نائبه في ذلك. ويقول لهما: اشهدوا عليَّ أنى قد وليت قضاء العمل الفلانى أو قضاء البلد الفلاني، وتقدمت إليه بما يشتمل عليه هذا العهد. ليمضيا إلى محل ولايته) (١) فيقيما له الشهادة هناك.
(أو استفاضتُها) أي: استفاضة الولاية: (إذا كان بلد الإمام) من البلد الذي ولي فيه (خمسة أيام فما دون) على الأصح؛ لأن الاستفاضة آكد من الشهادة ولهذا يثبت بها النسب والموت والأملاك المطلقة فلا ضرورة إلى الشهادة مع الاستفاضة.
(لا عدالة المولّى بكسر اللام) على الأصح؛ لأن ولاية الإمام الكبرى تصح
من كل بر وفاجر. فلو اعتبرت في المولّي العداله أفضى إلى تعذر التولية بالكلية فيما إذا كان الإمام غير عدل.
(وألفاظها) أي: ألفاظ التولية (الصريحةُ سبعةٌ):
الأول: (ولّيتُك الحكم.
و) الثانى: (قلَّدتُك الحكم.
و) الثالث: (فوَّضتُ) إليك الحكم.
و) الرابع: (رددتُ) إليك الحكم.
و) الخامس: (جعلتُ إليك الحكم.
و) السادس: (استخلفتُك) في الحكم.
و) السابع: (استنبتُك في الحكم.
فإذا وُجد أحدُها) أي: أحد هذه الألفاظ السبعة، (وقَبِل مُؤَلَّى) بفتح اللام (حاضرٌ في المجلس) انعقدت الولاية؛ كالبيع والنكاج، (أو) قبِل التولية (غائب) عن المجلس (بعده، أو شرَع الغائب في العمل: انعقدت) أيضًا في الأصح.
стр. 5077
(والكناية) من ألفاظ التولية (فحو: اعتمدت) عليك، (أو عوَّلت عليك، ووكلت) إليك، (أو أسنَدت إليك لا تنعقد) الولاية (بها) أي: بألفاظ الكناية، (إلا بقرينة نحو: فاحكم) ما وكلت إليك فيه، (أو فَتوَلَّ ما عوَّلتُ عليك فيه)، لأن هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها من كونه يأخذ برأيه وغير ذلك. فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرنية تنفي الاحتمال.
(وإن قال) الإمام أو من له أن يُولي بالنيابة عن الإمام: (من نظر في الحكم
في بلد كذا، من فلان وفلان، فقد ولَّيته: لم تنعقد) الولاية (لمن نظر؛ لجهالته)، لأنه لم يعين بالولاية أحدًا منهم، فهو كما لو قال: بعتك أحد هذين الثوبين.
(وإن قال: ولَّيتُ فلاناً وفلاناً، فمن نَظر منهم) في الحكم (فهو خليفتي: انعقدت) الولاية الهما) جميعًا بقوله: وليت فلانًا وفلاناً، (ويتعيَّن) منهما (من سبَق) بالنظر بقوله: فمن نظر منهما فهو خليفتي.
стр. 5078
[فصل: فيما تفيده ولايةُ حكمٍ عامة]
(فصل. وتُفيد ولاية حكمٍ عامَّة) وهي: التي لم تخص بحالة دون حالة (النظرَ في أشياء، والإلزامَ بها) وهي:
(فصلُ الحكومة، وأخذُ الحق) ممن يجب عليه، (ودفعه لربّه.
والنظرُ في مال يتيم، و) مال (مجنون، و) مال (سفيه، و) مال (غائب، والحجرُ لسفه وفَلَس.
والنظرُ في وقوفِ عملِه، لتجريَ على شرطها، و) النظر (في مصالح طرقِ عمله وأفْنِيَته.
وتنفيذُ الوصايا، وتزويج من لا وليَّ لها) من النساء.
(وتصفُحُ) حال (شهودِه وأُمَنائه، ليستبدل بمن ثبت جَرحُه.
وإقامة حدٍ، و) إقامة (إمامةِ جمعةٍ وعيدٍ: ما لم يُخَصَّا بإمام)؛ لأن العادة
من القضاة تولي ذلك. فعند إطلاق تولية القضاء تنصرف إلى ولاية ما جرت العادة بولايته للقاضي.
(وجِبايةُ خَراجٍ وزكاةٍ ما لم يُخَصَّا) أي: جباية الخراج والزكاة (بعامل.
لا الاحتساب على الباعةِ والمشترين، وإلزامَهم بالشرع)؛ لأن العادة لم تثبت بتولي القضاة لذلك.
(وله) أي: للقاضي (طلبُ رزقٍ من بيت المال لنفسه وأُمنائه وخلفائه). رخص في ذلك شريح وابن سيرين والشافعي وأكثر أهل العلم.
وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقاً ".
و" رزق شريحًا في كل شهر مائة درهم " (١) .
стр. 5079
و" بعث إلى الكوفة عمارًا وابن مسعود وعئمان بن حنيف ورزقهم كل يوم شاة: نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان. وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلمهم " (١) . و " كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظرا رجالاً من صالحي مَن قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا إليهم، وارزقوهم، واكفوهم من مال الله تعالى ".
(حتى مع عدم حاجة) في الأصح؛ " لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما ولي الخلافة فرضوا له رزقًا كل يوم درهمين ".
ولما ذكرناه من أن عمر رَزق زيدًا وشريحًا وابن مسعود، وأمر بفرض الرزق لمن يولى من القضاه.
ولأن بالناس حاجة إلى القضاء ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل القضاء وضاعت
الحقوق.
فأما الاستئجار عليه فلا يجوز، قال عمر رضي الله تعالى عنه: " لا ينبغي لقاضي المسلمين ان يأخذ على القضاء أجرًا "؛ لأنه قربة يختص فاعله أن يكون من أهل القربة. فأشبه الصلاة.
(فإن لم يُجعل له) أي: للقاضي (شيءٌ) من بيت المال (وليس له ما يكفيه) له ولعائلته، (وقال للخصمَيْن: لا أقضي بينكما إلا بجُعل، جاز) في الأصح. قاله في " المغني " و " الشرح ".
(لا من تعين أن يفتي وله كفاية.
ومن يأخذ من بيت المال: لم يأخذ أجرة لفُتياه، ولا لخطّه) في الأصح.
فال في " إعلام الموقعين ": ومن أخذ رزقًا من بيت المال لم يأخذ أجرة لفتياه، وفي أجرة خطّه وجهان. انتهى.
стр. 5080
[فصل: في أنو اع الولاية]
(فصل. ويجوزُ أن يولّيه) أي: أن يولي الإمام القاضي (عمومَ النظر في عموم العمل) وذلك بأن يوليه سائر الأحكام في سائر البلدان.
(و) يجوز (أن يولّيه خاصًا في أحدهما أو) خاصًا (فيهما:
فيوليه عموم النظر) في محلة خاصة، (أو) يوليه شيئًا (خاصًا)؛ كعقود الأنكحة مَثلاً (بِمحَلّةٍ خاصَّةٍ، فَينفُذُ حكمه في مقيمٍ بها) أي: بتلك المحلة، (و) في (طارئ إليها) من غير أهلها (فقط)؛ لأن الطارئ على البلد يعطى حكم أهله في كثير من الأحكام، بدليل أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها.
(لكنْ: لو أذنت له) امرأة (في تزويجها) وهي في عمله، (فلم يزوّجها حتى خرجت من عمله: لم يصح) تزويجها، لأنها (١) حالةَ التزويج لم تكن في عمله. فلم يكن له عليها ولاية، (كما لو أذنت له) في تزويجها (وهي في غير عمله، ثم) زوجها بعد أن (دخلت إلى عمله)، لأن إذن المراة في تزويجها لحاكم (٢) ليست في عمله لا عبرة به. فلم يصح التزويج، كما لو لم تدخل إلى عمله بعد إذنها.
(و) كما (لا) يصح منه أنه (يسمع بينة في غير عمله. وهو) أي: وعمله (محلُّ) نفوذ (حكمه).
أما لو قالت امرأة في غير عمل القاضي: إذا دخلت في عمله فقد أذنت له في
стр. 5081
تزويجي، أو قالت للقاضي: إذا دخلت أنا في عملك فقد أذنت لك أن تزوجني فزوجها وقد دخلب عمله: صح تزويجها ولو كان قولها ذلك للقاضي وهو في غير عمله، لصحة تعليق الإذن بالشرط.
