يغلب على ظنه أنه لا يعيش إليه: (لم يكفر) على الأصح؛ لما روى معاذ عن النبي ﷺ قال: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال معاذ: يا رسول الله لِلَّهِ ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؛ قال: إذاً يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما " (١) . متفق عليه.
ومن ترك (٢) العبادات مع الإسلام داخل في ذلك. فلو كفر لم يكن محرما على النار.
ولأن المرتد لا يكفن، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه من المسلمين. ولا يعرف في عصر من الأعصار أنه ترك غسل أحد من تاركي الصلاة أو الزكاة أو غيرهما من العبادات تهاونا، ولا دفن في غير مقابر المسلمين، ولا ورثه غير أقاربه المسلمين. ولا فرق بين زوجين لذلك مع كترة تاركي الصلاة والزكاة، ولولا اعتقاده أنه لا يكفر بذلك لأثبتوا عليه هذه الأحكام، أو حكم حاكم من حكام المسلمين ولو واحدا. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " (٣) . رواه الخمسة إلا الترمذي.
стр. 4867
ولو كفر بذلك لم يدخل في مشيئة الغفران؛ لأن الكفر لا يغفر. لكن يستثنى
من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(إلا بالصلاة، أو بشرط) لها، (أو ركن لها مجمع عليه) أي: على شرطيته أو ركنيته: (إذا دعي) أي: دعاه الإمام أو نائبه (إلى شيء من ذلك، وامتنع) منه؛ لأن في امتناعه بعد أن دعاه الإمام أو نائبه شبه بالخروج عن حوزة المسلمين. (ويستتاب كمرتد، فإن اصر: قتل) كفرا (بشرطه) وهو: أن لا يأتي بالصلاة زمن الاستتابة وأن يدعى كما تقدم، (ويقتل في غير ذلك) أي: في غير الصلاة إذا امتنع وقاتل على ذلك (حدا).
إذا تقور هذا (فمن ارتد) حال كونه (مكلفا مختارا ولو) كان (أنثى: دير) إلى الإسلام، (واستتيب ثلاثة أيام وجوبا) على الأصح.
وعنه: لا تجب استتابته وتستحب وهو أحد قولي الشافعي، ويروى عن الحسن البصري؛ لقول النبي ﷺ " من بدل دينه فاقتلوه " (١) . ولم يذكر استتابة. ولأنه يقتل لكفر. فلم تجب استتابته؛ كالأصلي.
ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن، ولو حرم قتله ضمن.
ودليل المذهب " حديث أم مروان، وأن النبي ﷺ أمر أن تستتاب " (٢) .
وروى مالك في " الموطأ " عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن
عبد القاري عن أبيه " أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى. فقال له عمر: هل كان من مغربة خبر؟ قال: نعم. رجل كفر بعد إسلامه. فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا. فأطعمتموه كل يوم رغيفا. واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟ اللهم! إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض، إذ (٣) بلغني " (٤) .
стр. 4868
ولو لم تجب الاستتابة] لما برئ من فعلهم.
ولأنه أمكن استصلاحه. فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه.
وأما الأمر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة [ (١) . ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم.
وإنما كانت ثلاثة أيام لقول عمر: " فهلا حبستموه ثلاثا " (٢) .
ولأن الردة إنما تكون لشبهة ولا تزول في الحال. فوجب أن ينظروه يتروى فيها، وأولى ذلك ثلاثه أيام؛ للأثر.
(وينبغي أن يضيق عليه) فيها (ويحبس)؛ لقول عمر: " فهلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفا " (٣) .
ويكرر دعايته لعله يتعطف قلبه فيراجع دينه،
ولأنه إن لم يحبس لم يؤمن لحوقه بدار الحرب.
(فإن تاب) في مدة الاستتابة برجوعه إلى الإسلام: (لم يعزر)؛ لما في تعزيره من التنفير عن الإسلام، (وإن أصر) على ردته: (قتل بالسيف)؛ لأنه آلة القتل. ولا يحرق بالنار؛ لقول الني ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله يعني ة النار " (٤) . أخرجه البخاري وأبو داود.
وقال النبي ﷺ : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (٥) .
стр. 4869
(إلا رسول كفار) إذا أسلم ثم ارتد ولم يرجع إلى الإسلام فإنه لا يقتل (بدليل رسولي مسيلمة). ذكره ابن القيم في " كتاب الهدي ".
(ولا يقتله) أي: يقتل المرتد (إلا الإمام أو نائبه)، سواء كان المرتد حرا
أو عبدا؛ لأنه قتل لحق الله . فكان إلى الإمام؛ كرجم الزانى، وكقتل الحر. ولا يعارض هذا قوله ﷺ : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " (١) ؛ لأن قتل المرتد لكفره، لا حدا في حقه.
(فإن قتله) أي: قتل المرتد (غيرهما) أي: غير الإمام أو نائبه (بلا إذن)
من واحد منهما: (أساء وعزر)؛ لافتياته على ولي الأمر. (ولا ضمان) على قاتله (ولو كان) قتله (قبل استتابة)؛ لأنه مهدر الدم في الجملة وردته مبيحة لدمه وهي موجودة قبل الاستتابة كما هي موجودة بعدها، (إلا أن يلحق) المرتد (بدار حرب) (٢) قبل أن يتوب: (فـ) إن قتله لا يتعين كونه إلى الإمام بل جاز (لكل أحد قتله، وأخذ ما معه) من المال؛ لأنه صار حربيا.
(ومن أطلق الشارع كفره: كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافا فصدقه بما
يقول فهو تشديد: لا يخرج به عن الإسلام) على الأصح.
قال في " الفروع ": ومن أطلق الشارع كفره كدعواه لغير أبيه، ومن أتى
عرافا فصدقه بما يقول، فقيل: كفر نعمة.
وقيل: قارب الكفر.
وذكر ابن حامد روايتين:
إحداهما: تشديد وتأكيد. نقل حنبل (٣) : كفر دون كفر لا يخرج عن
الإسلام.
стр. 4870
والثانية: يجب التوقف ولا نقطع بأنه لا ينقل عن الملة. نص عليه في رواية صالح وابن الحكم. انتهى.
قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: كفر نعمة. وقال به طوائف من العلماء من الفقهاء والمحدثين. وذكره ابن المحب في " شرح البخاري " عن جماعة. وروي عن أحمد.
والقول الثانى: قارب الكفر.
وقال القاضي عياض وجماعة من العلماء في قوله: " من أتى عرافا فقد كفر
بما أنزل على محمد " (١) . أي: جحد تصديقه بكذبهم. وقد يكون على هذا إذا اعتقد تصديقهم بعد معرفته بتكذيب النبي ﷺ لهم كفرا حقيقة. انتهى. والصواب رواية حنبل، وإنما إتى به تشديدا وتأكيدا. وقد بوب على ذلك البخاري في "صحيحه " بابا. ونص أن بعض الكفر دون بعض. ونص عليه أئمة الحديث.
قال ابن رجب في " شرح البخاري ": وللعلماء في هذه الأحاديث مسالك متعددة منهم: من حملها على من فعل ذلك مستحلا له. منهم مالك وإسحاق. ومنهم: من حملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة. منهم
ابن عباس وعطاء.
قال النخعي: هو كفر بالنعم، ونقل عن أحمد (٢) ، وقاله طاووس. وروي
عن أحمد إنكار من سمى شارب الخمر كافرا. ولذلك أنكر القاضي جواز إطلاق اسم كفر النعمة على أهل الكبائر. وحكى ابن حامد عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج من الملة. وروي عن أحمد أنه كان يتوقى الكلام في تفسير هذه النصوص تورعا ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة. انتهى كلامه في " تصحيح الفروع "
стр. 4871
(ويصح إسلام مميز عقله) أي: عقل الإسلام من ذكر وأنثى على الأصح. ومعنى عقله الإسلام: أن يعلم أن الله ربه لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله إلى الناس كافة، " لأن عليا ﵇ أسلم وهو ابن ثمان سنين " (١) . أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير.
