن عدة الأول انقطعت بوطء الثانى.
(وله) أي: وللزوج الأول إن كان طلاقا رجعيا (رجعة رجعية في التتمة)
في الأصح. يعني: انه إذا فرقنا بينهما بعد أن وطئها الثانى وأمرناها بأن تتم
عدتها من الأول، فإن كان طلاقه رجعيا فله رجعتها في زمن تتمة عدتها، لأن
حقه من رجعتها لم تنقطع، وكما لو وطئت بشبهة أو زنا.
(ثم اعتدت) بعد أن تتم عدة الأول (لوطء الثانى)؛ لما روى مالك
بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه " أنه قضى في الذي تزوج في عدتها: أنه يفرق بينهما، ولها الصداق بما استحل من فرجها " (٢) .
وتكمل ما أفسدت من عدة الأول وتعتد من الاخر.
ولأنهما حقان اجتمعا لرجلين. فلم يتداخلا وقدم اسبقهما، كما لو تساويا
في مباح غير ذلك.
стр. 4441
(وإن ولدت من أحدهما) أي: الزوج والواطئ بشبهة، أو الزوج الأول
والزوج الذي تزوجته في عدتها (عينا) أي: يعينه، ويكون للأول عينا إذا أتت
به لدون ستة أشهر من وطء الثانى، ويكون للثانى عينا إذا أتت به لأكثر من أربع سنين منذ بانت من الأول، (أو ألحقته به) أي: بأحدهما (قافة، وأمكن)
كونه ممن ألحقته به القافة: (بأن تأتي به لنصف سنة فأكثر من وطء الثاني،
ولأربع سنين فأقل من بينونة الأول: لحقه) أي: لحق بمن ألحقته به القافة مع
إمكان كونه منه، (وانقضت عدتها) ممن لحق به الولد (به) أي: بوضع
الولد، لأنه حمل وضعته فانقضت عدة أبيه به دون غيره. (ثم اعتدت للآخر)
أي: للذي لم يلحق به الولد؛ لبقاء حقه من العدة.
(وإن ألحقته) أي: ألحقت القافه الولد (بهما) أي: بالواطئين:
(لحق) بهما، (وانقضت عدتها به منهما)، لأن الولد قد ثبت نسبه منهما.
فتنقضي عدتها به لكل وأحد منهما، كما لو لم يكن مع أحد الواطئين اخر (١) .
(وإن أشكل) على القافة، (أو لم توجد قافه، ونحوه)؛ كما لو اختلف
قائفان: (اعتدت بعد وضعه بثلاثة قروء)؛ لأنه إن كان من الأول فقد أتت
بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من الثانى فعليها أن تكمل عدة الأول ليسقط الفرض بيقين. وإن نفته القافة عنهما لم ينتف؛ لأن عمل القافة ترجيح أحد
صاحبي الفواش، لا في النفي عن الفواش كله.
(وإن وطئها مبينها فيها) أي: في عدتها منه (عمدا) من غير شبهة:
(فكأجنبي) أي: فكوطء أجنبي تتم العدة الأولى ثم تبتدئ العدة الثانية للزنا،
لأنهما عدتان من وطئين يلحق النسب في أحدهما دون الاخر. فلم يتداخلا؛
كما لوكانا من رجلين.
(و) إن وطئها مبينها في عدتها منه (بشبهة: استأنفت عدة للوطء،
ودخلت فيها بقية الأولى)، لأنهما عدتان من وأحد لوطئين يلحق النسب فيهما
لحوقا وأحدا. فتداخلا، كما لو طلق الرجعية في عدتها.
стр. 4442
(ومن وطئت زوجته بشبهة، ثم طلق: اعتدت له) أي: للطلاق بعد
الدخول؛ لأنها عدة مستحقة بالزوجية. فقدمت على غيرها؛ لقوتها، (ثم
تتم) العدة (للشبهه)؛ لأنها عدة مستحقة بالوطء. فلا تبطل بتقديم حق الغير
عليها؛ كالدينين إذا قدم صاحب الرهن فيهما.
