← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وقوله: الملتزمون؛ ليخرج الحربي وقوله: الذين يعرضون للناس؛ ليخرج من يعرض لصيد أو غيره. وقوله: بسلاح؛ ليخرج من يعرض بغير سلاح؛ لأنهم لم يمنعوا ممن يقصدهم. وقوله: في صحراء أو بنيان أو بحر؛ لعموم الآية فيهم في جميع الأمكنة. ولأن ضررهم في البنيان أعظم فكانوأ بالحد أولى. وقوله: فيغصبون مالاً، ليخرج غاصب غير المال؛ كالكلب والسرجين النجس. وقوله. محترماً؛ ليخرج مال الحربي وكل غاصب بحق. وقوله: مجاهرة؛ ليخرج السارق؛ لأن المحارب إنما يعتصم بالقتال دون الخفية. بخلاف السارق. (ويُعتبر) لوجوب الحد على المحارب ثلاثة شروط: الأول: (ثبوته) أي: ثبوت كونه محارباً (ببينة أو إقرار مرتين)؛ كما يعتبر ذلك في السرقة. ذكره القاضي وغيره. (و) الثاني: (الحرز) بأن يغصب المال من يد محقه. فلو وجده مطروحاً ليس بيد أحد، أو أخذه من يد من غصبه لم يكن محارباً. (و) الثالث: (النصاب) وهو: القدر الذي يقطع به السارق. وتقدم قدره في الباب قبله. ثم اعلم أن الله ذكر في شأن المحاربين أربعة أنواع من العقوبة، وهي: القتل، والصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، والنفي من الأرض. وعطف بعضهما على بعض بحرف " أو"، وهو حرف معناه إما التخيير؛ كقولك: خذ إما هذا أو هذا، أو التشكيك؛ كقولك: جاء زيد أو عمرو، أو الإبهام والترديد بين أمور لا يزاد عليها؛ كقولك: العدد أبدًا إما زوج أو فرد، والشمس أبدًا إما طالعة أو غاربة. والتخيير لا معنى له في الجزاء؛

стр. 4832

لاقتضاء التخيير تساوي الخصال المخير فيها، وهذه الخصال متفاوتة جدًا، لأن التفاوت بين القتل والنفي ليس باليسير وهذا ظاهر، وأما التشكيك فليس مرادًا بالإجماع؛ لأن التشكيك إنما يكون في أمور سبق وقوعها، لا في ابتداء حكم وترتيب جزاء محلى جناية. إذا تقرر هذا (فمن قُدر عليه) من المحاربين (وقد قَتل) إنساناً في المحاربة (ولو) كان ذلك الإنسان (مَن لا يقاد به) لو قتله في غير المحاربة؛ (كولده، و) كـ (قن) يقتله حر، (و) كـ (ذمي) يقتله مسلم وكان قتل المحارب لكل ممن ذكر وغيره (لقصد ماله)؛ لتحقق المحاربة (وأخذ مالاً: قُتل حتماً)؛ لأنه قتل وجب لحق الله . فلم يخير الإمام فيه ولم يدخله عفو؛ كالقطع في السرقه، (ثم صُلِبَ قاتل من) أي: من قتل من (يُقاد به) لو قتله في غيره المحاربة (حتى يَشتهر) أمره على الأصح، لأن الصلب إنما شرع، ليرتدع غيره ولا يكون ذلك إلا مع اشتهاره. (ولا يُقطع مع ذلك) أي: مع القتل والصلب على الأصح؛ لأنه لم يذكر القتل في حديث ابن عباس. وهو ما روى الشافعي عن إبراهيم بن يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض " (١) . وروي نحوه مرفوعاً. ولأن القتل والقطع عقوبتان تتضمن إحداهما الأخرى فإن إتلاف البدن يتضمن إتلاف اليد والرجل. فاكتفي بقتله؛ كما لو قطع يد إنسان ورجله ثم ضرب عنقه في الحال. (ولو مات) من قتل من يكافئه في المحاربة، (أو قُتل قبل قتله للمحاربة: لم يُصلَب) بعد ذلك في الأصح؛ لأنه لا فائدة في صلبه ميتاً، لأن الصلب إنما

стр. 4833

وجب ليشتهر أمره في القتل في المحاربة وهذا لم يقتل في المحاربة. (ولا يتحتَّم) على محارب (قود فيما دون نفس)؛ كما لو قطع في حال المحاربه يدًا أو رجلاً أو نحو ذلك على الأصح؛ لأن القتل إنما يتحتم؛ لأنه حد المحارب إذا كان قاتلاً، فأما الطرف فإنما يستوفى هاهنا قصاصاً لا حدًا فيكون حكمه كما في غير المحارب، فإذا عفى ولي القود سقط لذلك ولا يسقط مع تحتم قتل. (ورِدْء) للمحارب وهو: المساعد والمغيث لصاحبه عند احتياجه إليه، (وطَلِيع) وهو: الذي يكشف للمحاربين حال القافلة ليأتوا إليها (كمباشر)؛ كما نقول في جيش المسلمين إذا دخلوا الحرب وباشر بعضهم القتال وأخذ المال ووقف الباقون للحفظ والحراسة ممن يدهمهم من ورائهم فإن الكل يشتركون في الغنيمة. وكذا العَين الذي يرسله الإمام ليتعرف أخبار العدو، فيقال: حكم يتعلق بأخذ المال على وجه المحاربة فيستوي فيه الردء (١) والمباشر كالغنيمة. إذا تقرر هذا (فرِدء غير مكلَّف كهو) أي: كالمباشر غير المكلف. فيضمن الردء المكلف ما باشر أخذه غير المكلف، ولا يقتل الردء المكلف إذا قتل المباشر غير المكلف؛ لأن الردء تبع للمباشر فلا يبلغ به في الحكم ما لا يبلغه المتبوع. وتكون دية قتيل غير المكلف على عاقلته. (ولو قَتل بعضهم) أي: بعض المحاربين المكلفين ولم يأخذ أحدٌ منهم مالاً: (ثبت حكم القتل في حق جميعهم) أي: جميع المكلفين منهم في الأصح. فإذا قدر عليهم قبل أن يتوبوا قتل مَن قتل ومن لم يقتل؛ لما تقدم من أن حكم الردء حكم المباشر. (وإن قَتل) منهم (بعضٌ، وأحذ المال بعضٌ) آخر: (تحتَّم قتلُ الجميع وصلبُهم)؛ كما لو فعل الأمرين كل واحد منهم. (وإن قتل فقط لقصد المال: قُتل حتماً، ولم يُصلب) يعني: أن

стр. 4834

المحاربين إذا قتلوا في المحاربة لقصد المال ولم يأخذوا قتلوا حتماً ولا يصلبون على الأصح؛ لأن الخبر المروي فيهم قال فيه: ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يذكر صلباً. ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده. فيجب أن تكون عقوبتهم أعلظ. ولو شرع الصلب هاهنا لاستويا. (وإن لم يَقتل، وأخذ نصاباً لا شبهة له فيه) يعني: أن المحاربين إذا لم يقتلوا وأخذوا نصاباً من غير شبهة لهم فيه من حرز، وهو: ما بين جمع القافلة (لا من مفرد عن قافلة: قُطعت يده) أي: يد كل واحد من المحاربين (اليمنى ثم رجلُه اليسرى). وهذا معنى قوله سبحانه وتعالي: (مِنْ خِلافٍ) [المائدة: ٣٣]؛ ليكون أرفق به في إمكان مشيه ولا ينتظر اندمال اليد بل يقطعان (في مقام واحد حتماً)؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بقطعهما من غير تعرض لتأخير شيء منهما، فيبدأ بيمينه فتقطع وتحسم ثم برجله كذلك، (وحُسِمتا) وجوباً، لقوله ﷺ : " اقطعوه واحسموه " (١) (وخُلِّيَ) أي: حال سبيله؛ لأن الحق الذي عليه قد استوفي. أشبه المدين إذا أدّى ما عليه من الدين. (فلو كانت يده اليسرى مفقودة، أو) كانت (يمينه شلاء، أو) كانت يمينه (مقطوعة، أو) كانت يمينه (مستحقَّة في قود: قُطعت رجلُه اليسرى فقط) في الأصح، لئلا تذهب منفعة جنس اليد. (وإن عَدِمَ يُمنى يديه: لم تُقطع يمنى رجليه) في الأصح عن يمين يديه وقطعت رجله اليسرى كما تقدم. (وإن حارب) مرة (ثانية) وقد قطعت في المرة الأولى يمنى يديه ويسرى رجليه: (لم يُقطع منه شيء) في الأصح؛ لأن قطع شيء زائد على ذلك يذهب بمنفعة الجنس، إما منفعة البطش أو المشي أوكليهما.

