ولم يشهد زياد فحد الثلاثة (١) . ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.
ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم الحاكم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته. ولولا اشتراط المجلس لكملت. وبهذا تفارق سائر الشهادات.
وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط ولهذا لم يذكر فيها العدالة ولا صفة الزنا. ولأن قوله : ثُمَّ لَمْ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]،
لا يخلو من أن يكون مطلقا في الزمان كله أو مقيدا، لا يجوز أن يكون مطلقا؛ لأن ذلك يمنع من جواز جلدهم؛ لأنه ما من زمن إلا يمكن أن يأتي فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنيع جلدهم المأمور به فيكون متناقضا. وإذا ثبت أنه مقيد فيكون بالمجلس؛ لأن المجلس كله بمنزلة الحالة الواحدة ولهذا ثبت فيه الخيار للمتبايعين واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر فيه القبض (او امتنع بعضهم) أي: بعض الشهود من أداء الشهادة، (أو لم يكملها) أي: لم يكمل الشهادة بعض الشهود حد من شهد منهم للقذف على الأصح وفاقا ل لآية الثلاثة؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وهذا
يوجب الجلد على كل رام لم يشهد بما قاله أربعة.
ولأنه إجماع الصحابة [فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة] (٢) فلم ينكره أحد.
(أو كانوا) أي: كان الشهود كلهم (أو بعضهم لا تقبل شهادتهم فيه) أي:
في الزنا: (لعمى، أو فسق، أو لكون أحدهم زوجا حدوا (٣) للقذف) على الأصح؛ لأنها شهادة لم تكمل. فوجب الحد على الشهود؛ كما لو يكمل العدد، و (كما لو بان مشهود عليه مجبوبا، أو) بانت مشهود عليها (رتقاء) فإنهم
стр. 4762
يحدون، (لا زوج) إذا (لاعن) فإنه لا يحد، (أو كانوا) أربعة (مستوري الحال، أو مات أحدهم) أي: أحد الأربعة، سواء كانوا عدولا أو مستوري الحال (قبل وصفه) الزنا، (أو بانت) المشهود عليها (عذراء) فإنهم لا يحدون " لعدم الشرط الموجب لحد القذف وهو: عدم الإتيان بالشهداء الأربع.
(وإن عين اثنان) من الأربعة الشاهدين بالزنا (زاوية) صدر فيها الزنا (من
بيت صغير عرفا، و) عين (اثنان) منهم زاوية (أخرى منه) أي: من البيت الصغير كملت شهادتهم لإمكان صدقهم، لأنه إذا كان البيت صغيرا احتمل أن يكون ابتداء الفعل في إحدى الزاويتين وتمامه في الأخرى، أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين، لقربها من الأخرى. [فيجب قبول شهادتهم، كما لو اتفقوا. بخلاف ما إذا كان البيت كبيرا لتباعد كل من الزاويتين من الأخرى] (١) فإنه يبعد أن يكون المشهود به فعلا واحدا (٢) فلا تكمل شهادتهم.
(أو قال اثنان) في شهادتهما: إنه زنى بها وهو (في قميص ابيض، أو)
أنه زنى بها (قائمة، و) قال (اثنان) في شهادتهما: إنه زنا بها (في) قميص (أحمر، أو) زنى بها (نائمة: كملت شهادتهم)، لأنه لا منافاة بين قول الأولين وقول الآخرين " لاحتمال كونه كان في قميص أبيض تحته قميص أحمر، ثم خلعه قبل الفراغ فرآه من شهد بحاله الأول على ما رآه [ورآه من شهد بحاله الثانى على ما رآه] (٣) ، ولاحتمال كونه ابتدأ بها الفعل وهي قائمة ثم أكمله وهي نائمة. (وإن كان البيت كبيرا) وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية عيناها، وشهد
اثنان أنه زنى في زاوية غير الأولى بتعيينهما، (أو عين اثنان بيتا، أو) عينا (بلدا، أو) عينا (يوما. و) عين (اثنان) من الأربعة بيتا (آخر)، أو بلدا آخر، أو يوما آخر: (فـ) الأربعة (قذفة)؛ لأن كل اثنين منهم يشهدان على أن الزنا الذي يشهدان به غير الآخر. والشهادة لم تكمل في كل واحد منهما فيحدون
стр. 4763
للقذف، (ولو اتفقوا على أن الزنا واحد)، للعلم بكذبهم.
(وإن قال اثنان) من أربعة: (زنى بها مطاوعة، وقال اثنان): زنى بها
(مكرهة لم تكمل) شهادتهم في الأصح، لاختلافهم،) وعلى شاهدي المطاوعة حدان)، حد لقذف (١) الرجل، وحد لقذف (٢) المرأة، (و) على (شاهدي الإكراه) حد (واحد، لقذف الرجل وحده)، لأنهما شهدا أنها كانت مكرهة.
(وإن قال اثنان) من شهداء أربعة: زنى بها (وهي بيضاء، وقال اثنان) منهم (غيره)، بأن قال: زنى بها وهي سمراء أو هي سوداء: (لم تقبل) شهادتهم " لأن الشهادة لم تجتمع على عين واحدة. بخلاف السرقة.
(وإن شهد أربعة) با لزنا، (فرجعوا أو) رجع (بعضهم قبل حد) أي: حد
من شهدوا عليه (ولو بعد حكم: حد الجميع) على الأصح.
أما كونهم يحدون مع رجوع جميعهم، فلأنهم مقرون بأنهم قذفة.
وأما كونهم يحدون مع رجوع بعضهم؛ لأنه نقص عدد الشهود. فلزمهم الحد، كما لو كانوا ثلاثة.
(و) إن رجع بعضهم (بعد حد) فإنه (يحد راجع فقط) أي: دون من لم يرجع؛ لأن إقامة الحد كحكم الحاكم فلا ينتقض (٣) برجوع الشهود أو بعضهم. لكن يلزم من رجع حكم رجوعه وهو مقر بالقذف فيلزمه حده إذا كان الحد جلدا وطالبه المشهود عليه به. وكذا إن كان رجما وطالبه الورثة به (إن ورث حد قذف) ويورث إن طالب به المقذوف قبل موته. وإلا فلا.
(وإن شهد أربعة بزناه) أي: بزنا فلان (بفلانة، فشهد أربعة آخرون: أن الشهود) الأربعة (هم الزناة بها) دون من شهدوا عليه لم يحد الرجل المشهود عليه؛ لأن الشهود الآخرين قدحوا فيمن شهد عليه، ولهذا قلنا) حد الأولون
стр. 4764
فقط) أي: دون من شهدوا عليهما من فلان وفلانة: (للقذف وللزنا) على الأصح؛ لأن الزنا ثبت عليهم بشهاده الآخرين. فوجب الحد عليهم لذلك، ويجب عليهم حد القذف؛ لأنهم شهدوا بزنا لم يثبت.
ومتى كملت بينة بحد ثم مات الشهود أو غابوا لم يمتنع إقامة الحد بعد موتهم أو في غيبتهم؛ لأن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود جاز الحكم بها في غيبتهم وبعد موتهم؛ كسائر الشهادات. واحتمال رجوعهم ليس بشبهة يدرأ بها الحد.
(وإن حملت من) أي: امرأة (لا لها زوج ولا سيد: لم تحد بذلك) أي: بحملها في هذه الحاله، (بمجرده)، لكنها تسأل. ولا يجب أن تسأل؛ لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة للفاحشة. وذلك منهي عنه. فإن أدعت انها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا: لم تحد.
وقد روى سعيد قال: حدثنا خلف بن خليفة حدثنا أبو هاشم: " أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ليس لها زوج وقد حملت. فسألها عمر. فقالت: إنى امرأة ثقيلة الرأس. وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت. حتى فرغ. فدرأ عنها الحد ".
وروي عن على وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: " إذا كان في الحد " لعل وعسى " فهو معطل ".
وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم قالوا: " إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت " (١) .
ولا خلاف أن الحد يدرأ بالشبهات، وهي متحققة هاهنا.
***
стр. 4765
[باب: القذف]
هذا (باب القذف. وهو: الرمي بزنا، أو لواط، أو شهادة بأحدهما) أي: بالزنا أو اللواط (ولم تكمل البينة) بواحد من الزنا أو اللواط.
والقذف محرم بالإجماع. والأصل في تحريمه الكتاب والسنة.
أما الكتاب " فقوله سبحاله وتعالى (١) : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
وأما السنة " فقول النبي ﷺ : " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وماهن
يا رسول الله! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " (٢) . متفق عليه.
