[فصل: في القصا صفي الجراج]
(فصل) قد تقدم أول الباب أن القصاص فيما دون النفس يجري في نوعين:
أحدهما: في الأطراف، وقد تقدم الكلام عليه.
(النوع الثانى: الجروح. ويشترط لجوازه فيها) أي: لجواز القصاص في
الجروج: (انتهاؤها) أي: أن تننهي (إلى عظم؛ كجرح عضد وساعد وفخذ
وساق وقدم، وكموضحة) في رأس أو وجه.
قال في" شرح المقنع ": ولا نعلم في جواز القصاص في الموضحة
خلافا. انتهى.
لقول الله : (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥]. فلو لم
يجب القصاص في كل جرح ينتهي إلى عظم لسقط حكم الآية.
ولأنه أمكن استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة؛ لكونه ينتهي إلى
عظم. فاًشبه الموضحة المتفق على جواز القصاص فيها.
(ولمجروح) جرحا (أعظم منها) أي: من الموضحة؛- (كهاشمة،
ومنقلة، ومأمومة). وسيأتي تعريف كل من ذلك في المتن-: (أن يقتص
موضحة) بغير خلاف بين أصحابنا؛ لأنه يقتصر على بعض حقه ويقتص من محل جنايته فإنه إنما يضع السكين في موضع وضعها الجانى؛ لأن سكين الجانى
وصلت إلى العظم ثم تجاوزته. بخلاف قاطع الساعد فإنه لم يضع سكينه في
الكوع.
(و) أن (يأخذ) إذا اقتص موضحة (ما بين ديتها) أي: دية الموضحة
(ودية تلك الشجة) التي هي أعظم من الموضحة في الأصح؛ لأنه تعذر
стр. 4622
القصاص فيه. فانتقل إلى البدل، كما لو قطع إصبعيه. فلم يمكن الاستيفاء إلا
من واحدة.
إذا تقرر هذا (فيأخذ في هاشمة) أي: يأخذ من جرح هاشمة واقتص من
الجانى موضحة (خمسا من الإبل، و) يأخذ (في منقلة عشرا) من الإبل.
(ومن خالف) ممن جنى عليه، (واقتص مع خوف) أي: خوف تلف
الجانى بالقصاص (من منكب، أو) من يد أو رجل (شلاء، أو من قطع نصف
ساعده، ونحوه)؛ كمن قطع نصف ساقه، (أو) اقتص (من مأمومة أو) من
(جائفة مثل ذلك) يعني: ولم يزد عليها. فلم يشجه في المأمومة دامغة ولم
يصل في الجائفة إلى ما هو أكثر عورا من جناية الجانى، (ولم يسر) الجرج:
(وقع) القصاص (الموقع، ولم يلزمه شيء)؛ لأنه فعل كما فعل الجانى فقد
تساويا في ذلك. فلا يلزمه شيء، لأنه لم يأخذ زيادة على حقه.
(ويعتبر قدر جرح بمساحة دون كثافة لحم)؛ لأن حده العظم ولو روعي
ذلك (١) لتعذر الاستيفاء؛ لأن الناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته. وهذا كما
يستوفى الطرف بمثله.
وصفة اعتبار الجرح بالمساحة: بأن يعمد إلى موضع الشجة من رأس
المشجوج فيعلم طولها وعرضها بخشبة أو خيط ويضعها على رأس الشاج،
ويعلم طرفيه بسواد أو غيره، وياًخذ حديدة عرضها كعرض الشجة فيضعها في
أول الشجة ويجرها إلى اخرها فيأخذ مثل الشجة طولا وعرضا.
وإن اختلف رأس الشاج والمشجوج في الصغر والكبر والدقة والغلظ فإن
كان رأس الشاج والمشجوج سواء، استوفى قدر الشجة من الجانب الذي شجه
فيه، وإن كان رأس الشاج أصغر أو أكبر فقد أشير إلى ذلك في المتن بقوله:
(فمن أوضح بعض رأس- والبعض) الذي. أوضحه (كراسه) أي: رأس
الشاج (وأكبر) من رأسه: (أوضحه) المشجوج (في كله) أي: كل رأس
стр. 4623
الشاج، (ولا أرش لزائد) في الأ صح؛ لئلا يجتمع قصاص ودية في جرح
واحد.
(ومن أوضحه كله) أي: أوضح إنسانا في كل رأسه- (ورأسه) أي:
رأس الشاج (أكبر) من رأس المشجوج-: (أوضحه قدر شجته من أي جانب
شاء المقتص) من رأس الجانى.
(ولو كانت) الشجة (بقدر بعض الرأس منهما) أي: من الجانى والمجني
عليه: (لم يعدل عن جانبها) أي: عن جانب الشجة (إلى غيره) أي: إلى غير
جانب الشجة من رأس الجانى.
(وأن (١) اشترك عدد في قطع طرف، أو) اشترك عدد في (جرح موجب
لقود ولو) كان الجرح (موضحة، ولم تتميز أفعالهم؛ كأن وضعوا حديدة
على يد وتحاملو عليها) جميعا (حتى بانت: فعلى كل) من المتحاملين (القود)
على الأصح؛ وذلك لما روي عن علي" أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة فقطع يده ثم جاءا بآخر فقالا: هذا هو السارق وأخطأنا في الأول فرد شهادتهما
على الثاني وغرمهما دية يد الأول. وقال: لو علمت أنكما تعمدتما
لقطعتكما " (٢) . فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمدا قطع يد
واحد ة.
ولأنه أحد نوعي القصاص. فيؤخذ فيه الجماعة بالواحد كالأنفس (٣) .
(ومع تفرق أفعالهم، أو قطع كل) من عدد (من جانب: لا قود على
أحد) رواية واحدة؛ لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد، ولم يشارك في قطع
جميعها.
(وتضمن سراية جناية ولو) بعد أن (اندمل جرح واقتص) من الجانى،
стр. 4624
(ثم انتقض) الجرح (فسوى)؛ لأنه تلف حصل بفعل الجانى. فضمنه؛ كما
لو باشره (بقود ودية، في نفس ودونها).
إذا تقرر هذا فمن أمثلة سرايتها إلى النفس وما لا يمكن مباشرته بالإتلاف
مثل: أن يهشمه في رأسه فيسري إلى ذهاب ضوء عينه ثم يموت فإنه يقتص منه
في النفس ويؤخذ منه دية حاسة بصره.
(و) من أمثلة ذلك: سريانها (١) إلى ما دون النفس: (لو قطع إصبعا
فتأكلت) إصبع (أخرى) إلى جانبها، (أو) تأكلت (اليد وسقطت من
مفصل: فـ) إن ما يسقط يجب فيه) القود، و (يجب) فيما يشل الأرش)؛
لأنها جناية موجبة للقصاص لو لم تسر إلى سقوط أخرى فكذا إذا سرت؛ كما لو باشر ما سرت إليه. فيجب القود في الإصبع؛ لإمكان القصاص فيه ووجب فيما
شل الأرش؛ لعدم إمكان القصاص في الشلل. فضمن بما يضمن به؛ كما لو لم
يكن معه قطع.
(وسراية القود هدر) يعني: أنها غير مضمونة؛ لأن عمر وعلئا قالا: " من
مات من حد أو قصاص لا دية له. الحق قتله ". رواه سعيد بمعناه.
ولأنه قطع بحق فكما أنه غير مضمون فكذلك سرايته؛ كقطع السارق.
(فلو قطع طرفا قودا، فسرى إلى النفس: فلا شيء على قاطع. لكن: لو
قطعه) أي: قطع ولي الجناية الجانى (قهرا) من غير إذن الإمام أو نائبه في حالة
لا يؤمن فيها الخوف من السراية؛ كقطعه) مع حر أو) مع (برد، أو) قطعه
(بآلة كالة، أو) بآله (مسمومة، ونحوه)؛ كحرق الطرف المقتص منه بنار.
فإذا مات الجانى بسبب ذلك: (لزمه) أي: لزم المقتص بذلك (بقية الدية)
يعني: أنه يضمن دية النفس منقوصا منها دية ذلك العضو الذي وجب له القصاص فيه. فلو وجب له في يد كان عليه نصف الدية، وإن كان في جفن كان عليه ثلاثة أرباعها. وهكذا الحكم في غير ذلك.
стр. 4625
(ويحرم) القصاص (في طرف حتى يبرأ)؛ كما لا تطلب له دية حتى يبرأ
على الأصح؛ لما روى جابر: " أن رجلا جرح رجلا وأراد أن يستقيد. فنهى
النبي أن يقاد من الجارجح حتى يبرأ المجروح " (١) . رواه الدارقطني.
