← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

أعجمي معرب (وهو: ما يجمع فيه القضايا مختومة بين يديه)؛ لأنه أحفظ له من أن يُغيّر. (ويُسنُّ حكمُه) أي: أن يحكم القاضي (بحضرة شهود)؛ ليستوفي بهم الحقوق، وتثبت بهم الحجج والمحاضر. (ويحرُم) على القاضي (تعيينُه قوماً بالقبول) أي: بقبول الشهادة دون قوم؛ لأن من تثبت (١) عدالته وجب قبول شهادته. (ولا يصحُّ، ولا ينفُذُ حكمه) أي: حكم القاضي (على عدوّه). وجوَّز الماوردي من الشافعية حكمه على عدوه؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة وأسباب الشهادة خافيه. واستشكله الرافعي بالتسوية بينهما في عمودي نسبه، وأن المشهور لا يحكم على عدوه كالشهادة عليه. (بل يُفتي) على عدوه في الأصح؛ لأنها لا إلزام فيها. بخلاف القضاء. (ولا) يصح ولا ينفذ حكمه (لنفسه، ولا لمن لا تُقبل شهادتُه لهم)، كما لا يجوز أن يشهد لنفسه ولا لعمودي نسبه، ولو كانت الخصومة بين والديه أو بين والده وولده في الأصح؛ لعدم قبول شهادته لأحدهما على الآخر. ومتى عرضت له أو لأحد ممن ذكرنا حكومة تحاكما إلى بعض خلفائه أو بعض رعيته، " فإن عمر رضي الله تعالى عنه حاكم أبيُّا إلى زيد بن ثابت " (٢) . و"حاكم رب عراقياً إلى شريح ". و"حاكم علي رضي الله تعالى عنه رجلاً يهودياً إلى شريح " (٣) .

стр. 5112

و"حاكم عثمان رضي الله تعالى عنه طلحة إلى جبير بن مطعم " (١) . (وله استخلافُهم) أي: وللقاضي استخلاف والده وولده على القضاء؛ (كحكمه لغيرهم) أي: لغير من لا تقبل شهادته له (بشهادتهم) أي: بشهادة من لا تقبل شهادته له، يعني: كحكم القاضي على أجنبي بشهادة ولديه أو والده وولده، (وعليهم) يعني: وكالحكم على أولاده بشهادة أجنبيين (٢) . ***

стр. 5113

[فصل: ويسن أن يبدأ بالمحبوسين] (فصل. ويُسنُّ) لمن ولي القضاء (أن يَبدأَ بالمحبوسين) أي: بالنظر في أمرهم؛ لأن الحبس عذاب، وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فاستُحب البدائة بهم. (فيُنفِذ ثقة) إلى الحبس (يكتُب أسماءهم، و) أسماء (من حبسهم وفيم ذلك) أي: وفي أيّ أمر حبسهم اسم كل واحد منهم في رقعة منفردة؛ لئلا يتكرر بكتابة الجميع في رقعة النظر في حال الأول فالأول منها، بل يخرج واحدة من الرقاع بالاتفاق كما في القرعة. (ثم يُنادى في البلد: أنه) أي. أن القاضي (ينظُر في أمرهم) أي: أمر (١) المحبوسين في يوم كذا. فمن له خصم محبوس فليحضر؛ لأن ذلك أقرب لحضورهم من التفتيش عليهم. (فإذا جلس) القاضي (لموعده) نظر قبل كل شيء في رقاع المحبوسين فيخرج رقعة من رقاعهم، ويقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ (فمن حضر له خصم نظر بينهما، فإن كان) المحبوس (حُبس لتُعَدَّل البينةُ) أي: بينة خصمه عليه (فإعادته) إلى الحبس (مبنيَّة على حبسه في ذلك). والأصح حبسه في ذلك فيعاد إلى الحبس في الأصح. (ويُقبل قول خصمه) أي: خصم المحبوس: (في أنه) أي: أن القاضي (حبسه بعد تكميل بينته و) بعد (تعديلها)؛ لأن الظاهر أن الحاكم إنما حبسه لحق ترتَّب عليه. (وإن) ذكر المحبوس أنه (حبس بقيمة كلب أو خمر ذمي، وصدَّقه غريمه) على ما ذكره: (خُلّي) سبيله؛ لأن غرم هذا ليس بواجب، إن كذبه غريمه وقال: بل حُبست بحق واجب غير هذا فالقول قوله؛ لأن الظاهر أن حبسه بحق واجب.

стр. 5114

(وإن بان حبسُه) أنه (في تُهمَة أو تعزير؛ كافتيات على القاضي قبله، ونحوه)، ككونه غائباً: (خلاَّه) أي: خلا سبيله، (أو أبقاه) في الحبس (بقدر ما يََرَى) في الأصح. قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب. ولعله مراد من أطلق وتعليل الشارع يدل عليه. انتهى. وحيث تقرر: أن إبقاءه في الحبس وإطلاقه راجع إلى رأي الحاكم (فإطلاقُه) المحبوس، (وإذنه ولو في قضاء دين و) إذنه في (نفقة؛ ليرجع، ووضع ميزَاب و) وضع (بناء وغيره)، كوضع خشبة على بناء جاره، (وأمرُه) أي: أمر الحاكم (بإراقة نبيذ). ذكر القاضي مسألة إطلاقه وأمره بإراقة النبيذ في " الأحكام السلطانية " في المحتسب، (وقُرعتُه) أي: قرعة الحاكم (حكم: يَرفعُ الخلاف إن كان). قال في " الفروع " في هذا الباب: وتقدم أن إذنه في ميزابٍ وبناءٍ وغيره يمنع الضمان؛ لأنه كإذن الجميع. ومن منع، فلأنه ليس له عنده أن يأذن، لا لأن إذنه لا يرفع الخلاف، ولهذا يرجع بإذنه في قضاء دين ونفقه وغير ذلك. ولا يضمن بإذنه في النفقة على لقيط وغيره بلا خلاف، وإن ضمن لعدمها. ولهذا إذن الإمام في أمر مختلف فيه كاف بلا خلاف. وسبق قول شيخنا: الحاكم ليس هو الفاسخ، وإنما يأذن أو يحكم به. فمتى أذن أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ فعقد أو فسخ لم يحتج بعد ذلك إلى حكمه بصحته، بلا نزاع. لكن لو عقد هو أو فسخ فهو فعله. وهل فعله حكم، فيه الخلاف المشهور. هذا كلامه وكذا فعله. ذكر الأصحاب في حِمَى الأئمة أن اجتهاد الإمام لا يجوز نقضه، كما لا يجوز نقض حكمه، وذكروا خلا الشيخ- يعني: الموفق-أن الميزاب ونحوه. يجوز بإذن، واحتجوا بـ"نصبه ﷺ ميزاب العباس" (١) . وفي " المغنى " وغيره في بيع ما فتح عنوة: إن باعه الإمام لمصلحة رآها صحَّ؛ لأن فعل الإمام كحكم الحاكم.

стр. 5115

وفيه أيضا: لا شفعه فيها، إلا أن يحكم ببيعها حاكم أو يفعله الإمام أو نائبه. وفيه (١) أيضاً: أن تركها بلا قسمة وَقْفُ لها، وأن ما فعله الأئمة ليس لأحد نقضه انتهى. (وكذا نوعُ من فعله) أي: فعل الحاكم؛ (كتزويجـ) ـه (يتيمة، وشراء عينٍ غائبة، وعقدِ نكاج بلا ولي) يعني: أن كلاً من ذلك حكم يرفع الخلاف. قال في " الفروع ": وفعله حكمُ؛ كتزويج يتيمة، وشراء عين غائبة، وعقد نكاح بلا ولي. ذكره الشيخ يعني: به الموفق في عقد النكاح بلا وليّ وغيره، وذكره شيخنا أصح الوجهين. وذكر الأزجي فيمن أقر لزيد فلم يصدقه، وقلنا يأخذه الحاكم ثم ادّعاه المقرّ لم يصح؛ لأن قبض الحاكم (٢) بمنزلة الحكم بزوال ملكه عنه. وذكر الأصحاب في القسمة والمطلقّة المنسية أن قرعة الحاكم كحكمه لا سبيل إلى نقضه. وفي"التعليق "و "المحرر": فعله حكمُ إن حكم به هو أو غيره وفاقاً كفتياه. فإذا قال: حكمت بصحته نفذ حكمه باتفاق الأئمة. قاله شيخنا. انتهى كلامه في " الفروع ". (وحكمُه) أي: حكم القاضي (بشيء حكمُ بلازِمه) أي: بلازم ذلك الشيء المحكوم به. قال في " الإنصاف ": ذكره الأصحاب في المفقود. قال في " الفروع ": ويتوجه وجه. يعني: أن الحكم بالشيء لا يكون حكماً بلازمه. وقال في " الانتصار " في لعان عبدٍ: في إعادة فاسق شهادته لا تقبل؛ لأن رده لها حكم بالرد فقبولها نقض له فلا يجوز. بخلاف رد صبي وعبد لإلغاء قولهما.

