← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ووجه المذهب: ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " (١) . متفق عليه. وللنسانى: " فقد أدركها " (٢) . ولأن الإدراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة وما دونها؛ كإدراك الجماعة، وإدراك المسافر صلاة المقيم. (ومن جهل الوقت) أي وقت المكتوبة فلم يدر ادخل الوقت أم لا، (و) كان بمحل (لا تمكنه) فيه (مشاهدة) لدلائل الوقت من شمس أو غيرها، (ولا) كان عنده (مخبر) له بدخول الوقت إخبارا (عن يقين) واراد أن يصلي تلك المكتوبة: (صلى إذا ظن دخولى) أي: دخول وقتها لا قبله. وعنه: لا يصلي حتى يتيقن دخول الوقت. قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب يستحب التأخير حتى يتيقن فى دخول لوقت. قاله ابن تميم وغيره. (و) إذا صلى مع غلبة ظنه فانه (يعيد) الصلاة (ان اخطأ) بأن بانت صلاته فبل الوقت؛ لأنها لم تجب واليقين ممكن. (ويعيد اعمى عاجز) عن معرفة وقت تلك الصلاة إذا (عدم مقلدا) وصلاها بغير تقليد (مطلقاً) أي سواء تبين انه أخطأ أو اصاب؛ كمن اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير اجتهاد.

стр. 492

(ويعمل) أي: ويجب العمل في دخول وقت المكتوبة (بأذان) رجل (ثقة عارف) بأوقات الصلوات، لأن الأذان شرع للإعلام بدخول وقت الصلاة. فلو لم يجز تقليد المؤذن لم تحصل الحكمة التي شرع الأذان لها، ولم تزل الناس يجتمعون للصلاة في مساجدهم، فإذا سمعوا الأذان قاموا إلى الصلاة وبنوا على قول المؤذن من غير مشاهدة للوقت ولا اجتهاد فيه من غير نكير، فكان إجماعاً. (وكذا إخباره) أي إخبار- الثقة العارف بالوقت (بدخوله) عن يقين الا عن ظن) في وجوب العمل به، لأنه خبر ديني. فقبل فيه قول الواحد؛ كالرواية. (وإذا دخل) على مكلف (وقت صلاة) مكتوبة (بقدر تكبيرة) كما لو طلع الفجر، (ثم) بعد قدر تكبيرة فأكثر من طلوعه (طرأ مانع) من صحة الصلاة، (كجنون وحيض) ثم عقل وظهرت: (قضيت) صلاة الفجر وجوبا، لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت على مكلف لم يقم به مانع وجوباً مستقرا، فإذا أقام به مانع بعد ذلك لم يسقطها. فيجب قضاوها عند زوال المانع. ومقتضى كلام المتن: انه لا يلزمه غير التي دخل وقتها قبل طروء المانع وهو المذهب. ووجهه: انه لم يدرك جزءاً من وقتها ولا من وقت تبعها. فلم يجب، كما لو لم يدرك من وقت الأولى شيئاً. وفارق مدرك وقت الثانية فانه أدرك وقتا يتبع الأولى فان الأولى تفعل في وقت الثانية متبوعة مقصودة يجب تقديمها والبداءة بها (١) . بخلاف الثانية مع الأولى، ولأن من لا يجوز الجمع إلا في وقت الثانية ليس وقت الأولى عنده وقتا للثانية بحال فلا يكون مدركا لشيء من وقتها، ووقت الثانية وقت لهما جميعا لجواز فعل الأولى في وقت الثانية. ومن جوز الجمع في وقت الأولى فانه يجوز تقديم الثانية رخصة تحتاج إلى نية التقديم وترك التفريق، ومتى أخر الأولى إلى الثانية كانت مفعولة واجبة لا يجوز تركها ولا يجب نية جمعها ولا يشترط ترك التفريق بينهما. فلا يصح قياس الثانية على الأولى. والأصل انه لا تجب صلاة إلا بإدراك وقتها.

стр. 493

وعن الإمام رواية اخرى: انه يلزمه أيضاً قضاء ما يجميع معها بعدها. فعلى هذه الرواية لو طرأ المانع بعد الزوال لزمه قضاء الظهر والعصر، أو بعد الغروب لزمه قضاء المغرب والعشاء. (وان طرأ) على غير مكلف؛ كصغير ومجنون، أو من قام به مانع؛ كحائض وكافر (تكليف؛ كبلوغ) وعقل (ونحوه) أي: ونحو (١) التكليف من زوال المانع؛ كطهر الحائض، وإسلام الكافر (وقد بقي) من وقت تلك الصلاة التي طرا التكليف أو زوال المانع في وقتها (بقدرها) أي: بقدر تكبيرة: (قضيت) تلك الصلاة (مع مجموعة إليها قبلها). فان كان طروء التكليف أو زوال المانع قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة قضيت الفجر فقط، وان كان قبل غروب الشمس بقدر تكبيرة قضيت الظهر والعصر، وان كان قبل طلوع الفجر بقدر تكبيرة قضيت المغرب والعشاء: اما كون الوقت يدرك بتكبيرة؛ لأنه أدرك فاستوى فيه القليل والكثير كإدراك المسافر صلا ة المقيم. وانما اعتبرت الركعة في الجمعة للمسبوق؛ لأن الجماعة شرط لصحتها. فاعتبر إدراك الركعة؛ لئلا يفوته الشرط في معظمها. وأما كونها تقضى مع مجموعة إليها قبلها؛ فلأن وقت الثانية وقت للأولى حال العذر. فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها؛ كما يلزمه فرض الثانية. (ويجب) على من فاتته صلاة فأكثر من المفروضات الخمس (قضاء فائتة فأكثر مرتبا) نص عليه الإمام أحمد فى مواضع؛ لما روي " أن النبي ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم اني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله! ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب " (٢) . رواه الإمام أحمد. وقد قال ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣) ، وقد رأوه قضى الصلاتين

стр. 494

مرتبا، كما رأوه يقرا قبل أن يركع ويركع قبل أن يسجد. ولأن الترتيب بين كل صلاتين واجب لوجوبه بين المجموعتين. حتى (ولو كثرت) المقضيات وذكر ترتيبها. وقد علم من هذا: أن الترتيب في القضاء مع ذكر الترتيب شرط للصحة، لأنه ترتيب في الصلاة فكان شرطا كالركوع مع السجود. (إلا إذا خشي) أن رتب (فوات حاضرة) يخرج وقتها فيصيران فائتتين. ولأن فعل الحاضرة آكد. بدليل انه يقتل بتركها. بخلاف الفائتة. ولأن ترك الترتيب أيسر من ترك الصلاة في الوقت. وفي ذلك رواية. (أو) إلا إذا خشي (خروج وقت اختيار)، لأنه كما يحرم أن يؤخر الصلاة إلى بعد وقتها يحرم عليه أن يؤخرها عن وقت الجواز إلى وقت الضرورة. وعلم مما تقدم انه لو صلى الفائتة مع خشية خروج الوقت أو خروج وقت الاختيار انها تصح. نص عليه، وفيه وجه. (ولا يصح تنفله إذا) أى مع ضيق وقت الحاضرة أو ضيق وقت جوازها لتحريمه كأوقات النهي. (أو نسيه) أي: الترتيب هذا معطوف على المستثنى بقوله: إلا إذا خشي فوات الحاضرة. فان نسيان الترتيب (بين فوائت حال قضائها) يسقط وجوبه. نص عليه في رواية الجماعة، لأن المنسية ليس عليها أمارة تعلم بها. فجاز أن يؤثر فيها النسيان، كالصيام. وعنه: أن الترتيب لا يسقط مع النسيان كالمجموعتين. وجوابه: أن المجموعتين لا يتحقق فيها النسيان إذ لا بد من نيه الجمع وهو متعذر مع النسيان. (أو حاضرة وفائتة حتى فرغ) يعنى: انه لو نسي الترتيب بين حاضرة وفائتة حتى فرغ من فعل الحاضرة. فانه يسقط ولا يجب عليه إعادة الحاضرة بعد الفائتة. نص عليه.