ولم يمتنع أحد، عن قوله: كان أول من أسلم من الصبيان علي فلولا صحة إسلامه لم يطلقوا عليه أنه أول من أسلم.
ومن قول على ﵇:
سبقتكمو إلى الإسلام طرا صبيا ما بلغت أوان حلمي
ولأن الإسلام عبادة محضة. فصحت من الصبي؛ كالصلاة والحج.
ولأن الله دعا عباده إلى دار الإسلام وجعل طريقها الإسلام
فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله وسلوك طريقها.
فإن قيل: إن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله ويوجب عليه نفقة قريبه المسلم ويحرمه ميراث قريبه الكافر.
قلنا: أما الزكاة فإنها نفع، لأنها سبب الزياده والنماء وتحصين المال
والثواب.
وأما الميراث والنفقة] فأمر متوهم [ (٢) وهو مجبور. بميراثه من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار. ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة.
(و) تصح أيضا (ردته) على الأصح، لأن الردة هي الكفر بعد الإسلام. وعنه: يصح إسلامه دون ردته، لأن الإسلام محض نفيع ومصلحة فصح منه. بخلاف الردة.
стр. 4872
وعلى هذه الرواية يكون حكمه حكم من لم يرتد. فإن بلغ وأصر على الكفر صار مرتدا.
وعنه: لا يصح إسلامه ولا ردته حتى يبلغ، لأن كلا م k هما قول يترتب عليه أحكام. فلا يصح من الصغير؛ كالهبة والعتق.
والمذهب ما في المتن.
إذا تقرر هذا (فإن أسلم) الصغير الذي يصح إسلامه: (حيل بينه وبين الكفار) على الروايات كلها بم لأن أبا هريرة روى أن النبي ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلا على الفطرة. فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعة؟ ثم يقول أبو هريرة. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: ٣٠] " (١) . متفق عليه.
وعن جابر قال: قال رسول الله: " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه. فإذا أعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا " (٢) . رواه أحمد. وإذا كان مولودا على الفطرة وتكلم بالإسلام مع معرفته له وجب أن يحال بينه وبين أهل الكفر؛ لأنه صار كأولاد المسلمين استصحابا لأصل الفطرة.
(فإن قال بعد) أي: قال من يصح إسلامه بعد إسلامه: (لم أدر ما قلت،
فكما لو ارتد) يعني: أنه لم يبطل إسلامه بذلك، ولا يقبل قوله ذلك على الأصح، ويصير كالبالغ إذا أسلم ثم ارتد.
(و) لكن (لا يقتل هو) أي: الصغير الذي ارتد، (و) لا (سكران ارتد حتى يستتابا) أي: الصغير والسكران (بعد بلوغ) أي: بلوغ الصغير (وصحو) أي: صحو السكران (ثلاثة أيام) على الأصح.
стр. 4873
وعنه: أن أول الثلاثة أيام في السكران من وقت ردته.
والأول المذهب؛ لأن البلوغ والصحو أول زمن صارا فيه من أهل العقوبة. وإنما أخرا هذه المدة؛ لأن الصبي والسكران لا يقام الحد عليهما مع الصبا والسكر.
أما الصبي؛ فلأنه غير مكلف والعقوبة لاتجب مع عدم التكليف؛ لقوله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاث فذكر منهم الصبي حتى يحتلم " (١) .
وأما السكران؛ فلأن الحد إنما شرع للزجر، والزجر لا يحصل في حال السكر. فوجب تأخيرهما إلى حين جواز العقوبة؛ لأن حكم الردة ثبت حينئذ. (وإن مات) من ارتد وهو سكران (في سكر) أي: قبل أن يصحو مات كافرا؛ لأنه هلك بعد ارتداده وقبل ثبوته. فلم ترثه أقاربه من المسلمين.
(أو) مات الصغير الذي صحت ردته (قبل بلوغ) وقبل توبة: (مات كافرا)؛ لأنه هلك وهو مرتد.
(ولا تقبل في الدنيا توبة زنديق. وهو: المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر) على الأصح؛ لقول الله : (إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا)
] البقرة: ١٦٠].
والزنديق: لا يظهر منه على ما يتبين به رجوعه وتوبته؛ لأن الزنديق لا يظهر
منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك، وقلبه لا يطلع عليه فلا يكون ما قاله حكم، إذ الظاهر من حاله أنه إنما يستدفع القتل بإظهار التوبة في ذلك.
(ولا) تقبل توبة (من تكررت ردته) على الأصح؛ لقول الله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا) [النساء: ١٣٧].
ولقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ
стр. 4874
تَوْبَتُهُمْ) [آل عمران: ٩٠] والازدياد يقتضي كفرا متجددا، ولا بد من تقدم إيمان عليه.
ولأن تكرار الردة منه يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام.
(أو سب الله) سبحانه و (تعالى) سبا صريحا يعني: أنه لا تقبل توبة من سب الله صريحا على الأصح؛ لأن ذنبه عظيم جدا يدل منه على فساد عقيدته واستخفافه بالله الواحد القهار.
(أو رسولا أو ملكا له) يعني: أنه لا تقبل توبة من سب رسولا لله (صريحا أو تنقصه) على الأصح؛ لأن الاستخفاف بالرسول استخفاف بمرسله.
ولأن ذلك حق لادمي لم يعلم إسقاطه فيؤخذ به.
(ولا) تقبل توبة (ساحر مكفر بسحره)؛ لما روى جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " حد الساحر ضربة بالسيف " (١) . رواه الدارقطني. فسماه حدا، والحد بعد ثبوته لا يسقط بالتوبة.
ولأنه لا طريق لنا إلى إخلاصه في توبته؛ لأنه يضمر السحر ولا يجهر به. فيكون إظهاره للإسلام والتوبة خوفا من القتل مع بقائه على تلك العقيدة الفاسدة. فيجب أن لا تقبل توبته " كالزنديق.
(ومن أظهر الخير) من نفسه (وأبطن الفسق فـ) هو في توبته عن الفسق، (كزنديق في توبته) عن الكفر؛ لأنه لم يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه من إظهار الخير.
стр. 4875
] فصل: في توبة المرتد]
(فصل. وتوبة مرتد و) توبة (كل كافر: إتيانه بالشهادتين). وهو قول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله؛ لما روى ابن مسعود " أن النبي ﷺ دخل الكنيسه فإذا هو بيهود وإذا هو بيهودي يقرأ عليهم (١) التوراة. فقرأ حتى إذا أتى على صفة النبي ﷺ وأمته. فقال: هذا صفتك وصفة أمتك. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ألله. فقال النبي ﷺ : لُوا أخاكم " (٢) . رواه أحمد. فجعله أخا للمسلمين بمجرد إتيانه بالشهادتين.
ولقوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " (٣) . متفق عليه، من رواية ابن عمر.
وهذا يدل على أن العصمة تثبت بمجرد الإتيان بالشهادتين. وإذا ثبت بهذا إسلام الكافر الأ صلى فكذلك إسلام المرتد.
ومحل هذا: فيمن لم تكن ردته بجحد فرض، أو جحد تحليل حلال، أو جحد تحريم حرام، أو جحد نبي، أو جحد كتاب، أو جحد رسالة نبينا محمد ﷺ إلى غير العرب.