إذا تقرر هذا فإنه (من قذف وهو) أي: القاذف (مكلف مختار) أي: بالغ عاقل غير مكره (ولو) كان القاذف (أخرس) وكان القذف (بإشارة) من الأخرس إنسانا (محصنا). وسيأتي تعريف المحصن في هذا الباب (ولو) كان المقذوف (مجبو با) أي: مقطوع الذكر، (أو) كانت المقذوفة (ذات محرم) من القاذف، (أو) كانت المقذوفة (رتقاء) أى: مسدودة الفرج؛ لعموم
стр. 4766
الآيات والأحاديث: (حد) قاذف (حر ثمانين) جلدة، (و) حد قاذف (قن ولو عتق عقب قذف)؛ لأنه حين القذف كان قنا (أربعين) جلدة، (ومبعض) أي: وحد قاذف بعضه حر وبعضه رقيق (بحسابه)، فيحد من نصفه حر ونصفه رقيق ستين جلدة وهكذا. وهذا (١) الصحيح من المذهب؛ لأنه حد يتبعض. فكان العبد فيه على النصف والمبعض بحسابه؛ كحد الزنا. وهذا يخمى عموم الآية.
(ويجب) حد القذف (بقذف) لقريب للقاذف؛ كما لو قذف أخته لو (على وجه الغيرة) بفتح الغين المعجمة؛ كأجنبى، (لا على أبوين- وإن علوا- لولد وإن سفل) يعني: أنه لا يجب حد قذف على من قذف ولده، أو ولد ولده، أو ولد بنته، أو بنت بنته وإن سفل أو سفلت (كقود) يعني: كما أن الإنسان لا يجب له على أحد من أبويه أو على أبوي أبويه وإن علوا قود.
إذا علمت ذلك (فلا يرثه) أي: يرث الولد وإن سفل حد القذف (عليهما) أي: على أبويه وإن علوا (وإن ورثه اخوه) أي: أخو ولده الأمه) بقذف أمه وبمطالبتها بذلك قبل موتها، (وحد له) أي: لقذفه أمه بطلب أخيه لأمه؛ التبعضه) يعني: لملك بعض الورثة طلبه كاملا مع عفو باقيهم إذا طالب به مورثهم قبل موته؛ للحوق العار بكل واحد من الورثة على انفراده.
(والحق في حده) أي: حد القذف (للآدمي) على الأصح: (فلا يقام بلا طلبه) أي: طلب المقذوف فلا يجوز أن (٢) يعرض له إلا بطلب. وذكره الشيخ تقي الدين إجماعا ١ (لكن: لا يستوفيه) المقذوف (بنفسه) وأنه لو فعل لم يعتد به. وعلله القاضي بأنه يعتبر نية الإمام أنه حد.
(ويسقط) الحد (بعفوه) أي: عفو المقذوف (ولو بعد طلب)؛ كما لو
عفا قبل طلبه، (لا عن بعضه)؛ كما لو كان المقذوف جماعة بكلمة فإن عليه
стр. 4767
لجميعهم حدا واحدا (١) . ولكل واحد منهم حق في طلب إقامته. فلو كانوا خمسة مثلا وعفا أحدهم عن حقه: لم يسقط حق الأربعة الباقين. فلو طلب أحدهم حقه فلما جلد عشرين، قال: عفوت عن باقي الحد لم يسقط حق الثلاثة الباقين من تتمته. فلو طلبها أحد الثلاثة الباقين فلما جلد عشرين أخرى، قال: عفوت عن باقي الحد (٢) : لم يسقط حق الاثنين الباقيين من تتمة الحد. فلو طلبها أحدهما فلما جلد عشرين، قال: عفوت عن تتمته (٣) : لم يسقط حق الواحد الباقي، فله طلب جلد العشرين الباقية من الثمانين. ولهذا لا يسقط بالمصالحة عليه ولا عن بعضه بمال. وهذا بخلاف عفو بعض مستحقي القود عن حقه فإنه يسقط بذلك حق باقيهم؛ لتعذر استيفائه خلا حق العافي فلم يتبعض. بخلاف حد القذف؛ لأنه ليس كقود فيسقط، ولا يسموفى ناقصا؛ كباقي الحدود.
(ومن قذف غير محصن ولو قنه) أي: ولو كان المقذوف رقيقا للقاذف:
(عزر)؛ لأنه لما انتفى وجوب الحد عن القاذف وجب. التأديب ردعا له عن أعراض المعصومين، وكفا له عن إيذائهم.
(والمحصن هنا) أي: في باب القذف هو: (الحر، المسلم، العاقل، العفيف عن الزنا ظاهرا) أي: في ظاهر حاله (ولو) كان المقذوف (تائبا منه) أي: من الزنا، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
(وملاعنة) في ذلك (وولدها، وولد زنا كغيرهم). نص عليه. فيحد
بقذف كل من أولئك.
(ويشترط كون مثله) أي: مثل المقذوف (يطأ أو يوطأ، لا بلوغه) على الأصح.
فعلى هذا: يشترط أن يكون الغلام: ابن عشر، وأن تكون الجارية بنت تسع.
(ولا يحد قاذف غير بالع) أي: من لم يبلغ، (حتى يبلغ) المقذوف
стр. 4768
ويطالب به بعد بلوغه؛ لأن مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحد؛ لعدم اعتبار كلامه. وليس لوليه المطالبة عنه؛ لأنه حق شرعي ثبت للتشفي. فلم يقم غيره مقامه في استيفائه؛ كالقصاص. فإذا بلع وطالب أقيم حينئذ.
(وكذا لو جن) المقذوف (أو أغمي عليه قبل طلبه)؛ فلأنه لا يستوفى حتى يعقل أو يفيق ويطالب به بعد عقله وإفاقته. (و) إن كان قد جن أو أغمي عليه (بعده) أي: بعد طلبه فإنه (يقام) أي: يجوز أن يقام حد القذف عليه؛ لوجود شرطه وعدم المانع.
(ومن قذف) محصنا (غائبا: لم يحد) القاذف (حتى يثبت طلبه) اي: طلب المقذوف الغائب (في غيبته بشرطه) في الأصح، (أو يحضر ويطلب) بنفسه.
(ومن قال لمحصنة: زنيت وأنت صغيرة، فإن فسره بدون تسع) أي: تسع سنين، (أو قاله لذكر) أي: قال لمحصن: زنيت وأنت صغير (وفسره بدون عشر) أي: عشر سنين: (عزر)؛ لما تقدم من أن قذف من دون هذا السن يوجب التعزير.
(وإلا) أي: وإن لم يفسره بدون ما ذكر (حد)؛ لأنه لا يشترط في المقذوف أن يكون بالغا.
(وإن قال) لمحصنة زنيت (وأنت كافرة، أو) وأنت (أمة، أو) وأنت
(مجنونة، ولم يثبت كونها كذلك) [أي: أنها كانت كافرة، أو كانت أمة، أو كانت مجنونة: (حد) على الأصح؛ لأن الأصل عدم الكفر وعدم الرق وعدم الجنون؛ (كما لو قذف مجهولة النسب، وادعى رقها، فأنكرته) فإنه يحد؛ لأن الأصل كونها حرة الأصل.
(وإن ثبت كونها كلذلك) [ (١) أي: أنها كانت كافرة أو أمة أو مجنونة: (لم يحد)؛ لأنه أضاف الزنا إلى حالة لا يجب الحد بالقذف فيها، حتى (ولو قالت:
стр. 4769
أردت قذفي في الحال، وانكرها)؛ لأن اختلافهما في نيته، والقاذف أعلم بها. وقوله: وأنت كافرة مبتدأ وخبر وهو حال لقوله: زنيت وكذا الباقي.
قال الله : ﴿إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢].
(ويصدق قاذف) لمحصن: (أن قذفه) كان (حال صغر مقذوف)؛ لأن الأصل الصغر وبراءة الذمة من الحد. (فإن أقاما بينتين، وكانتا مطلقتين) بأن قالت إحداهما: نشهد أنه قذفه وهو صغير، وقالت الأخرى: نشهد أنه قذفه وهو كبير، (أو) كانتا (مؤرختين تاريخين مختلفين) بأن قالت إحداهما: نشهد أنه قذفه (١) مثلا في سنة عشرين، وقالت الأخرى: نشهد أنه قذفه في سنة ثلاثين: (فهما) أي: فالذي به البينتان (قذفان، موجب أحدهما: الحد، و) موجب (الآخر: التعزير) إعمالا للبينتين (٢) .
