تقي الدين، واحتج بما ذكره العلماء من أصحابنا وغيرهم: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايسقط بذلك، بل عليه أن يأمر وينهى ولا يجمع بين
معصيتين.
(وتحرم إقامته) أي: إقامة الحد (بمسجد)، لما روى حكيم بن حزام
" أن رسول الله ﷺ نهى أن يستقاد بالمسجد، وأن تنشد الأشعار، وان تقام فيه الحدود " (١) .
ولأنه لا يؤمن أن يحدث من المحدود شيئا يتلوث به المسجد.
فإن أقيم فيه لم يعد، لحصول المقصود بإقامته وهو الزجر.
(و) يحرم أيضا (أن يقيمه) أي: يقيم الحد (إمام أو نائبه بعلمه) أي:
من غير بينة على الأصح، لقول الله : ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
وقال : ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].
ولأنه لا يجوز له أن يتكلم به. ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يلزمه حد
القذف. فلم تجز إقامة الحد به، كقول غيره.
ولأنه إذا حرم النطق به فالعمل به أولى.
(أو) أن يقيم الحد (وصي على رقيق موليه) في الأصح، (كأجنبي)
أي: كما لا يجوز للأجنبي إقامة الحد على رقيق غيره.
(ولا يضمن من) أقام حدا على من (لا له إقامته) عليه، (فيما حده:
الإتلاف).
قال في " الفروع ": تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه. واختار شيخنا إلا
لقرينة، كتطلب الإمام له ليقتله. وعلى الأول: لا ضمان نص عليه. انتهى.
стр. 4727
وقال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: لو خالف وفعل لم يضمنه. نص
عليه. انتهى.
(ويضرب الرجل) الحد حال كونه (قائما) على الأصح؛ لأن قيامه وسيلة
إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب.
(بسوط). قال في " شرح المهذب " للحنفية: السوط فوق القضيب ودون
العصا.
وقال في "الرعاية ": من عنده حجم السوط بين القضيب والعصا، أو
بقضيب بين اليابس والرطب.
وقال في " المبدع ": ومن المختار لهم بسوط لا ثمرة له فيتعين أن. يكون من
غير الجلد. انتهى.
(لاخلق) ذلك السوط. نص عليه بفتح اللام، (ولاجديد).
قال في " شرح المقنع ": إذا ثبت هذا فإن السوط يكون وسطا لا جديدا
فيجرج ولا خلقا فلا يؤلم، لما روي " أن رجلا اعترف عند النبي ﷺ . فأتي بسوط مكسور. فقال: فوق هذا. فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته. فقال:
بين هذين " (١) . رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا.
وروي عن أبي هريرة مسندا.
وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " ضرب بين ضربين،
وسوط بين سوطين ". يعني: وسطا لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع.
(بلا مد، ولا ربط، ولا تجريد). يعني: أن المجلود في الحد لا يمد ولا
يربط ولا يجرد (٢) .
قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد.
стр. 4728
وجلد أصحاب رسول الله ﷺ فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا
تجريد، بل يكون عليه القميص والقميصان. وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت، لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب.
قال أحمد: لو تركب عليه ثياب الشتاء لم يبال بالضوب.
(ولا يبالغ في ضرب) بحيث يشق الجلد، لأن المقصود أدبه لا إهلاكه.
(ولا يبدي ضارب إبطه في رفع يد) للضرب. نص عليه.
(وسن تفريقه) أي: تفريق الضرب (على الأعضاء) أي: أعضاء
المضروب؛ ليأخذ كل عضو منه حظه، لأن توالي الضرب على عضو واحد
يؤدي إلى القتل وهو مأمور بعدمه.
قال في "شرح المقنع": ويكثر منه في مواضع اللحم، كالإليتين
والفخذ ين.
(ويضرب من جالس ظهره وما قاربه) أي: قارب ظهره.
(ويجب) في الجلد (اتقاء وجه، و) اتقاء (رأس، و) اتقاء (فرج، و)
اتقاء (مقتل)؛ كالفؤاد والخصيتين، لأنه ربما أدى ضربه في شيء من هذه
الأعضاء إلى قتله أو ذهاب منفعته. والمقصود أدبه لا غيره.
(وامرأة) في ذلك (كرجل، إلا أنها تضرب جالسة)، لقول علي
رضي الله تعالى عنه: " تضرب المرأة جالسة والرجل قائما ".
(وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها)؛ لئلا تنكشف، لأن المرأة عورة
وفعل ذلك بها أستر لها.
(ويجزئ) الضرب في الحد (بسوط مغصوب) على خلاف مقتضى
النهي؛ للإجماع. ذكره في " التمهيد ".
(وتعتبر) لإقامة الحد (نية).
قال ابن عقيل في "الفصول" قبيل فصول التعزير: يحتاج عند إقامته إلى نية
الإمام أنه يضرب لله ولما وضع الله ذلك. وكذلك الحدود، إلا ان الإمام إذا
стр. 4729
تولى وأمر عبدا أعجميا يضرب لا علم له بالنية أجزأت نيته، والعبد كالآلة.
قال: ويحتمل أن تعتبر نيته كما تقول في غسل الميت تعتبر نية غاسله. واحتج
في "منتهى الغاية " لاعتبار نية الزكاة بأن الصرف إلى الفقير له جهات. فلا بد من نية التمييز؛ كالجلد في الحدود.
وفي بعض نسخ "الفروع ": وتعتبر له النية فلو حده للتشفي أثم ويعيده.
ذكره في " المنثور" عن القاضي. وظاهر كلام (١) جماعة: لا. وهو أظهر.
قال الشيخ تقي الدين: فعلى الإنسان أن يكون مقصوده نفع الخلق
والإحسان إليهم. وهذا هو الرحمة التي بعث بها سيدنا محمد ﷺ في قوله
: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٠٧ ا] للاحتياج إلى دفع الظلم شرعت العقوبات. وعلى المقيم لها أن يقصد بها النفع والإحسان كما
يقصد الوالد بعقوبة الولد، والطبيب بدواء المريض، فلم يأمر الشرع إلا بما هو
نفع للعباد وعلى المؤمن أن يقصد ذلك. انتهى.
(لا موالاة) يعني: أنه لا تعتبر الموالاة في الجلد في الحد. ذكره القاضي
وغيره في موالاة الوضوء؛ لزيادة العقوبة ولسقوطه بالشبهة.
قال في " الفروع ": وقال شيخنا: فيه نظر.
(وأشده) أي: أشد الجلد في الحدود (جلد زنا، فـ) جلد (قذف،
ف) جلد (شرب). نص على ذلك، (فـ) جلد (تعزير)؛ لأن الله سبحانه
وتعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله : ﴿وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]. فاقتضى مزيد تأكيد. ولا يمكن ذلك في العدد فيكون في
الصفة.
ولأن ما دونه أخف منه في العدد. فلا يجوز أن تزيد عليه في إيلامه
ووجعه. وهذا دليل على أن ما خف في عدده كان أخف في صفته.
(وإن رأى إمام أو نائبه الضرب في حد شرب، بجريد أو) بـ (نعال- وقال
стр. 4730
جمع: و) بـ (أيد)، قال (المنقح: وهو أظهر- فله ذلك)، لما روى
أبو داود من حديث أبي هريرة " أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب، فقال: اضربوه. وقال أبو هريرة: فمنا الضارب بنعله، والضارب بثوبه، والضارب
بيده" (١) .
(ولا يؤخر حد) أي: استيفاؤه (لمرض ولو رجي زواله)، " لأن عمر
رضي الله تعالى عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره " (٢) . وانتشر ذلك في الصحابة ولم ينكروه فكان كالإجماع.
ولأن إقامة الحد واجبة على الفور. فلم يؤخر ما أوجبه الله
بغيرحجة.
(ولا) يؤخر أيضا (لحر أو برد أو ضعف)، لما تقدم.
(فإن كان) الحد (جلدا، وخيف) على المجلود (من السوط: لم
يتعين، فيقام) عليه الحد (بطرف ثوب وعثكول نخل)، والعثكول: على وزن عصفور هو (٣) الضغث بالضاد والغين المعجمتين والثاء المثلثة. فإذا اخذ ضغثا
به مائة شمراخ فضربه به ضربة واحدة أجزأ. ويدل لذلك ما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ : " أن رجلا اشتكى حتى ضنى فدخلت عليه امرأة. فهش لها فوقع عليها. فسئل له رسول الله ﷺ . فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة " (٤) .رواه أبو داود والنسائي، لكن قال ابن المنذر: في إسناده مقال.
