← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ : إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة. فوجدوها أحلتها له فجلده مائة" (١) . (وإن ولدت) منه ولدا: (لم يلحقه نسبه) على الأصح؛ لأنه وطء في غير ملك ولا شبهة ملك. أشبه زنا المحصن. (ولا يسقط حد بإباحة في غير هذا الموضع) [وهي ما إذا أحلتها له] (٢) . (ومن وطئ أمة- له فيها شرك- عزر بمائة) أي: بمائة سوط (إلا سوطا) على الأصح. نقله الجماعة عن أحمد لينقص عن حد الزنى. (وله) أي: للحاكم (نقصه) عن ذلك بحسب اجتهاده (٣) . (ولا يزاد في جلد) في تعزير (على عشر) أي: عشر جلدات، (في غير ما تقدم) ذكره على الأصح. نص الإمام أحمد على ذلك في مواضع. وهو قول إسحاق؛ لما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله " (٤) . متفق عليه. وللحاكم نقصه عن العشرة؛ لأن النبي ﷺ قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم فيعمل بما يراه وما يقتضيه حال الشخص. ويشهر لمصلحة. نقله عبد الله في شاهد زور. (ويحرم تعزير بحلق لحية، وقطع طرف، وجرح)؛ لما روي عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: " إياكم والمثلة في العقوبة وجز الرأس واللحية ". (و) يحرم أيضا التعزير بـ (أخذ مال أو إتلافه).

стр. 4797

قال في " الإنصاف ": قال الأصحاب: ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه ولا أخذ شيء من ماله. قال في "الفروع ": فيتوجه أن إتلافه أولى مع أن ظاهر كلامهم لا يجوز. انتهى. ولأن (١) الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به. (لا بتسويد وجه) يعني: أنه لا يحرم التعزير بتسويد وجه في الأصح، (ولا بأن ينادى عليه بذنبه، ويطاف به مع ضربه). قال الإمام أحمد في شاهد الزور: ورد فيه عن عمر يضرب- ظهره ويحلق رأسه ويسخم وجهه ويطاف به ويطال حبسه. (ومن قال لذمي: يا حاج) أدب، لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله . وفيه تعظيم لذلك فإنه بمنزلة من يشبه أعيادهم بأعياد المسلمين وتعظيمهم. (أو لعنه بغير موجب: أدب). قال في " الفروع ": أدبا خفيفا، لأنه ليس له أن يلعنه بغير موجب، إلا أن يكون صدر من النصراني ما يقتضي ذلك. انتهى. (ومن عرف بأذى الناس- حتى بعينه- حبس حتى يموت) قاله في " الرعاية "، (أو يتوب). وقال في " الأحكام السلطانية ": للوالي فعله لا للقاضي ونفقته من بيت المال ليدفع ضرره. وفي " الترغيب " في العائن: للإمام حبسه. ومن المكتوب على باب سجن بالعراق: هاهنا تلين الصعاب، وتختبر الأحباب. وعلى باب سجن آخر: هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.

стр. 4798

وقال (المنقح: لا يبعد ان يقتل العائن: إذا كان يقتل بعينه غالبا، وأما ما أتلفه فيغرمه. انتهى) كلامه في " التنقيح ". وقال ابن القيم في " شرح منازل السائرين ": فإن قيل: فهل تقيدون منه إذا قتل بعينه؛ قيل: إن كان ذلك بغير اختياره، بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية، وإن عمد ذلك وقدر على رده وعلم أنه يقتل به ساغ للوالي أن يقتله بمثل ما قتل به، فيعينه إن شاء كما عان هوالمقتول. وأما قتله بالسيف قصاصا فلا، لأن هذا ليس مما يقتل غالبا ولا هو مماثل للجناية. قال: وسألت شيخنا عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؛ فقال: للولي أن يقتله بالحال كما قتل به. وفرق ابن القيم بين العائن والساحر من وجهين. ذكرهما في المشاهد في المشهد الثانى، وجوز ابن عقيل قتل مسلم جاسوس لكفار وفاقا لمالك. وزاد ابن الجوزي: إن خيف دوامه. وتوقف فيه أحمد. (ومن استمنى- من رجل أو امرأة- لغير حاجة: حرم وعزر) على الأصح؛ لأنه معصية. (وإن فعله خوفا من الزنا: فلا شيء عليه)؛ لأنه لو فعل ذلك خوفا على بدنه لم يكن عليه شيء. ففعله خوفا على دينه أولى. (فلا يباح إلا إذا لم يقدر على نكاح ولو لأمة)، لأنه لو فعل ذلك إنما يباح لضرورة الخوف من الزنا وهي مندفعة بما ذكر. (ولو اضطر إلى جماع- وليس) بموجود (من يباح وطؤها-: حرم الوطء). بخلاف أكله في المخمصة ما لا يباح في غيرها، لأن عدم الأكل لا تبقى معه الحياة. بخلاف الوطء.

стр. 4799

[باب: القطع في السرقة] هذا (باب القطع في السرقة) وهو ثابت بالإجماع. وسنده قوله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا] [المائدة: ٣٨]. ولقوله ﷺ في حديث عائشة: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً " (١) ، إلى غيرذلك من النصوص. (وشروطه) أي: شروط وجوب القطع في السرقة (ثمانية: أحدها: السَّرقة)، لأن الله أوجب القطع على السارق. فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقاً. (وهي) أي: السر قة: (أخذُ مال محترم لغيره) أي: غير سارقه، (على وجه الاختفاء، من مالكه أو) من (نائبه) أي: نائب ذلك المال. ومن ذلك: استراق السميع، ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك. إذا تقرر هذا (فـ) إنه (يُقطع الطَّرَّار) على الأصح، (وهو: من يبطُّ جيباً أو كمًّا أو غيرهما)؛ كالصفن (ويأخذ منه أو بعد سقوطه)؛ لأنه سرق من حرز، بشرط أن يكون المسروق (نصاباً. وكذا) يقطع (جاحد عارية) على الأصح (قيمتها نصاب)؛ لما روى ابن عمر قال: " كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده. فأمر النبي ﷺ بقطع يدها " (٢) . رواه أحمد والنسائي وأبو داود.

стр. 4800

[وهذا فيما يمكن جحده وخفاؤه؛ لأن قوله: " كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده " يخرج بذلك مستعير الأماكن وكل ما لا يمكن خفاؤه؛ لأن ذلك لا يسمى متاعاً] (١) . وعن عائشة مثله. وقالت فيه: " فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فكلم النبي ﷺ . فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب. فقال: يا أيها الناس لِلَّهِ إنما ضل مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لِلَّهِ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " (٢) . رواه أحمد ومسلم والنسانى. قال أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه. وقال في رواية الميمونى: هو حكم من النبي ﷺ ليس يدفعه شيء. (لا) جاحد (وديعة) فلا يقطع. (ولا) يقطع (منتهب) وهو: الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة؛ لما روى جابر مرفوعاً قال: " ليس على المنتهب قطع " (٣) رواه أبو داود. (و) لا (مختلس). وهو: الذي يختطف الشيء ويمر به. (و) لا (غاصب، و) لا (خائن) وهو: الذي يؤتمن على الشيء فيخفيه أو يجحده. وأصله من التخون وهو: التنقيص من مودَع ونحوه من الأمناء؛

стр. 4801

لقول النبي ﷺ : " ليس على الخائن والمختلس قطع " (١) . رواه أبو داود والترمذي وقال: لم يسمعه ابن جريج من ابن (٢) الزبير. قال أبو داود: وبلغني عن أحمد بن حنبل: أن ابن جريج إنما سمعه من ياسين الزيات. ولأن الاختلاس نوع من (٣) النهب. وإذا لم يقطع الخائن والمختلس فالغاصب أولى. الشرط (الثاني: كون سارق مكلَّفاً)؛ لأن غير المكلف لا تناله الأحكام، (مختارًا)؛ لأن المكرَه مرفوع عنه القلم ومعذور، (عالماً بمسروق) أي: بأنه أخذ المسروق، (و) عالماً (بتحريمه) أي: تحريم المسروق عليه بسرقته. إذا علمت ذلك (فلا قطع على صغير) لم يبلغ، (و) لا على (مجنون، و) لا على (مكره) على السرقة، (ولا بسرقة منديل بطرَفه نِصاب مشدود لم يعلمه) السارق، (ولا بجوهر يظن قيمته دون نصاب) فبانت نصابا فاً كثر؛ لأن ذلك لا يعرفه إلا خواص الناس، (ولا على جاهل تحريم) أي: تحريم السرقة. ولا تقبل دعوى الجهل ممن نشأ بالقرى بين المسلمين. الشرط (الثالث: كون مسروق (٤) مالا)؛ لأن ما ليس بمال لا حرمة له. فلم يجب به قطع، والأحاديث دالة على ذلك. مع أن غير المال لا يساوي المال فلا يلحق به. لا يقال الآية مطلقة؛ لأن الأخبار مقيدة لها. فعلى هذا: لا يقطع بسرقة كلب وإن كان مُعلماً؛ لأنه ليس بمال، ولا بسرقة حر.