(وإن أرختا تاريخا واحدا، وقالت إحداهما: وهو) حين ذاك (صغير،
و) قالت (الأخرى: وهو) حين ذاك (كبير تعارضتا وسقطتا)، لتعارضهما. (وكذا: لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف) ورجعنا (٣) إلى
قول القاذف: أن القذف كان حال صغر المقذوف.
(ومن قال لابن عشرين) سنة: (زنيت من ثلاثين سنة: لم يحد)؛ للعلم بكذبه. (ولا يسقط) حد القذف (بردة مقذوف بعد طلب أو زوال إحصانه، ولو لم يحكم بوجوبه) أي: بموجب الحد "؛لأن الحدود تعتبر بوقت وجوبهما.
ولأن الحد قد وجب وتم بشروطه. فلم يسقط بزوال شرط الوجوب؛ كما
لو زنى بأمه ثم اشتراها، أو بامرأة ثم تزوجها، أوسرق عينا فنقصت قيمتها أو ملكها، أو لاعن ذمي أو مرتد ثم لحق بدار الحرب ثم عاد، لأنه حد وجب. فلم يسقط بدخول دار الحرب؛ كما لو كان مسلما ودخل بأمان.
стр. 4770
[فصل: ويحرم القذف إلا في موضعين]
(فصل. ويحرم) القذف (إلا في موضعين:
أحدهما: أن يرى زوجته تزني في ظهر لم يطأ) ها (فيه، فيعتزلها، ثم تلد
ما) أي: ولدا (يمكن كونه من الزانى. فيلزمه قذفها ونفيه) أي: نفي الولد؛ لأن ذلك يجري مجرى اليقين في أن الولد من الزانى؛ لكونها أتت به لسته أشهر من حين الوطء.
ولأنه إذا لم ينف الولد لحقه وورثه وورث أقاربه وورثوا منه، ونظر إلى بناته وأخواته، وليس ذلك بجائز فيجب نفيه؛ لإزالة ذلك. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم] فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والاخرين " (١) . رواه أبو داود.
وقوله: " وهو ينظر إليه " يعني: يرى الولد منه. فكما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم [ (٢) فالرجل مثلها. وكذا لو أقرت بالزنا ووقع في نفسه صدقها، فهو كما لو رآها تزنى.
(وكذا: إن وطئها) زوجها (في ظهر زنت فيه، وقوي في ظنه) أي: ظن الزوج: (ان الولد (٣) من الزانى؛ لشبهه به) أي: لكون الولد يشبه الزاني، (ونحوه)؛ ككون الزوج عقيما؛ لأن الشبه مع تحقق (٤) الزنا يدل على أن الولد
стр. 4771
من الزانى.] وكذا إن علم من نفسه أنه عقيم، لأن ولادتها مع ذلك ومع تحقق زناها قرين تدل على أن الولد من الزانى] (١) .
ولأن غلبة الظن تقوم مقام التحقيق (٢) فيما لا يمكن تحقيقه قطعا.
الموضع (الثاني) الذي لا يحرم فيه القذف أيضا: (أن يراها تزني ولم تلد
ما) أي: ولدا (يلزمه نفيه)، أو تلد ولدا لا يغلب على الظن أنه من الزانى، فإنها إذا لم تلد لم يكن في زناها ضرر على أحد فإنه لا يلزمه قذفها ويباح. وفراقها أولى، لأنه أستر.
(أو يستفيض زناها) في الناس، (أو يخبره به ثقة) غير متهم لعداوة (٣)
بينها وبين المخبر أو نحو ذلك، (أو يرى) إنسانا (معروفا به) أي: بالزنا (عندها. فيباح قذفها به) أي: بالرجل المعروف بالزنا، لأن ذلك كله مما يغلب لحى الظن زناها؛ لما تقدم من أن غلبة الظن تقوم مقام التحقيق فيما لا يمكن تحقيقه. (وفراقها) مع وجود ذلك (أولى)؛ لأنه أستر.
ولأن قذفها يلزم منه أن يحلف أحدهما كاذبا، أو تقر فتفتضح.
وقد علم مما تقدم أنه لا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق به؛ لأنه غير مأمون
على الكذب عليها، ولا برويته رجلا خارجا من عندها من غير أن يستفيض زناها؛ لأنه يجوز أن يكون دخل سارقا، أو لحاجة، أو لغرض فاسد.
(وإن أتت) زوجة إنسان (بولد يخالف لونه لونهما)؛ كمن ولدت أسود والزوجان أبيضان: (لم يبح) للزوج (نفيه بذلك) في الأصح؛ لما روى أبو هريرة قال: " جاء رجل حن بني فزارة إلى النبي ﷺ . فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود. يعرض بنفيه. فقال له النبي ﷺ : هل لك من إبل؛ قال: نعم. قال: فما ألوانها؛ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؛ قال: إن فيها
стр. 4772
لورقا. قال فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزع عرق. قال: فهذا عسى أن يكون نزعه عرق. قال: ولم يرخص له رسول الله ﷺ في الانتفاء منه " (١) . متفق عليه.
ولأن الناس كلهم من آدم وحواء وألوانهم وخلقهم مختلفة، ولولا مخالفتهم
شبه والديهم لكانوا على صفة واحدة.
ولأن دلالة الشبه ضعيفة ودلالة ولادته على الفراش قوية، فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف.
ومحل ذلك: إذا أراد نفيه (بلا قرينة)، بأن يكون رأى عندها رجلا يشبه الولد الذي أتت به، فإن ذلك يغلب على الظن مع الشبه أن الولد من الرجل الذي رآه عندها. فيباح له نفيه مع ما ذكر.
* * *
стр. 4773
[فصل: في الفاظ القذف]
(فصل) والقذف تنقسم ألفاظه إلى صريح وكناية.
(وصريحه) أي: وصريح القذف للمرأة: (يا منيوكة إن لم يفسره) القاذف (بفعل زوج) أو سيد. فإن فسره بذلك لم يكن قذفا.
وللذكر: (يا منيوك، يا زانى، يا عاهر، أو قد زنيت، أو زنى فرجك، ونحوه)؛ كقوله: رأيتك تزني.
وأصل العهر: أن يأتي الرجل المرأة ليلا للفجور بها. ثم غلب على الزنا
فأطلق العاهر على الزاني، سواء جاءها للفجور أوجاءته هي ليلا أو نهارا.
أو قال له: (يا معفوج) (١) بالفاء والجيم كان ذلك صريحا نصا.
قال أحمد: يحد (٢) ؛ وذلك لأن الناس استعملوه بمعنى الوطء في الدبر. وأصله الضرب (٣) .
وقيل: كناية.
(أو) قال له: (يا لوطي) كان ذلك صريحا على الأصح؛ لأن المستعمل
بين الناس أن اللوطي من يأتي الذكران؛ لأنه عمل قوم لوط.
(فـ) على المذهب: (إن قال: أردت) بقولي: يا زانى (زاني العين،
أو) أردت بقولي: يا عاهر (عاهر اليد، أو) قال: أردت بقولي: يا عاهر (أنك من قوم لوط، أو) أنك (تعمل عملهم غير إتيان الذكور: لم يقبل)؛
стр. 4774
لأن القذف بما تقدم صريح على الأصح. فلا يقبل تفسيره بما (١) يخالف ظاهره؛ لأنه لا دليل عليه.
(و) قول المكلف لغيره: (لست لأبيك، أو) لست (بولد فلان) الذي هو منسوب إليه (قذف لأمه) اي: أم المقول له ذلك؛ لأنه إذا ولد على فراش إنسان ونفى أن يكون منه فقد أثبت الزنا على أمه؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون من أبيه أو من غيره. فإذا نفاه عن أبيه فقد أثبته لغيره، والغير لا يمكن أن يحبلها في زوجية أبيه إلا من زنا فيكون قاذفا لها بذلك. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(إلا منفيا بلعان) يعني: إلا أن يكون المقول له ذلك منفيا بلعان: (لم يستلحقه ملاعن) بعد نفيه، (ولم يفسره) القائل له ذلك (بزنا أمه) فإن ذلك لا يكون قذفا.
(وكذا) أي: وكنفيه إنسانا عن أبيه: (إن نفاه عن قبيلته)؛ لما روى الأشعث بن قيس عن النبي ﷺ أنه كان يقول: " لا أوتى برجل يقول: إن كنانة ليست من قريش إلاجلدته " (٢) .