стр. 4876
أما إن كانت ردته بجحد شيء من ذلك فلا بد أن يأتي بالشهادتين (مع إقرار جاحد لفرض، أو) جاحد (تحليل، أو) جاحد (تحر يم، أو) جاحد (نبى، أو) جاحد (كتاب) من كتب الله ، (أو) جاحد (رسالة محمد ﷺ إلى غير العرب بما جحده) من ذلك؛ لأن من جحد شيئا يكفر بجحوده لا يكتفى منه بالإتيان بالشهادتين؛ لأنهما لا يتضمنان الإقرار بما جحده فكفره باقي. فلا بد مما يدل على رجوعه عن جحده، لأنه كذب الله بما اعتقده؛ من الجحد فلا بد في إسلامه من الإقرار بما جحده.
(أو قوله: أنا مسلم) يعنى: أن توبة المرتد وتوبة كل كافر إتيانه بالشهادتين، أو قوله: أنا مسلم على الأصح وإن لم يلفظ بالشهادتين؛ لأنه إذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بهما. وروى المقدأد أنه قال: " يا رسول الله لِلَّهِ أرايت إن لقيت رجلا من الكفار. فقاتلني فضرب إحدى يدى بالسيف فقطعها. ثم لاذ مني بشجرة. فقال: أسلمت. أفأقتله يا رسول الله لِلَّهِ بعد أن قالها؛ قال: لا تقتله. فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها " (١) .
وعن عمران بن حصين قال: " أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل. فأتوا
به النبي ﷺ فقال: يا محمد! إنى مسلم. فقال رسول الله ﷺ : لو كنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح " (٢) . رواهما مسلم.
قال في " المغني ": ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي، أو من جحد الواحدانية، أما من كفره بجحد نبي، أو كتاب، أو فريضة ونحو هذا فلا يصير مسلما بذلك؛ لأنه ربما اعتقدان الإسلام ما هو عليه. فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر. انتهى.
стр. 4877
(ولا يغني قوله) أي: قول الكافر: (محمد رسول الله عن كلمة التوحيد) وهي: أشهد أن لا إله إلا الله (ولو من مقرٍّ به) أي: بالتوحيد على الأصح؛ لأن الشهادة برسالة نبينا محمد ﷺ لا تتضمن معنى التوحيد.
(ومن شهد عليه بردة ولو) شهد إبان ردته (بجحد فأتى بالشهادتين) من غير أن ينكر ما شهد به عليه من الردة، (لم يكشف عن شيء)؛ لأنه لا حاجة مع ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحة ردته: (فلا يعتبر إقراره بما شهد عليه به) من الرد (لصحتهما) أي: الشهادتين (من مسلم ومنه) أي: ومن المرتد. ولا بد من إتيانه بالشهادتين. (بخلاف توبة (١) من بدعة) يعني: فإنه يعتبر إقراره بالبدعة. قال في " الفروع ": ذكره فيها جماعة. ونقل المروذي في الرجل يشهد
عليه بالبدعة فيجحد: ليسب له توبة، إنما التوبة لمن اعترف، فأما من جحد فلا. انتهى.
(ويكفي جحده) أي: جحد من لم تقم عليه بينة بردة (لردة أقر بها) على نفسه في الأصح؛ كرجوعه عن إقراره بجحد، (لا إن شهد عليه بها) أي: بالردة فجحدها ولم يأت بالشهادتين فإنه يثبت في أحكام المرتدين، ويستتاب إن كانت الردة المشهود بها تقبل توبته منها، وإلا قتل في الحال؛ لأن جحد الردة تكذيب للبينة. فلم تقبل منه؛ كسائر الدعاوي.
(وإن شهد) أي: قامت بينة على مسلم (أنه كفر) من غير تفصيل في الشهادة، (فادعى الإكراه) على كفره: (قبل) ذلك منه (مع قرينة) تدل على صدقه (فقط) أي: من غير إقامه بينه على الإكراه؛ كما لو كان محبوسا أو مقيدا أو نحو ذلك؛ لأن ذلك ظاهر في الإكراه.
(ولو شهد عليه) أي: أقامت عليه بينة بأنه نطق (بكلمة كفر، فادعاه) أي: ادعى الإكراه على ذلك: (قبل مطلقا) أي: مع قرينة أو بدونها؛ لأن تصديقه ليس فيه تكذيب للبينة. ولم يصر كافرا بإتيانه بكلمة الكفر مع الإكراه؛
стр. 4878
لقول الله : (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ) [النحل: ١٥٦]. وروي " أن عمارا أخذه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوه منه. ثم أتى
النبي ﷺ وهو يبكي فأخبره. فقال له النبي ﷺ : إن عادوا فعد " (١) .
ولأنه قول اكره عليه بغير حق. فلم يثبت حكمه؛ كما لو اكره على الإقرار بالمال.
(وإن اكره ذمي على إقرار بإسلام: لم يصح) إسلامه، ولم يثبت له حكمه
حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا. مثل: أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه. فإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفار لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام؛ وذلك لأنه إكراه على ما لا يجوز إكراهه عليه. فلم يثبت حكمه في حقه؛ كالمسلم إذا أكره على الكفر. والدليل على ذلك قوله : (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)
] البقرة: ٢٥٦].
(وقول من شهد عليه) بردة: (أنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام،
أو) قوله: (أنا مسلم توبة)؛ كما لو اعترف بأنه ارتد ثم قال ذلك.
(وإن كتب كافر الشهادتين: صار مسلما)؛ لأن الخط كاللفظ. فإذا تلفظ
كافر بالشهادتين أو كتبهما ثم قال: لم أرد الإسلام فقد صار مرتدا ويجبر على الإسلام. نص عليه أحمد في رواية جماعة؛ لأنه قد حكم بإسلامه. فيقتل إذا رجع؛ كما لو طالت مدته.
(ولو قال) كافر: (أسلمت، أو أنا مسلم، أو أنا مؤمن صار مسلما) بهذا
القول وإن لم يتلفظ بالشهادتين. (فلو) عاد بعد ذلك و (قال: لم أرد الإسلام، أو) قال: (لم أعتقده) أي: لم أعتقد الإسلام لم يقبل منه ذلك، و (أجبر على الإسلام) ولا يخلى. نقله أبو طالب في اليهودي إذا قال: قد أسلمت وأنا مسلم يجبر عليه (قد علم ما يراد منه). انتهى.
وقاله القاضي وأبو يعلى وابن البنا وغيرهما من الأصحاب.
стр. 4879
(وإن قال: أنا مسلم، ولا أنطق بالشهادتين لم يحكم بإسلامه حتى يأتي
بالشهادتين).
قال في " الفروع ": وفي " مفردات أبي يعلى الصغير ": لا خلاف في أن الكافر لو قال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادة يقبل منه، ولا يحكم بإسلامه. انتهى. (و) من قال لكافر: (أسلم وخذ) مني (ألفا، أو نحوه)؛ كأسلم وخذ
لك فرسا، أو قال: بعيرا، أو قال: مائة، (فأسلم فلم يعطه، فأبى الإسلام: قتل) بالسيف. (وينبغي) لمن قال له ذلك (أن يفي) له بما وعده.
قال أحمد فيمن قال لكافر: أسلم وخذ ألفا فأسلم فلم يعطه فأبى الإسلام: يقتل، وينبغي أن يفي. انتهى.
قال الخطابي: ولم يشارط النبي ﷺ المؤلفة على أن يسلموا فيعطيهم جعلاً على الإسلام، وإنما أعطاهم عطايا بأنه يتألفهم.
(ومن أسلم على أقل من) الصلوات (الخمس)؛ كمن أسلم على صلاتين
أو ثلاثة.
قال أحمد: وإن أسلم على صلاتين: (قبل منه، وأمر بالخمس.
وإذا مات مرتد) ثبتت ردته، (فأقام وارثه) من المسلمين (بينة أنه صلى بعدها) أي: بعد ردته: (حكم بإسلامه) وأعطي حقه من تركته؛ لقوله ﷺ : " من صلى صلاتنا. . . " (١) الخبر، سواء صلى في (٢) جماعة أو منفردا في دار الحرب، أو في دار الإسلام؛ لأن ما كان إسلاما في دار الحرب كان إسلاما في دار الإسلام.