стр. 4835

(وتتعيَّن دية لقود- لزم بعد محاربته- لتقديمها) أي: تقديم المحاربة. (بسبقها، وكذا لو مات) من لزمه قود بعد محاربته (قبل قتله للمحاربة) فإنه تتعين الدية لما لزمه من القود. (وإن لم يقتُل) أحد من المحاربين أحدًا (ولا أخذ مالاً) يبلغ نصاباً: (نُفي وشُرِّد ولو قناً)؛ لقول الله : (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) [المائدة: ٣٣]. ويروى عن ابن عباس: أن النفي يكون في هذا الحال. ولأن المناسب أن يكون الأخف بإزاء الأخف. وأخف الجرائم في المحاربة: أن يشهر السلاح، فيخاف السبيل بذلك من غير أن يأخذ المال ولا يقتل النفس. فيجب أن يرتب على ذلك الأخف من الجزاء وهو النفي من الأرض. وعلى الأصح أن معنى النفي ما أشير إليه بقوله: (فلا يُترك يأوي إلى بلد، حتى تظهر توبته). وعنه: أن نفيه تعزيره بما يردعه من ضربٍ وحبسٍ ونفيٍ. (وتُنفى الجماعة متفرِّقة) فينفى كل وأحد منهم إلى جهة خشية أن يجتمعوا على المحاربة ثانياً. (ومن تاب منهم) أي: من المحاربين (قَبل قدرةٍ عليه سقط عنه حق الله تعالى: من صلب، وقطع، ونفي، وتحتُّم قتل). وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لقول الله : (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (??)) [المائدة: ٣٤]. (وكذا) في الأصح (خارجيٌ وباغٍ ومرتدٌ محارب) تاب قبل القدرة عليه. وعلم مما تقدم أن من تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شئ مما تقدم؛ لقول الله : (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) [المائدة: ٣٤] فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين قبل القدره. فمن عداهم يبقى على قضية العموم.

стр. 4836

ولأنه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص، والتوبة بعد القدره عليه الظاهر أنها تقية من إقامة الحد عليه. ولأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيباً في توبته، والرجوع عن محاربته وإفساده، فناسب ذلك الإسقاط عنه. وأما بعد القدرة عليه فلا حاجة إلى ترغيبه، لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة. (ويؤخذ غير حربي أسلم) من ذمي ومستأمن ومسلم محارب، (بحق الله) (وحقِّ آدمي طَلَبَه) من قصاص في نفس أو دونها، وغرامة مال ودية لما لا قصاص فيه، إلا أن يعفو مستحق ذلك عنه، لأن الله إنما يغفر حقه دون حق غيره. (ومن وجب عليه حدّ صرقة أو زناً أو شرب، فتاب) منه (قبل ثبوته) عند الحاكم: (سقط) عنها بمجرَّد توبة قبل إصلاح عمل) على الأصح؛ لقول ألله . (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) [النساء: ١٦]. وذكر حد السارق ثم قال: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) [المائدة: ٣٩]. وقال النبي ﷺ : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " (١) . ومن لا ذنب له لاحدعليه. ولأن النبي ﷺ أعرض عن المقر بالزنا حتى أقر أربع مرات (٢) .فلولم يسقط عنه الحد بالتوبة قبل الثبوت لم يجز الإعراض عنه حتى يستفسره. وفي حديث صفوان أنه لما وهب له ثمن الخميصة قال له النبي ﷺ : " فهلا قبل أن تأتيني به " (٣) . ولو لم يسقط بذلك قبل أن يرفع إليه لم يقيل ذلك لأنه كان يجب أن يرفعه إليه؛ ليقيم عليه الحد.

стр. 4837

وعلم مما تقدم أنه إذا لم يتب حتى ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة؛ لما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب " (١) . رواه النسائي وأبو داود. (كبموت) يعني: أن الحد يسقط [بالتوبة كما يسقط] (٢) بالموت، لكن سقوطه بالموت لفوات محله، كما يسقط غسل ما ذهب من أعضاء الطهارة. * * *

стр. 4838

] فصل: في الصائل] (فصل. ومن أريدت نفسه، أو) أريدت (حرمته، أو) أريد (ماله) يعني: أنه لو قصد إنسان إنسانا يريد قتله، أو الزنا بحرمته من أمه وبنته وأخته وزوجته ونحو ذلك من أقاربه أو يريد أخذ ماله (ولو قل) المال الذي يريد أخذه، (أو لم يكاف) من أريدت نفسه أو حرمته أو ماله (المريد) لشيء من ذلك: (فله دفعه) عن نفسه وحرمته وماله (بأسهل ما) أي: بأسهل شيء (يظن اندفاعه به)؛ لأنه لو منع من ذلك لأدى إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله. ولأنه لو لم يجز له ذلك؛ لتسلط الناس بعضهم على بعض، وأدى إلى الهرج والمرج. ولأن الزائد عليه لا حاجة إليه كحصول الدفع بدونه. والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة قال: " جاء رجل. فقال: يا رسول الله لِلَّهِ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؛ قال: فلا تعطه. قال: أرأيت إن قاتلني؛ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلنى. قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؛ قال: هو في النار " (١) . رواه أحمد ومسلم. ولأنه لا حق له فيه. وفي لفظ لأحمد في حديث أبي هريرة: " أنه قال له أولاً: أنشده الله. قال: فإن أبى علي. قال: قاتله (٢) ".

стр. 4839

ولأن الغرض من ذلك الدفع، فإذا اندفع بالأسهل حرم الأصعب، لعدم الحاجة إليه. (فإن لم يندفع إلا بقتل: أبيح) قتله، (ولا شيء عليه) أي: على قاتله. (وإن قتل كان شهيدا)؛ لحديث أبي هريرة المتقدم. ولما روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: " من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد " (١) . رواه الخلال بإسناده. ومن يقاتل لا يخلو إما أن يقتل أو يُقتل، فإذا كان شهيدا إذا قتل دل ذلك على جواز القتال، إذ لو (٢) لم يجز لكان مهلكا لنفسه. وإذا قتله فلا ضمان عليه في قتله؛ لأنه قتل لدفع شر الصائل. فلم يجب به شيء؛ كقتل العادل الباغي. (ومع مزح) في قتل (يحرم قتل، ويقاد به). قال في " الفروع ": ولا يجوز فى حال مزح. ذكره في " الانتصار ". ويقاد به. وذكره جماعة في التعريض بالقذف. انتهى. (ولا يضمن بهيمة صالت عليه) إذا قتلها؛ كصغير ومجنون، لاشتراكهم في المجوز لدفع وهو الصول. (ولا) يضمن أيضا (من دخل منزله متلصصا) لكن لو أمره صاحب المنزل بالخروج فخرج لم يملك أن يفعل به شيئا؛ لأن المقصود إخراجه وقد خرج. فلو لم يخرج فله ضربه بأسهل ما يعلم أو يظن أنه يندفع به، فإن خرج بالعصا لم يكن له ضربه بالحديد. وإن ولى هاربا لم يكن له قتله ولا اتباعه كالبغاة. وإن ضربه ضربة غليظة لم يكن له عليه أرش، لأنه كفي شره. وإن ضربه فقطيع يمينه فولى مدبرا فقطع رجله فالرجل مضمونة؛ لأنه في حال لا يحل له ضربه واليد غير مضمونة، فإن مات من سراية القطع فعليه نصف الدية. وإن عاد إليه بعد قطع رجله فقطع يده الأخرى فاليدان غير مضمونتين.

