رضي الله تعالى عنه " أنه كان يوما يتغدى إذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم ووراءه قوم يعدون خلفه. فجاء حتى جلس مع عمر. فجاء الآخرون.
فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن هذا قتل صاحبنا. فقال له عمر: ما تقول؟
قال (١) : يا أمير المؤمنين! إنى ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد
قتلته. فقال عمر: ما تقولون؛ قالوا: يا أمير المؤمنين! إنه ضرب بالسيف
فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه ".
رواه سعيد في " سننه ".
(أو تجارح اثنان، وادعى كل) من المتجارحين (الدفع عن نفسه:
فالقود) أي: فعلى كل واحد منهما للآخر القود إن وجب، (أو الدية، ويصدق
منكر) منهما (بيمينه)، لأن الأصل عدم ما يدعيه الآخر.
(ومتى صدق الولي) من ادعى شيئا من ذلك فيما يدعيه: (فلا قود ولا
دية) " لأن الخصم اعترف بما يبيح قتله. فسقط حقه، كما لو أقر بقتله قصاصا
أو في حد يوجب قتله.
(وإن اجتمع قوم بمحل) أي: مكان، (فقتل) بعض منهم بعضا،
(وجرح بعض) منهم (بعضا، وجهل الحال) أي: حال المقتولين
والمجروحين: (فعلى عاقلة المجروحين دية القتلى) منهم، (يسقط منها)
أي: من الدية (أرش الجراح).
نقل أبو الصقر وحنبل عن أحمد في قوم اجتمعوا بدار فجرح وقتل بعضهم
بعضا وجهل الحال: أن على عاقلة المجروحين دية القتلى، يسقط منها أرش
الجراح.
قال أحمد: حدثنا إبراهيم حدثنا الشيبانى عن الشعبي قال: " أشهد على
علي أنه قضى به ".
قال في " الفروع ": وهل على من ليس به جرح من دية القتلى شيء؟ فيه
стр. 4587
وجهان. قاله ابن حامد. انتهى.
قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: يشاركونهم. اخترته في " التصحيح
الكبير".
والوجه الثاني: لا دية عليهم. وهو ظاهر كلام جماعة من الأصحاب. انتهى.
(ومن ادعى على آخر أنه قتل مورثه، فقال: إنما قتله زيد، فصدق زيد)
بأن قال زيد: صدق أنا قتلته: (أخذ) زيد (به).
نقل مهنا عن أحمد فيمن ادعى على رجل أنه قتل أخاه فقدمه إلى السلطان،
فقال: إنما قتله فلان، فقال فلان: صدق أنا قتلته. فإن هذا المقر بالقتل يؤخذ
به (١) . قال مهنا: قلت: أليس قد ادعى على الأول؟ قال: إنما هذا بالظن،
فأعدت عليه فقال: يؤخذ الذى أقر أنه قتله. والله أعلم.
стр. 4588
[باب: استيفاء القصاص]
هذا (باب استيفاء القصاص. وهو) أى: والقصاص: (فعل مجني عليه
أو وليه بجان، مثل فعله) أي: مثل فعل الجانى (أو شبهه) أي: شيبه. فعل
الجانى.
(وشروطه) أي: شروط استيفاء القصاص (ثلاثة:
أحدها: تكليف مستحق) على الأصح. (ومع صغره) أي: صغر
المستحق للقصاص (أو جنونه، يحبس جان لبلوغ) إن كان المستحق صغيرا،
(أو) إلى (إفاقة) إن كان المستحق مجنونا؛ كصغير أومجنون قتلت أمه
وليست زوجة لأبيه؛ "لأن معاوية حبس هدبة بن حشرم في قصاص حتى بلغ
ابن القتيل ". وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر فكان كالإجماع.
و" بذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص لابن القتيل! سبع ديات فلم
يقبلها).
ولأن في تخليته تضييعا للحق؛ لأنه لا يؤمن هربه.
والفرق بينه وبين المعسر: أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار فلا يحبس
بما لا يجب، والقصاص هنا واجب وإنما تعذر المستوقى.
والثانى: أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب؛ لقضاء دينه. فحبسه ضرر
من الجانبين وهنا الحق هو نفسه فيفوت بالتخلة.
والثالث: أنه هنا قد استحق تفويت نفسه اللازم منه تفويت نفعه. فإذا تعذر
تفويت نفعه لإمكانة.
(و) على هذا (لا يملك استيفاءه لهما) أي: للصيي والمجنون (أب)
كما لا يملكه عشر الأب؛ (كوصى وحاكم)؛ لأن القصاص إنما ثبت لولي
стр. 4589
الدم، لما فيه من التشفي والانتقام، وذلك لا يحصل له باستيفاء غيره، كما لو
قتله أجنبي.
(فإن احتاجا) أي: الصبي والمجنون (لنفقة: فلولي مجنون لا) ولي
(صغير العفو إلى الدية) في الأصح، لأن المجنون ليست له حالة معتادة ينتظر
فيها لإفاقته ورجوع عقله. بخلاف الصغير.
وعلم مما تقدم أنهما إن لم يحتاجا إلى نفقة لم يكن لوليهما العفو على مال
في الأصح.
(وإن قتلا) أي: الصبي والمجنون (قاتل مورثهما، أو قطعا قاطعهما
قهرا) أي: من غير إذن من الجانى: (سقط حقهما) في الأصح، لأنه استيفاء
لما وجب لهما. قأسقط حقهما، كما لو كان في يده مال لهما فأخذاه منه قهرا
فأتلفاه، و (كما لو اقتصا ممن لاتحمل العاقلة ديته) كالعبد، فإنه يسقط
حقهما وجها واحدا، لأنه لا يمكن إيجاب ديته على العاقلة. فلم يكن إلا
سقوطه.
الشرط (الثاني) من شروط استيفاء القصاص: (اتفاق المشتركين فيه)
أي: في القصاص (على استيفائه) فليس لبعضهم الاستيفاء دون بعض، لأنه
يكون مستوفيا لحق غيره بغير إذنه ولا ولاية له عليه. فأشبه الدين.
(وينتظر قدوم) حر (غائب، وبلوغ) أي: بلوغ وارث صغير، (وإفاقة)
أي: إفاقه وارث مضون في الأصح، لأنهم شركاء في القصاص.
ولأنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة معينين. فلم يجز لأحدهم الاستقلال
به، كما لو كان لحاضر وغائب.
ولأنه أحد بدلي النفس.
(فلا ينفرد به بعضهم، كدية) أى: كما أنهم شركاء في الدية إذا وجبت،
(و) كـ (قن مشترك. بخلاف) قتل بـ (محاربة، لتحتمه) أي: تحتم قتله،
(و) بخلاف (حد قذف، لوجوبه لكل واحد) من الورثة إذا طلبه (كاملا).
стр. 4590
ولا ينتظر بقصاص من قتل من لا وارث له؛ لأنه ثبت لغير معينين.
ولأن استيفاء الإمام [بحكم الولاية لا] (١) بحكم الإرث.
قال الأصحاب: وإنما قتل الحسن ابن ملجم حدا لكفره؛ لأن من اعتقد
إباحة ما حرم الله كافر.
وقيل: لسعيه بالفساد في الأرض، ولذلك لم ينتظر الحسن قدوم غائب من
الورثة.
(ومن مات) من ورثة المقتول: (فوارثه) أي: وارث من مات (كهو)
أي: كمورثه. فيملك ما كان يملكه مورثه؛ لأنه حق للميت. فانتقل بموته إلى
وارثه؛ كسائر حقوقه.
(ومتى انفرد به) أي: بالقصاص (من منع) من الانفراد به: (عزر فقط)
يعني: لم يكن عليه إلا التعزير في الأصح؛ لافتياته بانفراده، ولم يكن عليه
قصاص؛ لأنه شريك في الاستحقاق. وإنما منع من استيفاء حقه؛ لعسر
التجزئ. فإذا استوفى وقع نصيبه قصاصا، وبقيت الجناية على بعض النفس.
فيتعذر فيه القصاص؛ لامتناع المماثلة فوجب سقوطه لذلك.
(ولشريك) أي: شريك المقتص (في تركة جان حقه) أي: حق الشريك
الذي لم يقتص (من الدية) بقسطه منها في الأصح.
فعلى هذا لو كان الجاني أقل دية من قاتله مثل: امرأة قتلت رجلا له ابنان (٢)
قتلها أحدهما بغير إذن الاخر فلمن لم يأذن نصف دية أبيه في تركة المرأة التي
قتلته.
(ويرجع وارث جان) أي: وارث المرأة (على مقتص) منها (بما فوق
حقه) وهو نصف ديتها فيما مثلها (٣) .
стр. 4591
(وإن عفا بعضهم) أي: بعض مستحق القصاص (ولو) كان العافي
(زوجا أو زوجة، أو شهد) بعض مستحق القصاص (ولو مع فسقه بعفو
شريكه: سقط القود).
أما سقوطه بعفو (١) بعضهم؛ فلعموم قوله ﷺ : " فأهله بين خيرتين" (٢) .
وهذا عام في جميع أهله.
والمرأة ولو كانت زوجة من أهله بدليل قول النبي ﷺ : " من يعذرنى من
رجل بلغنى أذاه في أهلي. وما علمت على أهلي إلا خيرا. ولقد ذكروا أن رجلا
ما علمت به (٣) إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي، يريد عائشة. وقال
له أسامة: يا رسول الله! أهلك ولا نعلم إلا خيرا " (٤) .