ولأن الصلاة ركن يختص به الإسلام. فحكم بإسلامه بها؛ كالشهادتين.
стр. 4880
وأما بقية الأركان من الزكاة، والصيام، والحج فلا يحكم بإسلامه به، فإن المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله ﷺ حتى منعهم النبي ﷺ فقال: " لا يحج بعد العام مشرك " (١) .
والزكاة: صدقة وهم يتصدقون. وقد فرض على نصارى بنى تغلب من الزكاة مثلا ما يؤخذ من المسلمين ولم يصيروا بذلك مسلمين.
وأما الصيام فلكل أهل دين صيام.
ولأن الصيام ليس بأفعال إنما هو إمساك من أفعال مخصوصة في وقت مخصوص. وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقه من المسلم، ولا عبرة بنية الصيام؛ لأنها أمر باطن لا علم لنا بها. بخلاف الصلاة فإنها أفعال تتميز عن أفعال الكفار ويختص بها أهل الإسلام. ولا يثبت الإسلام حتى يأتي بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود، ولا يحصل بمجرد القيام؛ لأنهم يقومون في صلاتهم.
(ولا يبطل إحصان مرتد) بردته. فإذا زنى وهو محصن ثم ارتد لم يسقط
عنه الرجم؛ لأنه زنى بعد إحصان. وكذا لو زنى المحصن وهو مرتد ثم تاب فإنه يرجم، لأنه وطئ زوجته في نكاح صحيح وذلك لا يزول بردته. وكذلك لا يزول إحصان القذف، فإذا قذف قاذف وجب عليه الحد؛ لأنه حر عفيف عن الزنا وحكم إسلامه لم يزل عنه، لأنه لا يقر على كفره، فهو في ذلك كغير المرتد.
(ولا) تبطل أيضا (عبادة فعلها) المرتد (قبل ردته إذا تاب) منها، لأنه فعلها على وجهها وبرئت (٢) ذمته منها. فلم تعد إلى ذمته، كدين الآدمي.
стр. 4881
] فصل: في أحكام المرتد]
(فصل. ومن ارتد لم يزل ملكه) عن ماله. يعني: أنه لا يحكم بزوال ملكه بمجرد ردته على الأصح؛ لأن الردة سبب يبيح دمه فلم يزل ملكه بذلك؛ كزنى المحصن؛ لأن زوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك كالقاتل في المحاربة.
(ويملك بتملك) يعني: أنه لو ملكه إنسان شيئا قبل توبته ملكه. وهذا مبني على عدم زوال ملكه بردته.
قال في " الفروع ": ويملك بأسباب التملك إن بقي ملكه وإلا فلا. واحتج
به في " الفصول " على بقاء ملكه وأن الدوام أولى. انتهى.
(ويمنع) المرتد (التصرف في ماله) من البيع، والهبة، والوقف، والإجارة ونحو ذلك. قاله القاضي وأصحابه أبو الخطاب وأبو الحسين وأبو الفرج. وفي " الوسيلة": نص عليه.
ونقل ابن هانئ: يمنع منه.
(و) حيث تقرر أن ملك المرتد لم يزل عن ماله بردته فإنه (تقضى منه ديونه، و) تدفع منه (أروش جناياته ولو جناها بدار حرب، أو في فئة مرتدة ممتنعة) على الأصح؛ لأن المرتد تحت حكمنا. بخلاف البغاة.
(وينفق منه) أي: من مال المرتد (عليه وعلى من تلزمه نفقته)؛ لأن ذلك
حق واجب بإيجاب. الشرع. أشبه الدين.
(فإن أسلم) أي: فإن عاد المرتد إلى الإسلام نفذت تصرفاته في ماله، (وإلا) بأن مات مرتدا بقتل أو حتف أنفه: (صار) ماله (فيئا من حين موته مرتدا) على الأصح؛ لأن الردة لم يزل بها ملكه؛ كما لو قتل معصوما، فإذا
стр. 4882
مات انتقل ماله إلى بيت المال؛ لأنه لا وارث له من المسلمين ولا من غيرهم. (وإن لحق) المرتد (بدار حرب: فهو وما معه) من مال (كحربي) يعني: فيباح لمن قدر عليه قتله وأخذ ما معه، (و) أما (ما بدارنا) من ماله فهو (فيء من حين موته) على الأصح، وما دام حيا فملكه ثابت فيه يتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه؛ لأن حل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الأصلي. وإنما حل ماله الذي معه؛ لأنه زالى العاصم له وهو دار الإسلام.
(ولو ارتد أهل بلد، وجرى فيه حكمهم) أي: حكم الكفار: (فدار حرب) يعني: أنهم صاروا حربيين، (يغنم مالهم، و) يغنم (ولد) لهم (حدث بعد الردة)، وعلى الإمام قتالهم. فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة (١) .
ولأن الله أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه، وهؤلاء أحق بالقتال من الكفار الأصليين " لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم. وإذا قاتلهم قتل من قدر عليه منهم، ويتبع مدبرهم، ويجهز على جريحهم، وتغنم أموالهم.
(ويؤخذ مرتد بحد أتاه في ردته) وإن أسلم على الأصح. نص عليه؛ لأن إسلامه أوجب عليه التزام أحكامه وذلك واجب عليه.
ولأن الردة لا تزيده إلا تغليظا.
ولا فرق في ذلك بين كون الحد لله تعالى؛ كالزنا، أو لآدمى؛ كالقذف في الأصح.
(لا بقضاء ما ترك فيها) أي: في ردته (من عبادة)؛ كصلاة وصوم على الأصح؛ لقول الله : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]، وكالحربي.
стр. 4883
ولأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يأمر المرتدين بقضاء ما فاتهم.
(وإن لحق زوجان مرتدان بدار حرب: لم يسترقا) ولا واحد منهما؛ لأنه
لا يقر على كفره؛ لقول رسول الله ﷺ " من بدل دينه فاقتلوه " (١) . ولم يثبت أن الذين سباهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه من بني حنيفة كانوا أسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة.
(ولا) يسترق أيضا (من ولد لهما) أي: للزوجين اللذين ارتدا ولحقا بدار الحرب قبل ردته، (أو حمل) وجد (قبل ردة)؛ لأنهم محكوم بإسلامهم تبعا لأبويهم قبل الردة، ولا يتبعونهما في الردة؛ لأن الإسلام يعلو، وقد تبعوهم في الإسلام فلا يتبعوهم في الكفر. فلا يجوز استرقاقهم صغارا؛ لأنهم مسلمون ولا كبارا؛ لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم بعد كبرهم فهم مسلمون، وإن كفروا فهم مرتدون.
(ومن لم يسلم منهم: قتل) بالسيف بعد استتابته؛ كآبائهم.
(ويجوز استرقاق) الولد (الحادث فيها) أي: في ردة الزوجين اللذين
لحقا بدار الحرب للحكم بكفره؛ لأنه ولد بين أبوين كافرين وليس بمرتد. نص على ذلك.
(ويقر على كفر بجزية) على الأصح؛ كأولاد أهل الحرب وكالكافر الأصلي. والجامع بينهما اشتراكهما في جواز الاسترقاق.
стр. 4884
(فصل) في السحر
وغيره
وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به من يسحر أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في
بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله من غير مباشرة له.
وله حقيقة. فمنه: ما يقتل، ومنه: ما يمرض، ومنه: ما يؤخذ الرجل
عن امرأته فيمنعه من وطئها، ومنه: ما يفرق به بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما الى الآخر أو يحبه. وهذا قول الشافعي.
وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له إنما هو تخييل؛ لأن الله قال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه: ٦٦].
