فقال له عمر: جُرت في أول القضاء. ولكن أجلس مع خصمي. فجلسا بين يديه. فادعى أبي فأنكر عمر. فقال زيد لأبيّ: اعف أمير المؤمنين من (١) اليمين. فحلف عمر ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء ".
و" قال علي رضي الله تعالى عنه حين خاصم اليهودي درعه إلى شريح: لو أن خصمي مسلم لجلست معه بين يديك ".
ولأن ذلك أمكن للحاكم في العدل بينهما.
(ولا تُسمع دعوى مقلوبة) في الأصح؛ لأن الأصحاب عرّفوا المدعي: بأنه الذي يطالب غيره بحق يذكر استحقاقه عليه ولا ينطبق هذا التعريف على من ادعى دعوى مقلوبة.
قال في"الإنصاف": على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وقدمه في "الفروع"، وقال: وسمعها بعضهم واستنبطها.
قلت: الذي يظهر: أنه استنبطها من الشفعة فيما إذا ادعى الشفيع على شخص أنه اشترى الشقص، وقال: بل اتهبته أو ورثته فإن القول قوله مع يمينه. فلو نكل عن اليمين أو قامت للشفيع بينة بالشراء: فله أخذه ودفيع ثمنه. فإن قال: لا أستحقه. قيل له: إما أن تقبل، وإما أن تبرئه على أحد الوجوه. وقطع به المصنف هناك.
فلو ادعى الشفيع عليه بذلك: ساغ. وكانت شبيهة بالدعوى المقلوبة. انتهى كلامه في
" الإنصاف ".
ومن ذلك أيضاً: لو ترافع اثنان إلى حاكم فقال أحدهما: أدعي على هذا أنه يدعي علي ديناراً فاستحلفني له أنه لا حق له قبلي فإنه لا يسمع منه ذلك.
وسميت مقلوبة؛ لأن المدعي فيها يطلب أن يعطي المدعى عليه، والمدعي في غيرها يطلب أن يأخذ من المدعي عليه فانقلب فيها القصد المعتاد.
стр. 5147
(ولا) تسمع دعوى (حِسْبةُ) أيضاً (بحق الله تعالى (١) ؛كعبادة وحد وكفارة ونذر، ونحوه)، كجزاء صيد قتله في الحرم أو محرماً فيه في الأصح.
وفي "الرعاية": تسمع دعوى حسبة.
(وتُسمع) من غير دعوى (بينةُ بذلك، وبعتق ولو أنكر معتوقُ) العتق المشهود به.
(و) تسمع البينة أيضاً من غير دعوى (بحق غيرِ معيَّن، كوقف ووصية على فقراء أو) على (مسجد على خصم) في جهته ذلك.
(و) تُسمع البينة أيضاً (بوكالةٍ وإسنادِ وصيةٍ من غير حضور خصم.
لا) بينة (بحق) شخص (معيَّن قبل دعواه) بحقه، (و) لا تسمع (يمينه إلا بعدها) أي: بعد الدعوى، (وبعد شهادة الشاهد إن كان) فيما إذا قضى بالشاهد واليمين. وهذا على الأصح.
(وأجاز بعض أصحابنا سماعهما) أي: الدعوى والبينة (لحفظ وقف وغيره بالثَّبات بلا خصم. و) أجاز ذلك (الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض أصحابنا بخصمٍ مسخَّر.
قال الشيخ تقي الدين: وعلى أصلنا وأصل مالك: إما أن نُثبت الحقوق بالشهادة على الشهادة- وقاله بعضُ أصحابنا- وإما أن يُسمَعا ويحكم بلا خصم. وذكره بعض المالكية و) بعض (الشافعية. وهو مقتضى كلام أحمد وأصحابهِ في مواضعَ؛ لأنا نسمعها، على غائب وممتنع ونحوه، فمع عدم خصمٍ أولى. فإن المشتريَ- مثلا- قبض المبيع وسلَّم الثمن، فلا يَدَّعي ولا يُدَّعى عليه. وإنما الغرضُ الحكمُ؛ لخوف خصمٍ، وحاجة الناس- خصوصاً فيما فيه شُبهةُ أو خلافُ- لرفعِه).
قال (المنقح: وعملُ الناس عليه) أي: على ما قاله الشيخ تقي الدين، (وهو قوي) يعني: من جهة النظر.
***
стр. 5148
[فصل: في الدعوى بالقليل]
(فصل. وتصح) الدعوى (بالقليل) وظاهره ولو لم تتبعه الهمة. ولا ينافي ذلك قولهم: أن القاضى لا يستعدي فيما لا تتبعه الهمة؛ لما في الاستعداء من المشقة الحاصلة بسبب ما هو أسهل منها.
(ويشترط) لصحتها شروط:
الأول: (تحريرها)؛ لأن الحكم مرتب عليها؛ ولذلك قال رسول ﷺ : "وإنما (١) أقضي على نحو ما أسمع " (٢) .
ومتى لم تحرر الدعوى لم يمكن الحكم عليها فوجب تحريرها لذلك.
إذا تقرر هذا (فلو كانت) الدعوى (بدَين على ميت: ذكر موته، وحرَّر الدَّين). ثم إن كان الدين أثماناً فلا بد من ذكر ثلاثة أشياء: الجنس، والنوع، والقدر. (و) حرر (التركة). ذكره القاضي.
وفي " المغني ": أو أن المدعى عليه وصل إليه من تركة مورثه ما يفي بدينه.
(و) الشرط الثانى: (كونها معلومة) أي: كون الدعوى بشيء معلوم؛ لأن المدعى عليه إذا اعترف بما ادعي به عليه وطلب المدعي من الحاكم إلزامه به وجب على الحاكم إلزامه والإلزام بالمجهول لا يصح. فلهذا اعتبر كونها بمعلوم (٣) .
стр. 5149
(إلا في وصية) بمجهول؛ كما لو أوصى له بأحد دوابه، (و) إلا في (إقرار)، كما لو قال له: في ذمتي مال، (و) إلا في (خُلع على مجهول)؛ كما لو سأله إنسان أن يخلع زوجته على أحد عبيده فإن للموصى له مطالبة الوارث بما يجب له بمقتضى الوصية، وللمقر له مطالبة المقر بما يوجبه (١) إقراره. ولمن خلع زوجته مطالبة من سأله الخلع بما أوجبه سؤاله.
وحيث علمتَ أنه يشترط العلم بالمدعى به في غير هذه الصور (فلا يكفي قوله) أي: قول المدعي (عن دعوى بورقة: أدَّعي بما فيها) حتى يبينه.
