وخالف ابن عباس للآية التي ذكرناها وهي من آخر ما نزل لم ينسخها شيء.
وحجة الأكثر قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]. فجعله داخلا في المشيئة. فتكون الآية محمولة
على من قتله مستحلا ولم يتب، أو على أن هذا جزأوه إن جازاه وله العفو إن
شاء.
فإن قيل: لفظ الآية لفظ الخبر والأخبار لا يدخلها النسخ؟
قلنا: يدخلها التخصيص والتأويل.
(والقتل) وهو: فعل ما يكون سببا لزهوق النفس، وهو مفارقة الروح
البدن (ثلاثة أضرب) أي: ثلاثة أصناف:
أحدها: (عمد يختص القود به).
والقود: قتل القاتل بمن قتله، مأخوذ من قائد الدابة، لأنه يقاد إلى القتل
بمن قتله.
(و) الضرب الثانى: (شبه عمد.
و) الضرب الثالث: (خطأ).
وهذا تقسيم أكثر أهل العلم. وروي عن عمر وعلى رضي الله تعالى عنهما.
وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، [فأما
شبه العمد فلا يعمل به عندنا] (١) ، وجعل شبه العمد من قسم العمد.
وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب، لما روى عبد الله بن عمرو بن
العاص أن النبي ﷺ قال: " ألا إن دية الخطأً شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها " (٢) . رواه أبو داود.
وهذا نص في ثبوت شبه العمد.
стр. 4552
وقسمه الموفق في" المقنع " إلى أربعة أقسام فزاد: ما أجري مجرى
الخطأ. وهو: أن ينقلب النائم على شخص فيقتله، ومن يقتل بالسبب، كحفر
البئر ونحوه. وهذه الصور عند أكثر أهل العلم من قسم الخطأ.
إذا تقرر هذا (فالعمد) الذي يختصى به القود: (أن يقصد) الجانى (من
يعلفه آدميا معصوما فيقتله بما) أي: بشيء (يغلب على الظن موته به). فلا
قصاص بما لا يقتل غالبا، لأن حصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به يكون اتفاقا لسبب أوجب الموت غيره، وإلا لما تخلف عنه الموت في غير تلك الحال
على الأكثر، وعدم القصد ظاهر فيه. فالقصاص لا يمكن، لأنه لا يمكن القتل
للقاتل بغير قصد لذلك كفعله.
(وله) أي: وللعمد الذي يختص القود به (تسع صور:
إحداها) أي: إحدى الصور: (أن يجرحه بما له نفوذ في البدن، من
حديد، كسكين) وسيف وحربة (ومسلة، أو) من (غيره) أي: غير الحديد،
(كشوكة) وكل ما يحدد من غير الحديد؛ كنحاس وذهب وفضة وزجاج
وخشب وقصب وعظم. فهذا كله إذا جرحه به جرحا كبيرا فمات به فهو قتل عمد
لا خلاف فيه. وفي الأصح (ولو) كان جرحه (صغيرا؛ كشرط حجام، أو)
كان الجراج (في غير مقتل)، كالأطراف، لأن المحدد لا يعتبر فيه غلبة الظن
في حصول القتل به، بدليل ما لو قطع شحمة أذنه أو أنملته فمات.
ولأنه لما لم يمكن إدارة (١) الحكم وضبطه بغلبة الظن وجب ربطه بكونه
محددا. ولا يعتبر (٢) ظهور الحكمة (٣) في آحاد صور المظنة، بل يكفي احتمال
الحكمة. ولذلك ثبت الحكم به فيما إذا بقي، مع أن العمد لا يختلف مع اتحاد
الآلة والفعل بسرعة الإفضاء وإبطائه.
ولأن في البدن مقاتل خفية وهذا له سراية وقود. فأشبه الجرح الكبير.
стр. 4553
(أو) كان جرحه (بـ) شيء (صغير، كغرزه بإبرة، ونحوها)، كشوكة
صغيرة (في مقتل؛ كالفؤاد) وهو القلب، (و) كـ (الخصيتين، أو في غيره)
أي: في غير مقتل، (كفخذ ويد فتطول علته) من ذلك.
(أو يصير ضمنا) بفتح الضاد المعجمة وكسر الميم. أي: متألما إلى أن
يموت. وفي الأصح (ولو لم يداو مجروج قادر) على أن يداوي (جرحه حتى
يموت، أو يموت في الحال) ففي ذلك كله القود، لأن الظاهر أنه مات بفعل
الجانى.
(ومن قطع) أي: أبان سلعة (١) خطرة من آدمي مكلف بلا إذنه فمات، (أو
بط) أي: شرط (سلعة خطرة) ليخرج ما فيها من القيح أو نحوه (من مكلف،
بلا إذنه فمات) من ذلك في الصورتين: (فعليه القود)، لأنه جرحه بغير إذنه
جرحا لا يجوز له. فكان عليه القود حيث تعمده كغيره.
(لا) أن قطعها أو بطها (ولي، من مجنون وصغير، لمصلحة) لمن به
السلعة من الصغير والمجنون، سواء كان الولي أبا أو وصيه أو حاكما، لأن له
فعل ذلك، كما لو ختنه فمات.
الصورة (الثانية: أن يضربه بمثقل) كبير (فوق عمود الفسطاط، لا)
بمثقل (كهو) أي: كعمود الفسطاط. نص عليه. (وهو: الخشبة التي يقوم
عليها بيت الشعر)، " لأن النبي ﷺ لما سئل عن المرأة التي ضربت جاريتها بعمود فسطاط فقتلتها وجنينها. قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها " (٢) .
والعاقلة: لا تحمل العمد، فدل على أن القتل بعمود الفسطاط ليس
بعمد.
стр. 4554
ولأن العمد يكون بما فوقه، لما يأتي من الدليل على ذلك.
(أو) يضربه (بما يغلب على الظن موته به (لثقله:) من كوذين، وهو:
ما يدق به الدقاق الثياب، و) من (لت) بضم اللام وتشديد المثناة من فوق وهو
معروف من السلام، (وسندان) وهو معروف، (وحجر كبير، ولو) كان
ضربه بما ذكر في (غير مقتل) فيموت، لأن هذا مما يقتل غالبا فيكون عمدا
موجبا للقصاص. وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة: لا قود إلا أن يكون قتله بالنار.
وعنه: في مثقل الحديد روايتان. واحتج بقول النبي ﷺ : " ألا إن في قتيل
عمد الخطاً قتيل عمد السوط والعصا والحجر مائة من الإبل " (١) .
فسماه عمد الخطأ وأوجب فيه الدية دون القصاص.
ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه فيجب ضبطه بمظنته، ولا يمكن ضبطه
بما يقتل غالبا، لحصول العمد بدونه في الجرج الصغير. فوجب ضبطه
بالجرج.
ولنا: قول الله : ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وهذا مقتول ظلما.
وقوله ] (٢) : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وروى أنس: " أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله
رسول الله ﷺ " (٣) . متفق عليه.
وروى أبو هريرة قال: " قام رسول الله ﷺ فقال: ومن قتل له قتيل فهو
стр. 4555
بخير النظرين، إما أن يودى وإما أن يقاد " (١) . متفق عليه.
ولأن المثقل الكبير يقتل غالبا. فاًشبه المحدد.
وأما المحدد فمحمول على المثقل الصغير؛ لأنه ذكر العصا والسوط وقرن
به الحجر فدل على أنه أراد ما يشبههما.
(أو) يضربه (في مقتل) بمثقل دون ما تقدم ذكره، (أو) في (حال ضعف
قوة: من مرض، أو صغر أو كبر، أو حر أو برد، ونحوه)؛ كحالة إعياء
(بدون ذلك)؛ كحجر صغير فيموت، (أو يعيده به) أي: يعيد الضرب بما
لا يقتل غالبا؛ كالعصا والحجر الصغير حتى يموت، (أو يلقي عليه حائطا أو
سقفا ونحوهما) مما يقتل غالبا فيموت، (أو يلقيه من شاهق فيموت) فيكون
في هذا كله القود؛ لأنه يقتل غالبا.
(وإن) قال الجانى: (لم أقصد قتله، لم يصدق) في ذلك؛ لأن الظاهر
خلافه.
الصورة (الثالثه: أن يلقيه بزبية) [أي: جحر] (٢) (أسد، ونحوها)؛
كزبية نمر، (أو) يلقيه (مكتوفا بعضا بحضرة ذلك) أي: بحضرة الأسد أو
نحوه، (أو) يلقيه (في مضيق بحضرة حية) فيقتله الأسد أو الحية، (أو
ينهشه) بضم الياء المثناة من أسفل (كلبا أو حية، أو لسعه) بضم الياء المثناة
من أسفل (عقربا من) العقارب (القواتل غالبا) فيموت (فيقتل به).
ومحل ذلك: إذا فعل به الأسد ونحوه فعلا يقتل مثله؛ لأن السبع صار
كالالة للادمي؛ لأن هذا مما يقتل غالبا.