стр. 4802

(محترماً)؛ لأنه إذا لم يكن محترماً؛ كمال الحربي تجوز سرقته بكل طريق، وجواز الأخذ منه ينفي وجوب القطع. (ولو) كان المال المسروق (من غلة وقف، وليس) السارق (من مستحقِّيه) أي: مستحقي الوقف؛ لأنه سرق مالاً محترماً لغيره لا شبهة له فيه. أشبه ما لو لم تكن غلة وقف. (لا) إن لم يكن محترماً؛ كمن سرق (من سارق، أو) سرق من (غاصب ما سرقه) السارق (أو غصبه) الغاصب؛ لأن ذلك ليس بمحترم فلا يقطع به. (وثمين؛ كجوهر، وما يُسرع فساده؛ كفاكهة) يقطع به؛ لعموم قوله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]. ولقوله ﷺ في التمر: " من سرق منه شيئاً فبلغ ثمن المجن ففيه القطع " (١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وروى مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن عمرة بنت عبدالرحمن " أن سارقاً سرق أُتْرُجّة في زمن عثمان بن عفان. فأمر عثمان أن تُقوم فقوّمت بثلاثة دراهم، من صرف اثني عشر بدينار. فقطع عثمان يده " (٢). ورواه الشافعي عن مالك (٣). وقال: هي الأترجة التي يأكلها الناس. ولأن هذا مال يُتمول عادة ويُرغب فيه. فيقطع سارقه؛ كالمجن. (وما أصله الإباحة؛ كملح، وتراب، وحجر، ولبن، وكلأ، وثلج، وصيد كغيره) الذي ليس أصله الإباحة في القطع بسرقته إذا بلغت قيمته ربع دينار.

стр. 4803

(سوى ماء) في الأصح، لأنه لا يتمول عاده، (و) سوى (سِرْجين نحس)؛ لأنه ليس بمال. (ويقطع بسرقة إناء نقد) أي: من ذهب أو فضة، (و) بسرقة (دنانير أو دراهم فيها تماثيل)؛ لأن ما فيها من الصنعة المحرمة لا يخرجها عن كونها مالاً محترماً. (و) يقطع أيضاً بسرقة (كتب علم) يعني: العلم المباح. بدليل ما يأتي في المتن؛ لأنها مال حقيقة ولثرعا. (و) يقطع بسرقة (قِنٍّ نائم، أو) قن (أعجمي ولو) كانا (كبيرين)؛ لأن الكبير غير النائم، والأعجمي لا يُسرق وإنما يخدع. (و) لهذا يقطع بسرقة قن (صغير ومجنون)؛ لأن كلاً منهما مال مملوك تبلغ قيمته نصاباً. فوجب القطع فيه؛ كسائر الحيوانات. وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة " أن رسول الله ﷺ أتي برجل يسرق الصبيان، ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى. فأمر رسول الله بيده فقطعت " (١) . رواه الدارقطني. (لا مكاتب) يعني: أنه لا قطع بسرقة المكاتب، ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن ملك سيده ليس بتمام عليه؛ لكونه لا يملك منافعه، ولا استخدامه، ولا أخذ أرش الجناية عليه. ولا يقال يقطع سارقه لأجل ملك المكاتب في نفسه؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه. فأشبه الحر. (و) لا قطع بسرقة (أم ولدٍ) في الأصح؛ لأنها لا يحل بيعها ولا نَقل الملك فيها. فأشبهت الحرة. (ولا) بسرقة (حر ولو صغيرًا) على الأصح؛ لأنه ليس بمال. فلا يقطع بسرقته؛ كالكبير النائم.

стр. 4804

(ولا) بسرقة (مصحف) في الأصح؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه. (ولابـ) سرقه (ما عليهما) أي: على الحر والمصحف: (من حلي، ونحوه) كثوب الصغير، وكيس المصحف إذا بلغت قيمته نصاباً في الأصح؛ لأن ذلك تابع لما لا يقطع بسرقته. (ولا) قطع أيضاً (بـ) سرقة (كتب بدع، و) كتب (تصاوير)؛ لأنها واجبة الإتلاف. (ولابـ) سرقة (آلة لهو)؛ كالطنبور والمزمار ولو بلغت قيمته مكسورًا نصاباً؛ لأنه للمعصية بالإجماع. فلم يقطع بسرقته؛ كالخمر. ولأن للسارق حقاً في أخذها لكسرها. فكان ذلك شبهة مانعة من القطع؛ كاستحقاقه مال ولده. حتى ولو كانت عليه حلية تبلغ نصاباً في الأصح؛ لأنها متصلة بما لا قطع فيه. أشبهت الخشب والأوتار. (ولا) قطع (بـ) سرقة (صليب) نقد، (أو صنم نقد)، ذهب أو فضة في الأصح تبعاً للصناعة. أشبهت الأوتار التي بالطنبور، (ولا بآنيه فيها خمر أو) فيها (ماء) في الأصح؛ لأنها متصلة بما لا قطع فيه. فأشبه ما لو سرق شيئاً مشتركاً بينه وبين غيره. قال ابن شاقلا: لو سرق إداوة فيها ماء لم يقطع؛ لاتصالها بما لا قطع فيه. الشرط (الرابع) من شروط وجوب القطع في السرقة: (كونه) أي: كون المسروق (نصاباً، وهو) أي: والنصاب الموجب للمطع في السرقة: (ثلاثة دراهم خالصة، أو) ثلاثة دراهم (تخلُص من) دراهم فضة (مغشوشة) بنحاس أو نحوه، (أو ربع دينار) من الذهب على الأصح. فيكفى الوزن من الفضة الخالصة أو التبر الخالص. (ولو لم يُضرَبا) في الأصح. فلا يجب القطع بسرقة دون ذلك في قول الفقهاء كلهم، إلا الحسن وداود وابن بنت الشافعي والخوارج فإنهم قالوا: يقطع (١) في الكثير والقليل؛ لعموم الآية.

стр. 4805

ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده " (١) . متفق عليه. ولأنه سارق من حرز فيقطع كسارق الكثير. ولنا: قول النبي ﷺ : " لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا " (٢) . روى ذلك أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. وما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: " اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك. وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثنا عشر درهما " (٣) . رواه أحمد. وهذان يخصان عموم الآية. والحبل يحتمل أن يساوي ذلك وكذلك البيضة يحتمل أن يراد بها بيضة السلاح وهي تساوي ذلك. (ويُكمَّل أحدهما بالاخر) يعني: أنه لو سرق درهماً ونصف درهم من خالص الفضة وثمن دينار من خالص التبر كمل نصاب أحدهما من الآخر وقطع سارقهما معاً. (أو) سرق (ما يبلغ قيمة أحدهما) أي: أحد نصاب الفضة والذهب (من غيرهما) (٤) أي: غير الذهب والفضة؛ كما لو سرق ثوباً مثلا قيمته ثلاثة دراهم من الفضة أو قيمته ربع دينار من الذهب قطع؛ لما روى ابن عمر " أن النبي ﷺ

стр. 4806

قطع يد سارق سرق (١) برنساً من صفة النساء قيمته ثلاثة دراهم " (٢) . رواه احمد وأبو داود والنسائي. وعن ابن عمر أيضاً " أن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم " (٣) . رواه الجماعة. وفي لفظ بعضهم: " قيمته ثلاثة دراهم " (٤) . وفي رواية " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن. قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار " (٥) . رواه النسائي.

стр. 4807

وهذا يدل على أن كل واحد من النقدين أصل. وهو المذهب " لأن ثمن المجن قُوم تارة بربع دينار، وتارة بثلاثة دراهم. فلو كانت الدراهم هي الأصل لا اختص التقويم بها دون الذهب. (وتعتبر القيمة) أي: تقويم المسروق إذا لم يكن ذهباً أو فضة بأحدهما (حال إخراجه من الحرز)، لأن الاعتبار بحال السرقة هو وقت الوجوب؛ لوجود السبب فيه وهو السرقة، فلا يعتبر ما حدث بعده. إذا تقرر هذا (فلو نقصت) قيمة المسروق (بعد إخراجه: قُطع) ولم يكن ذلك مسقطاً للقطع، لأن النقصان وجد في العين بعد سرقتها. أشبه ما لو نقصت قيمتها باستعماله إياها. (لا إن أتلفه) أي: أتلف المسروق (فيه) أي: في الحرز (بأكل أو غيره)؛ كما لو كان مائعاً فأراقه، (أو نقصه بذبح)؛ كما لو ذبح شاة قيمتها نصاب فنقصت بالذبح ثم أخرجها وقيمها دون نصاب لم يقطع؛ لأن من شرط (١) وجوب القطع: أن يخرج المسروق من الحرز وقيمته حين إخراجه نصاب فأكثر، (أو غيره) أي: نقصه بغير الذبح بأن شق ثوباً قيمته نصاب فنقص بشقه عن النصاب، (ثم أخرجه) فلا قطع؛ لأنه لم يخرج من الحرز شيئاً قيمته نصاب. (وإن ملكه) أي: ملك (سارق) النصاب بعد إخراجه من الحرز (ببيع أو هبة أو غيرهما) من أسباب الملك (لم يسقُط القطع) الواجب بعد الترافع إلى الحاكم. وليس للمسروق منه العفو عن السارق. نص عليه وعليه الأصحاب؛ وذلك لما روى الزهري عن ابن صفوان بن أمية عن أبيه " أنه نام على ردائه في المسجد. فأُخذ من تحت رأسه. فجاء بسارقه إلى النبي ﷺ . فأمر بقطعه. فقال صفوان: يا رسول الله لِلَّهِ لم أرد هذا ردائي صدقة. فقال رسول الله ﷺ : فهلا قبل أن تأتيني به " (٢) . رواه ابن ماجه والجوزجاني.