ثم الشرط الثالث: كون المدعي (مصرَّحاً بها، فلا يكفي) قول المدعي: (لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا) الآن (مطالبه به). ذكره في " الترغيب ". قال في " الفروع": وظاهر كلام جماعة: يكفي الظاهر. انتهى.
(ولا) يكفي قول المدعي أيضاً: (إنه أقرَّ لي بكذا ولو) كان ما أقر به (مجهولاً، حتى يقول) المدعي: (وأطالبه به، أو) وأطالبه (بما يُفسّرُه به).
الشرط الرابع: أن تكون الدعوى (متعلّقةً بالحال). فلا بد في الدعوى بدين أن يكون حالاً حينئذ، (فلا تصح بمؤجَّل لإثباته). قدمه في " الفروع ".
وقال في " الترغيب ": الصحيح تُسمع فيثبت أصل الحق للزوم في المستقبل كدعوى تدبير. انتهى.
وقيل: تسمع لإثباته إذا خاف سفر الشهود.
(وتصح) الدعوى (بتدبير وكتابة واستيلاد)، لصحة الحكم بذلك.
الشرط الخامس: أن تكون الدعوى (منفكَّةً، عما يُكذّبُها. فلا تصح)
على إنسان: (بأنه قتل أو سرق من عشرين سنة وسِنُّهُ دونَها، ونحوه)؛ كما لو ادعى بنوة إنسان لا يمكن كونه منه.
стр. 5150
(لا ذكرُ سبب الاستحقاق) فإن ذلك ليس بشرط لصحة الدعوى.
قال في " الفروع ": ومن ادعى عيناً أو ديناً لم يعتبر ذكر سببه وجهاً واحداً؛ لكثره سببه وقد يخفى على المدعي. انتهى.
(ويُعتبر تعيين مدعىً به) إذا كان حاضراً (بالمجلس)؛ لانتفاء اللبس بالتعيين.
(و) يعتبر أيضاً (إحضار عينٍ) مدعى بها إذا كانت (بالبلد، لتُعَيّن) بمجلس الحكم، لانتفاء اللبس بتعيينها.
(ويجب على المدَّعى عليه: إن أقرَّ أن بيده مثلَها) فيوكل به حتى يحضرها؛ فمن ادعي عليه بغصب عبد وأقر أن بيده عبداً أمره الحاكم بإحضاره لتكون الدعوى على عينه.
(ولو ثبت أنها) أي: المدعى بها (بيده) أي: يد المدعى عليه بها (ببينةٍ أو نكولٍ) وامتنع من إحضارها (حُبس حتى يُحضِرَها، أو) حتى (يدَّعيَ تلفَها: فيُصدَّق للضرورة، وتكفي القيمة) يعنى: ويكفي المدعي أن يقول: قيمتها كذا. (وإن كانت) العين المدعى بها (غائبة عن البلد، أو) كانت (تالفةً، أو) كانت (في الذمةِ ولو غير مِثليَّةٍ)، كالأمة المسلم فيها: (وصَفَها) المدعي (كَسَلَمٍ) وذلك بأن يستقصي في الدعوى ما يشترط ذكره في السلم، (والأولى) مع ذلك (ذكر قيمتها أيضاً).
وفي "الترغيب": يكفي ذكر قيمة غير مثلي، وهذا الذي عليه عمل الناس.
(ويكفي) في الدعوى (ذكر قدر نقدِ البلد) إذا لم يكن بها إلا نقد واحد.
وقيل: ويصفه.
(و) ذكر (قيمةِ جوهرٍ، ونحوه) مما لا يصح السلم فيه؛ لأنها تجب بتلفه.
ومن ادعى عقاراً غائباً عن البلد فلا بد من بيان موضعه وحدوده، فيدعي أن هذه الدار بحدودها وحقوقها ملكي وأنه غصبنيها، أو بيده ظلماً، أو أنه يمنعني منها وأنا مطالبه بردها. وإن كان العقار بالبلد عيّنه.
стр. 5151
(و) تكفي (شهرةُ عَقارٍ عندهما) أي: عند المتداعيين (وعند حاكم (١) عن تحديده)؛ لحديث الحضرمي والكندي.
(ولو قال) المدعي: (أطالبه بثوب غصَبَنِيه قيمته عشرة، فيردُّه: إن كان باقياً. وإلا) أي: وإن لم يكن باقياً (فقيمته.
أو) قال: أطالبه (بثوبٍ قيمته عشرة، أخذه مني ليبيعه بعشرين) وأبى أن يرده لي أو يعطيني ثمنه، (فيُعطيها) أي: العشرين (إن كان باعه، أو) يعطني (الثوب إن كان باقياً أو) يعطني (٢) (قيمته إن) كان (تلف) (٣) وقيمته كذا (صح) ذلك (اصطلاحاً) يعني: فقد اصطلح القضاة على قبول هذه الدعوة المرددة (٤) للحاجة. ذكره في " الترغيب ".
وقيل: بل يدعي الثوب المغصوب. فإن حلف المدعى عليه على تلفه طالبه بقيمته.
(ومن ادَّعى عقداً ولو غير نكاح)؛كبيع وإجارة: (ذكر شروطه) في الأصح؛ لأن الناس مختلفون في الشروط مختلفون في العقود، فقد يكون العقد المدعى به مما لا يصح عنده فلا تسمع الدعوى فيه للاختلاف المذكور.
(لا إن ادَّعى) زوج (استدامة الزوجيَّة) فإنه لا يشترط أن يستوعب شروط النكاح. فإنه (٥) لم يدع عقداً وإنما يدعي خروجها عن طاعته. فمن ادعى عقد نكاح فلا بد من تعيين الحاضرة بالإشارة إليها، وذكر شروط النكاح، وأنه تزوجها بولي رشيد وشاهدي عدل، ورضاها إن كانت ممن (٦) يعتبر رضاها؛
стр. 5152
لأن العلماء اختلفوا في شرائط النكاح فمنهم من يشترط الولي والشهود، ومنهم من لا يشترط إذن البكر البالغ لأبيها في تزويجها. وقد يدعي نكاحاً يعتقده صحيحاً والحاكم لا يرى صحته. ولا ينبغي أن يحكم بصحته مع جهله بها ولا يعلمها ما لم تذكر الشروط وتقوم البينة بها.
ومن ادعى بيعاً فلا بد أن يقول: اشتريت منه هذه العين بكذا، وهو جائز التصرف في ماله وتفرقا عن تراضٍ. وكذا إن ادعى عقد إجارة.
(ويُجزئ عن تعيين المرأة) المدعى نكاحها: (إن غابت ذكر اسمها ونسبها.
وإن ادَّعته) أي: ادعت عقد النكاح (المرأة، وادَّعت معه) أي: مع عقد النكاح (نفقة أو مهراً ونحوهما)؛ كمسكن: (سُمعت دعواها).