الصورة (الرابعة: أن يلقيه في ماء يغرقه، أو) في (نار ولا يمكنه
стр. 4556
التخلص) منهما؛ إما لكثره الماء أو النار، أو لعجزه عن التخلص لمرض، أو
كبر أو صغر، أو لكونه مربوطا، أو يلقيه في حفرة لا يقدر على الصعود منها (فيموت) فيقتل به.
(وإن أمكنه) التخلص (فيهما) فتركه حتى مات: (فهدر) لا شيء فيه؛
لأنه إنما حصل موته بلبثه وهو فعل نفسه فلم يضمنه غيره.
الصوره (الخامسة: أن يخنقه بحبل أو غيره) فيموت من ذلك. وهو
نوعان:
أحدهما: أن يجعل في عنقه خراطة ثم يعلقه في شيء مرتفع عن الأرض
فيختنق ويموت فهذا عمد، سواء مات في الحال أو بقي زمانا؛ لأن هذا
أوحى (١) أنواع الخنق وهو الذي جرت العادة بفعله في اللصوص وأشباههم.
الثانى: أن يخنقه بيديه (٢) وهوعلى الأرض.
(أو يسد فمه وأنفه) زمنا يموت في مثله غالبا، (أو يعصر خصيتيه) (٣)
ويستمر العصر (زمنا يموت في مثله غالبا فيموت) فيقتل به. وأن مات في زمن
لا يموت الإنسان في مثله غالبا فهو شبه عمد يضمن بالدية، إلا أن يكون ذلك
يسيرا في الغاية بحيب لا يتوهم الموت منه فلا يوجب ضمانا؛ لأنه بمنزلة لمسه. الصورة (السادسه: أن يحبسه ويمنعه الطعام والشراب فيموت جوعا وعطشا
لزمن يموت فيه من ذلك غالبا). وهذا يختلف بأختلاف الناس والزمان
والأحوال. فماذا عطشه في شدة الحر مات في الزمن القليل، وإذا كان ذلك في
البرد أو في الزمن المعتدل لم يمت إلا في الزمن الطويل. فإذا مات في مدة
يموت في مثلها غالبا أقيد به (بشرط تعذر الطلب علية.
وإلا) أي: وأن لم يتعذر عليه الطلب: (فلا) قود ولا (دية)؛ نه إنما
стр. 4557
حصل موته بتركه الطلب وهو فعل نفسه. فلا يضمنه غيره" (كتركه شد
فصده)، لأنه بترك الطلب وتركه شد فصده هو المتسبب في قتل نفسه.
الصورة (السابعة: أن يسقيه سما) يقتل غالبا (لا يعلم به) شاربه، (أو
يخلطه بطعام ويطعمه، أو) يخلطه (بطعام آكله فيأكله جهلا) بالسم،
(فيموت) فيقاد به.
(فإن علم به) أي: بالسم الذي يقتل غالبا (آكل مكلف، أو خلطه)
الخالط (بطعام نفسه، فأكله أحد بلا إذنه) أي: إذن خالطه: (فهدر) أي:
فلا يضمن ذلك أحد، لعدم المباشرة والتسبب.
الصورة (الثامنة: أن يقتله بسحر يقتل غالبا) فيقاد به، لأنه قتله بما يقتل
غالبا. أشبه ما لو قتله بآلة غير السحر.] وأن كان السم أو السحر مما لا يقتل
غالبا فقتل ففيه الدية دون القصاص، لأنه عمد الخطأ. فأشبه قتيل السوط
والعصا] (١) .
(ومتى ادعى قاتل بسم أو) قاتل بـ (سحر عدم علمه أنه) أي: أن السم أو
السحر (قاتل): لم يقبل منه ذلك في الأصح، لأن السم والسحر من جنس ما
يقتل. أشبه ما لو جرحه وقال: لم أعلم أنه يموت من الجرح.
(أو) ادعى (جهل. مرض) من ضرب مريضا بمثقل لا يقتله مثله لو كان
صحيحا: (لم يقبل) منه ذلك في الأصح.
الصورة (التاسعة: أن يشهد رجلان على شخص بقتل عمد، أو بردة حيث
امتنعت توبته)؛ كما لو شهدا أنه سب الله أو رسوله، (أو)
يشهد (أربعة بزنا محصن فيقتل) بمقتضى الشهاده، (ثم ترجع البينة وتقول:
عمدنا قتله، أو يقول الحاكم): علمت كذبهما، أو علمت كذبهم وعمدت
قتله، (أو) يقول (الولي: علمت كذبهما، وعمدت قتله. فيقاد بذلك كله
وشبهه، بشرطه)؛ وذلك لما روي القاسم بن عبدالرحمن " أن رجلين شهدا
стр. 4558
عند علي ابن أبي طالب على رجل أنه سرق فقطعه. ثم رجعا عن شهادتهما
فقال علي: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما. وغرمهما دية يده" (١) .
ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا.
والحكم في الحاكم والولي في القود بذلك حكم الشاهدين أو الشهود.
(ولا قود على بينة ولا) على (حاكم، مع مباشرة ولي) للقتل؛ لأنه باشر
القتل عمدا عدوانا. فينبغي أن لايجب على غيره شيء؛ لأنهم متسببون
والمباشرة تبطل حكم التسبب؛ كالدافع مع الحافر.
ومحل هذا (٢) : ما إذا قال الولي: علمت كذب الشهود أو علمت فساد
الحكم بالقتل وعمدت قتله.
ويفارق هذا ما إذا لم يقر الولي؛ لأنه لم يثبت حكم مباشرة القتل في حقه
ظلما. فكان وجوده كعدمه، ويكون القصاص على الشهود والحاكم؛ لأن
الجميع متسببون. فلو كان الولي المقر بالتعمد لم يباشر القتل، وإنما وكل فيه
فأقر الوكيل بالعلم وبتعمد القتل ظلما فهو القاتل وحده؛ لأنه مباشر للقتل عمدا
ظلما من غير إكراه. فتعلق الحكم به؛ كما لو قتل في غير هذه الصورة. وإن لم يعرف الوكيل بذلك فالحكم متعلق بالولي؛ كما لو باشره.
(ويختص به) أي: بالقصاص (مباشر عالم) بأن القتل على وجه الظلم،
(فولي) عالم بذلك، (فبينة وحاكم) علموا ذلك.
(ومتى لزمت حاكما وبينة دية: فعلى عددهم) في الأصح.
(ولو قال واحد من) شهداء (ثلاثة فأكثر: عمدنا، و) قال (آخر)
منهم: (أخطأنا فلا قود) على أحد منهم. (وعلى من قال) منهم: (عمدنا
حصته من الدية المغلظة، و) على (الآخر) حصته (من) الدية (المخففة.
стр. 4559
و) لو قال واحد من (اثنين): عمدت، وقال الآخر: أخطأت: (لزم
المقر بعمد القود والآخر نصف الدية.
ولو قال كل) من اثنين: (عمدت واخطأ شريكي، فعليهما القود) في
الأصح، لاعتراف كل واحد منهما بأنه متعمد.
(ولو رجع ولي وبينة: ضمنه ولي) وحده في الأصح.
وقال القاضي وأصحابه: يضمنه الولي والبينة معا كمشترك.
(ومن جعل في حلق من) أي: إنسان قائم (تحته حجر، أو نحوه) أي:
نحو الحجر (خراطة) أي: حبلا أو نحوه، (وشدها) أي: شد الخراطة (بـ)
شيء (عال، ثم أزال ما تحته) من الحجر أو نحوه شخص (آخر) أي: غير
الذي جعل في حلقة الخراطة، (عمدا) أي: متعمدا لإزالة ذلك من تحته
(فمات، فإن. جهلها) أي: جهل الخراطة (مزيل وداه) أي: ديته لمستحقها
(من ماله).
قال في" الإنصاف ": على الصحيح.
(وإلا) أي. وإن لم يجهل المزيل لما تحته الخراطة التي بحلقه (قتل
به)، ولا شيء على جاعل الخراطة على الأصح، كالحافر مع الدافع.
стр. 4560
[فصل: في شبه العمد]
(فصل. وشبه العمد) وهو المسمى: بخطأ العمد.
وعمد الخطأ: (أن يقصد جناية لا تقتل غالبا، ولم يجرحه بها) أي: بهذه
الجناية؛ (كمن ضرب) غيره (بسوط أو عصا أو حجر صغير، أو لكز) غيره
بيده في غير مقتل، (أو لكم غيره في غير مقتل، أو ألقاه في ماء قليل، أو سحره
بما لا يقتل غالبا فمات، أو صاح بـ) إنسان (عاقل اغتفله) في حال غفلته
فمات، (أو) صاح (بصغير) على سطح فسقط فمات، (أو معتوه على سطح
فسقط فمات: ففيه) أي: ففي ذلك كله إن وجد واحد منها (الكفارة فيم مال
جان)؛ لقوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. والخطأ: موجود في هذه
الصور؛ لكونه لم يقصد بفعله القتل.
(و) فيه (الدية على عاقلته) أي: عاقلة الجانى؛ لقوله :
﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فأوجب الدية في الخطأ مع تمحضه ففي
شبه العمد أولى أن تجب.