(فإن اقتص قبل) أي: قبل برء جرحه: (فسرايتهما) أي: سراية جرح
الجاني وجرج المقتص منه (بعد) أي: بعد اقتصاصه قبل البرء (هدر)؛ لما
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رجلا طعن بقرن في ركبته. فجاء
إلى النبي ﷺ فقال: أقدني. فقالى: حتى تبرأ. ثم جاء إليه، فقال: أقدنى
فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: يا رسول الله! عرجت. فقال: قد نهيتك
فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك. ثم نهى رسول الله أن يقتص من جرح
حتى يبرأ صاحبه " (٢) . رواه أحمد والدارقطني.
فعلى هذا: إن اقتص قبل البرء بطل حقه من سراية الجناية؛ لأنه باقتصاصه
قبل الاندمال رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية. فبطل حقه منه؛ كما لو رضي
بترك القصاص. وأيهما سرت جراحته بعد ذلك فهدر.
أما الجانى؛ فلأنه سراية القصاص فلا يضمن بذلك.
وأما المجني عليه؛ فلأنه رضي بتركه. والله أعلم.
стр. 4626
[كتاب الديات]
هذا (كتاب) يذكر فيه الأسباب الموجبة للديه، وما يتعلق بذلك.
ثم (الديات: جمع دية، وهي) أي: الدية: (المال المؤدى إلى مجني
عليه، أو وليه) أي: ولي مجني عليه، (بسبب جناية).
والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب " فقوله : ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢].
وأما السنة، فما روى أبو بكر عن محمد بن عمرو بن حزم: " أن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات، وقال فيه: وفي النفس مائة من الإبل " (١). رواه النسائي في"سننه " ومالك في" الموطأ ".
قال ابن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير، ومعروف عند أهل
العلم، معرفة يستغنى بها عن الإسناد.
ولأنه (٢) أشبه التواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة تأتي في مواضعها.
وأجميع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة.
إذا علمت ذلك فإنه (من أتلف إنسأنا، أو) أتلف (جزءا منه، بمباشرة أو
سبب) كان عليه ديته (٣)، سواء كان مسلما أو ذميا أو مستأمنا أو
стр. 4627
مهادنا (١) ؛ لقول الله : ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ [النساء: ٩٢].
وعبر عن الهدنة بالميثاق.
ثم القتل تارة يكون عمدا وتارة يكون غير عمد.
إذا تقرر هذا (فدية) قتل (عمد في ماله) أي: مال القاتل؛ لأن الأصل
يقتضي أن بدل المتلف يجب على متلفه. وأرش الجناية على الجانى. قال
النبي ﷺ : "لا يجني جان إلا على نفسه " (٢) . و " قال لبعض أصحابه حين
رأى معه ولده: ابنك هذا؟ قال نعم. قال: إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه " (٣) .
ولأن موجب الجناية أثر فعل الجانى فيجب أن يختص بضررها كما يختص
بنفعها. وتكون في مال القاتل حالة؛ لأنه الأصل. وإنما خولف هذا الأصل في العاقلة؛ لكثرة الخطاً. فيكثر الواجب فيه ويعجز الخاطئ غالبا عن تحمله مع
قيام عذره، ووجوب الكفاره عليه؛ تخفيفا عنه ورفقا به. والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة.
(و) دية (غيره) أي: غير العمد وهو الخطاً وشبه العمد (على عاقلته)
فى الأصح في شبه العمد؛ لما روى أبو هريره قال: " اقتتلت. امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأه على عاقلتها " (٤) . متفق عليه.
ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا. فوجبت الدية على العاقلة؛ كالخطأ.
стр. 4628
وأما دية الخطأ فلا خلاف في كونها على العاقلة.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
والحكمة في ذلك ما تقدم من أن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة،
فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة
على سبيل المواساة للقاتل: إذا كان معذورا بفعله.
(ولا تطلب دية طرف قبل برئه)، كما أنه ليس له أن يقتص منه قبل برئه.
وتقدم ذلك.
إذا علمت ذلك (فمن ألقى على آدمي أفعى) أي: حية خبيثة - قاله في
"القاموس "- فقتلته، (أو ألقاه عليها) أي: ألقى الآدمي على الأفعى (فقتلته،
أو طلبه) أي: طلب آدميا (بسيف، ونحوه)، كخنجر (مجرد فتلف) الآدمي
(في هربه ولو) كان الهارب (غير ضرير) ففيه الدية، سواء سقط من شاهق،
أو انخسف به سقف، أو خر في بئر، أو لقيه سبع فافترسه، أو غرق في ماء،
أو احترق بنار. وسواء كان المطلوب صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، لأنه هلك بسبب عدوانه.
(أو روعه: بأن شهره في وجهه) أي: شهر السيف في وجه آدمي فمات
خوفا، (أو دلاه من شاهق فمات، أو ذهب عقله) خوفا، (أو حفر بئرا محرما
حفره، أو وضع حجرا (١) ، أو قشر بطيخ، أو صب ماء بفنائه أو طريق، أو بالت
بها) أي: بالطريق (دابته) أي: دابة من هي بيده، (ويده عليها، كراكب
وسائق وقائد، أو رمى) إنسان (من منزله) أو من غيره (حجرا أو غيره) مما
يمكن التلف به، (أو حمل) إنسان (بيده رمحا جعله بين يديه أو خلفه، لا) أن
جعله (قائما في الهواء وهو يمشي)، لعدم تعديه في هذه الحالة، (أو وقع)
إنسان (على نائم بفناء جدار، فأتلف إنسانا أو تلف به: فما مع قصد) للتعدي
من ذلك " كإلقاء الأفعى والإلقاء عليها، والترويع، والتدلية من شاهق: (شبه
стр. 4629
عمد، و) ما (بدونه) أي: دون قصد: (خطأ) يجب في كل قسم من ذلك ديته.
(ومن سلم على غيره) فمات، (أو امسك يده) أي: يد غيره (فمات،
ونحوه)، كما لو أجلسه أو أقامه فمات، (أو تلف واقع على نائم) بلا سبب من
غيره: (فهدر)؛ لعدم تعدي النائم.
وفي " الترغيب ": أن رش الطريق ليسكن الغبار فمصلحة عامة. كحفر بئر
في سابلة، وفيه روايتان.
(وإن حفر) إنسان (بئرا ووضع آخر حجرا أو نحوه) ولو كيسا فيه دراهم
(فعثر به إنسان فوقع في البئر: ضمن واضع) الحجر أو نحوه دون الحافر
على الأصح؛ لأن الحجر أو نحوه (كدافع إذا تعديا)؛ لأنه متى اجتمع الحافر
والدافع فالضمان على الدافع وحده في الأصح، لأن الحافر لم يقصد بذلك القتل
عادة لمعين. بخلاف المكره.
(وإلا) أي: وإن لم يكن التعدي منهما جميعا: (ف) الضمان (على متعد
منهما) فقط. فلو كان الحافر هو المتعدي بحفره دون واضع الحجر، بأن كان
وضعه لمصلحة؛ كوضعه في وحل لتدوس عليه الناس كان الضمان جهة الحافر
دون واضع الحجر.
(ومن حفر بئرا قصيرة فعمقها آخر: فضمان تالف) بسقوطه فيها
(بينهما)؛ لأن السبب حصل منهما. (وإن وضع ثالث فيها) أي: في البئر
(سكينا) فوقع إنسان على السكين التي في البئر: (ف) الدية على عاقلة الثلاثة
(أثلاثا). نص على ذلك.
- (وإن حفرها) أي: حفر إنسان بئرا (بملكه، وسترها ليقع فيها احد، فمن
- دخل) ملك حافر البئر (بأذنه وتلف بها) أي: بالبئر: (فالقود) على حافر البئر في الأصح؛ لأنه تلف بسببه. فضمنه؛ كما لو قدم له طعاما مسموما فأكله. (وإلا) أي: باًن دخل بغير أذنه: (فلا) ضمان عليه، (كمكشوفة) يعني: كما لو تركها مكشوفة (بحيث يراها) الداخل وهو بصير يبصرها؛ لأن
стр. 4630
الواقع فيها هو الذي أهلك نفسه. أشبه ما لو قدم إليه سكينا فقتل بها نفسه.
(ويقبل قوله) أي: قول حافر البئر في ملكه (في عدم أذنه) للداخل؛ لأنه
منكر والأصل عدمه، (لا في كشفها) يعني: لا قوله: في أن البئر كانت
مكشوفة بحيث يراها الداخل مع دعوى ولي الداخل أنها كانت مغطاة، لأن
الظاهر مع ولي الداخل، فإن الظاهر أنها لو كانت مكشوفة لم يسقط فيها. فيكون
القول قول الولي بيمينه في الأصح أنها كانت مغطاة، لأن الظاهر معه.
(وإن تلف أجير لحفرها) أي: لحفر البئر (بها) أي: بالبئر فهدر أي:
فلا شيء فيه، لأن صاحب البئر لم يحصل منه في ذلك مباشرة ولا سبب، (أو
دعا) إنسان (من يحفر له بداره) حفيرة (١) ، (أو) يحفر له (بمعدن) أي:
يستخرج له معدنا (فمات بهدم) عليه لم يلقه أحد: (فهدر). نص عليه، نقله
حرب.