стр. 5116

وقال في " الانتصار " أيضاً في شهادة في نكاح: لو قبلت لم يكن نقضاً للأول، فإن سبب الأول الفسق وزال ظاهراً كقبول (١) سائر شهاداته، وإذا تغيرت صفة الواقعة فتغير القضاء بها لم يكن نقضاً للقضاء الأول، بل ردت للتهمة؛ لأنه صار خصماً فيه فكأنه شهد لنفسه أو لوليه. وقال في " المغني ": ردّ شهادة الفاسق باجتهاده فقبولها نقض له (٢) . وقال الإمام أحمد في رد عبد: لأن الحكنم قد مضى والمخالفة في قضية واحدة نقض مع العلم. وإن حكم ببينة خارج وجهل علمه ببينة داخل لم ينقضر؛ لأن الأصل جريه على العدل والصحة. ذكره المصنف في " المغني " في آخر فصول من ادعى شيئاً في يد غيره. انتهى كلامه في " الإنصاف ". (وإقرارُه) أي: إقرار القاضي إنساناً (غيرَه) مكلفاً (على فعل مختلف فيه) أي: في صحته أو (٣) في حله ليس كحكمه بصحة ذلك أو بحله؛ لأن الإقرار هنا عدم التعرض فقط. (وثبوت شيء عنده) أي: عند القاضي (ليس حكماً به) منه. قال في " الفروع ": على ما ذكروه في صفة السجل، وفي كتاب القاضي وكلام القاضي هناك يخالفه. انتهى. (وتتفيذ الحكم يتضمَّن الحكم بصحة الحكم المنفَّذ). قاله ابن نصر الله. (وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه) أي: أن التنفيذ (حكم). قال شارح " المحرر ": نفس الحكم في شيء لا يكون حكماً بصحة الحكم فيه. لكن لو نفذه حاكم آخر لزمه إنفاذه؛ لأن الحكم المختلف فيه صار محكوماً به. فلزم تنفيذه كغيره. قال ابن قندس: قد فُهم من كلام الشارج أن الإنفاذ حكم؛ لأنه قال: لو

стр. 5117

نفذه حاكم آخر لزم تنفيذه؛ لأن الحكم المختلف فيه صار محكوماً به، وإنما صار محكوماً به بالتنفيذ؛ لأنه لم يحكم به وإنما نفذه فجعل التنفيذ حكماً. وكذلك فسر التنفيذ بالحكم في " شرح المقنع الكبير " فإنه قال عند قول المصنف: فهل ينفذه: على روايتين: إحداهما: ينفذه وعلله بأنه حكم حاكم لم يعلمه فلم يجز إنفاذه إلا بيينة. والرواية الثانية: يحكم به. ففسر رواية التنفيذ بالحكم. لكن قال في مسألة: ما إذا ادعى أن الحاكم حكم له بحق فذكر الحاكم حكمه أمضاه وألزم خصمه بما حكم به عليه، وليس هذا حكماً بالعلم وإنما هو إمضاء لحكمه السابق. فصرح أنه ليس حكماً مع أن رواية التنفيذ المتقدمة التي فسرها بالحكم إنما هي إمضاء لحكمه الذي وجده في قِمَطْره فهما بمعنى واحد، وقد ذكروا في السجل: أنه لأنفاذ ما ثبت عنده والحكم به وأنه يكتب، وأن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب فى مثله ونفذه وأشهد الماضي فلان على إنفاذه وحكمه وإمضائه من حضره من الشهود، فذكروا الإنفاذ والحكم والإمضاء، وذكروا أنه يكتب على كل نسخة من النسختين أنها حجة فيما أنفذه فيهما فدل على الإنفاذ حكم؛ لأنهم اكتفوا به عن الحكم والإمضاء والمراد الكل. انتهى كلام ابن قندس. (وفي كلام بعضهم) أي: بعض الأصحاب: (أنه) أي: التنفيذ (عملُ بالحكم) المنفذ، (وإجازة له، وإمضاء كتنفيذ الوصية) أي: كتنفيذ الوارث الوصية وإجازتها فيما إذا أوصى المورث بقدر زائد على الثلث. وقد (١) تقدم كلام ابن نصر الله: أن تنفيذ الحكم يتضمن الحكم بصحة الحكم المنفذ " وقد قدم قوله هذا في " التنقيح " وتبعته عليه. وقال ابن نصر الله أيضاً في "حواشي الفروع ": لم يتعرض الأصحاب للتنفيذ هل هو حكم أم (٢) لا؟ والظاهر أنه ليس بحكم بالمحكوم به، إذ [الحكم

стр. 5118

بالمحكوم (١) به تحصيل للحاصل وهو محال، وإنما هو عمل بالحكم وإمضاء له كتنفيذ الوصية وإجازة له، فكأنه يجيز هذا] (٢) المحكوم به بعينه لحرمة الحكم وإن كان جنس ذلك المحكوم به غير جائز عنده. انتهى (٣) . وقال ابن الفرس الحنفي: وأما التنفيذ فالأصل فيه [أن يكون حكماً] (٤) إذ من صيغ القضاء قول القاضي: أنفذت عليك القضاء. وقالوا: وإذا رفع إليه قضاء قاض أمضاه بشروطه المذكورة في كتب الفقه وهذا هو التنفيذ الشرعي في الأصل. ومعنى رفع إليه أي: حصلت عنده فيه خصومة شرعية من مدع على خصم لا على الصفة التي يرفع بها الآن، فإذا حصل التنفيذ على هذا الوجه فهو حكم. والأصل في ذلك: أن الحادثة الشخصية الواحدة يجوز شرعاً أن تتوارد عليها الأحكام المتعددة المتفقة في الحكم الشرعي في المسألة الذي هو مذكور في كتب الفقه الذي هو (٥) مورد الحكم الذي هو القضاء، والظاهر: أن هذا الأصل إجماعاً (٦) . وأما التنفيذ المتعارف الآن فهو المستعمل غالباً ومعناه إحاطه القاضي الثاني علمه (٧) بحكم القاضي الأول على وجه التسليم له، وأنه غير مغير (٨) عنده. ويسمى اتصالاً ويتجوز بذكر الثبوت والتنفيذ فيه. انتهى. (والحكم بالصحة) في عقود المعاوضات (يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعاً. والحكم بالموجب حكم بموجَب الدعوى الثابتة ببينة أو غيرها)، كبالإقرار. (فالدعوى المشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعَى به الحكمُ

стр. 5119

فيها بالموجَب: حكمُ بالصحة. وغيرُ المشتملة على ذلك) أي: على ما يقتضي صحة العقد (الحكمُ فيها بالموجَب ليس حكماً بها) أي: بالصحة. قال ذلك ابن نصر الله. (وقال بعضهم) وهو الشيخ الإمام الشيخ تقي الدين السبكي (١) وتبعه عليه ابن قندس من أصحابنا: (الحكم بالموجَب يستدعي صحة الصيغة، وأهليَّة التصرُّف. ويزيدُ الحكم بالصحة كونَ تصرُّفِه في محله. وقال) السبكي (أيضاً: الحكم بالموجب هو: الأثرُ الذي يوجبه اللفظ، وبالصحة كون اللفظ بحيث يترتَّب عليه الأثر. وهما مختلفان: فلا يُحكم بالصحة إلا باجتماع الشروط. والحكم بالإقرار ونحوه كالحكم بموجبه) في الأصح. (والحكم بالموجَب لا يشمل الفساد. انتهى). قال (المنقح: والعمل على ذلك. وقالوا) أي: الأصحاب: (الحكم بالموجَب يرفع الخلاف). قال ابن نصر الله (٢) : كثيراً ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة والحكم بالصحة أخرى. وقد اختلف كلام المتأخرين من الفقهاء في الفرق بينهما وعدمه. ولم أجد لأحد من أصحابنا كلاماً منقولاً في ذلك. والذي نقوله بعد الاعتصام بالله ورسوله وسؤاله التوفيق: أن (٣) الحكم بالصحة لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعاً. فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عيناً واعترف المدعى عليه (٤) بذلك لم يجز للحاكم الحكم بالصحة، أي: بصحة البيع بمجرد ذلك حتى يدعي المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك. فأما لو اعترف له البائع بذلك لم يكفِ في جواز الحكم بالصحة؛ لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملك العين المبيعة وقت البيع ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه

стр. 5120

فلا بد من بينة تشهد بملكه وحيازته حالة البيع حتى يسوغ للحاكم الحكم بالصحة. وأما الحكم بالموجَب بفتح الجيم من الموجِب فمعناه (١) الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو غيرها هذا هو معنى الموجب، ولا معنى للموجب غير ذلك. فإذا قيل في السجل وحكم بموجب ذلك، فإنما يقال ذلك بعد أن ذكر أنه ثبت عنده الأمر الفلانى بدعوى مدعٍ وقيام البينة على دعواه أو (٢) بدعواه الثابتة (٣) بطريق من طرق الثبوت؛ كعلم القاضي وغير ذلك. وحينئذ تكون الإشارة بذلك في قوله: حكم بموجب ذلك إلى الأمر المدعى به (٤) الثابت، وحينئذ ينظر في الدعوى فإن كانت مشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به كان الحكم بموجبها حكماً بالصحة، وإن لم يشتمل على ما يقتضي صحة العقد المدعى به لم يكن الحكم بموجبها حكماً بالصحة. ويتبين ذلك بمثالين: الأول: أن يدعي أنه باعه هذه العين وهي في ملكه وحيازته ولا مانع له من بيعها وتشهد البينة بذلك كله، فإذا حكم الحاكم في ذلك بموجبه كان ذلك حكماً بصحة البيع؛ لأن موجب الدعوى في هذه الصورة صحة انتقال الملك إليه؛ لاستيفاء شروطه وصحة العقد وقد حكم به فيكون حكماً بالصحة. وهذا ظاهر جلي، إذ موجب الدعوى هو الأمر الذي أوجبته فهي موجبة له وهو موجب لها والذي أوجبته في هذه الصورة صحة العقد كما ذكرناه. فإن قيل: الصحة لم يقع لها دعوى فكيف يصح الحكم بها؟ قيل: إن لم تقع في الدعوى صريحاً فهي واقعه فيها ضمناً؛ لأن مقصود المشتري من الحاكم ذلك.