وعن ابن مسعود أنه قال: " لا جلد إلا في اثنتين: رجل قذف محصنة، أو
نفى رجلا عن أبيه " (٣) . وهذا لا يقوله ابن مسعود إلا توقيفا. وهذا على الأصح. وقال الموفق: والقياس يقتضي أن لا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته؛ لأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا. فأشبه ما لو قال للأعجمي: إنك عربي. انتهى. (و) قول الإنسان لآخر: (ما أنت ابن فلانة، ليس بقذف مطلقا) أي: سواء أراد بذلك قذفه أولا.
(و) من قال لولده: (لست بولدي) فالأصح أن ذلك (كناية في قذف أمه) أي: أم الولد وليس بصريح. نص على ذلك؛ لأنه قد استفاض بين
стр. 4775
الناس: أن الأب إذا أنكر شيئا من أحوال الولد أن يقول: لست بولدي مريدا بذلك أنه لا يشبهه، لا أنه ليس مخلوقا من مائه. وإذا احتمل هذا لا يكون قذفا للأم إلا مع قصده؛ لأنه ليس منه؛ لقيام الاحتمال فيه. بخلاف الأجنبي.
(و) قول الإنسان لغيره: (أنت أزنى الناس، أو) أنت أزنى (من فلانة)، أو من فلان، (أو قال له) أي: للرجل: (يا زانية، أو) قال (لها) أي: للمرأة: (يا زان صريح في المخاطب بذلك) فقط في الأصح؛ لأن لفظة أفعل تستعمل للمنفرد بالفعلى؛ لقوله : ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١].
ولأن موضوع اللفظ يقتضي في بقية الأمثلة أن يكون صريحا في حق المخاطب.
ولأن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا للآخر؛ (كفتح التاء وكسرها لهما) أي: للذكر والأنثى (في) قوله: (زنيت).
ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا. ولذلك لو قال لامرأة: يا شخصا زانيا، أو لرجل: يا نسمة زانية كان ذلك قذفا بغير خلاف. (وليس) القائل: أنت أزنى من فلانة (بقاذف لفلانة) في الأصح؛ لقول لوط ﵊: (بناتى هن أطهر) [. هود: ٧٨] أي: من أدبار الذكور ولا طهارة فيهم.
(ومن قال عن اثنين: أحدهما زان، فقال أحدهما) له: (أنا؛ فقال)
له: (لا. فـ) ذلك (قذف للآخر)؛ لتعينه بنفيه عن الآخر.
(و) من قال لغيره: (زنأت مهموزا) فهو (صريح) في القذف في الأصح. (ولو زاد: في الجبل أو عرف العربيه) في الأصح؛ لأن عامة الناس لا يفقهون من ذلك إلا القذف. فكان صريحا؛ كما لو قال له: زنيت من غير همز.
***
стр. 4776
(فصل) في كناية القذف
والتعريض به وما يلحق بذلك.
(وكنايته والتعريض) به ما سيذكر.
ومن أمثلة الكناية قول الإنسان لغيره: (زنت يداك، أو) زنت (رجلاك،
أو) زنت (يدك، أو) زنت (رجلك، أو) زنى (بدنك) في الأصح؛ لأن زنا هذه الأعضاء لا يوجب الحد؛ بدليل قول النبى ﷺ : " العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " (١) .
(و) من الكنايات أيضا قوله: (يا خنيث بالنون) وذكر بعضهم بالباء،
(يا نظيف، يا عفيف، ويا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة.
ولزوجة شخص: قد فضحته، وغطيت) رأسه، (أو نكست رأسه، وجعلت له قرونا، وعلقت عليه أولادأ من غيره، وأفسدت فراشه.
و) قوله (لعربي: يا نبطي)، أو (يا فارسي)، أو (يا رومي، و) قوله
(لأحدهم) أي: للفارسي والنبطي والرومي: (يا عربي.
و) قول الإنسان (لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال، ما يعرفك الناس بالزنا) في الأصح.
ومن التعريض ما أشير إليه بقوله: (أو ما أنا بزان، أو ما أمى بزانية.
أو يسمع من) أي: يسمع إنسان إنسانا (يقذف شخضا، فيقول) له: (صدمت، أو) يقول له: (صدقت فيما قلت.
стр. 4777
او أخبرني) فلان أنك زنيت، (أو أشهدنى فلان أنك زنيت وكذبه فلان)
على الأصح.
وفي " الرعاية " قوله: لم أجدك عذراء كناية.
قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من صر بالقذف والشتمة.
(فـ) على هذا (إن فسره بمحتمل غير قذف)؛ كما لو قال: أردت بالنبطى
نبط اللسان، وبالفارسي فارسي الطبع، وبقولي: يا رومي رومي الخلقة، وبقولى لها: أفسدت فراشه أي: حرقته أو أتلفته (١) ، وبقولي: علقت عليه أولادا من غيره (٢) أي: التقطت ولدا وذكرت أنه ولده، وبقوله (٣) : مخنث
أن (٤) فيه طباع التخنيث (٥) أي: طباع التأنيث وهو التشبه (٦) بالنساء ونحو ذلك، وبقوله: يا قحبة أنها تستعد لذلك أي: المتصنعة للفجور فإطلاق ذلك عليها. لا يوجب إضافة الزنا إليها، لأنها قد تتصنع في نفسها من غير فجور: (قبل وعزر). نقله حنبل.
(كـ) ما أنه يعزربـ (قوله: يا كافر، يا فاسق، يا فاجر، يا حمار، يا. تيس، يا رافضي، يا خبيث البطن، أو) يا خبيث (الفرج، يا عدو الله، يا ظالم، يا كذاب، يا خائن، يا شارب الخمر، يا مخنث). نص على ذلك، (يا قرنان، يا قواد، ونحوهما) مثل قوله: (يا ديوث، يا كشحان،
يا قرطبان).
قا ل إبراهيم الحربي: الديوث: الذي يدخل الرجال على امرأته.
وقال ثعلب: القرطبان: الذي يرضى أن يدخل الرجال على نسائه.
стр. 4778
وقال: القرنان والكشحان لم أرهما في كلام العرب. ومعناه عند العامة مثل معنى الديوث أو قريبا منه. والقواد عند العامة: السمسار في الزنا.
ومثل ذلك في الحكم قوله: (يا علق). وعند الشيخ تقي الدين أن قوله:
يا علق تعريض.
(ومأبون) يعني: وقول إنسان لآخر: يا مأبون (كمخنث عرفا) أي: كقوله له: يا مخنث في العرف. وعبارته في " التنقيح " كعبارة المتن.
وعبارته في " الفروع ": ويتوجه في مأبون كمخنث.
وفي " الفنون ": هو لغة العيب. يقولون: عود مأبون. والأبن: الجنون، والأبنة: العيب. ذكره ابن الأنباري في " كتاب الزاهر ". فإن كان عرف بين الناس في الفعل به أو الفعل منه فليس بصريح؛ لأن الأبنة المشار إليها لا تعطي أنه يفعل بمقتضاها إلا بقول آخر يدل على الفعل؛ كقوله للمرأة: يا شبقة، يا مغتلمة. انتهى كلامه في " الفروع ".
(وإن قذف) إنسان (أهل بلدة، أو) قذف (جماعة لا يتصور الزنا منهم عادة) عزر؛ لأنه لا عار على المقذوف بذلك؛ للقطع (١) بكذب القاذف، (أو اختلفا) أي: بأن قال أحد اثنين: الأمر كذا، فقال الآخر: بل كذا، (فقال أحدهما: الكاذب ابن الزانية عزر ولا حد) عليه. نص عليه وما أشبهه؛ لعدم تعين الكاذب.
ولا على من قذف أهل بلدة أو جماعة لايتصور الزنا منهم في العادة (كقوله: من رمانى) بالزنا (فهو ابن الزانية).
قال في " الفروع ": لم يحد إجماعا. ثم قال بعد يسير: وظاهر كلامهم ويعزر؛ لأنه محرم. لكن يتوجه أنه لحق الله . فدل على ذلك تحريم غيبة أهل قرية خلافا لأبي حنيفة. لا أحد هؤلاء، أو وصف رجلا بمكروه
стр. 4779
كمن لا يعرفه؛ لأنه لا يتأذى غير المعين؛ كقوله في العالم: من يزني ونحوه. إلا أن يعرف بعد البحث. انتهى.
(ومن قال لمكلف أو غيره: اقذفني فقذفه لم يحد) في الأصح؛ (لأنه حق
له) أى (١) : للذى قال: اقذفني، (وعزر)، لأن ذلك محرم.