(وتجب إعادة الشهادة) التي سمعها في غير محل حكمه (فيه) أي: في محل حكمه، (كتعديلها) أي: تعديل البينة، لأن المحل الذي سمعها فيه لا ينفذ فيه حكمه؛ كما لو سمعها قبل أن يتولى القضاء ثم تولاه بعد ذلك.
(او يوليَه) أي: يولي الإمام القاضي (الحكمَ في المداينات) أي: في إثبات الديون (خاصَّة، أو) يوليه الحكم (في قدرٍ من المال لا يتجاوزُه)؛ كما قال أبو عبيدالله الزبيري: لمٍ تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون على المسجد الجامع رجلاً يسمونه قاضي المسجد يحكم في مائتي درهم وعشرين دينارًا فما دونهما.
(أو يَجعل إليه) أي: يجعل الإمامُ إلى القاضي (عقود الأنكحة، دون غيرها) في بلد خاص أو في جميع البلاد؛ لأن ذلك جميعه إلى الإمام، وله الاستنابة في الكل فتكون له الاستنابة في البعض، فإن من ملك الاستنابة في الكل ملك الاستنابة في البعض.
وقد صح ان النبي ﷺ كان يستنيب أصحابه كلاًّ في شيء: ف " ولى عمر القضاء "، و " بعث عليًا قاضيًا إلى اليمن " (١) .
وكان يرسل أصحابه في جمع الزكاة وغيرها وكذلك الخلفاء.
ولأن ذلك نيابة فكان على حسب الاستنابة.
(وله) أي: للمولّي بكسر اللام (أن يولّي) قاضيًا (من كير مذهبه) في الأصح.
قال في " الرعاية الكبرى ": ويجوز لكل ذي مذهب أن يولي من غير مذهبه. ذكره في مكانين من هذا الباب. وقال: فإن نهاه عن الحكم في مسالة احتمال وجهين.
стр. 5082
قال في " الإنصاف ": قلت: الصواب الجواز. وقال ذلك في " الرعاية الصغرى " ايضًا و" الحاوي الصغير " أيضًا.
وقال الناظم:
وتولية المرء المخالف مذهب المولي أجز (١) من غير شرط مقيد وقال الشيخ تقي الدين: ومتى استناب الحاكم من غير أهل مذهبه إن كان
لكونه أرجح فقد أحسن مع صحة ذلك، وإلا لم يصح.
قال في " الفروع " في باب الوكالة: ويتوجه جوازها إذا جاز له الحكم ولم
يمنع منه مانع، وذلك مبني على جواز تقليد غير إمامه، وإلا (٢) انبنى على أنه هل. يستنيب فيما لا يملكه؟ كتوكيل مسلم ذميًا في شراء خمر ونحوه. انتهى.
(و) له أيضا أن يولي (قاضيين فأكثر ببلد) واحد (وإن اتَّحد عملُهما) في الأصح، لأنه يجوز للقاضي أن يستخلف في البلد الذي هو فيه فيكون فيه قاضيان. فجاز أن يكون فيها (٣) قاضيان أصليان؛ لأن الغرض فصل الخصومات، وإيصال الحق إلى مستحقه وهو حاصل بذلك. فأشبه القاضي وخلفائه.
ولأنه يجوز للقاضي ان يستخلف خليفتين في موضع واحد فالإمام أولى؛
لأن توليته أقوى.
ولأنه لا مانع أن يُخص واحد بالنظر في بعض الأحكام فلا مانع أن يخص
واحد بمن يحتكم إليه من الغرماء، لعدم الفرق بينهما.
ولكل منهما ان يحكم بمذهبه وليس للآخر الاعتراض عليه.
(و) على هذا لو تنازع خصمان في الحكم عند أحدهما بأن قال أحدهما:
لا نتحاكم إلا عند هذا، وقال الآخر: لا نتحاكم إلا عند الآخر فإنه (يقدَّم قول طالبٍ). من الخصمين (ولو) كان الطالب (عند نائبٍ) وكان الآخر عند
стр. 5083
مستنيب، (فإن استويا) بأن كان كل منهما طالبًا؛ (كمُدّعيَيْن اختلفا في ثمن مبيع باق: ف) إنه يقدم بالحكم بينهما (أقرب الحاكمين)؛ لأنه لا حاجة إلى التكلف إلى المضي إلى الأبعد منهما.
(ثم) إذا استوى (١) الحاكمان في القرب كان المقدم من الحاكمين من خرجت له (قرعةٌ)؛ لعدم الترجيح بدون القرعة.
مسألة:
قال في " شرج المقنع ": ولا يجوز أن يقلّد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه. وهذا مذهب الشافعي. ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأن الله قال: (فاحكم بين الناس بالحق)] ص: ٢٦] والحق لا يتعين في مذهب وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب. فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط. وفي فساد التولية وجهان بناءً على الشروط الفاسدة في البيع. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين: من أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. قال: وإن قال: ينبغي كان جاهلاً ضالاً، قال: ومن كان متبعًا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع. قال: وفي هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام. وقال أيضًا: بل يجب، وأن الإمام احمد نص عليه. انتهى.
(وإن زالت ولاية المولّي بكسر اللام) بموتٍ أو غيره، (أو عَزل المولَّى بفتحها) أي: فتح اللام (مع صلاحيته لم تبطل ولايته) في الأصح.
أما كونه لا ينعزل بزوال ولاية المولي له؛ لأن الخلفاء رضي الله تعالى عنهم
ولوا حكاما في زمانهم. فلم ينعزلوا بموتهم.
ولأن في عزل المولى بفتح اللام بموت الإمام ضررًا على المسلمين فإن البلد تتعطل من الحكام، وتقف أحكام الناس إلى أن يولي الإمام الثانى قاضيًا وفي ذلك ضرر عظيم.
стр. 5084
وأما كون القاضي لا ينعزل اذا عزله الإمام مع صلاحيته؛ (لأنه نائب المسلمين، لا الإمام)؛ لأن ولاية القضاء الصادرة من الإمام للقاضي عقدٌ لمصلحة المسلمين. فلم يملك عزله مع سداد حاله، كما لو عقد النكاح على موليته لم يكن له فسخه.
وقيل: ينعزل.
والأول المذهب.
قال في " الإنصاف " لما ذكر الوجهين أحدهما: لا تبطل ولايته ولا ينعزل، وهو الصحيح من المذهب. جزم به الأدمي (١) في " منتخبه "، وقدمه. في " الرعايتين " و " الحاوي الصغير " و " الفروع " و " المحرر "، واختاره الشيخ تقي الدين. انتهى.
(ولو كان المستنيبُ قاضيًا، فعَزَل نُوَّابَه، أو زالت ولايتُه بموت أو غيره:
انعز لو ا).
قال في " شرج المقنع ": وأما إذا استخلف القاضي خليفة فإنه ينعزل بموته وعزله؛ لأنه نائبهء أشبه الوكيل. وهذا بخلاف من ولاه الإمام قاضيًا فانه يتعلق به قضايا الناس وأحكامهم عنده وعند نوابه بالبلدان فيشق ذلك على المسلمين. (وكذا والٍ، ومحتسِبٌ، وأميرُ جهادٍ، ووكيلُ بيتِ المال، ومن نُصِب لجبايةِ مالٍ وصرفه).
قال في " الفروع " بعد أن تكلم على مسألة عدم انعزال القاضي بزوال ولاية
من ولاه: ومثله (٢) كل عقد لمصلحة المسلمين؛ كوال، ومن ينصبه لجبايه مال وصرفه، وأمير الجهاد، ووكيل بيت المال، والمحتسب. ذكره شيخنا، وهو ظاهر كلام غيره.
وقال أيضًا في الوكيل: لا ينعزل بانعزال المستنيب وموته حتى يقوم غيره
стр. 5085
مقامه. وفي " الرعاية ": في نائبه في الحكم وقيّم الأيتام وناظر الوقف ونحوهم أوجه، ثالثها: إن استخلفهم بإذن من ولاه، وقيل وقال: استخلف (١) عنك: انعزلو ا.
(ولا يبطل ما فرضه فارضٌ في المستقبل) يعني: بموت فارض.
(ومن عَزَل نفسه) ممن ذكرنا (انعزل).
قال في " الفروع ": في الأصح.
وقال صاحب " الرعاية ": إن لم يلزمه قبوله.