стр. 4840

(ويجب) على من أريدت حرمته الدفع (عن حرمته) في المنصوص. فمن " رأى مع امرأته أو ابنته أو أخته أو نحوهن رجلا يزني بها، أو رجلا يلوط بابنه أو نحوه وجب عليه قتله إن لم يندفع بدونه؛ لأنه اجتمع فيه حق الله وهو منعه من الفاحشة وحق نفسه بالمنع عن أهله فلا يسعه إضاعة هذه الحقوق. (وكذا) يجب على الإنسان الدفع (في غير فتنة عن نفسه ونفس غيره) على الأصح، لقول الله : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥]. وكما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتل نفسه. ولأنه قدر على إحياء نفسه. فوجب عليه فعل ما تبقى معه الحياة " كالمضطر إذا وجد الميتة. وكذا عن نفس غيره، لأنه لا يتحقق منه إيثار الشهادة، وكإحيائه ببذل طعامه. ذكره القاضي وغيره. (لا عن ماله) يعني: أنه لا يجب على إنسان دفع من أراد ماله على الأصح؛ لأنه ليس فيه من المحذور ما في النفس، فإن المال لا حرمة له كحرمة النفس، فلا يجب عليه أن يفعل بسبب المال ما فيه الخطر على نفسه، لأنه ربما لم يمكنه دفع الصائل بدون القتال ولا يأمن أن يقتله الصائل، فناسب ذلك عدم وجوبه عليه. (و. لا يلزمه) أي: لا يلزم رب المال (حفظه عن الضياع والهلاك). قال في " الفروع ": ولا يلزمه عن (١) ماله على الأصح، كما لا يلزمه حفظه من الضياع والهلاك. ذكره القاضي وغيره. وفي " التبصرة ": في الثلاثة يلزمه في الأصح. (وله بذله) أي: بذل ماله لمن أراده منه على وجه الظلم. وذكر القاضي أن بذله أفضل من الدفع عنه، وأن حنبلا نقله عن أحمد ولفظه: أرى دفعه إليه ولا يأتي على نفسه (٢) ، لأنها لا عوض منها.

стр. 4841

ونقل أبو الحارث: لا بأس. قال المروذي وغيره: كان أبو عبد الله لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. وقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رجلا قال: " يا رسول الله لِلَّهِ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؛ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؛ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؛ قال: فأتت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؛ قال: هو في النار " (١) . فظاهر هذا الحديث أن الأفضل لرب المال أن لا يبذله لمريده. (ويجب) على كل مكلف الدفع (عن حرمة غيره، وكذا ماله) يعني: وكذا يجب عليه الدفع عن مال غيره؛ لئلا تذهب الأنفس أو الأموال أو تستباح الحرم. وإنما يجب الدفع عن حرمة غيره أو مال غيره (مع ظن سلامتهما) أي: سلامة الدافع والمدفوع عن حرمته أو ماله. (وإلا) أي: وإن لم تظن سلامتهما مع الدفع: (حرم) لإلقاء نفسه في التهلكة مع عدم ظنه سلامتهما مع الدفع. (ويسقط) وجوب الدفع عن حرمة غيره أو ماله (بإياسه) من فائدة دفعه، (لا بظنه أنه) أي: أن دفعه (لا يفيد)، لأنه ظن لا يسقط به الواجب المتيقن. (ومن عض يد شخص- وحرم) أي: والحال أنه عض محرم لكونه متعديا، لأن العض لا يباح إلا أن لا يقدر العاض على التخلص إلا به- (فانتزعها) من فمه (ولو) كان نزعه (بعنف) أي: بشدة (فسقطت ثناياه) أي: ثنايا العاض: (فهدر) أي: فلا شيء عليه في ثنايا العاض. والأصل في ذلك ما روى عمران بن حصين " أن رجلا عض رجلا. فنزع يده من فيه. فوقعب ثنيتاه. فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل، لا دية لك " (٢) . رواه الجماعة إلا أبا داود

стр. 4842

ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه. فلم يضمن، كما لو صال عليه فلم يمكنه دفعه إلا بقطع يده. (وكذا) أي: وكالعض في الحكم (ما في معنى العض. فإن عجز) إنسان عن خلاص نفسه ممن لزمه: (دفعه كصائل) عليه. فله أن يعصرخصيتيه، فإن لم يمكنه فله أن يبعج بطنه. وقد روي " أن جارية خرجت من المدينة تحتطب. فتبعها رجل فراودها عن نفسها. فرمته بنهر فقتلته. فرفع ذلك إلى عمر. فقال: هذا قتيل الله. والله! لا يودى أبدا " (١) . ومعنى قتيل الله: أن الله أباح قتله. ولأنه إتلاف بدفع أبيح. فوجب أن يسقط ضمانه؛ كالعادل إذا قتل الباغي. (ومن نظر في بيت غيره، من خصاص باب مغلق) وخصاص الباب: الفروج والخلل الذي تكون فيه، (ونحوه) أي: ونحو ذلك مما يمكن الاطلاع منه؛ كالفروج التي بالحائط أو ببيت الشعر (ولو لم يتعمد) الناظر الاطلاع على ما في البيت، (لكن: ظنه) رب البيت (متعمدا فخذف) بالخاء والذال المعجمتين (عينه أو نحوها، فتلفت) عينه أو نحوها، كحاجبه: (فهدر، ولا يتبعه)، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " من اطلع في بيت قوم ففقؤا عينه

стр. 4843

فلا دية ولا قصاص " (١) . رواه أحمد والنسائي. وفي رواية: " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه " (٢) . رواه أحمد ومسلم. وعن سهل بن سعد: " أن رجلا اطلع في حجرات رسول الله ﷺ . ومع رسول الله ﷺ مدرى يرجل به رأسه. فقال: لو أعلم أنك تنظر طعنت به في عينك. إنما جعل الإذن من أجل البصر " (٣) . متفق عليه. والمدرى: الحديدة التي يدرى به الشعر أي: يسوى ويلوى وهي حديدة تشبه قرن الظبي. ولأن المساكن حمى ساكنها ولهم منع غيرهم من دخولها إلا بإذنهم. والمقصود منها ستر عوراتهم عن الناس فإذا تطلع فيها غيرهم كان في حكم الصائل فلهم دفعه وإن أدى إلى التلف. والعين هي الآلة للنظر، فإذا دفع نظرها عنه بإتلافها لم يضمن، كما لا يضمن بإتلاف نفس الصائل. وهذا (بخلاف مستمع وضع اذنه في خصاصه) أي: خصاص بابه فإنه ليس له قصد أذنه بطعن أو نحوه (قبل إنذاره). قاله فى " الترغيب ". فينذره أولا قبل أن يطعنه في أذنه. (و) بخلاف (ناظر من) باب (منفتح) في الأصح فيهما. قال في " الإنصاف ": لو تسمع الأعمى على من في البيت: لم يجز طعن

стр. 4844

أذنه على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب. ثم قال: قال في " القواعد الأصولية ": هكذا ذكره الأصحاب الأعمى إذا تسمع وحكوا فيه القولين. قال: والذي يظهر أن تسمع البصير يلحق بالأعمى على قول ابن عقيل، سواء كان أعمى أو بصيرا. انتهى. قلت: وهو الصواب. والذي يظهر أنه مرادهم. وإنما لم يذكروه حملا على الغالب؛ لأن الغالب من البصير ينظر ولا يتسمع (١) . والله أعلم.