стр. 5121

المثال الثانى: أن يدعي أنه باعه هذه العين ولا يدعي أنها ملكه فيعترف له البائع بالبيع أو ينكر، فتقوم البينة فيحكم الحاكم بموجب ذلك. فموجب الدعوى في هذه الصورة هو حصول صورة بيع بينهما ولم تشتمل (١) الدعوى على ما يقتضي صحة ذلك البيع؛ لأنه لم يذكر في دعواه أن العين كانت ملكاً للبائع ولم تقم بذلك بينة وصحة العقد متوقفة على ذلك. فلا يكون الحكم بالموجب هنا حكماً بالصحة أصلاً. بخلاف التي قبلها. وقد تبين مما ذكرناه أن الحكم بالموجَب تاره يكون الحكم (٢) بالصحة وتارة لا يكون كذلك. وهذا إشكال وهو أن يقال: أي فائدة تبقى للحكم بالموجب إذا لم تجعلوه حكماً بالصحة إن قلتم فائدته ثبوت ذلك؟ قيل: الثبوت قد يستفاد مما يكون قد سبق من الألفاظ، وأيضاً الثبوت لا يقال له (٣) حكم به. وإن قلتم فائدته الإلزام بتسليم العين. قيل: ذلك لم يقع في الدعوى فكيف يحكم بما لم يدع به؟ وجوابه: أن فائدة الحكنم بالموجَب أنه حكم على العاقد بمقتضى ما ثبت عليه من العقد لا حكم بالعقد. وفائدته: أنه لو أراد العاقد رفع هذا العقد إلى من لا يرى صحته ليبطله لم يجز له ذلك ولا للحاكم حتى يتبين موجب لعدم صحة العقد. فلو وقف على نفسه ورفعه إلى حنبلي فحكم بموجبه لم يكن لحاكم شافعى بعد ذلك أن يسمع دعوى الواقف في إبطال الوقف بمقتضى كونه وقفاً على النفس. وحاصله: أنه حكم على العاقد بمقتضى عقده لا حكم بالعقد ولا يخفى ما بينهما من التفاوت. انتهى. وقد صنف الشيخ ولي الدين أبو زرعة العراقي الشافعي تغمده الله برحمته وُريقات في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجَب (٤) فأحببت إيرادها كلها هنا لعموم النفع بها. وهي:

стр. 5122

أما بعد. حمداً لله ولي النعم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه خير الأمم. فقد عهدنا الحكام على طريقة في الحكم بالصحة والحكم بالموجب وهي: أنهم إن قامت عندهم البينة العادلة باستيفاء العاقد شروط ذلك العقد الذي يراد الحكم به حكم بصحته، وإن لم تقم البينة باستيفاء شروطه حكم بموجبه فالحكم بالموجب عندهم أحط مرتبة من الحكم بالصحة. ويرد على ذلك شيئان: أحدهما: أن المرجح فيما لو طلب جماعة في أيديهم أرض من القاضي قسمتها بينهم من غير إقامة البينة على أنها ملكهم لا يجيبهم القاضي إلى ذلك. وقال شيخنا الإمام البلقيني في " حواشي الروضة ": يخرج من هذا (١) : أن القاضي لا يحكم بالموجب بمجرد اعتراف المتعاقدين بالبيع ولا بمجرد قيام البينة عليهما بما صدر منهما؛ لأن المعنى الذي قيل هنا (٢) يأتي هناك. قلت: وفي هذا نظر فإن القسمة تتضمن إفراز نصيب كل واحد وصيرورته معيناً بعد أن كان مشاعاً وقد لا يكون الرافعون له مالكين لذلك فيكون متصرفاً في ملك غيره [بغير إذنه. [وأما الحكم بالصحة أو الموجَب فإنما هو في تصرف صدر من غير الحاكم ورفع إليه فقد يحكم بصحته وقد يحكم بموجبه] (٣) ، والاصطلاح: أن الأول: يكون عند قيام البينة [باستيفاء الشروط، والثانى: يكون عند إهمال البينة بذلك. فأما لو قامت البينة بـ] (٤) وقوعه على خلاف الشروط المعتبرة فإنه لا يحكم فيه بصحة ولا موجب. وعلى كل تقدير فلم يتصرف الحاكم في ملك

стр. 5123

غيره] (١) بل الغير هو المتصرف، والصادر من الحاكم حكم على ذلك التصرف (٢) فلا يلزم من امتناع الحاكم من القسمة هنا امتناعه من الحكم بالموجب، وإن لم تقم البينة باستيفاء الشروط. ثم إن قول الأصحاب: أنه لا يجيبهم هل أرادوا به لا تجب إجابتهم أو لا تجوز إجابتهم؟ لم أر تصريحاً بذلك. والظاهر الأول وهو انتفاء الوجوب لا الجواز. الشيء الثانى: أن ما نقلته من عمل الحكام (٣) يدل على أن الحكم بالموجَب لا يزيد على الثبوت المجرد شيئاً، لكن ما زالوا يرون للحكم بالموجب تمييزاً على مجرد الثبوت. والله أعلم. ووجدت لشيخنا الإمام البلقينى رحمه الله تعالى فروقاً أبدأها في الفرق بين الحكم بالصحة (٤) والحكم بالموجَب وكنت سمعتها منه أو بعضها، وفي كلها أو بعضها نظر سأذكره. فالفرق الأول: أن الحكم بالصحة منصب إلى إنفاذ ذلك الصادر من بيع ووقف ونحوهما والحكم بالموجب منصب إلى أثر ذلك الصادر. قلت: وفيما ذكره نظر، فإنه إذا كان الحكم بالصحة منصباً إلى إنفاذ ذلك الصادر ترتب عليه إنفاذ آثاره. وكيف ينفذ ذلك الأمر ولا ينفذ أثره المقصود منه؟ ولا سيما قد عّرف غير واحد من أهل الأصول الصحة بأنها استتباع الغاية أي: كون الشيء بحيث تتبعه غايته ويترتب وجودها على وجوده. فإذا حكم بالصحة فقد حكم بترتب آثاره عليه؛ لأن هذا هو معنى الصحة. وكيف يقال في الحكم بالموجَب أنه منصب إلى الآثار خاصة؟ وكيف تثبت الآثار بدون ثبوت المؤثر لها؟ فالحكم بثبوت الآثار مرتب على الحكم بثبوت المؤثر بلا شك. فلولا صحة ذلك العقد لما حكم القاضي بترتب آثاره عليه. فالصواب تضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة وإلا لما يترتب عليه الآثار، فالصحة هي الحكم

стр. 5124

الجامع (١) لجميع الآثار. وحينئذ فيظهر استواء الحكم بالصحة والحكم بالموجَب؛ لأنه لا يحكم إلا بموجب ما صح عنده (٢) دون ما فسد ولا يصح الشيء وتتخلف آثاره عنه. فإذا حكم بالصحة فقد حكم بترتب آثاره عليه. والتحقيق: أن الحكم بالموجب يتناول الآثار بالتنصيص عليها للاتيان بلفظ عام يتناول جميع آثارها، فإن موجب الشيء هو مقتضاه وهو مفرد مضاف فيعم كل موجب. بخلاف لفظ الصحة فإنه إنما يتناول الآثار بالتضمين لا بالتنصيص عليها. ومقتضى ذلك: أن يكون الحكم بالموجب أعلا وهو بخلاف الاصطلاح. وكأن الحكم بالصحة إنما علت مرتبته عندهم لاختصاصه بما ثبت فيه وجود الشروط، وانحطت مرتبة الحكم بالموجب عندهم؛ لعدم ثبوت وجود الشروط (٣) فيه. لكن هذا راجع إلى الاصطلاح فيما أظن ولا يظهر للفرق المذكور معنا من جهة اللغة (٤) ولا من جهة الشرع. فلا ينبغي أن يصدر من حاكم حكم إلا بحجة معتبرة إما ببينة، وإما بعلم، وإما إقرار الخصم الذي هو صاحب اليد، وإما يمين المدعي المردودة بعد نكول الخصم، سواء كان ذلك الحكم بإقرار أو ببينة. وإنما نازعت شيخنا في استنباط هذا من مسألة القسمة لا في أصل الحكم فإنى أوافق عليه. فإذا قامت البينة فحكم بالصحة فقد حكم بترتب غايته عليه من غير تنصيص علمها لا لعموم ولا لخصو ص، وإن حكم بالموجب فقد أتى بصيغة شاملة لجميع أحكامه، فإن صيغة العموم في تناولها لكل فرد فرد كلية فكأنه نص بذلك على جميع آثاره. فإن قلت: فهل يترتب عليه بذلك جميع آثاره المتفق عليها والمختلف فيها؟. قلت: أما المتفق عليها فلا يحتاج فيها (٥) إلى حكم (٦) .

стр. 5125

وأما المختلف فيها فما كان منها قد جاء وقت الحكم فيه نفذ وما لم يجيء وقت الحكم فيه لم ينفذ. مثال الأول: أن يحكم حنفي بموجب التدبير. فمن موجبه منع بيع المدبر فقد حكم الحنفي بذلك في وقته؛ لأنه منع السيد المدبر من بيع عبده المدبر، فليس له بمقتضى الحكم المذكور الإقدام على بيعه [لمنع الحاكم له من ذلك، وليس للشافعي أن يأذن له بعد ذلك في بيعه؛ لما فيه من نقض حكم الحنفي بمنع البيع، ولا أن تحكم بصحة بيعه لو صدر فإنه ارتكب ببيعه محرماً قد منعه منه جائز الحكم، فصار هذا المدبر بهذا الحكم كأم الولد. ومثال الثانى: أن يعلق شخص طلاق امرأة أجنبية منه على التزويج بها فيحكم مالكي أو حنفي بموجَبه. فإذا تزوج بها وبادر شافعي وحكم باستمرار العصمة وعدم وقوع الطلاق نفذ حكمه ولم يكن ذلك نقضاً لحكم الحاكم الأول بموجب التعليق؛ لأن حكم الأول لم يتناول وقوع الطلاق لو تزوج بها فإنه أمر يقع إلى الآن فكيف يحكم على ما لم يقع؟. والحكم إنما يكون في شخص فما هذا منه إلا فتوى وتسميته حكماً جهل أوتجوّز يعني: به أن هذا حكم الشرع عنده، لا أنه منه وألزم به وكيف يُلزم بما لم يقع؟. ومما يوضح ذلك: أنه لو لم يأت بصيغة عموم وهو الموجب بل حكم بهذه الجزئية (١) خاصة فقال: حكمت بوقوع الطلاق إن تزوجها لم يصادف ذلك محلاً وعد سفهاً وجهلاً. وكيف يحكم الإنسان بالشيء قبل وقوعه؟ فيقول: حكمت بصحة بيع هذا العبد لو وقع بشروطه، وبصحة نكاح هذه المرأة لو وقع بشروطه. بخلاف قول الحنفي في المدبر بعد تدبيره حكمت بمنع بيعه، فإنه حكم