وقال القاضي: عزل نفسه يتخرج على روايتين، بناء على أنه هل هو وكيل المسلمين أم لا؟ وفيه روايتان نص عليهما في خطأ الإمام. فإن قلنا: في بيت المال فهو وكيل، فله عزل نفسه، وإن قلنا: على عادلته فلا.
(لا بعزلٍ قبل علمه)؛ لأنه يتعلق به قضايا الناس وأحكامهم فيشق. بخلاف الوكيل فإنه متصرف في أمر خاص.
(ومن أُخبر بموت) قاض (مولًّى ببلدٍ، وولَّى غيره، فبان حيًا: لم ينعزل) في الأصح. فيؤخذ من هذه المسألة: أن من أنهى شيئًا فولي بسبب إنهائه ولاية ثم تبين بطلان إنهائه: أن ولايته لا تصح؛ لأنها كالمعلقه على صحة الإنهاء. وهذه مسألة كثيرة الوقوع، فليتنبه لها.
стр. 5086
[فصل: في صفات القاضي]
(فصل. ويُشترط كون قاضٍ) متصفاً بعشر صفات. أشار اليها بقوله: (بالغاً عاقلاً)؛ لأن غير البالغ العاقل تحت ولاية غيره. فلا يكون والياً على غيره.
(ذكراً)؛ لقول النبي ﷺ : " ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة " (١) .
ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل ضعيفة الرأي، ليست أهلاً للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة ما لم يكن معهن رجل، وقد نبَّه الله على ضلالهن ونسيانهن بقوله : ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان. ولهذا لم يول النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه امرأة قضاء.
(حراً)؛ لأن غير كامل الحرية منقوص بما فيه من الرق، مشغول بحقوق سيده. فلم يكن أهلاً للقضاء؛ كالمرأة.
(مسلماً)؛ لأن الإسلام شرط للعدالة. فأولى أن يكون شرطا للقضاء.
(عدلاً ولو تائباً من قذف).نص على ذلك الإمام أحمد؛ فلا تجوز تولية الفاسق، ولا من (٢) فيه نقص يمنع قبول شهادته؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فأمرنا بالتبين (٣) عند
стр. 5087
قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله ويجب التبين (١) عند حكمه.
ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً. فلئلا يجوز أن يكون قاضيا أولى.
(سميعاً)؛ لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين.
(بصيراً)؛ لأن الأعمى لا يعرف المدعِي من المدعَى عليه، ولا يعرف المقر من المقر له.
(متكلّماً)؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم جميع الناس إشارته.
(مجتهداً). قال في " الفروع ": إجماعاً. ذكره ابن حزم، وأنهم أجمعوا: أنه لا يحل لحاكم ولا مفتي تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله.
ولأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله.
ولقوله : ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
وقال الله : َ ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
ولقوله: " القضاة ثلاث: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار " (٢) . رواه أبو داود ورجاله ثقات.
لأن المفتي لا يجوز أن يكون عامياً مقلداً فالحاكم أولى.
وفي " الإفصاح ": أن الإجماع انعقد على تقليد كلٍّ من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم.
وقال الموفق في خطبة " المغني ": النسبة إلى إمام في " الفروع " كالأئمة
стр. 5088
الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة واتفاقهم حجة قاطعة.
(ولو) كان اجتهاده (في مذهب إمامه) إذا لم يوجد غيره (للضرورة). واختاره في
" الترغيب ". واختار في " الإفصاح " و " الرعاية ": أو مقلداً.
قال في " الإنصاف ": قلت: وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا تعطلت أحكام الناس. انتهى.
(فـ) على ما اختاره في " الترغيب " وعلى ما قاله في " الإنصاف " فإنه (يراعي ألفاظ إمامه، و) يراعي من أقواله (متأخّرَها، ويقلّد كبار مذهبه في ذلك) أي: في كون ذلك لفظ إمامه، وفي كون هذا القول متأخراً عن هذا القول، (ويَحُكم به ولو اعتقد خلافه).
قال في " الفروع ": وظاهره أنه يحكم ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، وأنه لا يخرج عن الظاهر عنه، فيتوجه مع الاستواء- أي: استواء القولين عنده- الخلاف في مجتهد. ثم قال بعد أسطر: ويحرم الحكم والفتوى بالهوى إجماعاً، وبقولٍ أو وجهٍ عن غير نظر في الترجيح إجماعاً. ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعاً. قاله شيخنا. انتهى.
ثم قال بعد ذلك: وقال شيخنا: الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم بالعدل وتنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله . وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان.
ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وأن على هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى لعدمٍ أنفع الفاسقين وأقلهما شراً، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد. وهو كما قال، فإن المروذي نقل فيمن قال: لا أستطيع الحكم بالعدل: يصير الحكم إلى أعدل منه.
قال شيخنا: قال بعض العلماء: إذا لم يوجد إلا فاسق عالم، أو جاهل دَيّن قُدّم ما الحاجة إليه أكثر إذا. وقد وجدت بعض فضلاء أصحابنا في زماننا كتب للأنس به ما يوافق ذلك. وهو ما قاله أبو بكر الخوارزمي: الولاية أنثى تكبر
стр. 5089
وتصغر بواليها، ومطيّة تحسن وتقبح بممتطيها، فالأعمال بالعمال كما أن النساء بالرجال، والصدور مجالس ذوي الكمال.
وقد عرف (١) مما سبق أنه لا يعتبر غير ذلك.
و (لا) يعتبر (كونه كاتباً) في الأصح؛ لأن رسول الله ﷺ كان أمياً وهو سيد الحكام، وليس من (٢) ضرورة الحكم الكتابة فلا يعتبر شرطها.
(أو) كونه (ورِعاً، أو زاهداً، أو يقِظاً، أو مثبِتاً للقياس) في الأصح في الجميع، (أو حسَنَ الخُلق. والأولى كونه كذلك)؛ كالأسن مع مساواته للشاب في جميع الصفات.
(وما يمنعُ التولية ابتداءً: يمنعها دواماً). فمتى جُن أو فسق أو وجد منه نحو ذلك أزال الولاية؛ لأن وجود العقل والعدالة ونحو ذلك شروط (٣) في صحة الولاية. فتبطل بزوالها؛ لفقد شرطها.
(إلا فقْد السمع والبصر فيما ثبت عنده) في حال كونه سميعاً وبصيراً (ولم يحكم به) حتى عمي أو طرش، (فإن ولاية حكمه باقية فيه) فإنها إنما منع منهما ابتداء؛ لأن الأعمى لا يفرق بين المدعي والمدعى عليه، والأصم لا يفرق بين اللفظ إذا سمعه فلا يمكنه الحكم. فإذا كان قد عرفهما قبل العمى وسمع منهما قبل الصمم وثبت عنده المحكوم عليه من الخصم، واللفظ (٤) لم يمنع العمي والصمم الحكم؛ لأن فقدهما ليس من مقدمات الاجتهاد. فيصح الحكم منه مستنداً إلى حال السمع والبصر. وإذا جاز الحكم مع ذلك لم يوجب ذلك العزل عن الولاية. بخلاف غيرهما من الفسق والجنون والردة ونحوها.
(ويتعيَّن عزلُه) أي: عزل القاضي (مع (٥) مرض يمنعُه القضاء).
стр. 5090
قال في " الإنصاف ": لو مرض مرضاً يمنعه القضاء تعين عزله. قدمه في" الفروع ".
وقال المصنف والشارح: ينعزل. ومراده بالمصنف: الموفق.
(ويصح أن يولى عبدُ إمارةَ سرية، وقَسْم صدقة، و) قسم (فيءٍ، وإمامةَ صلاة).
قال في " الإنصاف ": يصح ولاية العبد إمارة السرايا، وقسم الصدقات، والفيء، وإمامة الصلاة. ذكره القاضي محل وفاق.
(والمجتهد) مأخوذ من الاجتهاد وهو: استفراغ الفقيه وسعه؛ لتحصيل ظن بحكم شرعي. وهو: (من يَعرف من الكتاب) أي: كتاب الله (و) من (السنة) أي: سنة رسول الله ﷺ : (الحقيقة) من القول وهي: اللفظ المستعمل في وضع أول.
(والمجاز) وهو: اللفظ المستعمل في غير وضع أول. زاد بعضهم على وجه: يصح استعماله فيه.
(والأمر) وهو: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به.
(والنَّهي) وهو: اقتضاء كفٍ عن فعلٍ لا بقول كف.
(والمُجْمَل) وهو: ما لا يفهم منه عند الإطلاق شيء.