ولما روى أبو هريرة قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما
الأخرى بحجر. فقتلتها وما في بطنها. فقضى النبي ﷺ أن دية جنينها عبد أو وليدة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها " (١) . متفق عليه.
فاً وجب ديتها على العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد.
стр. 4561
[فصل: في أضرب الخطأ]
(فصل. والخطأ ضربان:
ضرب) منهما يكون الخطأ (في القصد، وهو) أي: وهذا الضرب
(نوعان:
أحدهما: أن يرمي ما يظنه صيدا) فيبين آدميا، (أو) يرمي من يظنه (مباح
الدم)؛ كالحربي ونحوه، (فيبين آدميا أو معصوما.
أو يفعل ما له فعله، فيقتل إنسانا)؛ كمن أراد قطع لحم أو غيره مما له فعله
فسقطت منه السكين على إنسان فقتلته.
(أو يتعمد القتل صغير أو) يتعمده (مجنون) فإنه لا قصد لهما، فلذلك
يكون قصدهما كقصد الخاطئ المكلف.
إذا تقرر هذا (فـ) يكون (في ماله) أي: مال المخطئ في القصد ومن قتل
بسبب فعل ما له فعله، وفي مال الصبى والمجنون (الكفارة، وعلى عاقلته
الدية)؛ لقوله : ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]
(ومن قال: كنت يوم قتلت صغيرا، أو) قال: كنت يوم قتلت (مجنونا،
وأمكن) ذلك؛ كما لو كانت الدعوى بعد بلوغه بيسير، أو عهد له حال جنون:
(صدق بيمينه)؛ لأنه منكر والأصل عدم الموجب.
وقد علم من قوله: أو يفعل ما له فعله: أنه لو فعل ما ليس له فعله؛ كمن
قصد رمي آدمي معصوم أو بهيمة محترمة فقتل غير المقصود: أن ذلك لا يكون خطأ بل عمد.
стр. 4562
قال في" الإنصاف ": وهو منصوص الإمام أحمد. قاله القاضي في
روايته، وهو ظاهر كلام الخرقي.
ثم قال: وقدم في" المغني " أنه خطاً. وهو مقتضى كلامه في" المحرر" وغيره.
النوع (الثاني) من الضرب الأول من ضربي الخطاً: (أن يقتل بدار حرب)
من يظنه حربيا فيبين مسلما، (أو) يقتل بـ (صف كفار من يطنه حربيا فيبين
مسلما.
أو يرمي وجوبا) أي: حال كون الرمي واجبا (كفارا تترسوا بمسلم.
ويجب) رميهم إذا تترسوا بالمسلمين: (حيث خيف على المسلمين أن لم نرمهم فيقصدهم) أي: يقصد الكفار بالرمي (دونه) أي: دون المسلم، (فيقتله)
أي: يقتل المسلم من غير قصد.
(فـ) هذا (فيه الكفارة فقط) أي: دون الدية على الأصح، لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يذكر دية. وترك ذكرها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبله، وبعده ظاهرة أنها غير واجبة.
(الضرب الثاني) من ضربي الخطاً: خطاً (في الفعل (١) ، وهو: أن يرمي
صيدا أو هدفا، فيصيب آدميا) معصوما اعترضه (لم يقصده.
أو ينقلب (٢) وهو نائم أو نحوه) أي: نحو النائم، كالمغمى عليه (على
إنسان فيموت. فـ) يكون عليه (الكفارة) في ماله، (وعلى عاقلته الدية)،
لأنه خطأ. وهذا حكم الخطأ.
(لكن: لو كان الرامي ذميا، فأسلم بين رمي وإصابة: ضمن المقتول في
ماله)، لأنه بإسلامه قد باين دين عاقلته، ولا يمكن ضياع دية المقتول فوجبت
في مال الجاني.
стр. 4563
(ومن قتل بسبب؛ كحفر بئر، ونصب سكين أو حجر أو نحوه، تعديا إن
قصد جناية: فشبه عمد)؛ لأنه بالنظر إلى عدم المباشرة هو خطأ، وبالنظر إلى القصد كالعمد فلذلك كان شبه عمد.
(وإلا) أي: وإن لم يقصد جناية: (فخطأ)؛ لأنه لم يقصد به إتلاف
النفس، فهو كما لو رمى صيدا فاعترضه فأصيب به.
(وإمساك الحية محرم وجناية. فلو قتلت ممسكها: من مدعي مشيخة
ونحوه: فقاتل نفسه، ومع ظن أنها لا تقتل: شبه عمد، بمنزلة من أكل حتى
بشم). وليس على عاقلته لورثته شيء من ديته؛ لأن قاتل نفسه خطأ أو شبه
عمد، يضييع هدرا على الأصح.
وأما إذا قتل نفسه عمدا فبالإجماع. وسيأتي التصريح بذلك في المتن (١) .
قال في" الفروع ": ومن أمسك الحية كمدعي المشيخة فقتلته فقاتل نفسه.
وإن قيل: إنه ظن أنها لا تقتل فشبه عمد، بمنزلة من أكل حتى بشم فإنه لم يقصد
قتل نفسه. وإمساك الحيات جناية فإنه محرم. ذكره شيخنا. انتهى.
(ومن أريد قتله قودا) ببينة بالقتل دون إقراره، (فقال شخص: أنا
القاتل، لا هذا فلا قود) على واحد منهما، (وعلى مقر الدية).
قال في " الفروع ": ونقل حنبل فيمن أريد قتله قودا؛ فقال رجل: أنا
القاتل لا هذا: أنه لا قود، والدية على مقر؛ لقول علي رضي الله تعالى عنه:
" أحيا نفسا ". ذكره في " المنتخب ". وحمله أيضا على أن الولي صدقه بعد
قوله لا قاتل سوى الأول، ولزمته الدية لصحة بذلها منه.
وذكر فى القسامة: لو شهدا عليه بقتل فأقر به غيره، وذكر رواية حنبل.
(ولو أقر الثاني بعد إقرار الأول: قتل الأول)؛ لعدم التهمة ومصادقته
الدعوى.
стр. 4564
قال في " الفروع ": وفي " المغني " في القسامة: لا يلزم المقر الثانى
شيء، فإن صده الولي بطلت دعواه الأولى. وهل له طلبه؟ فيه وجهان. ثم
ذكر المنصوص وهو رواية حنبل، وأنه أصح، لقول عمر (١) : " أحيا نفسا ".
وذكر الخلال وصاحبه رواية حنبل. ثم رواية مهنا: ادعى على رجل أنه قتل
أخاه. فقدمه إلى السلطان فقال: إنما قتله فلان، فقال فلان: صدق، أنا قتلته
فإن هذا المقر بالقتل يؤخذ به.
قلت: أليس قد ادعى على الأول؟ قال: إنما هذا بالظن، فأعدت عليه
فقال: يؤخذ الذي أقر أنه قتله. انتهى.
стр. 4565
[فصل: يقتل العدد بواحد]
(فصل. ويقتل العدد) وهو: ما فوق الواحد إذا ثبت عليهم القتل
(بواحد: أن صلح فعل كل) منهم (للقتل به). يعني: إذا كان فعل كل واحد
منهم لو انفرد بقتله أوجب القصاص عليه. وهذا على الأصح. وهو مذهب
مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وذلك لإجماع الصحابة. فروى سعيد بن
المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا. وقال: لو تمالأعليه أهل صنعاء لقتلتهم (١) جميعا " (٢) .
وعن علي رضي الله تعالى عنه: " أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا ".
وعن ابن عباس: " أنه قتل جماعة قتلوا واحدا ". ولم يعرف لهم في
عصرهم مخالف فكان إجماعا.
ولأن القتل عقوبة تجب للواحد على الواحد. فوجب للواحد على
الجماعة؛ كحد القذف. ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض.
ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به. فيؤدي
إلى إسقاط حكمة الردع والزجر عن القتل.
(وإلا) أي: وإن لم يصلح فعل كل منهم للقتل به (ولا تواطؤ) أي: لم
يتواطؤا على ذلك لكي يسقط عنهم القصاص، كما لو ضربه كل واحد منهم
بحجر صغير حتى مات: (فلا) قصاص، لأنه لم يحصل من واحد منهم ما
стр. 4566
يوجب القود. (ولا يجب) على الجميع (مع عفو) عن القصاص (أكثر من
دية) واحدة على الأصح، لأن القتل واحد. فلا تلزمهم أكثر من دية، كما لو
قتلوه خطأ.
(وأن جرج واحد) من قاتلين (جرحا) واحدا وكان بحيث لو انفرد لقتل،
(و) جرحه (آخر مائة: فـ) ما (سواء) في القصاص أو الدية، لأن كل
واحد منهما فعل فعلا أزهق به نفس القتيل. فكان على كل واحد القود، كما لو
انفرد به. وكذلك في الدية، لأن زهوق نفسه حصل بفعل كل واحد منهما،
وزهوق النفس لا يتبعض ليقسم على الفعل فوجب تساويهما في موجبه.