стр. 4845

] باب: قتال أهل البغي] هذا (باب قتال اهل البغي). والأصل في ذلك قوله : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجر ات: ٩]. والبغي: الجور والظلم والعدول عن الحق. والبغي: بتشديد الياء: الفاجرة. وسموا بغاة؛ لأنهم يعدلون عن الحق وما عليه أئمة المسلمين. وفي الآية خمس فوائد: إحداها: أنه (١) لم يخرجهم بالبغي عن الإيمان، وسماهم مؤمنين. الثانية: أنه أوجب قتالهم؛ لأنه أمر به. الثالثة: أنه أسقط قتالهم إذا فاؤا إلى أمر الله. الرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم. الخامسة: أنها أفادت جواز قتال كل من يمنع حقا عليه. وروى عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه " (٢) . رواه أحمد ومسلم.

стр. 4846

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه. فإنه من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية " (١) . متفق عليه. وأجمعت الصحابة على قتال البغاة، فإن عليا قاتل أهل النهروان ولم ينكره أحد. (وهم) أي: والبغاة هم: (الخارجون على إمام- ولو غير عدل- بتأويل سائغ، ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم) شخص (مطاع) في الأصح. (ومتى اختل شرط من ذلك) بأن. لم يكن خروجهم بتأويل أو بتأويل غير سائغ، أو كانوا جمعا (٢) يسيرا لا شوكة لهم: (فقطاع طريق) يعني: فحكمهم حكم قطاع الطريق. (ونصب الإمام) على المسلمين (فرض كفاية) يخاطب بذلك طائفتان من الناس: إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا. والثانية: من توجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة. أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاثة شروط: أحدها: العدالة. والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة. والثالث: أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح. وكون نصب الإمام فرض كفاية، لأن بالناس حاجة إلى ذلك لحماية

стр. 4847

البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (ويثبت) نصب الإمام (بإجماع) أي: إجماع أهل الحل والعقد على اختيار إنسان موصوف بالأوصاف الآتي ذكرها. فإذا أجابهم إلى قبول الإمامة انعقدت الإمامة له (١) ببيعتهم، ولزم كافة الأمة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته. (و) يثبت أيضا نصب الإمام بـ (نص) بأن يعهد الإمام بالإمامة إلى إنسان ينص عليه بعده. ولا يحتاج في ذلك إلى موافقة أهل الحل والعقد؛ لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه عهد إلى عمر رضي الله تعالى عنه بالإمامة ولم يحتج في ذلك إلى أحد. (و) يثبت أيضا نصب الإمام بـ (اجتهاد)، لأن عمر رضي الله تعالى عنه لما جعل أمر الإمامة شورى بين سته من الصحابة، وكان لا يجوز عقد الإمامة لأكثر من واحد احتاجوا إلى الاجتهاد في أن يُختار لها واحد من الستة حتى وقع اتفاقهم على عثمان رضي الله تعالى عنه (٢) . (و) يثبت أيضا نصب الإمام ب (قهر)، كما لو تنازع الإمامة عدد يصلح لها كل منهم فقهر أحدهم من سواه فإنه تثبت له الإمامة وتلزم الرعية طاعته؛ لقول أحمد رضي الله تعالى عنه ورحمه في رواية أبي الحارث: في الإمام خرج عليه من يطلب الملك فتفتتن (٣) الناس فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم مع من تكون الجمعة؛ قال: مع من غلب. وظاهر هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلبه زالت إمامة الأول. وقال أيضا في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت ولا يراه إماما، برا كان أو فاجرا. انتهى.

стр. 4848

وذلك لأن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها ودعوه إماما. ولما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم. ولدخول الخارج في عموم قوله ﷺ : " من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف، كائنا من كان " (١) . وإنما تثبت الإمامة في هذه الصور (لقرشي) أي: من قريش وهم بنوا النضر بن كنانة؛ لقول احمد في رواية مهنا: لا يكون من غير قريش خليفة. ولقول المهاجرين للأنصار: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم في ذلك الأخبار. (حر) فلا يجوز أن يكون قنا أو مبعضا؛ لأن الإمام تكون له الولاية العامة. فلا يجوز أن تكون عليه ولاية لأحد. (ذكر)؛ لاشراط ذلك في القاضي، فهو في الإمامة العظمى أبلغ. (عدل)؛ لاشراط ذلك في ولاية القضاء التي هي دون الإمامة العظمى. (عالم) بالأحكام الشرعية؛ لاحتياجه إلى مراعاتها في أمره ونهيه. (كاف ابتداء ودواما) يعني: أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود، لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة. ثم إن كان به عارض في بدنه نظر، فإن كان يرجى زواله؛ كالإغماء فهذا لا يمنع عقدها ولا استدامتها؛ " لأن النبي ﷺ أغمي عليه في مرضه " (٢) . وإن كان لا يرجى زواله؛ كالجنون والخبل

стр. 4849

إذا لم يتخللهما إفاقة فهذا يمنع الابتداء والاستدامة. وإن تخللتهما إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة، وكان الجنون والخبل أكثر زمانه، فهو كما لو كان مطبقا. وأما ضعف البصر فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع الإمامة. وأما فقد الشم أو الذوق الذي لا يفرق به بين المطعوم لم يؤثر ذلك في عقد الإمامة؛ لأنها لا مدخل لهما في الرأي والعمل. وأما تمتمة اللسان وثقل السمع مع إدراك الصوت إذا علا فلا يمنع الابتداء والاستدامة؛ لأن موسى كليم الله لم تمنعه عقدة لسانه من النبوة فأولى أن لا تمنع الإمامة. وأما قطع الذكر والأنثيين فلا يمنع من عقد الإمامة ولا استدامتها؛ لأن فقد ذلك يؤثر في التناسل دون الرأي والحركة فجرى مجرى العنة. وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس أن يحيى بن زكريا صلى الله وسلم عليهما لم يكن له ذكر يغشى به النساء وكان كالنواة. فلما لم يمنع ذلك من النبوة أولى أن لا يمنع من الإمامة. وأما ذهاب اليدين والرجلين فيمنع من ابتداء عقدها واستدامتها لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة من العمل باليد أو النهضة بالرجل. وأما إن قهره من أعوانه من يستبد بتدبير الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهدة بشقاق لم يمنع ذلك من استدامته ولا يقدح ذلك في ولايته، ثم ينظر في أفعال من استولى على أموره فإن كانت جارية على أحكام الدين جاز إقراره عليها؛ تنفيذا لها، وإمضاء لأحكامها؛ لئلا يقف من العقود الدينية ما يعود بفساد على الأمة، وإن كانت خارجة عن حكم الدين لم يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض على يده ويزيل تغلبه. (ويجبر) على الإمامة شخص (متعين لها)؛ لقول أحمد فى رواية المروذي: لا بد للمسلمين من حاكم. أتذهب حقوق الناس؟. (وهو) أي: والإمام (وكيل) للمسلمين (فله عزل نفسه) مطلقا كسائر

стр. 4850

الوكلاء. (ولهم) أي: وللمسلمين (عزله إن سألها) أي: سأل الإمامة. (وإلا: فلا) أي: وإن لم يسأل الإمامة فليس لهم عزله. (ويحرم قتاله) أي: أن يقاتلوه. (وإن تنازعها) أي: تنازع الإمامة (متكافئان) اي: اثنان كل منهما كاف ابتداء ودواما: (أقرع) بينهما. فيبايع من خرجت له القرعة بينهما. وصفة العقد: أن يقول له كل من أهل الحل والعقد: قد بايعناك على إقامة العدل والإنصاف، والقيام بفروض الإمامة. ولا يحتاج مع ذلك إلى صفقة. اليد. (وإن بويعا) واحدا بعد واحد (فالإمام: الأول) اي: من بويع أولا. (و) إن بويعا (معا) أي: في وقت واحد (أو جهل السابق) أي: من بوييع أولا: (بطل العقد)؛ لأن العمل ببيعة أحدهما ترجيح من غير مرجح. إذا تقرر هذا فمن ثبتب إمامته لزمه من أمور الأمة عشرة أشياء: الأول: حفظ الدين على الأصول التي أجميع عليها سلف الأمة؛ فإن زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة وأخذه بما يلزمه من الحقوق؛ ليكون الدين محروسا من الخلل. الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع ما بينهم من الخصومات. الثالث: حماية البيضة، والذب عن الحوزة؛ لمتصرف الناس في معايشهم، ويسيروا في الأسفار آمنين. الرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف أو استهلاك. الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرما، أو يسفكون فيها دما لمسلم أو معاهد. السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة. السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع بالنص أو الاجتهاد من غيرعسف.