стр. 4731
ولأنه لا يخلو من أن يقام (١) عليه الحد كما ذكرنا، أو لا يقام عليه أصلا،
أو يضرب ضربا كاملا. لا يجوز تركه بالكلية؛ لأنه يخالف الكتاب والسنة.
ولا أن يجلد جلدا تاما؛ لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرنا (٢) .
(ويؤخر) الحد (٣) (لسكر) يعني: لشرب مسكر مع وجود سكر (حتى
يصحو). نص عليه. (فلو خالف) الذي يقيم الحد وأقامه عليه في حال
سكره: (سقط) عنه (إن أحس) بألم الضرب؛ كما لو لم يكن سكرانا (٤) .
(وإلا) باًن لم يحس بألم الضرب: (فلا) يسقط؛ لأنه لم يوجد ما
يزجره.
(ويؤخر قطع) أي: قطع اليد أو الرجل في السرقة: (خوف تلف) أي:
موت المحدود بالقطع المذكور
(ويحرم بعد) إقامة (حد حبس، وإيذاء ٢ بكلام) أي: أن يحبس
المحدود. نص عليه، أو يؤذى بالكلام كالتعبير على كلام القاضي وابن
الجوزي؛ لنسخه بمشروعية الحد؛ كنسخ حبس المرأة.
(ومن مات) بجلد (في تعزير، أو) مات في (حد بقطع أو جلد، و)
الحال أنه (لم يلزم تأخيره) أي: تأخير الجلد: (فهدر) أي: فإنه لا شيء
فيه؛ لأنه قد أتى به على الوجه المشروع بأمر الله وأمر رسوله ﷺ فلا يؤاخذ به.
ولأن الإمام نائب عن الله وعن رسوله. فصار كأن التلف
منسوب إلى الله (٥) .
(ومن زاد) فى عدد الضرب (ولو) كان الزائد (جلدة) واحدة، (أو) زاد
стр. 4732
(في السوط) الذي ضرب به، (أو اعتمد في ضربه) فتلف بذلك، (أو) ضربه (بسوط لا يحتملة) المضروب، (فتلف) أي: مات المضروب بسبب ذلك:
(ضمنه) الضارب (بديته) كامله على الأصح؛ لأنه تلف حصل بعدوانه.
ولأنه قتل حصل من جهة الله وعدوان الضارب. فكان
الضمان على الضارب؛ كما لو ضرب مريضا سوطا فمات به.
ولأنه تلف حصل بعدوان وغيره. فضمنه؛ كما لو ألقى حجرا على سفينة
موقرة فغرقها.
(ومن أمر) من الجلادين من قبل المقيم الحد (بزيادة) على الجلد الواجب
في الحد (فزاد جهلا) بعدد الجلد الواجب فمات المضروب: (ضمنه آمر)؛
لأن الجلاد معذور بالجهل.
(وإلا) أي: وإن لم يحصل ذلك: (فـ) إنه يضمنه (ضارب) في
الأصح؛ كما لو أمر السلطان بقتل إنسان يعلم المأمور بأن القتل ظلما وقتله.
(وإن تعمده) أي: تعمد الزائد (العاد فقط) أي: دون الآمر والضارب
ضمنه العاد؛ لحصول التلف بسبب تعمده، (او أخطأ) العاد (وادعى ضارب
الجهل) فقوله بيمينه، و (ضمنه العاد)؛ لحصرل الملف بسبب خطئه.
(وتعمد إمام لزياده: شبه عمد، تحمله عاقلته) على الأصح؛ لأنها
وجبت بخطئه. فكانت على عاقلته؛ كما لو رمى صيدا فقتل آدميا.
(ولا يحفر لـ) حد (رجم ولو) كان الرجم (لأنثى، وثبت) عليها (ببينة)
على الأصح؛ لأن النبي ﷺ لم يحفر للجهنية (١) ولا لليهوديين، إلا أن المرأة تشد عليها ثيابها لئلا تنكشف؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين. قال: " فأمر بها النبى ﷺ فشدت عليها ثيابها " (٢) .
стр. 4733
(ويجب في) إقامة (حد زنا حضور إمام أو نائبه) على الأصح.
قال في "الإنصاف ": ويجب حضوره هو أو من يقوم مقامه على الصحيح
من المذهب. انتهى.
(و) يجب أيضا في حد الزنا حضور (طائفة من المؤمنين ولو واحدا).
قال في " الإنصاف": يجب حضور طائفة في حد الزنا. والطائفة واحد
فأكثر على الصحيح من المذهب. انتهى.
والأصل في ذلك قوله : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
(وسن حضور من شهد) بالزنا الموجب للحد.
(و) سن أيضا (بداءتهم برجم. فلو ثبت بإقرار سن بداءة إمام، أو من
يقيمه) الإمام مقامه.
قال في " شرح المقنع ": السنة أن يدور الناس حول المرجوم، فإن كان
الزنا ثبت ببينة استحب أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإمام
أو الحاكم إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده. وقد روى سعيد بإسناده عن
علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " الرجم رجمان: فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس، وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس ".
ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. انتهى.
(ومتى رجع مقر به) أي: بالزنا عن إقراره، (أو) رجع مقر (بسرقة) عن
إقراره، (أو) رجع مقر بحد (شرب قبله) أي: قبل إقامة الحد عليه بما أقر به
(ولو بعد الشهادة على إقراره: لم يقم) عليه. (وإن رجع في أثنائه) أي: أثناء
الحد، (أو هرب: ترك)، لأن ماعزا هرب فذكر للنبي ﷺ فقال: " هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه " (١) .
стр. 4734
قال ابن عبد البر: ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ويعمر بن هزال
ونصر بن دهر وغيرهم: أن ماعزا لما هرب فقال لهم: ردوني إلى
رسول الله ﷺ . قال: " فهلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه " (١) .ففي هذا
أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه.
ولأن رجوع المقر شبهة والحد يدرأ (٢) بالشبهات.
ولأن الإقرار أحد سببي إقامة الحد فسقط بالرجوع عنه كالبينة إذا رجعت قبل
إقامة الحد. وفارق سائر الحقوق فإنها لا تدرأ بالشبهات.
(فإن تمم) الحد عليه بعد رجوعه: (فلا قود) فيه، (وضمن راجع)
أي: مصرح بالرجوع؛ لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه. (لا هارب) يعني:
أن الهارب في أثناء الحد لا يضمن بإتمام الحد عليه؛ لأن هربه ليس صريحا في الرجوع. وحيث ضمن المصرح بالرجوع فإنه يكون ضمانه (بالدية) دون
القصاص؛ لأن العلماء اختلفوا في صحة رجوعه. فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص.
ولأن صحة الرجوع مما يخفى حكمها فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب
القصاص.
(وإن ثبت) على مكلف الزنا (ببينة على الفعل) أي: فعل الزنا،
(فهرب: لم يترك)؛ لأن زناه ثبت على وجه لا يبطل برجوعه. فلا يؤثر
رجوعه ولا هربه.
(ومن أتى حدا: ستر نفسه، ولم يجب- ولم يسن- أن يقر به عند
حاكم). نقل مهنا: رجل زنا يذهب يقر؛ قال: بل يستر نفسه. واستحب
القاضى إن شاع رفعه إلى حاكم؛ ليقيمه عليه.
стр. 4735
قال ابن حامد: إن تعلقت التوبة بظاهر؛ كصلاة وزكاه أظهرها للحاكم،
وإلا أسر.
(ومن قال لحاكم: أصبت حدا). فقط، (لم يلزمه شيء) ما (١) لم يبينه.
نقله الأثرم.
ويحد من زنا هزيلا ولو بعد سمنه.
وكذا عقوبة الاخرة؛ كمن قطعت يده ثم زنا أعيدت بعد بعثه وعوقب. ذكره
في " الفنون".
(والحد) المقدر في ذنب (كفارة لذلك الذنب)؛ للخبر (٢) . نص عليه.
