وما روي " أن عمر استشار الناس في إملاص المرأة، وهو: أن ترمي ولدها
من بطنها، يقال: أملصت المرأة ولدها إذا أسقطته. فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة. فقال: لتأتيني بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن سلمة " (١) . متفق عليه.
وقوله: (قيمتها: خمس من الإبل) صفة لقوله: غرة، وذلك نصف عشر الدية. روي ذلك عن عمر وزيد. وهو قول الجماعة؛ لأن ذلك أقل ما قدره الشارع في الجناية، وهو أرش الموضحة. فرددناه إليه، لا يقال: قد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث وهو دون ذلك؛ لأن ذلك إنما وجب بالحساب من دية الإصبع.
وقوله: (موروثة عنه) أي: عن الجنين (كأنه سقط حياً)؛ لأنها بدل عنه (٢) .
ولأنها دية آدمي حر فوجب أن تكون موروثه عنه.
إذا تقرر هذا (فلا حق فيها لقاتل)؛ لأنه لا يرث المقتول، (ولا)
ل (كامل رق)؛ لقيام المانع من الإرث وهو الرق.
(ويرثها) أي: يرث الغرة (عصبة سيد قاتل جنين أمته الحر). يعني: لوضرب السيد بطن أم ولده فأسقطت جنينها منه كان عليه غرة يرثها عصبته دونه؛ لأنه قاتل.
(ولا يقبل فيها) أي: في الغرة عبد (خصي، ونحوه)؛ كخنثى؛ لأن النبي ﷺ فسر الغرة بعبد أو أمة (٣) . والخنثى ليس بواحد منهما.
ولا مكاتب، (ولا معيب) عيباً (يرد) به (في بيع)؛ لأن العبد والأمة المنصوص عليهما إنما ينصرفان إلى الصحيح منهما.
стр. 4657
ولأنه حيوان وجب بالشرع. فلا يقبل فيه المعيب، كالزكاة.
(ولا من له دون سبع سنين)، لأن المقصود من العبد أو الأمة الخدمة
لا نفس المالية، إذ لو أريد نفس المالية لم تتعين في الغرة.
ومن له دون سبع سنين لا يحصل منه المقصود، بل يحتاج إلى من يكلفه ويخدمه فلا يقبل.
(وإن أعوزت) الغرة: (فالقيمة) أي: فالواجب قيمته (من أصل الدية) وهو الإبل. (وتعتبر) الغرة (سليمة مع سلامته) أي: سلامة الجنين (وعيب الأم) يعني: أنه إذا كان الجنين كامل الأعضاء وكانت أمه ناقصتها، أو كانت خرساء، أو عمياء، أو صماء، لم يؤثر ذلك في اعتبار سلامة الغرة؛ لأن ذلك لا أثر له في ذلك.
(وجنين مبعض) أي: من بعضه حر ومن بعضه رقيق لكون أمه كذلك (بحسابه) من الدية والقيمة. فلو كان نصفه حراً ونصفه رقيقاً وجب فيه (١) نصف غرة لورثته، ونصف عشر قيمة أمه لسيدها.
(وفي) جنين (قن ولو) كان الجنين (أنثى: عشر قيمة أمّه.
و) متى كانت أم الجنين القن حرة بأن أعتقها سيدها واستثنى حملها
ف (تقدر) أمه (الحرة أمة، ويؤخذ عشر قيمتها يوم جناية) عليها (نقداً)؛ لأن الغرة إنما تجب في الجنين إذا كان حراً وهذا رقيق.
(وإن ضرب) إنسان (بطن أمة فعتق جنينها) بان أعتقه سيدها دونها ويصح ذلك، (ثم سقط) من الضربة ففيه غرة على الأصح؛ لأن العبرة في الجنين بحالى السقوط وقد سقط وهو حر.
(أو) ضرب إنسان (بطن ميتة، أو) ضرب (عضواً) منها (وخرج ميتاً وشوهد بالجوف) أي: بجوف الميتة بعد موتها (يتحرك: ففيه غرة) في الأصح؛ كما لو ضربها وهي حية ثم ماتت ثم خرج منه ميتاً.
стр. 4658
(وفي) جنين (محكوم بكفره)؛ كجنين الذمية من زوجها الذمي: (غرة قيمتها عشر دية أمه)؛ لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه فكذلك جنين الكافرة.
(وإن كان أحد أبويه) أي: أبوي الجنين (أشرف دينا) من الآخر؛ (كمجوسية تحت كتابي، أو كتابية تحت مسلم: ف) الواجب في ذلك (غرة قيمتها عشر دية الأم لو كانت على ذلك الدين) في الأصح. فتقدر المجوسية تحت الكتابي كتابية، وتقدر الكتابية تحت المسلم مسلمة.
ومتى أسلم أحد أبوي الجنين الكافرين بعد الضرب وقبل الوضع ففيه غرة اعتباراً بحال الاستقرار في الأصح.
(وإن سقط) الجنين (حيا لوقت يعيش لمثله وهو: نصف سنة فصاعدا ولو
لم يستهل) ثم مات: (ففيه ما فيه)، حال كونه (مولوداً) فيكون فيه دية حر أن كان حرا؛ لأنه حر مات بجناية. أشبه ما لو باشره بالقتل، ويكون فيه قيمته أن كان عبداً؛ لأن قيمة العبد بمنزلة الدية في الحر.
(وإلا) أي: وإن لم يكن سقوطه لوقت يعيش في مثله ولو سقط حيا: (فكميّت) أي: فكما لو سقط ميتا؛ لأن من ولد قبل ذلك لم تجر العادة بأنه يعيش.
(وإن اختلفا) أي: اختلف الجانى وولي الجناية (في خروجه) أي: خروج الجنين (حيا)، بأن قال ولي الجناية: خرج حياً ففيه دية، وقال الجاني: خرج ميتاً ففيه غرة، (ولا بينة) لواحد منهما بما يذكره: (فقول جان) بيمينه في ذلك في الأصح؛ لأنه منكر والأصل براءة ذمته من الدية الكاملة.
(وفي جنين دآبة: ما نقص أمه) على الأصح. نص عليه.
قال في " القواعد ": وقياسه جنين الصيد في الحرم والإحرام.
ومتى ادعت امرأة على إنسان أنه ضربها فأسقطت جنينها فأنكر الضرب
стр. 4659
فالقول قوله بيمينه، لأن الأصل عدمه. وإن أقر بالضرب أو قامت به بينة وأنكر أن تكون أسقطت فالقول قوله أيضا بيمينه: أنه لا يعلم أنها أسقطت، لا على البت " لأنها يمين على فعل الغير والأصل عدمه.
وإن ثبت الإسقاط والضرب وادعى إسقاطها من غير الضرب فإن كانت أسقطته (١) عقب الضرب فالقول قولها بيمينها، لأن الظاهر أنه من الضرب، لوجوده عقيب (٢) شيء يصلح أن يكون سببا له. وكذا أن أسقطته (٣) بعده بأيام وكانت متألمة [إلى حين الإسقاط، وإن لم تكن متألمة] (٤) فقوله بيمينه.
* * *
стр. 4660
[فصل: في جناية القن]
(فصل. وإن جنى قن)، عبد أو أمة، (خطأ أو عمداً لا قود) عليه أو (فيه، أو فيه قود واختير المال) أي: اختاره ولي الجنالة، (أو أتلف مالاً) تعدياً لم تلغ جنايته ولا إتلافه؛ لأنها جناية آدمي. فوجب اعتبارها؛ كجناية الحر.
ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذره وعدم تكليفه فالعبد أولى.
ولا يمكن تعلقها بذمة العبد؛ [لأنه يفضي إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير غاية ولا بذمة السيد؛ لأنه لم يجن. فتعين تعلقها برقبة العيد] (١) ؛ لأن ذلك موجب (٢) جنايته. فوجب أن يتعلق برقبته؛ كالقصاص.
وإذا تعلقت برقبته (خيّر سيده بين بيعه في الجناية وفدائه) على الأصح.
(ثم أن كانت) الجناية (بأمره) أي: أمر السيد (أو أذنه: فداه بأرشها) أي: أرش الجناية (كله)؛ لأنه فوت شيئاً بأمر سيده. فكان على سيده ضمانه؛ كما لو استدان بأمره.
قال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا أمر غلامه فجنى فعليه ما جنى، وإن كان أكثر من ثمنه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن الجناية بأمر سيده أو أذنه (ولو أعتقه) أي: أعتق العبد الجانى سيده (ولو) كان إعتاقه (بعد علمه بالجناية) على أصح: (ف) إنه يفديه؛ لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به. فلزمه غرامته؛ كما لو قتله. ويكون فداؤه (بالأقل منه) أي: من أرش الجناية (أو عن قيته)
стр. 4661
على الأصح؛ لأنه أن دفع أرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه. فلم يملك المطالبة بأكثر منه، وإن أدى قيمة العبد فقد أدى بدل المحل الذي تعلقت به الجناية وهو قيمة الجانى.
(وإن سلمه) أي: سلم السيد عبده الجانى لولي الجناية، (فأبى ولي قبوله، وقال) لسيده: (بعه أنت لم يلزمه) بيعه على الأصح؛ لأنه إذا سلم العبد فقد أدى المحل الذي تعلق الحق به، (ويبيعه حاكم)؛ لأن له الولاية العامة، ولما في ذلك من إيصال حق ولي الجناية إليه.