стр. 4851

الثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقته من غير تقديم ولا تأخير. التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال مضبوطة، والأموال محفوظة. العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور (١) ، وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بغير ذلك فقد يخون الأمين، ويغش الناصح. وإذا قام الإمام بحقوق الأمه وجب له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة. (وتلزمه مراسلة بغاة)، لأن المراسلة طريق إلى الصلح، ووسيلة إلى رجوعهم إلى الحق. وقد روي أن علي بن أبي طالب راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل. و" لما اعتزلته الحوورية بعث (٢) إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف " (٣) . (و) تلزمه أيضا (إزالة شبههم) " لأن في كشف شبههم رجوع إلى الحق وذلك المطلوب منهم. (و) تلزمه أيضا إزالة (ما يدعونه من مظلمة)، لأن ذلك واجب مع إفضاء الأمر به إلى القتل والهرج. فلأن يجب في حال يؤدي إلى ذلك بطريق الأولى. وذلك لأن الله أمر بالإصلاح أولا في قوله : (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩] والإصلاح إنما يكون بمراسلتهم، وكشف شبهتهم، وإزالة ما يدعونه من مظلمة فإن كان ما ينفونه ممن لا يحل فعله أزاله،

стр. 4852

وإن كان مما يحل فعله لكن يلبس عليهم الأمو فيه فاعتقدوا أنه مخالف للحق بين لهم دليله وأظهر لهم وجهه؛ فإن عليا ﵇ بعب ابن عباس إلى الخوارج لما تظاهروا بالعبادة والخشوع وحمل المصاحف في أعناقهم ليسألهم عن سببا خروجهم وبين لهم الشبهة التي تمسكوا وهي قصة مشهورة (١) . (فإن فاءوا) أي: رجعوا عما هم فيه من البغي وطلب القتال، (وإلا: لزم) إماما (قادرا قتالهم)؛. لقوله : (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) [الحجرات: ٩]. (وعلى رعيته معونته) على قتالهم، لقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩]. ولقوله ﷺ : " من فارق الجماعه شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " (٢) . رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه. وربقة الإسلام: بفتح الراء وكسرها: استعارة لما يلزم العنق من حدود الإسلام وأحكامه. (فإن استنظروه مدة) بأن قالوا: انظرنا حتى نرى رأينا وننظر في أمرنا، (ورجاء فيئتهم) في تلك المده: (أنظرهم) وجوبا، لأنهم لم يظهر منهم أمر يوجب قتالهم. فوجب تركهم، كما لو لم ينفردوا عن الناس. . وربما كان قولهم حقا فإن النظر في الأمور يحتاج إلى مهلة وفكر فإذا طلبوه لم يكونوا ملومين فيه، وفي إنظارهم مصلحة حفظ دماء المسلمين والكف عن القتال. (وإن خاف مكيدة) بإنظارهم مثل: أن يخاف مددا يأتيهم، أو ان يتحيزوا إلى فئة تمنعهم، أو يكثر بها جمعهم ونحو ذلك: (فلا) يجب عليه إنظارهم ولا يجوز؛ لأن ذلك يصير طريقا إلى قهر أهل الحق. ويحرم عليه أن يؤخر

стр. 4853

قتالهم (ولو أعطوه مالا أو رهنا) على تأخير القتال؛ لأنه يخلى سبيل الرهن إذا انقضت الحرب كما تخلى الأسارى ولا يجوز قتلهم. وإن سألوه أن ينظرهم أبدا ويدعهم وما هم عليه ويكفوا عن أهل العدل فإن قوي عليهم لم يجز إقرارهم على ذلك، وإلا جاز. (ويحرم قتالهم بما يعم إتلافه؛ كمنجنيق ونار) إلا لضرروة تدعو إلى ذلك كما في دفع الصائل؛ لأن الرمي بذلك يتلف المقاتل وغير المقاتل ويتلف الأموال. وغير المقاتل لا يحل قتله كما لا يحل إتلاف أموالهم. (و) يحرم (استعانة بكافر) في قتال البغاة؛ لئلا يكون مسلطا للكفار على دماء المسلمين. وقد قال الله : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا) [النساء: ١٤١]. (إلا لضرورة) مثل: أن يعجز أهل العدل عن البغاة لقلتهم فيجوز للحاجة، و (كفعلهم إن لم نفعله)؛ كما لو رمونا بما يعم إتلافه إن لم نرمهم به، وكما لو استعانوا على أهل العدل بالكفار. (و) يحرم أيضا (أخذ مالهم)؛ لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمة أموالهم تابعة لدينهم. (و) يحرم أيضا أخذ (ذريتهم)؛ لأنهم لم يحصل منهم سبب أصلا يقتضي ذلك. بخلاف آبائهم فإنه قد وجد منهم البغي والقتال. (و) يحرم أيضا (قتل مدبرهم، و) قتل (جريحهم)؛ لما روى مروان قال: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن " (١) . رواه سعيد. وعن عمار نحوه. وكالصائل.

стр. 4854

ولأن شرط حل قتالهم كونهم مقاتلين والمدبر تارك للقتال فلا يقاتل، والجريح تمنعه جراحته عن القتال. والإجهاز- بالزاي- قتله فيكون ممنوعا منه، لأنه قتل من لم يقاتل. (و) يحرم أيضا قتل (من ترك القتال)؛ لما تقدم من قول علي رضي الله تعالى عنه: " ومن القى السلاح فهو آمن ". (و) إذا تقرر هذا فمن قتل من أهل العدل إنسانا من أهل البغي ممن يمنع من قتله فإنه (لا قود) عليه (فيه) في الأصح للشبهة، (ويضمن) بالدية. (ويكره) لكل من أهل العدل (قصد رحمه الباغي)؛ كأخيه وعمه ونحوهما الذين من أهل البغي (بقتل) في الأصح، لقول الله : (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: ١٥]. قال الشافعي: كف النبي ﷺ أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه. وقال بعضهم: لا يحل. وذكره (١) في " الفروع " احتمالا؛ لأنه يقال: أمر بمصاحبته بالمعروف. (وتباح استعانة عليهم) أي: على أهل البغي (بسلاح أنفسهم وخيلهم، وعبيدهم وصبيانهم لضرورة فقط) لا لغير ضرورة في الأصح، لأن الإسلام عصم أموالهم. وإنما أبيح قتالهم، لردهم إلى الطاعة. فيبقى المال على العصمة، كمال قاطع الطريق. ولنا: جواز ذلك مع الضرورة فإنه مثل أكل مال الغير في المخمصة. (ومن أسر منهم) أي: من أهل البغي (ولو) كان (صبيا أو) كان (أنثى: حبس حتى لا شوكة ولا حرب) يعني: حتى تنكسر شوكتهم وتنقضي حربهم، لأن في إطلاقهم قبل ذلك ضررا على أهل العدل؛ لأنه ربما تحصل منهم مساعده المقاتلة. وفي حبسهم كسر قلوب البغاة وإضعاف لها. فإذا انكسرت شوكتهم