وروى زيد بن وهب: " أن عمر أتى برجل قتل قتيلا. فجاء ورثة المقتول
بيقتلوه فقال امرأة المقتول وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي. فقال
عمر: الله أكبر! عتق القتيل ". رواه أبو داود.
وفي رواية عن زيد قال: " دخل رجل على امرأته فوجد عندها (٥) رجلا
فقتلها. فقال بعض إخوتها: قد تصدقت. فقضى لسائرهم بالدية " (٦) .
وأما سقوطه بشهادة بعضهم على شريكه بالعفو؛ فلكونه إقرار بأن نصيبه
سقط من القود. وحيث ثبت أن القصاص حق مشترك بين الورثة لا يتبعض مبناه على الدرء والإسقاط. فماذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتيق.
стр. 4592
(ولمن لم يعف) من الورثة (حقه من الدية على جان)، سواء عفا شريكه
مطلقا أو إلى الدية؛ وذلك لأن حقه من القصاص سقط بغير رضاه. فثبت (١) له
البدل؛ كما لو ورث القاتل بعض دمه.
(ثم إن قتله عاف: قتل ولو ادعى نسيانه) أي: نسيان عفوه (أو جوازه)
أي: جواز القصاص بعد العفو، وسواء عفا مطلقا أو إلى مال؛ لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة في تفسيرها: أي بعد أخذه الدية.
ولأنه قتل معصوما مكافئا. فوجب عليه القصاص؛ كما لو لم يكن قتل.
(وكذا شريك) أي: وكذا لو قتل الجانى شريك العافي (عالم بالعفو)
أي: بعفو شريكه، (و) علم بـ (سقوط القود به) أي: بعفو شريكه، وسواء
حكم بعفو شريكه حاكم أو لا إذا قتل من عفا عنه شريكه؛ وذلك لأنه قتل
معصوما مكافئا له عمدا يعلم أنه لا حق له فيه. فوجب القصاص؛ كما لو حكم
بالعفو حاكم.
والاختلاف لا يسقط القصاص فإنه لو قتل مسلما بكافر قتلناه به مع الاختلاف
في قتله. فأما إن قتله قبل العلم فلا قصاص عليه؛ لأنه معتقد ثبوت حقه فيه،
مع أن الأصل بقاؤه. فلم يلزمه قصاص؛ كالوكيل إذا قتل بعد عفو الموكل قبل
علمه بعفوه.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم يعفو شريكه وبسقوط القود به: (وداه) أي:
أدى ديته؛ لأنه قتل بغير حق. فوجب ضمانه؛ كسائر الخطاً شبه العمد.
(ويستحق كل وارث) من ورثة المقتول (القود بقدر إرثه من مال) أى: من
مال المقتول لو ترك مالا. يعني: أن كل من ورث المال ورث من القود على
ميراثه من المال حتى الزوجين وذوي الأرحام؛ لأن القصاص حق ثبت للوارث
على سبيل الإرب. فوجب له بقدر ميراثه من المال.
стр. 4593
(وينتقل) حق القود (من مورثه) الذي هو المقتول (إليه) أي: إلى وارثه
على الأصح، لأن القود بدل عن نفس المقتول كالدية. وقد تقدم في الوصايا
صحة إيصائه بديته، وأنه يقضى منها ديونه، كسائر ماله.
(ومن لا وارث له) من المقتولين: (فالإمام وليه) أي: ولي الجناية
عليه، لأنه ولي من لا ولي، (له) إن رأى المصلحة في القصاص (أن
يقتص)، لأن عليه أن يفعل ما يرى فيه المصلحة للمسلمين، لأنه وكيلهم، (أو
يعفو إلى مال) أي: إلى الدية، (لا) على أقل من الدية، لأن الدية حق ثابت
للمسلمين فلم يكن له ترك شيء منه، كما لا يجوز له أن يعفو (مجانا)، لأن
كلا من ذلك لا حظ للمسلمين فيه.
الشرط (الثالث) من شروط استيفاء القصاص: (أن يؤمن في استيفاء)
للقود (تعديه) أي: أن يتعدى الاستيفاء (إلى غير جان)؛ لقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
إذا تقرر هذا (فلو لزم القود حاملا، أو) لزم (حائلا فحملت: لم تقتل
حتى تضع) حملها، لأن قتل الحامل إسراف في القتل، لأنه. يتعدى إلى
الجنين. فلا تقتل حتى تضعه (وتسقيه اللبأ)، لأن الولد يضره ترك ذلك.
ولأنه في الغالب لا يعيش إلا به.
وقد روى ابن ماجه بإسناده عن عبدالرحمن بن غنم قال: حدثنا معاذ بن
جبل وأبو عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس رضي الله تعالى
عنهم قالوا: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها أن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها. وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها " (١) . وهذا نص.
ولأن النبي ﷺ قال للعامرية المقرة بالزنا: " ارجعي حتى تضعي ما في
بطنك، ثم قال لها: ارجعي حتى ترضعيه " (٢) .
стр. 4594
(ثم إن وجد من يرضعه) أي: يرضع ولدها بعد أن تسقيه اللبأ أعطي لمن
يرضعه؛ لأن غيرها يقوم مقامها في إرضاع الولد وتربيته فلم ييق في ترك استيفاء القود منها ضرورة.
(وإلا) أي: وإن لم يوجد من يرضعه: (فـ) إنها تترك (حتى تفطمه
لحولين)؛ لما ذكرنا في الخبرين.
ولأنه لما أخر الاستيفاء لحفظه وهو حمل. فلأن يؤخر لحفظه بعد وضعه
أولى.
(وكذا حد برجم)؛ لما تقدم في الحديث.
ولأن الحد بالرجم في معنى القصاص في النفس.
(وتقاد في طرف، وتحد بجلد بمجرد وضع) يعني: أن الحامل متى وجب
عليها قصاص في طرف؛ كقطع يد أو رجل، أو وجب عليها حد بجلد؛ كما لو
زنت وهي غير محصنة، أو وجب عليها جلد في حد قذف فإنه يستوفى منها
بمجرد وضع حملها في الأصح.
قال في"الإنصاف ": ولا يقتص منها في الطرف حال حملها بلا نزاع.
والصحيح من المذهب: أنه يقتص منها بالوضع. انتهى.
وعبارته (١) في " الفروع ": وتقاد في طرفها بالوضع.
وفي " المغني ": وسقي اللبأ.
وفي "المستوعب" وغيره: ويفرغ نفاسها.
وفي " البلغة ": وهي فيه كمريض، وأنه إن تأثر لبنها بالجلد ولا مرض
آخر. والحد في ذلك كالقود. انتهى.
(ومتى ادعته) أي: ادعت المراة التي وجب عليها قود حملا، (وأمكن)
بأن كان لها زوج أو سيد يطأها: (قبل) قولها؛ لأن الحمل أمر لا يعلم إلا من
стр. 4595
جهتها وخاصة في ابتداء الحمل. فوجب قبول قولها؛ لأنه لا يؤمن الخطر
بتكذيبها، إذ من المحتمل أن تكون صادقة فيتعدى الضرر إلى حملها،
(وحبست لقود) فقط (ولو مع غيبة ولي مقتول) في الأصح؛ لأنا متى لم
نحبسها جاز أن تهرب فلا يمكن استيفاء الحق منها. (بخلاف حبس في مال
غائب)؛ لما في استيفاء القصاص من التشفي. بخلاف استيفاء المال، (لا
لحد). قاله في" الترغيب ".
يعني: أنه (١) متى وجب على امرأه حد فادعت حملا تركت حتى يتبين أمرها
من غيرحبس. وهذا مع كون الحد لله ؛ كالزنا وشرب الخمر
ظاهر؛ لأن الحد ليس لآدمي يخشى فوته عليه.
وأما إذا كان الحد لآدمى؛ كحد القذف فيتوجه حبسها؛ كحبسها للقود،
(حتى يتبين أمرها) من كونها حائلا أو حاملا فيعمل بمقتضى ما يتبين.
(ومن اقتص من حامل) في نفس أو في طرف فأجهضت جنينها: (ضمن)
المقتص (جنينها) في الأصح، سواء علم الحمل دون السلطان أو علمه مع
السلطان؛ لأنه جنى عليه بالقصاص من أمه حالة الحمل. فضمنه؛ كما لو
ضرب بطنها فألقته ميتا.
ولأن المقتص هو المباشر لتلف الجنين والسبب هنا غير ملجئ. فكان
الضمان عليه؛ كالدافع مع الحافر.
стр. 4596
[فصل: في حضور الإمام القصاص]
(فصل. ويحرم استيفاء قود بلا حضرة سلطان أو نائبه) في الأصح؛ لأنه
أمر يفتقر إلى اجتهاد. ويحرم الحيف فيه (١) ولا يؤمن مع قصد المقتص التشفي بالقصاص.
(وله) أي: للإمام (تعزير مخالف) أي: من اقتص بغير حضور الإمام أو
نئبه؛ لافتياته بفعل ما منع من فعله، (ويقع) القصاص (الموقع)؛ لأن
المقتص استوفى حقه.
(وعليه) أي: على الإمام أو نائبه (تفقد آله استيفاء) أي: استيفاء القود؛
(ليمنع منه) أي: من القصاص (بـ) آلة (كآلة)؛ لحرمته بالآلة الكالة؛
لقول الله : ﴿فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [الاسراء: ٣٣].