(وله) أي: ولسيد الجانى (التصرف فيه) أي: في العبد الجانى بالبيع والهبة وغيرهما ولم يزل بذلك تعلق الجناية عن رقبته، (ك) ما أن ل (وارث) التصرف (في تركة) أي: تركة موروثه المديون. ثم أن وفّى رب الجناية ورب الدين الذي على الميت حقه فقد مضى التصرف، وإلا رد التصرف. ثم أن كان الواجب على الجانى قصاصاً وعلم به المشتري فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، وينتقل الخيار إليه في فدائه وتسليمه كسيده الأول، وإن لم يعلم الحال فله الخيار بين إمساكه ورده، كسائر المعيبات.
(وإن جنى) عبد (عمداً فعفا ولي قود على رقبته: لم يملكه بغير رضى سيده) على الأصح؛ لأنه إذا لم يملكه بالجناية. فلئلا يملكه بالعفو أولى.
ولأنه أحد من عليه القصاص (١) . فلا يملك بالعفو؛ كالحر.
ولأنه إذا عفا عن القصاص انتقل حقه إلى المال، فصار كالجاني جناية موجبة للمال.
(وإن جنى) عبد (على عدد) أي: على اثنين فأكثر (خطأ)، سواء كانت الجناية في وقت واحد أو بعضها بعد بعض: (زاحم كلٌ) من أولياء الجنايات (بحصته)؛ لأنهم تساووا في سبب تعلق الحق به. فتساووا في الاستحقاق؛ كما لو جنى عليهم دفعة واحدة.
стр. 4662
(فلو عفى البعض) عن حقه، (أو كان) المجني عليه (واحداً فمات وعفا بعض ورثته: تعلق حق الباقي) الذي لم يعف (بجميعه) أي: بجميع العبد الجانى في الأصح، لأن سبب استحقاقه موجود. وإنما امتنع ذلك بمزاحمة الاخر له وقد زال المزاحم. فثبت له الحق جميعه؛ لوجود المقتضي وزوال المانع، فهو كما لو (١) جنى على إنسان ففداه سيده ثم جنى على آخر.
(وشراء ولي قود له) أي: للعبد الجانى جناية موجبة للقود: (عفو عنه). ذكره في " الفروع " ولم يذكر فيه خلافاً. وأما إذا دخل في ملكه بقبول هبة أو بإرث (٢) فمسكوت عنه.
(وإن جرح) عبد (حراً، فعفا) عن جراحته، (ثم مات) العافي (من جراحته ولا مال له) أي: ولم يترك العافي مالاً، ولم تجز الورثة عفوه، (واختار سيده) أي: سيد الجانى (فداه. فإن لزمته قيمته) أي: لزم السيد فداؤه بقيمته بأن كانت الجناية بغير أمر السيد أو أذنه (لو لم يعف) المجروح: (فداه) بعد عفوه وموته من الجراحة (بثلثيها) أي: ثلثي قيمته فقط؛ لأن ذلك جميع ماله وقد عفى عنه وهو مريض ولم تجزه الورثة. فيصح في ثلثه؛ كمحاباة غيره.
(وإن لزمته الدية) أي: لزم السيد فداه بجميع الدية، بأن كانت الجناية بأمر السيد أو أذنه: (زدت نصفها) أي: نصف الدية (على قيمته) أي: قيمة الجانى، (فيفديه) سيده (بنسبة القيمة من المبلغ). يعني: أن الطريق في هذا الباب في هذه المسائل: أن تزيد قيمة العبد على نصف دية المجنى عليه (٣) ، وتنسب قيمة العبد مما بلغا فما كان فهو الذي يفديه به سيده.
فلو كان المجني عليه ذكراً حراً كانت ديته ألف مثقال، فلو كانت قيمة العبد
مثلا مائة مثقال وزدت نصف الدية عليها صار المجموع ستمائة مثقال، ونسبة
стр. 4663
القيمة إلى ذلك السدس فيفديه بسدس دية المجني عليه. ولو كان المجني عليه امرأة حرة وزدت نصف ديتها على قيمة العبد صار المجموع ثلثمائة وخمسين مثقالاً، ونسبة القيمة إلى ذلك سبُعان، فيفديه بسبعي دية (١) المجني عليها. (ويضمن معتق) أي: من كان قنّاً ثم أعتقه (ما تلف ببئر حفره)، حال كونه (قنّاً) اعتباراً بحال التلف. والله أعلم.
* * *
стр. 4664
[باب: دية الأعضاء]
هذا (باب دية الأعضاء، و) دية (منافعها). يعني: أنه يذكر في هذا
الباب ديات الأعضاء إذا تلفت بالجناية عليها، وديات منافعها إذا بطلت بالجناية عليها.
ثم المنافع، وأحدها منفعة، وهي اسم مصدر: من نفعني كذا نفعاً.
(من أتلف ما في الإنسان منه) شيء (واحد، كأنف ولو مع عوجه).
صرح به في " الترغيب " إذا قُطع مع مارنه، وهو: ما لان منه ففيه دية نفسه. نص عليه. فإن كان من ذكر حر ففيه ألف مثقال، وإن كان من أنثى حرة ففيه خمسمائة مثقال، وإن كان من خنثى مشكل ففيه سبعمائة مثقال وخمسون مثقالاً.
(و) (ذكر ولو لصغير). نص عليه، (أو شيخ فان)؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال: " وفي الذكر الدية، وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية؛ (١) رواه أحمد والنسائي. ولفظه له.
(و) ك (لسان ينطق به كبير أو يحركه صغير ببكاء)، لما تقدم من حديث
عمرو بن حزم: إذا أوعب قطعاً: (ف) يكون (فيه دية نفسه) أي: نفس من قطع منه؛ لأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس، وإتلافها كإذهاب النفس في جميع ما ذكر.
(وما فيه) أي: في الإنسان (منه شيئان، ففيهما: الدية، وفي أحدهما: نصفها). نص عليه؛ (كعينين ولو مع حول أو عمش). صرح به في "الترغيب ". ويستوي في ذلك الصغيرتان والكبيرتان؛ لعموم حديث عمرو بن حزم.
стр. 4665
(ومع بياض ينقص البصر، ينقص) الدية (بقدره) على الأصح.
(و) (أذنين) وفاقاً، (و) (شفتين) إذا استوعبتا (و) (لَحْيَين) وهما: العظمان اللذان فيهما الأسنان؛ لأن فيهما نفعاً وجمالاً وليس في البدن مثلهما.
(و) (ثَندوتَي رجل) بالثاء المثلثة، وهما له بمنزلة الثديين للمرأة إذا ضممت الأول همزت، وإذا فتحت لم تهمز، فواحدتهما مع الهمزة فعللة وبدونه فعلوة. (وأنثييه) أي: وكأنثيي الرجل يعني: فإن فيهما الدية، وفي كل واحد (١) منهما نصف الدية.
(و) (ثدي أنثى، وإسكتيها) بكسر الهمزه وفتحها (وهما: شُفرَاها) وفيهما الدية؛ لأن فيهما منفعة وجمالاً وليس في البدن غيرهما من جنسهما. وإن أشلهما ففيهما الدية؛ كما لو جنى على شفتيه فأشلهما. ولا فرق في ذلك بين الرتقاء وغيرها. وهذا كله على الأصح.
وعنه: في الشفة السفلى ثلثا الدية وفي العليا ثلثها. روي ذلك عن زيد؛
لأن نفع السفلى أعظم؛ لأنها هي التي تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام. لكن هذا القول معارض بقول أبي بكر وعلي.
(و) (يدين ورجلين)؛ لأن فى إتلافهما إذهاب منفعة الجنس فكان فيهما الدية. وفي أحدهما نصفها.
(وقدم) شخص (أعرج، ويد) شخص (أعْسَم) با لسين المهملة (وهو: أعوج الرسغ) بإسكان السين المهمله وضمها. وهو من الدواب: الموضع المستدق الذي بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. والوظيف مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل ونحوهما، وجمع الوظيف: أوظفة.
(و) يد (مرتعش) رجل (صحيح) ويد صحيح.
стр. 4666
(ومن له كفّان على ذراع) واحد، (أو) كان له (يدان وذراعان على عضد) واحد (وتساوتا في غير بطش) يعني: وكانا غير باطشتين (ففيهما حكومة) على المذهب. أو ثلث دية اليد على قول (١) . ولا تجب دية اليد كاملة؛ لأنه لا نفع فيهما، فهما كاليد الشلاء. والحكم في القدمين على ساق كالحكم في الكفين على ذراع واحد. وإن كانت إحداهما أطول من الأخرى فقطع الطولى وأمكنه المشي على القصيرة فهي الأصلية وإلا فهي زائدة. قالي ذلك في " الكافي ".
(و) أن استوى اليدان (في بطش أيضا: ف) هما (يد) واحدة فتجب فيهما دية يد.
(وللزائدة حكومة) في الأصح. (وفي إحداهما: نصف دية يد وحكومة)
في الأصح. ولا قود، لاحتمال أن تكون المقطوعة هي الزائدة فلا تقطع الأصليه بها. (وفي إصبع إحداهما) أي: إحدى اليدين المتساويتين في البطش: (خمسة أبعرة). وذلك نصف دية الإصبع من اليد الأصلية.