стр. 495

وقال مالك: يجب. واستدل بحديث صلاة النبي ﷺ عام الأحزاب المتقدم ذكره (١) . وأجيب عنه بأنه يحتمل أن النبي ﷺ ذكرها في الصلاة. (لا ان جهل) من عليه فوائت (وجوبه) أي الترتيب. فانه لا يسقط؛ لأن الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقطها؛ كالجهل بتحريم الأكل في الصوم. ولأنه ترتيب واجب في الصلاة. فلم يسقط بالجهل؛ كترتيب أركانها، وكالمجموعتين. (فورا) في المنصوص. يعني: أن من فاتته صلاة فأكثر فانه يجب قضاؤها فورا؛ لقول النبي ﷺ : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (٢) . متفق عليه. ومحل ذلك: (ما لم ينضر في بدنه) بأن ضعف (او) ينضر في (معيشة) يحتاجها فينقطع بذلك عنها. قال في " شرح الوجيز ": نص الإمام أحمد على معنى هذا. انتهى. قال في " الفروع ": وانما تحول ﷺ بأصحابه لما ناموا وقال: " أن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان " (٣) ؛ لأنه سنة كفعل سنة قبل الفرض. (أو يحضر) أي: وما لم يحضر (لصلاة عيد) فانه يكره له قضاء الفوائت حتى يفرغ من صلاة العيد كما سيأتي في بابها.

стр. 496

(ولا يصح نفل مطلق إذا). قال في " الفروع ": على الأصح. (ويجوز التأخير) أي: تأخير قضاء الفائتة (لغرض صحيح، كانتظار رفقة، او) انتظار (جماعة لها) أي: لصلاة الفائتة لاستحباب القضاء في جماعة إذا امكن " لأن النبي ﷺ فاتته أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن مرتبات في جماعة" (١) (وان ذكر فائتة) من هي عليه وهو (إمام) وقد (أحرم بحاضرة) أي مكتوبة (لم يضق وقتها) أي وقت الحاضرة عنها وعن الفائتة بأن كان يمكنه أن يأتي بالفائتة ثم بالحاضرة في وقتها، فان الأمر إذا كان كذلك (قطعها) أي: قطع الإمام الحاضرة التي أحرم بها وجوبا؛ لأن الترتيب لا يسقط إذا تذكره قبل تمام الحاضرة مع اتساع الوقت لها وللفائتة لإمكان اعتباره. وانما قلنا: انه يقطعها وجوبا؛ لأنه لو لم يقطعها لكانت نفلا. نص عليه أحمد على ذلك معللا بأن المأمومين يصيرون مفترضين خلف متنفل، وإذا قطعها الإمام فالمنصوص أن المأمومين يستأنفون الصلاة. وأما غير الإمام كالمأًموم والمنفرد إذا ذكر فائتة وقد احرم بحاضرة مع اتساع الوقت لإتمام الصلاة التي أحرم بها التي صارت نفلا ولقضاء الفائتة ثم إعادة صاحبة الوقت فيه: فانه لا يقطعها ويتمها نفلا، وأما إذا ضاق الوقت عنها أي: عن الصلاة التي أحرم بها وعن المستأنفة التي يصليها بعد صلاة الفائتة فانه يجب عليه قطعها، ويأتى بالفائتة ثم بصاحبة الوقت فيه، وإلى ما قلنا هو المشار إليه في المتن بقوله: (كغيره) أي: كغير الإمام (إذا ضاق) الوقت (عنها) أي: عن الصلاة التي احرم بها (وعن المستأنفة) أي: صاحبة الوقت التي يستأنفها بعد أن يصلي الفائته. (وإلا) أي: وان لم يضق الوقت عن ذلك (أتمها) أي: التي احرم بها (نفلا)

стр. 497

أي: على سبيل التطوع، ثم صلى الفائتة، ثم الحاضرة في وقتها. وعن الإمام رواية: انه يتمها نفلا، ورواية: انها تبطل بمجرد تذكرة الفائتة. فلا يحتاج إلى قطع. ووجه: انه يتمها فرضا. (ومن) فائتة صلاة و (شك في) قدر (ما عليه) منها (وتيقن سبق الوجوب) كمن قال: بلغت منذ سنة وصليت بعضها ثم تركت الباقي، ولا أعلم قدر ما صليت من السنه ولا قدر ما تركت منها: (ابرأ ذمته) بأن يقضي حتى يعلم أن ذمته برأت (يقينا). قال المجد في " شرح الهداية ": نص عليه. (وإلا) أي: وان لم يتيقن سبق الوجوب كمن قال: لم (١) أصل منذ بلغت، ولم أدر متى بلغت. فان هذا لم يتيقن سبق الوجوب الذي هو زمن البلوغ: فهذا يلزمه أن يقضي حتى يعلم أن ذمته برأت (مما تيقن وجوبه). ودليلنا على وجوب القضاء في الصورة المتقدمة حتى يتيقن براءة ذمته: انها صلاة تحقق وجوبها وشك في قدر ما فعل منه. فانه يبني على اليقين وهو الأفل؛ كمن شك في عدد الركعات. (فلو ترك) من هو من أهل وجوب الصلاة (عشر سجدات من صلاة شهر قضى عشرة أيام) من ذلك الشهر لجواز تركه كل يوم سجدة. ذكره أبو المعالي، واقتصر عليه في " الفروع ". (ومن نسي صلاة) واحدة (من يوم) وليلة (وجهلها) أي: جهل عين المنسية: (قضى خمسا) أي: أعاد صلاة اليوم جميعه ينوي كل واحدة انها الفائتة. نص عليه. قال في " الشرح الكبير للمقنع ": وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأن التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة ولا يتوصل إليه إلا بذلك فلزمه. انتهى. (و) من نسي (ظهرا وعصرا من يومين وجهل السابقة) منهما. يعني: جهل

стр. 498

هل ترك الظهر من اليوم الأول والعصر من اليوم الثانى، أو ترك العصر من اليوم الأول والظهر من اليوم الثانى: (تحرى بأيهما يبدأ) يعني: انه يتحرى ايهما نسي أولا فيقضيها اولا ثم يقضي الأخرى بعدها. نص عليه في رواية الأثرم؛ لأن الترتيب يباح تركه لوجود الضرورة كما إذا ضاق وقت الحاضرة أو نسي الترتيب. فيدخله التحري؛ كالقبلة. وهذه الرواية هي اختيار الأكثر، (ف) عليها (ان استويا) أى استوى عنده الأمران بأن تحرى فلم يظهر له شيء (ف) انه يبدأ (بما شاء) من الصلاتين، والرواية الثانية: انه يبدأ بالظهر، والرواية الثالثة: يصلي ظهرين بينهما عصرا وعكسه، وذكرها الموفق في " المغني " احتمالا وقال: وهذا أقيس. انتهى. لأنه أمكنه أداء فرضه بيقين. (ولو شك مأموم) بأن تردد (هل) ما (صلى الإمام) به (الظهر أو العصر؟ اعتبر بالوقت) فان كان ذلك في وقت الظهر فهي الظهر، وان كان ذلك في وقت العصر فهي العصر. (فان اشكل) عليه الوقت فالأصل أن الصلاة التي صلاها خلف الإمام وقعت مبراة لذمته (ف) يكون (الأصل عدم) وجوب (الإعادة). فائدة: قال المجد في " شرحه ": لو توضأ وصلى الظهر، ثم احدث وتوضأ وصلى العصر، ثم ذكر انه ترك فرضا من إحدى طهارتيه ولم يعلم عينها: لزمه إعادة الوضوء والصلاتين، وأما أن لم يعلم انه أحدث بين الصلاتين وتوضأ للثانية تجديدا، وقلنا: لا يرتفع الحدث فكذلك، وان قلنا: يرتفع لزمه إعادة الوضوء، والأولى خاصة؛ لأن الثانية صحيحة على كل تقدير. نقله عنه في " الإنصاف ". والله الموفق.