стр. 4808

وفي لفظ قال: " فأتيته. فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهما. أنا أبيعه وأنسئه ثمنها. قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به " (١) . رواه الأثرم وأبو داود. فهذا يدل على أنه لو وجد ذلك قبل رفعه إليه لدرأ القطع، وبعده لا يسقطه. وأما مطالبة المسروق منه فشرط للحكم (٢) لا للقطع. بدليل أنه لو استرد العين لم يسقط القطع وقد زالت المطالبة. (وإن سرق فَْرد خُفٍ قيمة كلٍّ) أي: كل فرد (منفردًا درهمان، ومعاً) أي: وقيمته مع الفرد الآخر (عشرة) أي: عشرة دراهم وتعذر رده: (لم يُقطع)؛ لأنه لم يسرق نصاباً؛ لعدم المشروط عند عدم شرطه، (وعليه) أي: على أخذ الفرد (ثمانية) أي: ثمانية دراهم (قيمة) الفرد (المتلف) درهمان، (ونقص التفرقة) ستة دراهم. (وكذا) الحكم لو أن المسروق (جزء من كتاب) ونقص بالتفرقة. ذكره في " التبصرة " واقتصر عليه في " الفر وع " وزاد: ونظائره. (ويضمق) متعد (ما في وثيقة) من دين أو نحوه إذا (أتلفها إن تعذَّر) الوصول إلى ما فيها بدون إحضارها. وقوله: أتلفها يفهم منه أنها لو تلفت في يده بغير تعد ولا تفريط أنه لا يضمن شيئاً مما فيها إذا كانت يده عليها يد أمانة. (وإن اشترك جماعة في) سرقة (نصاب: قُطعوا) كلهم؛ لأن النصاب أحد شرطي القطع (٣) . فإذا اشترك فيه الجماعة كانوا كالواحد؛ كما في هتك الحرز. ولأن سرقه النصاب فعل موجب للقطع. فاستوى فيه الواحد والجماعة؛ كالقتل. (حتى من لم يُخرج) منهم (نصاباً) كاملاً. نص على ذلك؛ لأنهم اشتركوا في هتك الحرز وإخراج النصاب. فلزمهم القطيع؛ كما لو كان ثقيلاً فحملوه

стр. 4809

(ولو لم يُقطع بعضهم لشبهة أو غيرها)، كما لو كان الشريك أباً لرب المال، أو عبدًا له، أو كان غير مكلف، كالصغير والمجنون: (قُطع الباقي) في الأصح؛ لأنه لا يلزم من سقوط القطع عن الشريك لمعنى غير موجود في غيره سقوط القطع عن الغير؛ كما قلنا في شريك الأب في القصاص. (ويُقطع سارق نصاب لجماعة)؛ لأن السرقة والنصاب شرطان للقطع وقد وجدا. فوجب القطع؛ كما لو كان رب المال واحداً. (وإن هتك اثنان حِرْزًا، ودخلاه فأخرج أحدهما المال) دون الآخر قطعاً. نص على ذلك؛ لأن المخرِج أخرجه بقوة صاحبه ومعونته، (أو دخل أحدهما) أي: أحد اللذين هتكا الحرز (فقربه) أي: قرب النصاب المسروق (من النَّقْب وأدخل الآخر يده فأخرجه) أي: أخرج النصاب من النقب قطعاً؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج المتاع؛ كما لو حملاه وأخرجاه، (أو) دخل أحدهما فـ (وضعه) أي: وضع النصاب (وسط النَّقْب فأخذه الخارج) منهما: (قُطعا)؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراجه منه. (وإن رماه) أي: رمى النصاب من دخل الحرز منهما (إلى) رفيقه (الخارج) من الحرز، (أو ناوله) النصاب إلى خارج الحرز (فأخذه) منه رفيقه، (أو لا) يعني: أو لم يأخذه منه، (أو أعاده فيه) أي: أعاد النصاب في الحرز (أحدهما: قُطع الداخل وحده)؛ لأن الداخل هو المخرج للنصاب وحده فاختص القطع به. لا يقال كيف ذلك وقد اشتركا في هتك الحرز؟ لأن شرط القطع عليهما أن يشتركا في الهتك والإخراج ولم يوجد الثانى فانتفى القطع (١) ، لانتفاء شرطه. (وإن هتكه) أي: هتك الحرز (أحدهما) فقط، (ودخل الآخر فأخرج المال: فلا قطع عليهما) أي: على واحد منهما، لأن الأول لم يسرق والثانى لم يهتك الحرز، (ولو تواطئا) على ذلك في الأصح؛ لأن التواطئ على السرقة

стр. 4810

لا أثر له؛ لأنه لا فعل لواحد منهما في الذي فعل الآخر فلم يبق إلا القصد، والقصد إذا لم يقارنه الفعل لا يترتب عليه حكم. فيكون وجود القصد في ذلك كعدمه. (ومن نقَب ودخل) الحرز (فابتلع) فيه (جواهر أو ذهباً) أو نحوهما (وخرج به) قطع. أشبه ما لو أخرجه في كمه. (أو ترك المتاع) في الحرز (على بهيمة فخرجت به) البهيمة ولو من غير سوقها في الأصح قطع؛ لأن العادة مشي البهيمة بما يوضع عليها. (أو) ترك المتاع (في ماء جار) فاً خرجه الماء قطع؛ لأن البهيمة والماء لا إرادة لهما في الإخراج فكان القطع على من أراد إخراجه بذلك. (أو أمر) من هتك الحرز (غير مكلَّف)؛ كصغير أو مجنون (بإخراجه) أي: إخراج النصاب (فأخرجه) غير المكلف قطع الآمر؛ لأن غير المكلف لا حكم لفعله فهو في معنى البهيمة. (أو) ترك هاتك الحرز المتاع (على جدار) داخل الحرز (فأخرجتْه ريح) قطع في الأصح؛ لأنه متى كان ابتداء الفعل منه لم يؤثر فعل الريح. (أو) هتك الحرز و (رمى به) أي: بالمتاع (خارجاً) عن الحرز قطع؛ لأنه أخرجه. (أو) هتك الحرز و (جذبه) أي: جذب المتاع (بشيء) وهو خارج الحرز. فأخرجه بجذبه قطع؛ لأنه المباشر لإخراجه. (أو) هتك الحرز وأخرج منه شاة و (استتبع) هاتك الحرز (سَخْل شاة) باًن فعل ما يقتضي أن يتبعها السخل، وكانت الشاة لا تساوي نصاباً، وكانت قيمتها مع السخل تساوي نصاباً قطع، لا إن تبع السخل الشاة من غير أن يستتبعه في الأصح؛ لأن ذلك ليس من فعله. (أو) هتك الحرز و (تطيَّب فيه) بطيب كان فيه وخرج به من الحرز، (و) كان ما تطيب به (لو اجتمع بلغ) قدرا تساوي قيمته (نصاباً) قطع في الأصح؛ لأنه هتك الحرز وأخرج متاعاً قيمته نصاباً. أشبه ما لو كان غير طيب.

стр. 4811

(أو هتك الحرز) في وقت (وأخذ المال وقتاً آخر) قطع، كما لو أخذ النصاب عقب هتك الحرز. (أو) هتك الحرز ثم (أخذ بعضه) أي: بعض النصاب في وقت (ثم أخذ بقيته) أي: بقية النصاب في وقت آخر (وقَرُب ما بينهما) من الزمن قطع، لأنها سرقة واحدة. ولأنه إذا بني فعل أحد الشريكين على فعل شريكه إذا سرقا نصاباً فبناء فعل الواحد بعضه على بعض أولى. لا إن بعد ما بينهما في الأصح مثل إن كانا في ليلتين؛ لأن كل سرقة منهما لا تبلغ نصاباً. وإن علم المالك بهتك الحرز وأهمله فلا قطع أيضاً، لأن سرقته الثانيه من غير حرز. (أو) هتك الحرز و (فتح أسفل كُوَّارة فخوج العسل شيئاً فشيئاً)، أو أخرجه شيئاً فشيئاً حتى بلغت قيمه ماأخرجه نصاباً قطع، لأنه لم يهمل الأخذ. أشبه ما لو وجده مجموعاً فأخرجه. (أو أخرجه) أي: أخرج السارق المتاع الذي قيمته نصاب (إلى ساحة دار من بيت مغلق منها) أي: من الدار (ولو أن بابها) أي: باب الدار التي فيها البيت (مغلق: قُطع) على الأصح، لأنه هتك الحرز وأخرج منه نصاباً فقطع به، كما لو لم يكن على الدار باب آخر. فأما إن كان باب الدار مفتوحاً فإنه يقطع رواية واحدة؛ كما لو كان باب البيت خارج الدار. (ولو عّلم) إنسان (قردًا السرقة) فسرق قليلاً أو كثيرًا: (فالغرم) أي: فعلى معلمه غرم ما يسرقه القرد (فقط) أي: دون القطع. ذكره ابن عقيل وابن الزاغو نى. الشرط (الخامس) من شروط وجوب القطع في السرقة: (إخراجُه) أي: إخراج النصاب (من حِرْز) على الأصح في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشا فعي واصحاب الرأى.