(وإن قطع واحد) من قاتلين إنسانا (من كوع)، ثم قطعه (آخر من
مرفق. فإن كان) قطع الثانى بعد أن (قد برئ) القطع (الأول: فالقاتل الثانى)
وحده. فيكون عليه القود أو الدية كاملة إن عفي عن قتله. وله قطع يد الأول أو
نصف الدية.
(وإلا) بأن كان قطع الثاني قبل أن يبرأ القطع الأول (١) : (فهما) قاتلان،
لأنهما قطعان لو مات بعد كل واحد منهما وحده لوجب عليه القصاص. فإذا
مات بعدهما وجب عليهما القصاص، كما لو كانا في يدين.
[ولأن القطع الثانى لا يمنع جناية بعده. فلا يسقط حكم ما قبله، كما لو
كانا في يدين] (٢) . ويخالف ما لو كان قطع الثانى بعد اندمال قطع الأول، فإنه
لا يبقى معه الألم الذي حصل بالقطع الأول فافترقا.
(وإن فعل واحد) من جانبين (ما) أي: فعلا (لا تبقى معه حياة) في
العادة، (كقطع حشوته) أي: إبانة امعاه، (أو) قطع (مريئه) وهو مجرى
الطعام والشراب، (أو) قطع (ودجيه) وهما العرقان المستنبطان للرقبة (ثم
ذبحه آخر: فالقاتل) هو (الأول)، لأنه فعل به فعلا لا يمكن بقاء الحياة معه
стр. 4567
شيئا من الزمان. (ويعزر الثاني، كلما لو جنى على ميت) فلذلك يكون على
الأول القود؛ لأنه هو القاتل وعلى الثانى التعزير بإبانة رأس الميت وترك
حرمته.
(ولا يصح تصرف فيه) أي: فيمن فعل به فعل لا تبقى الحياة معه: (لو
كان قنا) فلا يصح بيعه.
قال في" الفروع ": كذا جعلوا الضابط: يعيش مثله أو لا يعيش. وكذا
علل الخرقي في المسألتين، مع أنه قال في الذي لا يعيش: خرق بطنه وأخرج
حشوته فقطعها فأبانها منه. وهذا يقتضى أنه لو لم يبنها لم يكن حكمه (١) كذلك،
مع أنه بقطعها لا يعيش فاعتبر الخرقي كونه لا يعيش في موضع خاص، فتعميم
الأصحاب لا سيما واحتج غير واحد منهم بكلام الخرقي وفيه نظر، وهذا معنى اختيار الشيخ وغيره في كلام الخرقي، فإنه احتج به في مسألة الذكاة فدل على تسأويهما عنده وعند الخرقي. ولهذا احتج في وصية عمر، ووجوب العباده
عليه في مسألة الذكاة، كما احتج هنا، ولا فرق. وقد قال ابن أبي موسى وغيره
في الذكاة كالقول هنا في أنه يعيش أو لا. ونص عليه أحمد أيضا. فهؤلاء أيضا
سووا بينهما، وكلام الأكثر على التفرقة، وفيه نظر. انتهى.
(وإن رماه) الجاني (الأول من شاهق، فتلقاه) الجاني (الثاني بمحدد
فقده) فهو القاتل؛ لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حال يئس فيها من حياته.
فأشبه ما لو رماه إنسان بسهم قاتل فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به، أو ألقى
عليه صخرة فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه، (أو شق الأول بطنه) ثم ذبحه الثانى، (أو قطع) الأول (طرفه، ثم ذبحه الثاني: فهو القاتل) في
الصورتين؛ لأن ما فعله الأول تبقى الحياة معه. بخلاف ما فعله الثانى، (وعلى
الأول موجب جراحته) أي: ما أوجبته جراحته؛ لتعديه.
(ومن رمي) بضم الراء (في لجة، فتلقاه حوت فابتلعه: فالقود على
стр. 4568
راميه) مع كثرة الماء في الأصح، لأنه ألقاه في مهلكة هلك بها من غير واسطة
يمكن إحالة الحكم عليها. أشبه ما لو مات بالغرق، أو هلك بوقوعه على
صخرة، أوكما لو ألقاه في نار لا يمكنه التخلص منها.
(ومع قلة الماء إن علم) الرامي (بالحوت: فكذلك) أي: فكما ألقاه في
ماء كثير.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الرامي بالحوت مع قلة الماء، (أو القاه مكتوفا
بفضاء غير مسبع فمر (١) به دابة فقتلته. فالدية)، لأنه هلك بفعله ولا قود؛ لأن
الذي فعله لا يقتل غالبا.
(ومن أكره مكلفا على قتل) شخص (معين) فقتله فعلى كل منهما القود،
(أو) أكرهه (على أن يكره عليه) أي: على قتل شخص معين (ففعل) ما
أكرهه عليه وقتله: (فعلى كل) من الثلاثه (القود).
والدليل على أن الامر قاتل: أنه تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا.
فوجب عليه القصاص؛ كما لو أنهشه حية أو أسدا أو رماه بسهم.
ولأنه ألجأه إلى الهلاك. أشبه ما لو ألقاه عليه.
والدليل على أن القاتل غير مسلوب الاختيار، لأنه قصد استيفاء نفسه بقتل
هذا. وهذا يدل على قصده واختيار نفسه. ولا خلاف في أنه يأثم. ولو سلم أنه
مسلوب الأختيار لم يأثم كما أنه لا يأثم المجنون.
(و) قول قادر على ما يهدد به غيره: (اقتل نفسك، وإلا قتلتك، إكراه)
على القتل. جزم به في " التنقيح " وتبعته عليه.
(ومن أمر بالقتل) شخصا (مكلفا يجهل تحريمه) أي: تحريم القتل؛
كمن نشأ بغير بلاد الإسلام، سواء كان المأمور أجنبيا أو عبدا للآمر فقتل لزم
الآمر القصاص؛ لأن المأمور إذا لم يكن عالما بخطير القتل فهو معتقد إباحته،
وذلك شبهة تمنع القصاص؛ كما لو اعتقده صيذا فرماه فقتل إنسانا.
стр. 4569
ولأن حكمة القصاص الردع والزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة.
وإذا لم يجب عليه قصاص وجب على الامر؛ لأن المأمور آلة (١) له لا يمكنه
إيجاب القصاص عليه. فوجب على المتسبب به؛ كما لو أنهشه حية فقتلته.
ويفارق هذا: ما إذا علم خطر القتل فإن القصاص يكون على المأمور؛
لإمكان إيجابه عليه وهو مباشر له. فانقطع حكم الامر؛ كالدافع مع الحافر.
وكذا ما أشير إليه بقوله: (أو صغيرا أو مجنونا) يعني: أنه من أمر بالقتل
صغيرا أو مجنونا فقتل. فحكمه حكم ما لو كان المأمور مكلفا جاهلا بتحريم
القتل من كون القصاص يلزم الامر دون المباشر.
[وكذا ما أشير إليه بقوله: (أو امر به) أي: بالقتل (سلطان، ظلما، من
جهل ظلمه فيه) أي: في القتل: (لزم الآمر) القصاص دون المباشر] (٢) ؛ لأن
المأمور معذور لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية. والظاهر: أن الإمام
لا يأمر إلا بالحق.
(وإن علم) المأمور (المكلف تحريمه) أي: تحريم القتل المأمور به:
(لزمه) القصاص؛ لأنه غير معذور في فعله. فإن النبي ص قال: " لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق " (٣) .
وعنه أنه قال: "من أمركم من الولاة بمعصية الله فلا تطيعوه " (٤) .
فلزمه القصاص؛ كما لو أمره غير السلطان.
(وأدب آمره) يعني: أنه متى وجب القصاص على المأمور فإنه يؤدب آمره
بما يراه الإمام من الضرب والحبس.
стр. 4570
(ومن دفع لغير مكلف آلة قتل، ولم يأمره به) أي: بالقتل، (فقتل) بالآلة
إنسانا: (لم يلزم الدافع) له الالة (شيء)، لأن الدافع ليس بآمر ولا مباشر.
(ومن أمر قن غيره بقتل قن نفسه، أو أكرهه عليه) أي: على قتل قن
نفسه: (فلا شيء له) على قن غيره ولا على مالكه، كما لو أذن إنسأنا لآخر في إتلاف مال الآذن فأتلفه. بإذنه.
(و) من قال لغيره: (اقتلني) فقتله، (أو) قال لغيره: (اجرحني،
ففعل: فهدر). نص عليه. وقدمه في" الفروع "، لأن ذلك جناية أذن له
المجني عليه فيها. فسقط عنه ضمانها، كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر
ففعل.
وعنه: تلزم الدية.
وعنه: للنفس.
وعلى الأول هو: (كاقتلني وإلا قتلتك). وهو المذهب. وأطلق الخلاف
في " الفروع " وفي " تصحيح الفروع ".
قال (١) في " الرعايتين "و" الحاوي الصغير": وإن قال: اقتلني وإلا قتلتك
فإكراه ولا قود إذا.
وعنه: ولا دية. زاد في"الرعايتين ": ويحتمل أن يقتل أو يغرم الدية إن
قلنا هي للورثة.