стр. 499

[باب: ستر العورة] هذا (باب) يذكر فيه شيء من أحكام ستر العورة، وأحكام اللباس. والعورة في اللغة: النقصان والشيء المستقبح. ومنه كلمة: عوراء أي: قبيحة. وتطلق العورة في الشرع على ما يجب ستره في الصلاة، وعلى ما يحرم النظر إليه في الجملة. وإنما سميت سوأة الإنسان وكل ما يستحى منه عورة؛ لقبح ظهوره. ولما كان الكلام هنا على ما يجب ستره في الصلاة ويشترط ستره لصحتها مع القدرة على ذلك أشير إليه بقوله: (ستر العورة) وهذا مبتدأ يأتي التنبيه على خبره. (وهي) أي العورة في اصطلاح الفقهاء: (سوأة الإنسان وكل ما يستحى منه) إذا نظر إليه (حتى عن نفسه) متعلق بستر: (من شروط الصلاة) خبر لستر العورة. فلا تصح صلاة من مكشوفها مع القدره على الاستتار؛ لقول النبي ﷺ : " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " (١). وعن سلمة بن الأكوع قال: " قلت: يا رسول الله لِلَّهِ انى لأكون في الصيد فأصلي في القميص الواحد؛ قال: نعم وازرُرْه ولو بشوكة " (٢). رواهما

стр. 500

ابن ماجه والترمذي. وقال فيهما: حسن صحيح. قال ابن عبد البر: أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانا. ويتفرع على اشتراط سترها عن نفسه في الصلاة: لو صلى في قميص واسع الجيب ولم يزُرَّه ولم يشد وسطه، وكان بحيث يرى عورة نفسه منه في قيامه أو ركوعه أو سجوده، كان كرؤية غيره في منع إجزاء الصلاة. نص عليه. ولأنه لو اكتفى بسترها عن الغير في الصلاة لصحت صلاة العريان خاليا. (ويجب) على الإنسان ستر عورته (حتى خارجها) أي: خارج الصلاة، (و) حتى في (خلوة، و) حتى (في ظلمة) " لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: " قلت: يا رسول الله لِلَّهِ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؛ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؛ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا ترينها. قلت: فإذا كان أحد نا خاليا؛ قال: فالله تعالى أحق أن يستحى منه " (١) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن. وعنه: يكره كشفها خلوة. وعنه: يجوز من غير كراهة. وعلى الروايات الثلاثة: لا فرق بين ان يكون في ظلمة أو حمام، أو بحضرة ملك أو جني (٢) ، أو حيوان بهيم أو لا. ذكره في " الرعاية " وغيرها. والستر المشترط لصحة الصلاة الواجب في غيرها: هو الستر المحيط بالعورة (لا من أسفل) أي: لا من جهه الرجلين. قال في "الإنصاف ": ولا يعتبر سترها من أسفل على الصحيح من المذهب.

стр. 501

ويشترط في الستر الواجب: أن يكون (بما لا يصف البشرة) أي: لونها من بياض أو حمرة أو سواد، لأن الستر إنما يحصل بذلك. لا أن يصف حجم العضو، لأنه لا يمكن التحرزعنه. ولو كان الساتر صفيقا، ويكفي الستر بغير منسوج، كورق وجلد (ولو بنبات، ونحوه)، كليف ومضفور من شعر وجلود، ولو مع وجود ثوب. وفيه وجه: لا يكفي مع وجود الثوب حشيش أو نحوه. (و) كذا يكفي الستر بـ (متصل به) أي بالمصلي، (كيده) إذا وضعها على خرق في ثوبه، (ولحيته) المسترسلة على جيب ثوبه الواسع التي لولاها لبانت عورته. (لا بارية) يعني: ان المصلي عريانا إذا لم يجد إلا بارية وهي ما ينسج من القصب على هيئة الحصير ليجلس عليه لا يلزمه الستر بها. (و) لا (حصير ونحوهما مما يضره) كالشريجة، لأن الضرر مطلوب زواله في الشرع لا حصوله، وربما لا يتمكن مع ذلك من جمع أفعال الصلاة. (ولا) ان يقف في (حفيرة، و) لا أن يتطين بـ (طين، و) لا أن يطلي عورته بـ (ماء كدر لعدم)، لأنه ليس بسترة. (ويباح كشفها) أي: العورة (لتداو وتخلٍّ ونحوهما)، كحلق عانة وختان، ومعرفة بلوغ وبكارة وثيوبة، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك. (و) كذا يباح كشف عورة الأنثى (لمباح) لها من زوج وسيد. (و) كذا يباح له كشف عورته لزوجة وأم ة (مباحة). ودليل ذلك: ما في حديث بهز بن حكيم المتقدم من قوله ﷺ : " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " (١) . وهو معهما [في عدم وجوب حفظ عورتهما منه] (٢) كهما معه.

стр. 502

(وعورة ذكر وخنثى بلغا عشراً) أي: تم لها عشر سنين، (و) عورة (أمة وأم ولد ومبعضة) وهي التي بعضها حر وبعضها رقيق، (وحرة مميزة) أي: تم لها سبع سنين، (ومراهقة). وهي: من قاربت البلوغ. يعني: أن عورة جمع من ذكر في صلاة (ما بين سرة وركبة). وهذا معنى ما قدم في " التنقيح ". ثم ذكر في المبعضة رواية: أن حكمها كالحرة، وقال: وهو أظهر. وذكر في " الإنصاف " بعد ما ذكر ان المذهب: أن عورة الخنثى كعورة الرجل رواية: أن عورته كعورة المرأة. وذكر في " الإنصاف ": أن ظاهر كلام كثير من الأصحاب: أن الحرة المميزة والمراهقة؛ كالبالغة في عورة الصلاة. وفي الرجل رواية: أن عورته الفرجان فقط. وحيث قيل: إن الخنثى كالرجل في ذلك لزمه ستر القبلين والدبر. قال في " شرح الهداية ": والاحتياط للخنثى المشكل أن يستتر كالمرأة. وأما حكم عورة الذكر والخنثى قبل أن يتم لهما عشر سنين فقد أشير إليه بقوله: (وابن سبع إلى عشر: الفرجان). ولا فرق في عورة الذكر بين أن يكون: حراً، أو عبداً، أو مبعضاً، أو مكاتباً. وعلم مما تقدم أن من دون السبع ليس لعورته حكم؛ لأن حكم الطفولية منجرة على المولود إلى أن يتم له سبع سنين فينتقل حكمها عنه إلى حكم التمييز. والدليل على صحة القول بأن العورة ما بين السرة والركبة لا أنها الفرجان فقط ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " (١) . رواه أبو داود وابن ماجه وعبد الله ابن

стр. 503

الإمام أحمد في " مسند أبيه ". وعن محمد بن جحش قال: "مر رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال: يا معمر لِلَّهِ غط فخذيك (١) فإن الفخذين عورة " (٢) . وعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : " أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة " (٣) . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: " ما بين السرة والركبة عورة " (٤) . رواهما الدارقطني. وعلم مما تقدم ان السرة والركبة ليستا من العورة، بل العورة ما بينهما فقط؛ لأن الركبة والسرة حد العورة. فلم يكونا منها، وبهذا فال مالك والشافعي ﵄. (والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة) حتى ظفرها. نص عليه (إلا وجهها). وبه قال أبو سلمة بن عبد الرحمن وداود؛ لأن ما لا يلزمها كشفه في الإحرام كان منها عورة كالصدر وسائر بدنها. ولأن ما عدا الوجه كالكفين محل لا يشق ستره فأشبه ما ذكرنا. وعنه: وإلا الكفين. قال في " الفروع ": إلا الوجه. اختاره الأكثر. وعنه: والكفين. انتهى. ودليل ذلك ما روي عن ابن عباس وعائشة " في قوله تعالى: (ولايبذلى زينتهن إلا مأظهر متهآ) [النور: ٣١] قالا: الوجه والكفين " (٥) .

стр. 504

ودليل المقدم وهو استثناء الوجه فقط ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " المرأة عورة " (١) . رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وهذا عام في جمع ها. ترك في الوجه للحاجة. فيبقى العموم فيما عداه. وقول ابن عباس وعائشة خالفهما ابن مسعود، فقال: " الثياب " (٢) ولأن الحاجة لا تدعو إلى كشف الكفين كما تدعو إلى كشف الوجه. والقياس لكونهما يظهران عادة يبطل بالقدمين فأنهما يظهران عادة وسترهما واجب. والكفان بالرجلين أشبه من الوجه، فقياسهما عليهما أولى. والدليل على وجوب ستر الرجلين؛ ما روي عن ابن عمر: " أن نساء النبي ﷺ سألنه عن الذيل. فقال: اجعلنه شبرا. فقلن: إن شبرا لا يستر من عورة. فقال: اجعلنه ذراعا. فكانت أحد اهن إذا أرادت أن تتخذ درعا أرخت ذراعا فجعلته ذيلا " (٣) . رواه أحمد في " مسنده ". والدرع: هو القميص. (ويسن صلاة رجل) بالغ (في ثوبين). قال في " الإنصاف ": بلا نزاع. بل ذكره بعضهم إجماعاً. لكن قال جماعة من الأصحاب: مع ستر رأسه، والإمام أبلغ. انتهى. وفسر الثوبين في " الكافي ": بالقميص والرداء، والإزار والسراويل. والأصل في ذلك ما روى ابن بطة بإسناده عن نافع قال: " رآنى ابن عمر وأنا أصلي في ثوب وأحد. فقال: ألم أكسك قلت: بلى. قال: أرأيتك لو بعثتك في حاجة كنت تذهب هكذا؛ قلت: لا. قال: الله أحق أن تتزين له ". قال المجد في " شرح الهداية ": وإذا ثبت أن الصلاة في ثوبين أفضل