стр. 4855

وقضي حربهم زال المانع الذي حبسوا من أجله. فوجبت تخليتهم. (وإذا انقضت) الحرب (فمن وجد منهم) أي: من أهل البغي (ماله بيد غيره) من أهل العدل أو البغي: (أخذه) منه، لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين فلا يجوز اغتنامها، لأن ملكهم لم يزل عنها بالبغي. وقد روي أن عليا ﵇ قال يوم الجمل: " من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه. فعرف بعضهم قدرا مع أصحاب علي وهو يطبخ فيها. فسأله إمهاله حتى ينضج الطبيخ. فأبى وكبه وأخذها ". (ولا يضمن بغاة ما أتلفوه) على أهل العدل (حال حرب) على الأصح؛ (كـ) ما أنه لا ضمان على (أهل عدل) فيما أتلفوه على أهل بغي حال حرب " لأن عليا رضي الله تعالى عنه لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال. فلم يطالبهم بدية مقتول، ولا بقيمة متاع متلف. قال الزهري: " هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه " (١) . ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجا به. ولأنه إتلاف من طائفة ممتنعه بتأويل سائغ. فلا يضمن به؛ كأهل العدل. (ويضمنان) أي: أهل العدل وأهل البغي (ما أتلفا) على غيرهما (في غير حرب) من نفس ومال؛ لأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع. فضمنت؛ كأموال غيرهم ونفوسهم. (وما أخذوا) أهل البغي (حال امتناعهم) أي: حال كونهم في منعة عن أهل العدل: (من زكاة، وخراج، وجزية: اعتد به) لمن دفعه لهم. فلا يجب عليه مرة ثانية إذا ظفر به أهل العدل، لأن عليا لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه أهل البغي.

стр. 4856

وكان ابن عمر وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري فيدفعون إليه زكاتهم. ولأن في ترك الاحتساب بها ضررا عظيما على الناس فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة. فلو لم يحتسب بما (١) أخذوه لأدى إلى فناء الأموال باستيفاء الصدقات وغيرها في تلك السنين كلها. (ويقبل بلا يمين) ممن وجبت عليه زكاة (دعوى دفع زكاة إليهم) [أي: إلى البغاة [ (٢) ، لأنه لو ادعى دفعها إلى الفقراء قبل قوله بلا يمين، فكذلك إذا ادعى دفعها إلى غير الفقراء ممن يسقطها الدفع إليه فإنه يقبل قوله من غيريمين؛ لأن الزكاة حق لله . فلا يستحلف عليه " كالصلاة. (لا) قول من عليه خراج من دفع (خراج) إليهم إلا ببينة، (ولا) قول من عليه جزية في دفع (جزية) إليهم (إلا ببينة) في الأصح فيها " لأن كلا منهما عوض والأصل عدم الدفع. (وهم) أي: وأهل البغي (في شهادتهم و) في (إمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل)، لأن التأويل الذي له مساغ في الشرع لا يوجب تفسيق قائله والذاهب إليه. أشبه المخطى من الفقهاء في فرع من الأحكام. فيقضى بشهادتهم إذا كانوا عدولا، ولا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا. وإذا كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل جاز قبول كتابه والعمل بمقتضاه، لأنه قاض ثابت القضاء. ومحل ذلك: إذا كان أهلا للقضاء. فأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا على الإمام فلا تقبل لهم شهادة، ولا يجوز أن يكونوا قضاة، لأنهم فساق. (وإن استعانوا) أي: البغاة (بأهل ذمة، أو) أهل (عهد: انتقض عهدهم، وصاروا كأهل حرب) بإعانتهم أهل البغي على قتال أهل العدل، كما لو انفرد أهل الذمة بقتال المسلمين.

стр. 4857

ومحل ذلك: إن علموا الحكم في ذلك، (إلا إن ادعوا شبهة كـ) دعوى ظن (وجوب إجابتهم) أي: إجابة أهل البغي، لأنهم من المسلمين ونحن لا نعلم البغاة من أهل العدل، أو ظننا أنهم هم أهل العدل وأنه يجب علينا القتال معهم فإنه يقبل منهم ذلك، لأنهم ادعوا ممكنا، والعهد لا ينتقض إلا مع تحقيق سببه. (ويضمنون) أي: أهل الذمة (ما أتلفوه من نفس ومال) على المسلمين، كما لو انفردوا به عن أهل البغي. وإنما لم يضمنه أهل البغي، لأن الله أمر بالإصلاح بين المسلمين ولما كان التضمين منافيا للإصلاح؛ لما فيه من التنفير وجب ألا يضمن. بخلاف الكفار فإنا لم نؤمر بالإصلاح بينهم وبين المسلمن فإن عداوتهم قائمة ما داموا كفارا. فلم يكن في تضمينهم ضرر. فوجب لذلك. (وإن استعانوا) أي: أهل البغي (بأهل حرب، وأمنوهم: فكعدمه) يعني: فإنه لا يصح أمانهم؛ لأنهم إنما عقدوا الأمان بينهم على قتالنا وهو محرم فلا يكون ذلك سببا لعصمتهم، فيباح قتلهم مقبلين ومدبرين، وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم، (إلا أنهم في أمان، بالنسبة إلى بغاة)، لأنهم أمنوهم فلا يجوز لهم الغدر بهم.

стр. 4858

] فصل: في الخوارج] (فصل. وإن أظهر قوم رأي الخوارج) مثل تكفير من ارتكب الكبيرة ونحو ذلك، (ولم يخرجوا عن قبضة الإمام) أي: ولم يجتمعوا لحرب: (لم يتعرض لهم)؛ لما روي " أن علي بن أبي طالب كان يخطب. فقال رجل من باب المسجد: لا حكم إلا لله. تعريضا بالرد عليه فيما كان من تحكيمه. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل. ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال " (١) . (وتجري الأحكام علهيم كأهل العدل). فعلى هذا: حكمهم حكم غيرهم في ضمان النفس والمال ووجوب الحد؛ لأن الإمام يلزمه الحكم بذلك على من في قبضته من المسلمين من غير اعتبار لاعتقاده فيه. (وإن صرحوا بسب إمام، أو) بسب (عدل، أو عرضوا به) أي: بسب إمام أو عدل: (عزروا) في الأصح مع التعريض. (ومن كفر أهل الحق والصحابة، واستحل دماء المسلمين) وأموالهم (بتأويل: ف) هم (خوارج بغاة، فسقة). قدمه في " الفروع ". ثم قال: وعنه: كفار. وفي " الترغيب " و " الرعاية ": هو أشهر. وذكر ابن حامد: أنه لا خلاف

стр. 4859

وذكر ابن عقيل في " الإرشاد " عن أصحابنا: تكفير من خالف في أصل؛ كخوارج، ورافضة، ومرجئه. وذكر غيره روايتين فيمن قال: لم يخلق الله المعاصي، أو وقف فيمن حكمنا بكفره، وفيمن سب صحابيا غير مستحل، وأن مستحله كافر. وفي " المغني ": يخرج في كل محرم اسمحل بتأويل؛ كالخوارج ومن كفرهم فحكمهم عنده كمرتدين. قال في " المغني ": هذا مقتضى قوله. وقال شيخنا: نصوصه صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفر الجهمية لا أعيانهم. قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقا، حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي. قال: ومذاهب الأئمة أحمد وغيره مبنية على التفصيل بين النوع والعين. ونقل محمد بن عوف الحمصي: من أهل البدع الذين أخرجهم النبي ﷺ من الإسلام القدرية، والمرجئة، والرافضة، والجهمية، فقال: لا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم. ونقل محمد بن منصور الطوسي: من زعم أن في الصحابة خيرا من أبي بكر فولاه النبي ﷺ فقد افترى عليه وكفر بأن زعم بأن الله يقر المنكر من أنبيائه في الناس، فيكون ذلك سبب ضلالهم. ونقل الجماعة: من قال: علم الله مخلوق كفر. انتهى كلامه في " الفروع ". (وعنه): أى: وعن الإمام أحمد رواية أن (١) الذين كفروا أهل الحق والصحابة، واستحلوا دماء المسلمين بتأويل أو بغير تأويل: (كفار). قال (المنقح: وهو أظهر) انتهى. (وإن اقتتلت طائفتان لعصبية، أو) طلب (رياسة، فـ) هما (ظالمتان: تضمن كل) من الطائفتين (ما أتلفت على الأخرى).