(ولا يقادان، ولا إحداهما بيد) يعني: أنه لو قطع ذو اليد التي لها طرفان تبطش بهما يدا أصلية نظيرة (٢) يده التي لها طرفان لم يقطعا في الأصح " لئلا تؤخذ يدان بيد واحدة. ولا تقطع إحداهما في الأصح أيضا، لأنا لا نعزف الأصلية فنأخذها بها، ولا تؤخذ زائدة بأصلية.
(وكذا حكم رجل) فيما ذكرناه.
(و) تجب (في أليتين وهما: ما علا على الظهر، وعن استواء الفخذين.
وإن لم يصل) القطع (إلى العظم) على الأصح: (الدية) كاملة.
(وفي منخرين: ثلثاها) أي: ثلثا الدية.
(وفي حاجز: ثلثها) على الأصح؛ لأن المارن يشمل ثلاثة اشياء:
стр. 4667
منخرين وحاجز. فوجب توزيع الدية على عددها؛ كسائر ما فيه عدد من الأصابع.
وعنه: في المنخرين الدية، وفي الحاجز حكومة؛ لأن المنخرين ليس في البدن لهما ثالث. وعلى الأصح لو قطع أحد المنخرين ونصف الحاجز وجب في ذلك نصف الدية، وإن شق الحاجز بينهما (١) ففيه حكومة.
(وفي الأجفان) الأربعة: (الدية، وفي أحدها) أي: أحد الأجفان: (ربعها)؛ لأنها أعضاء فيها جمال ظاهر ونفع كامل، فإنها تكن العين وتحفظها من الحر والبرد ولولا ذلك لقبح منظر العين ولو كانت الأجفان لعين الأعمى؛ لأن ذهاب البصر عيب في غير الأجفان.
(وفي أصابع اليدين) إذا قطعت، (أو) أصابع (الرجلين) إذا قطعت: (الدية) كاملة؛ لما روى الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعاً: " دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع " (٢) .
وفي البخاري عنه مرفوعا قال: " هذه وهذه سواء يعني: الخنصر
والإبهام " (٣) .
(وفي إصبع) (٤) من اليد أو الرجل: (عشرها) أي: عشر الدية.
(وفي الأنملة) من الإصبع حتى (ولو) قطعت (مع ظفر) أن كانت (من إبهام: نصف عشر) أي: نصف عشر الدية؛ لأن الإبهام مفصلان (٥) . فيكون في كل مفصل نصف عقل الإبهام.
(و) في الأنملة (من غيره) أي: من غير الإبهام: (ثلثه) أي: ثلث عشر الدية؛ لأن دية الأصبع وهي عشر الدية تقسم على الإصبع، كما قسمت دية اليد
стр. 4668
على الأصابع، والإصبع غير الإبهام ثلاث مفاصل فيكون في كل مفصل ثلث دية الإصبع غير الإبهام.
(و) يجب (في ظفر) واحد قلع و (لم يعد- أو عاد أسود- خمس دية أصبع) نص عليه؛ لأنه مروي عن ابن عباس. ذكره ابن المنذر في " كتاب الإشراف "، ولم يعرف له مخالف من الصحابة فيكون إجماعاً.
(و) يجب (في سن أو نابه أو ضرس قُلِع بسنخه) بالسين المهملة والخاء المعجمة أي: بأصله، (أو) قلع (الظاهر فقط ولو) كان قلعه (من صغير ولم يعد، أو عاد أسود واستمر) على الأصح، (أو) عاد (أبيض ثم أسود بلا علة) على الأصح: (خمس من الإبل). روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس. ولخبر عمرو بن حزم عن النبي ﷺ : " في السن خمس من الإبل " (١) . رواه النسائي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ قال: " في الأسنان خمس خمس " (٢) . رواه ابو دأود.
وأما كون الناب والضرس وغيرهما سواء؛ فلعموم قوله ﷺ : " في الأسنان خمس خمس " (٣) . ولم يفصل.
ولما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " الأصابع سواء، والأسنان سواء: الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء " (٤) .
وهذا نص فلا يعدل عنه فيكون في جميعها مائة وستون بعيراً؛ لأنها اثنان وثلاثون: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وعشر ون ضرساً، في كل جانب عشرة، خمسة من فوق وخمسة من أسفل.
(و) تجب (في سنخ وحده) أي: بغير سن، (و) في (سن أو ظفر عاد
стр. 4669
قصيراً، أو) عاد (متغيراً، أو) عاد (أبيض ثم أسود لعلة: حكومة). وسيأتي تعريف الحكومة.
(وتجب دية يد و) دية (رجل، بقطع) أي: قطع يد (من كوع، و) قطع
رجل من (كعب)؛ لفوات المنفعة المقصودة منها بقطع ذلك بدليل قطعهما ممن سرق مرتين.
(ولا شيء في) قدر (زائد لو قطعا) أي: اليد والرجل (من فوق ذلك)؛
كما لو قطعت اليد من المنكب وقطعت الرجل من الساق على الأصح. نص عليه في رواية أبي طالب؛ لأن اليد اسم للجميع إلى المنكب بدليل قوله : (وأيديكم إلى المرافق) [المانده: ٦]. والرجل إلى الساق؛ لقوله : (وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة: ٦].
ولما نزلت آية التيمم مسح الصحابة إلى المناكب. فمن قطع إحداهما من
فوق ذلك لم يقطع إلا يداً أو رجلاً فلا يلزمه أكثر من ديتها.
فأما قطعها في السرقة من الكوع؛ فلأن المقصود يحصل به وقطع بعض
الشيء يسمى قطعا له، كما يقال: قطع ثوبه إذا قطع جانبا منه. وقولهم: أن الدية تجب في قطعها من الكوع. قلنا: وكذلك تجب ديتها بقطع الأصابع
منفردة، ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب بقطع الأصابع. والذكريجب بقطعه من أصله مثل ما يجب في قطع حشفته.
وأما إذا قطع يده من الكوع ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانيا حكومة؛ لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول فوجب بالثاني حكومة؛ كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف، أوكما فعل ذلك قاطعان.
(و) يجب (فى) قطع (مارن أنف، وحشفة ذكر، وحلمة ثدي، وتسويد
سن، و) تسويد (ظفر، و) تسويد (أنف، و) تسويد (أذن بحيث لا يزول) التسويد، (و) في (شلل غير أنف و) غير (أذن؛) شلل (يد، و) كشلل (مثانة) وهي موضع البول، (أو إذهاب نفع عضو: ديته) يعني: أنه يجب بذلك دية ذلك العضو الذي سوده أو أشله أو أذهب نفعه (كاملة)؛ وذلك لأن
стр. 4670
مارن الأنف وهو: ما لان منه هو الذي يحصل به الجمال، وحشفة الذكر وحلمة الثدي بمنزلة الأصابع من اليدين بهما؛ كمال المنفعة.
ولأن في تسويد ما ذكر إذهاب لجماله.
ولأن العضو الذي ينتفع بحركته أن شل بأن ذهب حركته صار كالمعدوم. فوجبت ديته (١) ؛ كما لو قطعه.
(و) يجب (في شفتين صارتا لا تنطبقان على أسنان، أو استرختا فلم ينفصلا عنها) أي: عن الأسنان: (ديتهما)؛ لأنه عطل نفعهما أو جمالهما. أشبه ما لو أشلهما أو قطعهما. وهذا في الأصح.
وفي " التبصرة " و " الترغيب ": في التقلص حكومة.
(و) يجب (في قطع) عضو (أشل ومخروم: من أذن) مثلا (وأنف) مخروم وهو المقطوع الوتر، (وأذن أصم، وأنف أخشم) الذي لا يجد رائحة شيء: (ديته) أي: دية ذلك العضو (كاملة)؛ لأنه إذا قطع الأذن الشلاء أو أذن الأصم فقد قطع أذنا فيها جمالها. فوجبت ديتها كاملة؛ كما لو قطع عينا حولاء أو عمشاء. وإذا قطع أنفاً مخروماً أو أنف أخشم، لأنه أنف كامل يحصل به الجمال.
ولأن عدم وجود الرائحة عيب في غير الأنف، ومقطوع الوتر كالعضو المريض فتجب ديته كاملة.
(و) يجب (في) قطع (نصف ذكر بالطول: نصف ديته) في الأصح.
وقيل: تجب دية كاملة.
(و) تجب (في عين قائمة بمكانها صحيحة غير أنه ذهب نظرها، وعضو ذهب نفعه وبقيت صورته؛ كأشل من يد ورجل، وأصبع وثدي وذكر، ولسان أخرس أو طفل بلغ أن يحركه ببكاء ولم يحركه، وذكر خصي وعنين، وسني سوداء، وثدي بلا حلمة، وذكر بلا حشفة، وقصبة أنف، وشحمة أذن، وزائد
стр. 4671
من يد ورجل وإصبع وسن، وشلل أنف وأذن، وتعويجهما) أي: تعويج الأنف والأذن: (حكومة) على الأصح.