стр. 505

فأفضل ذلك ما كان أسبغ. فيكون الأفضل القميص والرداء، ثم الإزار أو السراويل مع القميص، ثم أحدهما مع الرداء، وأفضلهما مع الرداء الإزار؛ لأنه لبسة الصحابة. ولأنه لا يَحكي تقاطيع الخلقة. وأفضلهما تحت القميص السراويل؛ لأنه أستر ولا يحكي خلقة في هذه الحالة. وروى حرب بإسناده عن ابن عباس قال: " لما اتخذ الله إبراهيم خليلا قيل: وار عن الأرض عورتك. فاتخذ السراويلات ". ولأحمد في " مسنده " عن أبي أمامة قال: " قلنا: يا رسول الله لِلَّهِ إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون. قال: تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب " (١) . انتهى. (ويكفي ستر عورته) أي: عورة الرجل (في نفل). قال في " الإنصاف ": نص عليها في رواية حنبل، وهو المذهب. قال المجد في " شرح الهداية ": لأنه قد ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي بالليل في ثوب وأحد بعضه على أهله، والثوب الواحد لا يتسع لذلك مع ستر المنكبين. قالت عائشة: " رأيت رسول الله صلى في ثوب وأحد بعضه علي " (٢) . رواه أبو داود. ولأن النفل سومح فيه بترك القيام وفعله على الراحلة دفعا للمشقة. وعادة الإنسان في بيته وخلوته قلة اللباس وتخفيفه، وغالب نفله يقع فيه. فسومح فيه لذلك. ولا كذلك الفرض؛ فإن الغالب فعله ظاهرا بين الناس، والعادة تكميل اللباس منهم، وأن لا يُكتفى بستر العورة فافترقا. انتهى. (وشرط في فرض) مع ستر العورة: (ستر جمع أحد عاتقيه بلباس).

стр. 506

نص على ذلك في رواية حنبل. قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. يعني التفرقة بين الفرض والنفل. ودليله ما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " (١) . رواه البخاري ومسلم. وقد تقدم كلام المجد في " شرح الهداية " في الفرق بين النفل والفرض. واستدل أبو بكر على التفرقة بين الفرض والنفل بقول النبي ﷺ في حديث جابر: " إذا كان الثوب ضيقاً فاشدده على حقوك " (٢) ، وفي لفظ: " فاتزر به " (٣) . رواه البخاري. وقال: هذا في التطوع، وحديث أبي هريرة: في الفرض. والمراد بالعاتق: موضع الرداء من المنكب. وقوله: بلباس يعني: سواء كان من الثوب الذي عورته به أم من غيره إذا كان قادراً على ذلك. إذا تقرر هذا فأي شيء ستر به أحد عاتقيه من اللباس كفاه (ولو وصف البشرة). قال في " الشرح الكبير ": وإن كان يصف البشرة؛ لأن وجوب ذلك بالخبر، ولفظه: " لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " (٤) . وهذا يقع على ما يستر البشرة وما لا يستر. (وتسن صلاة حرة) بالغة (في درع) وهو القميص، (وخمار) وهو ما تضعه على رأسها وتديره تحت حلقها، (وملحفة) وهي الثوب الذي تلتحف به. وتسمى هذه الملحفة أيضاً: جلبأبا. روى ذلك محمد بن عبد الله

стр. 507

الأنصاري في " جزئه " عن عمر بإسناد صحيح، ولما روى سمعيد بن منصور عن عائشة " انها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع فتسبل الإزار فتجلبب به ". وكانت تقول: " ثلاثة أثواب لا بد للمرأة منها في الصلاة إذا وجدتها: الخمار والجلباب والدرع ". ولأن المرأة أوفى من الرجل عورة فكانت أكثر منه سترة. (وتكره) الصلاة لها (في نقاب وبرقع). قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام. ولأن ستر الوجه يخل بمباشرة المصلي بالجبهة والأنف. ويغطي الفم، وقد نهى النبي ﷺ الرجل عنه (١) . (ويجزئ) المرأة لصحة صلاتها (ستر عورتها). قال أحمد: اتفق عامتهم على الدرع والخمار، وما زاد فهو خير وأستر. ولأنها سترت ما يجب عليها ستره فاكتفي به. (وإذا انكشف) من غير قصدا لا عمداً في صلاة من عورة) من رجل أو خنثى أو أنثى شيء (يسير لا يفحش عرفا) أي: في عرف الناس (في النظر) إن نظر إليه أحد (ولو) مكث هذا الانكشاف زمناً (طويلاً، أو) انكشف من العورة شيء (كثير في) زمن (قصير) بأن غطي في الحال: (لم تبطل) الصلاة بذلك؛ لما روي عن عمرو بن سلمة الجرمي: " انطلق أبي وافداً إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه يعلمهم الصلاة. وقال: يؤمكم أقروكم. فكنت أقرؤهم فقدمونى. فكنت أؤمهم وعلي بردة لي صفراء صغيرة فكنت إذا سجدت

стр. 508

انكشفت عني. فقالت أمراً ة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم. فاشتروا لي قميصا عمانيا. فما فرحت بعد الإسلام فرحي به " (١) ، وفي لفظ: " فكنت أؤمهم في بردة موصلة (٢) فيها فتق. فكنت إذا سجدت فيها خرجت إستي " (٣) . رواه أبو داود والنسائي. وانتشر هذا، ولم يبلغنا أن النبي ﷺ أنكر ذلك ولا أحد من أصحابه. وعلم مما تقدم أن كشف ذلك تعمداً يبطلها لعدم العذر. ولأنها إنما لم تبطل مع العذر، لأن ثياب الفقراء غالبا لا تخلو من خرق، وثياب الأغنياء لا تخلو من فتق. والاحتراز عن ذلك يشق فيعفى عنه. وعن الإمام رواية: أن الصلاة تبطل مطلقاً. (ومن صلى في غصب) أي: مغصوب (ولو بعضه) أي: ولو كان المغصوب جزءا منه، أو كان المغصوب كله، أو جزؤه (ثوبا أو بقعة، او) كان الذي صلى فيه من (ذهب او) من (فضة أو) من (حرير) كله (او غالبه) من حرير (حيث حرم) الحرير، (او حج بغصب) أي: على حيوان مغصوب، أو بمال مغصوب (عالما) بأن ما صلى فيه أو حج به مغصوبا (ذاكرا) لذلك وقت العبادة: (لم يصح) حجه ولا صلاته إذاً. وعنه: الصحة مع التحريم. ووجه المذهب: أن الصلاة والحج قربة وطاعة. وقيامه وقعوده ومسيره بمحرم منهي عنه. فكيف يكون متقربا بما هو عاص به؛ أوكيف يكون مأمورا بما هو منهي عنه؛. والأصل في ذلك عموم ما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: " من

стр. 509

عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ") (١) . أخرجوه. ولأحمد: " من صنع أمراً على غير أمرنا فهو مردود " (٢) . ولأن السترة المحرمة تحرم الصلاة فيها. فلم تصح " كالنجسة. وهذا لأن الشارع أمر بالسترة وأوجبها واشترطها في الصلاة، والمحرمة يستحيل ان يكون مأموراً بها. فيبقى حينئذ في عهدة الأمر حتى يأتي بالمأمور به. وعلم مما تقدم أنه لو كان جاهلا أو ناسيا كونه غصبا أو حريرا أو محرما أنها تصح. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وذكره المجد إجماعاً. وعنه: لا تصح. انتهى. ولو كان عليه ثوبان أحدهما محرم لم تصح صلاته أيضاً، لأن المباح لم يتعين ساتراً. تحتانيا كان أو فوقانيا. إذ أيهما قدر عدمه كان الباقي ساتراً. (وإن غير هيئة مسجد فكغصبه، لا إن منعه غيره). قال في " الرعاية ": ومن غصب مسجداً أو غير هيئته فهو كغصب مكان غيره في صلاته فيه، وإن لم يغير هيئته لكن منع الناس الصلاة فيه صحت صلاته فيه مع الكراهة. وقيل: لا تصح، ولا يضمنه بذلك. وإن أقام غيره فيه وصلى مكانه فهل يلحق ذلك بالغاصب والغصب؛ فيه وجهان. (ولا يبطلها) أي الصلاة (لبس عمامة وخاتم منهي عنهما ونحوهما)، كلبس خف وشد تكة منهي عنهما فيها " كما لو غصب ثوبا فوضعه في كمه أو غير

