← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقيل: لا يحرم، كما انه (لا) يحرم (افتراشه، وجعله مخداً)، بل ولا يكره فيهما. قال في " الفروع ": " لأنه ﷺ اتكأ على مخدة فيها صورة " (١) . رواه أحمد، وهو في " الصحيحين " بدون هذه الرواية. وفي البخاري عن عائشة: " أنها اشترت نُمْرُقَةً فيها تصاوير فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل. قالت: فعرفت في وجهه الكراهة. قلت: يا رسول الله لِلَّهِ أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت؛ قال: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لتقعد عليها وتتوسدها. فقال: إن اصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم " (٢) . وقال: " إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة " (٣) . ويوافقه ظاهر ما رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح عن جابر: " نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك " (٤) . وإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة لم يكره في المنصوص، ومثله صورة شجر (٥) ونحوه وتمثال، وكذا تصويره. وأطلق بعضهم: تحريم (٦) التصوير خلافاً للأئمة الثلاثة، وفي " الوجيز ":

стр. 527

يحرم التصوير واستعماله، وكره الآجري وغيره الصلاة على ما فيه صورة، وفي " الفصول ": يكره في الصلاة صورة ولو على ما يداس؛ لقوله ﷺ : " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة " (١) . وكلام الأصحاب هنا وفي الوليمة ظاهر، وبعضه صريح: أن الملائكة لاتمتنع من دخوله تخصيصا للنهي. وذكره في "التمهيد في تخصيص الأخبار "، وفي تتمة الخبر من حديث علي: " ولا كلب ولا جنب " (٢) . إسناده حسن. وظاهر كلامهم أو صريح (٣) بعضهم: المواد كلب منهي عن اقتنائه؛ لأنه لم يرتكب نهياً كرواية النسائي عن سليمان بن ثابت عن أم سلمة مرفوعاً: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جرس ولا تصحب الملائكة رِفقة فيها جرس " (٤) ، سليمان تفرد به ابن جريج ووثقه ابن حبان. ويتوجه احتمال: وكذا الجنب. وذكر شيخنا: لا تدخل الملائكة عليه إلا ان يتوضأ. وفي " الإرشاد ": الصور والتماثيل مكروهة عنده في الأسرة والجدران وغير ذلك إلا أنها في الرقم أيسر. وفي " مختصر ابن رزين ": تكره صورة بستر وحائط لا صورة شجر. انتهى. (و) يحرم (على غير أنثى) من رجل وخنثى (حتى كافر لبس ما كله) حرير (أو غالبه حرير ولو بطانة)؛ لما روي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ . " لاتلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه فى الآخرة " (٥) متفق عليه.

стр. 528

قال في " الفروع ": حتى تكة وشرابة. نص عليه، والمراد: شرابة مفردة كشرابة البريد لا تبعاً. انتهى. وجوزبعضهم لبسه للكفاروبيع ثياب الحرير منه، " لأن عمربعث بما أعطاه النبي ﷺ إلى أخ له مشرك " (١) . رواه أحمد والبخاري ومسلم. قال في " الفروع ": وظاهر كلام أحمد والأصحاب التحريم، كما هو ظاهر الأخبار. وجزم به في " شرح مسلم " وغيره، وقال عن خلافه: قد يتوهمه متوهم وهو وهم باطل، وليس في الخبر أنه أذن له في لبسها، وقد بعث النبي ﷺ إلى عمر وعلي وأسامة (٢) رضي الله تعالى عنهم ولم يلزم منه إباحة لبسه كذا قال. ثم أخذه من مخاطبة الكفار بفروع الإسلام، وإنما فائدة المسألة زيادة العقاب في الآخرة. وقال شيخنا: وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة للكفار، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعها لبيعها منهم، وعملها لهم بالأجرة. كذا قال. وقال ابن هبيرة في قول حذيفة لما استسقى فسقاه مجوسي في إناء من فضة فرمى به وقال: إنى قد أمرته أن لا يسقيني فيه: يدل على جواز اقتناء آنية الفضه مع تحريم استعمالها، وإن كانت للمجوس فيدل على جواز إقرار آنية الفضة في أيدي المجوس، ولم يتكلم على هذا في " شرح مسلم "، وذكر عموم التحريم. انتهى.

стр. 529

(و) حرم أيضاً (افتراشه) أي افتراش الحرير، لأن الافتراش في معنى اللبس. ولما روى حذيفة قال: " نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وأن نلبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه " (١) . رواه البخاري. (لا) إذا كان (تحت) حائل (صفيق) فإنه يجوز أن يجلس على الحائل (ويصلي عليه)؛ لأنه حينئذ إنما يكون مفترشا للحائل مجانباً للحرير. (و) يحرم أيضاً على من حرمنا عليه لبس الحرير (استناداً إليه وتعليقه). قال في " الإنصاف ": ويحرم افتراشه والاستناد إليه، ويحرم ستر الجدر به على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، ونقل المروذي: يكره. قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلام من ذكر تحريم لبسه فقط، ومثله تعليقه. وذكر الأزجي وغيره: لا (٢) يجوز الاستجمار بما لا ينقي كالحرير الناعم. وحرم الأكثر استعماله مطلقاً. فدل على أن في بشخانته والخيمة والبقجة وكمرانه ونحوه الخلاف. انتهى. (و) يحرم أيضاً (كتابه مهر فيه). قال في " الفروع ": وفي تحريم كتابة المهر فيه وجهان. قال في " التنقيح ": ويحرم كتابة مهرها فيه. وقيل: يكره، وعليه العمل. انتهى. وقال في " تصحيح الفروع " بعد أن ذكر: أن الصحيح أنه يكره. قال: والوجه الثانى يحرم في الأقيس. قاله في " الرعاية الكبرى "، واختاره ابن عقيل والشيخ تقي الدين.

стр. 530

قلت: لو قيل بالإباحة لكان له وجه. والله أعلم. انتهى. ونحن جزمنا بالتحريم هنا؛ لتقديمه له في " التنقيح ". (و) يحرم أيضاً (ستر جدر به) أي: بالحرير، وقد تقدم ما ذكرنا في حكم ذلك والثقل فيه عن " الإنصاف ". والمراد (غير الكعبة المشرفة) زادها الله تعظيماً. قال في " التنقيح ": وكلام أبي المعالي يدل على أنه محل وفاق. ومحل الحرمة في استعمال الحرير: إذا كان استعماله (بلا ضروره)؛ كبرد أو مرض أو حكة أو من أجل القمل؛ لأن أنس روى " أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا القمل إلى رسول الله ﷺ فرخص لهما فى قميص الحرير. ورأيته (١) عليهما" (٢) . متفق عليه. قال في " الشرح ": وما ثبت في حق صحأبي ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل. فثبت بالحديث في القمل، وقسنا عليه غيره مما يحتاج فيه إلى لبس الحرير. انتهى. (و) حرم أيضاً على غير أنثى ثوب (منسوج) بذهب أو فضة، (و) خوذة أو مغفر أو جوشن أو نحو ذلك (مموه بذهب أو فضة). قال في " الرعاية ": وما نسج بذهب أو فضة أو مُوّه أو طلي أو كفت أو طعم بأحدهما حرم مطلقاً. وقيل: بل يكره إلا في مغفر وجوشن وخوذة أو في سلاحه لضرورة. انتهى.

стр. 531

وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن ما في المتن هو الصحيح من المذهب: وقيل: حكم المنسوج بالذهب حكم الحرير المنسوج معه غيره فيحرم جمع ما تقدم. (لا مستحيل لونه) من ذهب أو فضة (ولم يحصل منه شيء) بعرضه على النار؛ لزوال علة التحريم من السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء. وقيل: إذا استحال لونه كفى في الإباحة. (و) لا يحرم (حرير ساوى ما نسج معه) من قطن أو كتان أو صوف أو غير ذلك (ظهوراً) أي: يساوي الحرير غيره في الظهور؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: " إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير. فأما العلم (١) وسُدَى الثوب فليس به بأس " (٢) . رواه أبو داود والأثرم. ولأن الحرير إذا ساوى غيره في الظهور لم (٣) يكن أغلب، وإذا انتفى دليل الحرمة بقي أصل (٤) الإباحة. (و) من الحرير المنسوج مع غيره (خزاً) أي: ثوب يسمى الخز، (وهو: ما سُدِّي بإبريسم وأُلحم بوبر أو صوف ونحوه). قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب إباحة الخز. نص عليه. وفرق الإمام أحمد بأنه لبس الصحابة وبأنه لا سرف فيه ولا خيلاء. وجزم به في " الكافي " و" المغني " و" الشرح " و" الرعاية الكبرى ". انتهى. قال في " الرعاية الكبرى ": وما عمل من سقط الحرير ومشاقته وما يلقيه الصانع من فمه من تقطيع الطاقات إذا دق وغزل ونسج فهو كحرير خالص في ذلك وإن سمي الآن خزاً. انتهى.