والاستيفاء بالألة الكالة: إسراف في القتل؛ لأن فيه تعذيبا للمقتول وذلك
زيادة على القتل فيمنع منه.
(وينظر) السلطان أو نائبه (في الولي، فإن كان يقدر على استيفاء) لما
وجب له من القصاص (ويحسنه: مكنه منه)؛ لقول الله سبحانه وتعالي: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [الاسراء: ٣٣].
ولقوله ﷺ : " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين أن أحبوا قتلوا وإن أحبوا
أخذوا الديه " (٢) .
ولأنه حق للولي متميز. فكان له. استيفاؤه بنفسه إذا أمكنه؛ كسائر
الحقوق.
стр. 4597
(ويخير) الولي الذي يحسن الاستيفاء (بين أن يباشر) الاستيفاء (ولو في
طرف) بنفسه، (وبين أن يوكل) من يباشره.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الولي [يحسن الاستيفاء بنفسه: (أمر) أي:
أمره السلطان أو نائبه (أن يوكل) في الاستيفاء؛ لأنه عاجز عن مباشرة استيفاء
حقه فيوكل من] (١) يحسن استيفاؤه.
ومتى ادعى الولي أنه يحسن الاستيفاء فأمكنه السلطان منه فضرب عنقه فقد
استوفى حقه. وإن أصاب غير العنق وأقر بتعمد ذلك عزر، ومنع أن أراد
العود.
وأن قال: أخطأت وكانت الضربة قريبة من العنق قبل قوله؛ لجواز الخطأ
في مثل ذلك. وإن كانت الضربة بعيدة من العنق ككونها نازلة عن المنكب: لم
يقبل قوله.
(وإن احتاج) الوكيل (لأجرة: فمن) مال (جان) في الأصح؛ (كـ) أجرة
مستوفي (حد)؛ لأن ذلك أجرة لإيفاء الحق الذي عليه. فكانت عليه؛ كأجرة
كيال مكيل باعه.
(ومن له وليان فأكثر) وكل منهما يحسن الاستيفاء (وأراد كل) من الوليين
(مباشرته) أي: مباشرة استيفاء القصاص بنفسه: (قدم واحد) منهما أو منهم
(بقرعة)؛ لأن الحقوق إذا تساوت وعدم الترجيح صرنا إلى القرعة، (ووكله
من بقي). ولا يجوز الاستيفاء بغير إذنهم؛ لأن الحق لهم في ذلك، فإن لم
يتفقوا على توكيل واحد منهم منعوا من الاستيفاء حتى يوكلوا.
(ويجوز اقتصاص جان من نفسه برضى ولي) أي: ولي الجناية في
الأصح؛ لأنه متى جاز للولي أن يوكل غيره في استيفاء القصاص جاز أن يوكل الجانى في استيفاءالقصاص من نفسه.
(لا قطع نفسه في سرقة) يعني: أنه لا يجوز للسلطأن ولا لوليه أن يأذن
стр. 4598
للسارق في قطع يد نفسه أو رجل نفسه في حد السرقة؛ لفوات ردع السارق بقطع غيره.
(ويسقط) يعني: ويقع الموقع بفعل ذلك في الأصح. (بخلافف حد)
جلد في (زنا، أو) حد (قذف بإذن) من حاكم في حد زنا، أو من مقذوف في
حد قذف. يعني: فإنه لا يقع الموقع في الأصح؛ لما بينهما من الفرق لحصول المقصود في القطع في السرقة وهو قطع العضو الواجب قطعه، وعدم حصول
الردع والزجر بجلده نفسه.
(وله) أي: ولمن يختن (ختن نفسه: أن قوي) على ذلك (وأحسنه).
نص عليه؛ لأنه يسير.
(ويحرم أن يستوفى) قصاص (في نفس إلا بسيف) في العنق على الأصح؛
لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا قود إلا بالسيف " (١) . رواه ابن ماجه.
ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل الكل وإتلاف الجملة وقد أمكن
هذا بضرب العنق. فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه؛ كما لو قتله بسيف كال،
و (كما لو قتله بـ) فعل (محرم في نفسه؛ كلواط، وتجريع خمر)، وكما لو
استمر الجانى بضرب المقتول بالسيف حتى مات؛ لأنه قاتل قبل استقرار
الجرح. فدخل أرش الجرح في أرش النفس؛ كما لو سرت الجراحة إلى
النفس.
(و) يحرم أن يستوفى القصاص (في طرف إلا بسكين ونحوها) من آلة
صغيرة؛ (لئلا يحيف) عند الاستيفاء.
(ومن قطع طرف شخص، ثم قتله قبل برئه: دخل قود طرفه في قود نفسه،
وكفى قتله) على الأصح.
قال في"الترغيب ": فائدته أي: فائدة الخلاف: لو عفا عن النفس سقط
القود في الطرف؛ لأن قطيع السراية كاندماله.
стр. 4599
(ومن فعل به) أي: بجان (ولي) أي: ولي جناية (كفعله) أي: كفعل
جان بالمقتول: (لم يضمنه) الولي بشيء، وإن قلنا لا يجوز للولي ذلك، لأنه
إساءة في الاقتصاص. فلم يوجب شيئا، كما لو قتله بآلة كالة.
(فلو عفا) الولي إلى الديه (وقد قطع) من الجاني (ما فيه دون دية)، كما
لو قطع يده أو قطع رجله: (فله) أي: فلولي الجناية (تمامها) أي: تمام
الديه. (وأن كان فيه) أي: فيما قطعه الولي من الجانى (دية) كاملة، كما لو
قطع ذكره أو أنفه: (فلا شيء له)، لأنه لم يبق له شيء. (وإن كان فيه) أي:
فيما قطع الولي من الجاني (أكثر) من دية، كما لو قطع أربعته وكان قد فعل
بالمجني عليه مثل ذلك تم عفا: (فلاشيء عليه) فما زاد على الدية.
(وإن زاد) الولي على ما فعله الجاني (أو. تعدى) الولي (بقطع طرفه)
أي: طرف الجانى: (فلا قود) على الولي في ذلك، لأنه لما استحق قتله في
الجناية صار ذلك شبهة في إسقاط القود عنه، (ويضمنه) أي: يضمن ما زاد
على ما فعله الجانى أو تعدى بقطعه من الجاني (بديته، عفا عنه) أي: عفا
الولي عن الجانى بعد ذلك (أؤ لا) يعني: أو لم يعف، لأن ذلك جناية عمد
عدوانا فأوجب الضمان على الجانى. وكان القياس أن تضمن بالقود، لكن لما
درأته الشبهة وجب المال وهو الدية؛ لئلا تذهب جنايته مجانا.
(وإن كان) الجاني (قطع يده) أي: يد المقتول، (فقطع) الولي
(رجله) أي: رجل الجاني: (فعليه) أي: على الولي للجانى (دية رجله)
في الأصح، لما تقدم.
(وإن ظن ولي دم أنه اقتص في النفس، فلم يكن، وداواه أهله حتى برأ فإن
شاء الولي: دفع إليه دية فعله) الذي فعله به (وقتله، وإلا) أي: وإن لم يشاً
الولي ذلك: (تركه) يعنى: لم يتعرض له.
قال في" الفروع ". هذا رأي عمر وعلي ويعلي بن أمية. ذكره أحمد. انتهى.
стр. 4600
[فصل: إذا جنى أكثر من جناية]
(فصل. ومن قتل) عددا، (أو قطع عددا) يعني: اثنين فأكثر (في
وقت) واحد، (أو) في (أكثر) من وقت، (فرضي أولياء كل) من القتلى
(بقتله، أو) رضي (المقطوعون) أي: كل ممن قطع (بقطعه) فاقتص منه ما
رضوا به من قتل أو قطع: (اكتفي به) لجميعهم؛ لأن الجانى واحد ولا يمكن
توزيعه على الجنايات. فوجب أن يكتفى بذلك لجميعهم.
(وإن طلب ولي كل) (١) للمقتولين أو كل مقطوع (قتله) أو قطعه (على
الكمال) يعني: أن يكون القصاص له دون غيره، (و) كانت (جنايته) على
الجميع (في وقت) واحد: (أقرع) بينهم، فمن خرجت له القرعة أقيد له،
لأنهم تساووا في حق لا يمكن توزيعه عليهم. فوجب تعيين المستحق بالقرعة.
(وإلا) أي: وإن لم تكن جنايته على الجميع في وقت واحد: (أقيد
للأول) أي: لمن جنى عليه أولا، لأن استحقاقه سبق غيره فوجب تقديمه
بذلك، (و) يكون (لمن بقى الدية)؛ لأن القصاص امتنع بفوته. فوجبت
الدية لهم، كما لو مات قبل القصاص، و (كما لو بادر غير ولي الأول) أو غير المقطوع أولا (واقتص)؛ لأن اقتصاصه يقع عما يستحقه، ويكون (٢) ؛ للباقين
الدية.
(وإن رضي ولي الأول بالدية: أعطيها)، لأن الخيرة بين القصاص والدية
إليه، (وقتل) الجانى أو قطع (لثان. وهلم) بتشديد الميم (جرا) بالجيم
وتشديد الراء. يعني: أنه متى رضي من جني عليه ثانيا بالديه أعطيها، وقتل أو
стр. 4601
قطع لثالث. وهكذا إن زادوا على ثالث فأكثر؛ لأن له حقا مستقلا. فإذا أخذ
الدية من كان أحق منه بالقصاص صار القصاص له.