стр. 4812

وعنه: لايشترط الحرز؛ لما روى سعيد أنه ذَكر لعائشة قول من قال: " لا قطع على السارق حتى يخرج المتاع من الحرز. فقالت عائشة: لو لم أجد إلا شفرة لخرزت بها يده ". لكن قال ابن المنذر: ليس فيه خبر ثابت. وحكي عن داود: أنه لا يعتبر الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيها. وجوابه: أن الآية مخصَّصة بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رجلاً من مزينة سأل رسول الله ﷺ عن الثمار. فقال: ما أُخذ من غير أكمامه واحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الجران ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن " (١) . روه أبو داود وابن ماجه. كما خصصت في اعتبار النصاب. إذا تقرر هذا (فلو سرق) إنسان (من غير حرز) مثل: أن يجد حرزًا مهتوكاً أو باباً مفتوحاً فيأخذ منه ما يبلغ قيمته (٢) نصاباً أو لا (فلا قطع) عليه؛ لفوات شرطه؛ كما لو أتلفه داخل الحرز باً كل أو غيره، إلا أن عليه ضمانه. (ومن أخرج بعض ثوب قيمته) أي: قيمة ذلك البعض المخرج (نصا. قُطع به) أي: بذلك البعض المخرج (إن قطعه) أي: فصله من باقيه؛ لأنه بذلك تحقق إخراجه من الحرز، (وإلا) أي: وإن لم يقطع بعص الثوب: (فلا) قطع عليه؛ كما لو أخرج بعض خشبة وباقيها داخل الحرز من غير أن يقطعها. ومن هتك الحرز ودخله فاحتلب لبناً من ماشية وأخرجه وكان بحيث لو أبيع بلغ ثمنه نصاباً قطع. وإن شربه في الحرز أو أخرج ما دون ذلك فلا قطع؛ لأنه لم يخرج من حوز نصاباً. (وحرز كل مال) يقطع السارق بسرقته منه: (ما حُفظ فيه) ذلك المال

стр. 4813

(عادة) أي: في العادة؛ لأن الحرز معناه الحفظ، ومنه قولك: احترز أي: تحفظ. ولما ثبت اعتبار الحرز بالشرع في موضع اعتبره فيه من غير صفه له ولا تقدير لصفت (١) ولا فيه عرف لغوي يتقرر به: علم أن المرجع فيه إلى العرف بين الناس؛ كما رجع (٢) في العرف إلى معرفة القبض والفرقة في البييع وأشباه ذلك. (ويختلف) الحرز (باختلاف جنس) أي: جنس ذلك المال، (و) باختلاف (بلد) أي: البلد الذي فيها المال. فإن البلد إذا كان واسع الأقطار غلظت أحرازه؛ لأنه لا يؤمن عليه إن سرق منه أحد أنه لا يظهر لسعة رقعة البلد وكثرة أهله. وإن كان صغيرًا لم يحتج إلى ذلك؛ لأن السارق يُعرف فيه فلا يحتاج إلى زيادة كلفة في منعه عن السرقه. (و) يختلف الحرز أيضاً باختلاف (عدلِ سلطان وقوَّته، وضدِّهما) وهما جور السلطان وضعفه. فإن السلطان إن كان عادلاً يقيم (٣) الحدود كانت الأحراز أخف؛ لأن السارق غير آمن أن يُرفع إلى السلطان فيقطعه فلا يحتاج إلى زيادة حفظ، وإن كان جائرًا يشارك من التجأ إليه من الذعّار ويذب عنهم احتيج إلى تثقيل الأحراز؛ لأنه إذا لم يمنع السلطان السارق منع بجهة أخرى وهي تثقيل الحرز. ومتى كان السلطان قوياً على أهل الريب والسراق كانت الأحراز أخف؛ لأن الحفظ بالسلطان أقوى من الحفظ بالتثقيل، ومتى كان السلطان ضعيفاً احتاج أن يكون الحرز أغلظ. إذا تقرر هذا (فحرز جوهر ونقد) من ذهب وفضة (وقماش في العمران) أي: في الأبنية الحصينة في المحال المسكونة من البلد (بدار ودكان: وراء غَلَق وثيق). والغلق: اسم للقفل، خشباً كان أو حديدًا. (وصندوق بسوق- وثَم حارس) بالسوق- (حرز) لما بالصندوق. فمن أخذ منه نصاباً قطع.

стр. 4814

(وحِرز بَقل وقُدُور باقلاء و) قدور (طبيخ، و) حرز (خزف وثَم حارس: وراء الشرائج)، واحدها (١) شريجة. وهي شيء يعمل من قصب أو نحوه يضم بعضه إلى بعض نخيل أو غيره؛ لأن العادة جرت بإحراز ذلك كما ذكر. (وحِرز خشب وحطب: الحظائر)، واحدتها حظيرة بالحاء المهملة والظاء المعجمة. وهي: ما يعمل للإبل والغنم من الشجر تأوي إليه فيعبر بعضه في بعض ويربط بحيث يعسر أخذ شيء منه على ما جرت به العادة ليمنع السارق من السرقة. وأصل الحظر: المنع، وإن كانت بفندق مغلق كان ذلك أحرز. (و) حرز (ماشية) من بقر وغنم (الصِّيَرُ)، واحدتها صيرة، وهي: حظيرة الغنم. (و) حرز ماشية (في مرعى: براع يراها غالباً)؛ لأن العادة حرزها بذلك فما غاب عن مشاهدته فقد خرج عن الحرز؛ لأن الماشية الراعية هكذا تحرز. (و) حرز (سُفن في شطٍّ: بربطها) فيه؛ لأن العادة جارية بإحرازها بذلك. (و) حرز (إبل باركة معقولة: بحافظ حتى نائم)؛ لأن العادة أن صاحبها يعقلها إذا نام. فإن لم تكن معقولة فحرزها بحافظ يقظان. (و) حرز (حمولتها) أي: الإبل الحاملة: (بتقطيرها مع قائدٍ يراها) إذا التفت، (ومع عدم تقطير) أي: تقطير الإبل الحاملة: (بسائق يراها). والمقطرة مع السائق الذي يراها أولى بالحرز من القائد الذي يراها؛ لأن العادة جارية بإحراز ذلك كذلك. ومن سرق الحمل بما عليه وصاحبه نائم عليه لم يقطع؛ لأنه في يد صاحبه وإن لم يكن صاحبه عليه قطع. (و) حرز (بيوت) أي: الإبل الحاملة (في صحراء، و) حرز بيوت في (بساتين: بملاحظ) يراها إن كانت مفتوحة، (فإن كانت مغلقة: فبنائم) فيها. وإن لم يكن فيها أحد وليس هناك ملاحظ يراها فليست حرزًا، سواء كانت

стр. 4815

مغلقة أو مفتوحه؛ لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران وانصرف عنه لا يعد حافظاً له ولو أغلقه. (وكذا) أي: وكالبيوت في الصحاري والبساتين (خيمة وخرْكاة، ونحوهما)؛ كبيت الشعر إن كان فيها أحد، نائماً كان أو منتبهاً فهي محرزة مع ما فيها؛ لأنها هكذا تحرز في العادة، وإن لم يكن فيها أحد فإن كان عندها حافظ فهى محرزة أيضاً، وإن لم يكن عندها حافظ وليس فيها أحد فلا قطع على سارقها ولا على السارق منها؛ لأنها ليست بمحرزة في العاده. (وحرز ثياب في حمام، و) حرز (اعدال) بسوق، (وغزل بسوق أو) في (خان). (وما كان مشترَكاً في دخول)؛ كالفندق: (بحافظ) يراها؛ (كقعوده على متاع) وتوسده؛ كما قطع سارق رداء صفوان من المسجد وهو متوسده (١) . وهذاعلى الأصح. وعنه: لا يقطع السارق من الحمام. (وإن فرَّط حافظ) أي: حافظ الحمام، أو السوق، أو المكان المشترك الدخول؛ كالمضيفة والتكية والخانقاه (فنام أو اشسغل: فلا قطع) على السارق في هذه الحالة؛ لأنه لم يسرق من حرز، (وضمن) المسروق (حافظ) مُعَد للحفظ (وإن لم يُستحفظ) لتفريطه. (وحرز كفن مشروع: بقبر) أي: ببقائه في القبر (على ميت). فلو نبش قبرًا وأخذ منه الكفن أو بعضاً منه يساوي نصاباً قطع. وقد روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشاً (٢) . وبهذا قال مالك والشافعي. وخالف أبو حنيفة والثوري. ولنا: قول الله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨] وهذا سارق، فإن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " سارق أمواتنا كسارق أحيائنا ".