(ويحرم وطء زوج) أي: زوج من وطئت بشبهة (ولو مع حمل منه) أي:
من الزوج (قبل عدة واطئ)؛ لأنها عدة قدمت على حق الزوج فمنع من الوطء
قبل انقضائها، فإذا ولدت اعتدت للشبهة، فإذا انقضت حل للزوج وطؤها.
(ومن تزوجت في عدتها: لم تنقطع) عدتها بصورة العقد (حتى يطأ) ها
الثانى؛ لأن عقده باطل لا تصير به المرأة فراشا، ولا يستحق عليه بالعقد شيء.
فإذا وطئها انقطعت العده، (ثم إذا فارقها) من تزوجته في عدتها بنفسه أو
بتفريق: (بنت على عدتها من الأول)؛ لأن (١) حقه أسبق.
ولأن عدتها منه وجبت عن دخول في نكاح صحيح.
(واستأنفتها) أي: ابتدأت عدة كاملة (للثاني)؛ لأنهما عدتان من رجلين
فلا يتداخلان.
وإن ولدت من أحد الرجلين وهما المطلق ومن وطئها في العدة: انقضت
عدتها منه؛ لبراءة رحمها منه بالولادة، وتعتد للآخر الذي لم تلد منه. وإن
أمكن كون ما ولدته منهما فكما سبق.
(وللثاني) وهو الذي تزوجته في عدلها ووطئها (أن ينكحها بعد) انقضاء
(العدتين) على الأصح، لأنه لا يخلو إما ان يكون تحريمها على زعم من
يحرمها أبدا بالعقد، أو بالوطء في النكاح الفاسد، أو بهما. وجميع ذلك
لا يقتضي التحريم بدليل ما لو نكحها بلا ولي ووطئها.
ولأنه لو زنا بها لم تحرم عليه على التأبيد فهذا أولى.
стр. 4443
ولأن آيات الإباحة عامة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].وقوله: (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥] فلا يجوز تخصيصها بغير
دليل.
وما روي عن عمر في تحريمها عليه على التأبيد فقد خالفه علي فيه.
وروي عن عمر أيضا: أنه رجع عن قوله بالتحريم إلى قول علي فإن عليا
قال: " إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. فقال عمر: ردوا الجهالات
إلى الشبه ". ورجع إلى قول علي رضي الله تعالى عنهما.
(وتتعدد) العدة (بتعدد واطئ) حرة (بشبهة)؛ لحديث عمر.
ولأنهما حقان مقصودان لآدميين. فلم يتداخلا؛ كالدينين؛ لأن كل واحد
من الواطئين له حق في عدته؛ للحوق النسب في وطء الشبهة.
الا) إن تعدد الواطئ (بزنا) فإن العدة لا تتعدد في الأصح؛ لعدم لحوق
النسب فيه. فيبقى القصد العلم ببراءة الرحم. ولهذا يكفي فيه الاستبراء في
رواية، وتكون أول عدة الزانية من آخر وطء.
(وكذا أمة في استبراء) يعني: أن الأمة إذا تعدد واطئها بشبهة لزمها استبراء
بعدده، قياسا على قول عمر في الحرة.
وإن تعدد واطئها بزنا لزمها استبراء واحد. فإن كانت غير مزوجة كفاها
حيضة، وإن كانت مزوجة اعتدت بحيضتين كما سبق.
(ومن طلقت طلقة) رجعية (فلم تنقض عدتها) ولم يراجعها (حتى طلقت
أخري بنت) على ما مضى من عدتها؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا
رجعة. فأشبها الطلقتين في وقت واحد.