(وإن) كان الجانى (قتل) إنسانا (وقطع طرف آخر: قطع) لقطع
الطرف، (ثم قتل) بمن قتله (بعد اندمال)، سواء تقدم القتل أو تأخر؛ لأنهما
جنايتان على رجلين. فلم يتداخلا، كقطع يدي رجلين. فأما إن قطع يد رجل،
ثم قتل آخر، ثم سرى القتل إلى نفس المقطوع فمات فهو قاتل لهما. فإذا تشاحا
في المستوفي للقتل قتل بالذي قتله، لأن وجوب القتل عليه به أسبق، فإن القتل
بالذي قطعه إنما وجب عند السراية وهي متأخرة عن قتل الآخر.
(ولو قطع يد زيد، و) قطع (إصبع عمرو من يد نظيرتها) أي: نظير (١) يد
زيد الذي قطعها (وزيد) قطع يده (اسبق) من قطع إصبع عمرو: (قدم) قطع
يد الجانى لزيد، (ولعمرو دية إصبعه) " لئلا تذهب جنايته مجانا.
(ومع سبق) قطع إصبع (عمرو يقاد لإصبعه) أي: لإصبع عمرو، (ثم)
يقاد (ليد زيد بلا أرش) في الأصح، لأنه لا يجمع في عضو واحد بين القصاص
والدية كالنفس. والله أعلم.
стр. 4602
[باب: العفو عن القصاص]
هذا (باب العفو عن القصاص). وقد أجمع المسلمون على جوازه.
(ويجب بعمد) أي: بالجناية عمدا وعدوانا (القود أو الدية. فيخير
الولي) أي: ولي الجناية (بينهما) أي: بين القود والدية على الأصح؛ لما
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن
يفدا، وإما أن يقتل" (١) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
وعن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أصيب
بدم أو خبل (٢) - والخبل بالخاء المعجمة والباء الموحدة الجراح- فهو بالخيار بين
إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو. فإن أراد رابعة فخذوا
على يديه" (٣) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
стр. 4603
ولأن الدية إحدى بدلي النفس، بدليل أنها تجب عينا في كل موضع لا يمكن
القصاص فيه. فكانت إحدى موجبى العمد لذلك.
(وعفوه) أي: عفو ولي الجناية (مجانا) أي: من غير أن يأخذ شيئا
(أفضل)؛ لقول الله : ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾] البقر ة: ٢٣٧].
ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله
بها عزا " (١) . رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه.
وعن أنس قال: " ما رفع (٢) إلى رسول الله ﷺ أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو " (٣) . رواه الخمسه إلا الترمذي.
(ثم لا تعزير على جان) بعد العفو في الأصح، لأنه إنما عليه حق واحد.
وقد سقط، كعفو عن دية قاتل خطأ. ذكره الموفق وغيره.
(فإن اختار) ولي الجناية (القود، أو عفا عن الدية فقط) يعني: دون
القصاص: (فله) بعد ذلك (أخذها، والصلح على أكثر منها) أي: من
الدية.
أما كونه يملك أخذ الدية إذا اختار القود؛ فلأن القصاص أعلا فإذا أختاره لم
يمتنع عليه الانتقال إلى الأدنى، وتكون الدية بدلا من القصاص.
وأما كونه إذا عفا عن الدية دون القصاص له أخذ الدية والصلح على أكثر
منها؛ فلأنه لم يعف مطلقا. وهذا في أصح الصورتين. وليست هذه الدية التي
стр. 4604
وجبت بالقتل؛ لأن القصاص إنما يقع باختياره له فلذلك يجوز له العفو إلى الدية. (وإن اختارها). ابتداء: (تعينت. فلو قتله) ولي الجناية (بعد) أي: بعد
اختياره الدية: (قتل به) على الأصح.
قال أحمد: إذا أخذ الدية فقد عفا عن الدم فإن قتله بعد أخذها قتل به.
أما كونه إذا اختار الدية سقط القود، فلأنه إذأ اختار أحد الشيئين المخير بينهما
تعين ولم يملك طلبه بغير ذلك؛ لأنه حق أسقطها باختيار ما هو أدنى منه. فلم
يملك الأعلى؛ كما في سائر حقوقه إذا أسقطها. ولهذا إذا قتله بعد ذلك قتل به.
(وإن عفا مطلفا) بأن لم يقيده بقصاص ولا ديه فله الدية، (أو) عفا (على
غير مال) فله الدية، (أو) عفا (عن القود مطلقا ولو) كان العفو (عن يده)
أي: يد الجانى أو رجله أو نحوهما في الصور الثلاث: (فله الدية) على
الأصح، لانصراف ذلك إلى القصاص دون الدية، لأن العفو عن القصاص هو المطلوب الأعظم في باب القود حيث المقصود منه التشفي. والانتقام لا يحصل
بالمال. فإذا وجد (١) لفظة: العفو وجب أن تنصرف إلى القود؛ لأنه في مقابلة
الانتقام، والانتقام إنما يكون بالقتل دون المال. وإذا انصرف العفو إلى القود
بقيت الدية على أصلها، لأنها ثبتت في كل موضع امتنع فيه القود.
(ولو هلك جان: تعينت) الدية (في ماله)، لأنه قد تعذر استيفاء القود منه
من غير إسقاط. فوجبت الدية في تركته، (كتعذره) أي: كتعذر استيفاء
القصاص ممن قطع طرفا ثم مات (في طرفه)، وكمن قتل عمدا غير كافئ له
فإن ديته تجب في مال القاتل. ومتى هلك الجانى ولم يخلف تركة ضاع حقه؛
لتعذر استيفائه.
(ومن قطع طرفا عمدا، كإصبع فعفى عنه) المجني عليه، (ثم سرت)
الجنايه (إلى عضو آخر، كـ) ما لو سرت إلى (بقية اليد، أو) سرت (إلى
النفس. و) كان (العفو على مال، أو) كان (على كير مال: فله) أي:
стр. 4605
للمجني عليه (تمام دية ما سرت) الجناية (إليه) في الأصح، (ولو) كان ذلك
(مع موت جان). وذلك بأن تستثنى من دية ما سرت إليه الجناية أرش ما عفى
عنه؛ لأن حق المجني عليه فيما سرت إليه الجناية لا فيما عفا عنه.
(وإن ادعى) الجانى أو وارثه (عفوه) أي: عفو المجني عليه (عن قود
ومال، أو) ادعى الجانى عفو المجني عليه (عنها) أي: عن الجناية (وعن
سرايتها، فقال) المجني عليه في جواب دعوى الجانى العفو عن القود والمال:
(بل) عفوت (إلى مال، أو) قال في جواب دعوى الجانى أنه عفا عن الجناية
وعن سرايتها: بل عفوت عنها (دون سرايتها. فقول عاف) في ذلك
(بيمينه)، أو قول وليه إن كان الخلاف معه؛ لأن الأصل عدم العفو عن
الجميع. وقد ثبت العفو عن البعض بإقراره فيكون القول قوله في عدم العفو فيما
سواه.
(ومتى قتله) أي: قتل العافي (جان قبل برء) الجرج الذي جرحه (و)
كان (قد عفا) المجني عليه (على مال: ف) الواجب بقتله العافي (القود، أو
الدية كاملة) فيخير الولي بينهما على الأصح؛ لأن القتل انفرد عن القطع. فعفوه
عن القطع لا يمنع ما وجب بالقتل؛ كما لو كان القاطع غيره.
(ومن وكل) غيره (في) استيفاء (قود، ثم عفا) الموكل عن القود الذي
وكل فيه، (ولم يعلم وكيله) بعفوه (حتى اقتص: فلا شيء عليهما) أي:
لا على الوكيل ولا على الموكل في الأصح.
أما الوكيل؛ فلأنه لا تفريط منه فإن العفو حصل على وجه لا يمكن الوكيل
استدراكه. فلم يلزمه ضمان؛ كما لو عفا بعد ما رماه.
وأما الموكل؛ فلأن عفوه إحسان فيقتضي عدم وجوب الضمان؛ لقوله
: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
(وإن عفا مجروح)، سواء كان جارحه (عمدا أو خطأ عن قود نفسه، أو
ديتها) أي: دية نفسه: (صح) عفوه على الأصح؛ (كـ) عفو (وارثه)؛
لأنه أسقط حقه بعد انعقاد سببه. فصح؛ كما لو أسقط الشفعة بعد بيع شريكه.
стр. 4606
ولأن الجناية عليه. فصح عفوه عنها؛ كسائر حقوقه.
(فـ) يتفرع على صحة العفو (لو قال) المجروج: (عفوت عن هذا
الجرج، أو) قال: عفوت عن هذه (الضربة فلا شيء في سرايتها، ولو لم
يقل: وما يحدث منها) على الأصح؛ لأنه أسقط حقه من موجب الجناية،
والسراية تبع للجناية، والجناية لم يجب بها شيء. فلئلا يجب شيء بسرايتها
بطريق الأولى.