قال في " شرح المقنع": بغير خلاف نعلمه؛ لأنها تدعي حقاً لها تضيفه إلى سببه. فتسمع دعواها؛ كسائر الدعاوي.
(وإلا) أي: وإن لم تدع سوى النكاح: (فلا) تسمع دعواها في الأصح؛ لأن النكاح حق الزوج عليها فلا تسمع دعواها بحقٍّ لغيرها.
(ومتى جحد) الزوج (الزوجيةََّ، ونوى به) أي: بجحده (الطلاق: لم تطلُق) بمجرد ذلك.
قال في " المبدع ": لأن إنكاره النكاح ليس بطلاق إلا أن ينويه.
وفال الحجاوي في " الإقناع ": ولا يكون جحوده طلاقاً ولو نواه؛ لأن الجحود هنا لعقد النكاح لا لكونها امرأته. وإن كان يعلم أنها ليست امرأته لعدم عقد أو لبينونتها منه لم تحل له. انتهى.
(ومن ادَّعى قتل مورثه: ذكر) المدعي (القتل)، وكونه (عمداً أو شِبْهَه) أي: شبه عمد، (أو) كونه (خطأ، ويصفه) أي: يصف القتل؛ لأن الحال تختلف باختلاف ذلك. فلم يكن بد من ذكره؛ ليترتب حكم الحاكم عليه (١) ،
стр. 5153
(وأن القاتل انفرد) بقتله (أوْ لا) يعني: أو أنه شاركه في القتل غيره؛ لأنه لا يؤمن أن يقتص ممن لا يجب القصاص عليه وذلك مما لا يمكهن تلافيه. فوجب الاحتياط فيه.
(ولو قال) المدعي: أن المدعى عليه (قَدَّه) أي: قدَّ مورثه (نصفين وكان حياً) حين قدّه، (أو) أنه (ضربه وهو حيُ) فمات من ذلك (صح) أن يطالب خصمه بالجواب.
(وإن ادَّعى) إنسان على غيره (إرثاً: ذكَر سببَه) وجوباً؛ لأن أسباب الإرث تختلف. ولا بد في الشهادة من أن تكون على سبب معين فكذلك الدعوى. (وإن ادَّعى) شيئاً (مُحلىً بأحد النقدين: قَوَّمَه بـ) النقد (الآخر) فيقوم المحلى بذهب بالفضة والمحلى بفضة بالذهب؛ لئلا يؤدي تقويمه بجنسه إلى الربا، (و) إن كان المدعى به شيئاً محلىً (بهما) أي: بالذهب والفضه جميعاً (فـ) نقومه (بأيّهما) أي: بأي النقدين بالنقدين (شاء، للحاجة). إذ الثمينة منحصرة في النقدين.
***
стр. 5154
[فصل: ثم يسأل الحاكم المدعى عليه]
(فصل. وإذا حرَّرها) أي: حرر المدعي الدعوى: (فللحاكم سؤال خصمه) عنها، (وإن لم يَسأل سؤالَه) في الأصح. يعني: وإن لم يقل المدعي للقاضي: اسأل سؤال المدعى عليه من ذلك؛ لأن شاهد الحال يدل على طلب المطالبة؛ لأن إحضاره والدعوى إنما يراد أن يسأل الحاكم المدعى عليه فقد أغنى ذلك عن سؤاله.
(فإن أقرَّ) المدعى عليه بما ادعاه المدعي: (لم يُحكم له) أي: للمدعي على المدعى عليه (إلا بسؤاله) أي: سؤال المدعي الحاكمَ الحكم على المدعى عليه؛ لأن الحكم (١) حق للمدعي المقَر له فلا يستوفيه الحاكم إلا بمسألة مستحقة. فيقول الحاكم للمدعى عليه: اخرج إليه من حقه، أو قضيت عليك له، أو ألزمتك بحقه، أو حكمت عليك بالخروج منه.
(وإن أنكر) المدعى عليه ما ادعاه المدعي (بأن قال) المدعى عليه (لمدعٍ قرضاً أو) مدع (٢) (ثمناً) عن مبيع: (ما أقرضني، أو) قال: (ما باعني، أو) قال: (ما يستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه ولا شيئاً منه، أو) قال: (لا حقَّ له عليَّ صح الجواب) لنفيه عين ما ادعى عليه به بقوله: ما أقرضني أو ما باعني.
ولأن قوله: لا حق له عليّ نكرة في سياق النفي فتعم كل حق.
ومحل صحة الجواب في قوله: ما يستحق عليَّ ما ادعاه ولا شيئاً منه أو لا (٣) حق له عليَّ: (ما لم يعترف بسبب الحق). فلو ادعت امرأة على رجل يعترف
стр. 5155
أنها زوجته بمهرها فقال: لا تستحق عليّ شيئاً لم يصح الجواب، ويلزمه المهر إن لم يُقم بينة بإسقاطه، كجوابه في دعوى قرض اعترف به لا يستحق علي شيئاً.
(ولهذا لو أقرَّت) امرأة (بمرضها: أن لا مهر لها) على زوجها: (لم يُقبل) منها ذلك (إلا ببينة أنها أخذته).نقله مهنا عن أحمد، (أو) أنها (أسقطته) عنه (في الصحة) أي: قبل مرضها.
(و) لو قال مدعٍ لمدعى عليه: (لي عليك مائة) أطالبك بها، (فقال) المدعى عليه: (ليس لك) عليَّ (مائة اعتُبر قوله) أي: أن يقول: (ولا شيء منها).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(كيمين. فـ) على المذهب: (إن نكل) عن اليمين (عما دون المائة: حُكم عليه بمائة إلا جزءاً) من أجزاء المائة.
(ومن أجاب مدعي (١) استحقاقٍ مبيع بقوله: هو مِلْكي اشتريته من زيد وهو مِلْكُه، لم يمنع) ذلك (رجوعه) أي: على بائعه زيد (بثمنٍ) أي: بثمن المبيع المستحق في الأصح.
قال في"تصحيح الفروع "عند إطلاق صاحب"الفروع " الوجهين في ذلك:
أحدهما: له الرجوع عليه إذا بان مستحقاً. وهو الصواب لا سيما إن كان المشتري جاهلاً والإضافة إلى ملكه في الظاهر.
والوجه الثاني: ليس له الرجوع؛ لاعترافه له بالملك وهو بعيد. انتهى.
فصوب الرجوع وبَعّد عدمه؛ (كما لو أجاب) مدعيه (بمجرَّد إنكارٍ، أو انتزاع من يده ببينة مِلك سابق) على شراء المدعى عليه، فإنه يرجع عليه فيهما بلا خلاف في المذهب، (أو) انتزاع من يده ببينة ملك (مطلق).