стр. 4816

(وهو ملك له) أي: والكفن ملك للميت؛ لأنه مالك له في حياته ولا يزول إلا عن ما لا حاجة به إليه، (والخصم فيه: الووثة)؛ كقيام ولي صغير في الطلب بما له. (فإن عُدموا) أي: الورئة: (فـ) الخصم فيه (نائب الأمام). وتقييد الكفن بالمشروع ليخرج غير المشروع. فلو كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف، أو المرأة في أكثر من خمس فسرق السارق الزائد عن ذلك، أو تُرك الميت في تابوت فسرق السارق التابوت، أو تُرك معه طيب مجموع، أو غير ذلك من ذهب أو فضة أو غيرهما لم يقطع بأخذ شيء من ذلك؛ لأن الزيادة على الكفن المشروع وترك غيره في القبر سفه وتضييع فلا يكون محوزأ بالقبر. وعلم مما تقدم أنه إذا لم يخرج الكفن من القبر؛ كما لو أخرجه من اللحد ووضعه في القبر أنه لا قطع عليه، لأنه لم يخرجه من الحرز. فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي ﷺ سمى القبر بيتاً فقال: " نعم البيت القبر ". وحكم من كفنه أجنبي من ماله حكم من كفن من مال الميت. أشبه ما لو ملكه الكفن في حياته. وعلم من قول المتن: على ميت أنه لو أكل الميت ضبع أو نحوه ثم سرق الكفن سارق لم يقطع؛ لأنه لم يكن على الميت. أشبه ما لو زال نائم عن ردائه بمسجد أو نحوه ثم سرقه سارق يعد زواله عنه. (وحرز باب: تركيبه بموضعه)، سواء كان مقتوحاً أو مغلقاً؛ لأنه هكلذا يحفظ. (و) حرز (حلقته) أي: حلقة الباب: (بتركيبها فيه)؛ لأنها بتركيبها فيه صارت كأنها بعض. ولو أخذ من باب مركب بعضاً قيمته نصاب قطع. (وتأزير) وهو: ما يجعل في أسفل الحائط من لباد أو دفوف أو نحو ذلك في الحكم (وجدار وسقف كباب) يعني: أنه ما كان من ذلك موضوعاً في محله كان محرزًا يقطع سارقه، وما كان منفكاًً فليس بمحرز فلا يقطع سارقه. فمن أخذ شيئاً من تأزير موكب بمحله، أو من جدار قائم، أو خشبة من سقف وبلغ

стр. 4817

قيمة المأخوذ نصاباً قطع، وإن (١) فك التأزير ولم يأخذه أو هدم الجدار ولم ياًخذه أو فك خشبة من السقف ولم يأخذها: لم يقطع. (ونوم على رداء، أو) على (مَجَرِّ فرس، ولم يزُل عنه) أي: عن الرداء أو عن مجر الفرس حرز، (ونعل برجل حرزٌ)، لأن ما تقدم كذا يحرز. إذا تقرر هذا (فمن نبش قبرًا، أو أخذ الكفن، أو سرق رِتاج الكعبة) وهو: بابها العظيم، (أو باب مسجد، أو سقفه، أو تأزيره، أو سحب رداءه) أي: رداء من هو نائم عليه من تحته، (أو) سحب (مجرَّ فرسه من تحته، أو) سحب (نعلاً من رجل) أي: رجل من كان لابسه (وبلغ) المأخوذ من شيء مما ذكر (نصاباً: قطع) في الأصح. فيما يتعلق بالمسجد؛ لأنه سرق نصاباً من حرز مثله من غير ملك له أو لولده فيه. والمطالبة بما هو بالمسجد للإمام أو لمن يقوم مقامه. (لا بستارة الكعبة) يعني: لا يقطع سارق ستارة الكعبة (الخارجة) نصاً. (ولو) كانت (مَخيطة عليها) كغير المخيطة عليها؛ لأنها غير محرزة. وحمل ابن حمدان النص على غير المخيطة عليها. (ولا بـ) سرقة (قناديل مسجد وحُصِرِه، ونحوهما) مما جعل لنفع المصلين؛ كالقفص المجعول لوضع نعالهم فيه في الأصح: (إن كان) السارق (مسلماً)، كسرقته من بيت المال. (ومن سرق ثمرًا أو طَلْعاً أو جُمَّارًا أو ماشية من غير حرز كمن شجرة ولو) كانت الشجرة (ببستان مُحوَّط فيه حافظ: فلا قطع) في الأصح، لما روى رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: " لا قطع في ثمر ولا كَثَر " (٢) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

стр. 4818

وعلم من قوله في المتن: "ببستان" أنه لو كانت الشجرة بدار وهي محرزة قطع. (وأُضعفت قيمته) أي: قيمة المسروق من الثمر على الشجر الذي بالبستان وقيمة المسروق من الماشية من غير حرز. ومعنى تضعيف قيمته على السارق: أنه يضمن عوض ما يسرقه مرتين؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: " سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلق. فقال: من أصاب منه بغية من ذي حاجة غيرمتخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع " (١) . رواه أحمد والنسائي وأبو داود ولفظه له. قال أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه. وقال أكثر العلماء: لا يجب أكثر من مثله. واحتج أحمد " بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها ". رواه الأثرم. ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ قيمتها على سارقها ردعاً له وزجرًا. بخلاف بقيه المواضع فإنها في العادة محروزة (٢) فاليد لا تسرع إليها. وقوله ﷺ " غير متخذ خبنة " (٣) بالخاء المعجمة ثم باء موحدة ثم نون أي: غير متخذ منه في حجزته. (ولا تُضعف) قيمته (في غير ما ذكر)؛ لأن التضغيف على خلاف القياس فلا يتجاوز به محل النص. (ولا قطع) بسرقة (عام مجاعة غلاءٍ: إن لم يجد) السارق (ما يشتريه، أو) لم يجد ما (يشتري به). نص عليه.

стр. 4819

قال جماعة: ما لم يبذل له ولو بثمن غال. وفي " الترغيب ": ما يحيي به نفسه. الشرط (السادس) من شروط وجوب القطع: (انتفاء الشبهة. فلا قطع بسرقةٍ من) مال (عمودَي نسبه) أي: نسب السارق. أما سرقته من مال ولده، فلقوله ﷺ : " أنت ومالك لأبيك " (١) . وأما سرقته من مال أبيه أو جده، أو من مال أمه أو جدته، أو من مال ابنة ابنه أو ابن بنته علا الأب أو نزل الأبناء، فلأن بينهم قرابة تمنع شهادة أحدهم لواحد منهم. فلم يقطع بالسرقة منه؛ كالأب بالسرقة من مال ابنه. ولأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظاً له. فلا يجوز إتلافه؛ حفظاً للمال. (ولا) قطع على إنسان بسرقةٍ (من مال له شِرك فيه، أو لأحد ممن لا يقطع) السارق (بالسرقة منه) شِرك في ذلك المال المسروق؛ لقيام الشبهة فيه بسرقة البعض الذي لا تجب بسرقته القطع. (ولا) قطع أيضاً بسرقة (من غنيمة لأحد ممن ذكر) من عمودي نسب السارق (فيها حق) وذلك قبل قسم الغنيمة. وكذا لو كان السارق من الغنيمة قناً ولسيده في الغنيمة حق. (ولا) قطع أيضاً بسرقة (مسلم من بيت المال)، لقول عمر وابن مسمعود: " من سرق من بيت المال فلا قطع. ما من أحد إلا وله في هذا المال حق ". وقال سعيد: حدثنا هشيم أنبأنا مغيرة عن الشعبي عن علي: " ليس على من سرق من بيت المال قطع " (٢) . قال في " التنقيح ": إلا العبد نصاً. قاله في " المحرر " وغيره. فلهذا

стр. 4820

قلت: (إلا القنّ). قال (المنقح) بعد ذلك: (والصحيح: لا قطع. انتهى) كلامه الذي نقلناه في المتن. وقال بعد ذلك: وهو ظاهر كلام الأكثر. وصرح به ابن عقيل وغيره. وقدمه في " الفروع " وغيره. انتهى كلامه في " التنقيح ". ووجه ما صححه في " التنقيج "؛ (لأنه) أي: القن (لا يُقطع بسرقة من مالٍ لا يِقطع به سيده) لو سرق السيد. قال في " الإنصاف ": وجعل في " المحرر " ومن تبعه سرقة عبد الوالد والولد ونحوهما مثل: سرقة العبد من بيت المال في وجوب القطع. قال في " القواعد الأصولية ": وكلام غيره يخالفه. انتهى. (ولا) قطع أيضاً (بسرقة مكاتب من مكاتبه، وعكسه كقنه) والقن لا يقطع بسرقة مال سيده. نص عليه؛ لما روى سعيد عن سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد عن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه جاءه عبد الله بن عمرو الحضرمي (١) بغلام له. فقال: إن غلامي قد سرق. فاقطع يده. فقال عمر: خادمكم أخذ مالكم " (٢) . وكان ذلك بمحضر من الصحابه ولم ينكر فكان كالإجماع. وقال ابن مسعود: " لا قطع. مالُك سرَق مالَك " (٣) . وروى ابن ماجه عن ابن عباس: " أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخمس. فرفع إلى النبي ﷺ فلم يقطعه. وقال: مال الله سرق بعضه بعضا" (٤) .