وإن قطع قطعة من الذكر مما دون الحشفة فكان البول يخرج على ما كان عليه وجب بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية. [وإن خرج البول من موضع القطع وجب الأكثر من حصة القطعة من الدية] (١) أو الحكومة. وإن ثقب ذكره فيما دون الحشفة فصار البول يخرج من الثقب ففيه حكومة. قاله في " شرح المقنع ". (و) يجب (في ذكر وأنثيين قطعوا معا) أي: دفعة واحدة من غير تخلل زمن، (أو هو) يعني: أو قطع الذكر (ثم هما) أي: ثم الأنثيين: (ديتان) " لأن كلا من الذكر ومن الأنثيين لو انفرد لوجب في قطعه الدية فكذا لو اجتمع. (وإن قطعتا) أي: الخصيتين (ثم قطع) الذكر: (ففيهما) أي: الأنثيين (دية) كاملة، لأن قطعهما لم يصادف ما يوجب نقصهما عن ديتهما، (وفيه) أي: في الذكر الذي قطع بعد قطع الخصيتين (حكومة) على الأصح، لأنه ذكر خصي.
(ومن قطع أنفا أو) قطع (أذنين، فذهب الشم) بقطع الأنف (أو) ذهب
(السمع) بقطع الأذنين: (ف) أن الواجب عليه (ديتان) " لأن الشم من غير الأنف والسمع من غير الأذنين فلا تدخل فيه دية أحدهما في الآخر، كالبصر مع الأجفان والنطق مع الشفتين. فلو ذهب السمع من إحدى (٢) الأذنيين دون الأخرى فنصف الدية، وإن نقص فقط ففيه حكومة.
(وتندرج دية نفع باقي الأعضاء في ديتها) أي: دية الأعضاء. فلو قلع شخص عيني شخص وجبت دية العينين دون دية البصر الذي هو نفع العينين، لأن البصر في العين وهو تابع لها يذهب بذهابها. فوجبت دية العين فقط. وكذا باقي الأعضاء غيرما ذكر، كما لو قتله لم تجب إلا ديته.
* * *
стр. 4672
(فصل: في دية المنافع)
لما تمم الكلام على دية الأعضاء؛ كالأنف والأذن واليد والرجل ونحو ذلك شرع يتكلم على (١) دية المنافع وهي السمع والبصر والشم ونحوها فقال: (تجب) يعني: الدية (كاملة في كل حاسة). هكذا عبارة الأصحاب. يقال: حس وأحسّ أي: علم وأيقن، وبالألف أفصح، وبها جاء القرآن.
قال الجوهري: الحواس المشاعر الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
وقوله: (من سمع وبصر، وشم وذوق) بيان للحاسة.
أما وجوب الدية في السمع؛ فبغير خلاف. وسنده قوله ﷺ : " وفي السمع الدية " (٢) .
و" لأن عمر ﵁ قضى في رجل ضرب رجلاً فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي " (٣) . ذكره أحمد في رواية أبي الحارث وابنه عبد الله. ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
ولأن كلاًّ مما ذكر حاسة تختص بنفع. فكان فيها الدية؛ كالسمع المنصوص عليه.
وخالف الموفق الأكثر في الذوق فقال: والصحيح أن شاء الله تعالى: أنه
لا دية فيه؛ لأن في إجماعهم على أن لسان الأخرس لا تكمل الدية فيه على أنها
стр. 4673
لا تكمل في ذهاب الذوق بمفرده، لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته لا تكمل في منفعته دونه، كسائر الأعضاء. ولا تفريع على هذا القول.
(و) تجب الدية كاملة (في) ذهاب (كلام). فمن جنى على إنسان فخرس وجبت عليه ديته؛ لأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته؛ كاليد.
(و) تجب أيضا في (عقل)، قال بعضهم: بالإجماع.
وسنده ما في كتاب عمرو بن حزم (١) . وروي عن عمر وزيد رصي الله تعالى عنهما، لأنه أكبر المعانى قدراً وأعظم الحواس نفعاً فإنه يتميز به الإنسان عن البهائم، ويعرف به صحة حقائق المعلومات، ويهتدي به إلى المصالح، ويدخل به في التكليف. وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات. فكان أولى من بقية الحواس.
[(و) تجب الدية كاملة أيضاً على الأصح في (حَدَب) بفتح المهملتين، مصدر حدب بكسر الدال: إذا صار أحدب؛ لأن بذلك تذهب المنفعة والجمال، لأن انتصاب القامة من الكمال والجمال، وبه تشرف الآدمي على سائر الحيوانات] (٢) .
(و) تجب الدية أيضا كاملة في (صَعَر) بفتح المهملتين. والصَعَر: (بأن يضرب) الإنسان (فيصير وجهه في جانب). نص عليه. وأصل الصعر: داء يأخذ البعير في عنقه. فيلتوي منه عنقه. قال تعالى: (ولاتصعر خدك للناس) [لقمان: ١٨] أي: لا تعرض عنهم بوجهك تكبراً؛ لأن ذلك يذهب الجمال والمنفعة. فوجبت فيه الدية؛ كسائر المنافع.
(و) تجب الدية أيضاً (في تسويده) إذا ضربه فاسود بذلك وجهه (ولم يزل)؛ لأنه فوت الجمال على الكمال. فضمنه بديته؛ كما لو قطع أذنى
стр. 4674
الأصم. وإن صار الوجه أحمر أو أصفر فحكومة في الأصح. أو سود بعضه فحكومة؛ لأنه لم يذهب (١) الجمال على الكمال.
(و) تجب الدية كاملة أيضا على الأصح في (صيرورته) أي: صيرورة المجني عليه (لا يستمسك غائطاً، أو) لا يستمسك (بولاً)؛ لأن كل واحد من هذين المحلين عضو فيه منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها. فإن نفع المثناة حبس البول، وحبس البطن الغائط. والضرر بفوات واحدة منهما عظيم. فكان في كل واحدة منهما الدية؛ كالسمع والبصر. فإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة وجب ديتان.
(و) تجب دية كاملة أيضا في (منفعة مشي)؛ لأن منفعته مقصودة. أشبه الكلام.
(و) تجب أيضا كاملة في منفعة (نكاح) فإذا انكسر صلبه فذهب نكاحه
ففيه الدية كاملة. وروي ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه؛ لأنه نفع مقصود. أشبه ذهاب المشي.
(و) تجب أيضاً كاملة في منفعة (أكل)؛ لأنه نفع مقصود؛ كالشم.
(و) تجب أيضاً كاملة في ذهاب منفعة (صوت، و) كذا في ذهاب منفعة (بطش)؛ لأن في كل منهما نفع مقصود إذا كان؛ كإذهاب واحد من ذلك بجناية عليه.
قال في " الإنصاف ": فائدة: تجب الدية في إذهاب منفعة الصوت، وكذا
في إذهاب منفعة البطش. انتهى.
وعبارة " الفروع ": وقال في " الترغيب " وغيره: ومنفعة الصوت ومنفعة البطش، فلكل واحد الدية.
وفي. " الفنون ": لو سقاه ذرق حمام فذهب صوته لزمه حكومة في إذهاب
الصوت. انتهى.
стр. 4675
(و) يجب أيضا (في) ذهاب (بعض يُعلَم) قدره مما تقدم ذكره بجناية عليه من الدية (بقدره) أي: بقدر الذاهب، لأن ما وجب في جميع الشيء وجب في بعضه بقدره.
ومن صور ذهاب البعض المعلوم قدره، (كأن) صار (يجن يوما ويفيق)
يوما (آخر، أو يذهب ضوء عين) واحدة، (أو) يذهب (شم منخر) واحد، (أو) يذهب (سمع أذن) واحدة، (أو) يذهب (أحد المذاق الخمس، وهي: الحلاوة والمرارة والعذوبة والملوحة والحموضة). قاله في " الكا في "، لأن (١) الذوق حاسة تشبه الشم.
(و) إذا تقرر ذلك فيكون (في كل واحدة) من المذاق الخمس: (خمس الدية)، وفي اثنتين منها خمساها وهكذا.
وقد تقدم انه يجب في ذهاب جميع الكلام الدية كاملة.
(و) على هذا يجب (في بعض الكلام بحسابه) من الدية، (ويقسم) الكلام (على ثمانية وعشرين حرفا)، لأن مخرج الألف في الألف مع اللام الموضوع قبل الياء في حروف الهجاء. ففي نقص حرف من الثمانية وعشرين ربع الدية، وفي نقص حرفين نصف سبعها، وفي نقص أربعة أحرف سبع الدية وهكذا. ولا فرق بين ما خف على اللسان وبين ما ثقل؛ لأن كل شيء وجب فيه مقدر لم يختلف باختلاف قدره، كالأصابع (٢) . وهذا المذهب.
وقيل: سوى الشفوية، وهي الباء والفاء والميم والواو. وسوى الحلقية، وهي: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين.
والأول المذهب؛ لأن هذه الحروف ينطق بها اللسان، بدليل أن الأخرس لاينطق بشيءمنها.