(كما لو قال: عفوت عن الجناية) فإنه لا يكون في سرايتها شيء رواية
واحدة. ولو قال: إنما أردت بالجناية الجراحة نفسها دون سرايتها؛ لأن
لفظة (١) الجناية تدخل فيها الجراحة وسرايتها؛ لأنها جراحة واحدة. (بخلاف
عفوه) أي: قوله: عفوت (على مال، أو) قوله: عفوت (عن قود فقط) فإنه
لا يبرأ من سراية ذلك الجرج أو تلك الضربة.
(ويصح قول مجروح) لجارحه: (أبراتك) من دمي، (وحللتك من
دمي، أو) أبرأتك من قتلي، وحللتك من (قتلي، أو وهبتك ذلك، ونحوه)؛
كجعلت دمي لك (معلقا بموته) فإذا مات من الجراحة فقد برئ منه؛ لأنه أبراه
من القود مطلقا.
(فلو عوفي بقي حقه) وهو إما القصاص أو الدية؛ لأن لفظه لم يتضمن
الجرح ولم يتعرض له، وإنما اقتضى موجب القتل لا غير فيبقى موجب الجرح
بحاله فله مطالبته به. وهذا (بخلاف: عفوت عنك، ونحوه)؛ كعفوت عن
جنايتك؛ لأن ذلك يتضمن الجناية وسرايتها.
(ولا يصح عفوه) أي: عفو المجني عليه (عن قود شجة لا قود فيها)؛
ككسر العظام؛ لأنه عفو عما لم يجب ولا انعقد سبب وجوبه. فكان باطلا؛
كما لو أبرأه من الدين قبل وجوبه. وإذا بطل العفو (فلوليه) أي: ولي القصاص
(مع سرايتها) أي: سراية الشجة (القود أو الدية)؛ كما لو لم يعف.
стр. 4607
(وكل عفو صححناه من مجروج مجانا.، مما يوجب المال عينا، فإنه)
أي: العافي (إذا مات) العافي (يعتبر) ما عفا عنه (من الثلث) أي: ثلث
تركته. فإن خرج من ثلثه فقد نفذ وإلا كان له منه بقدر ما يخرج من الثلث؛
وذلك لأنه مال أبرأ منه بعد ثبوته في مرض اتصل به الموت. فاعتبر من الثلث؛ كما لو أبرأه من دينه.
(وينقض) العفو (للدين المستغرق) للتركة؛ لأن العفو ينزل منزلة الوصيه
وهي لا تثبت مع الدين المستغرق.
(وإن) كان الجرج مما (أوجب قودا: نفذ من أصل التركة، ولو لم تكن)
البراءه (سوى دمه). نص عليه؛ لأن المال لم يتعين له فإذا أسقطه لم يلزمه
إثبات المال كما لا يلزمه قبول الهبة والوصية.
(ومثله) أي: ومثل ذلك: (العفو عن قود بلا مال من محجور عليه
لسفه، أو) محجور عليه لى (فلس، أو من الورثة، مع دين مستغرق) في
الأصح؛ لأن المال لم يتعين.
قال في"الفروع ": ومن صح عفوه مجانا فإن أوجب الجرح مالا عينا
فكوصية، وإلا فمن رأس المال لا من ثلثه على الأصح؛ لأن الدية لم تتعين.
قال في"المغني": ولذلك صح عفو المفلس مجانا مع أنه هو في غير
موضع. وجماعة لم يصححوه إن قيل يجب أحد شيئين. انتهى.
(ومن قال لمن له عليه قود في نفس، أو) قود في (طرف: عفوت عن
جنايتك، أو) عفوت (عنك برئ من قود ودية)؛ لأن عفوه يتناولهما.
(وإن أبرئ) بالبناء للمفعول (قاتل من دية واجبة على عاقلته) أي: عاقلة
القاتل، (أو) أبرئ (قن من جناية يتعلق أرشها برقبته) أي: رقبة القن: (لم
يصح) الإبراء؛ لأن الإبراء وقع من حق على غير من أبراه. فلم يصح؛ كما لو
أبرأ عمرا من دين على زيد.
(وإن أبرئت) بالبناء للمفعول (عاقلته) أي: عاقلة القاتل من دية واجبة
عليها، (أو) أبرئ (سيده) أي: سيد العبد الجانى جناية يتعلق أرشها برقبته،
стр. 4608
(أو قال) المجنى عليه: (عفوت عن هذه الجناية، ولم يسم المبرأ) بأن لم
يذكر القاتل ولا العاقلة، أو لم يذكر العبد ولا السيد: (صح) الإبراء؛
لانصرافه إلى من عليه الحق.
(وإن وجب لقن قود، أو) وجب له (تعزير قذف: فله) أي: فللقن
(طلبه، و) له (إسقاطه)؛ لأنه مختص به دون سيده؛ لأنه ليس بحق له ما دام
القن حيا، (فإن مات: فـ) إن الحق ينتقل (لسيده)؛ لكونه أحق به ممن ليس
له فيه ملك. وصح عفوه عنه.
стр. 4609
[باب: ما يوجب القصاصر فيما دون النفس]
هذا (باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس). وهو معقود لأحكام القود
فيما ليس بقتل من الجراح وقطع الأعضاء ونحو ذلك. وذلك هو المذكور في
قوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]
فدل ذلك على أن كل واحد من هذه الأعضاء يؤخذ بمثله. وقد بينه ﷺ منصصا عليه، فروى أنس" أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية. فطلبوا لها العفو. فأبوا. فعرض الأرش. فأبوا. فأتوا رسول الله صص فأبوا إلا القصاص. فأمر
رسول ﷺ بالقصاص. فقال أنس بن النضر: يا رسول الله! تكسر ثنية الربيع
لا والذي بعثك نبيا، لا تكسر ثنيتها. فقال النبي ﷺ : يا أنس! كتاب الله القصاص. فرضي القوم فعفو. فقال النبي ﷺ : إن من عباد الله لمن لو أقسم
على الله لأبره " (١) . رواه الجماعة إلا مسلما والترمذي.
فنص رسول الله ﷺ أن كتاب الله في كسر السن القصاص، لأن حرمة النفس أقوى من حرمة الطرف، بدليل أن الكفارة تجب في النفس دون الطرف. وإذا
جرى القصاص في النفس مع تأكد حرمتها. فلأن يجري في الطرف أولى.
ويشترط لوجوب القصاص (٢) فيما دون النفس الشروط المتقدمة في
القصاص في النفس، وإلى ذلك أشير بقوله:
стр. 4610
(من أخذ بغيره في نفس: أخذ به فيما دونها، ومن لا) يجري القصاص
بينهما في النفس: (فلا) يجري القصاص بينهما فيما دونها؛ كالأبوين مع
ابنهما، والحر مع العبد، والمسلم مع الكافر. فلا يقطع طرفه بطرفهم؛ لعدم
المكافأة. ويقطع كل من الحر المسلم والعبد والذمي بمثله. ويقطع الذكر
بالأنثى، والأنثى بالذكر، والناقص بالكامل؛ كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم؛
لأن من جرى القصاصر بينهما في النفس جرى في الطرف؛ كالحرين.
(وهو) أي: والقصاص فيما دون النفس يكون (في نوعين):
أحدهما: (أطراف، و) الآخر: (جر وح).
ويجب القصاصر في النوعين (بأربعة شروط:
أحدها) أي: أحد الشروط: (العمد المحض) كما لا يجب في النفس إلا
بذلك. وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن.
ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس
في وجوبه.
وعلم مما تقدم انه لا قصاص في الخطأ بالإجماع (١) ؛ لأنه لا يوجب
القصاص في النفس [وهي الأصل ففيما دونها أولنى، ولا في شبه العمد والآية مخصوصة بالخطأ فكذلك شبه العمد.
ولأنه لا يجب به القصاص في النفس] (٢) فكذلك فيما دونها.
الشرط (الثاني) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (إمكان
الاستيفاء) أي: استيفاء القصاص فيما دون النفس (بلا حيف)، وذلك (بأن
يكون القطع من مفصل، أو ينتهي إلى حد؛ كمارن الأنف، وهو: ما لان منه)
أي: من. الأنف دون القصبة؛ لأن ذلك حد ينتهي إليه، فهو كاليد يجب
القصار فيما انتهى إلى الكوع.
стр. 4611
إذا علمت ذلك (فلا قصاص في جائفة)، وهي: الجرح الواصل إلى باطن
الجوف، (ولا في كسر عظم غير سن، ونحوه)؛ كالضرس، (ولا أن قطع
القصبة) أي: قصبة الأنف، (أو) قطع (بعض ساعد، أو) قطع بعض
(ساق، أو) بعض (عضد، أو) بعض (ورك) في الأصح، لأنه لا يمكن
استيفاع من ذلك بلا حيف فإنه ربما يؤخذ أكثر من الفائت، أو يسري إلى عضو
آخر، أو إلى النفس فلم يجز؛ لأن الواجب الأخذ بقدر التلف لا أكثر منه. فإذا
أفضى الاستيفاء إلى الحيف منع منه، لتعذره. ولو قطع يده من الكوع ثم تأكلت
إلى نصف الذراع فلا قود له أيضا اعتبارا بالاستقرار. قاله القاضي وغيره. وقدمه في " الرعايتين " وصححه الناظم.
وقال المجد: يقتص هنا من الكوع.