(ومن قيد حرا مكلفا وغله) فتلف بحية أو صاعقه فالدية، (أو غصب
صغيرا، فتلف بحية أو صاعقة).
قال الجوهري: هي نار تنزل من السماء فيها رعد شديد.
(فالدية) في الأصح فيهما.
والمراد بغصب الصغير هنا هو: حبسه عن أهله. فيكون متعديا بذلك؛
كما لو قيد الحر المكلف وغله.
ووجه إيجاب الدية: كونه هلك في حال تعديه بحبسه عن الهرب من
الصاعقة والبطش بالحية أو دفعها عنه.
(لا أن مات) في هذه الحالة (بمرض أو) مات (فجأة) على الأصح. نقله
أبو الصقر.
стр. 4631
[فصل: إذا تجاذبا حبلا فانقطع]
(فصل. وإن تجاذب حران مكلفان حبلا، أو نحوه)، كثوب (فانقطع) ما
تجاذباه (فسقطا، فماتا: فعلى عاقلة كل) منهما (دية الآخر)، سواء انكبا أو
استلقيا، أو انكب أحدهما واستلقى الآخر، (لكن نصف دية المنكب) على
عاقلة المستلقي (مغلظة، و) نصف دية (المستلقي) على عاقلة المنكب
(مخففة). قاله في " الرعاية ".
(وإن (١) اصطدما- ولو) كانا (ضريرين، أو) كان (احدهما) ضريرا
والآخر بصيرا- (فماتا: ف) الحكم فيهما (كمتجاذبين)، على عاقلة كل
واحد منهما دية الآخر. يروى ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه.
فإن كان المتصادمان امرأتين حاملين فهما كالرجلين. فإن أسقطت كل
واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها، ونصف- ضمان جنين صاحبتها، لأنهما اشتركا في قتله، وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب:
واحدة لقتل صاحبتها، واثنتان لمشاركتها في الجنينين. وإن أسقطت إحداهما
دون الأخرى اشتركتا في ضمانه. وعلى كل واحدة منهما عتق رقبتين.
(وإن اصطدما) أي: اصطدم (٢) كل واحد من حرين مكنفين الاخر (عمدا،- و) كان هذا الاصطدام (يقتل غالبا- ف) هو (عمد: يلزم كلا) منهما (دية الآخر في ذمته، فيتقا صان) أن كانا متكافئين، بأن كانا ذكرين أو أنثيين، مسلمين أو كتأبيين أو مجوسيين.
(وإلا) أي: وإن لم يكن هذا الاصطدام يقتل غالبا: (ف) هو (شبه عمد)، فيه الكفارة في مالهما، والدية على عاقلتهما.
стр. 4632
(وإن كانا) يعني: المصطدمين (راكبين، أو) كان (احدهما) راكبا
والآخر ماشيا: (فما تلف من دابتيهما) أو دابة احدهما (فقيمته على الآخر)،
سواء كانت الدابتان (١) جملين أو فرسين أو بغلين أو حمارين، أو كانت إحداهما
من غير جنس الأخرى، لأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه. وإنما هو
قربها إلى محل الجناية. فلزم الآخر ضمانها، كما لو كانت واقفة. وإن نقصت
الدابتان (٢) فعلى كل واحد منهما نقص دابة الآخر. وإن كان احدهما يسير بين
يدي الآخر فأدركه الآخر فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على
اللاحق، لأنه الصادم والآخر مصدوم.
(وإن كان احدهما) أي: احد المصطدمين (واقفا، أو) كان (قاعدا)
والآخر سائرا: (فضمان مالهما) أي: مال الواقف والقاعد (على سائر).
نص عليه احمد، لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه، (وديتهما)
أي: دية الواقف والقاعد (على عاقلته) أي: عاقلة السائر، لأن التلف حصل
بصدمه، (كما لو كانا) أي: السائر والواقف أو القاعد (بطريق ضيق مملوك
لهما) أي: للواقف والقاعد، لأنه إذا كان مملوكا للواقف أو القاعد لم يكن
متعديا بوقوفه أو قعوده فيه، ويكون السائر هو المتعدي بسلوكه في ملك غيره
بغير أذنه.
(لا أن كانا ب) طريق (ضيق غير مملوك) لهما، فإن السائر لا يضمن
للواقف فيه ولا للقاعد فيه شيئا، لأنه مفرط بوقوفه أو قعوده في الطريق الضيق
الذي لا يملكه. (ولا يضمنان) أي: الواقف والقاعد السائر شيئا)، لحصول
الصدم منه.
(وإن اصطدم قنان ماشيان، فماتا: ف) هما (هدر)، لأن قيمة كل واحد
منهما وجبت في رقبة الآخر، وقد تلف المحل الذي وجبت فيه فذهبا هدرا.
стр. 4633
(وإن مات احدهما: فقيمته) أي: قيمة الميت منهما واجبة (في رقبة الآخر؛
كسائر جناياته.
وإن كانا) أي (١) : المصطدمان (حرا وقنا، وماتا: فقيمة قن)، وقيل:
نصفها (في تركة حر) في الأصح. (وتجب دية الحر كاملة في تلك القيمة).
قال في " الفروع ": ويتوجه الوجه: أو نصفها وما هو ببعيد.
(ومن اركب صغيرين، لا ولاية له على واحد منهما، فاصطدما، فماتا:
فديتهما وما تلف لهما، من ماله) أي: مال المركب؛ لأنه متعد بذلك،
وتلفهما وتلف مالهما بسبب تعديه في الأصح.
وقيل: أن ديتهما على عاقلته.
(وإن اركبهما ولي لمصلحة، أو ركبا من عند أنفسهما: فـ) هما (كبالغين
مخطئين) يعني: فتكون دية كل منهما على عاقله الآخر.
(وإن اصطدم كبير وصغير، فمات الصغير) فقط: (ضمنه الكبير. وإن
مات الكبير) فقط: (ضمنه مركب الصغير).
ونقل حرب: أن حمل رجل صبيا على دابة فسقط ضمن، إلا أن يأمره أهله بحمله.
(ومن قرب صغيرا من هدف، فأصيب) بسهم: (ضمنه) من قربه دون
رامي السهم إذا لم يقصده؛ لأن المقرب هو الذي عرضه للتلف بتقريبه، والرامي
لم يوجد منه تفريط؛ لأن الرامي؛ كحافر البئر، والمقرب له؛ كالدافع.
فلذلك كان عليه الضمان دون الرامي، إلا أن يكون الرامي قصده برميه فإنه يكون الضمان عليه وحده؛ لأنه مباشر والمقرب متسبب، والضمان على المباشر دون المتسبب.
(ومن أرسله) أي: أرسل الصغير (لحاجة، فأتلف) في إرساله (نفسا،
أو مالا: فجنايته) أي: جناية الصغير على غيره (خطأ من مرسله) أي: مرسل.
стр. 4634
الصغير. (وإن جني عليه) أي: على الصغير: (ضمنه) المرسل له.
قال في " الفروع ": ذكر ذلك في " الأرشاد " وغيره. ونقله ابن منصور إلا
أنه قال: ما جنى فعلى الصبي. انتهى.
(قال ابن حمدان: أن تعذر تضمين الجاني) يعنى: على الصغير؛ لأن
الجاني مباشر والمرسل متسبب.
(وإن كان) المرسل في الحاجة من قبل مرسله (قنا: فكغصبه) يعني:
فحكمه حكم ما لو غصبه. وتقدم حكم المغصوب في الغصب.
(ومن ألقى حجرا، أو) ألقى (عدلا مملوءا بسفينة، فغرقت) السفينة
بسبب ذلك: (ضمن جميع ما فيها) في الأصح؛ لأنه تلف حصل بسبب فعله.
فكان عليه ضمانه؛ كما لو باشر الإتلاف.
(وإن رمى ثلاثة بمنجنيق، فقتل الحجر رابعا قصدوه) أي: قصده
الرماة (١) : (فعمد) يقاد فيه؛ لأنهم قصدوا القتل بما يقتل غالبا. فكان فيه
القود؛ كما لو ضربوه بمثقل يقتل غالبا فمات.
(وإلا) أي: وإن لم يقصدوه: (فعلى عواقلهم ديته) أي: دية المقتول
برميهم (أثلاثا)، على عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته؛ وذلك لأنهم أن لم
يقصدوا قتله فهو خطأ، ديته دية الخطأ.
(وإن قتل) الحجر (احدهم) أي: أحد الرماة: (سقط فعل نفسه وما
يترتب عليه) في الأصح؛ لأن ما قابل فعل المقتول ساقط لا يضمنه أحد؛ لأنه مشارك في إتلاف حقه. فلم يضمن ما قابل فعله؛ كما لو شارك في قتل بهيمته أو
عبده. (وعلى عاقلة صاحبيه) لورثته (ثلثا ديته).
وروي نحو ذلك عن علي في مسألة القارصة والقامصة والواقصة.