стр. 510

ذلك وحمله في الصلاة؛ لأن النهي لا يعود إلى شرط الصلاة. فلم يؤثر فيها. قال في " الفروع ": في الأصح. وقيل: بل مع الكراهة، وهو ظاهر كلامه في " المستوعب " وفيه نظر. وعنه: الوقف في التكة. وعنه: يقف على إجازة المالك. وعنه: إن كان شعارا لم يصح. وقيل: خاتم حديد وصفر كذهب. قال القاضي وغيره: لأن النهي لم يعد إلى شرطها. (وتصح) الصلاة (ممن حُبس بغصب) به (وكذا) ممن حبس (بنجسة) أي: ببقعة نجسة، ويركع ويسجد بيابسة تقديما لركن السجود؛ لأنه مقصود في نفسه ومجمع على فرضيته، وعلى عدم سقوطه بالنسيان. بخلاف ملاقاة النجاسة. وعنه: بل يومئ أيضاً باليابسة، وصحح الأول في " شرح الهداية ". (ويومئ برطبة غاية ما يمكنه، ويجلس على قدميه): أما كون صلاته تصح؛ لأنه عاجز عن تحصيل شرط الصلاة وهو إباحة البقعة وطهارتها. فلم يلزمه؛ كالوضوء في حق من عدم الماء. (ويصلي) من لم يقدر على سترة مباحة (عريانا مع) أي: مع وجود ثوب (غصب). قال في " الرعاية ": وإن لم يجد غير سترة مغصوبة يحرم عليه تركها، وصلى عريانا. انتهى. ووجه ذلك: أن الثوب المغصوب يحرم استعماله بكل حال في حال الضرورة وغيرها لعدم إذن الشارع في التصرف فيه مطلقاً. ولأن تحريمه لحق ادمي. اشبه من لم يجد إلا ماء مغصوبا. (و) يصلي (في) ثوب (حرير لعدم) أي: عدم غيره إذا كان يملك التصرف فيه ولو عارية؛ لأنه مأذون في لبسه في بعض الأحوال؛ كالحكة والجرب وضرورة البرد، وعدم سترة غيره؛ لأن علة فساد الصلاة تحريم اللبس وقد زال في هذه الحالة. اشبه زوال التحريم في غيرها، (ولا إعادة) عليه

стр. 511

لإباحة لبسه إذاً. (و) يصلي (في) ثوب (نجس لعدم) اي عدم غيره؛ وذلك لأن سترة العورة آكد من إزالة النجاسة؛ لتعلق حق الآدمي به في ستر عورته، ووجوب الستر في الصلاة وغيرها. فكان تقديم الستر أولى من ان يصلي عريانا. (ويعيد) أي: وتلزمه الإعادة؛ لأنه قادر على كل من حالتي الصلاة عريانا، ولبس الثوب النجس فيها على تقدير ترك الحالة الأخرى. وقد قدم حالة التزاحم آكدها. فإذا زال التزاحم بوجوده ثوبا طاهراً، أوجبنا عليه الإعادة استدراكاً للخلل الحاصل بترك الشرط الذي كان مقدورا عليه من وجه. ويفارق من حبس في المكان النجس في عدم وجوب الإعادة؛ لأن المحبوس عاجز عن الانتقال عن الحالة التى هو عليها من كل وجه؛ كمن عدم السترة بكل حال فإنه يصلي عرياناً ولا إعادة عليه. (ولا يصح نفل آبق). ذكره ابن عقيل وغيره؛ لأن زمن فرضه مستثنى شرعاً. فلم يقضه. بخلاف زمن نفله. قال في " الفروع ": وقال شيخنا: وبطلان فرضه قوي. وقال ابن هبيرة في حديث جرير: " إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة " (١) . وفي لفظ: " إذا أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم " (٢) . رواهما مسلم، قال: أراه على معنى إذا استحل الإباق وبذلك يكفر، كذا قال. وظاهره صحة صلاته عنده، وقد روى ابن خزيمة في " صحيحه " عن جابر مرفوعاً: " ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم حسنة: العبد الآيق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأه الساخط عليها زوجها حتى يرضى، والسكران حتى يصحو" (٣) . انتهى.

стр. 512

(ومن لم يجد) ممن أراد الصلاة (إلا ما يستر عورته) التي ما بين سرته وركبته فقط سترها وترك غيرها، لأن سترها متفق على وجوبه وستر غيرها مختلف فيه. ولأن سترها واجب في غير الصلاة ففيها أولى. ويؤيد ذلك ما روى جابر عن النبي ﷺ قال: " إذا كان الثوب واسعا فخالفه بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حَقْوك " (١) . رواه أبو داود. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " من كان له ثوبان فليأتزر وليرتدِ، ومن لم يكن له ثوبان فليأتزر ثم ليصلِّ " (٢) . رواه أحمد. (أو) لم يجد إلا ما يستر (الفرجين) سترهما، لأنهما عورة بغير خلاف وأفحش في النظر. (او) لم يجد إلا ما يستر (أحدهما ستره. والدبر أولى) من القبل، لأنه أفحش وينفرج في الركوع والسجدة. (إلا إذا كفت) السترة (منكبه وعجزه فقط) يعنى دون دبره: (فيسترهما) أي: المنكب والعجز (ويصلي جالسا). قال في " الفروع ": نص عليه. وقيل: يتزر ويصلي قائماً وفاقاً كما لو لم يكف. انتهى كلام " الفروع ". ووجه ذلك: حصول السجود وستر العورة المغلظة هاهنا. (ويلزمه) أي: العريان القادر على تحصيل الستره (تحصيل سترة) وجدها تباع (بثمن مثلها) في مكانها. (فإن زاد) يعني: فإن لم يجدها إلا بثمن زائد على ثمن مثلها (فكماء وضوء) يعني: إن كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة لزمه بذلها، وإن كانت كثيرة فلا.

стр. 513

(و) إن لم يجدها تباع أو وجدها تباع ولم يكن معه ما يشتري به وبذلت له على وجه الإعارة: لزمه (قبولها عارية)، لأن المنة لا تكثر في العارية. فيكون قادراً على ستر عورته بما لا ضرر فيه. (لا) قبولها (هبة)، لأن المنة تكثر فيها. وإن وجدها تؤجر بأجر المثل أو بزيادة يسيرة لزمه استئجارها إن كان قادراً على الأجر. (فإن عدم) بأن عجز عن تحصيلها ببيع أو إجارة أو إعارة (صلى جالسا ندبا يومئ) بالركوع والسجود، (ولا يتربع) في جلوسه (بل ينضامّ) (١) . قال في " الفروع ": نقله الأثرم والميمونى. ونقل محمد بن حبيب: يتربع. وعنه: تلزمه قائماً ويسجد بالأرض وفاقاً لمالك والشافعي. قال في " الشرح ": ولنا ما روي عن ابن عمر " أن قوماً انكسرت بهم مراكبهم فخرجوا عراة، قال: يصلون جلوسا يومئون إيماءا برؤوسهم " (٢) . ولم ينقل خلافه. ولأن الستر آكد من القيام لأمرين: أحدهما: أنه لا يسقط مع القدرة بحال، والقيام يسقط في النافلة. والثانى: أن الستر لا يختص بالصلاة بخلاف القيام. فإذا لم يكن بد من ترك أحدهما فترك الأخف أولى. وعلم مما تقدم أنه لو صلى قائماً جاز، وإذا- صلى قائماً لزمه أن يركع ويسجد بالأرض، وهذا المذهب، ولا إعادة عليه إن صلى جالسا أو قائماً.