стр. 4736
[فصل: إذا اجتمعت الحدود]
(فصل. وإن اجتمعت حدود لله تعالى من جنس) واحد،: (بأن زنى) مرارا ً، (أو سرق) مرارا ً، (أو شرب مراراً تداخَلت: فلا يحد سوى مرة). قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم؛ وذلك لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد؛ لأن الواجب هنا من جنس واحد. فوجب التداخل؛ كالكفارات من جنس واحد.
(و) إن اجتمعت حدود لله (من أجناس وفيها قتل). مثل: أن يسرق ويزنى وهو محصن، ويشرب الخمر ويقتل في المحاربة: (استُوفي) القتل (وحده)؛ لما روى سعيد بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إذا اجتمع حدان أحدهما القتل، أحاط القتل بذلك ".
وروي عن إبراهيم النخعي والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك، وهذه أقوال انتشر في عصر الصحابة والتابعين ولم يظهر لهم مخالف.
ولأنها حدود لله فيها قتل. فسقط ما دونه؛ كالمحارب إذا قتل وأخذ المال فإنه يكتفى بقتله.
ولأن هذه الحدود تراد لمجرد الزجر، ومع القتل فلا حاجة إلى زجره؛ لأنه
لا فائدة فيه فلا يشرع. ويفارق القصاص فإن فيه غرض التشفي والانتقام، ولا يقصد فيه مجرد الزجر.
إذا ثبت هذا فإنه إذا وجد فيه ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة، أو القتل للردة، أو القتل لترك الصلاة فينبغي ان يقتل للمحاربة ويسقط غيره؛ لأن في
стр. 4737
القتل للمحاربة حق آدمي. في القصاص. وإنما أثرت المحاربة بتحتمه (١) ، وحق الآدمي يجب تقديمه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن فيها قتل وهي من أجناس؛ كمن زنى وهو غير
محصن، وشرب الخمر وسرق: (وجب أن يبدأ بالأخف فالأخف). فيحد للشرب أولا، ثم يحد للزنا، ثم يحد بالقطع للسرقة.
(وتستوفى حقوق آدمي كلها)، سواء كان فيها قتل أو لم يكن، (ويبدأ بغير
قتل الأخف فالأخف وجوبا). فلو اجتمع على إنسان حد قذف وقطع عضو وقتل استوفيت كلها منه (٢) ؛ لأنها حقوق لآدميين أمكن استيفاؤها كلها. فوجب؛ كسائر الحقوق؛ لأن ما دون القتل حق لآدمي. فلا يسقط بالقتل؛ كديونهم. وفارق حق الله فإنه مبني على المسامحة. فيحد للقذف، ثم يقطع منه نظير ما قطعه تعديا ثم يقتل.
(وكذا لو اجتمعت) على إنسان حقوق آدمي (مع حدود الله) سبحانه و (تعالى.
ويُبدأ بحق آدمي. فلو زنى وشرب وقذف وقطع يدا: قطع) أي: قطعت
يده أولا؛ لأنه محض (٣) حق آدمي بدليل سقوطه بإسقاطه، (ثم حد لقذف)؛ لأنه مختلف في كونه حق لآدمي (٤) ، (ثم لشرب، ثم لزنا.
لكن: لو قتل) من يكافئه عمداً (وارتد، أو سرق) ما يجب فيه القطع (وقطع يدا: قتل) لهما (أو قطع لهما) في الأصح؛ لأن محل الحقين واحد فتداخلا.
(ولا يستوفى حد حتى يبرأ ما قبله)؛ لئلا يؤدي توالي الحدود عليه إلى تلفه.
стр. 4738
[فصل: فيمن جنى خارج الحرم ثم لجأ إليه]
(فصل. ومن قتل أو أتى حدا خارج) حرم (مكة ثم لجأ، أو) لجأ (حربي، أو) لجأ (مرتد إليه: حرم أن يؤاخذ، حتى بدون قتل، فيه) أي: في الحرم على الأصح؛ لقوله : ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: فأمنوه؛ لأنه خبر أريد به الأمر.
و ((لأنه ﷺ حرم سفك الدم بمكة)) (١) .
ولقوله ﷺ : ((فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم)) (٢) .
ولقوله ﷺ : ((إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم)) (٣) رواه أحمد.
من حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي شريح.
وقال ابن عمر: ((لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته (٤) ) رواه أحمد.
(لكن: لا يبايع ولا يشارى). وفي ((المستوعب)) و ((الرعاية)) ونقله
أبو طالب: (ولا يكلم). وزاد في ((الروضة)): ولا يؤاكل ولا يشارب (حتى يخرج) منه، (فيقام عليه). وإنما كان كذلك؛ لأنه لو لم يمنع من ذلك لتمكن من الإقامة دائما فيضيع الحق الذي عليه.
стр. 4739
(ومن فعله) أي: قتل أو أتى حدا (فيه) أي: في الحرم: (أخذ) بالبناء للمفعول (به) أي: بالذي فعله (فيه) أي: في الحرم؛ لما روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ((من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث من شيء)).
(ومن قوتل فيه) أي: في الحرم: (دفع عن نفسه فقط)؛ لقول الله : ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فأباح قتلهم عن قتالهم في الحرم.
ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم. فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لابد منها.
ولأن الجانى في الحرم هاتك لحرمته فلا ينتهض لتحريم دمه وصيانته، بمنزلة الجانى في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك.
(ولا تعصم الأشهر الحرم شيئا: من الحدود والجنايات). [ويباح القتال
في الشهر الحرام دفعا عما (١) له الدفع عنه] (٢) .
(وإذا أتى غاز حدا أو) أتى (قودا) وهو (بأرض العدو: لم يؤخذ به) أي: بما أتاه مما ذكر (حتى يرجع إلى دار الإسلام)؛ لأنه ربما تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار.
والأصل في ذلك ما روى بشير بن أرطأة ((أنه أتي برجل في الغزاه قد سرق بختية. فقال: لولا أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقطع الأيدي في الغزاة لقطعتك " (٣) . أخرجه أبو داود وغيره.
стр. 4740
ولأنه إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فروى سعيد بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه ((أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى الناس: أن لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا)) (١) .
وعن أبي الدرداء مثل ذلك (٢) .
فأما إذا رجع فإنه يقام عليه الحد؛ لعموم الايات والأخبار. وإنما أخر لعارض
فإن زال أٌقيم الحد؛ لوجود مقتضيه وانتفاء معارضته. ولهذا قال عمر: ((حتى يقطع الدرب قافلاً)).
стр. 4741
[باب: حد الزنا]
هذا (باب حد الزنا. وهو: فعل الفاحشة في قُبُل أو) فى (دُبُر). وهو من
أكبر الكبائر.
وقد أجمع المسلمون علي تحريمه؛ لقول الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقوله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
وقد كان حد الزنا في صدر الإسلام الحبس للنساء والأذى بالكلام. وهو المذكور في قوله : ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].
قال بعض أهل العلم المراد بقوله: ﴿مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ الثيب؛ لأن قوله:
﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ولا فائدة في إضافته هنا نعلمها إلا اعتبار الثيوبة.
ولأنه قد ذكر عقوبتين إحداهما أغلظ من الأخرى فكانت الأغلظ للثيب والأخرى للبكر؛ كالرجم والجلد.
ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: ((خذوا عني
خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام،
стр. 4742
والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (١) . رواه مسلم.
فإن قيل: كيف ينسخ القرآن بالسنة؟
قلنا: قد ذهب أصحابنا إلى جوازه، لأن الكل من عند الله
وإن اختلف طريقه، ومن منع ذلك قال: ليس هذا نسخاً إنما هو تفسير للقرآن وتبيين له، لأن النسخ رفع حكم ظاهر الإطلاق، فاً ما ما كان مشروطا بشرط وزال الشرط لا يكون نسخا، وهاهنا شرط الله حبسهن إلى أن يجعل الله لهن سبيلاً، فبينت السنة السبيل، فكان بيانا لا نسخاً. إذا تقرر هذا فإنه (إذا زنى) مكلًفُ (مُحصنُ وجب رجمه حتى يموت)،
لأنه فد ثبت عن رسول الله ﷺ الرجم بقوله وفعله في أخبار كثيرة، وأجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ . وقد أنزل الله في كتابه، وإنما نسخ رسمه دون حكمه فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إن الله تعالى بعب محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب. فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها وعقلتها ووعيتها. رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس زمان يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله . فالرجم حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت به البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. وقد قرأتها: الشيخ (٢) والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)) (٣) . متفق عليه.