وقال أصحاب الحنفية: إن كان شيئا يصل الى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز أن يحصل منه ذلك. فأما (١) أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شيء فلا يجوز ذلك؛ لأنه لو جاز لبطلت معجزات الأنبياء ﵈؛ لأن ذلك يخرق العادات فإذا جاء زمن غير الأنبياء بطلت معجزاتهم وأدلتهم. ولنا: قول الله : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ? مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ? وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ? وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ?) [الفلق: ١ - ٤] يعني: السواحر اللواتي
يعقدن في سحرهن وينفثن عليه. ولولا أن السحر له حقيقة لما أمر بالاستعاذة منه.
وقال الله سبحانه ودتعالى: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) إلى قوله : (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) [البقرة: ١٠٢].
стр. 4885
وروت عائشة " أن النبي ﷺ سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله " (١) .
وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه.
وأما إبطال المعجزات فلا يلزم من هذا فإنه لا يبلغ ما يأتي الأنبياء ﵈، وليس يلزم أن ينتهي إلى أن تسعى العصي والحبال (٢) .
إذا ثبت هذا فإنه يحرم تعليم السحر وتعلمه.
(وساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء، ونحوه)؛ كالمدعي أن الكواكب تخاطبه: (كافر)؛ لقول الله : (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) [البقرة: ١٠٢] أي: وما كان ساحرا كفر بسحره. وهو قوله سبحانة وتعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) [البقرة: ١٠٢] أي: لا نتعلمه فنكفر بذلك. وهذا يدل على أن متعلمه كافر.
(كمعتقد حله)؛ لأن القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والإجماع على تحريمه.
(لا من يسحر بأدوية، وتدخين، وسقي شيء يضر) يعني: فلا يكفر ولا يقتل؛ لأن الله وصف الساحرين الكافرين بأنهم يفرقون بين المرء وزوجه. فيختص الكفر بهم ويبقى من سواهم من السحرة على أصل العصمة، (ويعزر) تعزيرا (بليغا).
قال في " الإنصاف ": بحيث لا يبلغ به القتل على الصحيح من المذهب. وقيل: له تعزيره بالقتل. انتهى.
(ولا) يكفر أيضا في الأصح (من يعزم على الجن، ويزعم: أنه يجمعها وتطيعه). وذكره أبو الخطاب في السحرة الذين يقتلون.
стр. 4886
وأما من يحل السحر فإن كان بشيء من القرآن أو شيء من الذكر والإقسام والكلام الذي لا بأس به فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر فقد توقف أحمد عنه.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يزعم أنه يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل لأبي عبد الله: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا. فنفض يده كالمنكر. وقال: لا أدري. وسيأتى الكلام على شيء من ذلك في المتن.
(ولا) يكفر (كاهن) وهو: الذي له رئي من الجن يأتيه بالأخبار.
ولا يكفر (عراف) وهو: الذي يحدس ويتخرص
(و) لا يكفر (منجم) وهو: الذي ينظر في النجوم ويستدل بها على
الحوادث.
قال في " الفروع ": وفي " الترغيب ": الكاهن والمنجم كالساحر عند أصحابنا. وأن ابن عقيل فسقه فقط إن قال: أصبت بحدسي وفراهتي. فإن أوهم قوما بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد.
وقال شيخنا: التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية
من السحر. قال: ويحرم إجماعا. وأقر أولهم وآخرهم أن الله يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه. انتهى.
قال في " المغني ": قال أحمد في رواية حنبل في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل. قيل له: يقتل؛ قال: لا. يحبس لعله يرجع. قال: والعراف طرف من السحر، والساحر أخبث " لأفي السحر شعبة من الكفر. وقال: الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا؛ لأنهما يلبسان أمرهما. وحديث عمر: " اقتلوا كل ساحر وكاهن " (١) .
стр. 4887
وليس هو من أمر الإسلام. وهذا يدل على أن كل واحد منهما فيه روايتان: إحداهما: أنه لقتل إذا لم يتب.
والثانية: أنه (١) لا يقتل " لأن حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف
فيه. فهذا يدرأ القتل عنه أولى. انتهى كلامه في " المغني ".
(ولا يقتل ساحر كتابي) نص عليه، (أو نحوه)، كساحر مجوسي لكونه ساحرا، إلا أن يقتل بسحره ما يقتل به غالبا فيقتل قصاصا.
وقال أبو حنيفة: يقتل، لعموم الأخبار.
ولأن السحر جناية أوجبت قتل المسلم. فأوجبت قتل الذمي؛ كالقتل بالآلة.
ولنا: " أن لبيد ابن الأعصم سحر النبي ﷺ فلم يقتله " (٢) .
ولأن الشرك أعظم من سحره ولم يقتل به. والأخبار وردت في ساحر المسلمين؛ لأنه يكفر بسحره وهذا كافر أصلي.
وقياسهم ينتقض بزنا المحصن فإنه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم.
(ومشعبذ، وقائل بزجر طير، وضارب بحصا، و) ضارب بـ (شعير،
و) ضارب بـ (قداح). زاد في " الرعاية ": والنظر في ألواح الأكتاف (إن لم يعتقد إباحته، و) لم يعتقد (أنه يعلم به الأمور المغيبة: عزر ويكف عنه.
وإلا) بأن اعتقد إباحته وأنه يعلم به الأمور المغيبة: (كفر) فيستتاب، فإن
تاب وإلا قتل.
(ويحرم طلسم) بغير العربي، (و) تحرم (رقية بغير العربي).
وقيل: يكره.
стр. 4888
(ويجوز الحل بسحر ضرورة) أي: للضرورة إلى ذلك فى الأصح.
قال الموفق في " المغني ": توقف أحمد في الحل وهو إلى الجواز أميل.
وسأله مهنا عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها. قال: لا بأس.
قال الخلال: إنما كره فعاله ولا يرى به بأسا كما بينه مهنا. وهذا من
الضرورة التي تبيح فعلها.
(والكفار: أطفالهم ومن بلغ منهم) أي: من الكفار (مجنونا، معهم)
أي: مع أبويه الكافرين (في النار) على الأصح.
وعنه: الوقف. واختار ابن عقيل وابن الجوزي في الجنة كأطفال المسلمين، ومن بلغ من أطفال المسلمين مجنونا.
قال في " الفروع ": واختار شيخنا تكليفهم في القيامة للأخبار. ومثلهم من
بلغ منهم مجنونا. فإن جن بعد بلوغه فوجهان، فظاهره يتبع أبويه في الإسلام كصغير، فيعايا بها. انتهى.
(ومن ولد أعمى أبكم أصم، فـ) هو (مع أبويه كافرين) كانا (أو مسلمين
ولو) كانا كافرين ثم (أسلما بعد ما بلغ).
قال في " الفروع ": نقل ابن منصور فيمن ولد أعمى أبكم أصم وصار
رجلا: هو بمنزلة الميت هو مع أبويه. وإن كانا مشركين ثم أسلما بعد ما صار رجلا قال: هو معهما. ويتوجه مثلهما أي: مثل من بلغ مجنونا من أولاد الكفار ومثل من ولد أعمى أبكم أصم من لم تبلغه الدعوه. وقاله شيخنا.
وذكر في " الفنون " عن أصحابنا: لا يعاقب. قال: وإذا منع حافل البعد
شروط التكليف فأولى فيهما؛ لعدم جواز إرسال رسول إليهما. بخلاف أولئك. وقال بعد أسطر: وقال القاضي أبو يعلى في قوله :
(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) [الإسراء: ١٥] في هذا دليل على
أن معرفة الله لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل، وانه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. قالى: وقيل معناه: إنه
стр. 4889
لا يعذب فيما طريقه السمع إلا بقيام حجة السمع من جهة الرسول. ولهذا قالوا:
لو أسلم بعض أهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوهما
لم يلزمه قضاء شيء منهما؛ لأنها لا تلزمه إلابعد قيام حجة السمع.
والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا (١).
ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة، قالوا: عليه القضاء؛
لأنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة، وذلك دعاء إليها. ذكر ذلك ابن الجوزي ولم يزد عليه، فدل على موافقته.
والمشهور في أصول الدين عن أصحابنا أن معرفة الله وجبت
شرعا. نص عليه.
وقيل: عقلا. وهي أول واجب لنفسه، ويجب قبلها النظر لتوقفها عليه،
فهو أول واجب لغيره. ولا يقعان ضرورة.
وقيل: بلى. انتهى. والله أعلم.
стр. 4890
[كتاب الأطعمة]
هذا (كتاب الأطعمة. واحدها طعام، وهو) أي الطعام: (ما يؤكل ويشرب). قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].
(وأصلها: الحل) لقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩].
وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً﴾ [البقرة: ١٦٨].
وقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤].
وقال ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فجعل الطّيب صفة في المباح عامة تميزه عن المحرم. وجعلُ الخبيث صفة في المحرم عامة تميزه عن المباح. والمراد بالخبيث هاهنا: كل مستخبث في العُرف؛ لأنه لو أراد به الحرام لم يكن جواباً؛ لأنهم سألوا عما يحل. فلو أريد به الحرام وبالطيب الحلال لكان معناه الحلال هو الحلال. وليس كذلك.
والخبيث: إما أن يكون لقذارته؛ كالدود والحشرات والعذرة والميتة والدم ولحم الخنزير والكلب.
وإما لصوله، كالسباع والجوارح من الطير.
وإما لضرره؛ كالسم فإن ذلك كله مما تنفر منه الطباع وسيجئ بيان ذلك مفصلاً.
стр. 4891
إذا تقرر هذا: (فيحلُّ كل طعام طاهر)؛ ليخرج النجس والمتنجس (لا مضرَّة فيه) احترازاً من السموم ونحوها، (حتى المسك ونحوه) مما لا يؤكل عادة؛ كقشر البيض وقرن الحيوان، إذا صارا بصفة يسوغ أكلهما؛ كما لو دقا أو نحو ذلك. وقد سأل الشالنجي الإمام أحمد عن المسك يجعل في الدواء ويشربه؟ قال: لا بأس.
(ويحرُم نجس؛ كدم وميتة)؛ لأن أكل الميتة أقبح من أن يدهن بدهنها أو يستصبح بها وهما حرامان. فلأن يحرم ما هو أقبح بطريق الأولى.
(و) يحرُم أيضاً (مضرّ كسم)؛ لقول الله : ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ولأن ذلك يقتل غالبا. فيحرم أكله لإفضائه إلى الهلاك. ولهذا عُدّ من أطعم السم لغيره قاتلا.
وفي " الواضح ": المشهور أن السم نجس، وفيه احتمال؛ لأكله ﵇ من الذراع المسمومة (١) .
(و) يحرم أيضاً (من حيوان البر: حُمُرٌ أهلية).
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمها.
وسند الإجماع ما روى جابر: " أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمرُ الأهلية، وأذن في لحوم الخيل " (٢) . متفقٌ عليه.
(وفيلٌ) لقول أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين.
وقال الحسن: هو مسخ.
стр. 4892
وكرهه أبو حنيفة والشافعي.
ورخص في أكله الشعبي.
ولنا: " أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي نابٍ من السباع " (١) وهو من أعظمها نابا.
ولأنه مستخبث، فيدخل في عموم قوله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
(و) يحرم أيضاً (ما يفترس بنابه) أي: يَنهش؛ (كأسدٍ ونمرٍوذئبٍ وفهدٍ وكلبٍ) لما روى أبو ثعلبة الخشني قال: " نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي نابٍ من السباع " (٢) . متفقٌ عليه.
وعن أبي أن النبي ﷺ قال: " كل ذي نابٍ من السباع حرامٌ " (٣) . رواه مسلم.
قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت مجمع على صحته وهو نصٌ صريح يَخصُ به عموم الآيات. فيدخل فيه من يبدأ بالعدوى وغيره. وقيل: يختص بمن (٤) يبدأ بالعدوى
كالأسد.
(وخنزيرٍ) بلا خلاف بين المسلمين؛ لقوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]
стр. 4893
(وقردٌ). قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً بين علماء المسلمين في أن القرد لا يُأكل.
ولأن له ناب فيدخل في عموم التحريم. وهو مسخٌ أيضاً فيكون من الخبائث.
(ودبٌ ونمسٌ وابن آوىٍ وابن عرسٌ وسنورٌ مطلقاً) [أي: سواء كان أهلياً أو برياً على الأصح (١) ]؛لحديث أبي ثعلبة المذكور.
(وثعلبٌ) على الأصح. (وسنجابٌ وسمورٌ وفنَكٌ) بفتح النون في الأصح لحديث أبي ثعلبه المذكور (٢) .
ولأن كلاً من هذه الدواب من السباع فيدخل في عموم النهي.
(سوى ضبعٌ)؛لأن الرخصة رويت فيها عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق.
قال عروة: ما زالت العرب تأكل الضبع لا ترى بأكله (٣) بأساً.
وقال أبو حنيفة ومالك: هي حرام. لأنها من السباع فتدخل في عموم النهي.
ولنا: ما روى جابر قال: " أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الضبعِ. قلت: هي صيد (٤) ؟ قال: نعم (٥) " ٠ احْتج به أحمد.
وفي لفظ قال: " سألت رسول الله ﷺ عن الضبع. فقال: هو صيد. ويجعل فيه كبشٌ إذا صاده المُحرم " (٦) . رواه أبو داود.
стр. 4894
وعن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: " قلت لجابر: الضبع أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم " (١) رواه الترمذي، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ. ورواه النسائيُ والدارقطنيُ (٢) .
قال ابن عبد البر: هذا لا يعارض حديثُ: " النهي عن كل ذي نابٍ من السباعِ " (٣) لأنه أقوى منه.
قال في "شرح المُقنع ": هذا تخصيصٌ لا معارض، ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة المخصص بدليل تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد.
وما روي من " أن النبي ﷺ سُئل عن الضبع. فقال: ومن يأكل الضبع " (٤) فهو حديثٌ طويل يرويه عبد الملك بن أبي المخارق ينفرد به. وهو متروك الحديث.
وقد قيل: أن الضبع ليس لها ناب. فعلى هذا لا يدخل في عموم النهي.
(و) يحرم (من طيرٍ، ما يصيد بمخلبه؛ كعقابٍ وبازٍ وصقرٍ، وباشقٍ وشاهينٍ، وحدأةٍ وبومةٍ). وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي وأصحاب الرأي.
وقال مالك والليث والأوزاعي: لا يحرم من الطير شيءٌ. واحتجوا بعموم الآيات المبيحة.
стр. 4895
وقول أبي الدرداء وابن عباس: " ما سكت الله تعالى عنه فهو مما عُفىَ عنه " (١) .
ولنا: ما رَوى ابن عباس قال: " نهى رسول الله ﷺ عن كلِ ذي نابٍ من السباع وكلِ ذي مِخلبٍ من الطير " (٢)
وعن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله ﷺ " حرامٌ عليكم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير " (٣) رواه أبو داود.
وهذا يخص عموم الآيات، فيدخل في هذا كل ماله مِخلبٍ يعدو به.
(و) يحرم أيضاً كل (ما يأكل الجيف) من الطير (كنسرٍ ورخمٍ، ولقلقٍ وعقعقٍ- وهو: القاق- وغراب البين والأبقع).
قال عروة: ومن يأكل الغراب؟ وقد سماه رسول الله ﷺ فاسقاً. والله ما هو من الطيبات.
ولأن النبي ﷺ أباح قتل الغراب بالحَرم ولا يجوز قتل صيدٍ مأكولٍ في الحَرم.