стр. 5156
قال في " الفروع ": في ظاهر كلامهم، وفي " الترغيب ": يحتمل عندي أن لا يرجع؛ لأن المطلقة تقتضي الزوال من وقته؛ لأن ما قبله غير مشهود به. انتهى.
(ولو قال) مدعى عليه (لمدَّع ديناراً: لا يستحقُّ عليَّ حبَّه صح الجواب) خلافاً لابن عقيل [ووفاقاً (١) للشيخ تقي الدين وصوّبه في "تصحيح الفروع ".
(وَيعُمُّ الحبَّات، و) يعم (ما لم يندرج في لفظ " حبة " من باب الفَحْوَى).
قال في " الفروع "] (٢) : ولو قال لمدعي (٣) ديناراً لا يستحق عليّ حبة، فعند ابن عقيل ليس بجواب، لأنه لايكتفى في دفع الدعوى إلا بنص (٤) لا بظاهر. ولهذا لو حلف: والله إنى لصادق فيما ادعيته عليه أو حلف المنكر أنه لكاذب فيما ادعاه عليّ لم يقبل. وعند شيخنا: يعم الحيات وما لم يندرج في لفظ حبة من باب الفحوى، إلا أن يقال: يعم حقيقة عرفية. انتهى.
قال في "تصحيح الفروع"عند ذكر هذه المسألة قلت: الصواب ما قاله الشيخ تقي الدين وهو الظاهر. انتهى.
قال الأزجي: ولو قال: لك عليّ شئ؟ فقال: ليس لي عليك شيء وإنما لي عليك ألف درهم لم يقبل منه دعوى الألف؟ لأنه نفاها بنفي الشيء. ولو قال: لك عليّ درهم؟ فقال: ليس لي عليك درهم ولا دانق وإنما لي عليك ألفُ قبل منه دعوى الألف؛ لأن معنى نفيه ليس حقي هذا القدر. قال: ولو قال: ليس لك علىّ شيء إلا درهم صح ذلك. انتهى.
(ولمدَّعٍ) إذا أنكر خصمه (أن يقول: لي بينة) وهذا موضع البينة، (وللحاكم) إن لم يقل المدعي ذلك (أن يقول: ألك يينة؟) لما روي " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ حضرمي وكندي فقال الحضرمي:
стр. 5157
يا رسول الله! إن هذا غلبني على أرضٍ لي، فقال الكندى: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ للحضرمى: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك. يمينه " (١) . وهو حديث حسن صحيح.
(فإن قال) المدعي جواباً لسؤال الحاكم) نعم) لي بينة، (قال له) الحاكم (إن شئت فأحضرها. فإذا أحضرها لم يسألها) الحاكم عما عندها حتى يسأله المدعي ذلك؛ لأنه حق له فلا يتصرف فيه بغير إذنه، (ولم يُلَقّنها) الحاكم الشهادة. ولكن إذا سأله المدعي أن يسأل البينة قال: من كانت عنده شهادة فليذكرها إن شاء ولا يقول لهما: اشهدا؛ لأنه أمر. وكان شريح يقول للشاهدين: ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما (٢) أن ترجعا، وما يقضي على هذا المسلم غيركما، وإنى بكما أقضى اليوم وبكما أتقي يوم القيامة.
(فإذا شهدت) عنده البينة: (سمعها، وحرُم) عليه (ترديدُها).
وفي " الرعاية ": إن ظن الصلح أخّر الحكم.
وفي "الفصول": أحببنا له أمرهما بالصلح ويؤخره فإن أبيا حكم.
وفي " المغني ": ويقول قد شهدا عليك فإن كان قادح فبيته عندي. يعني: يستحب. ذكره غير صاحب"المغني"وذكره في"المذهب"و"المستوعب" فيما إذا ارتاب فيهما.
قال في " الفروع ": فدل أن له الحكم مع الريبة.
قال في "الإنصاف ": قلت: الحكم مع الريبة فيه نظر بيّن. انتهى.
وفي " المبدع ": وروي عن عمر أنه قال: "ردوا الخصوم حتى يصطلحا، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن " (٣) ٠ انتهى.
стр. 5158
(ويكره تَعنُّتُها) أي: طلب (١) زلتها، (وانتهارُها) أي: زجرها، (لا قوله) أي: قول الحاكم (لمدَّعىً (٢) عليه: ألك فيها دافِعُ أو مَطْعَن).
إذا علمت ذلك (فإن اتَّضح) للحاكم (الحكم، وكان الحق لمعين وسأله) أي: سأل الحاكم أن يحكم له: (لزمه) الحكم. وليس له الحكم بدون سؤال صاحب الحق؛ لأن الحكم بالبينه حق له فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة.
(ويحرُم) الحكم (ولا يصح مع علمه) أي: علم الحاكم (بضدّه، أو معَ لَبْسٍ قبلَ البيان).
قال في " الترغيب " وغيره: لا يجوز الحكم بضد ما يعلمه بل يتوقف.
ومع اللبس بأمر بالصلح. فإن عجّل فحكم قبل البيان حرم ولم يصح.
(ويحرُم الاعتراض عليه) أي: على الحاكم؛ (لتركه تسمية الشهود).
ذكره القاضي وغيره في مسألة المرسل وابن عقيل.
(قال في"الفروع"): وذكر شيخنا أن له طلب تسمية البينة؛ ليتمكن من القدح بالاتفاق، (ويتوجه مثله: حكمت بكذا، ولم يَذكر مستنده). انتهى.
(وله الحكم ببينة وبإقرار في مجلس حكمه وإن لم يسمعه غيره) على الأصح. نص عليه في رواية حرب؛ لأن مستند قضاء القاضي هو الحجج الشرعية وهي البينة والإقرار، فيجوز له الحكم بهما إذا قامت البينة عنده أو أقر في مجلسه وإن لم يسمعه أحد؛ لما روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليّ، ولعل أن يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار " (٣) . رواه الجماعة.
стр. 5159
فجعل قضاءه مستنداً إلى ما يسمعه لا إلى غيره.
ولأنه إذا جاز الحكم بشهادة غيره فبسماعه هو أولى.
ولأنه لو لم يعمل بما يقَر به عنده أفضى ذلك إلى ضياع الحقوق؛ لأنه قد يقر عنده ولا يحضره أحد من الشهود، فإذا لم يحكم به ضاع حق المقر له.
وقال القاضي: لا يحكم حتى يسمعه معه شاهدان ولا يكون حكماً بعلمه.