قال الشعبي: " وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن. فركبت إحداهن على عنق
أخرى. وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها
стр. 4635
فماتت. فرفع ذلك إلى علي رضي الله تعالى عنه فقضى بالدية أثلاثا على
عواقلهن ". وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل
نفسها.
ولأن المقتول شارك في القتل. فلم تكمل الدية على شريكه؛ كما لو قتلوا
واحدا من غيرهم.
(وإن زادوا) أي: زاد الرماة (على ثلاثة) وقد قتل الحجر برميهم إنسانا من
غيرهم: (فالدية حالة في أموالهم)، لأن العاقلة لا تحمل ما دون ثلث الدية.
(و) حيث تقرر هذا فإنه الا يضمن من وضع الحجر وأمسك الكفة) فقط ورمى غيره " (كمن أوتر) القوس (وقرب السهم) ولم يرم. وإنما يضمن:
من مد الحبال، ورمى الحجر؛ كمن أطلق السهم.
стр. 4636
] فصل: فيمن جنى على نفسه [
(فصل. ومن اتلف نفسه، أو طرفه خطأ: فهدر) (١) على الأصح؛
(كعمد) أي: كما لو اتلف نفسه عمدا فإنه لا دية له بالإجماع.
ووجه كونه لا دية له في الخطأ: ما روي: " أن عامر بن الأكوع يوم خيبر
رجع سيفه عليه فقتله " (٢) . ولم ينقل أن النبي ﷺ قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو كانت واجبة لبينها النبي ﷺ ، ولنقل نقلا ظاهرا.
ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره فإنه لو لم تحملها العاقلة لأجحف
به وجوب الدية لكثرة الخطأ، لأن وجوب الدية على العاقلة على خلاف الأصل
مواساة للجاني وتخفيفا عنه وليس على الجاني هاهنا شيء يخفف عنه، ولا
يقتضي النظر أن تكون جنايته على نفسه على غيره.
(ومن وقع في بئر أو) وقع في (حفرة، ثم) وقع (ثان، ثم) وقع
(ثالث، ثم) وقع (رابع- بعضهم على بعض- فماتوا) كلهم (أو) مات
(بعضهم) من غير أن يتدافعوا أو يتجاذبوا: (فدم الرابع هدر) " لأنه لم يسقط
عليه احد وإنما مات بسقوطه في الحفرة، فهو كما لو سقط على أرضها. (ودية
الثالث عليه) أي: على عاقلة الرابع، لأنه مات بسقوطه عليه. (ودية الثاني
عليهما) أي: على عاقلة الثالث والرابع، لأنه مات بسقوطهما عليه. (ودية
الأول عليهم) أي: على عاقلة الثاني والثالث والرابع " لأنه مات بسقوطهم
عليه.
стр. 4637
(وإن) تجاذبوا باًن (جذب الأول الثاني، و) جذب (الثاني الثالث، و)
جذب (الثالث الرابع: فدية الرابع على) عاقلة (الثالث) في الأصح؛ لأنه
المباشر لجذبه دون غيره. (و) دية (الثالث على) عاقلة (الثاني) في
الأصح؛ لأنه هو الذي أتلفه بجذبه له. (و) دية (الثاني على) عاقلة (الأول
والثالث) في الأصح؛ لأن موته حصل بجذب الأول وسقوط الثالث عليه.
فكانت ديته على عاقلتهما نصفين. (ودية الأول على) عاقلة (الثاني والثالث
نصفين) في الأصح؛ لأنه حصل موته بسقوط الثاني والثالث عليه.
(وإن) كان الأول (هلك بوقعة الثالث: فضمان نصفه على عاقلة الثاني،
والباقي) من ديته (هدر) في الأصح في مقابله فعل نفسه.
(ولو لم يسقط بعضهم على بعض، بل ماتوا بسقوطهم) يعني: من غير أن
يسقط أحد منهم على أحد، (أو قتلهم أسد فيما وقعوا فيه- ولم يتجاذبوا-:
فدماؤهم) أي: دماء جميعهم (مهدرة)؛ لأنه ليس لواحد منهم فعل في تلف
الآخر. وإنما تلف بسبب آخر وهو نفس سقوطه؛ لعمق الحفرة، أو الحيوان
الذي قتله. فيكون هدرا لذلك؛ لأن متلفه غير ضامن.
(وإن تجاذبوا أو تدافع) جماعة عند حفره، (أو تزاحم جماعة عند حفرة،
فسقط فيها أربعة متجاذبين كما وصفنا)، باًن سقط منهم واحد فجذب آخر،
وجذب آخر ثالثا، وجذب الثالث رابعا، (فقتلهم أسد أو نحوه)؛ كالنمر
والحية: (فدم الأول) يعني: الذي لم يجذبه أحد (هدر)؛ لأنه سقط لا بفعل
غيره. (وعلى عاقلته دية الثاني)؛ لأن الأول هو الذي جذب الثاني. (وعلى
عاقلة الثاني دية الثالث)؛ لأن الثاني هو الذي جذب الثالث. (وعلى عاقلة
الثالث دية الرابع)؛ لأن الثالث هو الذي جذب الرابع. وهذا هو الأصح.
وتسمى هذه المسألة: مساًلة الزبية.
وفيها رواية عن أحمد أن الحكم فيها بما قضى به علي رضي الله تعالى عنه. وذلك ما رواه أحمد في " المسند " عن حنش بن المعتمر عن علي قال: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية أسد. فبينما هم كذلك
стр. 4638
يتدافعون. إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق الرجل بآخر حتى صاروا فيها
أربعة فجرحهم الأسد. فانتدب له رجل بحربته فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم.
فقاموا (١) أولياء الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا. فأتاهم علي
﵇ على تفيئة (٢) ذلك. فقال: تريدون أن تقتتلوا ورسول الله ﷺ حي. إني أقضي بينكم بقضاء أن رضيتم به فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم عن بعض
حتى تاًتوا رسول الله ﷺ فيكون هو الذي يقضي بينكم. فمن عدا بعد ذلك فلا
حق له. فاجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة، فللأول الربع؛ لأنه هلك من فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية،
وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة. فأبوا أن يرضوا. فاًتوا النبي ﷺ
وهو عند مقام إبراهيم. فقصوا عليه القصة. فاً جازه رسول الله ص " (٣) ، ورواه بلفظ آخر نحو هذا (٤) . فذهب أحمد إلى هذا في هذه الرواية، توقيفا على خلاف القياس.
وقد ذكر بعض أهل العلم: أن هذا الحديث لا يثبته أهل النقل، وانه
ضعيف، والقياس ما في المتن.
(ومن نام على سقف، فهوى به على قوم: لزمه المكث). كما قاله
المحققون فيمن ألقي في مركبه نار. (ويضمن ما تلف بدوام مكثه أو بانتقاله)؛ لحصول التلف بسببه.
و (لا) يضمن ما تلف (بسقوطه)؛ لأنه ملجأ لم يتسبب.
واختار ابن عقيل في التائب العاجز عن مفارقة المعصية في الحال، أو
العاجز عن إزالة أثرها؛ كمتوسط المكان المغصوب، ومتوسط الجرحى، تصح
توبته مع العزم والندم، وأنه ليس عاصيا بخروجه من الغصب. ومنه توبته بعد
стр. 4639
رمي السهم أو الجرح، وتخليصه صيدا من الشرك، وحمله المغصوب لربه
يرتفع الإثم بالتوبة، والضمان باق. بخلاف ما لو كان ابتداء الفعل غير محرم؛ كخروج مستعير من دار انتقلت عن المعير، وخروج من أجنب بمسجد، ونزع
مجامع طلع عليه الفجر فإنه غير آثم اتفاقا.
قال في " الفروع ": ونظير المساًلة توبة مبتدع لم يتب من أصله، تصح.
وعنه: لا. اختاره ابن شاقلا.
وكذا توبة القاتل قد تشبه هذا، وتصح على الأصح.
وحق الآدمي لا يسقط إلا بالأداء إليه. وكلام ابن عقيل يقتضي ذلك: فإنه
شبهه بمن تاب من قتل أو إتلاف مع بقاء أثر ذلك، لكنه قال: أن توبته في هذه المواضع تمحو جميع ذلك، ثم ذكر أن الإثم واللائمة والمعتبة تزول عنه من
جهة الله وجهة المالك، ولا يبقى إلا حق الضمان للمالك.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: هذا ليس بصحيح؛ لأن التائب بعد
الجرح أو وجوب القود ليس كالمخطئ ابتداء. فرقت الشريعة بين المعذور ابتداء والتائب في أثنائه وأثره. وأبو الخطاب منع أن حركات الغاصب للخروج طاعة،
بل معصية، فعلها لدفع أكثر المعصيتين بأقلهما، والكذب لدفع قتل إنسان،
والقول الثالث هو الوسط. وكذا القول فيمن أضل غيره معتقدا أنه مضل، ومن
لا يرى أنه إضلال فكالكافر الداعية يتوب. ذكره شيخنا. وذكر جده أن الخارج
من الغصب ممتثل من كل وجه، أن جاز الوطء لمن قال: أن وطئتك فأنت طالق ثلاثا. وفيها روايتان. وإلا توجه لنا أنه عاص من وجه ممتثل من وجه. انتهى.