стр. 514

وقيل: يجب عليه أن يصلي جالسا. وقيل: يجب عليه أن يصلي قائماً. (وإن وجدها) أي: وجد السترة (مصل) أي: متلبس بالصلاة (قريبة) منه (عرفا) أي: في مكان يعد في العرف أنه قريب منه: (ستر) ما وجب عليه ستره (وبنى) على ما مضى من صلاته؛ كأهل قباء لما علموا بتحويل القبلة استداروا إليها وأتموا صلاتهم. (وإلا) بأن وجدها بعيدة لا يمكنه الستر إلا بعمل كثير أو زمن طويل: ستر، و (ابتدأ) الصلاة من أولها لبطلان الأولى بإتيانه فيها بما ينافيها من العمل الكثير من غير جنسها. (وكذا) الحكم في (من) أي: في أمة (عتقت فيها) أي: في الصلاة، (واحتاجت إليها) أي: إلى السترة. فإنها إن كان الخمار بقربها تخمرت وبنت على ما مضى من صلاتها، وإلا مضت فتخمرت وابتدأت الصلاة. وكذا حكم من أطارت الريح سترته وهو في الصلاة فإن ألقتها قريباً ستر وبنى، وإلا بأن احتاج في ردها إلى عمل كثير فإنه يمضي فليستتر ويبتدئ الصلاة من أولها. (ويصلي العراة جماعة وإمامهم وسطاً) أي: لا يتقدمهم (وجوباً فيهما) يعني: أنه يجب عليهم أن يصلوا جماعة، ويجب أن يكون إمامهم وسطهم: أما كونهم تجب عليهم الجماعة؛ فلأنهم قدروا عليها من غير عذر أشبهوا المستترين، ولا تسقط الجماعة بفوات السنة في الموقف، كما لو كانوا في ضيق لا يمكن تقدم إمامهم، وإذا شرعت الجماعة حال الخوف مع تعذر الاقتداء بالإمام في بعض الصلاة والحاجة إلى مفارقته وفعل ما يبطل الصلاة في غير تلك الحال فأولى أن يجب ها هنا. وأما كون الإمام يجب أن يكون وسطهم في الصف؛ فلأنه أستر من أن يتقدم عليهم. وقيل: يجوز أن يتقدم عليهم.

стр. 515

فعلى الأول الذي هو المذهب: لو تقدم بطلت. وعلى القول الثانى: لا تبطل. فلو كان العراة أكثر من نوع كرجال مع نساء صلى (كل نوع جانباً) لأنفسهم؛ لئلا يرى بعضهم عورة بعض إن اتسع محلهم. (فإن شق) ذلك لضيق المحل أو غير ذلك (صلى) النوع (الفاضل) وهو الرجال أولاً (واستدبر) هم (مفضول) وهو نوع النساء. (ثم عكس) يعني: ثم تصلي النساء ويستدبرهم الرجال؛ لأن النساء إن وقفن مع الرجال صفاً مع سعة المحل أخطأن سنة الموقف، وإن صلين خلفهم شاهدن عوراتهم، وربما افتتن بهم، وليست صلاتهن معهم من السنن المؤكدة. فأمرنا الفريقين بأن يصلي كل نوع في جانب مع سعة المكان ليأمن ذلك، وهذا هو علة الاستدبار مع ضيق المكان. (ومن أعاره سترته) لمن صلى فيها (وصلى) صاحبها (عرياناً لم تصح) صلاته؛ لأنه قادر على السترة. (وتسن) إعارتها لمن يصلي بها (إذا صلى) هو بها أولاً. (ويصلي بها) مستعيرها (واحد فآخر) أي: واحداً بعد الآخر حتى ينتهوا من اتساع الوقت. (ويقدم) بها (إمام مع ضيق الوقت) ويقف قدامهم؛ لاستتار عورته. ومحل هذا: إذا صلى فيها صاحبها أولاً. (والمرأة أولى) بأن تقدم بالسترة من الإمام؛ لأن عورتها أفحش، وسترها أبعد من الفتنة. ***

стр. 516

[فصل: في أحكام اللباس] (فصل) في مسائل من أحكام اللباس في الصلاة وفي غيرها. (كره في صلاة) فقط (سدل وهو: طرحُ ثوب على كتفيه) أي المصلي، (ولا يرد) المصلي (طرفه) أي: الثوب (على) الكتف (الآخر ى)، وعبارته في " شرح الهداية ": وهو أن يتخلل بالثوب ويرخي طرفيه لا يرد واحداً منهما على الكتف الأخرى (١) . سواء كان تحته ثوب أو لم يكن. انتهى. وقال في " الفروع " بعد أن فسر السدل بالصفة التي في المتن: ونقل صالح طرحه على أحدهما، ولم يرد أحد طرفيه على الآخر. وعنه: ولا يضم طرفيه بيديه. ونقل ابن هانئ: يرخي ثوبه على عاتقه ثم لا يمسه. وقيل: هو إسبال الثوب على الأرض. وقيل: وضع وسط الرداء على رأسه، وإرساله من ورائه على ظهره، وهي لبسة اليهود. وقيل: وضعه على عنقه ولم يرده على كتفيه. واختلف الحنفية في كراهة السدل في غير الصلاة، وظاهر قولنا لا يكره لظاهر الخبر، وإن ثبت أنه لبسة اليهود أو أنه إسبال الثوب على الأرض فالخلاف. ونقل محمد بن موسى: إنما يكره السدل، والنهي فيه صحيح عن علي. وخبر أبي هريرة نقل مهنا: ليس بصحيح، ولكن رواه أبو داود بإسناد جيد لم يضعفه أحمد. انتهى.

стр. 517

(و) كره أيضاً في صلاة (اشتمال الصماء. وهو: أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره)، والاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر. وعنه: يكره ذلك ولو كان عليه غيره. والأول المذهب،. ودليله ما روى أبو هريرة قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، وأن يشتمل الصماء بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه. يعني: منه شيء " (١) . أخرجوه. وروى أبو سعيد الخدري قال: " نهى النبي ﷺ عن لبستين، واللبستان اشتمال الصماء، والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب. واللبسة الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء " (٢) رواه البخاري. ومتى اشتمل الصماء فبدت عورته وهو في الصلاة أعاد إلا أن يكون يسيرا. وعلم مما تقدم أنه إذا كان تحته قميص أو إزار أنه لا يكره. قال في " شرح الهداية ": واحتج إمامنا رضي الله تعالى عنه بأن الاضطباع فوق الإزار سنة المحرم بعينها، وقد فعلها ﷺ وأصحابه وطافوا (٣) . ويقوي ذلك مفهوم قوله ﵇: " لا يصلين أحد كم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " (٤) . (و) كره أيضاً في صلاة (تغطية وجه، وتلثم على فم أو أنف)؛ لما روى

стр. 518

أبو هريرة " أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه " (١) . رواه أبو داود. ففى هذا تنبيه على كراهية تغطية الوجه؛ لاشتماله على تغطية الفم. ويكره تغطية الأنف قياساً على الفم. وفيه رواية أخرى: لا يكره، لأن تخصيص الفم بالنهي يدل على إباحة غيره. قال في " شرح الهداية ": أما تغطية الوجه فكره، ليكون متأهباً متمكناً من مباشرة المصلي به في سجوده. وقد ذكر أصحابنا حديثاً عن النبي ﷺ " أنه رأى رجلاً غطى لحيته في الصلاة فقال: اكشف لحجتك فإن اللحية من الوجه " (٢) . انتهى. ولأن في تغطية الفم تشبيه بفعل المجوس عند عبادتهم النيران، وربما منع ذلك تحقيق الحروف على الصفة الكاملة. (و) كره أيضاً في الصلاة أيضاً: (لفُّ كُم)، لقوله ﵊: " ولا أكف شعراً ولا ثوباً " (٣) متفق عليه. زاد في " الرعاية ": وتشميره. ومحل الكراهة في تغطية الوجه والتلثم على الفم والأنف ولفُّ الكم إذا كان ذلك (بلا سبب)، لما روي عن أحمد رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا بأس بتغطية الوجه لحر أو برد. ويقاس على ذلك لفُّ الكم.