(لا بعلمه) يعني: وليس له الحكم بعلمه (في غير هذه) الصورة (ولو في غير حد) على الأصح؛ لما روت عائشة " أن النبي ﷺ بعث أبا جهم على الصدقة فَلَاجَّهُ (١) رجل في فريضة. فوقع بينهما شجاج. فأتوا للنبي ﷺ فأعطاهم الأرش. ثم قال: إنى خاطب (٢) ومخبرهم أنكم قد رضيتم. أرضيتم؟ قالوا: نعم. فصعد رسول الله ﷺ وذكر القصة. وقال: أرضيتم؟ قالوا: لا. فهمَّ بهم المهاجرون. فنزل النبي ﷺ فأعطاهم. ثم صعد فخطب الناس. فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم " (٣) . رواه الخمسة إلا الترمذي.
فهذا يبين أن النبي ﷺ لم يأخذ بعلمه.
وروي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " لو رأيت حداً على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة ".
стр. 5160
ولأن تجويز القضاء بعلم القاضي يفضي إلى تهمته، وحكمه بما يشتهي ويحيله على علمه.
إذا تقرر هذا فليس له الحكم بعلمه في غير الصورة التي في المتن، (إلا على) رواية (مرجوحة).
قال (المنقح: وقريب منها) أي: من صورة الحكم بعلمه (العمل) أي: عمل الحكام (بطريق مشروع) أي: بصورة سميت بطريق مشروع وهي: (بأن يُولَّي الشاهدُ الباقي) أي: المتخلف (١) بعد موت من كان شهد معه (القضاء للعذر) فيقضي بما سمعه من المقر. قال. (وقد عمل به) أي: بالطريق المشروع (كثير من حكامنا وأعظمهم الشارح) يعني: شارح " المقنع ". (انتهى) كلام المنقح.
وظاهره ولو كانت شهادته على حاكم بحكم أو تنفيذ (٢) .
(ويَعمل) حاكم (بعلمه في عدالة بينةٍ، وجرحِها) بغير خلاف؛ لأنه لو لم يجز له الحكم في ذلك بعلمه لتسلسل، فإن المزكين يحتاج إلى معرفة عدالتهم أو جرحهما، فإذا لم يعمل في ذلك بعلمه لاحتاج كل واحد من المزكين إلى مزكين [ثم كل واحد منهما إلى مزكين] (٣) فيتسلسل الأمر، وما نحن فيه بخلاف ذلك.
(ومن جاء) من الأخصام (ببينةٍ فاسقةٍ: استشهدها الحاكم)؛ لئلا يفضحها، (وقال لمدع: زِدْنى شهوداً)، ولم يقبلها؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]
***
стр. 5161
[فصل: في العدالة]
(فصل. ويعتبر في البينة العدالة ظاهراً، وكذا) تعتبو (باطناً) على الأصح؛ لقول الله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله :
﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
والفاسق: لا وازع له فلا يؤمن منه الكذب فلا تقبل شهادته لذلك.
(لا (١) فى عقد نكاح) يعني: وإنما تعتبر العدالة باطناً في غير عقد النكاح.
فلو تبين أن شهود عقد النكاح فساق باطناً لم يبطل النكاح بذلك؛ لما يترتب على ذلك من تحريم الوطء الصادر في ذلك النكاح.
وعنه: تقبل شهادة كل ممسلم لم تظهر منه ريبة. اختارها الخرقي وأبو بكر وصاحب " الروضة "؛لـ " قبول النبي ﷺ شهادة الأعرابي برؤية الهلال " (٢) . ولقول عمر رضي الله تعالى عنه: " المسلمون عدول " (٣) .
ولأن ظاهر المسلم العدالة؛ لأن العدالة أمر خفي سببها الخوف من الله ، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وجد فلْيُكتف به ما لم يقم دليل على خلافه.
стр. 5162
فعلى هذه إن جهل إسلامه رجيع إلى قوله.
والعمل على الرواية الأولى.
وقولهم: أن ظاهر المسلم العدالة ممنوع، بل الظاهر عكس ذلك؛ لأن عادة الناس إظهار الطاعات وإسرار المعاصي.
وقول عمر معارَض بما روي عنه " أنه أتي بشاهدين، فقال لهما: لست أعرفكما ولا يضركما أنى لم أعرفكما ".
ولأن الأعرابي الذي قبل النبي ﷺ شهادته بروية الهلال صار صحابياً وهم عدول.
(و) يعتبر على المذهب (في مُزَكّينَ: معرفة حاكم خِبْرتهما الباطنة، بصحبة أو معاملة، ونحوهما)؛ ككونه جاراً لهما. (و) يعتبر أيضاً (معرفتهم) أي: معرفة المزكين (كذلك) أي: كالمعرفة المتقدمة (لمن يُزكُّونه) من شهود الأصل.
(ويكفي) في تزكية الشاهد عدلان بقول كل واحد منهما: (أشهد أنه عدلٌ)؛ لدخوله بذلك في عموم قوله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].ولا يحتاج أن يقول: أرضاه لي وعليّ؛ لأنه إذا كان عدلاً لزم ما يشهد به على مزكيه وعلى سائر الناس. ولا يكفي في المزكي أن يقول: لا أعلم إلا خيراً.
(وبينة بجَرح مقدَّمةٌ) يعني: أنه لو شهدت بينة بتعديله وبينة بجرحه قدمت بينة الجرح؛ لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على العدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر.
ولأن الجارح مثبت للجرج والمعدل ناف، والمثبت مقدم على النافي.
قال في " المبدع ": فرع: إذا عصى في بلده فانتقل عنه فجرحه اثنان في بلده وزكاه اثنان في البلد الذي انتقل إليه قدمت التزكية ويكفي فيه الظن. بخلاف الجرح. انتهى.
стр. 5163
(وتعديل الخصم وحده) للشاهد عليه تعديل له في الأصح؛ لأن البحث عن عدالته لحق المشهود عليه وقد اعترف بها.
ولأنه إذا أقر بعدالته فقد أقر بما يوجب الحكم لخصمه عليه. فيؤخذ بإقراره، كسائر أقاريره.
(أو تصديقُه) يعني: أن تصديق الخصم (للشاهد) عليه: (تعديل له) يعني: أنه يؤخذ بتصديقه الشاهد؛ كما لو أقر بدون شهادة الشاهد.
(ولا تصحُّ التزكية في واقعة واحدة) فقط، بأن قال المزكي: أشهد أنه عدل في شهادته في هذه القضية فقط في الأصح.
(ومن ثبتت عدالته مرة) في شهادةٍ في قضية ثم حضر فشهد في قضية أخرى (لزم البحث عنها) أي: عن عدالته (مع طول المدة) بين الشهادتين؛ لأن الأحوال تتغير مع طول الزمان. والذي يظهر أن المدة الطويلة ما تتغير فيها الأحوال غالباً. والله أعلم.