(وأما الأمن من الحيف، فشرط لجوازه) أي: جواز الاستيفاء، لأن
القصاص في نفس الأمر (١) واجب، إذ لا مانع منه، لوجود شرطه، وهو:
العدوان على من يكافئه عمدا في محل مساو له (٢) في الاسم والصحة والكمال،
لكن الاستيفاء غير ممكن، لخوف العدوان على الجانى؛ لأنه المفروض.
وفائدة ذلك: أنا إذا قلنا: إنه شرط للوجوب تعينت الدية إذا لم يوجد
الشرط، وإذا قلنا: شرط للاستيفاء دون الوجوب انبنى على أصل وهو أن
الواجب ماذا؟ فإن قلنا: القصاص عينا لم يجب بذلك شيء، إلا أن المحني
عليه إذا عفا يكون قد عفا عن حق يحصل له ثوابه، وإن قلنا: موجب العمد أحد شيئين انتقل الوجوب إلى الدية كغيره.
إذا تقرر هذا (فيقتص من منكب: ما لم يخف جائفة) بلا نزاع. (فإن خيف)
إن اقتص من منكب جائفة، وهو: الجرح الذي يصل إلى الجوف فيفسد بدخول
الهواء فيه: (فله أن يقتص من مرفقه) في الأصح؛ لأنه أخذ ما أمكن من حقه.
стр. 4612
(ومن أوضح) إنسانا، (أو شج إنسانا دون موضحة، أو لطمه فذهب ضوء
عينه، أو) لطمه فذهب (شمه، أو) لطمه فذهب (سمعه: فعل به كما فعل)
في الأصح فيوضحه المجني عليه مثل موضحته، أو يشجه مثل شجته، أو يلطمه المجني عليه مثل لطمته. (فبأن ذهب) ما أذهبه الجانى بذلك فقد استوفى حقه،
(وإلا) أي: وإن لم يذهب: (فعل) به (ما يذهبه من غير جناية على حدقة أو
أنف أو أذن) بضرب على ذلك العضو أو نحوه. (فإن لم يمكن) ذهابه (إلا
بذلك) أي: إلا بالجناية على العضو بالضرب أو القطع أو نحوهما: (سقط)
القود (إلى الدية)، ويكون في مال الجانى؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد.
(ومن قطعت يده من مرفق، فأراد القطع) من يد الجانى (من كوع: منع).
قال في"المحرر": قولا واحدا؛ وذلك لأن للجناية (١) عليه محلا يمكن
الاقتصاص منه، وهو مفصل المرفق. فلا يقتص من غيره، لاعتبار المساواة في المحل حيث لا مانع.
الشرط (الثالث) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (المساواة
في الاسم)؛ كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن
بالسن؛ لأن القصاص يقتضي المساواة. والاختلاف في الاسم فى دليل الاختلاف
في المعنى.
(و) المساواة أيضا في) (لموضع) فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار
بيمين، ولا تؤخذ جراحة قي الوجه بجراحة فى الرأس، ولا جراحة في مقدم
الرأس بجراحه قي مؤخر: الرأس؛ اعتبارا للمماثلة.
إذا تقرر هذا (فيؤخذ كل من أنف، وذكر مختون أو لا) يعني: أو غير
مختون بذكر مختون [أو غير مختون] (٢) ؛ لأن الختان أو عدمه لا أثر له؛
لمساواتهما، في الصحة واالكمال.
стр. 4613
ولأن القلفة زيادة مستحقة الإزالة. فوجودها كعدمها.
ويستوي في ذلك ذكر الصغير والكبير، والصحيح والمريض، والذكر
الكبير والصغير؛ لأن ما وجب فيه القصاص من الأطراف لا يختلف بهذه
المعانى.
(و) يؤخذ كل من (إصبع وكف ومرفق) بمثله، (و) كل (يمنى ويسرى
من عين وأذن مثقوبة أو لا، و) من (يد ورجل وخصية وإلية) بمثلها في
الموضع، (وشفر أبين) أي: قطع بمثله، (وعليا وسفلى من شفة، ويمنى
ويسرى وعليا وسفلى من سن مربوطة أو لا) يعني: أو غير مربوطة بمثلها في الموضع، (وجفن بمثله) في الموضع.
وعلم مما تقدم جريان القصاص في الإلية والشفر. وهو الأصح من
الوجهين؛ لقو له : (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥].
ولأن لهما حدا ينتهيان إليه. فجرى القصاص فيهما؛ كالذكر، وكالخصية
إذا قال أهل الخبرة أنه يمكن أخذها مع سلامة الأخرى.
(ولو قطع) إنسان (صحيح أنملة عليا من شخص، و) قطع الصحيح أيضا
أنملة (وسطى من إصبع نظيرتها من) شخص (آخر ليس له) أنملة (عليا: خير
رب) الأنملة (الوسطى بين أخذ عقلها) أي: عقل أنملته الوسطى (الآن- ولا
قصاص له بعد) أي: بعد أخذ عقل أنملته الوسطى- (وصبر) يعني: وبين
صبر عن أخذ عقل أنملته (حتى تذهب عليا قاطع) أي: أنملة قاطع العليا (بقود
أو غيره) بأن يتعدى عليه إنسان فيقطعها أو غير ذلك، (ثم يقتص) بقطع الأنملة
من قاطع نظيرتها من المقتص لاستيفاء حقه بذلك. (ولا أرش له الآن) يعني:
إذا اختار أن يصبر حتى تذهب عليا قاطع. وهذا (بخلاف غصب مال) لسد مال
مسد مال. يعني: أنه متى تعذر رد عين مغصوبة مع بقائها فلمالكها طلب قيمتها
الآن، فإذا ردها بعد ذلك أخذ ما دفعه (١) من قيمتها.
стр. 4614
(ويؤخذ) عضو (زائد بمثله) أي: بعضو زائد مثله (موضعا وخلقة)
أي: في الموضع والخلقة، بأن لا يكون أحدهما في مكان والآخر في غيره.
بأن يكون لأحدهما إصبع زائده في الكف من جهة الإبهام والآخر من جهة
الخنصر. واستوائهما في الخلقة، بأن لا يكون أحد الإصبعين بصورة الإبهام
والأخرى بصورة الخنصر. ومع استواء الزائدين في الموضع والخلقة يؤخذ كل
منهما بالآخر (ولو تفاوتا قدرا) أي: في القدر كالأصلي بالأصلي إذا تفاوتا في
القدر واتفقا في الموضع والخلقة.
(لا أصلي بزائد أو عكسه) يعني: أنه لا يؤخذ الأصلي بالزائد ولا الزائد
بالأصلي، (ولو تراضيا عليه) أي: على أخذ أحدهما بالآخر؛ لعدم المساواة
في المكان والمنفعة. فإن الأصلي مخلوق في مكانه لمنفعة فيه. بخلاف الزائد
فإنه لا منفعة فيه.
(ولا) يؤخذ (شيء) من الأعضاء (بما) أي: بعضو (يخالفه) في
الموضع. فلا يؤخذ يمين بيسار، ولا تؤخذ يسار بيمين " لعدم تساويها في
الموضع فلا تحصل المقامة بأخذ إحداهما بالأخرى. وكذا الشفة العليا
بالسفلى، والجفن الأعلى بالأسفل وعكسه، لعدم التساوي في الموضع. ولا
يجوز ذلك ولو تراضيا عليه، لعدم المقاصة. وقد قال الله : (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥].
(فإن فعلا، فقطع يسار جان من) أي: إنسان (له قود في يمينه بها) أي:
بيمينه (بتراضيهما) أجزأت ولا ضمان على المقتص، (أو قال) من له قود في
يمين جان للجانى: (اخرج يمينك، فأخرج) الجانى (يساره عمدا أو غلطا،
أو ظنا أنها تجزئ، فقطعها: أجزات، ولا ضمان) في الأصح، لأن القطع أتى
على عضو مثل عضوه في الاسم والصورة والقدر. فوجب أن يجزئ عنه، كما لو كانت عينه ناقصة فرضيا على قطعها.
(وإن كان) الجانى (مجنونا) حين القطع، بأن جنى وهو عاقل ثم صار
مجنونا حين القطع (فعلى المقتص القود: إن علم أنها) أي: أن اليد المقطوعة
стр. 4615
(اليسار، وأنها لا تجزئ. وإن جهل أحدهما) أي: أنها اليسار أو أنها
لا تجزئ: (فعليه الدية) دون القود، لأن جهله بذلك يكون شبهة في سقوط
القود عنه، وإذا سقط القود وجبت الدية.
(وإن كان المقتص مجنونا و) كان (الجاني عاقلا: ذهبت) يده (هدرا)،
لأن استيفاء المجنون لا أثر له وهو الذي أعانه بإخراج يده ليقطعها. فتكون
هدرا، كما لو قال عاقل لمجنون: اقتلني فقتله فأن دمه يذهب هدرا.
الشرط (الرابع) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (مراعاة
الصحة والكمال.
فلا تؤخذ) يد أو رجل (كاملة أصابع أو) كاملة (أظفار بناقصتها، رضي
الجانى أو لا) يعني: أو لم يرض، لأن ذهاب بعض الأصابع والأظفار نقص في
اليد أو الرجل ولا تؤخذ بها الكاملة، لزيادة المأخوذ على المفوت فلا يكون
مقاصة. (بل) تؤخذ ذات أظفار سليمة (مع) ذات (اظفار معيبة) أي: بذات
أظفار معيبة، لحصول المقاصة.