(ومن اضطر إلى طعام) إنسان (غير مضطر أو شرابه، فطلبه، فمنعه حتى
مات) ضمنه. نص عليه؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه قضى بذلك.
ولأنه إذا اضطر إليه صار أحق به ممن هو في يده.
وخرج على ذلك أبو الخطاب: أن كل من أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم
ينجه منها مع قدرته على ذلك-: أنه يضمنه.
стр. 4640
ولنا: أن هذا لم يهلكه ولم يكن سببا لهلاكه؛ كما لو لم يعلم بحاله.
وعلم مما تقدم أنه أن لم يطلبه منه لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه
فعل يكون سببا لهلاكه.
(أو اخذ طعام غيره، أو) أخذ (شرابه) أي: شراب غيره (وهو) أي:
المأخوذ طعامه أو شرابه (عاجز) عن دفعه، (فتلف أو) تلفت (دابته) ضمن
ما تلف من ذلك؛ لأنه سبب هلاكه.
(أو أخذ منه) أي: اخذ إنسان من إنسان (ما يدفع به صائلا عليه: من
سبع، ونحوه)؛ كنمر وذئب وحية (فأهلكه) ذلك الصائل عليه: (ضمنه)
الآخذ لما كان يدفع به عن نفسه؛ لكون ذلك صار سببا لهلاكه.
(لا من أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل) في الأصح؛ لأنه في المسألة الأولى منعه منعا كان سببا لهلاكه. فيضمنه بفعله الذي تعدى به، وهاهنا لم
يفعل شيئا يكون سببا.
(ومن أفزع) إنسانا ولو صغيرا، (أو ضرب) إنسانا (ولو صغيرا،
فأحدث بغائط، أو) أحدث ب (بول، أو) أحدث ب (ريح، ولم يدم: فعليه
ثلث ديته)؛ لما روي " أن عثمان رضي الله تعالى عنه قضى فيمن ضرب إنسانا حتى أحدث بثلث الدية ".
قال أحمد: لا أعرف شيئا يدفعه. وبه قال إسحاق.
وعن أحمد رواية أخرى: انه لا شيء عليه. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لأن الدية إنما تجب لإتلاف عضو أو منفعة، أو إزالة جمال، وليس
هاهنا شيء من ذلك. وهذا هو القياس. وإنما ذهب من ذهب إلى إيجاب
الثلث؛ لقضية عثمان؛ لأنها في مظنة الشهرة، ولم ينقل خلافها فيكون
إجماعا.
ولأن قضاء الصحأبي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف.
стр. 4641
قال في " شرح المقنع ": وسواء كان الحدث ببول أو غائط أو ريح.
قال القاضي: وكذلك لو أفزعه حتى أحدث. والأولى أن شاء الله تعالى
التفريق بين الريح وغيرها أن كان قضاء عثمان رضي الله تعالى عنه في الغائط أو البول؛ لأن ذلك أفحش فلا يقاس عليه. انتهى كلامه في " الشرح ".
وفي " الإنصاف ": ونقل ابن منصور: الإحداث بالريح كالإحداث بالبول
والغائط. وهذا المذهب ذكره (١) القاضي وأصحابه. وجزم به في " الرعايتين " و" الحا و"الحاوي" " وناظم " المفردات " وهو منها.
(ويضمن أيضا) من ضرب أو أفزع (جنايته) أي: جناية من ضربه أو أفزعه
(على نفسه أو) على (غيره) بسبب ضربه أو إفزاعه.
قال في " الإنصاف ": لو مات من الإفزاع: فعلى الذي أفزعه الضمان.
تحمله العاقلة بشرطه، وكذا لو جنى الفزعان على نفسه أو غيره. جزم به ناظم " المفردات " وهو منها. انتهى.
стр. 4642
] فصل: فيمن أدب ولده فتلف [
(فصل. ومن أدب ولده، أو) أدب (زوجته في نشوز، أو) أدب (معلم
صبيه، أو) أدب (سلطان رعيته ولم يسرف) أي: ولم يزد على الضرب المعتاد
في ذلك في العدد ولا في الشدة (فتلف) بذلك: (لم يضمنه). نص عليه.
قال في " الفروع " في أواخر (١) باب الإجارة: لم يضمنه في ذلك كله في المنصوص. نقله أبو طالب وبكر.
قال ابن منجا: هذا المذهب. وجزم به في " الوجيز " وغيره.
ووجه ذلك: أنه فعل ما له فعله شرعا ولم يتعد فيه. فلم يضمن سرايته؛
كما لو كان له عليه قصاص فاقتص منه فسرى إلى نفسه، فإنه لا يضمن. كذلك هاهنا (٢) .
(وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود) فتلف بسبب ذلك:
ضمنه، (أو ضرب من لا عقل له: من صبي) صغير، (أو غيره) ممن لا عقل
له من مجنون ومعتوه فتلف: (ضمن)، لتعديه في المساًلة الأولى بالإسراف،
وعدم الأذن من الشارع في تأديب من لا عقل له، لعدم حصول المقصود
بتأديبه.
(ومن أسقطت) جنينها (بـ) سبب (طلب سلطان، أو تهديده)، سواء
كان طلبها الحق الله تعالى، أو غيره) أي: لكشف حد لله أو
تعزير، (أو ماتت ب) سبب (وضعها) من الفزع، (أو) ماتت من غير وضع
(فزعا، أو ذهب عقلها) فزعا، (أو استعدى إنسان) حاكما على امرأة
стр. 4643
فأسقطت أو ماتت أو ذهب عقلها فزعا: (ضمن السلطان ما كان) من ذلك (بطلبه
أي: طلب السلطان (ابتداء) أي: من غير استعداء أحد، (و) ضمن (المستعدي
ما كان بسببه) أي: بسبب استعدائه في المنصوص في المساًلتين. ثم لا يعتبر
في الضمان كون السبب معتادا، فإن الضربة والضربتين بالسوط ليس سببا معتادا. ومتى أفضت إلى الهلاك وجب الضمان. ويدل للأولى ما روي "أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث إلى امرأة مغيبة (١) كان رجل يدخل إليها. فقالت: يا ويلها، ما
لها ولعمر. فبينما هي في الطريق إذ فزعت فضربها الطلق فألقت ولدا فصاح
الصبي صيحتين ثم مات. فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ فاً شار بعضهم: أن ليس عليك شيء إنما أنت وال ومؤدب. وصمت علي. فاً قبل عليه عمر.
فقال: ما تقول يا أبا الحسن؛ فقال: أن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطاً رأيهم،
وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك. أن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها
فألقته. فقال عمر: أقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك (٢) .
ووافق الشافعي في ضمان الجنين. وقال: لا تضمن المرأة " لأن ذلك
ليس بسبب لهلاكها في العادة.
ولنا: أنها نفس هلكت بإرساله إليها. فضمنها؛ كجنينها، أو نفس هلكت
بسببه. فغرمها؛ كما لو ضربها فماتت.
وأما كون المستعدي يضمن ما كان بسبب استعدائه، لأنه الداعي إلى كون السلطان طلبها. فكان موتها أو موت جنينها بسببه فضمنها، (كإسقاطها) أي:
كإسقاط الأمة (بتأديب، أو قطع يد لم يأذن سيد فيهما، أو شرب دواء لمرض)
فتموت بسبب شيء من ذلك.
(ولو ماتت حامل، أو) (٣) مات (حملها من ريح طعام، ونحوه)؛
كرائحة الكبريت: ضمن) ربه (إن علم ربه ذلك). أي: أن الحامل تموت
стр. 4644
أو يموت حملها من ذلك (عادة) أي: في العادة وأن الحامل هناك، وإلا فلا
إثم ولا ضمان.
(وإن سلم بالغ عاقل نفسه، أو) سلم (ولده إلى سابح حاذق ليعلمه)
السباحة (فغرق) لم يضمن الولد في الأصح، ولا من سلم نفسه قولا واحدا.
(أو أمر) مكلف أو غير مكلف (مكلفا ينزل بئرا أو يصعد شجرة، فهلك
به) أي: بنزوله البئر أو صعوده الشجرة: الم يضمنه) الآمر " لأنه لم يجن ولم
يتعد. أشبه ما لو أذن له ولم يأمره، حتى (ولو أن الآمر سلطان) في الأصح
كغير السلطان، و (كاستئجاره) لذلك، أقبضه الأجرة أو لا. (وإن لم يكن)
المأمور (مكلفا) " كما لو كان صغيرا أو مجنونا: (ضمنه) الآمر " لأنه تسبب إلى إتلافه.