стр. 5126

صحيح على مذهبه وقع في محله ووقته فنفذ (١) وما لم يجز نقضه. فافهم ذلك فإنه حسن وقع بسبب عدم تدبيره خبط في الأحكام وقد ظهر أن توجيه الحنفي أو المالكي حكمه إلى وقوع الطلاق على التي لم يتزوج بها مُحال وحكمه بمنع التزويج بها أفسدُ منه، فإن النكاح صحيح بلا توقف وإنما الكلام في وقوع الطلاق بعد صدور النكاح ولا يدرى هل بينهما نكاح أم لا؟ فلا يمكن توجيه الحكم إلى منع النكاح، كما وجه الحنفي حكمه إلى منع بيع المدبر، ولا إلى وقوع الطلاق في عصمة لا يدرى هل هذه تقع في الوجود أو لا؟ فإن نفس الطلاق لم يقع قبل النكاح وإنما وقع تعليقه خاصة والتعليق غير موقع في الحال فكيف يحكم على شيء لم يوجد بشيء لم يقع؟ وهذا واضح لصاحب الألمعية الخالي عن العصبية. والله تعالى أعلم. وقس على هذين المثالين بقية الأمثلة فقد عرفت المدرك الذي أوجب الفرق بينهما. الفرق الثانى بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب: أن الحكم بالصحة لا يختص بأحد والحكم بالموجب يختص بالمحكوم عليه بذلك. قلت: وفي هذا الفرق أيضاً (٢) نظر. فإذا وقف الإنسان شيئاً من أملاكه على نفسه ومات قبل الحكم بصحته وبطلانه، فأراد أحد ورثته أن يبيعه فمنعه حنفي وحكم بموجب الوقف المذكور لم يختص ذلك الحكم به في حصته، فلو أراد وارث آخر أن يبيع حصته منه لم يصح وكيف يصح ذلك بعد حكم الحنفي بموجبه؟ فلو بادر شافعي وحكم عند إرادة أحد الورثة بيع حصته بموجب الوقف المذكور وهو البطلان عنده أيحكم حنفي بعد ذلك بمنع بيع الوارث الآخر حصته مع حكم الشافعي ببطلان الوقف المذكور؟ هذا بعيد. والله أعلم. الفرق الثالث: أن الحكم بالصحة يقتضي استيفاء الشروط والحكم

стр. 5127

بالموجب لا يقتضي استيفاء الشروط وإنما مقتضاه ثبوت (١) صدور ذلك الحكم على المصدر بموجب ما صدر منه. قلت: وفيه نظر أيضاً فقد قدمت عن شيخنا المذكور أنه استنبط من مسألة امتناع القاضى من القسمة فيما إذا لم تقم بينة بأنه ملك طالبها أن الحكم لا يقع بصحة ولا بموجب إلا بعد استيفاء الشروط. وهذا الفرق هو الذي يعمل به الناس الآن وفيه ما قدمته. ثم إن في تعبير الشيخ عن هذا الفرق نظراً، فكان ينبغي التعبير بأن الحكم بالصحة متوقف على ثبوت أن المتعاطي لذلك التصرف استوى الشروط فيه؛ فإذا رفع إلى القاضي بيع لا يحكم بصحته حتى تثبت شروط البيع من كون المبيع طاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه مملوكاً للعاقد أو لمن وقع له العقد معلوماً. بخلاف الحكم بالموجب فلا يتوقف على ثبوت استيفاء الشروط. وليت شعري كيف يكون حكم القاضى بثبوت جميع الآثار ثابتاً فيما إذا لم يثبت عنده أن العاقد استوفى الشروط [وينتفي فيما إذا ثبت أنه استوفى الشروط] (٢) . هذا مما (٣) لا يعقل. والله أعلم. الفرق الرابع: أنه إذا كان الصادر صحيحاً باتفاقٍ ووقع الخلاف في موجبه فالحكم بالصحة لا يمنع من العمل بموجبه عند غير الحاكم بالصحة، ولو حكم فيه بالموجب امتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب. قلت: لا بأس بهذا الفرق، لكن إطلاقه في الحكم بالموجب أنه يمتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب لا بد من تقييده بأن يكون قد جاء وقت الحكم بموجبه فمتى لم يجيء وقته فلغيره عند مجيء وقته الحكم بموجبه عنده وإن لم يكن موجبه عند الحاكم الأول. والله أعلم. الفرق الخامس: أن كل دعوى كان المطلوب فيها إلزام المدعى عليه بما أقر

стр. 5128

به أو قامت به البينة كان الحكم حينئذ بالإلزام وهو الموجب ولا يكون الحكم بالصحة، ولكن يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة، ومن ذلك: أن ما ليس له وجهان صحة وإبطال لا يدخل فيه الحكم بالصحة إنما يدخل فيه الحكم بالموجب. قلت: لم يظهر لي هذا الفرق فإن مقتضاه: أنه إذا ادعى على إنسان بمائة درهم مثلاً واعترف بذلك بمجلس الحكم أو قامت عليه بينة بالاعتراف لم يسغ (١) القاضي الحكم بالصحة في الاعتراف (٢) المذكور، وإنما يسوغ له الحكم بالموجب. ولا يظهر له معنى فليتأمل. وقد رجع الشيخ رحمه الله تعالى إلى ما ذكرته أولاً من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة. والله أعلم. الفرق السادس: أن تنفيذ الحكم المختلف فيه يكون بالصحة عند الموافق وكذا عند المخالف الذي يجيز التنفيذ فى المختلف فيه ويكون بالموجب إذا أريد به الإلزام بحكم الحاكم فى الحكم المختلف فيه، فيكون الأمر فيه كما تقدم في الحكم بالصحة فيكون قول القاضي: حكمت بصحة حكم فلان مساو لقوله: حكمت بموجب حكم فلان إذا أريد به (٣) هذا المعنى وهو: الإلزام بحكم الحاكم، وإن أريد الإلزام بذلك الشيء المحكوم فيه فيجوز ذلك من الموافق ولا يجوز من المخالف؛ لأنه ابتداء حكم بذلك الشيء من غير تعرض للحكم الأول وذلك لا يجوز عند المخالف. قلت: لم يتحرر من هذا الكلام فرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجَب، لأنه ذكر أنه إذا أريد الإلزام بحكم المخالف في موضع الخلاف استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب في الجواز، وإن أريد الإلزام بذلك الشيء من غير توسط حكم المخالف امتنع ذلك بالصحة وبالموجب فإن المخالف لا يراه وليس هذا تنفيذ بل ابتداء حكم بما لا يراه الحاكم به. والله أعلم.

стр. 5129

وذكر شيخنا الإمام البلقيني رحمه الله تعالى: أنه يستوي الحكم بالصحة والحكم بالموجب في مسائل: منها: حكم الحنفي بصحة النكاح بلا ولي أو بموجبه ليس للشافعي نقضه. ومنها: حكمه بشفعه الجوار لا ينقضه الشافعي، سواء حكم بصحه ذلك أو بموجبه. ومنها: حكمه بالوقف على النفس لا ينقضعه الشافعي، سواء حكم في ذلك بالصحة أو بالموجب. ومنها: حكم الشافعي في إجازة الجزء الشائع من دار أو عبد أو نحوهما ليس للحنفي إبطاله، سواء حكم فيه بالصحة أو بالموجَب. وذكر شيخنا المذكور رحمه الله تعالى افتراقهما في مسائل يكون في بعضها الحكم بالصحة أقوى وفي بعضها (١) الحكم بالموجب أقوى. فالقسم الأول: كما لو حكم شافعي (٢) بموجَب الوكالة بغير رضى الخصم. فللحنفي الحكم بإبطالها ولو حكم بصحتها لم يكن للحنفي الحكم بإبطالها؛ لأن موجبها المخاصمة صحت أو فسدت لأجل الإذن. فلم يتعرض الشافعي للحكم بالصحة، وإنما تعرض للأثر، فساغ للحنفي الحكم بإبطالها؛ لأنه يقول للشافعي: جردت (٣) حكمك للازم ولم تتعرض لصحة الملزوم ولا عدمه، وأنا أقول بإبطالها فلم توقع الحكم في محل الخلاف؟ هذا كلام شيخنا. وفيه نظر لما تقدم من أن الحكم بالآثار يتوقف على الحكم بالمؤثر فلولا صحة عقد الوكالة لما حكم بترتب آثارها. وقد تقدم من كلامه الأخير: أن بيان الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة. فإن قلت: الوكالة يترتب عليها أثرها وهو صحة التصرف بعموم الإذن ولو كانت فاسدة.