(وإن راجعها ثم طلقها) قبل الدخول أو بعده: (استأنفت) العدة على
الأصح؛ لأن الرجعة إزاله لشعث الطلاق الأول، وإعادة إلى النكاح الذي كانت
فيه. فوجب أن تستأنف العدة للطلاق الثانى؛ (كفسخها) نكاحها (بعد
стр. 4444
رجعة) من طلاق رجعي (لعتق أو غيره)، وطئها بعد الرجعة أو لم يطأها.
وقد علم مما تقدم أن الفسخ لو وقع من غير رجعة أنها تبني على ما مضى من
عدتها؛ لأنهما فراقان لم تتخللهما رجعة ولا وطء. فكانت العدة لهما؛
كالطلاقين اللذين لم تتخللهما رجعة ولا وطء.
(وإن أبانها، ثم نكحها في عدتها، ثم طلقها قبل دخوله بها: بنت) على
ما مضى من عدتها على الأصح، لأنه طلاق في نكاح ثان قبل المسيس والخلوة
فلم يوجب عدة، لعموم قوله : ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
والفرق بين هذه وبين ما إذا راجعها ثم طلقها قبل الدخول: أن الرجعة إعادة
إلى النكاح الأول فالطلاق في عدة الرجعية طلاق عن نكاح واحد. فكان استئناف
العدة في ذلك أظهر، لأنها مدخول بها، ولولا الدخول ما كانت رجعية (١) ،
والطلاق في البائن بعد النكاح طلاق عن نكاح متجدد ولم يتصل به دخول ولذلك
يتنصف به (٢) المهر. فكان البناء فيه أظهر.
(و) أما (إن انقضت) عدتها (قبل طلاقه: فلا عدة له)، لأنه طلاق من
نكاح قبل الدخول، فلا يقال فيه: تبني ولا تستأنف.
стр. 4445
[فصل: في الإحداد]
(فصل. يحرم إحداد) - وسيأتي تعريفه- (فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال،
وتدخل الأيام بالتبعيه (على ميت غير زوج)؛ لما روت زينب بنت أم سلمة
قالت: "دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان.
فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضها. وقالت: والله! مالي بالطيب من حاجة، غير أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول:
لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق تلاث ليال، إلا على زوج أربعة (١) أشهر وعشرا " (٢) . متفق عليه.
(ويجب) الإحداد (على زوجته) أي: زوجة الميت إن كانت (بنكاح
صحيح)؛ لأن النكاح إن كان فاسدا فهي ليست زوجة على الحقيقة الشرعية.
ولأنها من كانت تحل له ويحل لها فتحزن على فقده.
(ولو) كانت (ذمية) والزوج مسلم أو ذمي، (أو) كانت (أمة) والزوج
حر أو عبد، (أو) كانت (غير مكلفة) والزوج مكلف أو غير مكلف (زمن
عدته)؛ لعموم الأحاديث فيهن، ولتسأويهن في اجتناب المحرمات، وكذلك
في حقوق النكاح. فتساوين في الإحداد؛ لأنه اجتناب محظور. وإنما تفارق
غير المكلف في عدم الإثم.
وعلم مما تقدم: أن الإحداد لا يجب على البائن على الأصح، سواء كانت
بطلقة أو بثلاث أو بفسخ.
стр. 4446
(ويجوز) الإحداد (لبائن).
قال في "الفروع ": إجماعا، لكن لا يسن لها. قاله في "الرعاية". انتهى.
(وهو) أي: والإحداد: (ترك زينة، و) ترك (طيب؛ كزعفران ولو كان
بها سقم)؛ لأن الطيب يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة. فلا يحل لها
استعمال الأدهان المطيبة؛ كدهن الورد والبنفسج والياسمين واللبان (١) وما أشبه
ذلك؛ لأن الأدهان بذلك استعمال للطيب.
(و) ترك (لبس حلى ولو خاتما) في قول عامة أهل العلم؛ لقول
النبى ﷺ : " ولا الحلي " (٢) .
ولأن الحلي يزيد حسنها ويدعو إلى مباشرتها.