стр. 519

(و) كره (مطلقاً) أي: في الصلاة وغيرها (تشبه بكفار)، لما روى ابن عمر موقوفا " من تشبه بقوم فهو منهم " (١) . رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح. واحتج في " الخلاف " بهذا الخبر على تحريم إناء مفضض، وقال في مكان آخر: يكره لبس ما يشبه زي الكفار دون العرب. قال في " الفروع ": قال شيخنا- يعني به الشيخ تقي الدين-: أقل أحواله - أي: أحوال هذا الحديث- أن يقتضي تحريم التشبه، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المشبه بهم. انتهى. (و) كره أيضاً في صلاة وفي غيرها (صليب) أي: صفته (في ثوب ونحوه)؛ كعمامة وخاتم. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. ويحتمل تحريمه، وهو ظاهر نقل صالح. قلت: وهو الصواب. انتهى. (و) كره أيضاً في صلاة وغيرها (شَدَّ وسط) بفتح السين (ب) شيء (مشبه شد زنار) على وزن تفاح، لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم فقال: " لا تشتملوا اشتمال اليهود " (٢) . رواه أبو داود. فأما شد وسط بما لا يشبه شد زنار فلا يكره للرجل. قال أحمد: لا بأس به. أليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يصلي أحدكم إلا وهو محتَزم " (٣) .

стр. 520

وقال أبو طالب: سألت أحمد عن الرجل يصلي وعليه القميص يأتزر بالمنديل؛ قال: نعم فعل ذلك ابن عمر. (و) كره شد وسط (أنثى مطلقاً) أي: سواء كان بمشبه شد زنار أو لا؛ لأن ذلك يبين به حجم عجيزتها، وتبين به عُكَنُها (١) وتقاطيع بدنها، والمطلوب ستر ذلك مطلقاً، ولذلك يكره لها لبس الرقيق الذي يحكي هيئة خلقتها. (و) كره أيضاً (مشي بنعل واحدة) يعني بلا حاجة. قال في " الفروع ": ونصه: ولو يسيراً لإصلاح الأخرى، خلافاً للقاضي و" الفصول " و" الغنية "، قال ﷺ : " لا يمشي أحدكم في نعل واحدة " (٢) . متفق عليه من حديث أبي هريرة. ولمسلم في رواية: " إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها " (٣) . ورواه أيضاً من حديث جابر وفيه: " ولا خف واحد " (٤) . و" مشى علي في نعل واحدة "، و"عائشة في خف واحد " (٥) . رواهما سعيد. وقال صاحب " النظم ": وأصله في كلام القاضى. ودليل الرخصة ما روي عن علي: " كان النبي ﷺ إذا انقطع شسع نعله مشى في نعل واحدة والأخرى في يده " (٦) وأحسب هذا لا يصح.

стр. 521

قال جماعة: واختلافهما. والمراد لأنه من الشهرة. ويسن كون النعل أصفر والخف أحمر، وذكر أبو المعالي عن أصحابنا: أو أسود. وأن يقابل بين نعليه، " وكان لنعله ﷺ قِبالان " (١) بكسر القاف وهو السير بين الوسطى والتي تليها. وهو حديث صحيح رواه الترمذي في " الشمائل "، وابن ماجه، وفي " المختارة " من حديث ابن عباس، ورواه البخاري وأبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذي، وصححه من حديث أنس. ولمسلم عن جابر مرفوعاً: " استكثروا من النعال فإن أحدكم لا يزال راكباً ما انتعل " (٢) . قال القاضي: يدل على ترغيب اللبس للنعال. ولأنها قد تقيه الحر والبرد والنجاسة. وعن فضالة بن عبيد: " أنه لما كان أميراً بمصر قال له بعض أصحابه: لا أرى عليك حذاء. قال: كان النبي ﷺ يأمرنا أن نحتفي أحياناً " (٣) . رواه أبو داود، ويروى هذا المعنى عن عمر.

стр. 522

واستحب شيخنا وغيره الصلاة في النعل. قال صاحب " النظم ": الأولى حافياً. وذكر القاضي الاستحباب وعدمه للخبرين. وفي كراهة الانتعال قائماً روايتان؛ لاختلاف قوله في صحة الأخبار، وصحح القاضي وغيره الكراهة وخالفهم غيرهم. انتهى. (و) كره أيضاً للرجل (لبسه مُعصفراً)؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين. فقال: إن هذه من ثياب الكفار. فلا تلبسها " (١) . . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن النبي ﷺ رأى عليه رَيْطَة مضَرّجة بالعصفر. فقال: ما هذه؛ قال: فعرفت ما كره. فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه ثم أتيته فأخبرته. فقال: ألا كسوتها بعض أهلك لِلَّهِ فإنه لا بأس بذلك للنساء " (٢) . رواه أبو داود وابن ماجه. وعلى الكراهة إذا كان (في غير إحرام). قال في " التنقيح ": إلا في الإحرام فلا يكره نصاً. قال في " المبدع ": ويستثنى منه إلا في الإحرام فإنه لا يكره. نص عليه. (و) كره أيضاً لرجل لبسه (مزعفراً وأحمر مصمتاً): أما كراهة لبس المزعفر؛ فلما روي " أن النبي ﷺ نهى الرجال عن التزعفر " (٣) متفق عليه.

стр. 523

وأما الأحمر المصمت؛ فقال في " الإنصاف ": يكره للرجل لبس الأحمر المصمت على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه الجمهور، وهو من المفردات. وقيل: لا يكره. انتهى. ووجه المذهب: ما روي عن عبد الله بن عمر قال: " مر على النبي ﷺ رجل عليه بردان أحمران فسلم. فلم يرد النبي ﷺ عليه " (١) . واختار الموفق والشارح وصاحب " الفائق " وجزم به في " النهاية "، ونظمها: عدم الكراهة. قال في " الفروع ": وهو أظهر. قال في " الرعاية الكبرى ": وكذا الخلاف فى البطانة. (و) كره للرجل أيضاً لبس (طيلسان. وهو: المقور). قال في " الإنصاف ": ويكره الطيلسان في أحد الوجهين. قال في " التلخيص " وابن تميم: وكره الطيلسان واقتصر عليه، زاد في " التلخيص ": وهو المقور. والوجه الثانى: لا يكره بل يباح، وقدمه في " الرعاية " و" الآداب "، وأطلقهما في " الفروع ". وقال في " الآداب ": وقيل: يكره المقور والمدور. وقيل: وغيرهما غير المر بع. انتهى. وإنما كره المقور دون سائرها؛ لأنه يشبه لبسة رهبان الملكيين من النصارى. (و) يكره أيضاً لبسه (جلداً مختلفا في نجاسته وافتراشه). قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يكره. وعنه: يحرم، وفي " الرعاية " وغيرها: إن ظهر بدبغه لبسه بعده، وإلا لم يجز. انتهى.

стр. 524

و (لا) يكره (إلباسه) أي: أن يلبس الإنسان (دابته) جلداً مختلفا في نجاسته على المذهب. وقيل: يجوز إلباس الدواب الجلود النجسة بلا خلاف كثياب نجسة. قال في " الفروع " عن " الانتصار ": جلد كلب لإباحته في الحياة في الجملة لا جلد خنزير. وذكر أبو المعالي عن أبي الوفا أنه خرّج إلباسها جلد الميتة قبل دبغه وبعده إذا لم يطهر على استعماله في اليابسة. ويحرم إلباسها ذهبا وفضة. قال شيخنا: وحرير. انتهى. (و) يكره (كون ثيابه) أي: ثياب الرجل (فوق نصف ساقه) نص عليه، (أو تحت كعبه بلا حاجة). قال في " الإنصاف ": على الصحيح من الروايتين. وعنه: ما تحتهما في النار. وذكر (١) " الناظم ": من لم يخف خيلاء لم يكره، والأولى تركه. (و) يباح (للمرأة زيادة) ثوبها (إلى ذراع)؛ لما روي: " أن أم سلمة قالت: يا رسول الله لِلَّهِ كيف تصنع النساء بذيولهن؛ قال: يرخين شبراً. قالت: إذاً تنكشف أقدامهن. قال: فيرخين ذراعاً لا يزدن عليه " (٢) . رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن. وحديث ابن عمر المتقدم في أول الباب (٣) . (وحرم) على الرجل (أن يُسبلها) أي: ثيابه (بلا حاجة خيلاء) سواء كانت ثيابه قميصاً أو إزاراً أو سراويل أوعمامة، سواء كانت للصلاة أو في غيرها، ولقول النبي ﷺ : " من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه " (٤) متفق عليه.