(ومن وضع على سطحه جرة، أو نحوها)، كالإبريق والقصعة (ولو)
كان وضعها (متطرفة فسقطت بريح، أو نحوها)، كطائر وحيوان وغيره (على
آدمي، فتلف: لم يضمنه) واضع ذلك في الأصح، لأن سقوطه بغير فعله،
وزمن وضعه كان في ملكه.
(ومن دفعها حال سقوطها عن نفسه) أي: عن وصولها إليه فأتلفت شيئا،
(أو تدحرجت) على إنسان، (فدفعها عنه) فأتلفت شيئا: الم يضمن) دافعها
(ما تلف) بدفعه. ذكره في " الانتصار "، لأنه غير متعد بذلك.
стр. 4645
[باب: مقادير ديات النفس]
(هذا باب مقادير ديات النفس). واحد المقادير مقدار، وهو مبلغ الشيء
وقدره.
(دية الحر المسلم: مائة بعير، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال
ذهبا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة).
قال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية: الإبل والذهب والورق
والبقر والغنم. ويدل لذلك ما روى عطاء عن جابر قال: فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل
الشاء (١) ألفي شاة (٢) رواه أبو داود.
وعن عكرمة عن ابن عباس: " أن رجلاً قتل. فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألف درهم (٣) .
وفي كتاب عمرو بن حزم " وعلى أهل الذهب ألف دينار " (٤) .
(وهذه الخمسة) المذكورات (فقط أصولها) أي: أصول الدية.
إذا علمت ذلك فإنه (إذا احضر من عليه دية احدها) أي: أحد هذه
الخمسة: الزم) ولي الجناية (قبوله) بغير خلاف في المذهب، سواء كان ولي
الجناية من أهل ذلك النوع أو لم يكن؛ لأنها أصول في قضاء الواجب يجزئ
واحد منها. فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه؛ كخصال الكفارة. وليست
الحلل أصلا على الأصح؛ لأنها لا تنضبط.
стр. 4646
(ويجب من إبل في عمد وشبهه) أي: شبه العمد: (خمس وعشرون بنت
مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس
وعشرون جذعة) على الأصح.
وعنه: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون حقة في بطونها.
أولادها.
والأول المذهب؛ لأن الدية حق (١) يتعلق بجنس الحيوان. فلا يعتبر فيه
الحمل؛ كالزكاة والأضحية.
(وتغلظ) دية عمد وشبه عمد (في طرف، كـ) ما تغلظ في (نفس)؛
لاتفاقهما في السبب الموجب، (لا في غير إبل) يعني: أنه لا تغلظ الدية في غير الإبل؛ لعدم وروده.
(وتجب) الدية (في خطا أخماسا: عشرون من كل من الأربعة
المذكورة). يعني: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون
حقة، وعشرون جذعة، (وعشرون ابن مخاض).
قال في " شرج المقنع ": لا يختلف المذهب: أن دية الخط! أخماس كما
ذكرنا. وهذا قول ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي وابن المنذر.
(وتؤخذ) دية (في بقر مسنات واتبعة) نصفين، (و) تؤخذ الدية (في
غنم: ثنايا وأجذعة نصفين)؛ لأن دية الإبل من الأسنان المقدرة في الزكاة.
فكذلك البقر والغنم.
(وتعتبر السلامة من عيب) في كل نوع من الإبل والبقر والغنم؛ لأن
الإطلاق يقتضي السلامة.
الا أن تبلغ قيمتها دية نقد)؛ لقول النبي ﷺ : " في النفس المؤمنة مائة من
الإبل " (٢) . وهذا مطلق فتقييده يخالف إطلاقه. فلم يجز إلا بدليل.
стр. 4647
ولأنها كانت تؤخذ على عهد النبي ﷺ وقيمتها ثمانية آلاف.
وقول عمر رضي الله تعالى عنه في حديثه: " أن الإبل قد غلت، فقومها
على أهل الورق باثني عشر ألفا " (١) : دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة
من ذلك، وقد كانت تؤخذ في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمرمع رخصها وقلة قيمتها ونقص قيمة كل بعير عن (٢) مائة وعشرين (٣) يوما فإيجاب
ذلك فيها خلاف السنة.
(ودية أنثى بصفته) أي: صفة الذكر باًن كانت حرة مسلمة (٤) : (نصف ديته).
قال ابن المنذر وابن عبدالبر: أجمع على ذلك أهل العلم.
وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أن ديتها كدية الرجل " لقوله ﷺ :
" في النفس المؤمنة مائة من الإبل " (٥) .
وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي ﷺ ، فإن كتاب عمرو بن حزم: " دية المرأة على النصف من دية الرجل " (٦) . وهذا أخص مما ذكراه
فيكون ما ذكرناه مخصصا لما ذكراه.
(ويستويان) أي: الأنثى والذكر (في) قطع أو جرح (موجب دون ثلث
دية) على الأصح، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال
رسول الله ﷺ : " عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها " (٧) . أخرجه النسائي. وهو نص يقدم على ما سواه.
стр. 4648
وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: " كم في إصبع المرأة؛ قال:
عشر. قلت: ففي إصبعين. قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع.
قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع. قال: عشرون. قال: فقلت: لما عظمت
مصيبتها قل عقلها. قال: هكذا السنة يا ابن أخي " (١) . وهذا مقتضى سنة
رسول الله ﷺ . رواه سعيد بن منصور.
ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى بدليل الجنين] فإنه يستوي فيه
دية الذكر والأنثى] (٢) .
وأما كونها لا يساوي جراحها جراح الرجل في الثلث؛ لقوله ﷺ : " حتى
يبلغ الثلث " (٣) و " حتى " للغاية، فيجب أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها؛
لقوله : (حتى يعطوا الجزية) [التوبة: ٢٩ [.
ولأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله ﷺ : " والثلث كثير " (٤) .
ولأن العاقلة تحمله فدل على انه مخالف لما دونه.
(ودية خنثي مشكل بالصفة: نصف دية كل منهما) أي: من الذكر والأنثى
وذلك ثلاثة أرباع دية الذكر؛ لأنه محتمل الذكورية والأنوثية احتمالا واحدا وقد
يئسنا من انكشاف حاله فيجب التوسط بينهما والعمل بكل من الاحتمالين.
(وكذا) أي. وكدية كله يكون (جراحه) ولو زاد على ثلث ديته.
(ودية كتأبي حر ذمي، أو معاهد، أو مستأمن: نصف دية حر مسلم) على
الأصح؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: " دية المعاهد نصف دية المسلم " (٥) .
стр. 4649
وفي لفظ: " أن النبي ﷺ قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين " (١) رواه الإمام أحمد.
وفي لفظ: " دية المعاهد نصف دية الحر " (٢) .
قال الخطأبي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ولا بأس بإسناده. وقد قال به أحمد.
(وكذا جراحُه) أي: جرح الكتابي يعني: فإنه يكون على نصف جراح المسلم.
(ودية مجوسي حر ذمي، أو معاهد، أو مستأمن، و) دية (حر، من عابد
وثَن وغيره) من المشركين، (مستأمن أو معاهد بدارنا: ثمانمائة درهم) في الأصح في المعاهد.
وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى ما قلنا في دية المجوسي.
قال أحمد: ما أقل من اختلف في دية المجوسي.
وممن قال بقولنا: عمر وعثمان وابن مسعود وسعيد بن المسيب وعطاء وعكرمة والحسن ومالك والشافعي.
ويروى عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: " دية المجوسي نصف دية المسلم
كدية الكتابي "؛ لقول النبي ﷺ : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (٣) .
وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم " لأنه آدمي حر
* معصوم. فأشبه المسلم.
ولنا: أن ما قلناه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وأما قوله ﷺ : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب "، في حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم.
стр. 4650
(وجراحُه) أي: جراح ما ذكر من المجوس وعابد الوثن وغيره (بالنسبة)
إلى ديته.
قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: جني على مجوس في عينه وفي يده، قال: يكون من حساب ديته، كما أن المسلم يؤخذ بالحساب فكذلك هذا. قيل: قطعت يده. قال: بالنصف من ديته.
(ومن لم تبلغه الدعوة) أي: دعوة الإسلام: (إن كان له أمان، فديته دية
أهل دينه فإن لم يعرف دينه: فكمجوسي)؛ لأنه اليقين والزيادة مشكوك فيها. (وإلا) أي: وإن لم يكن له أمان: (فلا شيء فيه) في الأصح.
(ودية أنثاهم) أي: أنثى من ذكر من الكفار (كنصف) دية (ذكرهم).
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم في هذا خلافاً.
(وتغلظ دية قتل خطأ) بوقوعه (في كل: من حرم مكة، وإحرام، وشهر حرام) فقط (بثلث) أي: ثلث دية. وهذا على الأصح الذي نقله الجماعة عن الإمام أحمد. وهو من مفردات المذهب.
وقال أبو بكر: أنها تغلظ بقتل رحمه المحرم خطأ.
والأول المذهب.