(ومن قال لآمراته: يا زانية، قالت: بك زنيت سقط حقها، بتصديقها،
ولم تقذفه). نص عليه؛ لأنه ليس بقذف صريح من جهتها؛ لأن الإقرار بالزنا إذا كان مضافا إلى معين لا يكون قذفا له؛ كما لو قال: زنيت بفلانة. فإنه لا يكون قذفا لها.
(ويحدان) أي: القائل والمقول له (في) ما إذا قال مكلف لمكلف: (زنى بك فلان، قالت: بل أنت زنى بك، أو) قال لامرأة: (يا زانية، قالت) له: (بل انت زان)، لوجود القذف من كل منهما للاخر.
(وليس لولد محصن قذف مطالبة) على قاذف والده (٢) (ما دام) والده المقذوف (حيا)، لأن صاحب الحق موجود فليس لغيره المطالبة به بدون توكيله كسائر حقوقه.
(فإن مات) المقذوف (ولم يطالب) القاذف (به) أي: بحد قذفه: (سقط)؛ كالشفييع إذا مات قبل مطالبته بالشفعة فإنها تسقط.
(وإلا) أي: وإن لم يمت قبل مطالبته بحد القذف بأن طالب به قبل موته: (فلا) يسقط؛ لأنه بمطالبة الميت قبل موته علم أنه قائم على حقه فقام وارثه مقامه في ذلك.
(وهو) أي: وحد القذف حق (لجميع الورثة) حتى الزوج أو الزوجة في الأصح؛ لأنه حق ورث عن الميت. فاشترك فيه جميع الورثة؛ كسائر الحقوق. وقيل: سوى الزوجين.
стр. 4780
وفي " المغني ": للعصبة.
(فلو عفا بعضهم) أي: بعض الورثة (حد للباقي) من الورثة الذي لم يعف
حدا (كاملا)؛ للحوق العار بكل واحد منهم على انفراده.
ولأن حد القذف حق لا يسقط إلى بدل فإذا عفا بعض من هو له لم يسقط؛
لأنه لا يملك إسقاط حق غيره. فوجب لمن لم يعف كاملا؛ كما لو استوفاه المقذوف قبل موته.
[(ومن قذف) إنسانا (ميتا ولو) كان المقذوف (غير محصن) والوارث له محصن: (حد) القاذف (بطلب وارث محصن خاصة) للميت فى الأصح؛ لأنه حق ثبت للوارث لما يلحقه فيه من العار. فاعتبر إحصانه؛ كما لو كان هو المقذوف؛ وذلك لأن حد القذف شرع للتشفي بسبب الطعن والفرية، وكما يلحق العار بقذفه كذلك يلحق وارث الميت العار بقذف مورثه؛ لأنه طعن في أصله الذي يستند إليه. فثبت له الحق؛ رفعا للعار عنه] (١) .
(ومن قذف نبيا) ولو غير نبينا، (أو أمه) يعنى: أو أم نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (كفر، وقتل حتى ولو تاب) المسلم؛ لعدم قبول توبته إلا فيما بينه وبين الله على الأصح.
(أو كان) القاذف في الصورتين (كافرا فأسلم) بعد القذف على الأصح.
أما كونه لا تقبل توبته؛ فإن القتل هنا حد للقذف، وحد القذف لا يسقط بالتوبة؛ كقذف غير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقذف أمهاتهم.
ولأنه لو قبلت توبته لسقط حده الذي هو القتل. فيصير أخف حكما من قذف آحاد الناس؛ لأن حد غيرهم لا يسقط بالتوبة ويستوفى منه الحد مع توبته.
وأما كونه يقتل ولو قذف وهو كافر ثم أسلم؛ فلأن القتل هو حد قذف الأنبياء وأمهاتهم. فلا يسقط بالإسلام؛ كقذف غيرهم.
стр. 4781
(ولا يكفر من قذف أباه) أي: أبا إنسان (إلى أدم) نصا.
قال في " الفروع ": وسأله حرب رجل افترى على رجل، فقال: يا ابن كذا
وكذا إلى آدم وحوى. فعظمه جدا وقال عن الحد: لم يبلغني فيه شيء. وذهب إلى حد واحد. انتهى.
(ومن قذف جماعة يتصور زناهم عادة بكلمة) واحدة " بأن قال: هؤلاء
زناة، (فطالبوه) جميعهم (أو) طا لبه (احدهم: فـ) عليه (حد) واحد على الأصح؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. ولم يفرق بين القذف لواحد أو لجماعة.
ولأنه قذف واحد. فلم يجب به أكثر من حد واحد.
ولأن الحد إنما" شرع لإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد
يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فيجب أن يكتفى بحد واحد. بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا مفردا فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في القذف الآخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين على انفراده بحده للآخر.
إذا ثبت هذا فإنهم إن طلبوا جملة حد لهم، وإن طلبه واحد أقيم الحد؛ لأن
الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طلب استوفى وسقط الحد عنه لغير المستوفي. وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة واستيفاوه " لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه.
(و) إن قذفهم (بكلمات) كل واحد بكلمة (فـ) عليه (لكل واحد حد)؛
لأنه قد تعدد القذف وتعدد محله. فتعدد الحد بتعددهما؛ كما لو قذف كل واحد منهم من غير أن يقذف غيره.
(ومن حد لقذف ثم أعاده) أي: أعاد القذف بعد أن حد له، (أو) أعاد الملاعن القذف (بعد لعانه: عزر) فقط على الأصح، (ولا لعان) اي: ولا يعاد اللعان، لأنه قذف واحد حد عينه مرة، أو لاعن عليه مرة، لكون القاذف زوجا للمقذوفة. فلا يجب مرة أخرى؛ كما لو أعاده قبل الحد أو قبل اللعان.
стр. 4782
(و) إن قذفه (بزنا آخر) أي: غير الذي حد له: (حد) أيضا (مع طول الزمن) في الأصح؛ لأن حرمة المقذوف لا تسقط بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يتمكن من قذفه بكل حال بحده مرة.
(وإلا) أي: وإن لم يطل الزمن (فلا) يعاد عليه الحد في الأصح.
(ومن قذف مقرا بزنا ولو) كان إقرار المقذوف بزناه (دون أربع) أي: أربع مرات: (عزر) فقط؛ لأن المقذوف مقر بالزنا. فلم يظهر كذب القاذف، والمقرة على المقذوف بإقراره لا بسبب القذف.
وأما كونه يعزر؛ فلأنه ارتكب محرما.
قال في " الفروع ": ولا يشترط لصحة توبة من قذف وغيبة ونحوهما إعلامه والتحلل منه. وحرمه القاضي وعبد القادر.
ونقل مهنا: لا ينبغي أن يعلمه.
قال شيخنا: [والأشبه انه يختلف.
وعنه: يشترط.
وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفرولم يعلمه. وذكره شيخنا] (١) عن أكثر العلماء.
قال: وعلى الصحيح من الروايتين: لا يجب الاعتراف لو سأله فيعرض ولو
مع استحلافه؛ لأنه مظلوم لصحة توبته.
ومن جوز التصريح في الكذب المباح هنا نظر، ومع عدم توبة وإحسان تعريضه كذب، ويمينه غموس.
قال: واختار أصحابنا: لا يعلمه، بل يدعو له في مقابلة مظلمته.
قال: وزناه بزوجة غيره كغيبته.
стр. 4783
وذكر (١) في " الغنية ": إن تأذى بمعرفته كزناه بجاريته وأهله وغيبته بعيب
خفي يعظم أذاه به، فهنا لاطريق له إلا أن يستحله ويبقى له عليه مظلمة ما، فيجبرها بالحسنات كما يجبر مظلمة الميت والغائب.
وذكر ابن عقيل: في زناه بزوجة غيره احتمالا لبعضهم: لا يصح إحلاله؛
لأنه مما لا يستباح بإباحته ابتداء، قال: وعندي يبرا وإن لم يملك إباحتها
ابتداء؛ كالدم والقذف. قال: وينبغي استحلاله فإنه (٢) حق آدمي فدل أنه لو أصبح فتصدق بعرضه على الناس لم يملكه ولم يبح، وإسقاط الحق قبل وجود سببه لا يصح، وإذنه في عرضه كإذنه في قذفه وهي كإذنه في دمه وماله. انتهى كلامه في " الفروع ".