стр. 532

وفي الحرير المنسوج مع غيره مطلقاً وجه أنه حرام. (أو خالص) معطوف على لا مستحيل لونه. يعني أن الخالص من الحرير يباح (لمرض أو حكة أو حرب ولو بلا حاجة) إليه. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن لبس الحرير في الحرب قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وهو قول عروة وعطاء. و"كان لعروة يلمق (١) من ديباح بطانته من سندس محشو قزاً يلبسه في الحرب ". ولأن المنع من لبسه لما فيه من الخيلاء. وذلك غير مذموم في الحرب. ولا فرق في لبس الحرير لحكة بين أن يؤثر لبسه في زوالها أو لا. وقيل: لا يباح لبسه للحكة إلا إذا أثر في زوالها. وعنه: لا يباح لبس الحرير لمرض ولا لحكة ولا في الحرب. وقيل: يباح عند القتال فقط من غير حاجة. وقيل: في دار الحرب فقط. وقيل: يكره لبسه في الحرب. (ولا الكل) أي: ولا يحرم شيء من ذلك كله إذا لبسه (لحاجة) إليه. وهي ما إذا عدم غيره. قال ابن تميم: من احتاج إلى لبس الحرير لحر أو برد أو تحصن من عدو ونحوه أبيح، وقال غيره: يجوز مثل ذلك من الذهب كدرع مموه به لا يستغني عن لبسه وهو محتاج إليه. (وحرم تشبه رجل بأنثى، وعكسه)، وهو تشبه أنثى برجل (في لباس وغيره). قطع به الشيخ موفق الدين وصاحب " التنقيح " فيه. قال في " الآداب الكبرى ": وهو أولى، وهو قول أكثر الشافعية. انتهى.

стр. 533

وعنه: يكره. وقدمه في " الرعاية الكبرى " وغيرها. ويدل للأول ما روي " أنه ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال " (١) . رواه البخاري. و"لعن- أيضاً- الرجل يلبس لبس المرأة، والمرأة تلبس لبس الرجل (٢) " (٣) . قال في " الآداب الكبرى ": إسناده صحيح. رواه أحمد وأبو داود. (و) حرم أيضاً على ولي (إلباس صبي ما حرم على رجل) من لباس. قال في " الإنصاف ": نقله الجماعة عن الإمام أحمد. (ف) يتفرع على ذلك أن الصبي إذا لبس ثوبا لا يحل إلباسه إياه (لا تصح صلاته فيه). وعنه: يباح أن يلبسوا ما يحرم على الرجل، لأنهم غير مكلفين. فلم يتعلق التحريم بلبسهم، كالبهائم. ولأنهم محل للزينة. أشبهوا النساء. والأول أصح، لعموم قوله ﷺ : " حرام على ذكور أمتي " (٤) . ولما روي عن جابر قال: " كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري " (٥) . رواه أبو داود. ولأن التحريم إنما يتعلق بالمكلفين بتمكينهم من الحرام. وكون الصبيان محل للزينة مع تحريم الاستمتاع بهن (٦) أبلغ في التحريم.

стр. 534

(ويباح من حرير كيس مصحف). قال في " الآداب ": وذكر غير وأحد من أصحابنا أن الإمام أحمد ﵀ نص على إباحة جعل المصحف في كيس حرير واتخاذه له. (و) يباح أيضاً من الحرير (أزرار وخياطة به)؛ لأن ذلك يسير. (و) يباح أيضاً (حشو جَباب وفرش) بالحرير؛ لأن ذلك ليس بلبس له ولا افتراش؛ لما في اللبس والافتراش من الفخر والعجب والخيلاء. (و) يباح أيضاً من الحرير (علم ثوب وهو طرازه)؛ لما روى ابن عباس أنه قال: " إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت، أما العلم وسدى الثوب فليس به باًس " (١) . رواه أبو داود. (و) يباح أيضاً من الحرير (لبنةُ جيب وهي الزيق. والجيب ما يفتح على نحر أو طوق. و) يباح أيضاً من الحرير (رقاع وسجف فراء لا فوق أربع أصابع مضمومة) " لما روى عمر بن الخطاب قال: " نهى النبي ﷺ عن الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع " (٢) . رواه مسلم. قال ابن نصر الله في " حواشي المحرر ": وتخصيص الفراء بالسجاف ليس لاختصا ص الحكم فيما أظن، بل لأنها التي جرت العادة بتسجيفها فلو سجف غيرها به فالظاهر جوازه. والظاهر أن المراد بالرقاع ما يرقع به الثوب إذا انخرق. ومن لبس ثياباً في كل ثوب قدر من الحرير يعفى عنه ولو جمع صار ثوبا فذكر في " المستوعب " وابن تميم أنه لا بأس به، وذكر في " الرعاية " أنه لا يحرم، بل يكره. * **

стр. 535

[فصل: في آداب اللباس] فصل: في ذكر أشياء من آداب اللباس. من ذلك: أنه يكره لبس الثوب الرقيق الذي يصف البشرة للرجل (١) والأنثى (٢) حتى في بيتها. نص عليه. وقيل: لا يكره ذلك للمرأه إذا كان لا يراها إلا زوجها ومالكها. وقيل: يحرم عليها مع غير محرم. وقيل: مع غير زوج وسيد. ويكره أيضاً: لبس ما يظن نجاسته لتربية ورضاع وحيض وصغر وكثرة ملامسة نجاسة وقلة التحرز منها في صنعة وغيرها. ويسن أن يتزر الرجل فوق سرته. وعنه: تحتها. وشد سراويله فوقها، ويباح التبان. وتسن السراويل، وسعة كم قميص المرأة يسيراً وقصره. قال ابن حمدان: دون رؤوس أصابعها. وطول كم قميص الرجل عن أصابعه قليلاً دون سعته كثيراً فلا تتأذى اليد بحر ولا برد، ولا يمنعها خفة الحركة والبطش. وقال في " التلخيص ": توسيع الكم من غير إفراط حسن في حق الرجال دون النساء. وتباح الثياب من الصرف والوبر والشعر من كل حيوان طاهر. ويكره أن يلبس خلاف زي بلده بلا عذر.

стр. 536

وثوب الشهرة ما يشتهر به عند الناس ويشار إليه بالأصابع لئلا يكون ذلك سببا إلى حمله على غيبته فيشاركهم في إثم الغيبة. ويروى عن أبي هريرة مرفوعاً: " أن رسول الله ﷺ نهى عن الشهرتين. فقيل: يا رسول الله لِلَّهِ وما الشهرتان؛ قال: رقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها ولكن سداداً بين ذلك واقتصاداً " (١) . وعن ابن عمر مرفوعاً: " من لبس ثوب شهرة ألبسه الله توب مذلة يوم القيامة " (٢) . حديث حسن رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وكان الحسن يقول: إن قوماً جعلوا خشوعهم في لباسهم، وشهروا أنفسهم بلباس الصوف حتى أن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبراً من صاحب المُطْرف بمُطْرفه (٣) . قال في " الرعاية ": يسن التواضع في اللباس ولبس البياض، والنظافة في بدنه وثوبه] ومجلسه، والتطيب في ثوبه وبدنه والتحنك والذؤابة وإرسالها خلفه. ويكره للرجل والمرأة] (٤) لباس النعال الصرارة. نص عليه. وقال: لا بأس أن تلبس للوضوء. ويباح المشي في قبقاب خشب. قال أحمد: إن كان حاجة. ويباح لبس السواد مطلقاً، وليس القباء ولو للنساء، وفتل طرف الرداء.