(ولا يُجلَد قبله) مائة على الأصح. نقله الأكثر عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، كالردة. واختاره الأثرم والجوزجانى وابن حامد وأبو الخطاب وغيرهم. وجزم به في ((التنقيح)).
стр. 4743
وعنه: يجلد مائة قبل الرجم. اختاره الخرقي والقاضي وجماعة.
قال أبو يعلى الصغير: اختاره شيوخ المذهب.
وقال ابن شهاب: اختاره الأكثر.
(ولا ينُفى) أيضا.
واستدل من قال بالجلد قبل الرجم بحديث عبادة (١) .
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة: أنه أول حد نزل،
وأن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله ﷺ ولم يجلده، وعمر رضي الله تعالى عنه رجم ولم يجلد. ونقل عنه إسماعيل نحو هذا.
ولأن عدم الجلد آخر الأمرين من رسول الله ﷺ فيجب تقديمه.
ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سوى القتل فالحد الواحد أولى. (والمحصَن: من وطئ زوجته بنكاح صحيح، ولو كتابية، في قٌبُلها ولو
في حيض، أو صوم، أو إحرام، ونحوه)؛ كوطئها في النفاس والمسجد (وهما) أي: والزوجان (مكلفان حُرَان، ولو) كان الزوجان (ذمِيين أو مستأمنَين) حال الوطء. ويحد المستأمن إذا زنى وهو مسلم أو ذمي (٢) .
إذا علمت ذلك فيشترط للإحصان شروط سبعة:
أحدها: الوطء في القبل. ولا خلاف في اشتراطه، ولا في أن النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر؛ لأن هذا لا تصير به المرأة ثيباً ولا تخرج به عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام، وبمقتضى الخبر.
الثاني: ان يكون الوطء في نكاح؛ لأن النكاح يسمى إحصانا؛ بدليل
قول الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٤] يعني:
стр. 4744
المتزوجات. ولا خلاف بين أهل العلم في أن وطء الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصنا؛ كوطء التسري.
الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً، وفاقاً لمالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه وطء في غير ملك. فلم يحصل به الإحصان؛ كوطء الشبهة.
الرابع: الحرية؛ لقول الله . في حق الأرقاء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص.
الخامس والسادس: البلوغ والعقل. فلو وطئ وهو صبي أو مجنون ثم بلغ
أو عقل لم يكن محصناً؛ لقول النبي ﷺ " والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (١) فاعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله. ويفارق الإحصان الإحلال؛ لأن اعتبار الوطء في حق المكلف يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره؛ لأن هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس، فاعتبره الشرع زجراً له عن الطلاق الثلاث. وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون. بخلاف الإحصان فإنه اعتبر لكمال النعمة، فإن من كملت النعمة في حقه كانت جنايته أفحش وأحق بزيادة العقوبه. والنعمة في العاقل البالغ أكمل.
الشرط السابع على الأصح: أن يوجد الكمال في الزوجين حال الوطء بأن يطأ الزوج العاقل الحر زوجته العاقلة الحرة، وأما الإسلام فليس بشرط للإحصان على الأصح. فلو وطئ المسلم زوجته الذمية وهما حال الوطء بالغان عاقلان حران صارا محصنين؛ كما لو كانا ذميين. وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " جاء اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلاً وامرأة منهم زنيا. . . وذكر الحديث. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما " (٢) . متفق عليه.
стр. 4745
(ولا يسقط) إحصان الكافرين إذا أحصنا وهما كافران (بإسلام).
قال في ((المحرر)): نص عليه.
(وتصير هي) أي: الموطوءة (أيضا مُحصَنة) حيث كانا حال الوطء متصفين بالصفات المتقدمة.
(ولا إحصان لواحد منهما) أي: من الواطئ والموطوءة، (مع فَقْدِ شيء
مما ذكر) من الشروط المذكورة.
(ويثبت) إحصانه (بقوله) أي: قول الرجل عن زوجته: (وطِئتُها أو جامعتُها) والأشهَر: (أو دخلتُ بها)، لأن المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة.
وأما إذا قال: جامعتها أو باضعتها، فقال في ((شرح المقنع)): لا نعلم خلافاً في ثبوت الإحصان. قال: وكذلك ينبغي إذا قال: وطئتها، وإن قالت: باشرها أو أصابها أوأتاها فينبغي أن لا يثبت به الإحصان، لأن هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيراً فلا يثبت به الإحصان الذي يندرئ بالاحتمال.
و (لا) يثبت الإحصان (بولده منها) أي: بوجود ولد الزانى من امرأة (مع إنكار وطئها)، لأن الولد يلحق بإمكان الوطء، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء. فلا يلزم من ثبوت ما يكتفى به في الإمكان وجود ما يعتبر فيه الحقيقة. وهكذا لو كان لامرأة ولد من زوج فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها كذلك.
وإذا جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصناً رجم، لما روى جابر ((أن رجلاً
زنى بامرأة فأ مر به رسول الله ﷺ فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فرجم)) (١) . رواه أبو داود.
ولأنه إن وجب الجمع بينهما فقد أتي ببعض الواجب فيجب إتمامه، وإلا
стр. 4746
فقد تبين أنه لم يأت بالحد الواجب فيجب أن يأتي به.
ويكفن المحدود بالرجم ويغسل ويصلى عليه إن كان مسلما، خلافاً لبعض
أهل العلم في الصلاة عليه.
قال الإمام أحمد: سئل علي رضي الله تعالى عنه عن شراحة وكان رجمها فقال:
((اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وصلى علي رضي الله تعالى عنه عليها)) (١) . ووجه ذلك: ما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين في حديث الجهنية ((فاًمر بها النبي ﷺ فرجمت. ثم أمرهم فصلوا عليها. فقال عمر: يا رسول الله! نصلي عليها وقد زنت؟ فقال: والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها)) (٢) . رواه الترمذي. وفيه: ((فرجمت وصلى عليها)) وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنه مسلم لو مات قبل الحد صُلي عليه. فيصلى عليه بعده؛ كالسارق.
(وإن زنا حر غير محصن: جُلد مائة) جلدة بلا خلاف، (وغُرِب عاماً) على الأصح، (ولو) كان الزانى (أنثى) على الأصح. سواء كان الزانى مسلماً أو كافراً؛ لأنه حد ترتب على الزنا. فوجب على الكافر؛ كوجوب القود في القتل والقطع في السرقة.
والأصل في ذلك قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وجاءت الأحاديث موافقة لما في القرآن.
فروى ابن عمر ((أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب،
وأن عمر ضرب وغرب)) (٣) . رواه الترمذي.
стр. 4747
ويكون تغريب الأنثى (بمحْرم باذلٍ) نفسه معها (وجوباً، وعليها أجرته) أي: أجرة المحرم في الأصح. (فإن تعذرت) أجرته (منها: ف) إنها تكون (من بيت المال.
فإن أبى) المحرم الخروج معها، (أو تعذر) المحرم بأن لم يكن لها محرم: (ف) إنها تنفى (وحدها إلى مسافة قصر) على الأصح كالرجل؛ كسفر الهجرة وكالحج إذا مات المحرم في الطريق.
(ويغرب غريب) زنى في غير بلده (ومغرب) زنى في زمن تغريبه، (إلى
غير وطنهما)؛ لوجوب التغريب على كل حر زنى وهو غير محصن.
قال في ((الإنصاف)): [لو زنى] (١) حال التغريب غرب من بلد الزنا. فإن
عاد إليه قبل الحول منع. وإن زنى في الآخر غرب إلى غيره. انتهى.
(وإن زنى قن) أي: كامل الرق: (جلد خمسين) جلدة؛ لقوله : ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. والعذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير. فينصرف التنصيف إليه دون غيره. بدليل أنه لا يتصرف إلى تنصيف الرجم؛ لتعذر تنصيفه.
(ولا يغرب)؛ لأن التغريب في حق القن عقوبة لسيده دونه. فلم يجب في
الزنا؛ كا لتغريم.