وقال في " الانتصار" في الصيام: لا إثم هنا ولا كفارة. انتهى.
(ولو قاله قن) أي: قال قن لغير سيده: اقتلني أو اجرحني، أو زاد: وإلا
قتلتلك فقتله: (ضمن لسيده (٢) بقيمته)، لأن إذن القن في إتلاف نفسه
لا يسري على سيده.
стр. 4571
[فصل: إذا أمسك إنسانا لآخر فقتله]
(فصل. ومن أمسك إنسانا لآخر حتى قتله، أو حتى قطع طرفه فمات، أو
فتح فمه) أي: فتح فم إنسان (حتى سقاه) آخر (سما) فمات من ذلك: (قتل
قاتل) بالفعل أو بإسقاء السم؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا بغير حق، (وحبس
ممسك حتى يموت) على الأصح؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن
النبي ﷺ قال: " إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك " (١) .
ولأنه حبسه إلى الموت. فيحبس الآخر إلى الموت؛ كما لو حبسه عن
الطعام والشراب حتى مات فإنا نفعل به كذلك (٢) .
(ومن قطع طرف هارب من قتل، فحبس حتى أدركه قاتله) فقتله: (أقيد
منه) أي: من قاطع طرفه في الطرف (٣) ، سواء حبسه ليقتله الآخر أو لا،
(وهو) أي: وقاطع الطرف فيما يجب عليه (في النفس كممسك) إنسانا لآخر
حتى قتله؛ لأنه إذا حبسه للقتل صار كأنه أمسكه حتى قتل، وإن لم يقصد حبسه
فعليه القطع فقط؛ كمن أمسك إنسانا لآخر لا يعلم انه يقتله.
فإن قيل: فلم اعتبرتم قصد الإمساك للقتل وأنتم لا تعتبرون إرادة القتل في
الجارج؟
قلنا: إذا مات من الجرج فقد مات من سرايته وأثره فيعتبر قصد الجرح الذي
هو السبب دون قصد الأثر. وفي مسألتنا إنما كان موته بأمر غير السراية والفعل ممكن له. فاعتبر قصده لذلك الفعل؛ كما لو أمسكه.
стр. 4572
(وأن اشترك عدد في قتل لا يقاد به البعض) المشارك (لو انفرد) بالقتل:
(كـ) اشتراك (حر وقن في قتل قن، و) كاشتراك (أب) وأجنبي في قتل ابن،
(أو) اشتراك (ولي مقتص) من جان (وأجنبي) لا حق له في القصاص، (و)
كاشتراك (خاطئ وعامد) في قتل أو قطع، (و) كاشتراك (مكلف وغير
مكلف) في قتل أو قطع، (أو) اشتراك مكلف (وسبع، أو) اشتراك مكلف
(ومقتول) في قتل نفسه: (فالقود على القن) شريك الحر؛ لأن القصاص إنما
امتنع عن الحر؛ لانتفاء مكافأة المقتول للحر وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعل
شريكه. فلم يسقط القصاص عنه.
وقد روي عن أحمد: أنه سئل عن حر وعبد قتلا عبدا عمدا، قال: أما
الحر فلا يقتل بالعبد، والعبد إن شاء سيده أسلمه، وإلا فداه بنصف قيمة
العبد.
وظاهر هذا: أنه لا قصاص على العبد فيخرج مثل هذا في كل قتل شارك فيه
من لايجب فيه القصاص.
والأول المذهب.
(و) القود أيضا على (شريك أب) في قتل ابنه على الأصح؛ لأنه شارك
في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد بقتله. فوجب عليه القصاص؛
كشريك الأجنبي.
ولأنه إنما امتنع القصاص في حق الأب لمعنى مختص بالمحل، لا لقصور
في السبب الموجب. فلا يمنع عمله في المحل الذي لا مانع فيه.
(كـ) ما يجب القصاص على (مكره أبا على قتل ولده) فإن القود يكون
على المكره دون الأب.
(و) يكون (على شريك قن) مع حرية الشريك في قتل قن (نصف قيمة)
القن (المقتول)؛ لأنه شريك في إتلاف فلزمه منه بقسطه.
стр. 4573
(و) يكون (على شريك غيرهما) أي: غير الأب وغير القن (في) قتل
(حر نصف ديته)؛ كالشريك في إتلاف مال.
(وفي) قتل (قن: نصف قيمته). وتقدم توجيه ذلك.
(ومن جرح) أي: جرحه إنسان (عمدا، فداواه) أي: داوى المجروح
جرحه (بسم) فمات، وكان السم مما يقتل غالبا في الحال فلا قود على جارحه
في الأصح. أشبه "ما لو ذبح نفسه بعد أن جرح، (أو خاطه) أي: خاط
المجروح جرحه (في اللحم الحي) فمات فكذلك، (أو فعل ذلك وليه) أي:
داوى المجروح وليه بسم أو خاط جرحه في اللحم الحي، (أو) فعل ذلك
(الحاكم فمات) من ذلك: (فلا قود على جارحه)؛ [لما تقدم] (١) .
(لكن: إن أوجب الجرح قصاصا استوفي) أي: استوفاه وليه من جارحه
إن شاء؛ لأنه عمد موجب للقود. فيخير فيه الولي بين استيفائه وأخذ أرشه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الجرح موجبا للقصاص: (أخذ) أي: أخذ ولي
المقتول (أرشه) إن شاء، لأن الحق له في ذلك دون غيره.
стр. 4574
[باب: شروط القصاص]
هذا (باب شروط القصاص) أي: ما يشترط لوجوب القود. (وهي أربعة:
أحدها: تكليف قاتل). وهو: أن يكون بالغا عاقلا، لأن القصاص عقوبة
مغلظة. فلا تجب على صغير، ولا على زائل العقل، كالمجنون والمعتوه،
لأنهم ليس لهم قصد صحيح، كالقاتل خطاً.
ومتى قال الجانى: كنت صغيرا حال الجناية، وقال وليها: بل كنت بالغا
وأمكنا، وأقاما بذلك بينتين. تعارضتا.
(ثانيها) أي: الثاني من شروط القصاص: (عصمة مقتول، ولو) كان
(مستحقا دمه بقتل لغير قاتله)، لأنه لا سبب فيه يباح به دمه لقاتله.
إذا تقرر هذا (فالقاتل لحربي أو مرتد قبل توبة: أن قبلت) توبته (ظاهرا،
أو) القاتل (لزان محصن ولو قبل ثبوته عند حاكم) إذا ثبت أنه زنى وهو محصن
بعد قتله، لأنه لا فرق في قتله قبل ثبوت ذلك ثم يثبت أو بعده، لأن الصفه التي
أباحت دمه موجودة (١) فيه قبل الثبوت وبعده على السواء. وإنما يظهر ذلك
للحاكم بالبينة، فحينئذ (لا قود ولا دية عليه) أي: على قاتل واحد ممن ذكر،
(ولو أنه مثله) أي: ولو أن قاتل المرتد مرتدا مثله، أو أن قاتل الزاني المحصن
زان محصن مثله، أو أن قاتل واحد من هؤلاء ذمي، (ويعزر)، لافتيائه على
ولي الأمر، كمن قتل حربيا.
(ومن قطع طرف مرتد) فأسلم ثم مات، (أو) قطع طرف (حربي فأسلم
ثم مات، أو رماه) أي: رمى مرتدا أو حربيا (فأسلم) بعد أن رماه (ثم وقع به
стр. 4575
المرمي) بعد إسلامه (فمات: فهدر) يعني: فلا قود ولا دية على راميه في
الأصح، لأنه بعد إسلامه لم يحدث من الجانى فعل. وإنما كان الموت أثر فعله
المتقدم، فلا اعتبار بما يحدث بعد الفعل.
(ومن قطع طرفا أو أكثر من) طرف (مسلم، فارتد ثم مات) مرتدا: (فلا
قود) في الأصح في النفس ولا في الطرف.
أما في النفس، فلأنها نفس مرتد غير معصوم.
وأما في الطرف؛ فلأنه قطع صار قتلا لم يجب به القتل. فلم يجب به
القطع، كما لو قطعه من غيرمفصل.
(وعليه) أي: على الجاني (الأقل من دية النفس أو) من دية (ما قطع)
منه في الأصح؛ لأنه لو لم يرتد لم يجب عليه أكثر من دية النفس فمع الردة أولى. ولأنه قطع صار قتلا. فلم يوجب أكثر من دية، كما لو لم يرتد.
إذا تقرر هذا فإن ما وجب من (١) ذلك (يستوفيه الإمام) على الأصح؛ لأن
ماله فيء للمسلمين. فيكون استيفاؤه للإمام.
(وإن عاد إلى الإسلام ولو) كان عوده إلى الإسلام (بعد زمن تسري فيه
الجناية) في الأصح ثم مات مسلما: (فكما لو لم يرتد) وحينئذ فيجب
القصاص على قاتله. نص عليه في رواية محمد بن الحكم؛ لأنه مسلم حال
الجناية والموت. فوجب القصاص بقتله؛ كما لو لم يرتد.