***
стр. 4784
[باب: حد المسكر]
هذا (باب حد المسكر) يعني: الذي ينشأ عنه السكر. والسكر: اختلاط العقل.
والأصل في تحريم المسكر قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وهذه الآية نص في التحريم من وجوه:
أحدها: أنه سماه رجسا، والرجس النجس، واستعمال النجس محرم. الثانى: أنه قال: (من عمل الشيطان) وأعمال الشيطان تكون محرمة؛ لأنها
تقع على خلاف أوامر الله .
الثالث: أنه قال: (فاجتنبوه) فأمر باجتنابه ولا معنى للتحريم إلا ذلك.
وروى أبو سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا أيها الناس إن الله يعرض في الخمر. ولعل الله سيعرض فيها أمرا. فمن كان عنده فيها شيء فليبعه ولينتفع به. فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال ﷺ : إن الله قد حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع. فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها " (١) . رواه مسلم.
وأجمع المسلمون على تحريم الخمر، إلا أن الخلاف فيما يقع عليه اسم الخمر.
إذا تقرر هذا فالمذهب أنه: (كل مسكر خمر، يحرم شرب قليله وكثيره). نقل ذلك الجماعة عن أحمد.
стр. 4785
(مطلقا)، لقول النبي ﷺ : " كل مسكر خمر وكل خمر حرام " (١) . رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وعن عائشة قالت: سمعت رسول ﷺ يقول: " كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " (٢) . روه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
والفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا.
وقد روى ابن عمر [عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام " (٣) . رواه أحمد] (٤) وابن ماجه والدارقطني وصححه.
ولأبي داود وابن ماجه والترمذي مثله من حديث جابر (٥)
стр. 4786
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: " نزل تحريم الخمر وهي: من العنب والتمر والعسل والبر والشعير. والخمر ما خامر العقل " (١) . متفق عليه.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة في عصير العنب: إذا طبخ وذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب: إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك، نقيعا كان أو مطبوخا كل ذلك حلالى إلا ما بلغ السكر. فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقييع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا محرم قليله وكثيره؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " حرمت الخمرة لعينها والسكر من كل شراب " (٢) .
ولنا: ما تقدم من الأحاديث، وأن حديث ابن عباس رواه سعيد عن مسعر (٣) عن أبي عون عن ابن شداد عن ابن عباس أنه قال: " والمسكر من كل شراب ".
ولأن التحريم إنما شرع لما فيه من السكر الذي يضل به العقل ويحصل منه المحذور بالوقوع في المحظورات وارتكاب المنهيات كما اشار إلى ذلك في آية التحريم بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: ??].
والقدر الذي يكون به السكر لا حد له، فإن في الناس من يسكره القليل. وكذلك تختلف الأشربة. فوجب أن يمنع من استعمال ما فيه هذه القوة المسكرة قليله وكثيره؛ ليندفع هذا المحذور بيقين.
стр. 4787
إذا تقرر هذا فإنه لا يحل شرب قليله (ولو لعطش. بخلاف ماء نجس)؛
لما فيه من البرد والرطوبة. بخلاف المسكر؛ لأن المسكر لا يحصل به ري؛ لأن ما فيه من الحرارة يزيد العطش، أو لتداو؛ لأن المتداوي به ليس بواثق من الشفاء به فإنه لا يمكن القطع بذلك فليس استعماله بضروري للصحة، وحصول البرء به موهوم فلا يباح به المحرم يقينا.
ويستثنى من إطلاق تحريم استعماله صورة واحدة أشيرإليها بقوله:
(إلا لدفع لقمة غص بها، ولم يجد غيره، وخاف تلفا)؛ لأنه مضطر.
(ويقدم عليه) أي: على المسكر (بول)؛ لوجوب الحد باستعمال المسكر دون البول.
(و) يقدم (عليهما) أي: على المسكر والبول (ماء نجس)؛ لأن الماء مطعوم. بخلاف البول. وإنما منع من حل استعماله نجاسته.
إذا تقرر هذا (فإذا شربه) أي: شرب المسكر، (أو) شرب (ما خلط به) اي: بالمسكر (ولم يستهلك فيه) أي: يستهلك المسكر في الماء؛ لأن المسكر إذا استهلك في الماء لم يسلب عنه اسم الماء، (أو استعط) بالمسكر (أو احتقن به، أو أكل عجينا لت به) اي: بالمسكر (مسلم مكلف) نيم ح الصغير والمجنون، حال كون مستعمله (عالما أن كثيره يسكر. ويصدق إن قال: لم أعلم) أن كثيره يسكر، وحال كونه (مختارا) لشربه؛ لأنه إذا لم يكون، مختارا لشربه لا إثم عليه (لحله) أي: حل شرب المسكر (لمكره) على شرب. على الأصح، سواء أكره بالوعيد أو بالضرب، أو ألجى إلى شرب المسكر بأن يفتح إنسان فاه ويصبه فيه، فإن النبي ﷺ قال: " رفع عن أمتي الخطاً والنسيان وما استكرهوا عليه " (١) .
(وصبره) أي: وصبر المكره على شرب المسكر (على الأذى) أي: على
стр. 4788
أذى مكرهه (١) لعدم طواعيته (أفضل) من شربها مكرها. نص عليه. وكذا كل ما جاز فعله للمكره. ذكره القاضي وغيره.
(أو وجد) إنسان (سكران، أو) وجد إنسان (تقايأها) أي: تقيأ الخمر على الأصح في الصورتين، لأنه لم يسكر أو يتقيأها إلا وقد شربها: (حد حر) شربها، أو استعط بها، أو احتقن بها، أو أكل عجينا لت بها، أو وجد سكران، أو تقيأها وهو مسلم مكلف عالم بتحريمها (ثمانين) جلدة على الأصح. وفاقا لمالك وأبي حنيفة.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
ووجه ذلك: إجماع الصحابة عليه، فإنه روي أن؛ عمر استشار الناس في
حد الخمر. فقال عبدالرحمن: اجعله كأخف الحدود ثمانين. فضرب عمر ثمانين. وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام " (٢) .
وروي أن عليا قال في المشورة: " أنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري " (٣) . روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.
(و) حد (رقيق) فيما يحد فيه الحر (نصفها) اي: نصف الثمانين. وذلك أربعون جلدة. ويستوي في ذلك العبد والأمة.
فيقام الحد على كل من الحر والرقيق (ولو ادعى جهل وجوب الحذ) عليه حيث (٤) كان عالما بالتحريم.
قال ابن حمدان: ولا يقبل دعوى الجهل بالحد. انتهى.
(ويعزر من وجد منه رائحتها) اي: رائحة الخمر. ولا يحد على الأصح،
стр. 4789
لاحتمال أنه تمضمض بها، أو ظنها ماء فلما صارت في فيه مجها ونحو ذلك. وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات.
ويعزر أيضا من أشير إليه بقوله: (او حضر شربها)؛ لما روى عبد الله بن
عمر أن النبي ﷺ قال: " لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة (١) إليه (٢) . رواه أبوداود.
(لا شارب) يعني: أنه لا يحد ولا يعزر شارب خمرا (جهل التحريم) أي: تحريم الخمر؛ لأن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما قالا: " لا حد إلا على من علم التحريم ".
ولأن غير العالم بالتحريم. أشبه من شربها غير عالم أنها خمر.
(ولا تقبل دعوى الجهل) بالتحريم (ممن نشأ بين المسلمين)؛ لأن هذا
لا يكاد يخفى على مثله فلا يقبل دعواه فيه. أما من كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن البلدان فإنه يقبل منه ذلك؛ لاحتمال صدقه.
(ولا حد على كافر لشرب) أي: شرب مسكر على الأصح؛ لأنه يعتقد حله. فلم يحد بفعله؛ كنكاح المجوس ذوات محارمهم.
ولأن الله إنما خاطب المؤمنين بالتحريم دون الكفار. وأهل الذمة إنما التزموا الجزية ودخلوا في ذمة المسلمين على إقرارهم على دينهم فيكونوا مقرين على إباحه الخمر لهم، فلا يجب عليهم الحد بشربها.
(ويثبت) شرب المسكر (بإقرار مرة) واحدة في قول عامة أهل العلم (كقذف) يعني: كإقرار بقذف؛ لأن كلا من ذلك لا يتضمن إتلافا، (أو) بـ (شهادة عدلين) على الشرب أو على الإقرار به. (ولو لم يقولا: مختارا عالما تحريمه) في الأصح اعتمادا على الأصل. ومتى رجيع عن إقراره قبل منه؛ لأنه حد لله . فقبل رجوعه؛ كباقي حدود الله .