(ومتى ارتاب) الحاكم (من عدلين- لم يختبرْ قوةَ ضبطِهما و) قوة (دينها- لزمه البحث) عما شهدا به: (بسؤال كل واحد) منهما (منفرداً عن كيفيَّة تحمُّله) بأن يقول له: هل رأيت ما شهدت به، أو أخبرك بذلك مخبر، أو سمعته يقر؟ (ومتى) تحملت الشهادة؟ ليذكر تاريخ التحمل، (وأين) تحملت الشهادة؟ أي: في أيّ مكان من سوق أو دار أو سطح أو نحو ذلك، (و) يسأل (هل تحمَّل وحده؟) أي: هل كان وحده حين التحمل، (أو) كان (مع صاحبه.
فإن اتَّفقا) في مقالتهما (وَعَظَهُما وخوُّفهما) روى أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه قال: " كنت عند مُحارب بن دِثار وهو قاضي الكوفة، فجاء رجل فادعى على رجل حقاً فأنكره. فأحضر المدعي شاهدين شهدا له. فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السماء والأرض لقد كذبا عليّ الشهادة. وكان محارب بن دثار متكئاً فاستوى جالساً. وقال سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد
стр. 5164
الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار. فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا. فغطيا رؤوسهما وانصرفا " (١) .
(فإن ثبتا) بعد أن وعظهما: (حَكم) بشهادتهما إذا سأله المدعى.
(وإلا) أي: وإن لم يثبتا: (لم يَقْبَلْهما).
قال أحمد رحمه الله تعالى (٢) : ينبغي للقاضى أن يسأل عن شهودٍ كل قليل، لأن الرجل ينتقل من حال إلى حال. انتهى.
(ومن أقام بينة وسألَ حبسَ خصمِه) حتى تزكى بينته: أجيب إلى حبسه ثلاثة أيام. ويقال له: إن جئت بالتزكية إلى ثلاثة أيام وإلا أطلقناه.
(أو) سأل من أقام بينه على خصمه (كفيلاً به في غير حدٍّ) حتى يزكى شهوده: أجيب إلى ثلاثة أيام.
(أو) سأل من أقام بينة على خصمه بعين (جَعْل مدعىً به بيد عدلٍ حتى تُزَكَّى) بينته أجيب إلى ثلاثة أيام.
(أو أقام) مدعٍ على خصمه (شاهداً بمالٍ، وسأل حبسه حتى يُقيم الآخر: أجيبِ ثلاثةَ أيام) في الأصح فقط؛ لأن في حبسه أكثر من ذلك ضرراً كثيراً.
ولأنها مدة يمكن البحث فيها فلا حاجة إلى أكثر منها. ولا يتعذر على المدعي إحضار المزكين والشاهد الثانى في الغالب أكثر من ثلاثه أيام.
(لا إن أقامه) أي: أقام شاهداً (بغير مال) وسأل حبسه حتى يقيم الآخر في الأصح.
(وإن جَرَحَهَا) أي: جرج البينة (الخصمُ، أو أراد جَرْحَها: كُلّف)
الخصم (به) أي: بالجرح (بينة.
ويُنظر لجرحٍ وإرادتِه ثلاثة أيام)؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه
стр. 5165
قال في كتابه إلى أبي موسى الأشعري: " واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أمداً ينتهي إليه. فإن أحضر بينة أخذتَ له حقه، وإلا استحالت القضية عليه. فإنه أنفى للشك وأجلى للغم ".
(ويلازمه المدَّعِي) في الثلاثة أيام؛ لئلا يهرب فيضيع حقه. (فإن أتى بها) أي: ببينة الجَرح في الثلاثة أيام، (وإلا: حُكم عليه)؛لأن عجزه عن إقامة البينة على الجرح في المدة المذكورة دليل على عدم ما ادعاه من الجرح.
(ولا يُسمع جَرحٌ لم يُبيَّن سببه: بذكرِ قادحٍ فيه) على الأصح (عن رؤية). فيقول جارح: أشهد أنى رأيته يشرب الخمر، أو سمعته يقذف، أو رأيته يظلم الناس بأخذ أموالهم أو ضربهم، أو يعامل الناس بالربا، (أو استفاضة) أي: يستفيض ذلك عنه. وذلك؛ لأن الناس يختلفون في أسباب الجرح كاختلافهم في شاربِ يسير النبيذ. فوجب أن لا يقبل بمجرد الجرح؛ لئلا يجرحه بما لا يراه القاضي جرحاً.
ولأن الجرح ينقل عن الأصل. فإن الأصل في المسلمين العدالة، والجرح ينقل عنها. فلا بد أن يعرف الناقل؛ لئلا يعتقد نقله بما لا يراه الحاكم ناقلاً.
(ويُعرّضُ جارحٌ بزنا. فإن صرَّح ولم تكمُل بينته) بأن لم يشهد معه ثلاثة: (حُدَّ) للقذف؛ لقوله : ﴿لَوْلا جَاؤُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].
وإن أقام المدعى عليه بينة أن هذين الشاهدين شهدا بهذا المدعى به عند حاكم فردت شهادتهما لفسقهما بطلب شهادتهما؛ لأن الشهادة إذا رُدّت لفسق لم تقبل مرة ثانية.
(وإن جَهلَ) الحاكم (لسانَ خصم: تَرجم له) أي: للحاكم عن الخصم (من يعرفُه) أي: من يعرف لسان الخصم.
قال أبو حمزة: " كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ".
و" أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت فتعلم كتاب اليهود. قال: حتى كنت أكتب
стр. 5166
للنبي ﷺ كتبه وأقرا له كتبهم إذا كتبوا إليه " (١) . رواه أحمد والبخاري.
(ولا يقبل في ترجمة، و) في (جرح، و) في (تعديل، و) في (رسالة، و) في (تعريفٍ عند حاكم) إذا كان ذلك كله (في) حد (زناً، إلا أربعة) أي: أربعة رجال موصوفون بالصفة المذكورة في باب حد الزنا.
(و) لا يقبل (في غير مال)؛ كنكاح وطلاق ونسب وقذف وقصا ص في ترجمة وجرح وتعديل ورسالة وتعريف عند حاكم، (إلا رجلان) على الأصح؛ لأنه نقلُ ما يخفى على الحاكم بما يستند الحاكم إليه. فوجب العدد فيه؛ كالشهادة عليه.