стр. 4821

(ولا) قطع أيضاً (بسرقة زوج أو زوجة من مال الآخر، ولو أُحرز عنه) على الأصح. روى ذلك سعيد عن عمر بإسناد جيد. ولأن كلاً من الزوجين يرث صاحبه بغير حجب وينبسط في ماله. أشبه الولد مع الوالد، وكما لو منعها نفقتها. (ولا) قطع أيضاً (بسرقة مسروق منه، أو) بسرقة (مغصوب منه، مال سارق أو) مال (غاصب، من الحرز الذي فيه العين المسروقة، أو) من الحرز الذي به العين (المغصوبة)؛ لأن لكل واحد من المسروق منه والمغصوب منه شبهة في هتك الحرز من أجل أخذ ماله. فإذا هتك الحرز صار كأن المال المسروق من ذلك الحرز أُخذ من غير حرز. (وإن سرقه) أي: سرق المسروق (١) منه ما ل السارق، أو سرق المغصوب منه مال الغاصب (من حرز اخر) أي: غير الحرز الذي به مال المسروق أو مال المغصوب منه قطع؛ لأنه سرق نصاباً من حرز لا شبهة له فيه. (أو) سرق (مال من له عليه دين) قطع؛ لأنه لا شبهة له في المال ولا الحرز. (لا) إن سرق من ماله (بقدره) أي: بقدر دَينه (لعجزه) عن استخلاصه بالحاكم؛ لأن بعض العلماء أباح له الأخذ. فيكون (٢) الاختلاف في إباحة الأخذ شبهة دارئة للحد؛ كالوطء (٣) في نكاح مختلف في صحته. وعلم مما تقدم أنه متى سرق قدرًا زائدًا عن دينه يبلغ نصاباً أنه يقطع في الأصح. (أو) سرق (عيناً قُطع بها) أي: بسرقتها (في سرقة أخرى) أي: سرقة متقدمة من حرزها الأول أو من غيره قطع، لأنه لم ينزجر بالقطع الأول. أشبه ما

стр. 4822

لو سرق غيرها. بخلاف حد القذف فإنه لا يعاد عليه بإعادة القذف؛ لأن الغرض إظهار كذبه وقد ظهر. (أو آجر) إنسان داره، (أو أعار داره ثم سرق منها مال مستأجر، أو) سرق منها مال (مستعير) قطع؛ لأنه هتك حرز أو سرق نصاباً منه لا شبهة له فيه فقطع. أشبه ما لو سرقه من ملك المستعير أوالمستأجر. (أو) سرق إنسان (من) مال (قرابة) له (غير عمودَي نسبه؛ كأخيه، ونحوه)؛ كعمه وخاله قطع؛ لأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة من أحدهما على الآخر فلا تمنع القطع. ولأن الآية والأخبار تعم كل سارق خرج منه عمودي النسب فبقي ما عداهما على الأصل. (أو) سرق (مسلم من ذمي، أو) من (مستأمن، أو) سرق (أحدهما) أي: سرق الذمي أو المستأمن (منه) أي: من المسلم: (قُطع) السارق في هذه الصور؛ لأن مال كل منهم معصوم. فقطع سارقه؛ كسرقة المسلم من المسلم. (ومن سرق عيناً وادَّعى مِلْكَها أو بعضها) أي: ملك بعضها: لم يقطع علي الأصح. قال في " الفروع ": اختاره الأكثر. وسماه الشافعي: السارق الظريف؛ لأن ما ادعاه محتمل فيكون شبهة في درء الحد. (أو) ادعى من سرق نصاباً من حرزٍ (الإذن) من صاحب الحرز (في دخول الحرز: لم يقطع) على الأصح. قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن المذهب في المسألة التي قبلها أنه لا يقطع مثل ذلك خلافاً ومذهباً: لو (١) ادعى أنه أذن له في دخوله. وقطع في " المحرر " هنا بالقطع. (و) حيث تقرر أنه لا قطع فإن العين المسروقة (يأخذها) من السارق

стр. 4823

المدعي ملكها أو ملك بعضها (مسروق منه بيمينه) أنها ملكه، وليس للسارق فيها ملك. الشرط (السابع) من شروط وجوب القطع: (ثبوتها) أي: ثبوت السرقة (بشهادة عدلين)، لقو له : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) [البقرة: ٢٨٢]. وكأن القياس قبول الاثنين في كل شهادة، لكن خولف فيما عدا ذلك للنص فيه فبقي فيما عداه على عمومه. (يصفانها) أي: يصفان السرقة في شهادتهما، وإلا لم يقطع. (ولا تسمع) شهادتهما (قبل الدعوى) من مالك المسروق، أو ممن يقوم مقامه، (أو) بـ (إقرار) السارق (مرتين)، لأنه إقرار يتضمن إتلافاً. فكان من شرطه التكرار؛ كحد الزنا، أو يقال: إن الإقرار أحد حجتي القطع. فيعتبر فيه التكرار؛ كالشهادة. وقد روى القاسم بن عبدالرحمن أن علياً قال: " لا تقطع يد السارق حتى يشهد على نفسه مرتين ". حكاها أحمد في رواية مهنا واحتج به. (ويصفُها) أي: يصف السارق السرقة في كل مرة؛ لاحتمال ظنه وجوب القطع عليه مع فوات شرط من شروطه. فيكون هذا الاحتمال شبهة في درء الحد عنه. (ولا يَنزع) أي: يرجع عن إقراره (حتى يُقطَع. ولا بأس بتلقينه) أي: أن يلقن الحاكم (الإنكار) لمن أقر بالسرقة؛ لما روي عن أبي أمية المخزومي " أن النبي ﷺ أتي بلص قد اعترف. فقال: ما إخالك سرقت. قال: بلى. فأعاد عليه مرتين. قال: بلى. فأمر به فقطع " (١) . رواه أبو داود. الشرط (الثامن) من شروط وجوب قطع السارق على الأصح: (مطالبة مسروق منه، أو) مطالبة (وكيله أو وليه) إن كان صغيرًا أو مجنوناً سارقاً بالنصاب المسروق؛ لأن المال مما يباح بالبذل والإباحة. فيحتمل إباحة مالكه

стр. 4824

إياه أو إذنه له في دخول الحرز وغير ذلك مما يسقط به القطع. فإذا طالب رب المال به زال هذا الاحتمال وانتفت الشبهة. إذا تقرر هذا (فلو أقرَّ) سارق (بسرقة من غائب، أو قامت بها) أي: بالسرقة من غائب (بينة انتُظر حضوره) أي: حضور الغائب (ودعواه) أي: ومطالبته للسارق لتكمل شروط القطع. ولكن لا يخلى سبيله، (فيُحبس) إلى قدوم الغائب ثم يطالبه إذا قدم، (وتُعاد) إقامة البينة الشاهدة في غيبته؛ لأنه لا يكتفى بإقامتها قبل المطالبة. (وإن كذَّب مدَّعٍ نفسه) في شيء مما يوجب القطع: (سقط القطع)؛ لفوات شرطه. ولا بد في السارق أن يكون مختارًا على الأصح؛ لأن الإكراه شبهة في جواز السرقة. فدرئ عنه الحد؛ كما لو أكره على القذف. * * *

стр. 4825

[فصل: في صفة القطع] (فصل. وإذا وجب القطع: قُطعت يده اليمنى)، لأن في قراءة عبد الله بن مسعود: " فاقطعوا أيمانهما ". وهذا إما أن يكون قراءة أو تفسيرًا سمعه من النبى ﷺ فإنه لا يظن بمثله أن يثبب في القرآن شيئاً لم يسمعه من النبي ﷺ . ولأنه قول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ولا مخالف لهما من الصحابة فيكون إجماعاً. ولأن الغالب من الناس إنما يعمل الأعمال بيمينه. فكان الأنسب قطعها، لأن السرقة جنايتها في الغالب دون اليسرى. ويكون القطع (من مفصل كفِّه)، لأن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما قالا: " تقطع يمين السارق من الكوع ". ولا مخالف لهما من الصحابة فكان إجماعاً. ولأن اليد تطلق عليها إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب. وإرادة الأول متيقنة وما سواها مشكوك فيه، ولا يجب القطع مع الشك. (وحُسِمت وجوباً) في الأصح. وحسمها: (بغمسها في زيت مُغلَّى)؛ لقوله ﷺ في سارق: " اقطعوه واحسموه " (١) . قال ابن المنذر: في إسناده مقال. والحكمة في الحسم: أن العضو إذا قطع فغمس في ذلك الزيت المغلى استدت أفواه العروق فينقطع الدم، إذ لو ترك بلا حسم لنزف الدم فأدى إلى موته.

стр. 4826

(وسُن تعليقها) أي: تعليق يد السارق المقطوعة (في عنقه). زاد في " البلغة " و " الرعايتين " و " الحاوي ": (ثلاثة أيام إن رآه الإمام)؛ ليتعظ بذلك اللصوص. (فإن عاد) إلى السرقة مَن قطعت يده اليمنى: (قُطعت رجله اليسرى من مََفصل كعبه، بترك عقبه). نص عليه، لما يروى عن علي " أنه كان يقطع من شطر القدم ويترك له عقباً يمشي عليها " (١) . والأصل في قطع الرجل في المرة الثانية ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في السارق: " إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ". ولأنه قول أبي بكر وعمر ولا مخالف لهما من الصحابة فيكون كالإجماع. وإنما كانت الرجل اليسرى هي التي تقطع؛ لقول الله : (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) [المائدة: ٣٣]. وإذا ثبت ذلك في المحاربة ثبت في السرقة قياساً عليها. ولأن قطع الرجل اليسرى أرفق به؛ لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل وأمكن له من اليسرى ويبعد في العادة من أن يتمكن المشي عليها. فوجب ذلك؛ لئلا تتعطل به منفعة بلا ضرورة. (وحُسمت) أيضاً، للحكمة المذكورة في قطع اليد. وينبغي في قطع السارق: أن يقطع بأسهل ما يمكن بأن يجلس ويضبط، لئلا يتحرك فيجني على نفسه وتُشد يده بحبل وتجر حتى يتيقن المفصل ثم توضع السكين وتجر بقوة ليقطع في مرة واحدة. (فإن عاد) فسرق بعد قطع يده ورجله: (حُبس حتى يتوب، ويُحرم أن يُقطع) على الأصح؛ لما روى أبو سعيد المصري عن أبيه قال: " حضرت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق،