(وإن) كان البعض الذاهب مما فيه الدية (لم يعلم قدره، كنقص سمع
стр. 4676
وبصر، و) كنقص (شم ومشي وانحناء قليلاً، أو بأن صار) المجني عليه (مدهوشاً، أو) صار (في كلامه تمتمة)، بأن صار تمتاماً يكرر التاء، أو فأفاء يكرر الفاء، (أو) صار في كلامه (عجلة أو ثقل، أو) صار (لا يلتفت، أو) صار لا (يبلع ريقه إلا بشدة، أو اسودّ) بالجناية عليه (بياض عينيه أو احمرّ، أو تقلصت شفته بعض التقلص، أو تحركت سنه) بجنايه عليها، (أو احمرّت أو اصفرّت أو اخضرّت أو كلّت) بأن ذهبت حدتها وصارت بحيث لا يمكنه أن يعض بها شيئا: (ف) تجب (حكومة)؛ لأن هذا لا يمكن تقديره فيجب ما تخرجه الحكومة؛ لأنه لا تقدير فيه.
(ومن صار الثغ) بسبب جناية عليه: (فله) على الجانى (دية الحرف الذاهب) فقط، لأن الضمان إنما يجب لما تلف. وإن ذهب حرف فابدل مكانه حرفاً؛ كما لو كان يقول " درهم " فصار يقول: دلهم أو دعهم أو دنهم. فعليه ضمان الحرف الذاهب؛ لأن ما تبدل لا يقوم مقام الذاهب في القراءة ولا غيرها. فلو جنى عليه أيضا فذهب البدل وجبت ديته أيضا؛ لأنه أصل.
(ولو أذهب كلام ألثَغ) من غير جناية فذهب بجناية عليه كلامه كله، (فإن
كان مأيوساً من ذهاب لثغته: ففيه بقسط ما ذهب من الحروف.
وإلا) أي: بأن كان غير مأيوس من زوالها؛ (صغير: ف) فيه (الدية) كاملة؛ لأن الظاهر زوالها وكذلك الكبير إذا أمكن زوال لثغته بالتعليم.
(وإن قطع بعض اللسان، فذهب بعض الكلام: اعتبر أكثرهما)؛ لأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون بالدية منفرداً، ألا ترى أنه لو ذهب نصف الكلام ولم يذهب من اللسان شيء، أو ذهب نصف اللسان ولم يذهب من الكلام شيء وجب في كل صورة نصف الدية. (فعلى من قطع ربع اللسان، فذهب نصف الكلام: نصف الدية)؛ لأنه يجب بقطع ربع اللسان ربع الدية، ويبقى ربع الكلام لا متبوع له. فيجب فيه ربع الدية فيكمل عليه نصف الدية بذلك. (وعلى من قطع بقيته) أي: بقية اللسان الذي ذهب ربعه مع نصف الكلام فذهب بقطعه بقية الكلام: (تمتها) أي: تتمة الدية (مع حكومة لربع اللسان) في
стр. 4677
الأصح " لأن السالم نصف اللسان بدليل أن الموجود نصف الكلام وباقيه أشل
ففيه حكومة.
(ولو قطع نصفه) أي: نصف اللسان (فذهب) بقطعه (ربع الكلام، ثم)
قطع (آخر بقيته) فذهب باقي الكلام: (فعلى) القاطع (الأول نصفها) أي: نصف الدية، (و) يجب (على الثانى ثلاثة أرباعها) أي: أرباع الدية في الأصح، لأنه ذهب ثلاثة أرباع الكلام. فيجب عليه ثلاثة ارباع [ديته، كما لو ذهب ثلاثة أرباع] (١) الكلام بقطيع نصف اللسان.
ولأنه لو ذهب ثلاثة أرباع الكلام مع بقاء اللسان لزمته ثلاثة أرباع الدية.
فلأن يجب بقطع نصف اللسان أولى. ولو لم يقطع الثانى نصف اللسان لكن جنى
عليه جناية أذهبت بقية كلامه مع بقاء لسانه لكان عليه ثلاثة أرباع ديته؛ لأنه ذهب بثلاثة أرباع ما فيه الدية وكان عليه ثلاثة أرباع الدية؛ كما لو جنى على صحيح فذهب ثلاثة أرباع كلامه مع بقاء لسانه.
(ومن قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه، أو كان) المقطوع لسانه (أخرس:
ف) على قاطعه (دية) واحدة، لأن الدية إذا وجبت عن العضو سقطت دية منفعته؛ لأنها تبع له.
(وإن ذهبا) أي: النطق والذوق بجناية (واللسان باق، أو كسر صلبه) بأن
جنى إنسان على إنسان بأن كسر صلبه (فذهب مشيه ونكاحه: فديتان) أي: فالواجب في ذلك ديتان على الأصح، لأن كل منفعة من النطق والذوق، وكل منفعة
من المشي والنكاح مستقلة بنفسها. فتجب فيها دية كاملة، كما لو ذهبت منفردة.
(وإن ذهب) بكسر صلبه (ماؤه، أو) ذهب بكسر صلبه (إحباله:
فالدية). ذكره في " الرعاية ". وكذا في " الروضة " إن ذهب نسله الدية.
(ولا يدخل أرش جناية، أذهبت عقله، في ديته) في المنصوص. قاله في
" الفروع ".
стр. 4678
يعني: أن من جنى على إنسان جناية لها أرش فذهب بها عقله وجب عليه الدية للعقل مع أرش الجناية ولم يتداخلا؛ كما لو أوضحه فذهب عقله فإنه يجب عليه الدية للعقل والأرش للموضحة؛ لأنهما جنايتان متغايرتان. فوجبت ديتهما، حتى ولو كانا بفعل إنسان واحد، كما لو ضربه على رأسه فأذهب سمعه وبصره.
(ويقبل قول مجني عليه) بيمينه: (في نقص بصر وسمع) يعني: في أن بصره نقص أو أن سمعه نقص؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهته فيحلفه الحاكم ويوجب حكومة. وإن ادعى مجني عليه أن إحدى عينيه نقص ضوؤها عصبت المريضة التي ادعى نقص ضوؤها وأطلقت الصحيحة ونصب له شخص ويتباعد عنه، فكلما قال: قد رأيته فوصف لونه علم صدقه حتى تنتهي رؤيته. فإذا انتهت علم موضعها ثم تشد الصحيحة وتطلق المريضة وينصب له شخص ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته، ثم يدار الشخص إلى جانب آخر فيصنع به مثل ذلك، ثم يعلم عند المسافتين ويذرعان ويقابل بينهما، فإن كانا سواء فقد صدق وينظر كم بين مسافة رؤية العليلة والصحيحة. ويحكم له من الدية بقدر ما بينهما. وإن اختلفت المسافتان فقد كذب.
والأصل في هذا قول ابن المنذر: أحسن ما قيل في ذلك قول عمر (١) رضي الله تعالى عنه: " أمر بعينه فعصبت وأعطى رجلاً بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره. ثم أمره فخط عند ذلك. ثم أمر بعينه الأخرى فعصبت وفتحت الصحيحة، وأعطى رجلاً بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره، ثم خط عند ذلك. ثم حول إلى مكان آخر ففعل مثل ذلك فوجدوه سواء، فأعطاه بقدر ما نقص من بصره من مال الاخر ".
(و) يقبل قول مجني عليه (في قدر ما أتلف) منه (كلّ من جانيين فأكثر)؛ لأن الجانيين اتفقا على الإتلاف في الجملة والمجني عليه غير متهم في
стр. 4679
الإخبار بقدر ما أتلف كل واحد. فقبل قوله فيه؛ لأنه أعلم به. وليس المجني عليه في هذه الصورة مدعياً ولا منكراً فيكون كالشاهد بينهما.
(وإن اختلفا) أي: الجانى والمجني عليه (في ذهاب بصر) أي: بصر
مجني عليه بفعل الجاني: (أُري) المجني عليه (أهل الخبرة) بذلك، (وامتُحن بتقريب شيء إلى عينيه وقت غفلته)؛ لأنه متى كان يبصر حركها؛ لأن طبع الآدمي الحذر على عينيه، وإن بقيت بحالها علمنا أنه لا يبصر بها.
(و) إن اختلف الجانى والمجني عليه (في ذهاب سمع، أو) ذهاب (شم، أو) ذهاب (ذوق). فإن كان اختلافهما في ذهاب السمع: (صيح به) أي: المجني عليه (وقت غفلته، و) إن كان في ذهاب الشم (أُتبع بمنتن، و) إن كان في ذهاب الذوق (أُطعم) الشيء (المرَّ. فإن فزع من الصائح، أو من) شيء (مقرب لعينيه، أو عبس للمنتن أو المرّ: سقطت دعواه)؛ لبيان كذبه. (وإلا) أي: وإن لم يظهر منه حركة لشيء مما ذكر: (صدق بيمينه)؛ لأن الظاهر صحة دعواه.
(ويُردُّ الدية آخذ) لها إذا (علم كذبه)؛ لأنا تبينا أنه قبضها بغير حق.
стр. 4680
[فصل: في دية الشعر]
(فصل. وفي كل) أي: كل شعر (من الشعور الأربعه: الدية) كاملة على
الأصح، (وهي: شعر رأس، و) شعر (لحية، و) شعر (حاجبين، و)
شعر (أهداب عينين). وبهذا قال أبو حنيفة والثوري.
وروي عن علي وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: في الشعر
الدية.
وقال مالك والشافعي: فيه حكومة؛ لأنه إتلاف جمال لا منفعة فيه. فلم
تجب فيه الدية؛ كاليد الشلاء والعين القائمة.