(والمُبيَّن) وهو: الشيء المخرج من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وقال الشافعي: هو اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعبة " الفروع ".
(والمحْكَم) هو: اللفظ المتضح المعنى.
(والمتشابَه): مقابله إما الاشتراك أو ظهور تشبيه.
(والعام): ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقاً.
(والخاص): قصر العام على بعض (١) مسمياته.
стр. 5091
(والمطلَق): ما دل على شائع في جنسه.
[(والمقَّيد) هو: ما دل على شيء معين] (١) .
(والناسِخ) هو: الرافع لحكم شرعي.
(والمنسُوخ) هو: ما ارتفع حكمه شرعاً بعد ثبوته شرعاً.
(والمستثنى) هو: المخرج بإلا وما في معناها من لفظ شامل له.
(والمستثنى منه) هو: العام المخصوص بإخراج بعض ما دل عليه بـ " إلا "وما في معناها.
(و) يَعرف (صحيح السنة) وهو: ما نقله العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة.
(وسقيمَها) أي: سقيم السنة وهو: ما لم يوجد فيه شروط الصحة؛ كالمنقطع والمنكر والشاذ وغيرها.
(و) يَعرف (مُتواترها) وهو: الخبر الذي نقله جمعُ لا يتصور تواطؤهم على الكذب، مستوفياً في ذلك طرفاه ووسطه. والحق: أنه لا ينحصر في عدد، بل يُستدل بحصول العلم على حصول العدد. والعلم الحاصل عنه ضروري في الأصح.
(و) يعرف (آحادَها) أي: آحاد السنة وهي: ما عدا المتواتر. وليس المراد به أن يكون رواية واحد، بل كل ما لم يبلغ التواتر فهو آحاد.
(و) يعرف (مُسنَدَها) أي: مسند السنة وهو: ما اتصل إسناده من رواته إلى منتهاه. وأكثر استعماله فيما جاء عن النبي ﷺ .
(و) يعرف (المنقطِعَ) من الأحاديث. وهو: ما لم يتصل سنده على أيّ وجه كان الانقطاع.
وزاد بعضهم (و) يعرف (مرسلَها) أي: مرسل السنة. وهو: قول غير
стр. 5092
الصحابي، قال رسول الله ﷺ . وأما مرسل الصحابي فهو حجة عند الجمهور. (و) يعرف (متصلَها) أي: متصل السنة. وهو: ما اتصل إسناده وكان كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه، سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً.
(مما يتعلَّق بالأحكام) خاصة.
وظاهر ما تقدم أنه لا يجب على المجتهد حفظ القرآن، وإنما المعين عليه حفظ خمسمائة آية كما نقله المعظم؛ لأن المجتهد هو من يعرف الصواب بدليله؛ كالمجتهد في القبلة. ولكل مما ذكرنا دلالة لا يمكن معرفتها إلا بمعرفته. فوجب معرفة ذلك؛ لتعرف دلالته ووقف الاجتهاد على معرفه ذلك.
(و) يعرف (المجمَعَ عليه، والمختلَفَ فيه)؛ لأنه إذا كان الحكم مجمعاً عليه يكون الاجتهاد فيه خطأ. فيحتاج إلى العلم به؛ لئلا يؤديه الدليل إلى مخالفته فيكون مخطئاً قطعاً. ويحتاج إلى معرفة المختلف فيه وأقوال الأئمة فيه؛ لئلا يؤديه اجتهاده إلى قولٍ يخرج عن أقوال السلف، وذلك لا يجوز عند من يقول: لا يجوز إحداث قول في المختلف فيه لا قائل به.
(و) يَعرف (القياس) وهو: رد فرع إلى أصل.
(و) يَعرف (شروطَه)؛ لأنه ليس كل مسألة يوجد فيها نص. فاحتيج إلى القياس؛ ليعلم به الحكم فيما لا نصَّ فيه (١) برده إلى أصله، (وكيف يستنبط) القياس؟ فإنه تارة ينظر إلى الأصل، وتارة إلى الفرع، وتارة إلى العلة على الكيفية المذكورة في محالّها.
(و) يعرف (العربيَّة المتداولَة بالحجاز والشام والعراق).
قال في " المستوعب " و " المحرر ": واليمن.
(وما يُواليهم) أي: ومن يوالي (٢) هذه البلاد من العرب. قيل: المراد بالعربية الإعراب والألفاظ العربية. والأشهر: أنها اللغة العربية من حيث
стр. 5093
اختصاصها بأحوال هي الإعراب لا توجد في غيرها من اللغات، ليعرف بذلك استنباط الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسنة. وقد نص أحمد على اشتراط ذلك في المفتى، فالقاضي مثله، بل أشد. وكل ذلك مذكور في أصول الفقه وفروعه.
(فمن) وقف عليه ورُزق فهمه و (عرف أكثر ذلك فقط: صلُح للفُتْيا والقضاء)، لأنه صار يمكنه الاستنباط والاجتهاد والترجيح بمن الأقوال. وبالله التوفيق لصالح الأعمال.
قال في " آداب المفتي ": ولا يضر جهله ببعض ذلك (١) ؛ لشبهة أو إشكال، لكن يكفيه معرفة وجود دلالة الأدلة، ويكفيه أخذ الأحكام من لفظها ومعناها. زاد ابن عقيل في
"التذكرة": ويعرف الاستدلال، واستصحاب الحال، والقدرة على إبطال شبهة المخالف، وإقامة الدليل (٢) على مذهبه. انتهى.
***
стр. 5094
[فصل: في الحَكَم]
(فصل. وإن حكَّم) بتشديد الكاف (اثنان فأكثر بينها) رجلاً (صالحاً للقضاء) يعني: متصف بصلاحيته للقضاء فحكَم بينهما: (نفذ حكمه في كل ما ينفذُ فيه حكم من ولاَّه إمام أو نائبه) في الأصح؛ لما روى أبو شريح أن رسول الله ﷺ قال له: " إن الله هو الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتونى فحكمت بينهم فرضي عليّ الفريقان. قال: ما أحسن هذا لِلَّهِ فمن أكبر ولدك؟ قال: شريح. قال: فأنت أبو شريح " (١) أخرجه النسائي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما
فهو ملعون " (٢) . ولولا أن حكمه يلزمهما (٣) لما لحقه هذا الذم.
و" لأن عمر وأبياً تحاكما إلى زيد بن ثابت " (٤) .
و" تحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم " (٥) . ولم يكن أحد ممن ذكرنا قاضياً.
стр. 5095
(لكنْ: لكلٍّ منهما) أي: من المتحاكمين (الرجوع) عن تحكيمه (قبل شُروعه في الحكم)، لأنه لا يلزم حكمه إلا برضى الخصمين. أشبه رجوع الموكل عن التوكيل قبل التصرف فيما وكّله فيه.
وقال القاضي: لا ينفذ حكم غير من ولاه الإمام إلا في المال خاصة.
وعلى الأول الذي هو المذهب: له أن يشهد على نفسه بحكمه، ويلزم الحكام قبوله. وكتابه ككتاب حاكم الإمام. والله أعلم.
وفي " عُمَد الأدلة " بعد ذكر التحكيم: وكذا يجوز أن يتولى متقدموا (١) الأسواق والمساجد الوساطات (٢) ، والصلح عند الغورة، والمخاصمة، وصلاة الجنازة، وتفويض المال إلى الأوصياء، وتفرقة زكاته بنفسه، وإقامة الحدود على رقيقه، وخروج طائفة إلى الجهاد تلصصاً وبياتاً، وعمارة المساجد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعزير لعبيد وإماء وأشباه ذلك.
وقال في " المستوعب" عمن حكاه: وينبغي أن يشهد عليهما بالرضى بحكمه قبل أن يحكم بينهما؛ لئلا يجحد المحكوم. عليه منهما أنه حكمه، فلا يقبل قوله عليه إلا ببينة. انتهى.
***
стр. 5096
[باب: أدب القاضي]
هذا (باب أدب (١) القاضي. وهو) أي: وأدبه (٢) : (أخلاقه التي ينبغي)
له (التخلُّق بها. والخُلُق: صورتُه الباطنة). والحاصل: أن هذا الباب معقود لما يجب على القاضي أن يأخذ به نفسه وأعوانه من الآداب والقوانين التي تنضبط بها أمور القضاء وتحفظهم عن الميل والزيغ.