(و) ترك لبس (ملون من ثياب لزينة؛ كأحمر، وأصفر، وأخضر وأزرق
صافيين. وما صبغ قبل نسج؛ كـ) الذي صبغ (بعده) في الأصح.
(و) ترك (تحسين بحناء أو اسفيذاج (٣) .
و) ترك (تكحل ب) كحل (أسود بلا حاجة) إلى الكحل الأسود.
(و) ترك (ادهان بـ) دهن (مطيب.
و) ترك (تحمير وجه، وحفه، ونحوه)؛ كنقشه. ومن ذللى: تنقيطه
والتخطيط. وذلك لما روت أم عطية قالت: " كنا ننهى أن تحد على ميت فوق
ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس
ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب " (٤) . رواه البخاري ومسلم.
стр. 4447
وفي رواية قالت: قال النبي ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر
أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها لا تكتحل، ولا تلبس ثوبا
مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا إلا إذا ظهرت نبذة من قس أو
أظفار " (١) . متفق عليه.
والعصب: ثياب من اليمن فيها بياض وسواد،] يصبغ غزلها ثم ينسج] (٢) .
(ولا تمنع) المعتدة لوفاه (من صبر) تطلي به بدنها؛ لأنه لا طيب فيه،
(إلا في الوجه) فلا تطلي به وجهها؛ لما روت أم سلمة قالت: " دخل على
رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا. فقال: ماذا يا أم سلمة؛ فقلت: إنما هو صير ليس فيه طيب. قال: إنه يشب (٣) الوجه.
لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه
خضاب" (٤) .
(ولا) تمنع أيضا من (لبس) ثوب (أبيض ولو) كان الأبيض (حسنا) من
إبريسم؛ لأن حسنه من أصل خلقته. فلا يلزم تعييره؛ كما أن المرأة إذا كانت
حسنة الخلقة لا يلزمها أن تغير نفسها في عدة الوفاة وتشوه نفسها.
(ولا) تمنع من (ملون لدفع وسخ؛ ككحلي، ونحوه)؛ كالأسود
والأخضر الذي ليس بالصافي.
(ولا) تمنع (من نقاب) في الأصح.
وقيل: بلى؛ لأنها شبيهة بالمحرمة.
والأول أصح؛ لأن ذلك ليس منصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص.
стр. 4448
وإنما منعت منه المحرمة، لكونها ممنوعة من تغطية وجهها. بخلاف الحادة
على زوجها.
ولأن المحرمة يجوز لها لبس المعصفر من الثياب والمزعفر. بخلاف الحادة
فلا يصح القياس عليها.
(و) لا تمنع الحادة أيضا (من أخذ ظفر، ونحوه)، كنتف إبط، وأخذ
شعر مندوب إلى أخذه.
(ولا من تنظف وغسل)؛ لأن ذلك لا يراد للزينة ولا للطيب.
(ويحرم تحولها) أي: تحول المعتدة للوفاه (من مسكن وجبت فيه)
العدة. روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وابن مسعود وأم سلمة. وبذلك
يقول مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماعة من فقهاء الأمصار.
(إلا لحاجة) يعني: إلا أن تدعو الحاجة إلى خروجها منه،
(كـ) ـالخروج منه (لخوف ولحق) يجب عليها الخروج من أجله، (و) من
أجل (تحويل مالكه) أي: مالك المسكن (لها) أي: للمعتدة للوفاة.
[(وطلبه) أي: طلب مالك المسكن من المعتدة للوفاة (فوق أجرته)
أي: أجرة مثله، (أو لا تجد) المعتدة للوفاة] (١) (ما) أي: مالا (تكتري به
إلا من مالها)، لأن الواجب عليها السكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت
السكنى سقطت، (فيجوز) تحولها (إلى حيث شاءت)؛ لأن ذلك محل
ضرورة وعذر. وهذا الأصح.