ولنا: أنه أذهب الجمال على الكمال. فوجب فيه دية كاملة؛ كأذنى الأصم
وأنف الأخشم.
وقولهم: لا منفعة فيه ممنوع فإن الحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه،
وهدب العين يرد عنها ما يضرها ويصونها فجرى مجرى أجفانها. وما ذكروه ينتقض بالأصل الذي قسنا عليه، واليد الشلاء ليس جمالها كاملا.
(وفي) كل (حاجب: نصف) أي: نصف الدية. وممن أوجب الدية في
الحاجبين سعيد بن المسيب وشريح والحسن وقتادة.
(وفي) كل (هدب: ربع) أي: ربع الدية.
(وفي بعض كل) من الشعور الأربعة (بقسطه) من الدية يقدر بالمساحة؛
كالأذنين.
ولا فرق بين هذه الشعور في كونها كثيفة أو خفيفة، جميلة أو قبيحة، أو
كونها من صغير أو كبير؛ لأن سائر ما فيه الدية من الأعضاء لا يفترق الحال فيه بذلك.
стр. 4681
(وفي) شعر (شارب: حكومة). نص عليه. (وما عاد) من شعر أزيل
تعديا: (سقط ما فيه) من دية أو بعضها أو حكومة. وإن عاد بعد أخذ ما فيه
رده. والحكم فيه كالحكم في ذهاب السمع والبصر فيما يرجى عوده وما
لا يرجى.
(ومن) أزال شعرا من الشعور الأربعة و (ترك- من لحية أو غيرها- ما
لا جمال فيه) أي: فيما تركه: (فديته) أي: فالواجب ديته (كاملة) في
الأصح، لأنه أذهب المقصود منه كله. فأشبه ما لو أذهب ضوء العينين.
ولأن جنايته ربما أحوجت إلى إذهاب الباقي لزيادته في القبح على إذهاب
الكل. فتكون جنايته سببا لذهاب الكل. فأوجبت ديته،كما لو ذهب بسراية
الفعل، أو كما لو احتاج في ذهاب شجة الرأس إلى ما أذهب ضوء عينه. ولا قصاص في شيء من هذه الشعور، لأن إتلافها إنما يكون بالجناية على محلها
وهو غير معلوم المقدار، ولا تمكن المساواة فيه فلا يجب القصاص فيه.
(وإن قلع جفنا بهدبه: فدية الجفن فقط)، لأن الشعر يزول تبعا لزوال
الأجفان. فلم يجب به شيء، كالأصابع إذا قطع الكف وهي عليه.
(وإن قطع لحيين بأسنانهما: فـ) الواجب في ذلك (دية الكل) أي: دية
اللحيين ودية الأسنان. ولا تدخل دية الأسنان في دية اللحيين، كما تدخل دية
الأصابع في دية اليد لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن الأسنان ليست متصلة باللحيين وإنما هي مفرزة فيها. بخلاف
الأصابع.
الثانى: أن أحدهما ينفرد باسمه عن الآخر. بخلاف الأصابع مع الكف فإن
اسم اليد يشملهما.
الثالث: أن اللحيين يوجدان منفردين عن الأسنان فإنهما يوجدان قبل وجود
الأسنان ويبقيان بعد قلعها. بخلاف الكف مع الأصابع.
(وإن قطع كفا بأصابعه: لم تجب غير دية يد)، لدخول الجميع في مسمى
стр. 4682
اليد، وكما لو قطع ذكرا بحشفته لم تجب دية الحشفة؛ لدخولها في مسمى
الذكر. (وإن كلان به) أي: بالكف (بعضها) أي: بعض الأصابع: (دخل في
دية الأصابع ما حاذاها) من الكف، (وعليه) أي: على القاطع للكف كله
(أرش بقية الكف) الذي لم تحاذ الأصابع؛ لأن الأصابع لو كانت سالمة كلها لدخل ارش الكف كله في دية الأصابع فكذلك ما حاذى الأصابع السالمة يدخل في ديتها، وما حاذى المقطوعات ليس له ما يدخل فى ديته. فوجب أرشه؛ كما لو كانت الأصابع كلها مقطوعة.
(و) يجب (في كف بلا اصابع، و) يجب في (ذراع بلا كف، و) يجب
في (عضد بلا ذراع: ثلب ديته) على الأصح. شبهه أحمد بعين قائمة. (وكذا) في الحكم (تفصيل رجل)؛ ففي قدم بلا أصابع وساق بلا قدم:
ثلب ديتها.
(و) يجب (في عين اعور: دية كلاملة). نص عليه. وبذلك قال مالك والزهري والليث وقتادة وإسحاق؛ " لأن عمر وعثمان وعليا وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قضوا في عين الأعور بالدية" (١) . ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة.
ولأن قلع عين الأعور يتضمن إذهاب البصر كله. فوجب جميع الدية؛ كما
لو أذهبه من العينين. ودليل ذلك: أنه يحصل بعين الأعور ما يحصل بالعينين، فإنه يرى الأشياء البعيدة ويدرك الأشياء اللطيفة ويعمل أعمال البصر. ويجوز أن يكون الأعور قاضيا، ويجزئ الأعور في الكفارة وفي الأضحية ما لم تكن العين مخسوفة فوجب في عينه دية كاملة.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغى أن لا يجب فى ذهاب إحدى العينين نصف الدية؛ لأن إبصاره لم ينقص.
стр. 4683
قلنا: لا يلزم من وجوب شيء من دية العينين نقص دية الباقي بدليل ما لو
جنى عليهما فأحولتا أو عمشتا أو نقص ضووهما فإنه يجب أرش النقص ولا
تنقص ديتهما بذلك.
ولأن النقص الحاصل لم يؤثر في تنقيص أحكامه ولا هو مضبوط في تفويت
النفع. فلم يؤثر في تنقيص الدية.
وقال مسروق وعبد الله بن معقل والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي:
فيها نصف الدية، ويحتمل هذا كلام الخرقي لقوله: وفي العين الواحدة نصف
الدية ولم يفرق.
قال في " شرح المقنع ": قلت: ولولا ما روي عن الصحابة رضي الله
تعالى عنهم لكان القول الآخر أولى لظاهر النص، والقياس على سمع إحدى
الأذنين. وما ذكر (١) من المعانى فهو موجود فيما إذا ذهب سمع إحدى الأذنين
ولم يوجبوا في الباقية دية كاملة. انتهى.
(وإن قلعها) أي: قلع عين الأعور (صحيح) أي: صحيح العينين:
(أقيد) أي: قلعت عينه (بشرطه)، باًن يكون القلع عمدا، وأن يكون الأعور مكافئا للصحيح؛ لقوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ﴾ [المائدة: ٤٥].
(وعليه معه) أي: وعلى الصحيح مع قلع نظيره عين الأعور منه (نصف
الدية)؛ لأنه لما ذهب بقلع عين الأعور جميع بصره ولم يمكن إذهاب بصر
القالع بقلع عينه الأخرى؛ لما فيه من أخذ عينين بعين واحدة فأخذنا عينه الواحدة بنظيرتها، وأخذنا نصف الدية؛ لذهاب جميع البصر بقلعه عين الأعور؛ لأن نصف البصر قد استوفاه تبعا لعينه بالقصاص وبقي النصف الذي لايمكن
القصاص فيه، لما تقدم. فوجبت ديته لذلك.
وقيل: لاشيء له مع القلع.
стр. 4684
والأول المذهب.
(وإن قلع الأعور ما يماثل صحيحته) أي: عينه الصحيحة، (من) شخص
(صحيح) أي: صحيح العينين،) عمدا: فـ) على الأعور (دية كاملة، ولا
قود) عليه؛ لأنه قول عمر وعثمان. ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. والقصاص يفضى إلى استيفاء جميع بصر الأعور، وهو إنما أذهب بعض بصر الصحيح فيكون المستوفى أكثر من جنايته وذلك لا يجوز. وإذا لم يجز القصاص وجبت الدية؛ لئلا تذهب الجناية مجانا. وكان الواجب ديه كاملة؛ لأنه بدل القصاص الذي أسقط عنه رفقا به ولو اقتص منه ذهب ما لو ذهب بالجناية لوجبت فيه دية كاملة. فوجبت الدية كاملة هاهنا؛ لأنها (١) بدل الواجب. وهذا هو
المنصوص عن أحمد.
وقيل: تقلع عين الأعور ويعطى نصف الدية.
(و) إن قلع الأعور ما يماثل عينه الصحيحة (خطأ: فنصفها) أي: فيلزمه
نصف الدية [لا غير] (٢) ؛ كما لو قلعها ذوعينين.
(وإن قلع) الأعور (عيني صحيح عمدا: فالقود أو الدية فقط) في
الأصح. يعني: أنه يخير المجني عليه بين أخذ دية عينيه، وبين قلع الأعور بقلع عينيه من غير زيادة؛ لأنه أخذ جميع بصره بجميع بصره. فوجب أن يكتفى به لذلك.
وقيل: يجب على الأعور إذا اختير المال ديتان.