(ولا) تؤخذ (عين صحيحة بقائمة) أي: بعين قائمة، وهي: التي
بياضها وسوادها صافيان، غير أن صاحبها لا يبصر بها. قاله (١) الأزهري" لأن منفعتها ناقصة فلا تؤخذ بها الكاملة المنفعة.
(ولا) يؤخذ (لسان ناطق بـ) لسان (أخرس)؛ لنقصه.
(ولا) يؤخذ عضو (صحيح بـ) عضو (أشل: من يد، ورجل، وإصبع،
وذكر. ولو شل) ذلك العضو بعد أن جنى على نظيره من غيره وهو صحيح،
(أو) كان العضو (ببعضه) فقط (شلل؛ كان ملة يد).
والشلل: فساد العضو وذهاب حركته؛ لأن المقصود من اللسأان النطق،
ومن اليد والرجل البطش، ومن الإصبع إمكان العمل، ومن الذكر الجماع، فإذا
فسد العضو وذهبت منفعته لم يؤخذ به الصحيح، لزيادته عليه. فإن الصحيح
стр. 4616
طرف منفعته موجودة فيه، فلا يؤخذ بما لامنفعة فيه؛ كعين البصير بعين
الأعمى.
(ولا) يؤخذ (ذكر فحل بذكر خصي، أو) ذكر (عنين) في الأصح؛ لأنه
لا منفعة فيهما. فإن ذكر العنين لا يوجد منه وطء ولا إنزال، والخصي هو
مقطوع الخصيتين لا يولد له ولا يكاد يقدر على الوطء. فهما كالذكر الأشل.
(ويؤخذ مارن) الأنف (الأشم الصحيح بمارن الأخشم: الذي لا يجد
رائحة شيء)؛ لأن ذلك لعلة في الدماغ، والأنف صحيح.
[(و) يؤخذ مارن الأنف الصحيح (بـ) مارن الأنف (المخروم) (١) وهو:
(الذي قطع وتر أنفه] (٢) و) بـ (المستحشف: الرديء) في الأصح.
(و) يؤخذ (أذن سميع بإذن أصم شلاء) في الأصح.
(و) يؤخذ (معيب من ذلك كله بمثله: إن أمن تلف من قطع شلاء) وذلك
أن نسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنه إذا قطع لم تنسد العروق ويدخل الهواء إلى
البدن فيفسد: سقط القصاص؛ لأنه لا يجوز أخذ نفسه بطرف. وإن أمن فله
القصاص؛ لأن الشم والسمع ليس بنفس العضو، فإن المقطوع الأذن والمقطوع
الأنف يسمع ويشم. وإنما جعلها الله زينة وجمالا؛ لئلا يبقى
موضع الأذن ثقبا مفتوحا فيقبح منظره، ولا يبقى له ما يرد الماء والهوام (٣) عن الصماخ، ولئلا يبقى وضع الأنف مفتوحا فيدخل الهواء إلى الدماغ فيفسد به.
فجعل غطاء له كذلك.
(و) يؤخذ معيب مما ذكر (بصحيح بلا أرش) في الأصح؛ لأن الشلاء من
ذلك كالصحيحة في الخلقة، وإنما نقصت في الصفة فلم يكن له أرش.
(و) متى اختلف الجاني والمجني عليه بأن قال الجانى: كان العضو الذي
стр. 4617
قطعته أشل، وقال المجني عليه: بل كان صحيحا، فإنه (يصدق ولي الجناية
بيمينه- في صحة ما جني عليه) في الأصح؛ لأن الظاهر من الناس سلامه الأعضاء، وأن الله خلقهم بصفة الكمال.
стр. 4618
[فصل: إذا جنى في بعض عضو]
(فصل. ومن أذهب بعض لسان، أو) بعض (مارن، أو) بعض (شفة،
أو) بعض (حشفة، أو) بعض (أذن، أو) بعض) سن: أقيد منه مع أمن قلع
سنه، بقدره) أي: بقدر ذلك البعض الذي أذهبه بالجناية،) بنسبة الأجزاء) من ذلك العضو؛ (كنصف وثلث) وربع ونحو ذلك؛ لقول الله سبحانه
وتعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥].وهذا في الأصح؛ لأنه يؤخذ (١)
جميعه بجميعه فأخذ بعضه ببعضه؛ كالأنف والأذن. ولا يؤخذ بالمساحة؛ لأن
ذلك يفضي إلى أخذ لسأان الجانى جميعه ببعض لسان المجني عليه.
(ولا قود ولا دية لما رجي عوده) من شيء ذهب بالجناية (في مدة تقولها
أهل الخبرة، من) ذهاب (عين؛ كسن، ونحوها)؛ كضرس، (أو) ذهاب
(منفعة؛ كعدو) بأن صار بسبب الجناية لا يقدر أن يعدو، (ونحوه) بأن صار
لايقدر على الوطء؛ لأنه معرض (٢) أن يعود فلا يجب فيه شيء وتسقط
المطالبة به. فوجب تأخيره؛ لأنه غير واجب في الحال لهذا الاحتمال. فإن عاد
على صفة فلاشيء للمجني عليه؛ لأن المتلف عاد. فلم يجب به شيء؛ كما لو
قطع شعره وعاد، وإن لم يعد في مدة تقولها أهل الخبرة وجب ضمانه كغيره مما
لا يرجى عوده.
(فلو مات) المجني عليه (فيها) أي: في المدة التي تقولها أهل الخبرة:
(تعينت دية الذاهب) بالجناية في الأصح؛ لأنه يئس من عوده بموت المجني
عليه. فوجبت ديته؛ كما لو انقضت المدة ولم يعد.
стр. 4619
(وأن ادعى جان عوده) أي: عود ما أذهبه من عين أو منفعه: (حلف رب
الجناية) على عدم عوده؛ لأنه الأصل.
(ومتى عاد) الذاهب بالجناية (بحاله) أي: على صفته التي كانت قبل
ذهابه. (فلا أرش) على الجانى؛ كما لو قطع شعره وعاد، (و) إن عاد
(ناقصا في قدر)؛ كما لو عاد السن قصيرا، (أو) عاد ناقصا في (صفة)؛
كما لو عاد السن أخضر أو أسود: (فـ) على الجانى في ذلك (حكومة)؛ لأنه
نقص حدث بفعله. فوجب عليه ضمانه؛ كما لو ضربه فانكسر بعضه أو اسود
ونحوه.
(ثم إن كان) المجني عليه (أخذ) من الجانى (دية) لما أذهبه قبل أن يعود
ثم عاد: (ردها) إليه، (أو) كان المجني (اقتص) من الجانى نظير ما أذهبه
فم عاد ما أذهبه الجانى: (فلجان الدية) عما اقتص عما أذهبه ثم عاد؛ لأننا تبينا
أنه استوفى ذلك بغير حق. (ويردها) أي: ويرد الجانى ما أخذه دية عما اقتص
منه: (إن عاد) ما أخذ الجانى ديته بسبب عود ما جني عليه كما قلنا في المجني
عليه؛ لأنا تبينا أنه قد أخذ ذلك بغير حق، فكان عليه رده.
(ومن قلع سنه أو ظفره) تعديا، (أو قطع طرفه؛ كمارن وأذن ونحوهما)
مما يمكن إعادته والتحامه (فرده فالتحم: فله) أي: فللمجني عليه (أرش
نقصه) على الأصح. وذلك حكومة؛ لأنها أرش كل نقصان حصل بالجناية.
(وإن قلعه) أي: قلع ما قطع ثم رد فالتحم (قالع بعد ذلك: فعليه ديته)
فقط؛ لأنه لا يقاد به الصحيح بأصل الخلقة؛ لنقصه بالقطع الأول.
(ومن جعل مكان سن قلعت) بجناية (عظما أو سنا أخرى، ولو من
آدمي، فثبتت: لم تسقط دية) السن (المقلوعة) بالجناية؛ كما لو لم يجعل
مكانها شيء. (وعلى مبين ما ثبت) من ذلك (حكومة)؛ لنقصها بإبانتها قبل
ذلك.
ولأنه لا يجب بإتلاف العضو الواحد ديتان له.
стр. 4620
(و) متى ادعى وارث مجني عليه على جان بدية طرف مورثه فادعى الجانى
التحام ما قطعه منه قبل موته، وأنه ليس عليه إلا أرش نقصه، فإنه (يقبل قول
ولي) الذي هو وارثه (بيمينه في عدم عوده والتحامه)؛ لأن الجناية ثابتة
والجانى يدعي ما يسقط ضمانها والأصل عدمه. فلم يقبل منه بدون البينة؛ كما
لو أقر بدين لإنسان وادعى أنه أبرأه منه أو وفاه.
(ولو كان التحامه) أي: التحام القطيع (من جان اقتص منه: أقيد ثانيا)
على الأصح. يعني: أنه متى اقتص من الجاني بقطع نظير ما قطعه من المجني
عليه فأعاده فالتحم فللمجني عليه إبانته ثانيا. نص عليه؛ لأنه أبان عضوا من
غيره دواما. فوجبت إبانته منه دواما؛ لتحقق المقاصة.
стр. 4621
[فصل: في القصا صفي الجراج]
(فصل) قد تقدم أول الباب أن القصاص فيما دون النفس يجري في نوعين:
أحدهما: في الأطراف، وقد تقدم الكلام عليه.