стр. 5130

قلت: من جملة موجبها ومقتضاها صحتها عند الشافعي ولو لم يرض الخصم اللازم فقد تناوله حكمه. ولا نسلم قول الحنفي أن الشافعي جرد حكمه للازم ولم يتعرض لصحة الملزوم ولا بطلانه، بل قد تعرض لها ضمناً كما اعترف به الشيخ رحمه الله تعالى، أو صريحاً كما اعتقده؛ لأن الصحة من جملة الموجب فقد دخل في حكمه بالموجب. لأنه مفرد مضاف فيعم جميع الواجب. ولو كان التوكيل عند الشافعي فاسداً كالوكالة المعلقة لم يسغ له الحكم بموجب الوكالة اعتماداً على صحة التصرف بعموم الإذن؛ لما ذكرناه من أن من جملة المواجب الصحة والوكالة المذكورة باطلة (١) فلم يثبت جميع موجبها. فإذا حكم فليوجه حكمه إلى ما يترتب من الآثار وهو صحة التصرف، ولا يأتي بصيغة تعم جميع المواجب لفساد ذلك. والله أعلم. والقسم الثانى له أمثلة: منها: لو حكم الحنفي بصحة التدبير لم يمتنع على الشافعي الحكم بالبيع؛ لأنه عند الشافعي صحيح ولكن يباع. فلو حكم بموجب التدبير لم يكن للشافعي الحكم بالبيع؛ لأن من موجب التدبير عنده عدم البيع. ومنها: لو حكم شافعي بصحة شراء الدار التي لها جار فإنه يسوغ للحنفي أن يحكم بأخذ الجار (٢) بالشفعة؛ لأن البيع عنده صحيح مسلط لأخذ الجار كما يقول الشافعي في بيع أحد الشركاء. ولو حكم الشافعي بموجب شراء الدار المذكورة فليس للحنفي أن يحكم بأخذ الجار؛ لأن من موجبه عنده دوامه واستمراره. ومنها: لو حكم شافعي بصحة إجارةٍ ثم مات المؤجر فإن للحنفي إبطالها بالموت ولو حكم بموجب الإجارة لم يكن للحنفي الحكم بإبطالها بالموت؛ لأن من موجبها الدوام والاستمرار للورثة.

стр. 5131

قلت: هذه الصورة الثالثة ممنوعة. والفرق بينها وبين الصورتين التي (١) قبلها: أنه وقع الحكم فيها بالموجب بعد دخول وقته فنفذ؛ لأنه لما حكم فيها بموجب التدبير فقد منعه من البيع الذي يسوغه الشافعي، ولما حكم بموجب شراء الدار التي لها جار فقد منع الجار من الأخذ بالشفعة. فامتنع ذلك عليه؛ كما لو وجه الحكم إلى ذلك صريحاً فإنه ينفذ ويعمل به. ولا فرق بين الحكم بالشيء بخصوصه وبين الحكم بصيغة عامة تشمله. وأما الصورة الثالثة: لما حكم الشافعي فيها بموجب الإجارة قبل موت المستأجر لم يكن توجه حكمه إلى عدم الانفساخ؛ لأنه لم يجئ وقته ولم يوجد سببه ولو وجه الحكم إليه فقال: حكمت بعدم انفساخ الإجارة إذا مات المستأجر لم يكن ذلك حكماً. وكيف يحكم على ما لم يقع ولا يدري هل يقع أو لا؟ فتسميته هذا حكماً إما جهل وإما تجوز كما قدمناه. وفي حكم مالكي أو حنفي بموجب تعليق طلاق امرأة معينة على التزويج بها قبل التزويج بها، فإنه لا يدخل في موجبه (٢) وقوع الطلاق بعد التزويج. فإن التزويج إلى الآن لم يقع وقد لا يوجد فلا يمكن الحكم على معدوم لم يدخل في الوجود. فهذه الصورة وتلك من واد واحد. وإذا ظهر ما ذكرناه من الفرق عرفت المسائل واتضحت ولم يشكل منها شيء. وذكر شيخنا المذكور رحمه الله تعالى أن ضابط ذلك: أن المتنازع فيه إن كان صحة ذلك الشيء وكانت لوازمه لا تترتب إلا بعد صحته كان الحكم بالصحة رافعاً للخلاف واستويا حينئذ، وإن كان المتنازع فيه الآثار واللوازم كان الحكم بالصحة غير رافع للخلاف وكان الحكم بالموجب رافعاً وقوى الموجب حينئذ، وإن كانت آثاره تترتب مع فساده قوى الحكم بالصحة على الحكم بالموجب. قلت: قوله: فيما إذا كان النزاع في الآثار واللوازم أن الحكم بالموجب

стр. 5132

رافع للخلاف محله: أن يكون ذلك بعد دخول وقته ووجود سببه وتمكنه من الحكم بذلك الشيء بعينه فأدرجناه في الحكم بموجبه الذي هو من صيغ العموم؛ لأنه في جملة أفراده وقد جاء وقته. وقد قدمنا الأمثلة في ذلك بحيث اتضح الحال فيه. وقد عرفت الكلام معه فيما ذكر أن الحكم بالصحة أقوى من الموجب لترتب آثاره عليه مع فساده كالوكالة فأغنى بذلك عن إعادته. والله أعلم (١) . وقد ظهر بذلك أن حكم الحنفي بموجب التدبير يمنع الشافعي من الحكم بجواز بيعه وحكم الشافعي بموجب شراء الدار التي لها جار يمنع الحنفي من الحكم بجواز الأخذ بالشفعة، وحكم الشافعي بموجب الإجارة لا يمنع الحنفي من الحكم بعد موت المستأجر بانفساخها (٢) ، وحكم الحنفى أو المالكي بموجب تعليق طلاق امرأة على التزوج بها لا يمنع الشافعي من الحكم بدوام العصمة واستمرارها بعد وقوع التزوج بها. والفرق بين المسائل ما قدمناه: من أن الحكم في الصورتين الأولتين على الشيء بعد وجوده ولهذا صح توجيه الحكم إليه بعينه، وفي الصورتين الأخيرتين الحكم على الشيء قبل وجوده، ولهذا لم يصح توجيه الحكم فيهما إلى ذلك الشيء بعينه كما قدمناه. ولنذكر مثالاً آخر فيه توقف وهو: ما إذا وقف إنسان وقفاً وجعل لنفسه التغيير (٣) فيه والزيادة فيه والنقص منه وحكم حنفي بموجبه ثم وقع منه التغيير هل للشافعي المبادرة بعد التغير إلى الحكم بإبطاله؟ يحتمل أن يكون كالمسألتين الأولتين فيمتنع على الشافعي الحكم فيه بالبطلان، لأن حكم الحنفي بموجبه يتضمن الإذن للواقف في التغيير فقد فعل ما هو مأذون له فيه من حاكم شرعي، فليس لحاكم آخر منعه منه ولا الحكم بإبطاله لو وقع، ويحتمل أن يكون كالمسألتين الأخيرتين؛ لأن التغيير إلى الآن لم يقع ولا يلزم من إذن الحنفي له في التغيير وقوعه فقد يغير وقد لا يغير فلا يدخل

стр. 5133

ذلك بعد الحكم بالموجَب، فإن الحنفي لو وجه حكمه الآن إليه بعينه وقال: حكمت بموجب التغيير أو صحته لم يصح؛ لأنه حكم على الشيء قبل وقوعه. والله أعلم. وقد تحرر في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب أن الحكم بالصحة متوجه إلى نفس العقد صريحاً وإلى اثاره تضمناً، وأن الحكم بالموجب متوجه إلى آثاره صريحا وإلى نفس العقد تضمناً فليس أحدهما أقوى من الآخر إلا على ما بحثته من توجه الحكم بالموجب إلى صحة العقد وجميع آثاره صريحاً، فإن الصحة من مواجبه (١) . فيكون الحكم بالموجب حينئذ أقوى مطلقاً لسعته وتناوله الصحة وآثارها. والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى كلام الشيخ ولي الدين العراقي. ولنرجع الآن إلى ما في المتن من قوله: وإن بان حبسه في تهمة أو تعزير كافتيات على القاضي قبله ونحوه خلاه أو أبقاه بقدر ما يرى. (ومن لم يُعرف خصمه، وأنكره) أي: أنكر المحبوس أن يكون له خصم بأن قال: حبست ظلماً ولا حق عليّ ولا خصم لي: (نُودي بذلك) في البلد. قال في " المقنع " ومن تبعه: ثلاثاً. وقال في "المحرر" و "الفروع " وغيرهما: نودي بذلك من غير ذكرهم ثلاثاً. قال في " الإنصاف ": قلت: يحتمل أن مراد من قيد بالثلاث.: أنه يشتهر بذلك، ويظهر غريم إن كان في الغالب. ومراد من لم يقيد: أنه ينادى عليه حتى يغلب على الظن أنه ليس له غريم ويحصل ذلك في الغالب في ثلاث فيكون المعنى في الحقيقة واحداً. انتهى. (فإن لم يُعرف) له خصم بعد ما ذكر (حلَّفَه) أي: حلف الحاكم المحبوس (وخلاَّه) أي: أطلقه؛ لأن الظاهر أنه لو كان له خصم لظهر.

стр. 5134

(ومع غَيبة خصمه) أي: ومع معرفة خصمه وغيبته (يَبعث إليه، [ومع تأخُّره بلا عذر يُخلَّى، والأولى) أن يكون ذلك (بكفيل)] (١) . قال في " الإنصاف ": لو كان خصمه غائباً: أبقاه حتى يبعث إليه على الصحيح من المذهب. قدمه في " الفروع " و" الرعايتين ". وقيل: يخلى سبيله؛ كما لو جهل مكانه، أو تأخر بلا عذر. قلت: وهو ضعيف. وقال في " الفروع ": والأولى: أن لا يطلقه إلا بكفيل. واختاره في" الرعا ية ". قلت: وهو عين الصواب إذا قلنا: يطلق. انتهى كلامه في " الإنصاف ". ***

стр. 5135

[فصل: النظر في أمر الأيتام] (فصل. ثُم) بعد نظره في أمر المحبوسين ينظر (في أمر أيتام ومجانين ووُقوف ووصايا)، حيث كان الأيتام والمجانين (لا وليَّ لهم، و) كانت الوقوف والوصايا (لا ناظر) لها؛ لأن هذه أموال يتعلق به حفظها وصرفها في وجوهها فلا يجوز إهمالها. فينظر فيما ليس له منها ناظر معين؛ لأن المنظور عليه إن كان من الأيتام أو من المجانين لم تمكنهم المطالبة؛ لأنهم لا قول لهم، وإن كان مستحقوا الأوقاف من الفقراء لم يملكوا التكلم على الوقوف؛ لعدم تعيينهم لذلك. إذا تقرر هذا (فلو نفَّذ) الحاكم (الأول وصية موصَّى إليه: أمضاها الثانى) وجوباً؛ لأن الأول ما نفذ وصيته إلا بعد معرفة أهليته في الظاهر، ولكن يراعيه. فإن تغيرت حاله بفسقٍ أو ضعف أضاف إليه أميناً قوياً يعينه، وإن كان الأول ما نفذ وصيته نظر فيه، فإن كان قوياً أميناً أقره، وإن كان ضعيفاً أميناً ضم إليه من يعينه، وإن كان فاسقاً عزله وأقام غيره على الأصح، وإن كان قد تصرف أو فرق الوصية وهو أهلُ للوصية نفذ تصرفه، وإن كان ليس بأهل وكان الموصى لهم بالغين عاقلين معينين صح دفعه إليهم، لأنهم قبضوا حقوقهم. (فدلَّ) وجوب إمضاء الحكم الثانى ما نفذه الأول من الوصايا (أن إثبات صفةٍ) من الحاكم (كعدالة، وجَرح، وأهليَّة موصى إليه، ونحوه)؛كأهلية حضانة ونظر على وقف (حكمُ) خلافا لمالك (يقبله حاكم) آخر وان له إثبات خلافه. (ومن كان من أُمناء الحاكم للأطفال، أو الوصايا التي لا وصيَّ لها ونحوِه بحاله: أقره، ومن فسق: عزَلَه.