стр. 4827

فقال لأصحابه: ما ترون فى هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين لِلَّهِ قال: أقتله إذًا وما عليه القتل. بأي شيء يأكل الطعام، بأي شيء يتوضأ للصلاة، باًي شيء يغتسل من جنابته، بأي شيء يقوم إلى حاجته. فرده إلى السجن أياماً. ثم أخرجه فاستشار أصحابه. فقالوا مثل قولهم الأول. وقال لهم مثل ما قال أول مرة. فجلده جلدًا شديدًا ثم أرسله ". رواه سعيد. ولأن في قطع يده الأخرى تفويتاً لمنفعة جنس اليد، فإنه إذا لم ييق له يد ذهب بطشه بالكلية فذلك بمنزلة الهلاك ولهذا وجبت الدية بتمامها بقطعهما. وإلى ذلك أشار علي ﵇ بقوله: " بأي شيء يأكل الطعام. . . " إلى آخره. ولأنه جنى جناية لا توجب الحد. فوجب حبسه؛ كفًّا له عن السرقة، وتعزيرًا له؛ لأنه القدر الممكن في ذلك. إذا تقرر هذا (فلو سرق) إنسان (ويمينه) أي: ويده اليمنى (أو رجله اليسرى ذاهبة: قطع الباقي منهما) أي: من يده اليمنى أو رجله اليسرى؛ لأن منفعة الجنس لا تعطل بقطع اليد اليمنى ولا الرجل اليسرى. وليسا من شق واحد فيمنع منه. (ولو كان الذاهب يده اليسرى ورجله اليمنى، لم يقطع) منه شيء؛ (لتعطيل منفعة الجنس، وذهاب عضوين من شِق) إن قطعت يده اليمنى أو رجله اليسرى. (ولو كان) الذاهب (يديه أو يُسْراهما) أي: يسرى يديه: (لم تُقطع رجله اليسرى) في الأصح؛ لذهاب عضوين من شق. (ولو كان) الذاهب (رجليه أو يُمناهما) أي: يمنى رجليه، (قُطعت يمنى يديه) فى الأصح؛ (لأنها الآلة ومحلُّ النص) يعني: لأن محل القطع موجود لا يذهب بقطعه منفعة جنسه. فوجب قطعه لذلك. (ولو ذهبت بعد سرقته يمنى) يديه، (أو يسرى يديه، أو) ذهبت يمنى يديه (مع رجليه)، أو يسرى يديه مع رجليه، (أو) ذهبت يمنى يديه مع

стр. 4828

(إحداهما) أي: إحدى رجليه، أو ذهب يسرى يديه مع إحدى رجليه: (سقط القطع). أما سقوطه بذهاب يمنى يديه؛ فلتعذر استيفاء الحد لتلف محله؛ كما لو مات من عليه القود. وأما سقوطه بتلف يسرى يديه في الأصح، لذهاب منفعة الجنس بقطع يمناه. وإن ذهب مع ذلك رجلاه أو إحداهما كان أبعد من ثبوت القطع. (لا إن كان الذاهب) من السارق بعد سرقته (يمنى) رجليه (أو يسرى رجليه أو هما) يعني: أو كان الذاهب بعد سرقته رجليه يعني: فلا يسقط القطع في الأصح؛ لبقاء منفعة جنس المقطوعة. (و) اليد (الشَّلاء) والرجل الشلاء (ولو أُمِنَ تلفُه بقطعها) كمعدومة على الأصح. (وما ذهب مُعْظَم نفعها) من يد ورجل؛ كما لو ذهب منها ثلاث أصابع فاًكثر (كمعدومة) في الأصح؛ لأنه لا يحصل بقطع واحدة منهما مقصود القطع. (لا ما ذهب منها) أي: من اليد أو الرجل (خِنصر وبِنْصر) فقط، (أو) ذهب من واحدةٍ من اليد أو الرجل (إصبع) واحدة (سواهما) أي: سوى الخنصر والبنصر (ولو) كانت الأصبع الذاهبة فقط (الإبهام) يعني: فإنها لا تكون كالمعدومة، وتقطع عند وجوب قطعها؛ كما لو لم يذهب منها شيء؛ لحصول مقصود القطع بقطعها. (وإن وجب قطع يمناه) أي: يمنى السارق، (فقطع قاطع يُسراه بلا إذنه عمدًا: فـ) عليه (القود)؛ لأنه قطع طرفاً معصموماً. فأقيد به؛ كما لو لم يجب قطع يمناه. (وإلا) أن لم يتعمد: (فـ) عليه (الدية)؛ لأن ما أوجب عمده القود أوجب خطأه الدية بدليل القتل. (ولا تُقطع يمنى السارق) بعد قطع يسراه؛ لأن قطعها يفضى إلى قطع يدي السارق وتفويت منفعة الجنس. (وفي " التنقيح ": بلى). وعبارته: وإن قطع القاطع يسراه عمدًا أو خطأ قطعت يمناه. انتهى.

стр. 4829

وعبارته في " الفروع ": وإن وجب قطع يمينه فقطع قاطع يسراه بلا إذنه عمدًا فالقود وإلا الدية. واختار الشيخ يعني الموفق: تجزئ ولا ضمان. وهو احتمال في " الانتصار ". وأنه يحتمل تضمينه نصف دية. انتهى. (ويجتمع) على السارق (القطع والضمان) أي: ضمان ما سرقه. نقله الجماعة عن أحمد؛ لأنهما حقان يجب لمستحقين. فجاز اجتماعهما؛ كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي إذا كان مملوكاً لآدمي، (فيردُّ ما سرقـ) ـه (١) سارق (لمالكه) إن كان باقياً؛ لأنه عين ماله. (وإن تلف) المسروق: (فـ) على سارقه (مثل مثلي وقيمة غيره) أي: غير المثلي كغير السارق من المتعدين. (ويُعيد ما خرَّب من حرز)؛ لتعديه. وفي " الانتصار ": يحتمل لا غرم؛ لهتك حرز وتخريبه. والأول المذ هب. (وعليه) أي: على السارق الذي وجب عليه القطع (أجرة قاطع، وثمن زيت حَسْم) في ماله في الأصح. أما أجرة القاطع؛ فلأن القطع حق وجب عليه الخروج منه. فكان مؤنته عليه؛ كسائر الحقوق. وأما ثمن زيت الحسم؛ فلأنه يلزمه حفظ نفسه وهذا منه فإنه إذا لم يحسم لم يأمن على نفسه التلف. فوجب لذلك. وقيل: هما في بيت المال؛ لأن بيت المال للمصالح العامة وهذا منها. والله أعلم.

стр. 4830

[باب: حد قطاع الطريق] هذا (باب حَدِّ قُطَّاع الطَّريق، وهم: المكلَّفون الملتزمون ولو أنثى)؛ لأنها تحد في السرقة. فلزمها حكم المحاربة؛ كالرجل. ولأنها مكلفة يلزمها القصاص. فلزمها الحد؛ كالرجل أو ذميين أو أرقاء. (الذين يَعْرضون للناس بسلاح). وعلى (١) الأصح (ولو) كان سلاحهم (عصًا أو حجرًا في صحراء). وعلى الأصح (أو بنيان أو بحر، فيغصبون مالاً محترماً مجاهَرة). والأصل في حدهم قول الله : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) [المائدة: ٣٣]. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين؛ لقوله (٢) [بعد ذلك] (٣) : (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) [المائدة: ٣٤]. والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها، فلما خص الحكم بما قبل القدرة علم أنه أراد المحاربين؛ لأن ذلك (٤) الحكم يجب عليهم حدًا لا كفرًا، والحد لا يسقط بالتوبة بعد وجوبه. إذا علمت ذلك فقوله في المتن: المكلفون؛ ليخرج الصغير والمجنون.