(النوع الثانى: الجروح. ويشترط لجوازه فيها) أي: لجواز القصاص في
الجروج: (انتهاؤها) أي: أن تننهي (إلى عظم؛ كجرح عضد وساعد وفخذ
وساق وقدم، وكموضحة) في رأس أو وجه.
قال في" شرح المقنع ": ولا نعلم في جواز القصاص في الموضحة
خلافا. انتهى.
لقول الله : (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥]. فلو لم
يجب القصاص في كل جرح ينتهي إلى عظم لسقط حكم الآية.
ولأنه أمكن استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة؛ لكونه ينتهي إلى
عظم. فاًشبه الموضحة المتفق على جواز القصاص فيها.
(ولمجروح) جرحا (أعظم منها) أي: من الموضحة؛- (كهاشمة،
ومنقلة، ومأمومة). وسيأتي تعريف كل من ذلك في المتن-: (أن يقتص
موضحة) بغير خلاف بين أصحابنا؛ لأنه يقتصر على بعض حقه ويقتص من محل جنايته فإنه إنما يضع السكين في موضع وضعها الجانى؛ لأن سكين الجانى
وصلت إلى العظم ثم تجاوزته. بخلاف قاطع الساعد فإنه لم يضع سكينه في
الكوع.
(و) أن (يأخذ) إذا اقتص موضحة (ما بين ديتها) أي: دية الموضحة
(ودية تلك الشجة) التي هي أعظم من الموضحة في الأصح؛ لأنه تعذر
стр. 4622
القصاص فيه. فانتقل إلى البدل، كما لو قطع إصبعيه. فلم يمكن الاستيفاء إلا
من واحدة.
إذا تقرر هذا (فيأخذ في هاشمة) أي: يأخذ من جرح هاشمة واقتص من
الجانى موضحة (خمسا من الإبل، و) يأخذ (في منقلة عشرا) من الإبل.
(ومن خالف) ممن جنى عليه، (واقتص مع خوف) أي: خوف تلف
الجانى بالقصاص (من منكب، أو) من يد أو رجل (شلاء، أو من قطع نصف
ساعده، ونحوه)؛ كمن قطع نصف ساقه، (أو) اقتص (من مأمومة أو) من
(جائفة مثل ذلك) يعني: ولم يزد عليها. فلم يشجه في المأمومة دامغة ولم
يصل في الجائفة إلى ما هو أكثر عورا من جناية الجانى، (ولم يسر) الجرج:
(وقع) القصاص (الموقع، ولم يلزمه شيء)؛ لأنه فعل كما فعل الجانى فقد
تساويا في ذلك. فلا يلزمه شيء، لأنه لم يأخذ زيادة على حقه.
(ويعتبر قدر جرح بمساحة دون كثافة لحم)؛ لأن حده العظم ولو روعي
ذلك (١) لتعذر الاستيفاء؛ لأن الناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته. وهذا كما
يستوفى الطرف بمثله.
وصفة اعتبار الجرح بالمساحة: بأن يعمد إلى موضع الشجة من رأس
المشجوج فيعلم طولها وعرضها بخشبة أو خيط ويضعها على رأس الشاج،
ويعلم طرفيه بسواد أو غيره، وياًخذ حديدة عرضها كعرض الشجة فيضعها في
أول الشجة ويجرها إلى اخرها فيأخذ مثل الشجة طولا وعرضا.
وإن اختلف رأس الشاج والمشجوج في الصغر والكبر والدقة والغلظ فإن
كان رأس الشاج والمشجوج سواء، استوفى قدر الشجة من الجانب الذي شجه
فيه، وإن كان رأس الشاج أصغر أو أكبر فقد أشير إلى ذلك في المتن بقوله:
(فمن أوضح بعض رأس- والبعض) الذي. أوضحه (كراسه) أي: رأس
الشاج (وأكبر) من رأسه: (أوضحه) المشجوج (في كله) أي: كل رأس
стр. 4623
الشاج، (ولا أرش لزائد) في الأ صح؛ لئلا يجتمع قصاص ودية في جرح
واحد.
(ومن أوضحه كله) أي: أوضح إنسانا في كل رأسه- (ورأسه) أي:
رأس الشاج (أكبر) من رأس المشجوج-: (أوضحه قدر شجته من أي جانب
شاء المقتص) من رأس الجانى.
(ولو كانت) الشجة (بقدر بعض الرأس منهما) أي: من الجانى والمجني
عليه: (لم يعدل عن جانبها) أي: عن جانب الشجة (إلى غيره) أي: إلى غير
جانب الشجة من رأس الجانى.
(وأن (١) اشترك عدد في قطع طرف، أو) اشترك عدد في (جرح موجب
لقود ولو) كان الجرح (موضحة، ولم تتميز أفعالهم؛ كأن وضعوا حديدة
على يد وتحاملو عليها) جميعا (حتى بانت: فعلى كل) من المتحاملين (القود)
على الأصح؛ وذلك لما روي عن علي" أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة فقطع يده ثم جاءا بآخر فقالا: هذا هو السارق وأخطأنا في الأول فرد شهادتهما
على الثاني وغرمهما دية يد الأول. وقال: لو علمت أنكما تعمدتما
لقطعتكما " (٢) . فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمدا قطع يد
واحد ة.
ولأنه أحد نوعي القصاص. فيؤخذ فيه الجماعة بالواحد كالأنفس (٣) .
(ومع تفرق أفعالهم، أو قطع كل) من عدد (من جانب: لا قود على
أحد) رواية واحدة؛ لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد، ولم يشارك في قطع
جميعها.
(وتضمن سراية جناية ولو) بعد أن (اندمل جرح واقتص) من الجانى،
стр. 4624
(ثم انتقض) الجرح (فسوى)؛ لأنه تلف حصل بفعل الجانى. فضمنه؛ كما
لو باشره (بقود ودية، في نفس ودونها).
إذا تقرر هذا فمن أمثلة سرايتها إلى النفس وما لا يمكن مباشرته بالإتلاف
مثل: أن يهشمه في رأسه فيسري إلى ذهاب ضوء عينه ثم يموت فإنه يقتص منه
في النفس ويؤخذ منه دية حاسة بصره.
(و) من أمثلة ذلك: سريانها (١) إلى ما دون النفس: (لو قطع إصبعا
فتأكلت) إصبع (أخرى) إلى جانبها، (أو) تأكلت (اليد وسقطت من
مفصل: فـ) إن ما يسقط يجب فيه) القود، و (يجب) فيما يشل الأرش)؛
لأنها جناية موجبة للقصاص لو لم تسر إلى سقوط أخرى فكذا إذا سرت؛ كما لو باشر ما سرت إليه. فيجب القود في الإصبع؛ لإمكان القصاص فيه ووجب فيما
شل الأرش؛ لعدم إمكان القصاص في الشلل. فضمن بما يضمن به؛ كما لو لم
يكن معه قطع.
(وسراية القود هدر) يعني: أنها غير مضمونة؛ لأن عمر وعلئا قالا: " من
مات من حد أو قصاص لا دية له. الحق قتله ". رواه سعيد بمعناه.
ولأنه قطع بحق فكما أنه غير مضمون فكذلك سرايته؛ كقطع السارق.
(فلو قطع طرفا قودا، فسرى إلى النفس: فلا شيء على قاطع. لكن: لو
قطعه) أي: قطع ولي الجناية الجانى (قهرا) من غير إذن الإمام أو نائبه في حالة
لا يؤمن فيها الخوف من السراية؛ كقطعه) مع حر أو) مع (برد، أو) قطعه
(بآلة كالة، أو) بآله (مسمومة، ونحوه)؛ كحرق الطرف المقتص منه بنار.
فإذا مات الجانى بسبب ذلك: (لزمه) أي: لزم المقتص بذلك (بقية الدية)
يعني: أنه يضمن دية النفس منقوصا منها دية ذلك العضو الذي وجب له القصاص فيه. فلو وجب له في يد كان عليه نصف الدية، وإن كان في جفن كان عليه ثلاثة أرباعها. وهكذا الحكم في غير ذلك.
стр. 4625
(ويحرم) القصاص (في طرف حتى يبرأ)؛ كما لا تطلب له دية حتى يبرأ
على الأصح؛ لما روى جابر: " أن رجلا جرح رجلا وأراد أن يستقيد. فنهى
النبي أن يقاد من الجارجح حتى يبرأ المجروح " (١) . رواه الدارقطني.
(فإن اقتص قبل) أي: قبل برء جرحه: (فسرايتهما) أي: سراية جرح
الجاني وجرج المقتص منه (بعد) أي: بعد اقتصاصه قبل البرء (هدر)؛ لما
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رجلا طعن بقرن في ركبته. فجاء
إلى النبي ﷺ فقال: أقدني. فقالى: حتى تبرأ. ثم جاء إليه، فقال: أقدنى
فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: يا رسول الله! عرجت. فقال: قد نهيتك
فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك. ثم نهى رسول الله أن يقتص من جرح
حتى يبرأ صاحبه " (٢) . رواه أحمد والدارقطني.
فعلى هذا: إن اقتص قبل البرء بطل حقه من سراية الجناية؛ لأنه باقتصاصه
قبل الاندمال رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية. فبطل حقه منه؛ كما لو رضي
بترك القصاص. وأيهما سرت جراحته بعد ذلك فهدر.
أما الجانى؛ فلأنه سراية القصاص فلا يضمن بذلك.
وأما المجني عليه؛ فلأنه رضي بتركه. والله أعلم.