стр. 5136

ويَضُم إلى ضعيف أميناً. وله إبدالُه) وتقدمت الإشارة إلى ذلك في الشرح، (و) له (النظر في حال قاضٍ قبله، ولا يجب) عليه ذلك في الأصح؛ لأن الظاهر صحة أحكامه، وأنه لا يولى القضاء إلا من هو أهل للولاية. (و) حيث تتبعها فإنه (يحرُم أن يَنقُضَ من حكم) قاض (صالح للقضاء غيرَ ما) أي: غير حكم (خالف نصَّ كتاب الله تعالى، أو) خالف نص (سنة متواترة، أو) غير حكم خالف نص (آحاد) من السنة. والمخالف لذلك؛ (كـ) الحكم بـ (قتل مسلم بكافر، و) كالحكم بـ (جعل من وُجد عينُ ماله عند (١) من حُجر عليه) لفلس (أسوةَ الغرماء، أو) غير حكم خالف (إجماعاً قطعياً)؛ لأنه لو قيل بجواز نقض غير ما ذكر من أحكام القاضي لأدى إلى جواز نقض الحكم بمثله، ولأدى إلى أنه لا يلزم حكم أصلاً وهذا هو الأصح. وقيل: ينقض ما خالف إجماعاً ظنياً. وقيل: وما خالف قياساً جلياً. وعن مالك وأبي حنيفة أنهما قالا: لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع. ثم ناقضاً قولهما فقال مالك: إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه. وقال أبو حنيفة: إذا حكم ببيع متروك التسمية أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه. وقال محمد بن الحسن: إذا حكم بالشاهد واليمين نقض حكمه. وهذه مسائل خلاف موافقة للسنة. واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع بأنه يسوغ فيه الخلاف. فلم ينقض حكمه فيه؛ كما لا نص فيه. ولنا: على نقضه إذا خالف نصاً؛ لأنه قضاء لم يصادف شرطه. فوجب نقضه؛ كما لو خالف الإجماع.

стр. 5137

وبيان مخالفته للشرط (١) : أن شرط الحاكم بالاجتهاد عدم النص (٢) ، بدليل خبر معاذ بن جبل (٣) . ولأنه إذا ترك الكتاب والسنة فقد فرّط. فوجب نقض حكمه؛ كما لو خالف الإجماع، أو كما لو حكم بشهادة كافرين. (أو ما يعتقده) يعني: أنه متى حكم القاضي بحكمٍ لايعتقد صحته: (فـ)، إنه (يلزم نقضه)، لاعتقاده بطلان حكم نفسه. وأما إذا اعتقد صحته وقت الحكم ثم تغير اجتهاده من غير أن يخالف ما حكم به نصاً ولا إجماعاً، أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقض؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على ذلك؛ فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حكم في مسائل باجتهاده وخالفه عمر فلم ينقض أحكامه (٤) ، وعلي رضي الله تعالى عنه خالف عمر في اجتهاده فلم ينقض أحكامه. و"جاء أهل نجران إلى علي. فقالوا: يا أمير المؤمنين! كتابهك بيدك وشفاعتك بلسانك. فقال: ويحكم إن عمر كان سيد الأمر. لا أرد قضاء قضى به عمر " رواه سعيد. وروي " أن عمر رضي الله تعالى عنه حكم في مسألة المشركة بإسقاط الأخوة من الأبوين. ثم شرك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي (٥) " (٦) . وقضى في إرث الجد بقضايا مختلفة ولم يرد القضاء الأول (٧) .

стр. 5138

ولأن ذلك يؤدي إلى نقض الحكم بمثله، وإلى ان لا يثبت حكم أصلاً؛ لأن الحاكم الثانى يخالف الذي قبله، والثالث يخالف الثانى فلا يلزم حكم أصلاً. وأما إذا تغير اجتهاده قبل الحكم فلا يحكم إلا بما تغير اجتهاده إليه؛ لأنه إذا حكم باجتهاده الأول فقد حكم بما يعتقد أنه باطل. وهذا كما قلنا فيمن تغير اجتهاده في القبلة بعد ما صلى فإنه لا يعيد، وإن كان قبل أن يصلي صلى إلى الجهة التي تغير اجتهاده إليها. وكذلك إذا بان فسق الشهود قبل الحكم بشهادتهم فإنه لا يحكم بها، ولو بان فسقهم بعد الحكم لم ينقض. (ولا يُنقضُ حكمُ بتزويجها) يعني: تزويج المرأة (نفسَها) مع حضور وليها في الأصح؛ لاختلاف الأئمة في صحتها. (ولا) ينقض أيضاً (لمخالفة قياسٍ)؛لأن من الأحكام الشرعية ما ورد على خلاف القياس. (ولا) ينقض حكم أيضاً (لعدم علمه) أي: علم القاضي الحاكم (الخلاف في المسألة) المحكوم بها؛ لأن علمه بالخلاف لا أثر له في صحة الحكم ولا في بطلانه حيث وافق مقتضى الشرع. (ولا) ينقض حكم القاضي أيضاً (إن حكم ببينةِ خارجٍ) مع جهل علمه ببينة تقابلها، (أو) حكم ببينة (داخل وجُهل علمه ببينة تُقابلُها) حيث وقع حكمه على وقف الشرع. (وما قلنا) أنه (يُنقض، فالناقضُ له حاكمه إن كان) موجوداً. (فيثبُت) عنده (السبب) الموجب لنقضه، (وينقضه. ولا يُعتبر) لصحة نقضه (طلب ربّ الحق) في الأصح. (وينقضُه) يعني: وينقض الحاكم حكم نفسه: (إن بان بمن شهد عنده ما) أي: شيء (لا يَرى) الحاكم (معه) أي: مع ما بان من الشاهد (قبولَ الشهادة) مع وجوده؛ كما لو بان الشاهد ابن المشهود له أو أباه.

стр. 5139

(وكذا كلُّ ما صادف ما حَكمَ به) أمر (مختلَفٍ فيه) لا يرى الحاكم الحكم معه؛ كما لو حكم ببيع عبد منذور عتقه نذر تبرر (ولم يعلمه) ثم بان له ذلك فإنه ينقض حكم نفسه. (وتُنقض أحكام مَن) أي حاكم (لا يَصلُح) للقضاء (وإن وافقتْ الصواب) في الأصح. ذكره أبو الخطاب وفاقاً للشافعي؛ لأن حكمه غير صحيح وقضاؤه بمنزلة عدمه؛ لفقد شرط (١) القضاء فيه. ***

стр. 5140

[فصل: في إحضار الخصم] (فصل. ومن استَعْداه) أي: استعدى القاضيَ أحدُ (على خصم بالبلد) أي: بالبلد الذي به القاضي، (بما) أي: بشيء (تتبعه الهمة: لزمه) على الأصح (إحضارُه). أي: إحضار خصمه، (ولو لم يُحرّر) المستدعي (الدعوى). نص على ذلك في رواية الأثرم؛ لأن في ترك ذلك تضييعاً للحقوق وإقراراً للظلم. فإنه قد يثبت للشخص الحق على من هو أرفع منه بغصب، أو يشتري شيئاً ولا يوفيه ثمنه، أو يودعه شيئاً أو يعيره شيئاً فلا يرده إليه، فإذا لم يعد عليه ذهب حقه. وهذا أعظم ضرراً من حضور مجلس الحاكم فإنه لا نقص فيه، وقد حضر عمر وأبيّ عند زيد بن ثابت، وحضر عمر وآخر عند شُريح، وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبد الله. وللمستعدى عليه أن يوكل من يقوم مقامه إن كره الحضور. (ومن طلبه خصمُه أو حاكم حيث يلزمُه إحضارُه بطلبه منه لمجلس الحكم: لزمه الحضور) ومتى لم يحضر لم يرخص له في تخلفه (١) . فإن فعل ما لزمه من الحضور لمجلس الحاكم. (وإلا: أعلم) القاضي (الواليَ به) أي: بامتناعه من الحضور. (ومتى حضر) مع أعوان الوالي (فله) أي: فللقاضي (تأديبه) على امتناعه (بما يراه) من انتهار وغيره مما يراه زجراً له. (ويُعتبر تحريرها) أي: تحرير الدعوى (في) ما إذا استعداه أحد على (حاكم معزول ومن في معناه) من ذوي المناصب صيانة له عن الامتهان. (ثم) إن قال المستعدي: له عليه دين من معاملة أو رشوة (يُراسله) بذلك. (فإن خرج من العهدة) أي: عهدة ما ذكره خصمه من غير أن يحضر لمجلس الحكم،