إذا علمت ذلك فإنه (يُسن كونه) أي: كون القاضي: (قوياً بلا عُنْف) وهو ضد الرفق. وذلك " لئلا يطمع فيه الظالم.
(ليّناً بلاضعف)، لئلا يهابه صاحب الحق.
(حليماً) لئلا يغضب من كلام الخصم فيمنعه ذلك من الحكم بينهم.
(متأنياً) اسم فاعل من التأنى وهو ضد العجلة؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لاينبغي.
(متفطّناً)؛ لئلا يخدع من بعض الخصوم لغرة.
قال في " شرح المقنع ": عالماً بلغات أهل ولايته.
(عفيفاً) وهو الذي يكف نفسه عن الحرام؛ لأنه لا يطمع في ميله بأطماعه. (بصيراً بأحكام الحكَّام قبله)؛ لقول علي رضي الله تعالى عنه: " لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضياً حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم " (٣) .
стр. 5097
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: " ينبغي للقاضي أن يكون فيه سبع خصال إن فاتته واحدة كانت فيه وصمة: العقل، والعفة، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنن، والحكم ". رواه سعيد.
ولأنه إذا كان بصيراً بأحكام الحكام قبله سهل عليه الحكم واتضح له طريقه.
(و) يسن (سؤاله) أي: سؤال القاضي: (إن وُلّيَ في غير بلده عن علمائه)؛ ليشاورهم فى حوادثه ويستعين بهم على قضائه، (و) عن (عُدوله)؛ لأنهم هم الذين يثبت بهم الحقوق عنده، وهم الذين يستند أحكامه إليهم فيَقبل من يرى قبوله ويَترك من يرى تركه، وليكون على بصيرة منهم، (وإعلامُهم) بأن يُنفذ عند مسيره من يُعلمهم (يومَ دخولهِ؛ ليتلقّوه)؛ لأن ذلك أعظم لحشمته وأوقع له في النفوس. (من غير أن يأمرهم بتلقّيه) في الأصح. وقال جماعة: ولأمرهم (١) بتلقّّيه.
(و) يست (دخولُه) البلد الذي ولي الحكم فيه (يوم اثنين، أو) يوم (خميس، أو) يوم (سبت)؟ " لأن النبي ﷺ دخل في الهجرة المدينة يوم الإثنين " (٢) .
و"دخل ﷺ من غزوة تبوك المدينة يوم الإثنين ".
ولقوله ﷺ : " بورك لأمتي في سبتها وخميسها ".
وينبغي أن يكون دخوله (ضَحْوَة)؛ لاستقبال الشهر تفاؤلاً، (لابساً أجملَ ثيابه) أي: أحسنها؛ لأن الله جميل يحب الجمال، وقد قال الله :
﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛لأنها مجامع الناس وهذا موضع يجتمع فيه ما لا يجتمع في المساجد. فكان أولى بالزينة.
(وكذا أصحابه)؛ ليكون ذلك أعظم له في النفس فإن النفوس تزدري الإنسان لرثاثة حاله، وتعظمه بحسن ملبوسه ونظافته.
стр. 5098
(ولا يتطيَّر) بشيء، (وإن تفاءل فحسن.
فيأتي الجامع: فيصلي) فيه (ركعتين، ويجلس مستقبلاً) القبلة، لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة، (ويأمُرُ) القاضي (بعهده فيُقرأُ على الناس)؛ ليعلموا توليته، ويعلموا احتفاظ الإمام على اتباع أحكام الشرع والنهي عن مخالفته، وقدر المولَّى بفتح اللام عنده، ويعلموا حدود ولايته وما فُوض إليه الحكم فيها.
(و) يأمرُ (بمن يناديهم بيوم جلوسه للحكم)، ليعلم من له حاجة ليأتي إليه يوم جلوسه للحكم.
(ويُقلُّ من كلامه إلا لحاجة) إلى الكلام.
(ثم يمضي إلى منزله) الذي أُعد له ليستريح من نصب سفره، (ويُنْفِذُ: فيتسلَّم ديوانَ الحكم) بكسر الدال وحكي فتحها، وهو فارسي معرب (ممن) كان قاضياً (قبله)، وديوان الحكم هو: الدفتر المنصوب المعدّ لكَتْب ثبوت (١) حجج الناس ووثائقهم وسجلاتهم وودائعهم؛ لأنه الأساس الذي ينبني عليه، وهو في يد الحاكم بحكم الولاية (٢) ، وقد صارت إليه فوجب أن ينتقل ذلك إليه.
قال في " التبصرة ": (و) لـ (يأمر كاتباً ثقةً: يُثْبتُ ما تسلَّمه بمحضَر عَدْلين.
ثم يخرُج يومَ الوعد) أي: يوم وعد الناس بالجلوس فيه للحكم (بأعدل أحواله: غير غضبان، ولا جائع، ولا حاقن، ولا مهموم بما يَشغلُه عن الفهم) " ليكون ذلك أجمع لقلبه، وأبلغ في تيقظه للصواب. فإن كلاً من هذه الصفات مما يشغل خاطره عن الفهم ويمنعه عن الفكر. (فيسلّمُ على من يَمُرُّ به ولو صبياً) " لأن السنة في الراكب والماشي أن يسلما على الجالس وهو لا يخلو أن يكون راكباً أو ماشياً (ثم) يسلم (على من بمجلسه) " لأن النبي ﷺ قال:
стр. 5099
" إن (١) من حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه " (٢) . وهذا وقت لقاء من في مجلسه. فوجب أن يسلم عليهم لذلك.
(ويصلّي إن كان بمسجد تحيتَه)، لاستحباب ذلك.
(وإلا) أي: وإن لم يكن بمسجد: (خُيّر) بين أن يصلي وأن لا يصلي؛ كسائر المجالس. (والأفضل: الصلاة)، لما فيها من الثواب.
(ويجلس على بِساط ونحوه) يختص به؛ ليتميز به عن غيره في المجلس؛ لأن ذلك أهيب له، وأوقر لحرمته، وأوفى لوقاره في النفوس؛ لأن هذا مقام عظيم يجب فيه إظهار الحرمة؛ تعظيماً للشرع والناس سيّما العوام فإنهم قل أن يعظموا إلا ذوي الهيئات من الملابس وغيرها.
(ويدعو) الله (بالتوفيق) للحق (والعِصْمة) من زلل القول والعمل، لأنه مقام خطر يجب ان يكون (مستعيناً) بالله و (متوكلاً) عليه.
ويسن أن يدعو بذلك كله (سراً)، لأن ذلك أرجى للإجابة.
(وليكُن مجلسُه) [في موضع] (٣) (لا يتأذى فيه بشيء)؛ لئلا يلام مع وجود التأذي.
وليكن مجلسه (فسيحاً، كجامع).
ويجوز القضاء في الجامع والمساجد من غير كراهة في قول أحمد ومالك وإسحاق وابن المنذر. وروي عن عمر وعلي وعثمان رضي الله تعالى عنهم: أنهم كانوا يقضون في المسجد.
قال مالك: القضاء في المسجد من أمر الناس القديم.
ولأن القضاء قربة وطاعة وإنصاف بين الناس. فلا يمتنع كونه بالمسجد.
стр. 5100
وأما الحائض فإن عرضت لها حاجة إلى القضاء وكّلت أو أتت القاضي في منزله، والجنب يغتسل ويدخل. وقد كان النبي ﷺ يجلس في المسجد مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك من حوائج المسلمين، وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق في المسجد وربما رفعوا أصواتهم (١) . فقد روي عن كعب بن مالك قال: " تقاضيت ابن أبي حَدْرد ديناً في المسجد حتى ارتفعت أصواتنا. فخرج النبي ﷺ فأشار إليّ أن ضع الشطر. فقلت: نعم يا رسول الله! فقال: قم فاقضه " (٢) .
وما روي " أن عمر كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا يقضي في المسجد؛ لأنه تأتيك الحائض والجنب "، فلم يعلم له صحة، وقد روي عن عمر خلاف ذلك.
(ويصُونُه) أي: يصون المسجد (مما يُكره فيه) أي: في المسجد، (و) كـ (دار واسعة وسط البلد: إن أمكن)؛ ليستوي أهل البلد في المضي إليه.
(ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً بلا عذر)؛ لما روى عمرو بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجات والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته " (٣) . رواه أحمد والترمذي.
ولأن الحاجب والبواب إنما جعلا ليمنعا وإنما هو منتصب لحاجاب الناس.