بيان ذلك: أن العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه ويترفه بتغريبه من الخدمة ويتضرر سيده بتفويت خدمته، والخطر يخروجه من تحت يده، والكلفة في حفظه والإنفاق عليه مع بعده عنه فيصير الحد مشروعا في حق غير الزاني والضرر على غير الجانى.
(ولا يعير)؛ لقول النبي ﷺ : ((فليجلدها ولا يثرب بها)) (٢) .
قال في ((القاموس)): وثربه وعليه وأثربه: لامه، وعيره بذنبه. انتهى.
стр. 4748
(ويجلد ويغرب مبعض) زنى (بحسابه). فإن كان نصفه حرا فحده خمس وسبعون جلدة، ويغرب نصف عام. نص أحمد على ذلك، ويكون زمن التغريب محسوبا على المبعض من نصيبه الحر. وإن كان ثلثه حرا فمقتضى ما تقدم: أنه يلزمه ثلثا حد الحر وهو ست وستون جلدة وثلثان ويسقط الكسر؛ لأن الحد متى دار بين الوجوب والإسقاط سقط. والمدبر والمكاتب وأم الولد بمنزلة القن في الحد؛ لأنه رقيق كله.
(وإن زنا محصن ببكر: فلكل) من المحصن والبكر (حده)؛ لما روى
أبو هريرة وزيد بن خالد ((أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ . فقال أحدهما: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته. وإنني افتديت منه بمائة شاة ووليدة. فسألت رجالأ من اهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، والرجم على امرأة هذا. فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: على ابنك جلد مائة وتغريب عام. وجلد ابنه مائة وغربه عاما، وامر أنسا الأسلمي يأتي امرأة الآخر. فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها)) (١) . متفق عليه.
(وزان بدات محرم) مثل: أخته وبنت أخيه (كـ) زان (بغيرها) على الأصح.
وعنه: فيمن وطئ ذأت محارمه يقتل بكل حال.
والأول المذهب؛ لأنه أولج فرجه في فرج امرأة لا تحل له حالتئذ (٢) .
(ولوطي- ناعل ومفعول به- كزان) على الأصح. يعني: أنه إن كان محصنا فحده الرجم، وإن لم يكن محصمنا جلد مائة وغرب عاما؛ لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان)) (٣) .
стр. 4749
ولأنه فرج مقصود بالاستمتاع. فوجب فيه الحد؛ كفرج المرأة.
(ومملوكه كأجنبي) يعني: أن حكم من لاط بمملوكه حكم من لاط بأجنبي؛ لأن الذكر ليس بمحل الوطء. فلا يؤثر ملكه له.
(ودبر اجنبية كلواط) في الأصح. ذكره في ((الترغيب)).
وقيل: كز نا.
وعلى القولين: لو وطئ زوجته أو مملوكته في دبرها كان ذلك محرما ولا
حد فيه؛ لأن المرأة محل للوطء في الجملة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد. بخلاف. التلوط.
(ومن أتى بهيمه) ولو سمكة: (عزر) فقط على (١) الأصح. روي ذلك
عن ابن عباس. وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه لم يصح فيه نص.
ولا يمكن قياسه على الوطء في فرج الآدمي؛ لأنه لا حرمة له والنفوس تعافه. (وقتلت) البهيمة المأتية على الأصح، سواء كانت مأكولة أو غير مأكولة،
(لكن) لا تقبل إلا (بالشهادة على فعله بها) إن لم يكن يملكها؛ لأن إقراره بذلك إقرار على ملك غيره. فلم يقبل؛ كما لو أقر على غير (٢) مالكها.
(ويكفي إقراره: إن ملكها)؛ لأن ذلك إقرار على نفسه فيؤخذ به.
(ويحرم أكلها) يعني: ان إتيانه إياها يحرم أكلها إن كانت مما يؤكل في الأصح؛ لأن لحمها لحم حيوان وجب قتله لحق الله . فحرم أكله؛ كسائر المقتولات لحق الله : (فيضمنها) آتيها بقيمتها كاملة؛ لأنها أتلفت بسببه (٣) . اشبه ما لو قتلها.
стр. 4750
[فصل: في شروط حد الزنا]
(فصل. وشروطه) أي: شروط حد الزنا الموجبة له (ثلاثة):
أحدها: (تغييب حشفة أصلية، ولو) كانت الحشفة (من خصي) أي: مقطوع الخصيتين، (أو) تغييب (قدرها) اي: قدر الحشفة (لعدم) أي: لعدم وجود الحشفة (في فرج أصلي) أي: بأن يكون تغييب الحشفة في فرج أصلي، (من آدمي حي، ولو) كان الفرج المغيب فيه (دبرا).
فقوله: تغييب احتراز ممن لم يغيب؛ كمن أصاب بذكره باب الفرج.
وقوله: حشفة احتراز ممن غيب بعض الحشفة، فإن ذلك لا يسمى زنا، إذ اللواط لا يتم بدون تغييب جميع الحشفة؛ لأنه القدر الذي تثبت به أحكام الوطء في القبل وغيره.
وقوله: ولو دبرا ليدخل اللواط ووطء المرأة في الدبر؛ لأنه فاحشة.
وعلم مما تقدم: أن من وطئ أجنبية لا تحل له دون الفرج لم يلزمه حد؛
لما روى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ((أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إنى وجدت امرأة في البستان فاً صبت منها كل شيء غير أني لم أنكحها. فافعل بي ما شئت. فقرأ عليه النبي ﷺ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (١) رواه النسائي.
ويعزر؛ لأنها معصية ليس فيها حد ولا كفارة. لكن ظاهر الحديث يدل على
أنه لا تعزير عليه إذا جاء تائبا؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله.
стр. 4751
وعلم أيضا مما تقدم أن المرأه إذا اتت المرأة لم تحد واحدة منهما؛ لأن
ذلك لا يتضمن إيلاجا. أشبه المباشرة دون الفرج.
الشرط (الثاني) من شروط حد الزنا: (انتفاء الشبهة)؛ لقوله ﷺ :
((ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم)) (١) .
(فـ) يتفرع على ذلك (لو وطئ زوجته في حيض أو نفاس أو) في (دبر) أي: دبرها فلا حد عليه ولا عليها؛ لأن وطئه صادف ملكا فكان شبهة يدرأ بها الحد. أشبه ما لو وطئ أمته قبل استبرائها.
(أو) وطئ (أمته المحرمة أبدا برضاع أو غيره)؛ كما لو كانت أم زوجته،
او كانت موطوءة أبيه أو ابنه، (أو) وطئ أمته (المزوجة، أو) أمته (المعتدة، أو المرتدة، او) أمته (المجوسيه، أو) وطئ (أمة له) فيها شرك، (أو لولده) فيها: شرك، (أو) لى (مكاتبه) فيها شرك، (أو لبيت المال فيها شرك) فلا حد في ذلك على الأصح؛ لشبهة ملك الواطئ أو ملك ولده؛ لتمكن الشبهة في ملك ولده؛ لقول النبي ﷺ : ((أنت ومالك لأبيك)) (٢) . فأضاف مال ولده إليه وجعله له. فإذا لم يثبت حقيقة الملك فلا أقل من جعله شبهة، وكشبهة ملك مكاتب الواطئ، أو كانت الأمة لبيت المال وكان الواطئ حزا مسلما؛ لأن (٣) له حقا في بيت المال.
والأصل في ذلك كله ما روى أبو هريرة رضي الله تعالي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا)) (٤) . رواه ابن ماجه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ادرأوا
стр. 4752
الحدود عن المسلمين ما استطعتم. فإن كان له مخرج فخلوا سبيله. فإن الإمام أن يخطى في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)) (١) . رواه الترمذي.
(أو) تكون الشبهة قول بعض العلماء بحل الوطء، كالوطء (في نكاح) مختلف فيه، (أو) في (ملك مختلف فيه) وهو (يعتقد تحريمه) أي: تحريم النكاح: (كـ) نكاح (متعة، أو) نكاح (بلا ولي، أو) في (شراء فاسد بعد قبضه) أي: قبض المبيع، لأن البائع بإقباضه الأمة (٢) صار كأنه أذن له في فعل ما يملكه بالبيع الصحيح ومنه الوطء.
وقيل: لا يحد ولو قبل القبض.