стр. 537

[باب: أحكام النجاسة] هذا (باب) يذكر فيه حد النجاسة، وحكم اجتنابها، والأماكن التي لا تصح فيها مطلقاً، والتي يصح فيها النفل دون الفرض وغير ذلك. (اجتناب النجاسة. وهي) أي: النجاسة (عين أو صفة منع الشرع منها بلا ضرورة، لا لأذى فيها طبعا، ولا لحق الله تعالى أو غيره شرعا). وقوله: (حيث لم يعف عنها) متعلق باجتناب، وقوله: (بدنَ مصلٍّ) منصوب مفعول اجتناب، (وثوبه وبقعتهما) معطوف على المنصوب (وعدم حملها). يعني: أن اجتناب النجاسة لما ذكر، وعدم حملها: (شرط) خبر اجتناب (للصلاة) متعلق بشرط. فقوله: عين شمل جمع أعيان النجاسة التى لها جرم كالروث والميتة النجستين والكلب والخنزير ونحو ذلك. وقوله: أو صفة شمل كل ما يتنجس بمائع وجف كالثوب إذا تنجس بماء نجس. فإذا جف لم يبق فيه إلا وصفه بالنجاسة. وقوله: منع الشرع منها بلا ضرورة إلى تناولها كالميتة والدم ولحم الخنزير؛ فإن كلا من ذلك يباح تناوله عند الضرورة، وهي اضطراره إلى تناوله، وكالماء النجس فإنه يباح شربه عند عدم غيره. زاد بعضهم على الإطلاق؛ ليحترز بذلك عن النباتات السمية فإنه ممنوع من الكثير منها دون القليل، وزاد بعضهم مع إمكان التناول؛ ليحترز بذلك عن الأشياء الصلبة كالحديد والزجاج. ويجاب عن ذلك بأن منع الشرع من تناول ما لا يمكن تناوله تحصيل للحاصل. وقوله في " المتن ": " لا لأذى فيها طبعا " مخرج لجمع السموم وغيرها مما يضر في عقل أوبدن.

стр. 538

وقوله: " ولا لحق الله تعالى " احترازاً من صيد الحرم، ومن صيد البر على المحرم. وقوله: " أو غيره " يعني ولا لحق غير الله شرعاً احترازاً من تناول مال الغير بغير إذنه؛ لأن الشرع منع من ذلك لحق مالكه. وزاد بعضهم: لا لحرمتها؛ ليحترز بذلك عن ميتة الآدمي أو استقذارها؛ ليحترز بذلك عن المني والمخاط. والأصل في مشروعية اجتناب النجاسة بدن المصلي قوله ﷺ : " تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه " (١) ، وقوله ﷺ حين مر بالقبرين فقال: " أنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستنثر من البول " بالمثلثة قبل الراء. وفي رواية " لا يستتر " (٢) من الستر. وفي مشروعيته في ثوبه قوله : (وثيابك فطهر) [المدثر: ٤]. قال ابن سيرين: هو الغسل بالماء. وقوله ﷺ فيما رواه أبو داود عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: " سُئل رسول الله ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب. قال: اقرصيه وصلي فيه " (٣) . وفي لفظ قالت: " سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ : كيف تصنع أحدانا بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه؛ قال: تنظر فيه فإن رأت فيه دما فلتقرصه بشيء

стр. 539

من ماء، ولتنضح ما لم تر، وتصلي فيه " (١) . وأما وجوب اجتناب النجاسة بقعة البدن والثوب وهي الموضع الذي يقع عليه أعضاء المصلي وثيابه فبالقياس على وجوب اجتناب النجاسة في الثوب والبدن. وأما الدليل على كون ما تقدم شرط للصلاة؛ فلأنه قد ثبت الأمر باجتنابها ولا يجب ذلك في غير الصلاة. فتعين أن يكون شرطاً فيها؛ كطهارة الحدث. والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي في العبادات يقتضي الفساد. وعنه: أن اجتناب النجاسة واجب في الصلاة لا شرط. ومحل ذلك حيث كانت لا يعفى عنها. إذا علمت ذلك (فتصح) الصلاة (من حامل مستجمراً)؛ لأن أثر الاستجمار معفو عنه في محله، (أو) من حامل (حيواناً طاهراً) كالهر؛ لأن ما به من نجاسة في معدنها كالنجاسة التي في جوف المصلي. (و) تصح أيضاً (ممن) أي من مصل (مس ثوبه ثوباً) نجساً (أو حائطاً نجساً لم يستند إليه)؛ لأن ذلك ليس بمحل لبدنه ولا ثوبه وفيه وجه، (أو قابلها) يعني: أن الصلاة تصح ممن قابل النجاسة (راكعاً أو ساجداً ولم يلاقها)؛ لأن ذلك ليس بموضع لصلاته ولا محمولاً فيها. أشبه ما لو لم يلاقها، وكذا لو كانت بين رجليه ولم يصبها. (أو صلى) أي: وكذا لو صلى (على) محل (طاهر من) بساط أو نحوه (متنجس طرفه ولو تحرك بحركته من غير متعلق ينجرّ به)، أو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة وما يصلي عليه منه طاهر؛ لأنه ليس بحامل للنجاسة ولابمصلّ عليها وإنما اتصل مصلاه بها. أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة. وقيل: إذا كان النجس يتحرك بحركته لم تصح.

стр. 540

وعلم مما تقدم أنه لو كان النجس متعلقا بالمصلي بحيث ينجرُّ معه إذا مشى، كما لو كان في يده أو في وسطه حبل مشدود في نجاسة، أو حيوان نجس، أو سفينة صغيرة فيها نجاسة ويمكن أن تنجر معه إذا مشى لم تصح صلاته " لأنه مستتبع للنجاسة. أشبه ما لو كان حاملها. وإن كانت السفينة كبيرة أو الحيوان كبيراً لا يقدر على جره إذا استعصى عليه صحت؛ لأنه ليس بمستتبع لها. ولا فرق في ذلك بين كون الشد في السفينة الكبيرة أو الحيوان الكبير في موضع طاهر أو نجس. وقال القاضي: إن كان الجر في السفينة أو الحيوان الكبيرين في موضع نجس فسدت صلاته " لأنه حامل لما هو ملاق للنجاسة. ورد: بأنه لا يقدر على استتباع ذلك. أشبه ما لو أمسك غصنا من شجرة على بعضها نجاسة لم تلاق يده. (أو سقطت) يعني: أنه تصح صلاة المصلي إذا سقطت (عليه) نجاسة (فزالت) سريعاً (أو أزالها سريعا)؛ لما روى أبو سعيد قال: " بينا رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا. قال: إن جبريل أتانى فأخبرني أن فيهما قذراً " (١) . رواه أبو داود. ولأن من النجاسة ما يعفى عن يسيرها. فعفي عن يسير زمنها، ككشف العورة. (لا إن عجز عن إزالتها عنه) سريعاً فإن صلاته لا تصح، لإفضاء ذلك إلى أحد أمرين: إما استصحاب النجاسة في الصلاة زمناً طويلاً، وإما أن يعمل فيها عملاً كثيراً وكل من ذلك مبطل للصلاة.

стр. 541

(أو نسيها) يعني: أن المصلي لو علم أن النجاسة كانت معه في الصلاة لكنه نسيها، (أو جهل عينها أو حكمها، أو) جهل (أنها كانت في الصلاة ثم علم) أنها كانت في الصلاة بعد إن صلى جاهلاً وجودها في الصلاة: فإن صلاته لا تصح في هذه الصور كلها؛ لأن اجتناب النجاسة في الصلاة شرط لصحتها. فلم تسقط بالنسيان ولا بالجهل؛ كطهارة الحدث. وفي ذلك رواية بالصحة. (أو حمل قارورة) يعني: أن المصلي إذا حمل قارورة باطنها نجس، (او آجرة) واحدة، الآجر بالمد، وهو الطوب الأحمر (باطنها نجس، أو) حمل (بيضة بها فرخ ميت أو مَذِرَة، أو) حمل (عنقوداً) من عنب (حباته مستحيلة خمراً): لم تصح صلاته؛ لأنه حامل لنجاسة في غير معدنها. أشبه ما لو كانت على بدنه أو ثوبه، أوحملها في كمه. (وإن طين) إنسان أرضاً (نجسة، أو بسط عليها) شيئاً طاهراً صفيقاً، (أو على حيوان نجس أو) على (حرير). قاله أبو المعالي (طاهراً صفيقاً، أو غسل وجه آجر وصلى عليه، أو) صلى (على بساط باطنه فقط نجس) أي: دون ظاهره الذي صلى عليه، (أو) صلى على (علو) مباح (سُفله غصب، أو) على (سرير تحته نجس: كرهت) الصلاة (وصحت): أما الكراهة؛ فلاعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه. وأما الصحة؛ فلأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مباشر لما (١) لا تصح الصلاة عليه. (وإن خِيط) بالبناء للمفعول (جرح) من آدمي، (أو جبر عظم) منه وكانت الخياطة (بخيط) نجس، (أو) كان الجبر بـ (عظم نجس فصح) الجرح أو العظم: (لم تجب إزالته) أي: إزالة الخيط النجس في مسألة الخياطة ولا إزالة العظم النجس (٢) في صورة الجبيرة (مع) خوف (ضرر) بفوت نفس