стр. 5141

(وإلا: أحضره) كغيره. فإن أقام بينة حكم عليه. وكذا لو قال: حكم عليَّ بشهادة فاسقين أو عدوين (١) وأقام عليه بينة بذلك حكم بمقتضاها. (ولا يعتبر لإحضار مَن) أي: امرأة (تَبْرُز لحوائجها) غير مخدرة إذا استعدى عليها أحد (مَحْرَم) لها يحضر معها. نص عليه. (وغير البَرْزةِ) وهي: المخدرة التي لا تبرز لقضاء حوائجها إذا استعدى عليها (تُوكّل؛ كمريض ونحوه) من ذوي الأعذار. (وإن وجبب) عليها (يمين: أرسل) الحاكم إليها (من يحلّفها) فيبعث أمينا معه شاهدان فيستحلفها بحضرتهما. (ومن ادَّعى على غائب بموضع لا حاكم به) في عمل القاضي، (بعث) القاضي (إلى من) أي: إلى إنسان في ذلك الموضع (يتوسَّط بينهما) أي: بين المستعدي والمستعدى عليه. (فإن تعذَّر) ذلك باًن لم لكن بذلك الموضع من هو أهل للتوسط بين الخصمين، أو لم يقبلا ما قال لهما المتوسط بينهما: (حرَّر) المستعدي (دعواه)؛ لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه المستعدي ليس بحق على المستعدى عليه؛ كشفعة جوار وقيمة كلب. (ثم) إنه إذا حررها بكونها ثمن مبيع يجوز بيعه أو بدل قرض أو نحوهما (أحضره ولو بعُد) مكانه إذا كان (بعمله)؛لأنه لا بد من فصل الخصومة بين المتخاصمين. فماذا لم يمكن إلا بمشقة لم يمهل؛ كما لو امتنع من الحضور فإنه يؤدب. ولأن إلحاق المشقة به أولى من إلحاقها بمن ينفذه الحاكم ليحكم بينهما. (ومن ادَّعى قبل إنسان شهادةً: لم تُسمع دعواه، ولم يُعْدَ عليه، ولم يُحلَّف) على ذلك. قال في " الفروع ": خلافاً لشيخنا في ذلك، وأنه ظاهر نقل صالح وحنبل. وقال: لو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها فظاهر، ولو نكل لزمه ما ادعى به إن قيل كتمانها موجب لضمان ما تلف ولا يبعد كما يضمن من ترك الإطعام

стр. 5142

الواجب. وكونه لا يحصل المقصود لفسقه بكتمانه (١) لا يبقى ضمانه في نفس الأمر. واحتج القاضي بالأول على أن الشهادة ليست حقاً على الشاهد. انتهى كلامه في " الفروع ". (ومن قال لحاكم: حكمت عليَّ بفاسقين) أي: بشهادة فاسقين (عمداً، فأنكر) القاضي: (لم يُحلَّف) أي: لم يجب عليه يمين في الأصح؛ لأنه لو لم يقبل قوله في ذلك، لتطرق المدعى عليهم إلى إبطال ما عليهم من الحقوق بالقول المذكور. وفي ذلك ضرر عظيم، واليمين إنما تجب للتهمة والقاضي ليس من أهلها. (وإن قال) قاض (معزول عدل لا يُتَّهَم: كنت حكمتُ في ولايتي لفلان على فلان بكذا) وبيّنه، (وهو ممن يَسُوغ الحكم له) بأن كان المحكوم له ليس أباه أو ابنه أو نحوهما ممن لا يصح حكمه له: (قُبل) قوله في المنصوص. وفي الأصح: (ولو لم يذكر مستنده) في حكمه، (ولو أن العادة تسجيل أحكامه، وضبطُها بشهود)، لأن عزله لا يمنع قبول قوله؛ كما لو كتب كتاباً إلى قاضٍ آخر ثم عزل ووصل الكتاب بعد عزله، فإنه يلزم المكتوب إليه قبول كتابه بعد عزله كاتبه. ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم. أشبه إخباره حال ولايته. (قال بعض المتأخرين) وهو القاضي مجد الدين: قبول قوله مقيد بـ (ما) إذا (لم يشتمل على إبطال حكم حاكم) آخر. فلو حكم حنفي برجوع واقف على نفسه فأخبر حاكم حنبلي أنه حكم بصحة الوقف المذكور قبل حكم الحنفي برجوعه لم يقبل. نقله القاضي محب الدين في " حواشي الفروع ". (وحسَّنه بعضُهم) أي: بعض المتأخرين فإن القاضي محب الدين لما نقل ذلك قال: هذا تقييد حسن ينبغي اعتماده. وقال القاضي محب الدين: ومقتضى إطلاق الفقهاء قبوله (٢) ولو كانت

стр. 5143

العادة تسجيل أحكامه وضبطها بشهود ولو قيد ذلك بما إذا لم تكن عادة كان متجهاً لوقوع الريبة لمخالفته للعادة. انتهى كلام القاضي محب الدين. قال في " الإنصاف ": قلت: ليس الأمر كذلك بل يرجع إلى صفة الحاكم ويدل عليه ما قاله أبو الخطاب وغيره. (وإن أخبرَ حاكمُ حاكماً) آخر (بحكمِ أو ثبوتٍ ولو) كان إخباره إياه (في غير عملهما) [أي: عمل الحاكمين: (قُبِل وعُمل به) المخبَر- بفتح الباء- (إذا بلغ عمله) في الأصح. قال في " الإنصاف ": يقبل خبر الحاكم لحاكم آخر في غير عملهما] (١) ، وفي عمل أحدهما على الصحيح من المذهب. وهو ظاهر كلام الخرقي، واختاره ابن حمدان وصححه في " النظم ". قال الزركشي: وإليه ميل أبي محمد. وقدمه في " الشرح " و" الفروع " وابن رزين والزركشي. وعند القاضي لا يقبل في ذلك كله إلا أن يخبر في عمله حاكماً في غير عمله، فيعمل به إذا بلغ عمله. وجاز حكمه بعلمه. وقدمه في "المحرر"و" الرعايتين " وجزم به في " الوجيز " و " المنور " و " الترغيب ". ثم قال يعني: في " الترغيب ": وإن كان في ولاية المخبر فوجهان. وفيه أيضاً إذا قال: سمعت البينة فاحكم، لا فائدة له مع حياة البينة بل عند العجز عنها. فعلى قول القاضي ومن تابعه: يفرق بين هذه المسألة، وبين ما إذا قال الحاكم المعزول: كنت حكمت في ولايتي لفلان بكذا أنه يقبل هناك ولا يقبل هنا. فقال الزركشي: وكأن الفرق ما يحصل من الضرر بترك قبول قول المعزول. بخلاف هذا. انتهى كلامه في " الإنصاف ". (لا مع حضور المخبِر) - بكسر الباء- (وهما بعملهما بالثبوت) يعني: أنه لو أخبر قاضٍ قاضياً آخر وكل منهما بعمله بثبوت شيء عنده ولم يحكم به فليس

стр. 5144

للمخبَر- بفتح الباء- العمل بما أخبره به الحاكم الآخر من الثبوت دون الحكم مع حضور المخبِر- بكسر الباء-؛ لأن ذلك كنقل الشهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشهادة. (وكذا إخيارُ أميرِ جهادٍ، وأمينِ صدقةٍ، وناظرِ وقفٍ) بعد عزله بأمر صدر منه في حال ولايته يعني: فإنه يقبل منه. قال في " الإنصاف ": نظير مسألة إخبار الحاكم في حال الولاية والعزل: أمير الجهاد، وأمين الصدقة، وناظر الوقف. قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ". قال في " الانتصار ": كل من صح منه إنشاء أمر صح إقراره به. انتهى. والله أعلم. ***

стр. 5145

[باب: طريق الحكم وصفته] هذا (باب طريق الحكم وصفته. طريق كل شيء: ما تُوُصّل به إليه) أي: إلى ذلك الشيء. (والحكمُ: الفصل) أي: فصل الخصومات. (إذا حضر إليه) أي: إلى القاضي (خَصمان: فله أن يسكت حتى يُبْدَأَ) بالبناء للمفعول يعني: حتى تكون البداءة بالكلام من جهتهما، وعلى الأشهر (وأن يقول: أيُّكما المدَّعِي؟)؛ لأن سؤاله عن المدعي منهما لا تخصيص فيه لواحد منهم فجاز لذلك. (ومن سبق) منهما (بالدعوى: قدم) أي: قدمه الحاكم على خصمه، (ثم) إن ادعيا معاً أقرع بينهما؛ لأن القرعة تعين المستحق فيقدم منهما (من قَرَع) أي: من خرجت له القرعة. (فإذا انتهت حكومته) أي: حكومة الأول: (ادَّعى الآخر)؛ لأن الأول استوفى حقه. وإن بدأ أحدهما فادعى. فقال خصمه: أنا المدعي لم يلتفت الحاكم إليه. وقال له: أجب عن دعواه ثم ادع بعد ما شئت. قاله في " شرح المقنع ". ويستحب للحاكم أن يُجلس الخصمين بين يديه؛ لم روي " أن النبي ﷺ قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم " (١) . رواه أبو داود. ولما روى سعيد بإسناده عن الشعبي قال: " كان بين عمر بن الخطاب وأبىّ بن كعب رضي الله تعالى عنهما مداراة في شيء. فجعلا بينهما زيد بن ثابت. فأتياه في منزله. فقال له عمر: أتيناك تحكم بيننا. في بيته يؤتى الحكم. فوسع زيد بن ثابت عن صدر فراشه. فقال: هاهنا يا أمير المؤمنين.