стр. 4860

قال الشيخ تقي الدين: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة وإن لم يعلم عين المتلف. (وضمنتا سواء) أي: وضمن الطائفتان بالسوية (ما) أي: مالا (جهل متلفه). قال الشيخ تقي الدين: وإن جهل قدر ما نهبه كل طائفة من الأخرى تساوتا يعني: في ضمانه. قال: كمن جهل قدر المحرم بماله أخرج نصفه والباقي له. انتهى. وما تقدم من ضمان الطائفتين بالسوية مالا جهل متلفه من كونه من أي الطائفتين؛ (كما لو قتل) إنسان (داخل بينهما لصلح (١) ، وجهل قاتله) من كونه من أي الطائفتين. وإن علم كون قاتله من هذه الطائفة وجهل عينه: ضمنته وحدها. قال ابن عقيل: ويفارق المقتول في زحام الجامع والطواف؛ لأن الزحام والطواف ليس فيهما تعد. بخلاف الأول. والله أعلم.

стр. 4861

(باب: حكم المرتد) وهو لغة: الراجع. قال الله : (وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) [المائدة: ٢١]. (وهو) شرعا: (من كفر ولو) كان (مميزا) بنطق أو اعتقاد أو شك أو فعل (طوعا. ولو) كان (هازلا، بعد إسلامه ولو) كان إسلامه (كرها بحق)؛ كما لو استولى الحربيون على أم ولد لمسلم ثم أخذت منهم وقد أتت منهم بولد وامتنع من الإسلام، فإنه يضرب ويحبس حتى يسلم، فإذا أسلم بالضرب والحبس ثم ارتد كان كغيره من المرتدين؛ لأنه أكره بحق على الإسلام. وكذا عبدة الأوثان ونحوهم ممن ليس له كتاب ولا شبهة كتاب إذا قاتلناهم على الإسلام. وقد اجمع المسلمون على وجوب قتل المرتد ما لم يتب. وسنده ما روى ابن عباس (١) عن النبي ﷺ أنه قال: " من بدل دينه فاقتلوه " (٢) . رواه الجماعة إلامسلما. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل،

стр. 4862

وأبي موسى الأشعري، وخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهم وغيرهم (١) . ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء وفاقا لمالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: تجبر المرأة على الإسلام بالضرب والحبس ولا تقتل؛ لقول النبي ﷺ : " لا تقتل امرأة " (٢) . ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي. فلا تقتل بالطارئ، كالصغير. ولنا: عموم قوله ﷺ : " من بدل دينه فا قتلوه " (٣) . رواه البخاري وأبو داود. وقوله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " (٤) . متفق عليه. وروى الدارقطني: " أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فبلغ أمرها إلى النبي ﷺ . فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت " (٥) . ولأنها شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل. فتقتل كالرجل. وأما نهي النبي ﷺ عن قتل المرأة فالمراد بها الأصلية، فإنه قال ذلك حين رأى المرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية.

стр. 4863

وكذلك " نهى النبي ﷺ الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء " (١) ولم يكن فيهم مرتد. ويخالف الكفر الأصلي الطارئ بدليل أن الرجل الكافر الأصلي يقر عليه في بعض الصور؛ كالرهبان الذين بالصوامع، وكالمكافيف. ولا تجبر المرأة على ترك الكفر الأصلي بضرب ولا حبس والكفر الطارئ بخلافه والصغير غير المكلف. بخلاف المرأة. إذا تقرر هذا (فمن ادعى النبوة) أو صدق من ادعاها كفر؛ لأنه مكذب لله في قوله: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠]. ولقول رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون (٢) كلهم يزعم أنه رسول الله " (٣) . (أو أشرك بالله تعالى) كفر؛ لقوله : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ١١٦]. (أو سبه) أي: سب الله ، (أو) سب (رسولا له) أي: لله كفر؛ لأنه لا يسب واحدا منهم إلا وهو جاحد به. (أو جحد ربوبيته) أي: ربوبية الله ، (أو) جحد (وحدانيته، أو) جحد (صفة) من صفاته اللازمة له؛ كالحياة والعلم، (أو) جحد (كتابا، أو) جحد (رسولا، أو ملكا له) أي: لله من الرسل والملائكة الذين ثبت أنهم رسله أو ملائكته كفر؛ لثبوت ذلك في القرآن. ولأن جحد شيء من ذلك كجحده كله؛ لاشتراكهما في كون الكل من عند الله . (أو) جحد (وجوب عبادة من) العبادات (الخمس) وهي: الصلاة،

стр. 4864

والزكاة، والصوم، والحج، (ومنها: الطهارة)؛ لثبوت أدلة وجوب هذه الخمس في القرآن. ومن ذلك أيضا: جحده وجوب التيمم عند عدم الماء؛ لقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ. . .) إلى آخر الآية] المائدة: ٦]. (أو) جحد (حكما ظاهرا) بين المسلمين (مجمعا عليه إجماعا قطعيا) يعني: لا شبهة فيه، و (كـ) ـجحد (١) (تحريم زنا، أو) جحد تحريم (لحم خنزير، أو) جحد (حل خبز، ونحوه) أي: ونحو ذلك مما لا خلاف فيه؛ كجحده حل لحم، (أو شك فيه) أي: في تحريم ذلك (ومثله لا يجهله، أو) كان (يجهله) مثله (وعرف) حكمه (وأصر) على جحده كفر، وكذا لو جحد حل بهيمة الأنعام، أو غيرها مما أجمع على حله من المطعومات وغيرها؛ لأنه لا يجحد ذلك مع ما ذكر إلا معاند للإسلام، ممتنع من التزام الأحكام، غير قابل لكتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته. وقولنا: لا شبهة فيه ليخرج مثل استحلال الخوارج قتل المسلمين وأخذ أموالهم بالتأويل فإن كثيرا من الفقهاء لم يحكموا بكفرهم، لأنهم يدعون أنهم يتقربون إلى الله بذلك. ولذلك لم يحكم كثير من الفقهاء بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه متقربا بذلك. ولا يكفر المادح له على ذلك، فإن عمران بن حطان قال فيه يمدحه لقتل علي بقوله: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا فأما من استحل شيئا مما تقدم ذكره ونحوه بغير تأويل، (أو سجد لكوكب، أو نحوه)؛ كالشمس والقمر والصنم كفر؛ لأن ذلك إشراك وقد قال : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ١١٦].