(و) لا يقبل (في مال إلا رجلان أو رجل وامرأتان) على الأصح. (وذلك شهادة يعتبر فيه) أي: فيمن يترجم، أو يجرح، أو يعدل، أو يرسل، أو يعرّف، (وفيمن رتَّبَهُ حاكمٌ. يسأل سِراً عن الشهود، لتزكيةٍ أو جَرح شروط الشهادة. وتجب المشافهة) وحيث كان الأمر كما ذُكر فيكتب للمرتب للسؤال عن الشهود أسماءهم، وصنائعهم، ومعايشهم، وموضع مساكنهم، وصلاتهم ليسأل عنهم جيرانهم وأهل سوقهم ومسجدهم ومحلتهم. وحلاهم فيكتب أسود أو أبيض، أو أنزع أو أغم، أو أشهل أو أكحل، أقنى الأنف أو أفطس، رقيق الشفتين أو غليظهما، طويل أو قصير أو رَبْعة ونحو هذا التمييز. ولا يقع اسم على اسم، ويكتب المشهود له والمشهود عليه وقدر الحق، ويكتب ذلك كله لأصحاب مسائله لكل واحد رقعة. وإنما ذكرنا المشهود له؛ لئلا يكون بينه وبين الشاهد قرابة تمنع الشهادة أو شركة. وإنما ذكرنا اسم المشهود عليه " لئلا يكون بينه وبين الشاهد عداوة. وذكرنا قدر الحق؛ لأنه ربما كان ممن يرون قبوله في اليسير دون الكثير فتطيب نفس المزكي به إذا كان يسيراً ولا يطيب به إذا كان كثيراً. وينبغي للقاضي أن يخفي عن كل واحد من أصحاب مسائله ما يعطي الآخر من الرقاع " لئلا يتواطؤا. وإن شاء الحاكم عين لصاحب مسائله من يسأله
стр. 5167
ممن يعرفه من جيران الشاهد وأهل الخبرة به، وإن شاء أطلق ولم يعين المسؤول. ويكون السؤال سراً؛ لئلا يكون فيه هتك المسؤول عنه. وربما يخاف المسؤول من الشاهد والمشهود له أو المشهود عليه أن يخبر بما عنده أو يستحيي.
وينبغي أن يكون أصحاب مسائله غير معروفين؛ لئلا يقصدوا بهدية أو رشوة، وان يكونوا أصحاب عفاف في الطعمة والأنفس ذوي (١) عقول وافرة، أبرياء من الشحناء والبغضة؛ لئلا يطعنوا في الشهود، أو يسألوا عن الشاهد عدوه فيطعن فيه فيضيع حق المشهود له، ولا يكونون من أهل الأهواء والعصبية يميلون إلى من وافقهم على من خالفهم، ويكونون أمناء ثقات؛ لأن هذا موضع أمانة.
فإذا رجع أصحاب مسائله فأخبر اثنان بالعدالة قَبل شهادته وإن أُخبر بالجرح رَد شهادته، وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل بعث آخرين فإن عاد فأخبر بالتعديل تمت بينة التعديل وسقط الجرح؛ لأن البينة لم تتم وإن أُخبر بالجرح ثبت وردت الشهادة بالتعديل.
(ومن نُصِبَ للحكم بجرح، أو) نصب للحكم بـ (تعديل، أو) نصب بـ (سماع بينة: قَنِعَ الحاكم بقوله وحده: إذا قامت البينة عنده)؛ لأنه حاكم.
فاكتفي بإخباره؛ كغيره من الحكام.
(ومن سأله حاكم عن تزكية من شهد عنده: أخبره) وجوباً.
(وإلا) أي: وإن لم يسأله الحاكم: (لم يجب) عليه إخباره؛ لأن ذلك لم يتعين عليه.
***
стр. 5168
[فصل: إذا لم يكن للمدعي بينية]
(فصل. وإن قال المدَّعي: ما لي بينة، فقول منكر بيمينه) على صفة جوابه.
(إلا النبي ﷺ إذا ادَّعى) على غيره (أو ادُّعي عليه: فقوله بلا يمين)؛ لعصمته.
(فيُعلمه) أي: يعلم المدعى (حاكمٌ بذلك) أي: بأنه ليس له على خصمه إلا اليمين؛ لما روى وائل بن حجر " أن رجلاً من حضرموت ورجلاً من كندة أتيا رسول الله ﷺ . فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرض ورثتُها من أبي. وقال الكندي: أرضي وفى يدي لا حق له فيها. فقال النبي ﷺ : شاهداك أو يمينه. قال: إنه لا يتورع من شيء. قال: ليس لك إلا ذلك " (١) . رواه مسلم بمعناه.
(فإن سأل) المدعي (إحلافه) أي: إحلاف خصمه المنكر (ولو عَلِمَ) حالة إحلافه (عدمَ قدرتِه) أي: قدرة المنكر (على حقّه.- ويُكره) له إحلافه في هذه الحالة-: (أُحلف على صفة جوابه). نص عليه.
وعه: بصفة الدعوى.
وعنه: يكفي تحليفه: لا حق لك عليّ.
أما كونه يكره له إحلافه في الحالة المذكورة؛ فلأنه ربما يضطره إلى اليمين لخوفه على نفسه من الحبس إذا أقر لعسرته.
وأما كون حلفه يكون على صفه جوابه على الأصح؛ لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب فيحلف عليه.
стр. 5169
(و) إذا حلف (خُلّيَ) [سبيله؛ لأنه لم يبق علمه شئ؛ لقول النبي ﷺ لغريم الكندي: " ليس لك إلا ذلك] (١) " (٢) .
(وتحرُم دعواه) [أي: دعوى المدعي] (٣) بما ادعاه أولاً (ثانياً وتحليفُه) أيضاً (كبريءٍ).
قال في " الإنصاف ": ظاهر قوله: أَحلفه وخلَّى سبيله؛ أنه لا يحلفه ثانياً بدعوى أخرى. وهو صحيح. وهو المذهب مطلقاً فيحرم تحليفه. أطلقه المصنف والشارح وغيرهما وقدمه في " الفروع ".
وقال في " المستوعب " و " الترغيب " و"الرعاية": له تحليفه عند من جهل حلفه عند غيره؛ لبقاء الحق. بدليل أخذه ببينة. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(ولا يُعتدُّ بيمين) حلفها المنكر (إلا) إن كانت (بأمر حاكمٍ بسؤال مدَّعٍ طَوْعاً). فلو أحلفه الحاكم من غير سؤال المدعي، أو بسؤال المدعي مكرهاً، أوحلف المنكر من تلقاء نفسه لم تسقط عنه اليمين؛ لأن تحليفة حق للمدعي فلا يستوفيه غيره. وإذا لم يسأل تحليفه لم يكن مستوفياً لحقه. فإذا سأل المدعي الحاكم إعادتها أعادها؛ لأن الأولى لم تكن يمينه الواجبة له.
(ولا يَصِلُها) أي: يصل الحالف اليمين (باستثناء).