стр. 542

أو عضو أو حصول مرض؛ لأن حراسة النفس وأطرافها من الضرر واجب، وهو أهم من رعاية شرط الصلاة. ولهذا لا يلزمه شراء سترة ولا ماء للوضوء بزيادة تجحف بماله. فإذا جاز ترك شرط مجمع عليه لحفظ ماله، فترك شرط مختلف فيه لحفظ بدنه بطريق الأولى. وعنه: يلزمه إن لم يخف التلف إزالة العظم النجس. وعلم مما تقدم أنه يلزمه قلعهما إن لم يخف ضرراً؛ لقدرته على إزالة النجاسة من غير محذور. فلو صلى قبل إزالته لم تصح صلاته. (و) متى لم تجب إزالته (لا يتيمم له إن غطاه اللحم) لإمكان الطهارة بالماء في جمع محلها. وعلم من ذلك أنه يجب التيمم له إن لم يغطه اللحم؛ لعدم إمكان غسله بالماء. (ومتى وجبت) إزالة شيء من ذلك (فمات) قبل إزالته (أزيل) وجوباً؛ (إلا مع) حصول (المثلة) بإزالته فيترك. (ولا يلزم شارب خمر قيء) أي: أن يتقايأها. نص على ذلك. وكذا سائر النجاسات إذا حصلت في الجوف لحصرلها في معدنها الذي يستوي فيه الطاهر والنجس من أصله. (وإن أُعيدت سن) قلعت من آدمي، (أو أُذن) قطعت (أو نحوهما) من أعضائه فأعادها بحرارتها (فثبت: فـ) الحكم فيها أنها (طاهرة)؛ لأنها جزء من جملة. فكان حكمه حكمها؛ كسائر الحيوانات. وعنه: أنها نجسة؛ لأنه لا حرمة لها كحرمة الجملة. بدليل انه لا يصلى عليها فيكون حكمها حكم العظم النجس إذا جبر به ساقه. ولو جعل موضع سنة سن شاة مذكاة جاز وصحت صلاته بها.

стр. 543

[فصل: في الصلاة في المقبرة] (فصل. ولا تصح تعبدا ًصلاة) فرض ولا نفل (في مقبرة) بتثليث الباء. بُنى لفظها من لفظ القبر؛ لأن الشيء إذا كثر بمكان جاز أن يبنى له اسم، كقولهم: مسبعة، لمكان كثر فيه السباع، ومضبعة لمكان كثر فيه الضباع. والدليل على منع صحة الصلاة في المقبرة؛ ماروى سمرة بن جندب (١) أن النبي ﷺ قال: " لا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك " (٢) . رواه مسلم. (ولا يضر) أي: ولا يمنع صحة الصلاة في مكان فيه (قبران) فقط، (ولا) يمنع صحة الصلاة أيضاً (ما دفن بداره) ولو زاد على ثلاثة قبور؛ لأن ذلك لا يتناوله اسم المقبرة. وأما الخشخاشة التي تسمى الفسقية فيها موتى كثيرون فهي قبر واحد. قاله في " المبدع " توجيهاً من عنده. قال: وهو ظاهر كلامهم. (و) لا تصح الصلاة أيضاً تعبداً في (حمام وما يتبعه في بيع)؛ لتناول الاسم له. فلا فرق بين مكان الغسل والمسلخ والأتون وكل ما يغلق عليه باب الحمام. والدليل على عدم صحة الصلاة في المقبرة والحمام قول النبي ﷺ : " الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة " (٣) . رواه أبو داود.

стр. 544

(و) لا تصح الصلاة أيضاً تعبدا في (حُشّ) بفتح الحاء وضمها مع طهارته من النجاسة. وهو لغة: البستان. ثم أطلق على محل قضاء الحاجة؛ لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، وهي الحشوش فسميت الأخلية في الحضر حشوشاً بذلك. (وأعطان إبل) واحدها عطن بفتح الطاء، وهي المعاطن، واحدها معطن بكسرها. (وهي: ما تقيم فيها) الإبل (وتأوي إليها). قاله الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه. وقيل: مكان اجتماعها إذا صدرت عن المنهل. أما منع الصلاة في الحُشّ؛ فإنه لما منع الشرع من ذكر الله تعالى والكلام فيه كان منع الصلاة فيه من باب أولى. وأما منعه في أعطان الإبل؛ فلما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: " صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل " (١) . رواه أحمد وأبو داود. وقال ابن خزيمة: لم نر خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح. ولا فرق في المعاطن بين أن تكون فيها إبل عند الصلاة أو لا، ولا أن تكون المعاطن طاهرة أو نجسة. فأما المواضع التي تبيت فيها الإبل في مسيرها أو تناخ فيها لعلفها أو ورودها فلا يمنع من الصلاة فيها. (و) لا تصح الصلاة أيضاً في (مجزرة) وهي المكان المعد للذبح، (ومزبلة) أي: مرمى الزبالة، (وقارعة طريق) أي: المكان التي تقرعها الأقدام من الطريق؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، ومعطن الإبل، ومحجة الطريق " (٢) . رواه ابن ماجه والترمذي

стр. 545

وقال: ليس إسناده بالقوي. وقد رواه الليث بن سعد عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. (و) لا تصح الصلاة أيضاً في (أسطحتها) أي: أسطحة المواضع التي قلنا بعدم صحة الصلاة فيها. فإن أسطحة مواضع النهي كهي عند أحمد وأكثر الأصحاب، لأن الهواء تابع للقرار. بدليل أن الجنب يمنع من اللببث على سطح المسجد، ويحنث بدخول سطح الدار الذي حلف لا يدخلها. وما في المتن هو المذهب، وهو اختيار أكثر الأصحاب. وعنه: تصح الصلاة في المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها وإن لم نصححها في غيرها. ويحتمله كلام الخرقي، واختاره الموفق، قال: لعموم قوله ﷺ : " جعلت لي الأرض مسجداً " (١) متفق عليه. واستثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة. ففيما عدا ذلك يبقى على العموم. وحديث ابن عمر يرويه العمري وزيد بن جبيرة، وقد تُكلم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك به الحديث الصحيح. انتهى. وعنه: تصح على أسطحتها وإن لم نصححها في داخلها. (و) لا تصح الصلاة أيضاً في (سطح نهر). . قال ابن عقيل: لأن الماء لا يصلى عليه. وقال غيره: هو كالطريق. قال في " الإنصاف ": وكرهها في رواية عبد الله وجعفر على نهر وساباط. وقال القاضي: فيما تجري فيه سفينة كالطريق. وعلله بأن الهواء تابع للقرار، واختاره أبو المعالي. ولو جمد الماء فكالطريق، وذكر بعضهم فيه الصحة. قلت: وجزم به ابن تميم فقال: لو جمد ماء النهر فصلى عليه: صح. انتهى كلامه في " الإنصاف ". وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٧٤٦) ١: ٢٤٦ كتاب المساجد، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة.