فإذا جَعل له حاجباً أو بواباً ربما منعا ذا الحاجة عن حاجته لهوى النفس أو غرض الحطام (٤) .
(إلا في غير مجلس الحكم إن شاء)؛ لأنه يحتاج الى الخلوة بنفسه.
стр. 5101
(ويعرض القِصَص، ويجب تقديم سابق)؛ كسبقه الى مباح، و (لا) يقدم سابق (في أكثر من حُكومة) واحدة؛ لئلا يستوعب المجلس فيضر بغيره، (ويُقرع) بينهم: (إن حضروا دفعة) واحدة (وتشاحُّوا) في أيهما يقدم.
(وعليه) أي: على القاضي (العدلُ) أي: أن يعدل (بين متحاكمين) ترافعا إليه: (في لَحْظه، ولفظه، ومجلسه، ودخولٍ عليه. إلا إذا سلَّم احدهما فيردُّ) عليه (ولا ينتظر سلام الثاني) في الأصح.
(وإلا المسلم) إذا تخاصم (مع كافر: فيقدَّم) المسلم (دخولاً) أي: في الدخول على القاضي، (ويُرفَعُ (١) جلوساً) أي: في الجلوس في الأصح؛ لحرمة الإسلام، قال الله : ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]. ووجه
وجوب العدل بين الخصمين ما روى عمرو بن شَبَّة (٢) في كتاب القضاء بإسناده عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ولا يرفعه على الآخر " (٣) .
وفي رواية: " فليسوي بينهم في النظر والمجلس والإشارة ".
ولأنه إذا ميَّز أحد الخصمين عن الآخر حصر وانكسر وربما لم تقم حجته فيؤدي ذلك إلى ظلمه.
(ولا يُكره قيامه) أي: قيام القاضي (للخَصمَين) في الأصح. فإن قام لأحدهما وجب أن يقوم للآخر.
(ويحرم أن يُسارَّ أحدهما، أو يلقّنه حُجة، أو يُضيّفه)؛ لما في ذلك (٤) من الإعانة على خصمه وكسر قلبه.
стр. 5102
وقد روي عن علي رضى الله تعالى عنه " أنه نزل به رجل. فقال له: ألك خصم؟ قال: نعم. قال: تحوّل عنا، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تضيفوا أحد الخصمين إلا وخصمه معه " (١) .
(أو يُعلّمه كيف يدَّعي؟ إلا أن يترك ما يلزم ذكره) في الدعوى؛ (كشرط عقد، و) ذكر (سبب ونحوه فله أن يسأل عنه) في الأصح ليتحرر؛ لأنه لا ضرر على صاحبه في ذلك.
ولأن أكثر الخصوم لا يعلم ذلك فيحتاج إلى السؤال عنه. فلو لم يكلفه السؤال لضاعت حقوق الناس؛ لأن الحاكم لا يمكنه الحكم إلا بعد تحرير الدعوى، فإذا سأل عن ذلك اتضح له وجه الحكم.
(وله) أي: للحاكم (أن يَزِنَ) عن أحد الخصمين (ويشفع) له عند خصمه (ليضع عن خصمه) شيئا من الحق على الأصح (أو يُنظِرَه).
أما جواز الوزن عنه، فإن في ذلك نفعاً لخصمه.
وأما جواز الشفاعة فيه، فلأنها شفاعة حسنة. وقد قال الله : ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥].
وقد روى كعب بن مالك " أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَد فى ديناً كان عليه في المسجد. فارتفعَتْ أصواتُهُما حتى سمعها النبي ﷺ وهو في بيته. فخرج إليهما حتى كشفَ سِجْفَ حُجْرَتِه. فنادى: يا كعب! فقال: لبيك يارسول الله! فقال: ضع من دينك هذا. وأومأ إليه أي: الشطر. قال: قد فعلتُ يا رسول الله لِلَّهِ قال: قُمْ فاقْضِه " (٢) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
стр. 5103
وأدنى هذا الأمر أن يكون شفاعة في الوضع عنه. وإذا جاز في الوضع فالإنظار أولى.
(و) للحاكم أيضاً (أن يُؤدّب خصماً افتاتَ عليه) بأن قال: حكمت عليَّ بغير الحق، أو ارتشيت عليَّ أو نحو ذلك بضربٍ لا يزاد على عشر وحبس، وأن يعفو عنه (ولو لم يثبُت) افتياته (١) (ببينة.
و) له أيضاً (أن ينتَهِرَه إذا التَوى) عن الحق.
(وسُن) للقاضي (أن يُحضر مجلسَه فقهاء المذاهب، ومشاورتُهم فيما يُشكل) إن أمكن، حتى إذا حدثت حادثة تفتقر إلى سؤالهم سألهم عنها ليذكروا أدلتهم فيها، وجوابهم عنها، فإنه أسرع لاجتهاده، وأقرب لصوابه.
(فإن اتَّضح) للحاكم الحكم حكم باجتهاده، وليس لأحد منهم خالف الحكم اجتهاده أن يعترض على الحاكم؛ لأن في ذلك افتياتاً عليه. (وإلا) أي: وإن لم يتضح له الحكم: (أخَّره).والأصل في ذلك قوله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال الحسن: " إن كان رسول الله لغني عن مشاورتهم. وإنما أراد أن يستن بذلك الحاكم بعده " (٢) .
وقد " شاور النبي ﷺ أصحابه في أسارى بدر " (٣) .
و"في مصالحة الكفار يوم الخندق " (٤) .
стр. 5104
و" شاور أبو بكر الناس في ميراث الجدة " (١) .
و"عمر في دية الجنين " (٢) .
وروي " أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكون عنده الجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عثمان وعلي (٣) وطلحة والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف إذا نزل به الأمر شاورهم فيه ".
ولا مخالف في استحباب ذلك.
قال أحمد: لما ولي سعيد بن إبراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم ويشاوهما.
ولأن القاضي يتنبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة.
ولأن الإحاطة بجميع العلوم متعذرة، وقد يتنبه للإصابة ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي، فكيف بمن يساويه أو يزيد عليه.
وقد روي " أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه جاءته الجدتان أم الأم وأم الأب فورّث أم الأم وأسقط أم الأب. فقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله أسقطت التي لو ماتت ورثها وورّثت التي لو ماتت لم يرثها. فرجع أبو بكر فشرك بينهما " (٤) .
والمشاورة هنا؛ لاستخراج الأدلة، وتعرّف الحق بالاجتهاد.
إذا تقرر هذا (فلو حَكم ولم يجتهد: لم يصحَّ) حكمه، (ولو أصاب الحق) حيث كان من أهل الاجتهاد.
стр. 5105
(ويحرُم) عليه (تقليد غيره ولو كان) غيره (أعلم) منه؛ كالمجتهدين في القبلة. نقل أبو الحارث: لا تقلد أمرك أحدا وعليك بالأثر.
وقال أحمد للفضل بن زياد: لا تقلّد دينك الرجال فإنهم لم يسلموا أن يغلطوا.
(و) يحرم على القاضي أيضاً (القضاء وهو غضبان كثيراً)؛ لخبر أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: " لا يقضينَّ حاكم بين اثنين وهو غضبان " (١) . متفق عليه.
ولأنه ربما حمله الغضب على الجور في الحكم.
وفيه [من الوعيد] (٢) ما روى ابن أبي أوفى مرفوعاً: " إن الله مع القاضي ما لم يجر. فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان ") (٣) . رواه الترمذي.
وقد جاء في حديث مخاصمة الأنصاري والزبير في شَراج الحرة لما قال الأنصاري للنبي ﷺ : " أن كان ابن عمتك. فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ . وقال للزبير: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " (٤) . رواه الجماعة.
стр. 5106
فلم يمنعه ذلك الغضب؛ لأنه ﷺ كان له أن يقضي وهو غضبان.
ومحل ذلك: إذا كان الغضب كثيراً يمنع فهم الحكم، إذ لو كان كل غضب ولو كان يسيراً يمنع الحكم وجب أن يمتنع (١) من الحكم عند غضبه.
(أو) يقضي وهو (حاقِنُ، أو في شدة جوعٍ، أو) في شدة (عطشٍ، أو هَمٍّ أو مَللٍ أو كسلٍ أو نُعاسٍ، أو بَرٍد مؤلمٍ، أو حَرٍ مُزعجٍ)؛ لأن ذلك كله يَشغل الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب ويمنع حضور القلب فهو في معنى الغضب المنصوص عليه فيجري مجراه.