(و) يجب (في يد أقطع أو رجله) إذا قطعت يده الأخرى أو رجله الأخرى
(ولو عمدا) واختير المال، (أو مع ذهاب) اليد (الأولى) أو الرجل الأولى،
حال كون الذهاب (هدرا: نصف ديته) أي: نصف ديه الأقطع، ذكرا كان أو
أنثى، مسلما كان أو كافرا، (كبقية الاعضاء)؛ لأن في اليدين الدية، وفي
стр. 4685
إحداهما نصفها، وفي الرجلين الدية، وفي إحداهما نصفها، وكما لو قلع أذن
من له أذن واحدة.
ولأن أحد العضوين اللذين يحصل بهما منفعة الجنس لا يقوم أحدهما
مقامهما وهذا على الأصح.
وعنه: فيها دية كاملة، قياسا على عين الأعور.
وعنه: إن ذهبت الأولى هدرا ففى الثانية دية كاملة، وإلا فنصفها.
(ولو قطع) الأقطع (يد صحيح: أقيد بشرطه) المذكور في باب شروط
القصاص؛ لأنه عضو أمكن القرد في مثله مع انتفاء المانع. فكان الواجب فيه. القصاص. والله أعلم.
стр. 4686
] باب: الشجاج]
هذا (باب الشجاج) أي: باب يذكر فيه أروش الشجاج (وكسر العظام).
وأصل الشج: القطع. ومنه: شججت المفازة أي: قطعتها.
ثم (الشجة) واحدة الشجاج: (جرج الر أس، والوجه) خاصة. سميت
بذلك، لأنها قطع الجلد. فأما في غير الرأس والوجه فتسمى جرحا ولا تسمى
شجة.
(وهي) أي: والشجة باعتبار تسميتها المنقولة عن العرب (عشر) مرتبة،
(خمس) منها (فيها حكومة). وسيأتي تعريف الحكومة في أواخر هذا الباب.
أول الخمس التي فيها حكومة:
١ - (الحارصة) بالحاء والصاد المهملتين. وهي: (التي تحرص الجلد
أي: تشقه ولا تدميه) أي: ولا يسيل منه دم. وأصل الحرص: الشق، يقال:
حرص القصار الثوب: إذا شقه قليلا. ويقال لباطن الجلد: الحرصات.
فسميت حارصة؛ لوصول الشق إليه. وتسمى أيضا: القاشرة والقشرة.
قال ابن هبيرة: تبعا للقاضي. وتسمى الملطاء.
٢ - (ثم) يليها (البازلة، الدامية، الدامعة). وهي: (التي تدميه) أي:
تدمي الجلد. سميت بازلة: من بزل الشيء إذا سال. وسميت دامية، لخروج
الدم منها. وسميت دامعة بالعين المهملة؛ لقلة سيلان الدم منها تشبيها له
بخروج الدمع من العين.
٣ - (ثم) يليها (الباضعة) وهي: (التي تبضع اللحم) أي: تشقه بعد
الجلد، ومنه سمي البضع.
стр. 4687
٤ - (ثم) يليها (المتلاحمة) وهي: (الغائصة فيه) أي: في اللحم،
وهي مشتقة من اللحم، لغوصها فيه.
٥ - (ثم) يليها (السمحاق) وهي: (التي بينها وبين العظم قشرة) وهي
رقيقة تسمى السمحاق. سميت الجراحة الواصلة إليها بها (١) ، لأن هذه الجراحة
تأخذ في اللحم كله حتى يصل إلى هذه القشرة.
ووجوب الحكومة في هذه الخمس (٢) على الأصح.
وعنه: أنه يجب في الدامية بعير، وفي الباضعة: بعيران، وفي المتلاحمة:
ثلاثة، وفي السمحاق: أربعة أبعرة، لأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت.
والصحيح الأول، لأنه قول أكثر الفقهاء: مالك والأوزاعي والشافعي
وأصحاب الرأي.
ولأنها جراحات لم يرد فيها توقيف في الشرع. فكان الواجب فيها حكومة؛ كجراحات بقية البدن. ويروى عن مكحول أنه قال: " قضى النبي ﷺ في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها " (٣)
ولأنه لم يثبت فيها مقدر بتوقيف ولا له قياس يصح. فوجب الرجوع فيها
إلى الحكومة، كالحارصة.
ولما فرغ من الخمس التي لا مقدر فيها شرع في الخمس التي فيها مقدر
فقال:
(وخمس) يعني: من الشجاج (فيها مقدر):
١ - أولها: (الموضحة) وهي: (التي توضح العظم أي: تبرزه، ولو
بقدر إبرة) لمن ينظره. ذكره ابن القاسم والقاضي. والوضح البياض. يعني:
أبدت بياض العظم.
стр. 4688
(وفيها نصف عشر الدية) أي: دية المسلم الحر، وذلك خمسة أبعرة؛
لأن في حديث عمرو بن حزم: " وفي الموضحة خمس من الإبل " (١) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " في المواضح خمس خمس " (٢) . رواه الخمسة.
ولا فرق في ذلك بين كون الموضحة في الرأس والوجه على الأصح؛ لعموم الأحاديث. ويروى ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وبه يقول
أبو حنيفة والشافعي.
وعن أحمد أيضا: أن في موضحة الوجه عشرة أبعرة.
والأول المذهب.
(وهي: إن عمت رأسا ونزلت إلى وجه موضحتان) في الأصح؛ لأنه
أوضحه في عضوين. فكان لكل واحد منهما حكم نفسه؛ كما لو أوضحه في
رأسه ونزل إلى القفا.
(وإن أوضحه ثنتين) أي: موضحتين (بينهما حاجز فعشرة) أي: فيلزمه
بذلك عشرة أبعرة؛ لأنهما موضحتان. (فإن ذهب) الحاجز (بفعل جان أو)
بسبب (سراية: صارا) موضحة (واحدة). يعني: أنه يصير كما لو أوضح
الكل من غير حاجز. فإن اندملتا ثم أزال الحاجز بينهما فعليه أرش ثلاث
مواضح؛ لأنه استقر عليه أرش الأولتين با لاندمال، ثم لزمه أرش الثالثة.
стр. 4689
(وإن خرقه) أي: خرق الحاجز الذي بين الموضحتين (مجروج، أو)
خرقه (أجنبي: فثلاث) أي: فثلاث مواضح، (على الأول منها ثنتان) أي:
أرش موضحتين فقط، وعلى الأجنبي الذي خرق ما بينهما [أرش موضحة، لأن فعل أحدهما لا ينبني على فعل الآخر فانفرد كل واحد منهما بحكم جنايته. وإن
كان الذي خرق ما بينهما] (١) هو المجروح لم يسقط عن الأول شيء من أرش الموضحتين، لأن ما وجب عليه بجنايته لم يسقط عنه شيء بفعل غيره. وذلك
داخل في قولي: على الأول منها ثنتان.
(ويصدق مجروح بيمينه: فيمن خرقه على الجانى). فلو قال الجانى: أنا
خرقت ما بينهما فصارتا واحدة فيلزمني أرش موضحة واحده، وقال المجني
عليه: بل أنا الخارق لما بينهما، أو قال: بل الخارق لما بينهما غيرك كان القول قول المجني عليه بيمينه في الأصح، لأن سبب أرش موضحتين قد وجد والجانى يدعي زواله والمجروح ينكره والقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه.
(لا على الأجنبي) يعني: أنه لا يقبل قول المجروح على شخص معين أنه
خرق ما بين موضحتين بلا بينة.
(ومثله) أي: مثل الذي أوضح موضحتين بينهما حاجز، ثم خرق ما يبنهما
فصارا موضحة واحدة: (من قطع ثلاث أصابع) امرأة (حرة مسلمة) فإنه يكون (عليه ثلاثون) بعيرا إن لم يقطع غيرها.
(فلو قطع) إصبعا (رابعة قبل برء) أي: قبل (٢) برء قطع الثلاث أصابع:
(ردت) الثلاثون بعيرا (إلى عشرين)، بناء على ما عندنا من كون ان جراج
المرأة تساوي جراح الرجل إلى ثلث ديته، فإذا زادت على الثلث صارت على النصف.
(فإن اختلفا) أي: اختلف قاطع أصابع المرأة ومقطوعة الأصابع (في
стр. 4690
قاطعها) أي: فيمن قطع الإصبع الرابعة بأن قال الجاني: أنا قطعتها فلا يلزمني
إلا عشرون بعيرا، وقالت هي: بل قطعها غيرك ويلزمك ثلاثون بعيرا
(صدقت) عليه بيمينها؛ لأن سبب أرش ثلاث أصابع قد وجد والجانى يدعي
زواله والمقطوعة تنكره، والقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه.
(وإن خرق جان بين موضحتين باطنا) فقط، (أو) باطنا (مع ظاهر: فـ) هي موضحة (واحدة) في الأصح؛ لاتصالهما في الباطن. (وظاهرا فقط فثنتان)
أي: فموضحتان في الأصح.
٢ - (ثم) يلي الموضحة (الهاشمة) وهي: (التي توضح العظم) أي:
تبرزه، (وتهشمه) أي: تكسره. (وفيها عشرة أبعرة) روى ذلك قبيصة (١) بن
ذؤيب عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. والظاهر أن قوله ذلك عن توقيف. ولأنه لا يعرف له مخالف [في عصره] (٢) من الصحابة.
فإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز ففيهما عشرون من الإبل على ما ذكرنا من
التفصيل في الموضحة. وتستوي الهاشمة الصغيرة والكبيرة؛ كالموضحة.
٣ - (ثم) يليها (المنقلة) وهي: (التي توضح) العظم، (وتهشم)
العظم، (وتنقل العظم. وفيها خمسة عشر بعيرا) بإجماع من أهل العلم. حكاه
ابن المنذر في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي ﷺ : " وفي المنقلة خمس عشرة (٣) من الإبل " (٤) . وفي تفصيلها ما في تفصيل الموضحة والهاشمة على ما
مضى.
٤ - (ثم) يليها (المأمومة) وهي: الشجة (التي تصل إلى جلدة الدماغ،
وتسمى) المأمو مة: (الآمة) بالمد.
قال ابن عبد البر: أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة.
стр. 4691
(و) تسمى أيضا (أم الدماغ).
قال النضر بن إسماعيل: أم الراس. الخريطة التي فيها الدماغ. سميت
بذلك؛ لأنها تحوط الدماغ وتجمعه. وفيها ثلث الدية؛ لقول النبى ﷺ في
كتاب عمرو بن حزم: " في المأمومة ثلث الدية " (١) .
وعن ابن عمر عن النبي ﷺ مثل ذلك.
٥ - (ثم) يليها (الدامغة) وهي: الشجة (التي تخرق الجلدة) يعني:
جلدة الدماغ. (وفي كل منهما) أي: في المأمومة والدامغة (ثلث الدية).
وقد ذكرنا الدليل على ذلك في المأمومة وهذه أبلغ.
قال القاضي: لم يذكر أصحابنا الدامغه لمساواتها المأمومة في أرشها.
وقيل: فيها مع ذلك حكومة؛ لخرق جلد الدماغ. ويحتمل أنهم تركوا
ذكرها؛ لكونها لا يسلم صاحبها في الغالب. انتهى.
(وإن شجه شجة بعضها هاشمة أو) بعضها (موضحة، وبقيتها دونها)
أي: دون الهاشمة أو دون الموضحة (فـ) عليه (دية هاشمة) إذا كان بعضها
هاشمة، (أو) دية (موضحة) إذا كان بعضها موضحة (فقط)؛ لأنه لو هشمه
كله أو أوضحه كله لم يلزمه فوق دية الهاشمه أو الموضحة.
ولأنه لو انفرد القدر المهشوم وجب أرشها فلا ينتقض ذلك بما زاد من أرش
غيرها (٢) .
(وإن هشمه بمثقل ولم يوضحه) ففي ذلك حكومة في الأصح.
وقيل: يلزمه خمس من الإبل.
(أو طعنه في خده فوصل) ذلك (إلى فمه) ففيه حكومه في الأصح.
وقيل: يلزمه دية جائفة.
стр. 4692
(أو نفذ) جان (أنفا أو ذكرا، أو) نفذ (جفنا إلى بيضة العين) ففيه
حكومة.
وقيل: يلزمه دية جائفة.
(أو أدخل) غير الزوج (١) (إصبعه فرج بكر) فعليه حكومة، (أو) أدخل
إصبعه (داخل عظم فخذ: فـ) عليها حكومة)؛ لأنه لم يرد في ذلك تقدير من
الشارع. فوجب فيه حكومة لكل ما لم يرد فيه تقدير.
стр. 4693
] فصل: في الجائفة]
(فصل. وفي الجائفة ثلث دية. وهي: ما) أي: الجراحة التي (تصل
باطن جوف) وهو: ما بطن منه مما لا يظهر للرائي، (كـ) داخل (بطن ولو لم
تخرق معا) داخل، (وظهر، وصدر، وحلق، ومثانة وبين خصيتين، و)
داخل (فى بر)،لأن في كتاب عمرو بن حزم: " وفي الجائفة ثلث الدية " (١) .
وليس في جراح البدن سوى الرأس والوجه شيء يقدر غير الجائفة، لأنه لم يأت
نص في غيرها وإنما يعتبر في المقدرات النص.
(وإن جرج جانبا، فخرج) السهم الذي جرج به أو نحوه (من) جانب
(آخر: فجائفتان). نص عليه أحمد.
وقيل: واحدة، لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف وهذه
الثانيه إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر.
ويدل للأول ما روى سعيد بن المسيب: " أن رجلا رمى رجلا بسهم
فأنفذه. فقضى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بثلثي الدية " (٢) . ولم يعرف له
مخالف من الصحابة فكان كالإجماع. أخرجه سعيد بن منصور في" سننه ". وروي عمرو (٣) بن شعيب عن أبيه عن جده " أن عمر رضي الله تعالى عنه
قضى في الجائفة إذا نفذت الجوف بأرش جائفتين ".
ولأنه أنفذه من موضعين. فكانت جائفتين، كما لو أنفذه بضربتين.
стр. 4694
ولأن الاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف لا بكيفية إيصاله، إذ لا أثر لصورة
الفعل مع التساوي في المعنى.
وينتقض قول من قال: إنها جائفة واحدة بما لو أدخل إنسان يده في جائفة
إنسان فخرق بطنه من موضع آخر فإنه يلزمه أرش جائفة بغير خلاف نعلمه. قاله
في "شرح المقنع ".
(وإن جرح وركه فوصل جوفه) أي: جرج إنسان إنسانا في وركه فوصل
الجرح إلى الجوف، (أو أوضحه) في رأسه (فوصل) جرح الموضحة (قفاه:
فـ) يلزم من جرح الورك (مع دية جائفة) حكومة، (أو) يلزم من أوضح إنسانا فوصل الجرح إلى قفاه مع دية (موضحة، حكومة بجرج قفاه أو) بجرج
(وركه)؛ لأن الجرح في غير موضع الجائفة وفي غير موضع الموضحة. فانفرد بالضمان؛ كما لو لم يكن معه جائفة أوموضحة.
(ومن وسع فقط جائفة) أجافها غيره (باطنا وظاهرا) فعلى موسعها دية
جائفة؛ لأن فعل كل واحدة منهما لو انفرد كان جائفة. فلا يسقط حكمه
بانضمامه إلى فعل غيره.
(أو فتق) إنسان (جائفة مندملة، أو) فتق (موضحة نبت شعرها:
فـ) الحكم في ذلك أنه (جائفة وموضحة)؛ لأن الجرح إذا التحم صار
كالصحيح؛ لأنه إذا برأ عاد إلى حالته الأولى فكأنه لم يكن. فإذا فتقه إنسان بعد
ذلك عادت الجائفة التي برأت جائفة متجددة، وصارت الموضحة التي نبت
شعرها موضحه متجددة.
(وإلا) أي: وإن لم تندمل الجائفة، أو ينبت شعر الموضحة، أو وسع
ظاهر الجائفة دون باطنها، أو وسع باطنها دون ظاهرها: (فـ) إنه يكون عليه (حكومة).
وإن وسع الطبيب الجائفة بإذن المجني عليه المكلف أو إذن ولي غير
المكلف للمصلحة فلاشيءعليه.
стр. 4695
(ومن وطئ زوجة صغيرة) لا يوطأ مثلها، (أو) زوجة (نحيفة لا يوطأ
مثلها، فخرق) بوطئه (ما بين مخرج بول و) مخرج (مني، أو) خرق بوطئه
(ما بين السبيلين: فـ) عليه (الدية) كامله (إن لم يستمسك، بول) بسبب
ذلك؛ لأن للبول مكانا في البدن تجتمع فيه للخروج فعدم إمساك البول إبطال
لنفع ذلك المحل فتجب فيه الدية؛ كما لو لم يستمسك بالغائط.
(وإلا) بأن كان البول يستمسك: (فـ) هي (جائفة) فيها ثلث الدية؛ لما
روي عن عمر بن الخطاب " أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية ". ولم يعرف له من الصحابة مخالف.
ولأن هذه جناية بخرق الحاجز بين مخرج البول والمني. فكان موجبها؛
كالجائفة.
(وإن كانت) الزوجة (ممن يوطأ مثلها لمثله، أو) كانت الموطوءة
(أجنبية) أي: غير زوجة (كبيرة مطاوعة، ولا شبهة) للواطئ في وطئها،
(فوقع ذلك) بأن خرق ما بين السبيلين، أو ما بين مخرج بول ومني:
(فهدر)؛ لأنه ضرر حصل من فعل مأذون فيه. فلم يضمنه؛ كأرش بكارتها
ومهر مثلها، وكما لو أذنت في قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها. وفارق ما إذا أذنت في وطئها فقطع يدها؛ لأن ذلك ليس من المأذون فيه ولا من ضرورته. (ولها) أي: وللموطوءة (مع شبهة، أو) مع (إكراه: المهر)؛
لاستيفائه منفعة البضع، (والدية) كاملة: (إن لم يستمسك بول)؛ لأن الفعل
إنما أذن فيه مع الشبهة اعتقادا أن المستوفي له هو المستحق. فإذا كان غيره ثبت
في حقه وجوب الضمان لما أتلفه (١) ؛ كما لو أذن في أخذ الدين لمن يعتقد انه
مستحقه فبان أنه غيره.
وأما مع الإكراه؛ فلأنه ظالم متعد.
(وإلا) بأن استمسك البول مع خرق ما بين السبيلين، أو ما بين مخرج بول