وسُئِل أحمد عن أكل العقعق؟ فقال: إن لم يكن يَأكل الجيف فلا بأس به.
قال أصحابنا: هو يأكل الجيف. فيكون على هذا مُحرماً (٤)
(و) يحرم أيضاً كل (ما تستخبثه (٥) العرب ذوو اليسار). وهم: أهل الحجاز من أهل الأمصار؛ لأنهم هم أولوا النهى، والذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به وبالسنة، فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عُرفهم دون غيرهم.
стр. 4896
ولا اعتبار بقول الأعراب الجفاة من أهل البوادي؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون كلما وجدوه. ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون. فقال: ما دَبَ ودَرجَ إلا أمُ حبين- بالحاء المهملة والباء الموحدة - فقال: لتهنأ أم حبين العافية تأمن أن تطلب فتؤكل. وأم حبين: الخنافس الكِبار.
والذي تستخبثه العرب ذو اليسار (كالوطواطِ ويسمى خُفاشاً وخُشافاً). قال الشاعر:
مِثلُ النهارِ يزيد أبصاري الوَرى نُوراً ويعمى أعينُ الخفاشِ
قال أحمد: ومن يأكل الخشاف (١) ؟.
(وفأرٌ) ولأن النبي ﷺ أمر بقتله في الحرم (٢) ، ولا يجوز قتل صيد مأكول بالحَرم.
(وزنبورٌ ونحلٌ وذبابٌ ونحوها)؛ كالفراش،؛ لأنها مستخبثة غير مستطابة.
(وهُدهدٌ وصُرَدٌ) على الأصح فيهما؛ لما روى ابن عباس قال: " نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعٍ من الدواب: النملةُ والنحلةٌ والهدهدٌ والصُرَدٌ " (٣) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
والصُرَد: بضم الصاد وفتح الراء: يصطاد العصافير. وهو أول طائرٍ صام للهِ . الجميع صُرَدان.
(وغدافٌ) وهو غُراب الغيط (٤) .
стр. 4897
(وخُطافٌ) وهو طائرٌ أسود معروف.
(وقنفذ) لما رُوي عن أبي هريرة قال: " ذُكِر القنفذ لرسول الله ﷺ فقال: هو خبيثة من الخبائث " (١) . رواه أبو داود.
ولأنه يشبه المحرمات وكٌل الحشرات.
ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثَورٍ.
(وحَيةٌ). وقال مالك: هي حلال إذا ذُكِيت.
(وحشراتٌ) يعني: وباقي (٢) الحشرات؛ كالدِيدان والجَعلان وبناتِ وَردان والخنافس والأوَزاغ والحَرباء والعَضا والعَقارب والجَراذِين.
قال في " المستوعب ": وفي معنى ذلك اللكمة (٣) ، وهي دُويبة سوداء كالسمكة، تسكن البَر، إذا رأت الانسان غابت فهي حرام. انتهى.
(و) يحرم أيضاً (كل ما أمر الشرع) أي: الشارع (بقتله). ومن ذلك: العقارب والجَراذين؛ لقول رسول الله ﷺ : " خَمسُ فواسق يُقتَلن في الحِلِ والحُرم: الغُراب والحَدأة والعَقرب والفَأر والكَلب العَقُور " (٤) .
(أو نهىٌ عنه) أي: عن قتله، ومنه: النملُ والنحلُ؛ لما روى ابن عباس قال: " نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعٍ من الدواب: النملةُ والنحلةُ والهدهدُ والصٌرَدُ " (٥) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
ومن ذلك أيضا: الذباب؛ لأن النبي ﷺ قال: " إذا وقع الذباب في شراب
стр. 4898
أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه. فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء (١) " (٢) .
رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه.
فلو جاز أكله لم يأمر بطرحه.
وفيه رواية بالحل.
(و) يحرم أيضاً (ما تولد من مأكولٍ وغيره) أي. غير مأكولٍ (كبغل) وهو: المتولد من الخيل والحَمير الأهلية، وكالحمار المتولد بين الحمار الوحشي والأهلي.
(و) كـ (سِمع) بكسر السين المهملة (ولد الضَبُع) بفتح الضاد وضم الباء ويجوز إسكانها، والجمع ضِباع، (من ذئب، و)، كـ (عسبار: ولد ذئبة من ضِبعان) بكسر الضاد وسكون الموحدة من أسفل. وجمعه ضَباعين على وزن مساكين. وهو ذكر الضباع تغليباً للتحريم. فيكون العِسبار عكس السمع.
وظاهره ولو تميز كحيوان من نَعجة نصفه خروف ونصفه كلب. قاله الشيخ تقي الدين. لا متولد من مباحين؛ كبغلٍ من وحشيٍ وخيلٍ ونحو ذلك.
(وما يجهله العرب) من الحيوان (ولا ذكر في الشرع يرد إلى أقرب الأشياء شبها به) بالحجاز. فإن لم يشبهه شيئا بالحجاز فهو مباح؛ لدخوله في عموم قوله : ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [المائدة: ١٤٥]
ولقوله ﷺ : " ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه " (٣) .
(ولو أشبه) حيواناً (مباحاً) وحيواناً (محرماً: غلب التحريم). قاله فى
стр. 4899
" التبصرة " لقوله ﷺ " دع ما يُريبك إلى ما لا يريبك " (١)
ولقول أحمد رضي الله تعالى عنه: وكل شيءٍ اشتبه عليك فدَعه.
(وما تولد من مأكولٍ طاهٍر؛ كذبابِ باقلاء، ودود خلٍ، ونحوهما)؛ كدود جُبنٍ؛ (يؤكل) أي: يجوز أكله (تبعاً) لما تولد منه، (لا أصلا) أي: لا منفردا في الأصح.
وقال ابن عُقيل: يحل بموته.
قال أحمد في الباقلاء المدوِد: يجتنبه أحب إلي، وإن لم يتقذره فأرجو.
وقال عن تفتيش التمر المدوِد: لا بأس به إذا علمه. وكره أحمد جعل النوى مع التمر في شيء واحد.
(وما أحد أبويه المأكولين من) الحيوانات (مغصوبٌ فكأمه) يعني: فحكمه حكم أمه. فإن كانت الأم هي المغصوبة لم تحل هي ولا شيءٌ من أولادها للغاصب. وإن كان المغصوب الفحل ونزاه الغاصب على إناث في ملكه لم يحرم على الغاصب شيءٌ من أولاد الفحل الآتية به إناثه في ملكه.
* * *
стр. 4900
[فصل: في المباح من الأطعمة]
(فصل. ويباح ما عدا هذا) الذى ذكرنا أنه حرام؛ لعموم النصوص الدالة على الإباحة. والذي عداه (كبهيمة الأنعام)،وهي: الإبلِ والبقرِ والغنمِ؛ لقوله : ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]
(والخَيلُ) كلها عُرابها وبُراذينها. نص عليه أحمد. ورُوي ذلك عن ابن الزبير. وبه قال الشافعي والليث.
قال سعيد بن جبير: ما أكلت شيئا أطيب من معرقة برذون.
وحرمها أبو حنيفة وكرهها مالك؛ لقول الله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨].
وعن خالد قال: قال رسول الله ﷺ : "حرامٌ عليكم الحُمرُ الأهلية وخَيلها وبِغالها") (١) ولأنها ذو حافر. أشبهت الحِمار.
ولنا: قول جابر رضى الله تعالى عنه: " نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحُمر الأهلية، وأذِن في لحوم الخيل ") (٢) . متفقٌ عليه.
وقالت أسماء رضى الله تعالى عنها: " نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة ") (٣) . متفقٌ عليه.
стр. 4901
ولأنه حيوان طاهر مستطاب ليس بذى نابٍ ولا مخلب. فتحل؛ كبهيمة الأنعام.