(وإن خالف) وحكم في حالة لا يحل له الحكم فيها؛ كما لو حكم وهو غضبان أو نحو ذلك (فأصاب الحقَّ: نفذ) حكمه في الأصح. ذكره القاضي في " المجرد ". وهو مذهب الشافعي؛ " لأن النبي ﷺ حكم للزبير حال غضبه " (٢) . والأصح: أن ذلك مما اختص به رسول الله ﷺ ، وإلى ذلك أشير بقوله:
(وكان للنبي ﷺ القضاء مع ذلك) أي: مع ما يحرم على غيره القضاء معه مما تقدم ذكره؛ (لأنه) ﷺ (لا يجوز عليه غلطُ يُقَرُّعليه) أي: يقره الله عليه، (لا قولاً ولا فعلاً في حُكم). بخلاف غيره من الأمة.
(ويحرُم) على الحاكم (قبولُه رِشوة) بتثليث الراء. وقد اتفق العلماء على تحريمها؛ لما روى عبد الله بن عمر قال: " لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي " (٣) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه أبو هريرة وزاد " في الحكم " رواه أبو بكر في " زاد المسافر "، وزاد:
" والرائش " وهو: السفير بينهما.
стр. 5107
وقال الحسن وسعيد بن جبير في تفسير قوله : ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] هو: الرشوة.
ولأن الحاكم إنما يرتشى ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحكم عن الحق، وذلك من أعظم الظلم.
(وكذا) يحرم على الحاكم قبوله (هدية)؛ لما روى أبو حميد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : " هدايا العمال غلول " (١) . رواه أحمد من رواية إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد.
ولأن الهدية يُقصد (٢) بها في الغالب استمالة الحاكم؛ ليعتنى به في الحكم فتشبه الرشوة.
قال مسروق: إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر.
وقد روى أبو حميد أيضاً قال: " بعث رسولط الله ﷺ رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة. فقالط: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ. فقام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أُهدي إليَّ. ألا جلس في بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم (٣) لا؟ والذي نفس محمد بيده لا نبعث (٤) أحداً منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته: إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تبعر. فرفع يده حتى رأيت عفرة إبطيه. فقال: اللهم! هل بلغت ثلاثاً" (٥) . متفق عليه.
стр. 5108
ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها؛ ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه. فلم يجز قبولها.
(إلا) إذا كانت الهدية (ممن كان يُهاديه قبل ولايته: إذا لم تكن له حكومة)، لأن التهمة منتفية في هذه الحالة؛ لأن المنع إنما كان من أجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة وكلاهما منتفٍ: (فيباح) له أخذها (كمفتٍ) أي: كما يباح للمفتي أخذ الهدية. (وردُّها) أي: والتنزُّه عن أخذها في هذه الحا لة (أوْلى) للحاكم.
قال في " شرح المقنع ": قال القاضي: ويستحب له التنزه عنها. فإن أحس أنه يقدمها بين يدي خصومه، أو فعلها حال الحكومة: حرُم أخذها في هذه الحال، لأنها كالرشوة. وهذا كله مذهب الشافعي. انتهى.
(فإن خالف). الحاكم فأخذ الرشوة وقبل الهدية: (رُدَّتا لمعطٍ) أي: لأربابهما وجوباً؛ لأن أخذ الحاكم لذلك بغير حق. فأشبه المأخوذ بعقد فاسد. وقيل: يؤخذان إلى بيت (١) المال.
(ويُكره بيعُه وشراؤه) أي: أن يبيع الحاكم أو يشتري (إلا بوكيل: لا يُعرَف به) أنه وكيل الحاكم؛ لأنه إن عرف بذلك يحابى. فتكون محاباته؛ كالهدية.
(وليس له) أي: للقاضي (ولا لوالٍ أن يَتَّجِرَ)؛ لما روى أبو الأسود المالكي عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " ما عَدَلَ والٍ اتَّجَرَ في رعيته أبداً " (٢) .
وإن احتاج إلى مباشرة عقد البيع ولم يكن له ما يكفيه لم يكره له أن يتجر؛" لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه ".
стр. 5109
ولأن القيام بعياله فرض عين. فلا يتركه لوهم مضرة.
(ويُسنُّ له) أي: للقاضي (عيادة المرضى، وشهادة الجنائز، وتوديعُ غازٍ وحاجٍ: ما لم يَشغله) ذلك عن الحكم؛ لأن ذلك كله من القرب، وقد وعد الشارع على ذلك أجراً عظيماً. وله حضور بعض ذلك وترك بعضه؛ لأن هذا يفعله لنفع نفسه بتحصيل الأجر والقربة. بخلاف الولائم؛ لأنه يراعى فيها حق الداعي فينكسر فيها (١) قلب من لم يجبه إذا أجاب غيره.
(وهو) أي: والقاضي (في دعواتٍ) إلى الولائم (كغيره)، لأن النبي ﷺ كان يحضرها وأمر بحضورها وقال: " من لم يجب فقد عصى الله ورسوله " (٢) . ومتى كثرت وازدحمت تركها كلها.
(ولا يجيب قوماً ويدَعُ قوماً بلا عذر)؛ لأن في ذلك كسراً لقلب من لم يجبه. والعذر: أن يكون في إحداها منكراً وفي مكان بعيد دون الباقي، أو يشتغل بها زمناً طويلاً، والأخرى بخلاف ذلك.
(ويوصّي) القاضي وجوباً (الوكلاء والأعوان) الذين (ببابه بالرّفق بالخصوم، وقلَّة الطمع)؛ لأن في ضد ذلك ضرراً بالناس. فيجب أن يوصيهم بما يزول به الضرر عن الناس.
(ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كُهولاً: من أهل الدين والعفة والصيانة)؛لأن كونهم كذلك أقل شراً. فإن الشباب شعبة من الجنون.
ولأن الحاكم تأتيه النساء وفي اجتماع الشباب بهن ضررعظيم.
(ويُباح) للقاضي، قال في " المبدع ": والأشهر: أنه يسن له، (أن يتخذ كاتباً)، " لأن النبي ﷺ استكتب زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان " (٣) . وغيرهما.
стр. 5110
ولأن الحاكم يكثر اشتغاله ونظره في أمر الناس. فلا يمكنه أن يتولى الكتابة بنفسه.
وإن أمكنه الكتابة بنفسه جاز له اتخاذ الكاتب. والاستنابة في الكتابة أولى من توليها بنفسه.
(ويُشترط كونه) أي: كون كاتب القاضي: (مسلماً)؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨].
(عدلاً) والعدل لا يكون إلا (١) مسلماً.
وقد روي " أن أبا موسى قدم على عمر رضي الله تعالى عنه ومعه كاتب نصراني. فأحضر أبو موسى شيئاً من مكتوباته عند عمر. فاستحسنه وقال: قل لكاتبك يجيء ويقرأ كتابه. فقال: إنه لا يدخل المسجد. قال: ولم؟ قال: إنه نصراني. فانتهره عمر، وقال: لا تُؤمّنوهم وقد خونهم الله ، ولا تقرّبوهم وقد أبعدهم الله تعالى، ولا تعزُّوهم وقد أذلُّهم الله تعالى " (٢) .
وإنما اشترطت فيه العدالة؛ لأن الكتابة موضع أمانة.
(ويُسنُّ كونه حافظاً، عالماً)؛ لأن في ذلك إعانة على أمره، وكونه حراً؛ ليخرج من الخلاف، وكونه جيد الخط؛ ليكون أكمل، وكونه عارفاً. قاله في " الكافي "؛ لأنه إن لم يكن عارفاً أفسد ما يكتبه بجهله.
(ويجلس) أي: ويكون مجلس الكاتب (بحيث يُشاهد) القاضى (ما يكتبه)؛ لأنه أبعد للتهمة، وأمكن، لإملائه عليه.
(ويجعل) القاضي (القِمَطْر) بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء
стр. 5111
أعجمي معرب (وهو: ما يجمع فيه القضايا مختومة بين يديه)؛ لأنه أحفظ له من أن يُغيّر.
(ويُسنُّ حكمُه) أي: أن يحكم القاضي (بحضرة شهود)؛ ليستوفي بهم الحقوق، وتثبت بهم الحجج والمحاضر.
(ويحرُم) على القاضي (تعيينُه قوماً بالقبول) أي: بقبول الشهادة دون قوم؛ لأن من تثبت (١) عدالته وجب قبول شهادته.