стр. 546

وظاهر ما تقدم أن الصلاة تصح في المدبغة وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وهو الصحيح قدمه في " الفروع " و" الفائق " وابن تميم. وقيل: هي كالمجزرة. وجزم به في " الإفادات " وقدمه في " الرعايتين ". ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله: (سوى صلاة جنازة في مقبرة). قال في " الإنصاف ": قال في " الهداية " و" التلخيص " و" البلغة " و" الحاوي الكبير " وغيرهم: لا بأس بصلاة الجنازة في المقبرة. قال في " الخلاصة " و" الإفادات " و" إدراك الغاية ": لا تصح صلاة في مقبرة لغير جنازة، وقدمه المجد في " شرحه ". أنتهى كلامه في " الإنصاف ". وعنه: تكره. وعنه: لا تصح، وأطلقهن في " الفروع ". (و) سوى (جمعة وعيد وجنازة ونحوها) كصلاة الكسوف (بطريق لضرورة). قال فى " الإنصاف ": وقطع المصنف- يعني الموفق- في " المغني " والشارح والمجد في " شرحه " وصاحب " الحاوي الكبير " و" الفروع " وغيرهم: بصحة صلاة الجمعة والجنائز والأعياد ونحوها بحيث يضطرون إلى الصلاة في الطرقات. (و) بموضع (غصب). قال ابن منجى في " شرحه ": نص أحمد على صحة الجمعة في الموضع المغصوب؛ لأنه إذا صلى الإمام الجمعة في موضع مغصوب وامتنع الناس من الصلاة معه فاتتهم الجمعة، ولذلك أبيحت خلف الخوارج والمبتدعة، وصحت في الطريق؛ لدعاء الحاجة إليها وكذلك الأعياد والجنازة. (و) سوى الصلاة (على راحلة بطريق) على ما يأتي تفصيله. (وتصح) الصلاة (في الكل) أي: في كل ما تقدم (لعذر)؛ كما لو حبس بحمام أو حُشّ أو غيرهما مما تقدم.

стр. 547

(وتكره) الصلاة (إليها) أي: إلى جميع الأماكن المتقدم ذكرها مطلقاً. نص على ذلك في رواية أبي طالب وغيره، وعليه الجمهور؛ لأن النهي عن الصلاة في المكان النجس أشد وآكد للاتفاق عليه. ولو صلى إليه أو إلى جدار نجس صحت صلاته فها هنا أولى. وعنه: لا تصح إلى المقبرة والحُش وتصح إلى غيرهما؛ لحديث أبي مرثد- الغنوي المخرج عند الشيخين أن رسول الله ﷺ قال: " لا تصلوا الى القبور ولا تجلسوا إليها " (١) . وقد جاء في الأثر: انهم كانوا يكرهون الصلاة إلى المقبرة والحُش. وعنه: لا تصح الى المقبرة والحمام والحُش والطريق، وتصح إلى ما عدا ذلك. ومحل الخلاف إذا كانت الصلاة إلى ذلك (بلا حائل. ولو) كان الحائل (كمؤخرة رحل) كسترة المتخلي. فلا يكفي الخط ويكفي حائط المسجد. وعنه: لا تكفي؛ لكراهة السلف الصلاة في مسجد في قبلته حُش. قال في " الفروع ": ويتوجه أن مرادهم لا يضر بعدٌ كثير عرفاً كما لا أثر له في مارٍّ امام المصلي. و (لا) تكره الصلاة (فيما علا عن جادة المسافر يَمنَة ويَسرة). قال المجد في " شرح الهداية ": وأما الصلاة على ما علا عن جادة المسافر يمنة ويسرة فتصح ولا تكره. نص عليه؛ لأنه ليس بمحجة. (ولو غيرت) بالبناء للمفعول مواضع النهي (بما يزيل اسمها كجعل حمام) أي: كمن جعل حماماً (داراً وصلى فيها: صحت) صلاته فيها. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وحكي قول (٢) :

стр. 548

لا تصح صلاة. قلت: وهو بعيد جداً. انتهى. (وكمقبرة) في حكم الصلاة وهو عدم صحتها فيها (مسجد حدث بها) أي: بالمقبرة. يعني: أن الصلاة لا تصح في مسجد حدث بالمقبرة، كما لا تصح الصلاة فيها قبل حدوثه. قال في " الإنصاف ": إن بني المسجد بمقبرة فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة، وإن حدثت القبور بعده حوله أو في قبلته فالصلاة إليه (١) كالصلاة إلى المقبرة. ثم قال: وقال الآمدي: لا فرق بين المسجد القديم والحادث (٢) . وقال في " الهداية ": لو وضع القبر والمسجد معاً لم يجز، ولم يصح الوقف ولا الصلاة. ثم قال: ولو حدث طريق بعد بناء مسجد: صحت الصلاة فيه، على الصحيح من المذهب وقدمه ابن تميم وغيره. وقيل: لا يصلى فيه. انتهى. (ولا يصح فرض) أي: فرض صلاة (في الكعبة ولا على ظهرها). وقال أبو حنيفة والشافعي: يصح؛ لأنه مسجد ومحل لصلاة النفل. فكان محلاً للفرض " كخارجها. وهو أيضاً رواية عن أحمد. ولنا على المذهب: قوله : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. والشطر: الجهة، والمصلي فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها. ولأنه يكون مستدبرا من الكعبة ما لو استقبله منها وهو خارجها صحت صلاته. ولأن النهي عن الصلاة على ظهرها قد ورد صريحا في حديث عبد الله بن عمر فيما سبق (٣) . وفيه تنبيه على النهي عن الصلاة فيها، لأنهما سواء في المعنى.

стр. 549

والجدار لا أثر له إذ المقصود البقعة بدليل أنه يصلي إلى البقعة حيث لا جدار. ويستثنى من عدم صحة صلاة الفرض على ظهرها صورة أشير إليها بقوله: (إلا إذا وقف على منتهاها بحيث لم يبق وراءه) أي: المصلي على ظهرها (شيء منها، أو) وقف (خارجها) أي: خارج الكعبة (وسجد فيها): فإن صلاة الفرض كذلك صحيحة على الصحيح من المذهب؛ لأنه مستقبل لطائفة من الكعبة غير مستدبر لشيء منها. فصحت؛ كما لو صلى إلى أحد أركانه. وقيل: لا تصح؛ لأنه صلى فيها أو في بعضها لا إليها. (وتصح) في الكعبة نافلة و (منذورة) أن تصلى (فيها) أي: في الكعبة (وعليها) ولو لم يكن بين يديه شاخص متصل بها. وعنه: لا تصح إلا إذا كان بين يديه شاخص متصل بها. قال في " التنقيح ": اختاره الأكثر. ووجه الصحة ماروى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: " دخل رسول الله ﷺ البيت وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة. فأغلقوا عليهم فلما فتحوا كنت أول من ولج. فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؛ قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت. ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين " (١) . رواه الشيخان، واللفظ للبخاري. فإن قيل: روى الشيخان عن أسامة أيضاً والبخاري عن ابن عباس " أن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة " (٢) .

стр. 550

فالجواب: أن الدخول كان مرتين فلم يصل في الأولى وصلى في الثانية. كذا رواه الإمام أحمد في " مسنده ". وذكره ابن حبان في " صحيحه ". وعنه: لا تصح النافلة كما لا تصح الفريضة. وعنه: إن جهل النهي صحت وإلا فلا. وقيل: تجوز النافلة فيها لا فوقها. وعلى المذهب: وهو القول بصحة صلاة النافلة فيها وعليها محله (ما لم يسجد على منتهاها) أي: منتهى الكعبة. فلا تصح صلاته مطلقاً؛ لأنه لم يصل إلى شيء من الكعبة. (ويسن نفله) أي: أن يتنفل بالصلاة (فيها) أي: في الكعبة (وفي الحجر) أيضاً. وهذا المذهب الذي عليه أكثر الأصحاب. وعنه: لا يسن. وقال القاضي: تكره الصلاة في الكعبة وعليها. ونقل الأثرم: يصلي فيه إذا دخله وجاهه. كذا فعل النبي ﷺ ، ولا يصلي حيث شاء. ونقل أبو طالب: يقوم كما قام النبي ﷺ بين الأسطوانتين. وحيث قلنا باستحباب النافلة فيها وكانت مما يشرع لها الجماعة وكان فعلها فيها تفوت به الجماعة وفعلها خارجها تحصل به الجماعة: كان فعلها خارجها أفضل. وهذا مبني على قاعده مهمة وهو أن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكان العبادة. ومن هذه القاعدة تفضيل النفل في البيت؛ لما فيه من الخلوص والبعد عن الرياء على النفل بالمسجد مع شرفه، ومنها تفصيل الرمل مع (١) البعد عن البيت على القرب بلا رمل. (وهو) أي: الحجر (منها) أي: من الكعبة. نص على ذلك الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه.