(أو) شراء (بعقد فضولي ولو قبل الإجازة) فإنه لا حد في ذلك على الأصح،
لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ((إذا اشتبه عليك الحدود فادرأ ما استطعت)) (٣) . ولأن تمحض الحد يستدعي تمحض الجناية. فإذا دخلتها الإباحة من وجه
كان ذلك مسقطا للحد، لأنه لم تكمل (٤) الجناية فيه.
(أو) يكون للواطئ شبهة الملك في الموطوءة ظنا؛ كمن وطئ (امرأة) وجدها (على فراشه أو في منزله ظنها زوجته أو أمته، أو ظن أن له) فيها شرك، (أو) ظن أن (لولده فيها شرك)، أو دعى الضرير امرأته أو أمته فأجابه غيرها فوطئها فإنه لا حد في ذلك؛ لأنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه. فأشبه من نكح وأتي له بامرأة فقيل له: هذه زوجتك فوطئها.
(أو) يكون الزانى ممن (جهل (٥) تحريمه) أي. تحريم الزنا: (لقرب إسلامه، أو نشوئه ببادية بعيدة) من القرى.
стр. 4753
(أو) جهل (تحريم نكاح باطل إجماعا) وطئ فيه وادعى جهل التحريم (ومثله يجهله)، لأن عمر رضى الله تعالى عنه قبل قول مدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، فإنه لا حد على من لم يعلم التحريم مع إمكان جهله. أما من نشأ بين المسلمين وادعى الجهل بالتحريم لا يقبل منه؛ لأن ذلك لا يخفى على من هو كذلك.
(أو) يكون الواطئ (ادعى انها) أي: الموطوءة (زوجته وانكرت) زوجيته: (فلا حد) عليه؛ لأن دعواه بذلك شبهة تدرأ الحد عنه لاحتمال صدقه. (ثم إن أقرت) الموطوءة (أربعا) أي: أربع مرات (بأنه) أي: أن وطأه إياها وهي مطاوعة عالمة بالتحريم (زنى: حدت) وحدها.
نقل مهنا: لا حد ولا مهر بقوله: إنها امرأته وأنكرت هي وقد أقرت على
نفسها بالزنا.
(و) أما (إن وطئ) مكلف امرأة (في نكاج باطل إجماعا مع علمه) بكون النكاح محرما بالإجماع؛ (كنكاح مزوجة أو معتدة) من غير زنا؛ لأن في نكاح المعتدة من زنا خلافا في صحته، (أو خامسة، أو ذات محرم من نسب أو رضاع) حد؛ لأنه وطء لم يصادف ملكا ولا شبهة ملك. فأوجب الحد؛ عملا بالمقتضى.
وقد روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: ((أنه رفع له امرأة تزوجت في عدتها. فقال: هل علمتما؟ فقالا: لا. فقال: لو علمتما لرجمتكما)) (١) . رواه أبو نصر المروذي.
(أو زنا بحربية مستأمنة، أو بمن استأجرها لزنا أو غيره) حد؛ لأن الأمان والاستئجار سببان لا يستباح بهما البضع. فيكون واطئا وطئا محرما في فرج لا يباح له. فيجب بذلك الحد؛ كغيرهما من الزنا.
(أو) زنى مكلف (بمن) أي: بامرأة (له عليها قود) حد لأنه وطئ في
стр. 4754
غير ملك من غير شبهة. فوجب عليه الحد؛ كما لو وطئ من له عليها دين.
(أو) زنى (بامرأة ثم تزوجها، أو) زنى بأمة ثم (ملكها) حد؛ لأن الحد وجب بوطئها وهي أجنبية. فلا يسقط بتغير حالها؛ كما لو ماتت.
(أو أقر عليها) أي: على امرأة بأنه زنى بها، بأن قال: زنيت بفلانة وهي حاضرة (فسكتت) بأن لم تصدقه ولم تكذبه، (أو جحدت) بأن كذبته حد، خلافا لأبي حنيفة فيما إذا جحدت.
(أو) زنى مكلف (بمجنونة، أو صغيرة يوطأ مثلها) وهي: من تم لها تسع سنين حد؛ لأن سبب السقوط في الموطوءه غير موجود في الواطئ. فوجب أن يثبت الحكم في الواطئ دون الموطوءة؛ لعدم المسقط.
(أو) وفى المكلف (أمته المحرمة بنسب) حد؛ لأنها تعتق عليه بمجرد الملك فتصير أجنبية منه.
قال في ((شرح المقنع)): لا نعلم فيه خلافا؛ لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة.
(أو) زنى رجل مكلف حال كونه (مكرها) على الزنا حد على الأصح.
واختاره الأكثر؛ لأن وطئ الرجل لا يكون إلا مع انتشار، والإكراه ينافيه. فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه. فيلزمه الحد؛ كما لو أكره على غير الزنا فزنى. وعنه: لا يحد؛ كامرأة مكرهة وغلام.
(أو) زنى مكلف (جاهلا بوجوب العقوبة) على الزنا مع العلم بتحريمه: (حد).
قال في ((الفروع)): ولا يسقط الحد بجهل العقوبة إذا علم التحريم لقضيه ماعز. انتهى.
ووجه ذلك والله أعلم (١) : أنه أقدم على محرم يعتقد تحريمه. فوجب عليه
ما قدره الشارع في ذلك المحرم من العقوبة.
стр. 4755
(وإن مكنت مكلفة- من نفسها- مجنونا، أو) صغيرا (مميزا، أو من) أي: إنسانا (يجهله) أي: يجهل تحريم الزنا، (أو) أمكنت من نفسها (حربيا، أو مستأمنا) فوطئها أحد هؤلاء، (أو استدخلت) في فرجها أو دبرها (ذكر نائم: حدت)، لأن سقوط الحد عن الواطئ لا يكون شبهة في سقوط الحد عنها، لوجود المسقط فيه دونها.
(لا: إن أكرهت) مكلفة على الزنا، (أو) أكره (ملوط به) على اللواط (بإلجاء)، وهو: أن يغلب الواطئ المزنى بها على نفسها، أو يغلب الملوط به على نفسه، (أو) بـ (تهديد) بقتل أو ضرب أو نحوهما، (أو) بـ (منع طعام، أو) منع (شراب مع اضطرار ونحوه فيهما) أي: في المزنى بها وفي الملوط به. نص على ذلك أحمد في راع جاءته امرأه قد عطشت فسألته أن يسقيها. فقال لها: أمكنيني من نفسك. قال: هذه مضطرة.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ((أن امرأة استسقت راعيا. فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها. ففعلت. فرفع ذلك إلى عمر، فقال لعلي: ما ترى فيها؟ قال: إنها مضطرة. فأعطاها عمر شيئا وتركها)). الشرط (الثالث) من الشروط الموجبة لحد الزنا: (ثبوته) أي: ثبوت
الز نا، (وله) أي: ولثبوته (صورتان:
إحداهما) أي: إحدى الصورتين: (أن يقر به مكلف- ولو) كان المكلف (قنا) أو مبعضا- (أربع مرات)؛ لما في حديث ماعز المروي من طرق عن ابن عباس وجابر وبريدة وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم. قال: ((كنت جالسا عند النبي ﷺ فجاء ماعز بن مالك. فاعترف عنده مرة فرده. ثم جاء فاعترف عنده الثالثة، فقلت له: إنك إن اعترفت عنده الرابعة رجمك. فاعترف الرابعة فحبسه. ثم سأل عنه فقالوا: لا نعلم إلا خيرا. قال: فمر برجمه)) (١) .
стр. 4756
حتى (ولو) كان الاعتراف (في مجالس)؛ لأن ماعزا أقر عنده أربعا في مجلس واحد، والعامرية أقرت عنده بذلك في مجالس. فروى بريدة: ((أن النبي ﷺ جاءته امرأة من بني عامر من الأزد. فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك ترددنى كما رددت ماعز بن مالك. قال: وما زال حتى قالت: إني حبلى. قال: فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك. قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي ﷺ . فقال: قد وضعت العامرية. فقال: إذا لا نرجمها وندع (١) ولدها صغيرا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار. فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها)) (٢) . رواه مسلم والدارقطني وقال: حديث حسن صحيح.