стр. 4831

وقوله: الملتزمون؛ ليخرج الحربي وقوله: الذين يعرضون للناس؛ ليخرج من يعرض لصيد أو غيره. وقوله: بسلاح؛ ليخرج من يعرض بغير سلاح؛ لأنهم لم يمنعوا ممن يقصدهم. وقوله: في صحراء أو بنيان أو بحر؛ لعموم الآية فيهم في جميع الأمكنة. ولأن ضررهم في البنيان أعظم فكانوأ بالحد أولى. وقوله: فيغصبون مالاً، ليخرج غاصب غير المال؛ كالكلب والسرجين النجس. وقوله. محترماً؛ ليخرج مال الحربي وكل غاصب بحق. وقوله: مجاهرة؛ ليخرج السارق؛ لأن المحارب إنما يعتصم بالقتال دون الخفية. بخلاف السارق. (ويُعتبر) لوجوب الحد على المحارب ثلاثة شروط: الأول: (ثبوته) أي: ثبوت كونه محارباً (ببينة أو إقرار مرتين)؛ كما يعتبر ذلك في السرقة. ذكره القاضي وغيره. (و) الثاني: (الحرز) بأن يغصب المال من يد محقه. فلو وجده مطروحاً ليس بيد أحد، أو أخذه من يد من غصبه لم يكن محارباً. (و) الثالث: (النصاب) وهو: القدر الذي يقطع به السارق. وتقدم قدره في الباب قبله. ثم اعلم أن الله ذكر في شأن المحاربين أربعة أنواع من العقوبة، وهي: القتل، والصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، والنفي من الأرض. وعطف بعضهما على بعض بحرف " أو"، وهو حرف معناه إما التخيير؛ كقولك: خذ إما هذا أو هذا، أو التشكيك؛ كقولك: جاء زيد أو عمرو، أو الإبهام والترديد بين أمور لا يزاد عليها؛ كقولك: العدد أبدًا إما زوج أو فرد، والشمس أبدًا إما طالعة أو غاربة. والتخيير لا معنى له في الجزاء؛

стр. 4832

لاقتضاء التخيير تساوي الخصال المخير فيها، وهذه الخصال متفاوتة جدًا، لأن التفاوت بين القتل والنفي ليس باليسير وهذا ظاهر، وأما التشكيك فليس مرادًا بالإجماع؛ لأن التشكيك إنما يكون في أمور سبق وقوعها، لا في ابتداء حكم وترتيب جزاء محلى جناية. إذا تقرر هذا (فمن قُدر عليه) من المحاربين (وقد قَتل) إنساناً في المحاربة (ولو) كان ذلك الإنسان (مَن لا يقاد به) لو قتله في غير المحاربة؛ (كولده، و) كـ (قن) يقتله حر، (و) كـ (ذمي) يقتله مسلم وكان قتل المحارب لكل ممن ذكر وغيره (لقصد ماله)؛ لتحقق المحاربة (وأخذ مالاً: قُتل حتماً)؛ لأنه قتل وجب لحق الله . فلم يخير الإمام فيه ولم يدخله عفو؛ كالقطع في السرقه، (ثم صُلِبَ قاتل من) أي: من قتل من (يُقاد به) لو قتله في غيره المحاربة (حتى يَشتهر) أمره على الأصح، لأن الصلب إنما شرع، ليرتدع غيره ولا يكون ذلك إلا مع اشتهاره. (ولا يُقطع مع ذلك) أي: مع القتل والصلب على الأصح؛ لأنه لم يذكر القتل في حديث ابن عباس. وهو ما روى الشافعي عن إبراهيم بن يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض " (١) . وروي نحوه مرفوعاً. ولأن القتل والقطع عقوبتان تتضمن إحداهما الأخرى فإن إتلاف البدن يتضمن إتلاف اليد والرجل. فاكتفي بقتله؛ كما لو قطع يد إنسان ورجله ثم ضرب عنقه في الحال. (ولو مات) من قتل من يكافئه في المحاربة، (أو قُتل قبل قتله للمحاربة: لم يُصلَب) بعد ذلك في الأصح؛ لأنه لا فائدة في صلبه ميتاً، لأن الصلب إنما

стр. 4833

وجب ليشتهر أمره في القتل في المحاربة وهذا لم يقتل في المحاربة. (ولا يتحتَّم) على محارب (قود فيما دون نفس)؛ كما لو قطع في حال المحاربه يدًا أو رجلاً أو نحو ذلك على الأصح؛ لأن القتل إنما يتحتم؛ لأنه حد المحارب إذا كان قاتلاً، فأما الطرف فإنما يستوفى هاهنا قصاصاً لا حدًا فيكون حكمه كما في غير المحارب، فإذا عفى ولي القود سقط لذلك ولا يسقط مع تحتم قتل. (ورِدْء) للمحارب وهو: المساعد والمغيث لصاحبه عند احتياجه إليه، (وطَلِيع) وهو: الذي يكشف للمحاربين حال القافلة ليأتوا إليها (كمباشر)؛ كما نقول في جيش المسلمين إذا دخلوا الحرب وباشر بعضهم القتال وأخذ المال ووقف الباقون للحفظ والحراسة ممن يدهمهم من ورائهم فإن الكل يشتركون في الغنيمة. وكذا العَين الذي يرسله الإمام ليتعرف أخبار العدو، فيقال: حكم يتعلق بأخذ المال على وجه المحاربة فيستوي فيه الردء (١) والمباشر كالغنيمة. إذا تقرر هذا (فرِدء غير مكلَّف كهو) أي: كالمباشر غير المكلف. فيضمن الردء المكلف ما باشر أخذه غير المكلف، ولا يقتل الردء المكلف إذا قتل المباشر غير المكلف؛ لأن الردء تبع للمباشر فلا يبلغ به في الحكم ما لا يبلغه المتبوع. وتكون دية قتيل غير المكلف على عاقلته. (ولو قَتل بعضهم) أي: بعض المحاربين المكلفين ولم يأخذ أحدٌ منهم مالاً: (ثبت حكم القتل في حق جميعهم) أي: جميع المكلفين منهم في الأصح. فإذا قدر عليهم قبل أن يتوبوا قتل مَن قتل ومن لم يقتل؛ لما تقدم من أن حكم الردء حكم المباشر. (وإن قَتل) منهم (بعضٌ، وأحذ المال بعضٌ) آخر: (تحتَّم قتلُ الجميع وصلبُهم)؛ كما لو فعل الأمرين كل واحد منهم. (وإن قتل فقط لقصد المال: قُتل حتماً، ولم يُصلب) يعني: أن

стр. 4834

المحاربين إذا قتلوا في المحاربة لقصد المال ولم يأخذوا قتلوا حتماً ولا يصلبون على الأصح؛ لأن الخبر المروي فيهم قال فيه: ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يذكر صلباً. ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده. فيجب أن تكون عقوبتهم أعلظ. ولو شرع الصلب هاهنا لاستويا. (وإن لم يَقتل، وأخذ نصاباً لا شبهة له فيه) يعني: أن المحاربين إذا لم يقتلوا وأخذوا نصاباً من غير شبهة لهم فيه من حرز، وهو: ما بين جمع القافلة (لا من مفرد عن قافلة: قُطعت يده) أي: يد كل واحد من المحاربين (اليمنى ثم رجلُه اليسرى). وهذا معنى قوله سبحانه وتعالي: (مِنْ خِلافٍ) [المائدة: ٣٣]؛ ليكون أرفق به في إمكان مشيه ولا ينتظر اندمال اليد بل يقطعان (في مقام واحد حتماً)؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بقطعهما من غير تعرض لتأخير شيء منهما، فيبدأ بيمينه فتقطع وتحسم ثم برجله كذلك، (وحُسِمتا) وجوباً، لقوله ﷺ : " اقطعوه واحسموه " (١) (وخُلِّيَ) أي: حال سبيله؛ لأن الحق الذي عليه قد استوفي. أشبه المدين إذا أدّى ما عليه من الدين. (فلو كانت يده اليسرى مفقودة، أو) كانت (يمينه شلاء، أو) كانت يمينه (مقطوعة، أو) كانت يمينه (مستحقَّة في قود: قُطعت رجلُه اليسرى فقط) في الأصح، لئلا تذهب منفعة جنس اليد. (وإن عَدِمَ يُمنى يديه: لم تُقطع يمنى رجليه) في الأصح عن يمين يديه وقطعت رجله اليسرى كما تقدم. (وإن حارب) مرة (ثانية) وقد قطعت في المرة الأولى يمنى يديه ويسرى رجليه: (لم يُقطع منه شيء) في الأصح؛ لأن قطع شيء زائد على ذلك يذهب بمنفعة الجنس، إما منفعة البطش أو المشي أوكليهما.

стр. 4835

(وتتعيَّن دية لقود- لزم بعد محاربته- لتقديمها) أي: تقديم المحاربة. (بسبقها، وكذا لو مات) من لزمه قود بعد محاربته (قبل قتله للمحاربة) فإنه تتعين الدية لما لزمه من القود. (وإن لم يقتُل) أحد من المحاربين أحدًا (ولا أخذ مالاً) يبلغ نصاباً: (نُفي وشُرِّد ولو قناً)؛ لقول الله : (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) [المائدة: ٣٣]. ويروى عن ابن عباس: أن النفي يكون في هذا الحال. ولأن المناسب أن يكون الأخف بإزاء الأخف. وأخف الجرائم في المحاربة: أن يشهر السلاح، فيخاف السبيل بذلك من غير أن يأخذ المال ولا يقتل النفس. فيجب أن يرتب على ذلك الأخف من الجزاء وهو النفي من الأرض. وعلى الأصح أن معنى النفي ما أشير إليه بقوله: (فلا يُترك يأوي إلى بلد، حتى تظهر توبته). وعنه: أن نفيه تعزيره بما يردعه من ضربٍ وحبسٍ ونفيٍ. (وتُنفى الجماعة متفرِّقة) فينفى كل وأحد منهم إلى جهة خشية أن يجتمعوا على المحاربة ثانياً. (ومن تاب منهم) أي: من المحاربين (قَبل قدرةٍ عليه سقط عنه حق الله تعالى: من صلب، وقطع، ونفي، وتحتُّم قتل). وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لقول الله : (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (??)) [المائدة: ٣٤]. (وكذا) في الأصح (خارجيٌ وباغٍ ومرتدٌ محارب) تاب قبل القدرة عليه. وعلم مما تقدم أن من تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شئ مما تقدم؛ لقول الله : (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) [المائدة: ٣٤] فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين قبل القدره. فمن عداهم يبقى على قضية العموم.
следующие страницы →