стр. 551

(وقدره) أي: الداخل في حدود البيت (ستة أذرع وشيء) وقيل: ستة. وقيل: سبعة. (ويصح التوجه إليه مطلقاً) أي: سواء كان المتوجه مكيِّاً أو غيره، وسواء كانت الصلاة نفلاً أو فرضاً. وقيل: لا يصح التوجه إليه مطلقاً. وجزم به أبو المعالي في المكي. (والفرض فيه) أي: في الحجر (كداخلها) أي: كصلاة الفرض داخل الكعبة. قال أحمد رضي الله تعالى عنه: الحجر من البيت. (وتكره) الصلاة (بأرض الخسف) قاله أحمد رضي الله تعالى عنه؛ لأنه موضع مسخوط عليه. وفي مقصورة تحمى. نص على ذلك. قال ابن عقيل: إنما كره المقصورة، لأنها كانت تختص بالظلمة وأبناء الدنيا فكره الاجتماع بهم. قال: وقيل: كرهها لقصورها على أتباع السلطان ومنع غيرهم فتصير كالموضع المغتصب. وفي الرحى وعليها. ذكر ذلك كثير من الأصحاب، وتوقف أحمد فقال: ما سمعت في الرحى بشيء. وتصح بأرض السباخ على الصحيح من المذهب. نص على ذلك. قال في " الرعاية ": مع الكراهة. وعنه: لا تصح. قال في " الرعاية ": إن كانت رطبة. وعنه: التوقف. (ولا) تكره (ببيعة وكنيسة). قال في " الإنصاف ": وله دخول بيعة وكنيسة والصلاة فيهما من غير كراهة. على الصحيع من المذهب.

стр. 552

وعنه: تكره. وعنه: مع صور. فظاهر كلام جماعة: يحرم دخوله معها، وقاله الشيخ تقي الدين، وأنه كالمسجد على القبر، وقال: وليست ملكا لأحد، وليس لهم منع من يعبد الله تعالى، لأنا صالحناهم عليه. نقله في " الفروع " في الوليمة. انتهى. ولا تكره الصلاة أيضاً في مرابض الغنم. فائدة: قال في " الإنصاف ": لا بأس بالصلاة في أرض غيره أو مصلاه بلا غصب بغير إذنه. على الصحيح من المذهب. وقيل: لا تصح. انتهى. والله أعلم.

стр. 553

[باب: حكم استقبال القبلة] هذا (باب) يذكر فيه حكم استقبال القبلة حضراً وسفراً، ودلائلها، وما يتعلق بذلك. (استقبال القبلة: شرط للصلاة)؛ لقول الله : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ البقرة: ١٤٤]. قال علي رضي الله تعالى عنه: "شطره: قِبَله " (١) . ولقول النبي ﷺ للأعرابي: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبله فكبر " (٢) . قال الواحدي: القبلة: الوجهة. وهي الفعلة من المقابلة. والعرب تقول: ما له قبلة ولا دبرة إذا لم يهتد لجهة أمره. وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها؛ كالجلسة للحالة التي يجلس عليها. إلا انها الآن صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي. وسميت قبلة؛ لإقبال الناس عليها. وقيل: لأن المصلي يقابلها وهي تقابله. ومما يدل على مشروعية الاستقبال أيضاً قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: " بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله ﷺ قد أُنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يَستقبل القبلة. فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة " (٣) . متفق عليه.

стр. 554

واختُلف هل كان شرع التوجه إلى بيت المقدس بالمدينة بالسنة أو بالقرآن؟ على قولين، ذكرهما القاضي. وذكر ابن الجوزي عن الحسن وأبي العالية والربيع وعكرمة أنه كان برأيه واجتهاده. ومحل كون استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة (مع القدرة). فالمربوط والمصلوب ونحوهما إلى غير القبلة، والعاجز عن الالتفات إلى القبلة لمرض، أو لمنع المشركين عند التحام الحرب: ليس الاستقبال بشرط في حقهم. ويستثنى من حالة القدرة ما أشير إليه بقوله: (إلا في نفل مسافر ولو) كان (ماشياً)؛ لأن الصلاة أبيحت للراكب؛ لئلا ينقطع عن القافله في السفر وهو موجود في الماشي. ولأن المشي إحدى حالتي السفر. أشبه الراكب. وفيه رواية: أنه لا يجوز له التنفل. (سفراً مباحاً)؛ لأن ذلك رخصة، والرخص لا تناط بالمعاصي. (ولو كان) السفر (قصيراً)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال ابن عمر: " نزلت في التطوع خاصة " (١) . ولما روى هو: " أن النبي ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. يومئ برأسه. وكان ابن عمر يفعله " (٢) متفق عليه. وللبخاري: " إلا الفرائض " (٣) . ولم يفرق بين طويل السفر وقصيره.

стр. 555

ولأن ذلك تخفيف في التطوع؛ لئلا يؤدي إلى تقليله أو قطعه. فاستويا فيه. زاد في " التلخيص " وابن تميم وغيرهما: إذا كان يقصد جهة معينة. (لا راكب تعاسيف). وهي: ركوب الفلاة وقطعها على غير صوب. (لكن إن لم يعذر من عدلت به دابته) التي يقدر على ردها إلى غير جهة القبلة من جهة سيره مع علمه، (أو عدل) هو (إلى غيرها) أي: غير القبلة (عن جهة سيره مع علمه) أن الجهة التي عدل إليها غير جهة القبلة، (أو عذر) من عدلت به دابته لعجزه عنها لجماحها ونحوه، أو عذر من عدل لغفلة أو توهمِّ أو جهلاً، أو لظنه أنه جهة سيره (وطال) عدوله عرفاً: (بطلب) صلاته. أما مع عدول دابته مع قدرته على ردها، أو عدوله هو من غير عذر؛ فلأنه ترك قبلته عمداً. وأما مع عذره وطول زمنه؛ فلأنه بمنزلة العمل الكثير في الصلاة. وعلم مما تقدم أنه إذا عذر ولم يطل عدوله لم تبطل صلاته؛ لأنه بمنزلة العمل اليسير، وكذا إذا كان العدول عن جهة سيره إلى القبلة؛ لأن التوجه إليها هو الأصل. وحيث قلنا بصحة صلاة المسافر مع توجهه إلى جهة سيره إنما يكون بشرط تعذر الاستقبال عليه. فأما إن تمكن من ذلك كالراكب في المحفة الواسعة فيلزمه الاستقبال في كل الصلاة؛ لأنه كراكب السفينه والراحلة الواقفة. (وإن وقف) المسافر (لتعب دابته، أو) وقف (منتظراً رفقة، أو لم يسر لسيرهم) أي: لسير الرفقة، (أو نوى النزول ببلد دخله، أو نزل) المسافر (في أثنائها) أي: أثناء الصلاة: (استقبل) القبلة (ويُتمها) أي: يتم الصلاة مستقبلا؛ كالخائف اذا أمن في أثناء صلاته. (ويصح نذره الصلاة عليها) بأن ينذر: لله تعالى أن يصلي ركعتين على بعيره أو حماره ونحوهما فينعقد نذره. وذكر القاضي قولاً: لا ينعقد. قال في " الفروع ": فيتوجه مثله فيمن نذر الصلاة في الكعبة.