(فمع اجتماع) حالات التغليظ (كلها)، وجب عليه (ديتان)؛ لأن القتل تجب به دية وقد تكرر التغليظ ثلاث مرات فكان الواجب ديتين.
واحتج من قال بالتغليظ بما روى ابن أبي نجيح " أن امرأة وطئت في الطواف. فقضى عثمان رضي الله تعالى عنه فيها بستة الاف، وألفين تغليظاً للحرم " (١) . وعن ابن عباس: " أن رجلاً قتل رجلاً في الشهر الحرام وفي البلد الحرام. فقال: ديته اثنا عشر ألف، وللشهر الحرام أربعة الاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف ". وهذا مما يظهر ويشتهر ولم ينكر.
стр. 4651
قال في " المقنع ": وظاهر كلام الخرقي: أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك. وهو ظاهر الآية والأخبار. يعني: لقوله : (ومن قتل مؤمنا خطأ فتخرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) [النساء: ٩٢] وهذا يقتضي أن تكون الدية واحدة في كل مكان وكل حال.
ولقوله ﷺ : " في النفس المؤمن مائة من الإبل " (١) ، لم يزد على ذلك وعلى أهل الذهب ألف مثقال.
وفي حديث أبي شريح أن النبي ﷺ قال: " وأنتم يا خزاعة قتلتم هذا القتيل
من هذيل. وأنا والله عاقله (٢) . فمن قتل له قتيل بعد ذلك فأهله بين خيرتين: أن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " (٣) . وهذا القتيل كان بمكة في حرم الله ، ولم يزد النبي ﷺ على الدية، ولم يفرق بين الحرم وغيره. (وإن قتل مسلم كافرا) ذمياً أو معاهداً (عمداً: أضعفت ديته) أي: دية الكافر على المسلم؛ لإزالة القود، كما حكم عثمان رضي الله تعالى عنه. روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه " أن رجلاً قتل رجلاً من أهل الذمة. فرفع إلى عثمان. فلم يقتله، وغلظ عليه الدية ألف دينار " (٤) . فذهب إليه أحمد رضي الله تعالى عنه.
ولأحمد نظائر لذلك في مذهبه فإنه أوجب على الأعور إذا قلع عين صحيح مماثلة لعينه: دية كاملة؛ لما امتنع عنه القصاص. وأوجب على سارق الثمر المعلق مثلي قيمته؛ لما درأ عنه القطع.
والذي ذهب إليه جماهير العلماء: أن دية الذمي في العمد والخطأ واحد؛ لعموم الأخبار فيها، وكما لو قتل حر عبداً عمداً فإنها لا تضعف القيمة عليه.
стр. 4652
[فصل: في دية القن]
(فصل. ودية قن: قيمته)، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، مدبراً
كان أو مكاتباً أو أم ولد، عمداً كان القتل أو خطأ، وسواء ضمن باليد أو بالجناية (ولو) كانت قيمته (فوق دية حر)؛ لأنه مال متقوم. فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت؛ كالفرس، أو نقول مضمون بقيمته. فكانت جميع القيمة؛ كما لو ضمن باليد. ويخالف الحر فإنه ليس مضمونا بالقيمة، وإنما يضمن بما قدره الشرع فلم يتجاوزه.
ولأن ضمان الحر ليس بضمان مال، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته.
وهذا ضمان مال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها فاختلفا.
(وفي جراحه) أي: جراح القن: (إن قُدّر من حر بقسطه من قيمته) أي
يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، سواء (نقص بجنايته أقل من ذلك أو أكثر) من ذلك على الأصح.
وما أوجب الدية في الحر؛ كالأنف واللسان واليدين والرجلين والعينين والأذنين والخصيتين أوجب فيه قيمة العبد مع بقاء ملك السيد عليه. روي هذا عن علي بن أبي طالب. وروي نحوه عن سعيد بن المسيب. وبه قال ابن سيرين وعمر بن عبدالعزيز والشافعي؛ لأن قيمته كدية الحر. وسيأتي صور من ذلك في المتن.
(وإلا) أي: وإن لم يكن مقدراً في الحر ما أوجبته الجناية؛ كالعصعص وخرزة الصلب: (ف) أن على الجانى ضمان (ما نقصه) بجنايته بعد التئام جرحه؛ لأن الواجب إنما وجب جبراً لما فات بالجناية، ولا يتحرز إلا بإيجاب ما نقص من القيمة. فيجب ذلك؛ كما لو كانت الجنايات على غيره من
стр. 4653
الحيوانات، ولا تجب زيادة على ذلك؛ لأن حق المجني عليه قد انجبر [فلا يجب] (١) له زيادة على ما فوته الجانى عليه.
إذا تقرر هذا (فلو جني على رأسه) أي: رأس القن (أو وجهه دون موضحة: ضمن بما نقص، ولو أنه) أي: نقصه بالجناية (أكثر من أرش موضحة).
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافاً فيما ليس فيه مقدر شرعي.
(وفي منصّف) أي: وفيمن نصفه حر إذا قتل: (نصف دية حر، ونصف قيمته. وكذا جراحه). فلو كان القتل خطأ والقاتل حراً كان عليه نصف (٢) قيمته. في ماله، وعلى عاقلته نصف ديته، لأنها نصف دية حر. وكذا جراحه (٣) إذا كان قدر الدية من أرشها يبلغ ثلث الدية، مثل: أن يقطع أنفه أو يديه أو رجليه. وإن قطع إحدى يديه كان الجميع على الجاني، لأن نصف الدية ربع ديته. فلا تحملها العاقلة؛ لنقصها عن ثلث دية الحر.
(وليست أمة كحرة في رد أرش جراح، بلغ ثلث قيمتها أو أكثر، إلى نصفه) أي: نصف أرش جراحها؛ لأن ذلك في الحرة على خلاف الأصل؛ لكون الأصل زيادة الأرش بزيادة الجناية، وأنه كلما زاد نقصها وضررها زاد في ضمانها. فإذا خولف الأصل في الحرة للحديث بقي في الأمة على وفق الأصل. (ومن قطع خصيتي عبد)، أو ذكره، (أو أنفه، أو أذنيه)، أو شفتيه،
ونحو ذلك مما لو قطع من حر وجبب فيه الدية كاملة: (لزمته قيمته) كاملة لسيده؛ لأن القيمه بدل من الدية، وملك سيده باق عليه؛ لأنه لم يوجد سبب يقتضي زوال الملك عنه. فوجب بقاؤه على ملكه عملاً باستصحاب الحال.
(وإن قطع ذكره، ثم خصاه: ف) إنه تجب (قيمته) صحيحا كاملة (لقطع
стр. 4654
ذكره)، لأن الواجب في ذلك من الحر دية كاملة. فوجب عليه بقطعه قيمته كاملة، (و) تجب (قيمته) بقطع خصيتيه بعد قطع ذكره (مقطوعة) يعني: ناقصاً بقطع ذكره؛ لأنه لم يقطع خصيتيه إلا وقد نقصت قيمته بقطع الذكر. فوجبت عليه قيمته مقطوع الذكر. بخلاف ما لو أذهب سمعه وبصره بجناية واحدة فإنه يجب عليه بذلك قيمتاه؛ لأن (١) في كل من ذلك من الحر دية كاملة. (وملك سيده باق عليه.)؛ لأن ما يأخذه من القيمة بدل المنفعة لا بدل النفس.
* * *
стр. 4655
[فصل: في دية الجنين]
(فصل. ودية جنين). وهو: اسم للولد في البطن، مأخوذ من الأجنان وهو الستر؛ لأنه أجنّة بطن أمه. أي: ستره. ومن ذلك قوله : (وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاكتم) [النجم: ٣٢].
(حر مسلم ولو أنثى، أو ما تصير به) أمة (قن أمّ ولد أن ظهر) الجنين، (أو) ظهر (بعضه ميتا، ولو) كان ظهوره (بعد موت أمه بجناية عمداً أو خطأ)، أو ما يقوم مقام الجناية؛ كما لو أسقطت فزعا من استعداء بطلبها إلى ذي سلطان، أو بسبب رائحة طعام بشرطها، (فسقط) الجنين بسبب ذلك في الحال، (أو بقيت) أمّه (متألمة حتى سقط) جنينها (ولو بفعلها)؛ كما لو شربت دواء فأجهضت جنينها بسببه، (أو كانت) أمّه (ذمية حاملاً من ذمي ومات) الذمي أبو الحمل قبل أن يسقط.
(ويُردّ قولها: حملت من مسلم) أن لم تقم به بينة؛ لأن قولها خلاف الظاهر، (أو) كانت أم الجنين (أمة وهو حر، ف) إنها (تقدر حرة).
وقوله: (غرة) خبر لقوله: ودية جنين.
وقوله: (عبد أو أمة) بدل من غرة. والغرة في الأصل الخيار. سمي بها العبد والأمة؛ لأنهما من أنفس الأموال.