وفي لفظ قال: ((جاءت العامرية (٣) . فقالت: يا رسول الله! إنى قد زنيت فطهرنى. وإنها ردها فلما كان الغد. قالت: يا رسول الله! ترددنى كما رددت ماعزا فوالله إنى لحبلى. قال: فاذهبي حتى تلدي. فلما ولدت (٤) أتته بالصبي في خرقة. قالت: هذا قد ولدته. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز. فقالت (٥) : يا نبي الله! هذا قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر بها فحفر لها (٦) وأمر الناس فرجموها. ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت)) (٧) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود
стр. 4757
(ويعتبر أن يصرح) المقر (بذكر حقيقة الوطء)؛ لأن ابن عباس قال:
" لما أتى ماعزا بن مالك النبي ﷺ . قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت. قال: لا. يا رسول الله! قال: أنكتها؛ لا يكني قال: نعم. فعند ذلك أمر برجمه " (١) . رواه البخاري وأبو دا ود.
وفي حديث أبي هريرة: " قال للأسلمي: أنكتها؛ قال: نعم. قال: كما
يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر. قال: نعم. قال: فهل تدري ما الزنا؛ قال: نعم. أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا. قال: فما تريد بهذا القول؛ قال: أريد أن تطهرنى قال: فأمر به فرجم " (٢) . رواه أبوداود
والدارقطني.
ولأنه إقرار يوجب ما يدرأ بالشبهة. فلم يحتمل الكناية؛ لأن الكناية تحتمل
ما لا يوجب الحد فيكون ذلك الاحتمال سببا في سقوط الحد. فلم يثبت الإقرار بالكناية لذلك.
و (لا) يعتبر أن يصرح (بمن زنى) بها. فلو أقر أنه زنى بفلانة فكذبته فعليه الحد دونها؛ لما روى أبو داود بإسناده عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ : " أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة فسماها. فبعث رسول الله ﷺ إلى المرأة فسألها عن ذلك. فأنكرت أن تكون زنت. فجلده الحد وتركها " (٣) .
ولأن انتفاء ثبوته في حقها لا يبطل إقراره؛ كما لو سكتت، أو كما لو لم
تسأل.
стр. 4758
(و) يعتبر (أن لا يرجع) المقر عن إقراره (حتى يتم الحد)، لأن من شرط إقامة الحد بالإقرار: البقاء عليه إلى تمام الحد. (فلو) رجع عن إقراره أو هرب كف عنه. وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك والشافعي.
ولو (شهد أربعة على إقراره به) أي: بالزنا (أربعا) أي: أربع مرات، (فأنكر، أو صدقهم دون أربع) اي: دون أربع مرات: (فلا حد عليه) على الأصح، (ولا على من شهد).
أما كونه لا حد عليه، فلأن إنكاره وتصديقه دون أربع مرات رجوع عن إقراره.
وأما كون الشهود لا يحدون، فلأن نصاب شهود الزنا كامل فيهم، بدليل أنه
لو صدقهم أربع مرات حد ما لم يرجع عن إقراره.
الصورة (الثانية): ثبوت الزنا بالشهاده على الفعل. ويشترط في ثبوته بالشهادة عليه خمس شروط تضمنها قوله: (أن يشهد عليه) أي: على الزانى (في مجلس) واحد، (أربعة رجال، عدول ولو جاؤا متفرقين) أي: واحدا بعد واحد، (أو صدقهم بزنا واحد ويصفونه) الشهود.
الشرط الأول: أن يكون الشهود أربعة. وهذا إجماع (١) لا خلاف فيه بين
أهل العلم، لقوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
و" قال سعد بن عباده لرسول الله ﷺ : أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؛ فقال النبي ﷺ : نعم " (٢) . رواه مالك في " الموطأ " وأبو داود.
الشرط الثانى: أن يكونوا رجالا كلهم، لأن لفظ الأربعة اسم لعدد
الذكور.
стр. 4759
ولأن في شهادة النساء شبهة؛ لتطرق الضلال إليهن. قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والحدود تدرأ بالشبهات.
الشرط الثالث: أن يكونوا عدولا. ولا خلاف في اشتراط العدالة هنا. فلا
تقبل شهادة مستور الحال؛ لجواز أن يكون فاسقا.
الشرط الرابع: أن يشهدوا في مجلس واحد؛ لأن أبا بكرة ونافعا وشبل بن
سعيد شهدوا. عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يشهد زياد فحد الثلاثة (١) . ولو لم يكن اتحاد المجلس شرطا لجاز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.
ولأن تخلف بعض الشهود (٢) عن مجلس الشهادة وهم عدم اتفاقهم على الشهادة. فيصير ذلك شبهة في كذبهم؛ كما لو كانوا ثلاثة لارابع لهم. والمشترط اجتماعهم عند الشهادة، لكن لو جاؤا [واحدا بعد واحد ولم يؤدوا الشهادة إلا بعد كمالهم واجتماعهم صح. ولذلك قلت: ولو جاؤا] (٣) متفرقين. فإنه يتعذر إتيان الجميع دفعة واحدة. وفي حديث قصة المغيرة أنهم جاوا واحدا بعد واحد ولم يمنع ذلك من استماع شهادتهم.
الشرط الخامس: أن يصف الشهود صورة الزنا فيقولون رأينا ذكره في
فرجها؛ كالمرود في المكحلة، والرشا في البئر، لأن النبي ﷺ لما أقر عنده ماعز قال له: " أنكتها؛ لا يكني. قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر. قال: نعم " (٤) . وإذا اعتبر الصريح في الإقرار فالشهادة أولى؛ لأن الشهود إذا لم يصفوا الزنا أمكن أن يكون المشهود به أمرا لا يوجب الحد فلا يثبت الزنا بذلك، فلذلك وجب وصفه صريحا.
وقد روى أبو داود بإسناده عن جابر قال: " جاءت اليهود برجل منهم وامرأة
стр. 4760
زنيا. فقال النبي ﷺ : ائتونى بأعلم رجلين منكم. فتوا بابني صوريا. فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة؛ قالا: نجد في التوراه أنه إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: فما يمنعكم
أن ترجموهما؟ قالا (١) : ذهب سلطاننا وكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاء أربعة. فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة.
فأمر النبى ﷺ برجمهما " (٢) .
لكن لو شهدوا أنهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها كفى؛ لأن التشبيه إنما هو
تأكيد.
قال بعض أهل العلم: ويجوز للشهود أن ينظروا إلى ذلك عيانا (٣) من
الزانيين؛ لإقامة الشهادة عليهما ليحصل الردع.
ولا فرق في ذلك بين أن يصدقهم المشهود عليه أو لا؛ لأن البينة إنما يحتاج
إليها عند الإنكار. فلو اشترط تصديق المشهود عليه كان الحكم مستندا للإقرار
فلا يكون للبينة فائدة، لأنه لا يعمل بها حتى يصدقها. فيكون وجود البينة كعدمها. ولا يشترط في الشهود الحرية على المذهب.
إذا تقرر هذا (فإن شهدوا في مجلسين فأكثر)، بأن جاء بعضهم فشهد، ثم
لم يأت البعض الباقي حتى قام الحاكم من مجلسه فشهدوا عنده في مجلس آخر أو
أكثر حد الجميع للقذف. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة. وخالف الشافعي " لكون المجلس لم يذكر في القرآن.
ولأن كل شهادة مقبولة في مجلس تكون مقبولة إذا كانت في مجالس كباقي
الشهادات.
ولنا. أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بالزنا
стр. 4761
ولم يشهد زياد فحد الثلاثة (١) . ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.
ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم الحاكم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته. ولولا اشتراط المجلس لكملت. وبهذا تفارق سائر الشهادات.
وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط ولهذا لم يذكر فيها العدالة ولا صفة الزنا. ولأن قوله : ثُمَّ لَمْ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]،
لا يخلو من أن يكون مطلقا في الزمان كله أو مقيدا، لا يجوز أن يكون مطلقا؛ لأن ذلك يمنع من جواز جلدهم؛ لأنه ما من زمن إلا يمكن أن يأتي فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنيع جلدهم المأمور به فيكون متناقضا. وإذا ثبت أنه مقيد فيكون بالمجلس؛ لأن المجلس كله بمنزلة الحالة الواحدة ولهذا ثبت فيه الخيار للمتبايعين واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر فيه القبض (او امتنع بعضهم) أي: بعض الشهود من أداء الشهادة، (أو لم يكملها) أي: لم يكمل الشهادة بعض الشهود حد من شهد منهم للقذف على الأصح وفاقا ل لآية الثلاثة؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وهذا
يوجب الجلد على كل رام لم يشهد بما قاله أربعة.