стр. 556

(وإن ركب ماش في) أثناء (نفل: أتمه) راكباً ولم تبطل؛ لأنه انتقل من حالة مختلف في صحة التنفل فيها وهي المشي، إلى حالة متفق على صحة التنفل فيها وهي (١) الركوب، مع كون كل منهما حالة سيره. (وتبطل) الصلاة (بركوب غيره) أي: غير الماشي في السفر. فلو تنفل النازل المسافر بالمحل الذي نزل فيه وركب في أثناء نفله سواء تنفل قائماً أو قاعداً: بطلت صلاته؛ لأن حالته حالة إقامة. فيكون ركوبه فيها بمنزلة العمل الكثير في صلاة المقيم. (وعلى) مسافر (ماش) إذا تنفل (إحرام) إلى القبلة (وركوع وسجود إليها) أي: إلى القبلة بالأرض (٢) لتيسر ذلك عليه. ويفعل ما سواه إلى جهة [سيره. وهذا هو الصحيح من المذهب على ما ذكره في " الإنصاف ". وقيل: يومئ بالركوع والسجود إلى جهة سيره كالراكب] (٣) . وصححه المجد في " شرح الهداية ". (ويستقبل) القبلة [عند افتتاح الصلاة] (٤) متنفل (راكب ويركع ويسجد) وجوباً (إن أمكنه) ذلك (بلا مشقة) وهذا أصل (٥) الروايتين والمذهب منهما؛ لما روى أنس " أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع، استقبل بناقته القبلة فكبر. ثم صلى حيث كان وجهة ركابه " (٦) . رواه الإمام أحمد وأبو دا ود. ولأنه أمكنه ابتداء الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود على الدابة. فلزمه؛

стр. 557

كما لو كان ماشياً. (وإلا) بأن كان لا يمكنه ذلك، كمن على بعير مقطور ويعسر عليه الاستدارة بنفسه، أو يكون مركوبه حروناً يصعب عليه إدارته، أو لا يمكنه الركوع والسجود: (فـ) إنه يصلى (إلى جهة سيره ويومئ) بالركوع والسجود. وعلم مما تقدم أنه لو قدر على افتتاح الصلاة إلى القبلة كراكب راحلة منفردة تطيعه وجب، لحديث أنس. (ويلزم قادراً) أومأ بالركوع والسجود (جعل سجوده أخفض) من ركوعه؛ لما روى جابر قال: " بعثني رسول الله ﷺ في حاجة. فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق. والسجود أخفض من الركوع " (١) . رواه أبو داود. (و) تلزمه (الطمأنينة) أيضاً؛ لأن ذلك ركن يقدر على الإتيان به. فوجب فعله؛ كما لو كان بالأرض. وتجوز صلاة النافلة للمسافر على البعير والفرس والحمار وغيرها. قال ابن عمر: " رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر " (٢) . رواه أبو داود والنسائي. لكن من ركب في عمارية لزمه أن يدور فيها إلى جهة القبلة، كراكب السفينة. ويشترط طهارة ما تحت الراكب مما يلاقيه كما في غيره، إذ لا مشقة في ذلك. فإن كان المركوب نجس العين، أو أصابت موضع الركوب (٣) منه نجاسة وفوقه حائل طاهر من برذعة ونحوها صحت الصلاة.

стр. 558

قال في " شرح الهداية ": وقال بعض أصحابنا: هو على الروايتين فيمن فرش طاهراً على أرض نجسة. والصحيح الجواز ها هنا على الروايتين؛ لأن اعتبار ذلك يشق فتفوت الرخصة، وذلك: أن أبدان الدواب لا تسلم غالبا من النجاسة؛ لتقلبها وتمرغها على الزبل والنجاسات، والبغل والحمار منهما نجسان في (١) ظاهر المذهب. والحاجة ماسة إلى ركوبهما. وقد صح عن النبي ﷺ " أنه كان يصلي على حماره التطوع " (٢) . وذلك دليل على الجواز وإن حكم بنجاسته. ***

стр. 559

[فصل: في استقبال عين القبلة] (فصل. وفرض من قرب منها) أي: من الكعبة، (أو) قرب (من مسجد النبي ﷺ : إصابة العين) أي: عين الكعبة (ببدنه) كله نصاً. على الصحيح من المذهب بحيث لا يخرج شيء منه عنها؛ لقدرته على ذلك. (ولا يضر علو ولا نزول) عنها. وهذا إذا كان المصلي داخل المسجد الحرام أو على سطحه فظاهر، وإن كان خارجه فإنه يمكنه ذلك أيضاً بنظره أو علمه، أو خبر عالم بذلك؛ فإن من نشأ بمكة أو أقام بها كثيراً تمكن من الأمر اليقيني في ذلك ولو مع حائل حادث؛ كالأبنية. (إلا إن تعذر) عليه إصابة العين (بحائل أصلي كجبل)؛ كالمصلي خلف أبي قبيس (فـ) إنه (يجتهد إلى عينها) على المذهب. وعنه: أو إلى جهتها. والأعمى المكي والغريب إذا أراد الصلاة بدار ونحوها (١) من مكة ففرضه الخبر عن يقين أو مشاهدة، مثل: أن يكون من وراء حائل وعلى الحائل من يخبره، أو أخبره أهل الدار أنه متوجه إلى عين الكعبة فيلزمه الرجوع إلى قولهم. وليس له الاجتهاد كالحاكم إذا وجد النص. قال ابن عقيل: لو خرج ببعض بدنه (٢) عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته. قاله في " شرح المقنع الكبير ". وإلحاق من كان بمسجد النبي ﷺ في الحكم بمن بمكة؛ لأن قبلته متيقنة الصحة؛ لأنه ﷺ لا يقر على الخطأ. هو قول الأصحاب.

стр. 560

وقد روى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما: " أن النبي ﷺ ركع ركعتين قِبَل القبلة. وقال: هذه القبلة " (١) . لكن قال في " الشرح الكبير ": إن في هذا نظراً، لأن صلاة الصف المستطيل في مسجد النبي ﷺ صحيحة مع خروج بعضهم عن استقبال عين الكعبة لكون الصف أطول منها. وقولهم: إنه ﵇ لا يقر على الخطأ صحيح. لكن إنما الواجب عليه استقبال الجهة وقد فعله، وهذا الجواب عن الحديث المذكور. انتهى. (و) فرض (من بعد) عن الكعبة (وهو: من لم يقدر على المعاينة، ولاعلى من يخبره عن علم: إصابة الجهة بالاجتهاد). وهذا الأصح من الروايتين " لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: " ما بين المشرق والمغرب قبلة (٢) " (٣) . رواه ابن ماجه والترمذي وصححه. ولأن الإجماع انعقد على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة. وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو. لا يقال مع البعد يتسع المحاذي " لأنه إنما يتسع مع التقوس، أما مع عدمه فلا. (و) على هذا (يعفى عن انحراف يسير) فلا يضر التيامن ولا التياسر اليسيرين. والرواية الأخرى فرضه الاجتهاد إلى عين الكعبة، [لأنه كما يلزم المسافر حال اشتباه الجهات التحري إلى جهة الكعبة] (٤) كذلك يلزم العالم بالجهة: أن يتحرى منها ما يقابل الكعبه حسب طاقته، وإن كان ذلك تقريباً وتخميناً " لأنه

стр. 561

أقرب إلى الصواب. فعلى هذه الرواية متى تيامن أو تياسر عن مقابلة ما أداه إليه اجتهاده بطلت صلاته. ورد (١) ذلك: بأن إصابة العين بالاجتهاد متعذرة، ولما تعذرت إصابة العين أقيمت الجهة مقامها للضرورة. (فإن أمكنه ذلك) أي: معرفة ما هو مأمور بالتوجه إليه (بخبر مكلف) أي: إنسان بالغ عاقل (عدل ظاهراً وباطناً) سواء كان حُراً أو عبداً رجلاً أو أمرأة (عن يقين) لزمه العمل به ولم يجتهد، وذلك مثل: أن يخبره أن الشمس تطلع أو تغرب من جهة عينها. فيعلم أن القبلة بينها وبين مقابلتها، أو يخبره أن النجم الذي تجاهه الجدي. فيعلم محل القبلة منه وما أشبه ذلك. (أو) أمكنه معرفة القبلة بـ (استدلال بمحاريب علم أنها للمسلين) عدولاً كانوا أو فساقاً (لزمه العمل به)؛ لأن اتفاقهم (٢) عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها. وعلم من قول المتن: عن يقين أنه لو أخبره عن اجتهاد لم يلزمه تقليده ولم يجز. قال في " الفروع ": في الأصح وفاقاً. وقيل: إن ضاق الوقت جاز له تقليده. وذكره القاضي ظاهر كلام أحمد. واختاره جماعة. ومن دخل إلى بلد أو بيت أو مسجد لا محراب به وأخبره بالقبلة عدل أو فاسق قبل قوله. قال في " الإنصاف ": تنبيه: ظاهر كلام المصنف- يعني الموفق-: أنه لا (٣) يقبل خبر الفاسق في القبلة وهو صحيح. لكن قال ابن تميم: يصح التوجه