واحتمال السراية حال الردة لا يمنع؛ لأنها غير معلومة، فلا يجوز ترك
السبب المعلوم باحتمال المانع فإنه يحتمل أن يموت بمرض أو سبب آخر
وبالجرح مع شيء آخر يؤثر في الموت. وإن عفا وليه على الدية فإنها تجب كاملة في الأصح؛ لأنهما متكافئان في حال الجناية والسراية والموت. فأشبه ما لو لم
يرتد. وإن كان الجرح خطأ وجبت الكفارة بكل حال، لأنه فوت نفسا
معصومة. والله أعلم.
стр. 4576
[فصل: في مكافأة القاتل للمقتول]
(فصل. الثالث) من شروط القصاص: (مكافأة مقتول) لقاتل (حال
جناية).
والمكافأة: (بأن لا يفضله) أي: لا (١) يفضل المقتول (قاتله بإسلام.،
أو) يفضله بـ (حرية، أو) يفضله بـ (ملك).
إذا تقرر هذا (فيقتل مسلم حر) هو (أو عبد) بمثله.
(و) يقتل (ذمي) حر أو عبد بمثله، (و) يقتل (مستأمن حر أو عبد بمثله.
و) يقل (كتابي بمجوسي، و) يقتل (ذمي بمستأمن، و) كذا
(عكسهما) يعني: أنه يقتل المجوسي بالكتابي، ويقتل المستأمن بالذمي.
(و) يقتل (كافر غير حربي جنى) وهو حربي (ثم أسلم بمسلم.
و) يقتل (مرتد بذمي ومستأمن، ولو تاب) المرتد (وقبلت) توبته.
(وليست) توبة المرتد (بعد جرح) وقبل موت مانعة من القود، (أو) توبته
(بين رمي وإصابة مانعة من قود) أي: من أن لقتل المرتد التائب بعد الجرج،
أو بعد الرمي وقبل الإصابة، بالذمي أو المستأمن.
(و) يقتل (قن بحر وبقن، ولو) كان القن المقتول. (أقل قيمة منه) أي:
من القن القاتل على الأصح؛ لأن مفهوم قوله : ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [الحفرة: ١٧٨]، أنه يجب القصاص بين العبدين، سواء تساوت قيمتهما أو
تفاضلت
ولأن العبد يساوي العبد في النفس والرق. فوجب القصاص وإن اختلفت
стр. 4577
قيمتهما؛ لأن زياده قيمة العبد إنما هي في مقابلة الصفات النفسية في العبد. ولا
أثر لها في الحر، فإن الجميل يؤخذ بالذميم، والعالم يؤخذ بالجاهل. وإن لم
تكن معتبرة في الحر فأولى أن لا تعتبر في العبد.
(ولا أثر) أيضا (لكون أحدهما مكاتبا) والآخر غير مكاتب، أو كون
إحداهما (١) مستولدة والأخرى غير مستولدة، (أو كونهما) أي: القاتل
والمقتول من الرقيق (لـ) مالك (واحد) أو لأكثر، (أو كون مقتول مسلم) من
الرقيق (لذمي) أو لمسلم في الأصح.
(و) يقتل (من بعضه حر بمثله، وبأكثر حرية) من القاتل.
(و) يقتل (مكلف) أي: البالغ العاقل (بغير مكلف) أي: بصغير (٢)
ومجنون ومعتوه.
(و) يقتل (ذكر بخنثى و) بـ (أنثى)، ولا يعطى للذكر نصف دية القاتل
بالأنثى على الأصح. (وعكسهما) يعني: أنه يقتل الخنثى والأنثى بالذكر.
(لا مسلم) يعني: أنه لا يقتل مسلم (ولو ارتد) بعد أن قتل (بكافر)،
سواء كان كتابيا أو مجوسيا، وسواء كان ذميا أو معاهدا وفاقا لمالك والشافعي،
روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية. وبذلك قال عمر بن عبدالعزيز وعطاء والحسن. وعكرمة والزهري وابن شبرمة والثوري وإسحاق
وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر.
وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي: يقتل المسلم بالذمي خاصة.
قال الإمام أحمد: النخعي والشعبي قالا: دية المجوسي والنصراني مثل دية
المسلم وإن قتله يقتل به، سبحان الله! هذا عجيب! يصير المجوسي مثل
المسلم ما هذا القول؟ واستبشعه.
стр. 4578
وقال أحمد أيضا: النبي ﷺ يقول: " لا يقتل مسلم بكافر" (١) . فأي شيء
أشد من هذا؟
واحتج من قال: يقتل المسلم بالكافر بعموم قوله :
(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: ٤٥]، وقوله : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾
[البقرة: ١٧٨].
وبما روى ابن البيلمانى: " أن النبي ﷺ أقاد مسلما بذمي. وقال: أنا أحق
من وفى بذمته " (٢) .
وبأنه معصوم عصمة مؤبدة. فيقتل به قاتله؛ كالمسلم.
ولنا: قول النبي ﷺ : " المسلمون تتكافئ دماؤهم ويسعى بذمتهم
أدناهم. لا يقتل مؤمن بكافر" (٣) . [رواه أحمد وأبو داود.
وفي لفظ: "لا يقتل مسلم بكافر " (٤) . رواه البخاري وابو داود.
وعن علي أنه قال: " من السنة أن لا يقتل مؤمن بكافر] (٥) " (٦) رواه الإمام
أحمد.
وما روى أبو جحيفة قال: " قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي ما
ليس في القرآن؟ فقال: لا. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله
стр. 4579
رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما فى هذه الصحيفة. قال
العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مؤمن بكافر" (١) . رواه الجماعة إلا مسلما
وابن ماجه.
والمرتد كالكافر الأصلى؛ لحديث ابن مسعود وقوله فيه: " والتارك لدينه
المفارق للجماعة " (٢) .
ولأن القصاص يقتضي المساواة ولا مساواة بين الكافر والمسلم؛ لقوله
سبحانة وتعالي: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] فنفى المسواة، ونفي المسواة في الصورة الإنسانية غير مراد. فدل
على عدم تساويهما حكما. والعمومات مخصوصات بحديثنا. وحديثهم ليس له
إسناد. قاله أحمد.
وقال الدارقطني: يرويه ابن البيلمانى وهو ضعيف إذا أسند فكيف إذا
أرسل.
(ولا) يقتل (حر بقن)؛ لما روى أحمد بإسناده عن علي انه قال: "من
السنة أن لا يقتل حر بعبد " (٣) .
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " لا يقتل حر بعبد " (٤) . رواه
الدارقطني.
ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة. فلا يقتل به؛ كالأب مع ابنه. ولأن العبد منقوص بالرق من حيث أنه مال فيكون في معنى البهيمه. فلا
стр. 4580
يقتل بالحر؛ كالمكاتب إذا ملك ما يؤدي، والعمومات مخصوصة بهذا فنقيس عليه. (ولا) يقتل حر (بمبعض)؛ لأنه منقوص بما فيه من الرق.
(ولا) يقتل (مكاتب بقنه)؛ لأنه مالك لرقبته. فلا يقتل به؛ كالحر،
حتى (ولو كان) عبدا لمكاتب (ذا رحم محرم له)؛ لأنه ملكه. فلا يقتل به؛
كغيره من عبيده في الأصح.
(وإن انتقض عهد ذمي بقتل مسلم) أي: بكونه قتل مسلما حرا أو عبدا
(فقتل لنقضه) عهده، (فعليه دية الحر) إن كان المقتول حرا، (أو قيمة القن)
إن كان المقتول قنا؛ لأنه لا يسقط لموجب جناية.
(وإن قتل) ذمي أو مرتد ذميا، (أو جرح ذمي أو مرتد ذميا، أو) قتل أو
جرج (قن قنا (١) ، ثم أسلم) الذمي القاتل أو الجارح، (أو عتق) القن القاتل
أو الجارج، حتى (ولو) كان (٢) إسلام القاتل أو الجارح أو عتقه (قبل موت
مجروج: قتل به) على الأصح. نص عليه؛ وذلك لأن الجناية حصلت
بالجراحة في حال جريان القصاص بينهم. فوجب لذلك؛ (كما لو جن) جان
بعد الجناية في الأصح.
(ولو جرح مسلم ذميا، أو) جرح (حر قنا، فأسلم) المجروح، (أو عتق
مجروح، ثم مات: فلا قود) على الجارح؛ لأن الاعتبار بحال الجناية،
(وعليه) أي: على الجارح (دية حر مسلم) على الأصح؛ كما لو قتله بجرح
ثان (٣) ؛ لأن اعتبار الأرش بحال استقرار الجناية، بدليل ما لو قطع يدي رجل
ورجليه فسري إلى نفسه ففيه دية واحدة. ولهو اعتبرنا الأرش بحال الجناية لوجب ديتان.
(ويستحق دية من) أي: دية ذمي (أسلم) بعد الجرح وقبل الموت (وارثه
المسلم)؛ لأنه مات مسلما.