ولأنه داخل في عموم الآيات والأخبار المبيحة.
وأما الآية فإنهم إنما يتعلقون بدليل خطابها. وهم لا يقولون به.
وحديث خالد ليس له إسناد جيد. قاله أحمد. قال: وفيه رجلان لا يُعرفان. فلا نترك أحاديثنا المتفقُ عليها لمثل هذا الحديث المنكر.
(وباقي الوحشُ؛ كزرافة) وهي: دابة تشبه البعير، إلا أن عنقها أطول من عنقه، وجسمها ألطف من جسمه، ويداها أطول من رجليها. سُئل أحمد عنها هل تؤكل؟ قال: نعم. وهي مباحة لعموم النصوص المبيحة. ولأنها مستطابة.
أشبهت الإبل.
(وأرنبٌ). قال في "المُغني": أكلها سعد ابن أبى وقاص. ورخص فيها أبو سعيد وعطاءُ وابن المُسيب والليث ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذِر. ولا نعلم قائلاً بتحريمها إلا شيئاً رُوي عن عمرو بن العاص. وقد صح عن أنس أنه قال: " أنفجنا أرنباً. فسعى القوم فلغبوا. فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة. فذبحها وبعث بوركها أو قال فخذها إلى النبي ﷺ فقبله ") (١) . متفقٌ عليه. انتهى.
(ووبرٌ) على الأصح. وبحله قال عطاء وطاووس ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي وابن المنذر وأبو يوسف. وحرمه أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف.
ولنا: أنه يُفدى في الإحرام والحَرم.
ولأنه طيب يعتلف النبات والبقول. فكان مباحا؛ كالأرنب.
стр. 4902
ولأن الأصل الإباحة وعموم النصوص تقتضيها ولم يَرد فيه تحريم.
(ويربوعٌ) على الأصح. نُصَ عليه. وبِحله قال عُروة وعطاء والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وحرمه أبو حنيفة؛ لأنه يشبه الفأر.
ولنا: " أن عمر رضى الله تعالى عنه حكم فيه بجُفرة لها أربعة أشهر " (١) .
ولأن الأصل الإباحة ما لم يرد فيه تحريم.
(وبقرُ وحشٍ) على إختلاف أنواعها من الإبل والتيتل والوعل والمَها.
وحُمره) أي: حُمر الوحش.
(وضَبٌ) في قول أكثر أهل العلم. يروى حله عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي سعيد الخدرى رضي الله تعالى عنهم.
قال أبو سعيد: " كنا معشر أصحاب محمد ﷺ لأن يُهدى إلى أحدنا ضبٌ أحب إليه من دجاجة ٌ".
وبحله قال مالك والشافعي.
وحرمه أبو حنيفة؛ لما روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن أكل الضب" (٢) . ورُوى نحوه عن علي رضى الله تعالى عنه.
ولنا: ما روى ابن عباس قال: " دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت مَيمونة. فأتي بضبٍ محنوذ. فقيل: هو ضب يا رسول الله! فرفع يده. فقلت: أحرامٌ هو يا رسول الله؟ قال: لا. ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدنى أعافه. قال خالد: فاجتررته" (٣) فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر" (٤) .متفق عليه.
стр. 4903
قال عمر: " إن النبي ﷺ لم يُحرِم الضب ولكن قذره. ولو كان عندي لأكلته " (١) .
ولأن الأصل الحل ولم يوجد المحرم، فبقىَ على الإباحة.
(وظِباء) وهي الغُزلان على إختلاف أنواعها؛ لأنها كلها تُفدى في الإحرام والحَرم.
(وباقي الطير كنعامٍ، ودجاجٍ، وطاووسٍ، وببغاءٍ) بتشديد الباء الموحدة (وهي الدُرة، وزاغٍ) وهو طائرٌ صغير أغبر، (وغرابُ زرعٍ) وهو أسود كبير يأكل الزرع، يطير مع الزاغ، لأن مرعاهما الزرع والحبوب. أشبها الحِجل.
وقيل: هما واحد، وكالحمام بأنواعه من الفواخت، والقَمارى، والجَوازل، والرَقطي،
والدَياسي، والحِجل، والقَطا، والحَباري؛ لما روى سفينة قال: " أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حَباري " (٢) . رواه أبو داود.
والعَصافيرُ والقنابرُ وكالكركَى والبَط والإوَز وما أشبه ذلك مما يلتقط الحب أو يُفدى في الإحرام لأن ذلك مستطاب؛ فيحل لأنه من الطيبات فيدخل في عموم قوله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
(ويَحِل كل حيوانٌ بحري)؛ لقوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
ولقوله ﷺ لما سُئل عن ماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه، الحِلُ ميتتُه " (٣) . رواه مالك.
(غير ضُفدعٍ). نُص على ذلك. واحتج بالنهي عن قتله.
ولأنها مستخبثة فتدخل في عموم قوله ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 4904
(و) غير (حَيةٌ)؛ لأنها من المستخبثات.
(و) غير (تِمساح). نُص عليه؛ لأن له ناب يغرس به.
وقال ابن حامد والقاضي: وغير الكُوسج. وهو سمكة لها خرطوم كالمِنشار، وتسمى القرش.
والأشهر أن الكوسج مباح؛ كخنزير الماء وإنسانه وكلبه. وبهذا قال مالك والشافعي لعموم الآية والأخبار.
ولما روى البخاري: " أن الحسن بن علي رضى الله تعالى عنهما ركب على سرج عليه جلد من جلود كلاب الماء " (١)
(وتُحرم الجلالة التي أكثر علفها) أي: غذاءها (نجاسة، و) يحرم (ألبانها وبيضها) أيضاً على الأصح؛ لما روى ابن عمر قال: " نهى النبي ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها " (٢) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن غريب. وفي رواية أبي داود: " نهى عن ركوب جلالة الإبل " (٣) .
ولما روى ابن عباس قال: " نهى النبي ﷺ عن شرب لبن الجلالة " (٤) .
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
стр. 4905
وأما بيضها فهو متولد منها؛ كاللبن.
والجلالة: قال القاضي: هي تأكل القذرة. فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها، وإن كان أكثر علفها الطاهر لم تحرم.
قال الموفق: وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحد ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها ويعفى عن اليسير.
(حتى تُحبس ثلاثا) أي: ثلاث ليال بأيامهن. نص على ذلك؛ " لأن ابن عمر كان إذا أراد أكلها يحبسها ثلاثاً ".
(وتُطعم الطاهر فقط)،إذ المانع من حلها يزول بذلك.
ولا فرق في ذلك بين الطائر والبهيمة على الأصح.
وعنه: يحبس الطائر ثلاثاً والشاة سبعاً، وما عدا ذلك أربعين يوما.
والأول أصح؛ لأن ما طهر حيواناً طهرغيره؛ كما لو كانت النجاسة بظاهره. (ويُكره ركوبها)؛لما تقدم من الحديث الوارد في ذلك.
(ويباح أن يعلف النجاسة ما) أي: حيواناً (لا يُذبح) قريبا؛ (أو) لا يُحلب قريباً.
قال في " الإنصاف ": نقله عبد الله بن الحكم. (١)
قال في " المحرر": ويجوز أن تعلف الإبل والبقر التى لا يراد ذبحها بالقرب الأطعمة النجسة أحياناً. قال شارحه: لأنه يجوز تركها في الرعي على إختيارها، ومعلوم أنها تعلف النجاسة. انتهى.
(وما سُقي) بماء نجس من زرع وثمر (أو سمد) أي: جعل فيه السماد أي: السرقين برماد (بنجس من زرع وثمر محرم). نص عليه؛ لما روى ابن عباس قال: " كنا نكرى أراضي رسول الله ﷺ ونشترط عليهم أن لا يُدمِلوها بعذرة