стр. 562

إلى قبلته في بيته. ذكره في " الإشارات ". وقال في " الرعاية الكبرى ": قلت: وإن كان هو عملها فهو كإخباره بها. انتهى كلامه في " الإنصاف ". (ومتى اشتبهت) القبلة على إنسان (سفراً) وحان وقت الصلاة (اجتهد في طلبها) وجوباً (بالدلائل) جمع دليل؛ لأن ما وجب عليه اتباعه عند وجوده وجب (١) الاستدلال عليه عند خفائه، كالحكم في الحادثة. والمجتهد هنا هو العالم بأدلة القبلة وإن جهل أحكام الشرع. (ويستحب تعلمها) أي: تعلم أدلة القبلة (مع أدلة الوقت). قاله في " الفروع ". وقال أبو المعالي: يتوجه وجوبه وأنه يحتمل عكسه لندرته. وقال هو وغيره: (فإن دخل) الوقت (وخفيت عليه لزمه) قولاً واحداً؛ لقصر زمنه. (ويقلد لضيقه) أي: ضيق الوقت؛ لأن القبلة يجوز تركها للضرورة وهو شدة الخوف، ولا يعيد. بخلاف الطهارة. ولأنه يجتهد فيها مع العلم بأن هناك نص خفي عليه هو عين القبلة. بخلاف الحاكم. قال في " الفروع ": وظاهر كلام جماعة: لا يلزم الجأهل هذا التعلم. انتهى. والدليل هنا أمور: أصحها النجوم. قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا﴾ [الأنعام: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: " تعلموا (٢) من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق ". وقال الأثرم: قلت لأحمد: ما ترى في تعليم هذه النجوم التي يعلم بها كم

стр. 563

مضى من النهار وكم بقي؛ فقال: ما أحسن تعليمها وأقواها. (وأثبتها: القطب) بتثليث القاف. حكاه ابن سيده؛ لأنه لا يزول عن مكانه إلا قليلاً. ويمكن كل أحد معرفته (١) . (وهو) أي: القطب (نجم). وقيل: نقطة. وهو خفي شمالي يراه الحديد البصر إذا لم يكن القمر طالعاً. فإذا قوي نور القمر خفي، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرحى في أحد طرفيها الفرقدان وفي الآخر الجدي. قال المجد في " شرح الهداية ": وليس الجدي يخفى كما ذكر أبو الخطاب، بل هو نجم نير على ما ذكره جماعة من أصحابنا وغيرهم، قالوا: وبين ذلك أنجم صغار منقوشة؛ كنقوش الفراشة ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل. تدور هذه الفراشة حول القطب دوران فراشة الرحى حول سفودها في كل يوم وليلة. دورة نصفها بالليل ونصفها بالنهار في الزمن المعتدل. . فيكون الفرقدان عند طلوع الشمس في مكان الجدي عند غروبها. ويمكن الاستدلال بها على أوقات الليل وساعاته وغيره من الأزمنة لمن عرفها وفهم كيفية دورانها، وحولها بنات نعش مما يلي الفرقدين تدور حولها. انتهى. ومما يستدل به أيضاً المجرة فإنها تكون في الشتاء في أول الليل في ناحية السماء ممتدة شرقاً وغرباً على الكتف الأيسر من الإنسان إذا كان متوجها إلى المشرق، ثم تصير من آخره ممتدة شرقاً وغرباً أيضاً على كتفه الأيمن. وأما في الصيف فإنها تتوسط السماء. ثم القطب (يكون وراء ظهر المصلي بالشام وما حاذاها) من البلاد، (وخلف أذنه اليمنى بالمشرق). قال المجد في " شرح الهداية ": فهذا القطب متى جعله المصلي وراءه كان مستقبلا جهة الكعبة في العراق والشام وبلدتنا حران وسائر الجزيرة. لا تتفاوت (٢) هذه البلدان في ذلك إلا تفاوتا يسيرا معفوا عنه. ويقال: إن قبلة

стр. 564

بلدتنا أعدل هذه القبل، وأنه ينحرف بالعراق وما قاربها إلى المغرب قليلاً. فيكون القطب محاذياً لظهر أذنه اليمنى، وكلما قرب من المشرق كان انحرافه أكثر. ومن استدبر الفرقدين والجدي في حال علو أحدهما وهبوط الآخر فهو كاستدبار القطب، وإن استدبر أحدهما في غير هذه الحالة فهو مستقبل للجهة. لكنه إن استدبر (١) الشرقي منها انحرف إلى المشرق قليلاً، وإن استدبر الغربي انحرف قليلاً إلى المغرب ليتوسط الجهة. ويكون انحرافه] المذكور لاستدبار الجدي أقل من انحرافه] (٢) لاستدبار الفرقدين؛ لأنه أقرب إلى القطب منها. وإن استدبر بنات نعش كان مستقبلاً للجهة أيضاً. لكنه عن وسطها أبعد فيجعل انحرافه إليه أكثر. انتهى. (و) يكون القطب من المصلي (على عاتقه الأيسر بمصر وما والاه) أي: والى مصر من البلاد. (و) من دلائل القبلة أيضاً: (الشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها (٣) ) أي: بمنازل الشمس والقمر، (و) ما (يقاربها) بحسب ما يستدل به منهما؛ لأنها (كلها تطلع من المشرق وتغرب بالمغرب). وهي ثمانية وعشرون منزلاً: أربعه عشر شامية تطلع من وسط المشرق أو مائلة عنه إلى الشمال. أولها: السرطان ثم البطين ثم الثريا ثم الدبران ثم الهقعة ثم الذراع ثم النثرة ثم الطرف ثم الجبهة ثم الزبرة ثم الصرفة ثم العوراء ثم السماك وهو آخر الشامية. والأربعة عشر الأخرى ثمانية تطلع من المشرق مائلة إلى اليمن. أولها: الغفر ثم الزبانا ثم الإكليل ثم القلب ثم الشولة ثم النعائم ثم البلدة ثم سعد الذابح ثم سعد بلع ثم سعد السعود ثم سعد الأخبية ثم الفرع المقدم ثم الفرع المؤخر ثم بطن الحوت وهو آخر اليمانية. ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية إذا طلع أحدهما غاب رقيبه. فأول اليمانية واخر الشامية يطلع في وسط المشرق. ولكل نجم من هذه

стр. 565

النجوم نجوم تقاربه وتسير بسيره عن يمينه وشماله يكثر عددها فحكمها حكمه، يستدل بها عليه وعلى ما يدل عليه. وسهيل نجم كبير مضيء يطلع من مهب الجنوب ثم يسير حتى يصير في قبلة المصلي، ثم يتجاوزها فيسير حتى يغرب بقرب مهب الدبور. والناقة أنجم على صورة الناقة تطلع في المجرة من مهب الصبا، ثم تغرب في مهب الشمال. (و) من دلائل القبلة أيضاً: (الرياح).] قال أبو المعالي: الاستدلال بهاضعيف] (١) . (وأمهاتُها أربع). إحداها: (الجنوب، ومهبها قبلة أهل الشام من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الشتاء، و) مهبها (بالعراق إلى بطن كتف المصلى اليسرى مارة إلى يمينه.، و) الثانية من أمهات الرياح: (الشمال مقابلتها) أي: مقابلة الجنوب، تهب إلى مهبها، (ومهبها) أي: مهب الشمال: (من القطب إلى مغرب الشمس في الصيف. و) الثالثة من أمهات الرياح: (الصبا. وتسمى القبول)؛ لأنها تقابل باب الكعبة، ومهبها: (من يسرة المصلي بالشام لأنه)؛ أي: لأن مهبها (من مطلع الشمس صيفاً) أي: في الصيف (إلى مطلع العيوق، و) مهبها (بالعراق إلى خلف أذن المصلي اليسرى مارة إلى يمينه. و) الرابعة من أمهات الرياح: (الدبور مقابلتها) أي: في مقابلة الصبا؛ (لأنها تهب) بالشام (بين القبلة والمغرب، و) تهب (بالعراق مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن). وسميت دبوراً؛ لأن مهبها من دبر الكعبة، وبين كل ريحين من الأربع المذكورات ريح تسمى النكباء؛ لتنكبها طريق الرياح المعروفة. ولكل من هذه الرياح صفات وخواص تميز بعضها عن بعض عند ذوي
следующие страницы →