стр. 5146

فقال له عمر: جُرت في أول القضاء. ولكن أجلس مع خصمي. فجلسا بين يديه. فادعى أبي فأنكر عمر. فقال زيد لأبيّ: اعف أمير المؤمنين من (١) اليمين. فحلف عمر ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء ". و" قال علي رضي الله تعالى عنه حين خاصم اليهودي درعه إلى شريح: لو أن خصمي مسلم لجلست معه بين يديك ". ولأن ذلك أمكن للحاكم في العدل بينهما. (ولا تُسمع دعوى مقلوبة) في الأصح؛ لأن الأصحاب عرّفوا المدعي: بأنه الذي يطالب غيره بحق يذكر استحقاقه عليه ولا ينطبق هذا التعريف على من ادعى دعوى مقلوبة. قال في"الإنصاف": على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وقدمه في "الفروع"، وقال: وسمعها بعضهم واستنبطها. قلت: الذي يظهر: أنه استنبطها من الشفعة فيما إذا ادعى الشفيع على شخص أنه اشترى الشقص، وقال: بل اتهبته أو ورثته فإن القول قوله مع يمينه. فلو نكل عن اليمين أو قامت للشفيع بينة بالشراء: فله أخذه ودفيع ثمنه. فإن قال: لا أستحقه. قيل له: إما أن تقبل، وإما أن تبرئه على أحد الوجوه. وقطع به المصنف هناك. فلو ادعى الشفيع عليه بذلك: ساغ. وكانت شبيهة بالدعوى المقلوبة. انتهى كلامه في " الإنصاف ". ومن ذلك أيضاً: لو ترافع اثنان إلى حاكم فقال أحدهما: أدعي على هذا أنه يدعي علي ديناراً فاستحلفني له أنه لا حق له قبلي فإنه لا يسمع منه ذلك. وسميت مقلوبة؛ لأن المدعي فيها يطلب أن يعطي المدعى عليه، والمدعي في غيرها يطلب أن يأخذ من المدعي عليه فانقلب فيها القصد المعتاد.

стр. 5147

(ولا) تسمع دعوى (حِسْبةُ) أيضاً (بحق الله تعالى (١) ؛كعبادة وحد وكفارة ونذر، ونحوه)، كجزاء صيد قتله في الحرم أو محرماً فيه في الأصح. وفي "الرعاية": تسمع دعوى حسبة. (وتُسمع) من غير دعوى (بينةُ بذلك، وبعتق ولو أنكر معتوقُ) العتق المشهود به. (و) تسمع البينة أيضاً من غير دعوى (بحق غيرِ معيَّن، كوقف ووصية على فقراء أو) على (مسجد على خصم) في جهته ذلك. (و) تُسمع البينة أيضاً (بوكالةٍ وإسنادِ وصيةٍ من غير حضور خصم. لا) بينة (بحق) شخص (معيَّن قبل دعواه) بحقه، (و) لا تسمع (يمينه إلا بعدها) أي: بعد الدعوى، (وبعد شهادة الشاهد إن كان) فيما إذا قضى بالشاهد واليمين. وهذا على الأصح. (وأجاز بعض أصحابنا سماعهما) أي: الدعوى والبينة (لحفظ وقف وغيره بالثَّبات بلا خصم. و) أجاز ذلك (الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض أصحابنا بخصمٍ مسخَّر. قال الشيخ تقي الدين: وعلى أصلنا وأصل مالك: إما أن نُثبت الحقوق بالشهادة على الشهادة- وقاله بعضُ أصحابنا- وإما أن يُسمَعا ويحكم بلا خصم. وذكره بعض المالكية و) بعض (الشافعية. وهو مقتضى كلام أحمد وأصحابهِ في مواضعَ؛ لأنا نسمعها، على غائب وممتنع ونحوه، فمع عدم خصمٍ أولى. فإن المشتريَ- مثلا- قبض المبيع وسلَّم الثمن، فلا يَدَّعي ولا يُدَّعى عليه. وإنما الغرضُ الحكمُ؛ لخوف خصمٍ، وحاجة الناس- خصوصاً فيما فيه شُبهةُ أو خلافُ- لرفعِه). قال (المنقح: وعملُ الناس عليه) أي: على ما قاله الشيخ تقي الدين، (وهو قوي) يعني: من جهة النظر. ***

стр. 5148

[فصل: في الدعوى بالقليل] (فصل. وتصح) الدعوى (بالقليل) وظاهره ولو لم تتبعه الهمة. ولا ينافي ذلك قولهم: أن القاضى لا يستعدي فيما لا تتبعه الهمة؛ لما في الاستعداء من المشقة الحاصلة بسبب ما هو أسهل منها. (ويشترط) لصحتها شروط: الأول: (تحريرها)؛ لأن الحكم مرتب عليها؛ ولذلك قال رسول ﷺ : "وإنما (١) أقضي على نحو ما أسمع " (٢) . ومتى لم تحرر الدعوى لم يمكن الحكم عليها فوجب تحريرها لذلك. إذا تقرر هذا (فلو كانت) الدعوى (بدَين على ميت: ذكر موته، وحرَّر الدَّين). ثم إن كان الدين أثماناً فلا بد من ذكر ثلاثة أشياء: الجنس، والنوع، والقدر. (و) حرر (التركة). ذكره القاضي. وفي " المغني ": أو أن المدعى عليه وصل إليه من تركة مورثه ما يفي بدينه. (و) الشرط الثانى: (كونها معلومة) أي: كون الدعوى بشيء معلوم؛ لأن المدعى عليه إذا اعترف بما ادعي به عليه وطلب المدعي من الحاكم إلزامه به وجب على الحاكم إلزامه والإلزام بالمجهول لا يصح. فلهذا اعتبر كونها بمعلوم (٣) .

стр. 5149

(إلا في وصية) بمجهول؛ كما لو أوصى له بأحد دوابه، (و) إلا في (إقرار)، كما لو قال له: في ذمتي مال، (و) إلا في (خُلع على مجهول)؛ كما لو سأله إنسان أن يخلع زوجته على أحد عبيده فإن للموصى له مطالبة الوارث بما يجب له بمقتضى الوصية، وللمقر له مطالبة المقر بما يوجبه (١) إقراره. ولمن خلع زوجته مطالبة من سأله الخلع بما أوجبه سؤاله. وحيث علمتَ أنه يشترط العلم بالمدعى به في غير هذه الصور (فلا يكفي قوله) أي: قول المدعي (عن دعوى بورقة: أدَّعي بما فيها) حتى يبينه. ثم الشرط الثالث: كون المدعي (مصرَّحاً بها، فلا يكفي) قول المدعي: (لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا) الآن (مطالبه به). ذكره في " الترغيب ". قال في " الفروع": وظاهر كلام جماعة: يكفي الظاهر. انتهى. (ولا) يكفي قول المدعي أيضاً: (إنه أقرَّ لي بكذا ولو) كان ما أقر به (مجهولاً، حتى يقول) المدعي: (وأطالبه به، أو) وأطالبه (بما يُفسّرُه به). الشرط الرابع: أن تكون الدعوى (متعلّقةً بالحال). فلا بد في الدعوى بدين أن يكون حالاً حينئذ، (فلا تصح بمؤجَّل لإثباته). قدمه في " الفروع ". وقال في " الترغيب ": الصحيح تُسمع فيثبت أصل الحق للزوم في المستقبل كدعوى تدبير. انتهى. وقيل: تسمع لإثباته إذا خاف سفر الشهود. (وتصح) الدعوى (بتدبير وكتابة واستيلاد)، لصحة الحكم بذلك. الشرط الخامس: أن تكون الدعوى (منفكَّةً، عما يُكذّبُها. فلا تصح) على إنسان: (بأنه قتل أو سرق من عشرين سنة وسِنُّهُ دونَها، ونحوه)؛ كما لو ادعى بنوة إنسان لا يمكن كونه منه.

стр. 5150

(لا ذكرُ سبب الاستحقاق) فإن ذلك ليس بشرط لصحة الدعوى. قال في " الفروع ": ومن ادعى عيناً أو ديناً لم يعتبر ذكر سببه وجهاً واحداً؛ لكثره سببه وقد يخفى على المدعي. انتهى. (ويُعتبر تعيين مدعىً به) إذا كان حاضراً (بالمجلس)؛ لانتفاء اللبس بالتعيين. (و) يعتبر أيضاً (إحضار عينٍ) مدعى بها إذا كانت (بالبلد، لتُعَيّن) بمجلس الحكم، لانتفاء اللبس بتعيينها. (ويجب على المدَّعى عليه: إن أقرَّ أن بيده مثلَها) فيوكل به حتى يحضرها؛ فمن ادعي عليه بغصب عبد وأقر أن بيده عبداً أمره الحاكم بإحضاره لتكون الدعوى على عينه. (ولو ثبت أنها) أي: المدعى بها (بيده) أي: يد المدعى عليه بها (ببينةٍ أو نكولٍ) وامتنع من إحضارها (حُبس حتى يُحضِرَها، أو) حتى (يدَّعيَ تلفَها: فيُصدَّق للضرورة، وتكفي القيمة) يعنى: ويكفي المدعي أن يقول: قيمتها كذا. (وإن كانت) العين المدعى بها (غائبة عن البلد، أو) كانت (تالفةً، أو) كانت (في الذمةِ ولو غير مِثليَّةٍ)، كالأمة المسلم فيها: (وصَفَها) المدعي (كَسَلَمٍ) وذلك بأن يستقصي في الدعوى ما يشترط ذكره في السلم، (والأولى) مع ذلك (ذكر قيمتها أيضاً). وفي "الترغيب": يكفي ذكر قيمة غير مثلي، وهذا الذي عليه عمل الناس. (ويكفي) في الدعوى (ذكر قدر نقدِ البلد) إذا لم يكن بها إلا نقد واحد. وقيل: ويصفه. (و) ذكر (قيمةِ جوهرٍ، ونحوه) مما لا يصح السلم فيه؛ لأنها تجب بتلفه. ومن ادعى عقاراً غائباً عن البلد فلا بد من بيان موضعه وحدوده، فيدعي أن هذه الدار بحدودها وحقوقها ملكي وأنه غصبنيها، أو بيده ظلماً، أو أنه يمنعني منها وأنا مطالبه بردها. وإن كان العقار بالبلد عيّنه.
следующие страницы →