стр. 4581
(و) يستحق دية (من عتق) بعد الجرج وقبل الموت (سيده)، إلا أن
تجاوز ديته أرش جنايته، (كـ) ما أنه مستحق (قيمته لو لم يعتق. فلو جاوزت
دية) أي: دية الحر المسلم (أرش جناية) على العبد: (فالزائد لورثته) أي:
ورثة العبد، لأن الزائد على أرش الجناية حصل بحريته، ولا حق للسيد فيما
حصل بها.
(ولو وجب بهذه الجناية قود: فطلبه لورثته) أي: ورثة المعتق، لأنه مات
حرا. فإذا اقتصوا فلا شيء للسيد، وإن عفوا على مال فللسيد منه ما ذكرنا.
(ومن جرح قن نفسه، فعتق ثم مات) العتيق: (فلا قود) عليه أي: على
السيد، (وعليه ديته لورثته) في الأ صح.
(وإن رمى مسلم ذميا عبدا، فلم تقع به الرمية حتى عتق) العبد (وأسلم،
فمات منها) أي: من الرمية: (فلا قود) على الرامي في الأ صح، لأن الاعتبار
بحال الجناية وهو وقت صدور الفعل من الجانى، (ولورثته) أي: ورثة
المقتول (- على رام- دية حر مسلم)؛ كما لو كان مسلما حال الرمي، لأن
وجوب المال معتبر بحال الإصابة، لأن المال يدل على المحل. فتعتبر حالة
المحل الذي فات بها، فتجب بقدره وقد فات به نفس حر مسلم (١) ، والقصاص
جزاء للفعل. فيعتبر الفعل فيه والإصابة معا، لأنهما طرفاه فلذلك لم يجب
القصاص بقتله.
(ومن قتل من يعرفه أو يظنه كافرا، أو قنا، أو قاتل أبيه فبأن تغير حاله)
الذي كان يعرفه، بأن أسلم الكافر وعتق القن، (أو) تبين (خلاف ظنه)، بأن
تبين أنه غير قاتل أبيه: (فعليه القود) في الأصح؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا
محضا بغير حق. أشبه ما لو علم حاله.
стр. 4582
[فصل: في قتل الولد]
(فصل. الرابع) من شروط القصاص: (كون مقتول ليس بولد وإن سفل)
لقاتل، (ولا بولد بنت وإن سفلت لقاتل).
إذا تقرر هذا (فيقتل ولد بأب وأم وجد وجدة) يعني: أنه يقتل الولد بقتل
أبيه وبقتل أمه وبأجداده ولو من قبل أمه وبجداته كذلك على الأصح؛ لقوله
: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقره: ١٧٨] وهو عام في كل قتيل، سواء كان أبا أو ابنا أوغيرهما. وإنما خص منه صورتان بالنص وهو ما روى عمر وابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقتل والد بولده " (١) . أخرج النسائي حديث عمر. ورواهما ابن ماجه. وذكرهما ابن عبدالبر، وقال: هو
حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغني
بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته
تكلفا.
ولأن النبي ﷺ قال: " أنت ومالك لأبيك " (٢) . وقضية هذه الإضافة
تمليكه إياه. فإذا لم تثبت حقيقة الملكية ثبتت الإضافة وهي شبهة في درء
القصاص؛ لأنه يدرأ بالشبهات وبالقياس؛ لأنه سبب إيجاده. فلا ينبغي أن
стр. 4583
يسلط بسببه على إعدامه. وما ذكرنا (١) يخص العمومات، وإلى ذلك أشير
بقوله: (لا أحدهم) يعني: أنه لا يقتل أحد ممن تقدم من الآباء والأمهات
والأجداد والجدات (من نسب به) أي: بالولد أو ولد البنات وإن سفلا، حتى
(ولو أنه) أي: أن الولد أو ولد البنت (حر مسلم، والقاتل) من الآباء
والأمهات وإن علوا (كافر قن)؛ لعموم قوله ﷺ : "لا يقتل والد بولده" (٢) .
ولانتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في كل حال.
(ويؤخذ حر) من كل من الأبوين وإن علوا إذا قتلا ولدهما أو ولد ولدهما
(بالدية).
قال ابن قندس في، حواشي المحرر" عند قوله: ولا يقتل الأبوان وإن علوا
بالولد وإن سفل: لكن تجب دية الولد على الوالد كما تجب على الأجنبي لقولهم
في الدية: كل من أتلف إنسان فعليه ديته فيدخل فيه الولد.
وقد ذكر الخرقي دية الجنين: إذا شربت المرأة دواء فأسقطت جنينها [أن
عليها غرة لا ترث منها شيئا. وهذا صريح في إيجاب الديه على الوالد بقتل الولد
في الجملة] (٣) . ثم وجدت نصا بوجوب الدية، فقال في" الاختيارات" في باب
الهبة: ولو قتل ابنه عمدا لزمته الدية في ماله. ونص عليه الإمام أحمد. وكذا لو
جنى على طرفه لزمته ديته. انتهى.
وقال في" شرح المقنع" رادا على أكثر الأصحاب القائلين بتغليظ الديه
بالحرم والإحرام والأشهر الحرم: " ولأن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه لم يزد على مائة " (٤) . انتهى.
стр. 4584
(ومتى ورث قاتل أو ولده) أي: ولد القاتل (بعض دمه) أي: دم المقتول
بوجود واسطة بين القاتل والمقتول: (فلا قود)؛ لأن القصاص لا يتبعض.
إذا تقرر هذا (قلو قتل) إنسان (زوجته فورثها ولدهما) أي: ولده منها
سقط القصاص؛ لأنه لو وجب لوجب لولده، ولا يجب للولد قصاص على
أبيه، لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه قصاص. فلئلا يجب عليه له قصاص
بالجناية على غيره أولى.
وسواء كان الولد ذكرا أو انثى، أو كان للمقتول ولد سواه أو من شاركه في
الميراث أو لم يكن، لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه ولا يمكن وجوبه،
وإذا لم يثبت بعضه سقط كله، لأنه لا يتبعض، وصاركما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه.
(أو قتل اخاها) أي: أخا زوجته (فورثته، ثم ماتت) زوجته (فورثها
القاتل، أو) ورثها (ولده: سقط) القصاص، وسواء كان لها ولد من غيره
أولا؛ لسقوط القصاص فيما ورثه ولده منها فيسقط جمعه. أشبه ما لو عفا
بعض أولياء مقتول عن القود. وكذا لو قتلت المراة أخا زوجها فصار القصاص أو جزء منه لها أو لولدها، سواء صار إليه ابتداء أو انتقل إليه من ابنه أو من غيره. (ومن قتل أباه أو) قتل (أخاه، فورثه أخواه، ثم قتل أحدهما) أي: أحد
الأخوين (صاحبه: سقط القود عن) القاتل (الأولى؛ لأنه ورث بعض دم
نفسه).
ولو قتل إنسان أخاه فورثه ابن القاتل، أو ورث القاتل أحدا يرث ابنه شيئا
سقط القصاص؛ لما ذكرنا.
(وإن قتل أحد ابنين أباه وهو زوج لأمه) أي: أم القاتل، (ثم) قتل الابن
(الآخر أمه، فلا قود على قاتل أبيه) من الابنين المذكورين؛ (لإرثه ثمن أمه.
وعليه سبعة أثمان ديته) أي: ديه أبيه (لأخيه. وله) أي: ولقاتل أبيه (قتله)
أي: قتل أخيه بأمه (ويرثه)؛ لأن القتل قصاص لا يمنع، الميراث.
стр. 4585
ومحل ذلك: حيب لم يكن من يحجبه عن ميراثه.
وإن عفا عنه إلى الدية وجبت وتقاصا بما بينهما، وما فضل لأحدهما فهو
على أخيه.
(وعليهما) أي: على القاتلين (مع عدم زوجيه) أي: عدم كون أبيهما
زوجا لأمهما (القود) لأخيه، لأن كل واحد منهما ورث الذي قتله أخوه وحده
دون قاتله. ولو بادر أحدهما فقتل أخاه فقد استوفى حقه وسقط القصاص عنه،
لأنه يرث أخاه لكونه قتلا بحق فلا يمنع الميراث، إلا أن يكون للمقتول ابن وإن
سفل يحجب القاتل فيكون له قتل عمه ويرثه إن لم يكن له وارث سواه.
(ومن قتل من) أي: إنسانا (لا يعرف) بإسلام ولا حرية، (أو) إنسانا
(ملفوفا) لا يعرف هل هو حي أو ميت، (وادعى) القاتل (كفره) أي: كفر
من لم يعرف، (أو) ادعى (رقه) وأنكر وليه] فالقول قول الولي بيمينه] (١) ،
لأنه محكوم بإسلامه بالدار، ولهذا يحكم بإسلامه بالدار.
ولأن الأصل الحرية والرق طارئ.
(أو) ادعى قاتل (موته) أي: موت الملفوف (وأنكر وليه) فالقول قول
الولي بيمينه، لأن الأصل الحياة.
(أو) قتل إنسان (شخصا في داره) أي: دار القاتل، (وادعى) القاتل
(أنه دخل) داره (لقتله، أو أخذ ماله فقتله دفعا عن نفسه، وأنكر وليه) ذلك.