ولأنه إجماع الصحابة [فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة] (٢) فلم ينكره أحد.
(أو كانوا) أي: كان الشهود كلهم (أو بعضهم لا تقبل شهادتهم فيه) أي:
في الزنا: (لعمى، أو فسق، أو لكون أحدهم زوجا حدوا (٣) للقذف) على الأصح؛ لأنها شهادة لم تكمل. فوجب الحد على الشهود؛ كما لو يكمل العدد، و (كما لو بان مشهود عليه مجبوبا، أو) بانت مشهود عليها (رتقاء) فإنهم
стр. 4762
يحدون، (لا زوج) إذا (لاعن) فإنه لا يحد، (أو كانوا) أربعة (مستوري الحال، أو مات أحدهم) أي: أحد الأربعة، سواء كانوا عدولا أو مستوري الحال (قبل وصفه) الزنا، (أو بانت) المشهود عليها (عذراء) فإنهم لا يحدون " لعدم الشرط الموجب لحد القذف وهو: عدم الإتيان بالشهداء الأربع.
(وإن عين اثنان) من الأربعة الشاهدين بالزنا (زاوية) صدر فيها الزنا (من
بيت صغير عرفا، و) عين (اثنان) منهم زاوية (أخرى منه) أي: من البيت الصغير كملت شهادتهم لإمكان صدقهم، لأنه إذا كان البيت صغيرا احتمل أن يكون ابتداء الفعل في إحدى الزاويتين وتمامه في الأخرى، أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين، لقربها من الأخرى. [فيجب قبول شهادتهم، كما لو اتفقوا. بخلاف ما إذا كان البيت كبيرا لتباعد كل من الزاويتين من الأخرى] (١) فإنه يبعد أن يكون المشهود به فعلا واحدا (٢) فلا تكمل شهادتهم.
(أو قال اثنان) في شهادتهما: إنه زنى بها وهو (في قميص ابيض، أو)
أنه زنى بها (قائمة، و) قال (اثنان) في شهادتهما: إنه زنا بها (في) قميص (أحمر، أو) زنى بها (نائمة: كملت شهادتهم)، لأنه لا منافاة بين قول الأولين وقول الآخرين " لاحتمال كونه كان في قميص أبيض تحته قميص أحمر، ثم خلعه قبل الفراغ فرآه من شهد بحاله الأول على ما رآه [ورآه من شهد بحاله الثانى على ما رآه] (٣) ، ولاحتمال كونه ابتدأ بها الفعل وهي قائمة ثم أكمله وهي نائمة. (وإن كان البيت كبيرا) وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية عيناها، وشهد
اثنان أنه زنى في زاوية غير الأولى بتعيينهما، (أو عين اثنان بيتا، أو) عينا (بلدا، أو) عينا (يوما. و) عين (اثنان) من الأربعة بيتا (آخر)، أو بلدا آخر، أو يوما آخر: (فـ) الأربعة (قذفة)؛ لأن كل اثنين منهم يشهدان على أن الزنا الذي يشهدان به غير الآخر. والشهادة لم تكمل في كل واحد منهما فيحدون
стр. 4763
للقذف، (ولو اتفقوا على أن الزنا واحد)، للعلم بكذبهم.
(وإن قال اثنان) من أربعة: (زنى بها مطاوعة، وقال اثنان): زنى بها
(مكرهة لم تكمل) شهادتهم في الأصح، لاختلافهم،) وعلى شاهدي المطاوعة حدان)، حد لقذف (١) الرجل، وحد لقذف (٢) المرأة، (و) على (شاهدي الإكراه) حد (واحد، لقذف الرجل وحده)، لأنهما شهدا أنها كانت مكرهة.
(وإن قال اثنان) من شهداء أربعة: زنى بها (وهي بيضاء، وقال اثنان) منهم (غيره)، بأن قال: زنى بها وهي سمراء أو هي سوداء: (لم تقبل) شهادتهم " لأن الشهادة لم تجتمع على عين واحدة. بخلاف السرقة.
(وإن شهد أربعة) با لزنا، (فرجعوا أو) رجع (بعضهم قبل حد) أي: حد
من شهدوا عليه (ولو بعد حكم: حد الجميع) على الأصح.
أما كونهم يحدون مع رجوع جميعهم، فلأنهم مقرون بأنهم قذفة.
وأما كونهم يحدون مع رجوع بعضهم؛ لأنه نقص عدد الشهود. فلزمهم الحد، كما لو كانوا ثلاثة.
(و) إن رجع بعضهم (بعد حد) فإنه (يحد راجع فقط) أي: دون من لم يرجع؛ لأن إقامة الحد كحكم الحاكم فلا ينتقض (٣) برجوع الشهود أو بعضهم. لكن يلزم من رجع حكم رجوعه وهو مقر بالقذف فيلزمه حده إذا كان الحد جلدا وطالبه المشهود عليه به. وكذا إن كان رجما وطالبه الورثة به (إن ورث حد قذف) ويورث إن طالب به المقذوف قبل موته. وإلا فلا.
(وإن شهد أربعة بزناه) أي: بزنا فلان (بفلانة، فشهد أربعة آخرون: أن الشهود) الأربعة (هم الزناة بها) دون من شهدوا عليه لم يحد الرجل المشهود عليه؛ لأن الشهود الآخرين قدحوا فيمن شهد عليه، ولهذا قلنا) حد الأولون
стр. 4764
فقط) أي: دون من شهدوا عليهما من فلان وفلانة: (للقذف وللزنا) على الأصح؛ لأن الزنا ثبت عليهم بشهاده الآخرين. فوجب الحد عليهم لذلك، ويجب عليهم حد القذف؛ لأنهم شهدوا بزنا لم يثبت.
ومتى كملت بينة بحد ثم مات الشهود أو غابوا لم يمتنع إقامة الحد بعد موتهم أو في غيبتهم؛ لأن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود جاز الحكم بها في غيبتهم وبعد موتهم؛ كسائر الشهادات. واحتمال رجوعهم ليس بشبهة يدرأ بها الحد.
(وإن حملت من) أي: امرأة (لا لها زوج ولا سيد: لم تحد بذلك) أي: بحملها في هذه الحاله، (بمجرده)، لكنها تسأل. ولا يجب أن تسأل؛ لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة للفاحشة. وذلك منهي عنه. فإن أدعت انها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا: لم تحد.
وقد روى سعيد قال: حدثنا خلف بن خليفة حدثنا أبو هاشم: " أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ليس لها زوج وقد حملت. فسألها عمر. فقالت: إنى امرأة ثقيلة الرأس. وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت. حتى فرغ. فدرأ عنها الحد ".
وروي عن على وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: " إذا كان في الحد " لعل وعسى " فهو معطل ".
وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم قالوا: " إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت " (١) .
ولا خلاف أن الحد يدرأ بالشبهات، وهي متحققة هاهنا.
***
стр. 4765
[باب: القذف]
هذا (باب القذف. وهو: الرمي بزنا، أو لواط، أو شهادة بأحدهما) أي: بالزنا أو اللواط (ولم تكمل البينة) بواحد من الزنا أو اللواط.
والقذف محرم بالإجماع. والأصل في تحريمه الكتاب والسنة.
أما الكتاب " فقوله سبحاله وتعالى (١) : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
وأما السنة " فقول النبي ﷺ : " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وماهن
يا رسول الله! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " (٢) . متفق عليه.
إذا تقرر هذا فإنه (من قذف وهو) أي: القاذف (مكلف مختار) أي: بالغ عاقل غير مكره (ولو) كان القاذف (أخرس) وكان القذف (بإشارة) من الأخرس إنسانا (محصنا). وسيأتي تعريف المحصن في هذا الباب (ولو) كان المقذوف (مجبو با) أي: مقطوع الذكر، (أو) كانت المقذوفة (ذات محرم) من القاذف، (أو) كانت المقذوفة (رتقاء) أى: مسدودة الفرج؛ لعموم