وقيل: إنما تنتقل إلى أقرب موضع يمكنها؛ لأنه أقرب إلى موضع
الوجوب.
والأول أصح؛ لأن الواجب سقط بالعذر، والشرع لم يرد بالاعتداد في
معين غيره. فاستوى فيه القريب والبعيد.
والأصل في ذلك ما روت فريعة بنب مالك قالت: " خرج زوجي في طلب
стр. 4449
أعبد له. فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه. فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور
أهلي. فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له. فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة ولا مالا، وليس المسكن له فلو تحولت
إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني. قال: تحولي. فلما خرجت
إلى المسجد دعانى أو أمر بي (١) فدعيت. فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه
نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا " (٢) .
رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وزادوا إلا النسائي وابن ماجه قالت: " فأرسل إلي عثمان فأخبرته فأخذ به فأمرها بالمكث في بيتها الذي أتاها فيه نعي زوجها بعد الرخصة في الخروج منه " (٣) .
وذلك يدل على المنع منه، لأنه لو جاز لاستمر على الإذن فيه، وإنما يجب
عليها المكث مع عدم الضرورة إلى النقلة. فإن اضطرت إلى النقلة بأن وجد شيء
من الأعذار المذكورة في المتن، أو خافت على نفسها فيه من سيل، أو نار، أو
فتنة، أو لص، أو نحو ذلك: جاز لها أن تنتقل؛ لأن ذلك كله موضع
ضرورة.
(وتحول) المعتدة بالبناء للمفعول (لأذاها، لا من حولها) يعني: أن
المعتدة إذا حصل منها أذى لمن حولها حولت عنهم في الأصح.
وقيل: يحولون عنها.
стр. 4450
(ويلزم) معتدة (منتقلة) من المنزل الذي وجبت فيه العدة (بلا حاجة) إلى
نقلها، (العود) إليه؛ لتتم عدتها فيه.
(وتنقضي العدة) أي: عدة المتوفى عنها (بمضي الزمان) الذي تنقضي به
العدة (حيث كانت) أي: في أي مكان، لأن المكان ليس شرطا لصحة الاعتداد.
(ولا تخرج) المعتدة للوفاة (إلا نهارا)؛ لأن الليل مظنة الفساد، وإذا
خرجت نهارا فإنما يكون خروجها (لحاجتها)، من بيع وشراء ونحوهما
للضروره.
(ومن سافرت) زوجته دونه (بإذنه، أو) سافرت (معه لنقلة) من بلد
(إلى بلد، فمات) زوجها (قبل مفارقة البنيان) أي: بنيان البلد التي خرجت
منها رجعت (١) فاعتدت بمنزله؛ لأن من لم يفارق بنيان البلد في حكم المقيم
بالبلد. فيجب عليها العدة في المنزل الذي هي ساكنة فيه،
(أو) سافرت (لغير النقلة)، كتجارة وزيارة (ولو) كان سفوها (لحج
ولم تحرم) ومات (قبل مسافة قصر: اعتدت بمنزله) أيضا، لما روى سعيد
بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: "توفي (٢) أزواج نساء وهن حاجات أو
معتمرات، فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن " (٣) .
ولأنها أمكنها الاعتداد في منزلها قبل أن تبعد. فلزمها؛ كما لم تفارق البنيان.
ولأن البعيدة وهي التي سافرت مسافة قصر لا يلزمها الرجوع، لأن عليها في
ذلك مشقة وتحتاج إلى سفو طويل فى رجوعها. أشبهت من بلغت مقصدها.
(و) إن مات زوجها (بعدهما) أي: بعد مفارقة البنيان فيما إذا كان سفوها
لنقلة، أو بعد مسافة القصر فيما إذا كان سفرها لغير النقلة، فإنها (تخير) بين أن ترجع فتعتد في منزلها، أو تمضي إلى مقصدها فتعتد هناك، لأن كلا من البلدين