والأصل في وجوب الغرة في الجنين ما روى أبو هريرة قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ . فقضى رسول الله أن دية جنينها عبد أو أمة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وورثها ولدها ومن معه " (١) . متفق عليه.
стр. 4656
وما روي " أن عمر استشار الناس في إملاص المرأة، وهو: أن ترمي ولدها
من بطنها، يقال: أملصت المرأة ولدها إذا أسقطته. فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة. فقال: لتأتيني بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن سلمة " (١) . متفق عليه.
وقوله: (قيمتها: خمس من الإبل) صفة لقوله: غرة، وذلك نصف عشر الدية. روي ذلك عن عمر وزيد. وهو قول الجماعة؛ لأن ذلك أقل ما قدره الشارع في الجناية، وهو أرش الموضحة. فرددناه إليه، لا يقال: قد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث وهو دون ذلك؛ لأن ذلك إنما وجب بالحساب من دية الإصبع.
وقوله: (موروثة عنه) أي: عن الجنين (كأنه سقط حياً)؛ لأنها بدل عنه (٢) .
ولأنها دية آدمي حر فوجب أن تكون موروثه عنه.
إذا تقرر هذا (فلا حق فيها لقاتل)؛ لأنه لا يرث المقتول، (ولا)
ل (كامل رق)؛ لقيام المانع من الإرث وهو الرق.
(ويرثها) أي: يرث الغرة (عصبة سيد قاتل جنين أمته الحر). يعني: لوضرب السيد بطن أم ولده فأسقطت جنينها منه كان عليه غرة يرثها عصبته دونه؛ لأنه قاتل.
(ولا يقبل فيها) أي: في الغرة عبد (خصي، ونحوه)؛ كخنثى؛ لأن النبي ﷺ فسر الغرة بعبد أو أمة (٣) . والخنثى ليس بواحد منهما.
ولا مكاتب، (ولا معيب) عيباً (يرد) به (في بيع)؛ لأن العبد والأمة المنصوص عليهما إنما ينصرفان إلى الصحيح منهما.
стр. 4657
ولأنه حيوان وجب بالشرع. فلا يقبل فيه المعيب، كالزكاة.
(ولا من له دون سبع سنين)، لأن المقصود من العبد أو الأمة الخدمة
لا نفس المالية، إذ لو أريد نفس المالية لم تتعين في الغرة.
ومن له دون سبع سنين لا يحصل منه المقصود، بل يحتاج إلى من يكلفه ويخدمه فلا يقبل.
(وإن أعوزت) الغرة: (فالقيمة) أي: فالواجب قيمته (من أصل الدية) وهو الإبل. (وتعتبر) الغرة (سليمة مع سلامته) أي: سلامة الجنين (وعيب الأم) يعني: أنه إذا كان الجنين كامل الأعضاء وكانت أمه ناقصتها، أو كانت خرساء، أو عمياء، أو صماء، لم يؤثر ذلك في اعتبار سلامة الغرة؛ لأن ذلك لا أثر له في ذلك.
(وجنين مبعض) أي: من بعضه حر ومن بعضه رقيق لكون أمه كذلك (بحسابه) من الدية والقيمة. فلو كان نصفه حراً ونصفه رقيقاً وجب فيه (١) نصف غرة لورثته، ونصف عشر قيمة أمه لسيدها.
(وفي) جنين (قن ولو) كان الجنين (أنثى: عشر قيمة أمّه.
و) متى كانت أم الجنين القن حرة بأن أعتقها سيدها واستثنى حملها
ف (تقدر) أمه (الحرة أمة، ويؤخذ عشر قيمتها يوم جناية) عليها (نقداً)؛ لأن الغرة إنما تجب في الجنين إذا كان حراً وهذا رقيق.
(وإن ضرب) إنسان (بطن أمة فعتق جنينها) بان أعتقه سيدها دونها ويصح ذلك، (ثم سقط) من الضربة ففيه غرة على الأصح؛ لأن العبرة في الجنين بحالى السقوط وقد سقط وهو حر.
(أو) ضرب إنسان (بطن ميتة، أو) ضرب (عضواً) منها (وخرج ميتاً وشوهد بالجوف) أي: بجوف الميتة بعد موتها (يتحرك: ففيه غرة) في الأصح؛ كما لو ضربها وهي حية ثم ماتت ثم خرج منه ميتاً.
стр. 4658
(وفي) جنين (محكوم بكفره)؛ كجنين الذمية من زوجها الذمي: (غرة قيمتها عشر دية أمه)؛ لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه فكذلك جنين الكافرة.
(وإن كان أحد أبويه) أي: أبوي الجنين (أشرف دينا) من الآخر؛ (كمجوسية تحت كتابي، أو كتابية تحت مسلم: ف) الواجب في ذلك (غرة قيمتها عشر دية الأم لو كانت على ذلك الدين) في الأصح. فتقدر المجوسية تحت الكتابي كتابية، وتقدر الكتابية تحت المسلم مسلمة.
ومتى أسلم أحد أبوي الجنين الكافرين بعد الضرب وقبل الوضع ففيه غرة اعتباراً بحال الاستقرار في الأصح.
(وإن سقط) الجنين (حيا لوقت يعيش لمثله وهو: نصف سنة فصاعدا ولو
لم يستهل) ثم مات: (ففيه ما فيه)، حال كونه (مولوداً) فيكون فيه دية حر أن كان حرا؛ لأنه حر مات بجناية. أشبه ما لو باشره بالقتل، ويكون فيه قيمته أن كان عبداً؛ لأن قيمة العبد بمنزلة الدية في الحر.
(وإلا) أي: وإن لم يكن سقوطه لوقت يعيش في مثله ولو سقط حيا: (فكميّت) أي: فكما لو سقط ميتا؛ لأن من ولد قبل ذلك لم تجر العادة بأنه يعيش.
(وإن اختلفا) أي: اختلف الجانى وولي الجناية (في خروجه) أي: خروج الجنين (حيا)، بأن قال ولي الجناية: خرج حياً ففيه دية، وقال الجاني: خرج ميتاً ففيه غرة، (ولا بينة) لواحد منهما بما يذكره: (فقول جان) بيمينه في ذلك في الأصح؛ لأنه منكر والأصل براءة ذمته من الدية الكاملة.
(وفي جنين دآبة: ما نقص أمه) على الأصح. نص عليه.
قال في " القواعد ": وقياسه جنين الصيد في الحرم والإحرام.
ومتى ادعت امرأة على إنسان أنه ضربها فأسقطت جنينها فأنكر الضرب
стр. 4659
فالقول قوله بيمينه، لأن الأصل عدمه. وإن أقر بالضرب أو قامت به بينة وأنكر أن تكون أسقطت فالقول قوله أيضا بيمينه: أنه لا يعلم أنها أسقطت، لا على البت " لأنها يمين على فعل الغير والأصل عدمه.
وإن ثبت الإسقاط والضرب وادعى إسقاطها من غير الضرب فإن كانت أسقطته (١) عقب الضرب فالقول قولها بيمينها، لأن الظاهر أنه من الضرب، لوجوده عقيب (٢) شيء يصلح أن يكون سببا له. وكذا أن أسقطته (٣) بعده بأيام وكانت متألمة [إلى حين الإسقاط، وإن لم تكن متألمة] (٤) فقوله بيمينه.
* * *
стр. 4660
[فصل: في جناية القن]
(فصل. وإن جنى قن)، عبد أو أمة، (خطأ أو عمداً لا قود) عليه أو (فيه، أو فيه قود واختير المال) أي: اختاره ولي الجنالة، (أو أتلف مالاً) تعدياً لم تلغ جنايته ولا إتلافه؛ لأنها جناية آدمي. فوجب اعتبارها؛ كجناية الحر.
ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذره وعدم تكليفه فالعبد أولى.
ولا يمكن تعلقها بذمة العبد؛ [لأنه يفضي إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير غاية ولا بذمة السيد؛ لأنه لم يجن. فتعين تعلقها برقبة العيد] (١) ؛ لأن ذلك موجب (٢) جنايته. فوجب أن يتعلق برقبته؛ كالقصاص.
وإذا تعلقت برقبته (خيّر سيده بين بيعه في الجناية وفدائه) على الأصح.
(ثم أن كانت) الجناية (بأمره) أي: أمر السيد (أو أذنه: فداه بأرشها) أي: أرش الجناية (كله)؛ لأنه فوت شيئاً بأمر سيده. فكان على سيده ضمانه؛ كما لو استدان بأمره.
قال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا أمر غلامه فجنى فعليه ما جنى، وإن كان أكثر من ثمنه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن الجناية بأمر سيده أو أذنه (ولو أعتقه) أي: أعتق العبد الجانى سيده (ولو) كان إعتاقه (بعد علمه بالجناية) على أصح: (ف) إنه يفديه؛ لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به. فلزمه غرامته؛ كما لو قتله. ويكون فداؤه (بالأقل منه) أي: من أرش الجناية (أو عن قيته)