стр. 4790
(ويحرم عصير غلى) يعني: كغليان القدر بأن قذف بزبده. نص عليه في رواية الجماعة.
ولا فرق بين كون العصير من عنب أو قصب أو رمان أو غير ذلك. وظاهره: ولو
لم يسكر؛ لأن علة التحريم الشدة الحادثة فيه وهي توجد بوجود الغليان، فإذا غلا حرم؛ لوجود علته. وقد روي عن أبي هريرة قال: " علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء. ثم أتيته به فإذا هو ينش. فقال: اضرب بهذا الحائط. فإن هذا شراب من لم يؤمن بالله واليوم الآخر " (١) . رواه أبو داود والنسائي. (أو أتى عليه) اي: على العصير (ثلاثة أيام بلياليهن) يعني: فإنه يحرم
وإن لم يغل. نص على ذلك.
قال في " الفروع ": والمنصوص يحرم ما تم له ثلاثة أيام. انتهى.
وذلك لما روى الشالنجي بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: " اشربوا العصير
ثلاثا ما لم يغل ".
وروي أيضا عن ابن عمر " أنه قال في العصير: اشربه ما لم يأخذه شيطانه.
قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؛ قال: في ثلاث ". حكاه أحمد وغيره.
ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالبا. وهي خفية تحتاج إلى ضابط، والثلاث تصلح لذلك. فوجب اعتبارها بها.
وروي أيضا عن ابن عباس " أنه كان ينقع للنبي ﷺ الزبيب فيشربه اليوم والغد
وبعد الغد إلى مساء الليلة الثالثة. ثم يؤمر به فيسقى ذلك الخدم أو يهراق " (٢) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
стр. 4791
وقوله: إلى مساء الليلة الثالثة يكون قبل تمام الثلاث بقليل فيسقى ذلك
الخدم إن شاؤا شربه أو يهراق قبل أن تتم عليه الثلاث لينبذ غيره في وعائه.
(وإن طبخ) العصير) قبل تحريم) يعني: قبل أن يغلي أو تتم له ثلاثه أيام
(حل: إن ذهب ثلثاه) وبقي ثلثه. نص على ذلك.
وذكر أبو بكر أنه إجماع من المسلمين؛ " لأن أبا موسى كان يشرب من
الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه " (١) . رواه النسائي.
وله مثله عن عمر وأبي الدرداء (٢) .
ولأن العصير إنما يغلي؛ لما فيه من الرطوبة والحراره التي تطبخه، فإذا
أغلي على النارحتى ذهب ثلثاه فقد ذهب أكثر رطوبته فلا يكاد يغلي، وإذا لم يغل لم تحصل فيه الشدة؛ لأنه يصير كالرب (٣) . ولهذا قال أحمد حين سأله أبو داود إنهم يقولون: إنه يسكر، فقال: لو كان يسكر ما أحله عمر.
(ووضع زبيب في خردل كعصير) يعني: أنه يحرم إذا [غلا أو] (٤) أتت عليه
ثلاثة أيام. صرح به في " المستوعب ".
(وإن صب عليه خل: أكل).
قال في " الإنصاف " فائدة: جعل الإمام أحمد وضع زبيب في خردل كعصير، وأنه إن صب فيه خل أكل. انتهى.
(ويكره الخليطان كنبذ تمر مع زبيب)، أو نبذ بسر مع تمر، أو مع رطب.
(وكذا) نبذ (مذنب) وهو ما نصفه بسر ونصفه رطب (وحده)؛ لأنه نبذ بسر مع رطب. وذلك على الأ صح.
стр. 4792
لأن جابر روى " أن النبي ﷺ نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا، ونهى أن
ينبذ الرطب والبسر جميعا " (١) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
وعن أبي (٢) سعيد قال: " نهانا رسول الله ﷺ أن نخلط بسرا بتمر، وزبيبا ببسر. وقال: من شربه منكم فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا " (٣) . رواه مسلم والنسائي.
وعن أبي قتادة قال: " نهى النبي ﷺ أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب. ولينتبذ كل واحد منهما على حدة " (٤) . متفق عليه.
ولأن نبذ الخليطين يسرع إلى الإسكار المحرم فنهي عنه لذلك.
وما رواه ابن ماجه بسنده إلى عائشة قالت: " كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء. فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحهما فيه، ونصب عليه الماء.
стр. 4793
فننبذه غدوة فيشربه عشية، وننبذ عشية فيشربه غدوة " (١) فمحمول على نسخه؛ لعدم إمكان الجميع بغير ذلك.
(لا وضع تمر) وحده، (أو) وضع (زبيب) وحده، (أو) وضع (نحوهما)؛ كمشمش وحده أو عناب وحده (في ماء لتحليته) أي: تحلية الماء فإن ذلك لا يكره؛ لأنه مفهوم أحاديث النهي عن الخليطين: (ما لم يشتد أو تتم له ثلاث) فيحرم؛ لما تقدم من الأحاديث.
(ولا) يكره أيضا (فقاع)؛ لأنه نبيذ لم يأت عليه ثلاثة أيام ولا هو مشتد وليس المقصود منه الإسكار، وإنما يتخذ لهضم الطعام وصدق الشهوة، فلا وجه لتحريمه.
ولا يكره أيضا (انتباذ في دباء) وهي: القرعة، (و) لا في (حنتم) وهي: الجرار الخضر، (و) لا في (نقير) وهو: ما حفر من الخشب، (و) لا في (مزفت) وهو: ما لطخ بالزفت، ومثله المقير على الأصح؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه مرة ثم رخص فيه. فروى بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا " (٢) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
(وإن غلا عنب- وهو عنب-: فلا بأس به) نصا. نقله أبو داود.
(ومن تشبه بالشراب) أي: شراب الخمر بتشديد الشين المعجمة وضمها جمع شارب (في مجلسه وآنيته، وحاضر من حاضره بمحاضر الشراب: حرم وعزر. قاله في " الرعاية "). والله أعلم.
стр. 4794
[باب: التعزير]
هذا (باب التعزير). وأصله المنع، ومنه: التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه يمنع المعادي له والمعاند له من إيذائه، وهاهنا يمنع المعزر بتشديد الزاي وفتحها مما لا يجوز له فعله.
(وهو) في اصطلاح الفقهاء: (التأديب. ويجب) التعزير على (١) كل مكلف على الأصح. نص عليه في سب صحابي كحد وحق آدمي طلبه.
نقل الميمونى فيمن زنى صغيرا لم ير عليه شيئا.
ونقل ابن منصور في صبي قال لرجل: يا زانى ليس قوله شيئا.
وقال الشيخ تقي الدين في " رده على الرافضي ": لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف كالصبي المميز يعاقب على الفاحشة تعزيرا بليغا.
(في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كمباشرة دون فرج، و) مباشرة (امرأة لامرأة، وسرقة لا قطع فيها)، كمن غير حرز أو دون نصاب، (وجناية لا قود فيها)، كصفع ووكز وهو الدفع والضرب بجميع (٢) الكف، (وقذف غير ولد بغير زنا)؛ كقوله: يا حرامي، يا شاهد زور، ونحو ذلك، (و) كـ (لعنة. وليس لمن لعن ردها) على من لعنه.
(وكدعاء عليه) بغير فرية، (و) كـ (شتمه بغير فرية، وكذا) قوله لغير ولده: (الله أكبر عليك، ونحو ذلك)؛ كقوله: خصمك الله.
(قال بعض الأصحاب) وذلك البعض هم القاضي ومن تبعه: (إلا إذا شتم نفسه أو سبها).
стр. 4795
قال القاضي: وقد يفعل معصية لا كفارة فيها ولا حد، ولا يعزر أيضا؛
كما لو شتم نفسه أو سبها. انتهى.
وقوله في المتن: ولا كفارة ليخرج بذلك، الظهار والقتل شبه العمد ونحوهما؛ لأن كلا من ذلك معصية لكن فيها كفارة، ولا تعزير في معصية فيها كفارة.
(ولا يحتاج) في إقامة التعزير (١) (إلى مطالبة)؛ لأنه مشروع للتأديب،
فللإمام التعزير إذا رآه، (فيعزر من سب صحابيا، ولو كان له وارث ولم يطالب) بتعزيره.
وأما سقوط التعزير بعفو المجني عليه ففيه خلاف.