стр. 525

وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله ذكره في حل ولا حرام " (١) . رواه أبو داود. والحرمة في الصلاة أشد؛ لما روى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: " إن الله لا يقيل صلاة رجل مُسبل " (٢) . رواه أبو داود. ومحل ذلك: (في غير حرب)؛ لما روي: " أن النبي ﷺ حين رأى بعض أصحابه يمشي بين الصفين يختال في مشيته. قال: إنها لمشية يبغضها الله إلا فى هذا الموطن " (٣) ؛ وذلك لأن [الخيلاء غير مذموم في الحرب. وعلم مما تقدم أن التحريم إنما هو في حق من قصد به الخيلاء. فأما من فعل] (٤) ذلك على غير وجه الخيلاء لعلة أو حاجة فنص: أنه لا بأس به، وهو اختيار القاضي وغيره. قال أحمد في رواية حنبل: جر الإزار وإسبال الرداء في الصلاة إذا لم يرد الخيلاء فلا بأس. وحرم على رجل وخنثى (حتى على أنثى لبس ما فيه صورة حيوان وتعليقه وستر جدر به وتصويره). قال في " الفروع ": ويحرم على الكل لبس ما فيه صورة حيوان. قال أحمد: لا ينبغي كتعليقه وفاقاً، وستر الجدر به وفاقاً، وتصويره وفاقاً.

стр. 526

وقيل: لا يحرم، كما انه (لا) يحرم (افتراشه، وجعله مخداً)، بل ولا يكره فيهما. قال في " الفروع ": " لأنه ﷺ اتكأ على مخدة فيها صورة " (١) . رواه أحمد، وهو في " الصحيحين " بدون هذه الرواية. وفي البخاري عن عائشة: " أنها اشترت نُمْرُقَةً فيها تصاوير فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل. قالت: فعرفت في وجهه الكراهة. قلت: يا رسول الله لِلَّهِ أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت؛ قال: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لتقعد عليها وتتوسدها. فقال: إن اصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم " (٢) . وقال: " إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة " (٣) . ويوافقه ظاهر ما رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح عن جابر: " نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك " (٤) . وإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة لم يكره في المنصوص، ومثله صورة شجر (٥) ونحوه وتمثال، وكذا تصويره. وأطلق بعضهم: تحريم (٦) التصوير خلافاً للأئمة الثلاثة، وفي " الوجيز ":

стр. 527

يحرم التصوير واستعماله، وكره الآجري وغيره الصلاة على ما فيه صورة، وفي " الفصول ": يكره في الصلاة صورة ولو على ما يداس؛ لقوله ﷺ : " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة " (١) . وكلام الأصحاب هنا وفي الوليمة ظاهر، وبعضه صريح: أن الملائكة لاتمتنع من دخوله تخصيصا للنهي. وذكره في "التمهيد في تخصيص الأخبار "، وفي تتمة الخبر من حديث علي: " ولا كلب ولا جنب " (٢) . إسناده حسن. وظاهر كلامهم أو صريح (٣) بعضهم: المواد كلب منهي عن اقتنائه؛ لأنه لم يرتكب نهياً كرواية النسائي عن سليمان بن ثابت عن أم سلمة مرفوعاً: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جرس ولا تصحب الملائكة رِفقة فيها جرس " (٤) ، سليمان تفرد به ابن جريج ووثقه ابن حبان. ويتوجه احتمال: وكذا الجنب. وذكر شيخنا: لا تدخل الملائكة عليه إلا ان يتوضأ. وفي " الإرشاد ": الصور والتماثيل مكروهة عنده في الأسرة والجدران وغير ذلك إلا أنها في الرقم أيسر. وفي " مختصر ابن رزين ": تكره صورة بستر وحائط لا صورة شجر. انتهى. (و) يحرم (على غير أنثى) من رجل وخنثى (حتى كافر لبس ما كله) حرير (أو غالبه حرير ولو بطانة)؛ لما روي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ . " لاتلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه فى الآخرة " (٥) متفق عليه.

стр. 528

قال في " الفروع ": حتى تكة وشرابة. نص عليه، والمراد: شرابة مفردة كشرابة البريد لا تبعاً. انتهى. وجوزبعضهم لبسه للكفاروبيع ثياب الحرير منه، " لأن عمربعث بما أعطاه النبي ﷺ إلى أخ له مشرك " (١) . رواه أحمد والبخاري ومسلم. قال في " الفروع ": وظاهر كلام أحمد والأصحاب التحريم، كما هو ظاهر الأخبار. وجزم به في " شرح مسلم " وغيره، وقال عن خلافه: قد يتوهمه متوهم وهو وهم باطل، وليس في الخبر أنه أذن له في لبسها، وقد بعث النبي ﷺ إلى عمر وعلي وأسامة (٢) رضي الله تعالى عنهم ولم يلزم منه إباحة لبسه كذا قال. ثم أخذه من مخاطبة الكفار بفروع الإسلام، وإنما فائدة المسألة زيادة العقاب في الآخرة. وقال شيخنا: وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة للكفار، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعها لبيعها منهم، وعملها لهم بالأجرة. كذا قال. وقال ابن هبيرة في قول حذيفة لما استسقى فسقاه مجوسي في إناء من فضة فرمى به وقال: إنى قد أمرته أن لا يسقيني فيه: يدل على جواز اقتناء آنية الفضه مع تحريم استعمالها، وإن كانت للمجوس فيدل على جواز إقرار آنية الفضة في أيدي المجوس، ولم يتكلم على هذا في " شرح مسلم "، وذكر عموم التحريم. انتهى.

стр. 529

(و) حرم أيضاً (افتراشه) أي افتراش الحرير، لأن الافتراش في معنى اللبس. ولما روى حذيفة قال: " نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وأن نلبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه " (١) . رواه البخاري. (لا) إذا كان (تحت) حائل (صفيق) فإنه يجوز أن يجلس على الحائل (ويصلي عليه)؛ لأنه حينئذ إنما يكون مفترشا للحائل مجانباً للحرير. (و) يحرم أيضاً على من حرمنا عليه لبس الحرير (استناداً إليه وتعليقه). قال في " الإنصاف ": ويحرم افتراشه والاستناد إليه، ويحرم ستر الجدر به على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، ونقل المروذي: يكره. قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلام من ذكر تحريم لبسه فقط، ومثله تعليقه. وذكر الأزجي وغيره: لا (٢) يجوز الاستجمار بما لا ينقي كالحرير الناعم. وحرم الأكثر استعماله مطلقاً. فدل على أن في بشخانته والخيمة والبقجة وكمرانه ونحوه الخلاف. انتهى. (و) يحرم أيضاً (كتابه مهر فيه). قال في " الفروع ": وفي تحريم كتابة المهر فيه وجهان. قال في " التنقيح ": ويحرم كتابة مهرها فيه. وقيل: يكره، وعليه العمل. انتهى. وقال في " تصحيح الفروع " بعد أن ذكر: أن الصحيح أنه يكره. قال: والوجه الثانى يحرم في الأقيس. قاله في " الرعاية الكبرى "، واختاره ابن عقيل والشيخ تقي الدين.

стр. 530

قلت: لو قيل بالإباحة لكان له وجه. والله أعلم. انتهى. ونحن جزمنا بالتحريم هنا؛ لتقديمه له في " التنقيح ". (و) يحرم أيضاً (ستر جدر به) أي: بالحرير، وقد تقدم ما ذكرنا في حكم ذلك والثقل فيه عن " الإنصاف ". والمراد (غير الكعبة المشرفة) زادها الله تعظيماً. قال في " التنقيح ": وكلام أبي المعالي يدل على أنه محل وفاق. ومحل الحرمة في استعمال الحرير: إذا كان استعماله (بلا ضروره)؛ كبرد أو مرض أو حكة أو من أجل القمل؛ لأن أنس روى " أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا القمل إلى رسول الله ﷺ فرخص لهما فى قميص الحرير. ورأيته (١) عليهما" (٢) . متفق عليه. قال في " الشرح ": وما ثبت في حق صحأبي ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل. فثبت بالحديث في القمل، وقسنا عليه غيره مما يحتاج فيه إلى لبس الحرير. انتهى. (و) حرم أيضاً على غير أنثى ثوب (منسوج) بذهب أو فضة، (و) خوذة أو مغفر أو جوشن أو نحو ذلك (مموه بذهب أو فضة). قال في " الرعاية ": وما نسج بذهب أو فضة أو مُوّه أو طلي أو كفت أو طعم بأحدهما حرم مطلقاً. وقيل: بل يكره إلا في مغفر وجوشن وخوذة أو في سلاحه لضرورة. انتهى.
следующие страницы →