(ولا يصحُّ، ولا ينفُذُ حكمه) أي: حكم القاضي (على عدوّه). وجوَّز الماوردي من الشافعية حكمه على عدوه؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة وأسباب الشهادة خافيه. واستشكله الرافعي بالتسوية بينهما في عمودي نسبه، وأن المشهور لا يحكم على عدوه كالشهادة عليه.
(بل يُفتي) على عدوه في الأصح؛ لأنها لا إلزام فيها. بخلاف القضاء.
(ولا) يصح ولا ينفذ حكمه (لنفسه، ولا لمن لا تُقبل شهادتُه لهم)، كما لا يجوز أن يشهد لنفسه ولا لعمودي نسبه، ولو كانت الخصومة بين والديه أو بين والده وولده في الأصح؛ لعدم قبول شهادته لأحدهما على الآخر.
ومتى عرضت له أو لأحد ممن ذكرنا حكومة تحاكما إلى بعض خلفائه أو بعض رعيته، " فإن عمر رضي الله تعالى عنه حاكم أبيُّا إلى زيد بن ثابت " (٢) .
و"حاكم رب عراقياً إلى شريح ".
و"حاكم علي رضي الله تعالى عنه رجلاً يهودياً إلى شريح " (٣) .
стр. 5112
و"حاكم عثمان رضي الله تعالى عنه طلحة إلى جبير بن مطعم " (١) .
(وله استخلافُهم) أي: وللقاضي استخلاف والده وولده على القضاء؛ (كحكمه لغيرهم) أي: لغير من لا تقبل شهادته له (بشهادتهم) أي: بشهادة من لا تقبل شهادته له، يعني: كحكم القاضي على أجنبي بشهادة ولديه أو والده وولده، (وعليهم) يعني: وكالحكم على أولاده بشهادة أجنبيين (٢) .
***
стр. 5113
[فصل: ويسن أن يبدأ بالمحبوسين]
(فصل. ويُسنُّ) لمن ولي القضاء (أن يَبدأَ بالمحبوسين) أي: بالنظر في أمرهم؛ لأن الحبس عذاب، وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فاستُحب البدائة بهم. (فيُنفِذ ثقة) إلى الحبس (يكتُب أسماءهم، و) أسماء (من حبسهم وفيم ذلك) أي: وفي أيّ أمر حبسهم اسم كل واحد منهم في رقعة منفردة؛ لئلا يتكرر بكتابة الجميع في رقعة النظر في حال الأول فالأول منها، بل يخرج واحدة من الرقاع بالاتفاق كما في القرعة. (ثم يُنادى في البلد: أنه) أي. أن القاضي (ينظُر في أمرهم) أي: أمر (١) المحبوسين في يوم كذا. فمن له خصم محبوس فليحضر؛ لأن ذلك أقرب لحضورهم من التفتيش عليهم. (فإذا جلس) القاضي (لموعده) نظر قبل كل شيء في رقاع المحبوسين فيخرج رقعة من رقاعهم، ويقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ (فمن حضر له خصم نظر بينهما، فإن كان) المحبوس (حُبس لتُعَدَّل البينةُ) أي: بينة خصمه عليه (فإعادته) إلى الحبس (مبنيَّة على حبسه في ذلك). والأصح حبسه في ذلك فيعاد إلى الحبس في الأصح. (ويُقبل قول خصمه) أي: خصم المحبوس: (في أنه) أي: أن القاضي (حبسه بعد تكميل بينته و) بعد (تعديلها)؛ لأن الظاهر أن الحاكم إنما حبسه لحق ترتَّب عليه.
(وإن) ذكر المحبوس أنه (حبس بقيمة كلب أو خمر ذمي، وصدَّقه غريمه) على ما ذكره: (خُلّي) سبيله؛ لأن غرم هذا ليس بواجب، إن كذبه غريمه وقال: بل حُبست بحق واجب غير هذا فالقول قوله؛ لأن الظاهر أن حبسه بحق واجب.
стр. 5114
(وإن بان حبسُه) أنه (في تُهمَة أو تعزير؛ كافتيات على القاضي قبله، ونحوه)، ككونه غائباً: (خلاَّه) أي: خلا سبيله، (أو أبقاه) في الحبس (بقدر ما يََرَى) في الأصح.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب. ولعله مراد من أطلق وتعليل الشارع يدل عليه. انتهى.
وحيث تقرر: أن إبقاءه في الحبس وإطلاقه راجع إلى رأي الحاكم (فإطلاقُه) المحبوس، (وإذنه ولو في قضاء دين و) إذنه في (نفقة؛ ليرجع، ووضع ميزَاب و) وضع (بناء وغيره)، كوضع خشبة على بناء جاره، (وأمرُه) أي: أمر الحاكم (بإراقة نبيذ). ذكر القاضي مسألة إطلاقه وأمره بإراقة النبيذ في " الأحكام السلطانية " في المحتسب، (وقُرعتُه) أي: قرعة الحاكم (حكم: يَرفعُ الخلاف إن كان).
قال في " الفروع " في هذا الباب: وتقدم أن إذنه في ميزابٍ وبناءٍ وغيره يمنع الضمان؛ لأنه كإذن الجميع. ومن منع، فلأنه ليس له عنده أن يأذن، لا لأن إذنه لا يرفع الخلاف، ولهذا يرجع بإذنه في قضاء دين ونفقه وغير ذلك. ولا يضمن بإذنه في النفقة على لقيط وغيره بلا خلاف، وإن ضمن لعدمها. ولهذا إذن الإمام في أمر مختلف فيه كاف بلا خلاف. وسبق قول شيخنا: الحاكم ليس هو الفاسخ، وإنما يأذن أو يحكم به. فمتى أذن أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ فعقد أو فسخ لم يحتج بعد ذلك إلى حكمه بصحته، بلا نزاع. لكن لو عقد هو أو فسخ فهو فعله. وهل فعله حكم، فيه الخلاف المشهور. هذا كلامه وكذا فعله. ذكر الأصحاب في حِمَى الأئمة أن اجتهاد الإمام لا يجوز نقضه، كما لا يجوز نقض حكمه، وذكروا خلا الشيخ- يعني: الموفق-أن الميزاب ونحوه. يجوز بإذن، واحتجوا بـ"نصبه ﷺ ميزاب العباس" (١) .
وفي " المغنى " وغيره في بيع ما فتح عنوة: إن باعه الإمام لمصلحة رآها صحَّ؛ لأن فعل الإمام كحكم الحاكم.
стр. 5115
وفيه أيضا: لا شفعه فيها، إلا أن يحكم ببيعها حاكم أو يفعله الإمام أو نائبه.
وفيه (١) أيضاً: أن تركها بلا قسمة وَقْفُ لها، وأن ما فعله الأئمة ليس لأحد نقضه انتهى.
(وكذا نوعُ من فعله) أي: فعل الحاكم؛ (كتزويجـ) ـه (يتيمة، وشراء عينٍ غائبة، وعقدِ نكاج بلا ولي) يعني: أن كلاً من ذلك حكم يرفع الخلاف.
قال في " الفروع ": وفعله حكمُ؛ كتزويج يتيمة، وشراء عين غائبة، وعقد نكاح بلا ولي. ذكره الشيخ يعني: به الموفق في عقد النكاح بلا وليّ وغيره، وذكره شيخنا أصح الوجهين. وذكر الأزجي فيمن أقر لزيد فلم يصدقه، وقلنا يأخذه الحاكم ثم ادّعاه المقرّ لم يصح؛ لأن قبض الحاكم (٢) بمنزلة الحكم بزوال ملكه عنه. وذكر الأصحاب في القسمة والمطلقّة المنسية أن قرعة الحاكم كحكمه لا سبيل إلى نقضه. وفي"التعليق "و "المحرر": فعله حكمُ إن حكم به هو أو غيره وفاقاً كفتياه. فإذا قال: حكمت بصحته نفذ حكمه باتفاق الأئمة. قاله شيخنا. انتهى كلامه في " الفروع ".
(وحكمُه) أي: حكم القاضي (بشيء حكمُ بلازِمه) أي: بلازم ذلك الشيء المحكوم به.
قال في " الإنصاف ": ذكره الأصحاب في المفقود.
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه. يعني: أن الحكم بالشيء لا يكون حكماً بلازمه.
وقال في " الانتصار " في لعان عبدٍ: في إعادة فاسق شهادته لا تقبل؛ لأن رده لها حكم بالرد فقبولها نقض له فلا يجوز. بخلاف رد صبي وعبد لإلغاء قولهما.