قال القاضي في " الأحكام السلطانية ": ويسقط بعفو آدمي حقه وحق السلطنة. وديه احتمال: لا للتهذيب والتقويم.
وفي "الانتصار" في قذف مسلم كافرا: التعزير لله فلا يسقط بإسقاطه. انتهى. (ويعزر- بعشرين سوطا- بشرب مسكر في نهار رمضان مع الحد)؛ لما
روى أحمد بإسناده " أن عليا رضي الله تعالى عنه أتي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطا لفطره في رمضان " (٢) .
(ومن وطئ أمة امرأته حد: ما لم تكن أحلتها له) أي: أحلت أمتها لزوجها.
(فيجلد مائة إن علم التحريم فيهما) أي: في صورة ما إذا شرب مسكرا في رمضان، وفي (٣) صورة ما إذا وطئ أمة امرأته التي أحلتها له؛ وذلك لما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم: " أن رجلا يقال له عبدالرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته. فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفه.
стр. 4796
فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ : إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة. فوجدوها أحلتها له فجلده مائة" (١) . (وإن ولدت) منه ولدا: (لم يلحقه نسبه) على الأصح؛ لأنه وطء في غير ملك ولا شبهة ملك. أشبه زنا المحصن.
(ولا يسقط حد بإباحة في غير هذا الموضع) [وهي ما إذا أحلتها له] (٢) .
(ومن وطئ أمة- له فيها شرك- عزر بمائة) أي: بمائة سوط (إلا سوطا) على الأصح. نقله الجماعة عن أحمد لينقص عن حد الزنى.
(وله) أي: للحاكم (نقصه) عن ذلك بحسب اجتهاده (٣) .
(ولا يزاد في جلد) في تعزير (على عشر) أي: عشر جلدات، (في غير
ما تقدم) ذكره على الأصح. نص الإمام أحمد على ذلك في مواضع. وهو قول إسحاق؛ لما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله " (٤) . متفق عليه.
وللحاكم نقصه عن العشرة؛ لأن النبي ﷺ قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع
فيه إلى اجتهاد الحاكم فيعمل بما يراه وما يقتضيه حال الشخص. ويشهر لمصلحة. نقله عبد الله في شاهد زور.
(ويحرم تعزير بحلق لحية، وقطع طرف، وجرح)؛ لما روي عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: " إياكم والمثلة في العقوبة وجز الرأس واللحية ".
(و) يحرم أيضا التعزير بـ (أخذ مال أو إتلافه).
стр. 4797
قال في " الإنصاف ": قال الأصحاب: ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه
ولا أخذ شيء من ماله.
قال في "الفروع ": فيتوجه أن إتلافه أولى مع أن ظاهر كلامهم لا يجوز. انتهى.
ولأن (١) الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به.
(لا بتسويد وجه) يعني: أنه لا يحرم التعزير بتسويد وجه في الأصح، (ولا بأن ينادى عليه بذنبه، ويطاف به مع ضربه).
قال الإمام أحمد في شاهد الزور: ورد فيه عن عمر يضرب- ظهره ويحلق رأسه ويسخم وجهه ويطاف به ويطال حبسه.
(ومن قال لذمي: يا حاج) أدب، لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله . وفيه تعظيم لذلك فإنه بمنزلة من يشبه أعيادهم بأعياد المسلمين وتعظيمهم.
(أو لعنه بغير موجب: أدب).
قال في " الفروع ": أدبا خفيفا، لأنه ليس له أن يلعنه بغير موجب، إلا أن يكون صدر من النصراني ما يقتضي ذلك. انتهى.
(ومن عرف بأذى الناس- حتى بعينه- حبس حتى يموت) قاله في " الرعاية "، (أو يتوب).
وقال في " الأحكام السلطانية ": للوالي فعله لا للقاضي ونفقته من بيت المال ليدفع ضرره.
وفي " الترغيب " في العائن: للإمام حبسه.
ومن المكتوب على باب سجن بالعراق: هاهنا تلين الصعاب، وتختبر الأحباب. وعلى باب سجن آخر: هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.
стр. 4798
وقال (المنقح: لا يبعد ان يقتل العائن: إذا كان يقتل بعينه غالبا، وأما ما أتلفه فيغرمه. انتهى) كلامه في " التنقيح ".
وقال ابن القيم في " شرح منازل السائرين ": فإن قيل: فهل تقيدون منه إذا
قتل بعينه؛ قيل: إن كان ذلك بغير اختياره، بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية، وإن عمد ذلك وقدر على رده وعلم أنه يقتل به ساغ للوالي أن يقتله بمثل ما قتل به، فيعينه إن شاء كما عان هوالمقتول.
وأما قتله بالسيف قصاصا فلا، لأن هذا ليس مما يقتل غالبا ولا هو مماثل للجناية. قال: وسألت شيخنا عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؛ فقال: للولي
أن يقتله بالحال كما قتل به. وفرق ابن القيم بين العائن والساحر من وجهين. ذكرهما في المشاهد في المشهد الثانى، وجوز ابن عقيل قتل مسلم جاسوس لكفار وفاقا لمالك. وزاد ابن الجوزي: إن خيف دوامه. وتوقف فيه أحمد. (ومن استمنى- من رجل أو امرأة- لغير حاجة: حرم وعزر) على الأصح؛ لأنه معصية.
(وإن فعله خوفا من الزنا: فلا شيء عليه)؛ لأنه لو فعل ذلك خوفا على بدنه لم يكن عليه شيء. ففعله خوفا على دينه أولى.
(فلا يباح إلا إذا لم يقدر على نكاح ولو لأمة)، لأنه لو فعل ذلك إنما يباح لضرورة الخوف من الزنا وهي مندفعة بما ذكر.
(ولو اضطر إلى جماع- وليس) بموجود (من يباح وطؤها-: حرم الوطء). بخلاف أكله في المخمصة ما لا يباح في غيرها، لأن عدم الأكل لا تبقى معه الحياة. بخلاف الوطء.
стр. 4799
[باب: القطع في السرقة]
هذا (باب القطع في السرقة) وهو ثابت بالإجماع.
وسنده قوله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا]
[المائدة: ٣٨].
ولقوله ﷺ في حديث عائشة: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً " (١) ، إلى غيرذلك من النصوص.
(وشروطه) أي: شروط وجوب القطع في السرقة (ثمانية:
أحدها: السَّرقة)، لأن الله أوجب القطع على السارق.
فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقاً.
(وهي) أي: السر قة: (أخذُ مال محترم لغيره) أي: غير سارقه، (على
وجه الاختفاء، من مالكه أو) من (نائبه) أي: نائب ذلك المال. ومن ذلك:
استراق السميع، ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك.
إذا تقرر هذا (فـ) إنه (يُقطع الطَّرَّار) على الأصح، (وهو: من يبطُّ جيباً
أو كمًّا أو غيرهما)؛ كالصفن (ويأخذ منه أو بعد سقوطه)؛ لأنه سرق من
حرز، بشرط أن يكون المسروق (نصاباً.
وكذا) يقطع (جاحد عارية) على الأصح (قيمتها نصاب)؛ لما روى ابن
عمر قال: " كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده. فأمر النبي ﷺ بقطع يدها " (٢) . رواه أحمد والنسائي وأبو داود.
стр. 4800
[وهذا فيما يمكن جحده وخفاؤه؛ لأن قوله: " كانت مخزومية تستعير
المتاع وتجحده " يخرج بذلك مستعير الأماكن وكل ما لا يمكن خفاؤه؛ لأن
ذلك لا يسمى متاعاً] (١) .
وعن عائشة مثله. وقالت فيه: " فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فكلم
النبي ﷺ . فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب. فقال: يا أيها الناس لِلَّهِ إنما ضل مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا
سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لِلَّهِ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " (٢) . رواه أحمد ومسلم والنسانى.
قال أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه.
وقال في رواية الميمونى: هو حكم من النبي ﷺ ليس يدفعه شيء.
(لا) جاحد (وديعة) فلا يقطع.
(ولا) يقطع (منتهب) وهو: الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة؛ لما
روى جابر مرفوعاً قال: " ليس على المنتهب قطع " (٣) رواه أبو داود.
(و) لا (مختلس). وهو: الذي يختطف الشيء ويمر به.
(و) لا (غاصب، و) لا (خائن) وهو: الذي يؤتمن على الشيء فيخفيه
أو يجحده. وأصله من التخون وهو: التنقيص من مودَع ونحوه من الأمناء؛