стр. 4865

(أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين) كفر، لقول الله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (??) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. قال في " المغني ": وينبغي أن لا يكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدبا يزجره عن ذلك. انتهى. (أو امتهن القرآن) جل ذكره، (أو ادعى اختلافه، أو) ادعى (القدرة على مثله، أو أسقط حرمته: كفر)؛ لقول الله : (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [الحشر: ٢١]. ولقوله : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: ٨٨]. ولقوله : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]. و (لا) يكفر (من حكى كفرا سمعه و) هو (لا يعتقده). قال في " الفروع ": ولعل هذا إجماع. وروى ابن عساكر في ترجمة محمد بن سعيد بن هناد: سمعت يحيى بن خلف بن الربيع الطرسوسي قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس وأنا شاهد. فقال (١) : ما تقول في رجل يقول القرآن مخلوق؛ فقال: كافر زنديق، خذوه فاقتلوه. فقال الرجل: إنما أحكي كلاما سمعته. فقال: إنما سمعته منك. وفي " الانتصار ": من تزيا بزي كفر من لبس غيار، وشد زنار، وتعليق صليب بصدره حرم ولم يكفر. انتهى كلامه في " الفروع ". (وإن ترك) مكلف (عبادة من) العبادات (الخمس تهاونا) يعني: مع الإقرار بوجوبها، سواء عزم على أن لا يفعلها أبدا، أو على تأخيرها إلى زمن

стр. 4866

يغلب على ظنه أنه لا يعيش إليه: (لم يكفر) على الأصح؛ لما روى معاذ عن النبي ﷺ قال: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال معاذ: يا رسول الله لِلَّهِ ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؛ قال: إذاً يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما " (١) . متفق عليه. ومن ترك (٢) العبادات مع الإسلام داخل في ذلك. فلو كفر لم يكن محرما على النار. ولأن المرتد لا يكفن، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه من المسلمين. ولا يعرف في عصر من الأعصار أنه ترك غسل أحد من تاركي الصلاة أو الزكاة أو غيرهما من العبادات تهاونا، ولا دفن في غير مقابر المسلمين، ولا ورثه غير أقاربه المسلمين. ولا فرق بين زوجين لذلك مع كترة تاركي الصلاة والزكاة، ولولا اعتقاده أنه لا يكفر بذلك لأثبتوا عليه هذه الأحكام، أو حكم حاكم من حكام المسلمين ولو واحدا. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " (٣) . رواه الخمسة إلا الترمذي.

стр. 4867

ولو كفر بذلك لم يدخل في مشيئة الغفران؛ لأن الكفر لا يغفر. لكن يستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله: (إلا بالصلاة، أو بشرط) لها، (أو ركن لها مجمع عليه) أي: على شرطيته أو ركنيته: (إذا دعي) أي: دعاه الإمام أو نائبه (إلى شيء من ذلك، وامتنع) منه؛ لأن في امتناعه بعد أن دعاه الإمام أو نائبه شبه بالخروج عن حوزة المسلمين. (ويستتاب كمرتد، فإن اصر: قتل) كفرا (بشرطه) وهو: أن لا يأتي بالصلاة زمن الاستتابة وأن يدعى كما تقدم، (ويقتل في غير ذلك) أي: في غير الصلاة إذا امتنع وقاتل على ذلك (حدا). إذا تقور هذا (فمن ارتد) حال كونه (مكلفا مختارا ولو) كان (أنثى: دير) إلى الإسلام، (واستتيب ثلاثة أيام وجوبا) على الأصح. وعنه: لا تجب استتابته وتستحب وهو أحد قولي الشافعي، ويروى عن الحسن البصري؛ لقول النبي ﷺ " من بدل دينه فاقتلوه " (١) . ولم يذكر استتابة. ولأنه يقتل لكفر. فلم تجب استتابته؛ كالأصلي. ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن، ولو حرم قتله ضمن. ودليل المذهب " حديث أم مروان، وأن النبي ﷺ أمر أن تستتاب " (٢) . وروى مالك في " الموطأ " عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه " أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى. فقال له عمر: هل كان من مغربة خبر؟ قال: نعم. رجل كفر بعد إسلامه. فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا. فأطعمتموه كل يوم رغيفا. واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟ اللهم! إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض، إذ (٣) بلغني " (٤) .

стр. 4868

ولو لم تجب الاستتابة] لما برئ من فعلهم. ولأنه أمكن استصلاحه. فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه. وأما الأمر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة [ (١) . ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم. وإنما كانت ثلاثة أيام لقول عمر: " فهلا حبستموه ثلاثا " (٢) . ولأن الردة إنما تكون لشبهة ولا تزول في الحال. فوجب أن ينظروه يتروى فيها، وأولى ذلك ثلاثه أيام؛ للأثر. (وينبغي أن يضيق عليه) فيها (ويحبس)؛ لقول عمر: " فهلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفا " (٣) . ويكرر دعايته لعله يتعطف قلبه فيراجع دينه، ولأنه إن لم يحبس لم يؤمن لحوقه بدار الحرب. (فإن تاب) في مدة الاستتابة برجوعه إلى الإسلام: (لم يعزر)؛ لما في تعزيره من التنفير عن الإسلام، (وإن أصر) على ردته: (قتل بالسيف)؛ لأنه آلة القتل. ولا يحرق بالنار؛ لقول الني ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله يعني ة النار " (٤) . أخرجه البخاري وأبو داود. وقال النبي ﷺ : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (٥) .

стр. 4869

(إلا رسول كفار) إذا أسلم ثم ارتد ولم يرجع إلى الإسلام فإنه لا يقتل (بدليل رسولي مسيلمة). ذكره ابن القيم في " كتاب الهدي ". (ولا يقتله) أي: يقتل المرتد (إلا الإمام أو نائبه)، سواء كان المرتد حرا أو عبدا؛ لأنه قتل لحق الله . فكان إلى الإمام؛ كرجم الزانى، وكقتل الحر. ولا يعارض هذا قوله ﷺ : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " (١) ؛ لأن قتل المرتد لكفره، لا حدا في حقه. (فإن قتله) أي: قتل المرتد (غيرهما) أي: غير الإمام أو نائبه (بلا إذن) من واحد منهما: (أساء وعزر)؛ لافتياته على ولي الأمر. (ولا ضمان) على قاتله (ولو كان) قتله (قبل استتابة)؛ لأنه مهدر الدم في الجملة وردته مبيحة لدمه وهي موجودة قبل الاستتابة كما هي موجودة بعدها، (إلا أن يلحق) المرتد (بدار حرب) (٢) قبل أن يتوب: (فـ) إن قتله لا يتعين كونه إلى الإمام بل جاز (لكل أحد قتله، وأخذ ما معه) من المال؛ لأنه صار حربيا. (ومن أطلق الشارع كفره: كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافا فصدقه بما يقول فهو تشديد: لا يخرج به عن الإسلام) على الأصح. قال في " الفروع ": ومن أطلق الشارع كفره كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافا فصدقه بما يقول، فقيل: كفر نعمة. وقيل: قارب الكفر. وذكر ابن حامد روايتين: إحداهما: تشديد وتأكيد. نقل حنبل (٣) : كفر دون كفر لا يخرج عن الإسلام.

стр. 4870

والثانية: يجب التوقف ولا نقطع بأنه لا ينقل عن الملة. نص عليه في رواية صالح وابن الحكم. انتهى. قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: كفر نعمة. وقال به طوائف من العلماء من الفقهاء والمحدثين. وذكره ابن المحب في " شرح البخاري " عن جماعة. وروي عن أحمد. والقول الثانى: قارب الكفر. وقال القاضي عياض وجماعة من العلماء في قوله: " من أتى عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد " (١) . أي: جحد تصديقه بكذبهم. وقد يكون على هذا إذا اعتقد تصديقهم بعد معرفته بتكذيب النبي ﷺ لهم كفرا حقيقة. انتهى. والصواب رواية حنبل، وإنما إتى به تشديدا وتأكيدا. وقد بوب على ذلك البخاري في "صحيحه " بابا. ونص أن بعض الكفر دون بعض. ونص عليه أئمة الحديث. قال ابن رجب في " شرح البخاري ": وللعلماء في هذه الأحاديث مسالك متعددة منهم: من حملها على من فعل ذلك مستحلا له. منهم مالك وإسحاق. ومنهم: من حملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة. منهم ابن عباس وعطاء. قال النخعي: هو كفر بالنعم، ونقل عن أحمد (٢) ، وقاله طاووس. وروي عن أحمد إنكار من سمى شارب الخمر كافرا. ولذلك أنكر القاضي جواز إطلاق اسم كفر النعمة على أهل الكبائر. وحكى ابن حامد عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج من الملة. وروي عن أحمد أنه كان يتوقى الكلام في تفسير هذه النصوص تورعا ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة. انتهى كلامه في " تصحيح الفروع "
следующие страницы →