فالقول قول الولي بيمينه ووجب القصاص ما لم يأت ببينة تشهد بدعواه، لما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال: " إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته " (٢) .
ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى.
فأما إن اعترف الولي بذلك فلا قصاص عليه ولا دية " لما روي عن عمر
стр. 4586
رضي الله تعالى عنه " أنه كان يوما يتغدى إذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم ووراءه قوم يعدون خلفه. فجاء حتى جلس مع عمر. فجاء الآخرون.
فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن هذا قتل صاحبنا. فقال له عمر: ما تقول؟
قال (١) : يا أمير المؤمنين! إنى ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد
قتلته. فقال عمر: ما تقولون؛ قالوا: يا أمير المؤمنين! إنه ضرب بالسيف
فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه ".
رواه سعيد في " سننه ".
(أو تجارح اثنان، وادعى كل) من المتجارحين (الدفع عن نفسه:
فالقود) أي: فعلى كل واحد منهما للآخر القود إن وجب، (أو الدية، ويصدق
منكر) منهما (بيمينه)، لأن الأصل عدم ما يدعيه الآخر.
(ومتى صدق الولي) من ادعى شيئا من ذلك فيما يدعيه: (فلا قود ولا
دية) " لأن الخصم اعترف بما يبيح قتله. فسقط حقه، كما لو أقر بقتله قصاصا
أو في حد يوجب قتله.
(وإن اجتمع قوم بمحل) أي: مكان، (فقتل) بعض منهم بعضا،
(وجرح بعض) منهم (بعضا، وجهل الحال) أي: حال المقتولين
والمجروحين: (فعلى عاقلة المجروحين دية القتلى) منهم، (يسقط منها)
أي: من الدية (أرش الجراح).
نقل أبو الصقر وحنبل عن أحمد في قوم اجتمعوا بدار فجرح وقتل بعضهم
بعضا وجهل الحال: أن على عاقلة المجروحين دية القتلى، يسقط منها أرش
الجراح.
قال أحمد: حدثنا إبراهيم حدثنا الشيبانى عن الشعبي قال: " أشهد على
علي أنه قضى به ".
قال في " الفروع ": وهل على من ليس به جرح من دية القتلى شيء؟ فيه
стр. 4587
وجهان. قاله ابن حامد. انتهى.
قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: يشاركونهم. اخترته في " التصحيح
الكبير".
والوجه الثاني: لا دية عليهم. وهو ظاهر كلام جماعة من الأصحاب. انتهى.
(ومن ادعى على آخر أنه قتل مورثه، فقال: إنما قتله زيد، فصدق زيد)
بأن قال زيد: صدق أنا قتلته: (أخذ) زيد (به).
نقل مهنا عن أحمد فيمن ادعى على رجل أنه قتل أخاه فقدمه إلى السلطان،
فقال: إنما قتله فلان، فقال فلان: صدق أنا قتلته. فإن هذا المقر بالقتل يؤخذ
به (١) . قال مهنا: قلت: أليس قد ادعى على الأول؟ قال: إنما هذا بالظن،
فأعدت عليه فقال: يؤخذ الذى أقر أنه قتله. والله أعلم.
стр. 4588
[باب: استيفاء القصاص]
هذا (باب استيفاء القصاص. وهو) أى: والقصاص: (فعل مجني عليه
أو وليه بجان، مثل فعله) أي: مثل فعل الجانى (أو شبهه) أي: شيبه. فعل
الجانى.
(وشروطه) أي: شروط استيفاء القصاص (ثلاثة:
أحدها: تكليف مستحق) على الأصح. (ومع صغره) أي: صغر
المستحق للقصاص (أو جنونه، يحبس جان لبلوغ) إن كان المستحق صغيرا،
(أو) إلى (إفاقة) إن كان المستحق مجنونا؛ كصغير أومجنون قتلت أمه
وليست زوجة لأبيه؛ "لأن معاوية حبس هدبة بن حشرم في قصاص حتى بلغ
ابن القتيل ". وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر فكان كالإجماع.
و" بذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص لابن القتيل! سبع ديات فلم
يقبلها).
ولأن في تخليته تضييعا للحق؛ لأنه لا يؤمن هربه.
والفرق بينه وبين المعسر: أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار فلا يحبس
بما لا يجب، والقصاص هنا واجب وإنما تعذر المستوقى.
والثانى: أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب؛ لقضاء دينه. فحبسه ضرر
من الجانبين وهنا الحق هو نفسه فيفوت بالتخلة.
والثالث: أنه هنا قد استحق تفويت نفسه اللازم منه تفويت نفعه. فإذا تعذر
تفويت نفعه لإمكانة.
(و) على هذا (لا يملك استيفاءه لهما) أي: للصيي والمجنون (أب)
كما لا يملكه عشر الأب؛ (كوصى وحاكم)؛ لأن القصاص إنما ثبت لولي
стр. 4589
الدم، لما فيه من التشفي والانتقام، وذلك لا يحصل له باستيفاء غيره، كما لو
قتله أجنبي.
(فإن احتاجا) أي: الصبي والمجنون (لنفقة: فلولي مجنون لا) ولي
(صغير العفو إلى الدية) في الأصح، لأن المجنون ليست له حالة معتادة ينتظر
فيها لإفاقته ورجوع عقله. بخلاف الصغير.
وعلم مما تقدم أنهما إن لم يحتاجا إلى نفقة لم يكن لوليهما العفو على مال
في الأصح.
(وإن قتلا) أي: الصبي والمجنون (قاتل مورثهما، أو قطعا قاطعهما
قهرا) أي: من غير إذن من الجانى: (سقط حقهما) في الأصح، لأنه استيفاء
لما وجب لهما. قأسقط حقهما، كما لو كان في يده مال لهما فأخذاه منه قهرا
فأتلفاه، و (كما لو اقتصا ممن لاتحمل العاقلة ديته) كالعبد، فإنه يسقط
حقهما وجها واحدا، لأنه لا يمكن إيجاب ديته على العاقلة. فلم يكن إلا
سقوطه.
الشرط (الثاني) من شروط استيفاء القصاص: (اتفاق المشتركين فيه)
أي: في القصاص (على استيفائه) فليس لبعضهم الاستيفاء دون بعض، لأنه
يكون مستوفيا لحق غيره بغير إذنه ولا ولاية له عليه. فأشبه الدين.
(وينتظر قدوم) حر (غائب، وبلوغ) أي: بلوغ وارث صغير، (وإفاقة)
أي: إفاقه وارث مضون في الأصح، لأنهم شركاء في القصاص.
ولأنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة معينين. فلم يجز لأحدهم الاستقلال
به، كما لو كان لحاضر وغائب.
ولأنه أحد بدلي النفس.
(فلا ينفرد به بعضهم، كدية) أى: كما أنهم شركاء في الدية إذا وجبت،
(و) كـ (قن مشترك. بخلاف) قتل بـ (محاربة، لتحتمه) أي: تحتم قتله،
(و) بخلاف (حد قذف، لوجوبه لكل واحد) من الورثة إذا طلبه (كاملا).
стр. 4590
ولا ينتظر بقصاص من قتل من لا وارث له؛ لأنه ثبت لغير معينين.
ولأن استيفاء الإمام [بحكم الولاية لا] (١) بحكم الإرث.
قال الأصحاب: وإنما قتل الحسن ابن ملجم حدا لكفره؛ لأن من اعتقد
إباحة ما حرم الله كافر.
وقيل: لسعيه بالفساد في الأرض، ولذلك لم ينتظر الحسن قدوم غائب من
الورثة.
(ومن مات) من ورثة المقتول: (فوارثه) أي: وارث من مات (كهو)
أي: كمورثه. فيملك ما كان يملكه مورثه؛ لأنه حق للميت. فانتقل بموته إلى
وارثه؛ كسائر حقوقه.
(ومتى انفرد به) أي: بالقصاص (من منع) من الانفراد به: (عزر فقط)
يعني: لم يكن عليه إلا التعزير في الأصح؛ لافتياته بانفراده، ولم يكن عليه
قصاص؛ لأنه شريك في الاستحقاق. وإنما منع من استيفاء حقه؛ لعسر
التجزئ. فإذا استوفى وقع نصيبه قصاصا، وبقيت الجناية على بعض النفس.
فيتعذر فيه القصاص؛ لامتناع المماثلة فوجب سقوطه لذلك.
(ولشريك) أي: شريك المقتص (في تركة جان حقه) أي: حق الشريك
الذي لم يقتص (من الدية) بقسطه منها في الأصح.
فعلى هذا لو كان الجاني أقل دية من قاتله مثل: امرأة قتلت رجلا له ابنان (٢)
قتلها أحدهما بغير إذن الاخر فلمن لم يأذن نصف دية أبيه في تركة المرأة التي
قتلته.
(ويرجع وارث جان) أي: وارث المرأة (على مقتص) منها (بما فوق
حقه) وهو نصف ديتها فيما مثلها (٣) .