قال في " الإنصاف ": يشترط في اليمين أن لا يصلها باستثناء.
وقال في " المغني ": وكذا بما لا يفهم؛ لأن الاستثناء يزيل حكم اليمين.
وقال في " الترغيب ": هي يمين كاذبة.
وقال في "الرعاية": لا ينفعه الاستثناء إذا لم يسمعه الحاكم المحلف له. انتهى.
(وتحرمُ تَوْرِيَةٌ) وهي: إطلاق لفظٍ له معنيان قريب وبعيد، ويراد بالبعيد اعتماداً على قرينة خفية.
стр. 5170
(و) يحرم أيضاً (تأويل) وهو: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره.
وقال النواوي (١) في " تهذيب الأسماء واللغات ": التأويل قال العلماء: هو صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله. أوجبه برهان قطعي في القطعيات وظني في الظنيات.
(إلا لـ) حالف (مظلوم).
قال في "الفروع ": وقال في "الترغيب ": كل ما ليس بجار في محل الاجتهاد فالنية على نية الحاكم المحلّف واعتقادِه فالتأويل على خلافه لا ينفع. انتهى.
(و) يحرم أيضاً (حلف معسرٍ خاف حبساً) إن أقر بما عليه: (أنه لا حقَّ له عليَّ، ولو نوى) أنه لا حق له عليَّ؛ لكونى معسراً (الساعة) أي: في هذه الساعة.
قال في " الإنصاف ": لا يجوز أن يحلف المعسر: لا حق له عليَّ ولو نوى الساعة، سواء خاف أن يحبس أو لا. نقله الجماعة عن أحمد، وجوّزه صاحب " الرعاية " بالنية.
قال في " الفروع ": وهو متجه.
قلت: وهو الصواب إن خاف حبساً. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
[(و) يحرم أيضاً حلف (من عليه) دين (مؤجَّل أراد غريمه منْعَه من سفر)؛ لأنه لا حق عليه الساعة.
قال في " الإنصاف "] (٢) : ولا يجوز أيضاً أن يحلف من عليه دين مؤجل، إذا أراد غريمه منعه من سفر. نص عليه.
قال في " الفروع ": ويتوجه كالتي قبلها. انتهى.
ووجه المذهب والله أعلم: أنه وإن لم يلزمه دفعه الساعة لكونه معسراً، أو
стр. 5171
يكون الدين مؤجلاً لم يصح نفيه؛ لبقائه في ذمته. فيبهون كاذباً في يمينه.
(ولا يحلف) مدعى عليه أنه لاحق له علي (في) شيء (مختلف فيه لا يعتقده) المدعى عليه حقاً، (نصاً) أي: نص على كونه لا يحلف في ذلك الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه. (وحمله الموفَّق) أي: وحمل الشيخ موفق الدين نص الإمام أحمد المتقدم (على الورَع) دون الحرمة.
(ونُقل عنه) أي: عن الإمام أحمد: (لا يعجبني) يعني: أن يحلف على ما لا يعتقده.
ومن أمثلة ذلك: لو باع شافعي حنبلياً لحماً ترك ذكر اسم الله عليه عند ذبحه عمداً بدينار مثلاً، فطالبه البائع عند الحاكم بدينار يستحقه في ذمته فأجابه المشتري بأنه (١) لا حق له عليّ فالتمس يمينه على حسب جوابه. فقال الإمام أحمد: لا يحلف؛ لأنه يقتطع بهذه ما يعتقده المدعي مالاً عنده. وحمل الموفق النص على الورع؛ لأن المدعى عليه لا يعتقد أن في ذمته شيئاً، لعدم صحة بيع ذلك في اعتقاده.
(وتوقَّف فيها) أي: في هذه المسألة وهي: ما إذا تخالف فيها اعتقاد المدعي والمدعى عليه (فيمن عامل بحيلةٍ كعينة) أي: كمسألة العينة إذا رأى أحد المتعاملين حرمتها دون الآخر.
قال في " الفروع " في الشفعة: ولو قدم من لا يراها لجار إلى حاكم (٢) لم يحلف وإن أخرجه خرج. نص عليه.
وقال أيضاً: لا يعجبني الحلف على أمر (٣) اختلف فيه.
قال القاضي: لأن يمينه هنا على القطع ومسائل الاجتهاد ظنية. وحمله الشيخ على الورع، وأن للمشتري الامتناع به من تسليم المبيع باطناً.
وقال شيخنا: توقف أحمد فيمن عامل بحيلة ربوية هل يحلف أنه ما عليه إلا
стр. 5172
رأس ماله؟ نقله حرب. انتهى كلامه في " الفروع ".
ومتى أمسك مدع عن إحلاف خصمه المدعى عليه ثم أراد إحلافه بالدعوى المتقدمة كان له ذلك؛ لأنه لم يَسقط حقه منها وإنما أخرها.
(فلو أُبرئ منها) بأن قال المدعي للمدعى عليه: أبرأتك من هذه اليمين: (برئ) المدعى عليه منها (في هذه الدعوى) وسقط حقه من تحليفه في هذه الدعوى المتقدمة. (فلو جدَّدها) أي: استأنف الدعوى عليه فأنكر، (وطلب) المدعي (اليمين: كان له ذلك)؛ لأن حقه لم يسقط بالإبراء من اليمين، وإن حلف لم يكن للمدعي أن يحلفه مرة أخرى.
(ومن لم يَحلف) يعني: ومتى امتنع المدعى عليه من اليمين، (قال له حاكم: إن حلفت، وإلا قضَيت عليك بالنُّكول). نص عليه أحمد.
قال في " المقنع ": واختاره عامة شيوخنا.
(ويُسن تكرارُه) فيقول: إن حلفت وإلا قضيت عليك (ثلاثاً) أي: ثلاث مرات. (فإن لم يحلف: قضى عليه) القاضي (بشرطه) وهو أن يسأله المدعي ذلك.
والأصل في ذلك: ما روى أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (١) " أنه باع زيد بن ثابت عبداً. فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالماً بعيبه. فأنكره ابن عمر. فتحاكما إلى عثمان رضي الله تعالى عنه. فقال عثمان لابن عمر: احلف أنك ما علمتَ به عيباً. فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد " (٢) .
ولأن النبي ﷺ قال: " اليمين على المدعى عليه " (٣) . فحصرها في جهته
فلم تشرع لغيره. وهذا مذهب أبي حنيفة.
(وهو) أي: النكول (كإقامة بينة) بموجب الدعوى على ناكلٍ،
стр. 5173
(لا كإقرار) في الأصح؛ لأن الناكل قد صرح بالإنكار، وأن المدعي لا يستحق المدعى به وهو مصرٌّ على ذلك متورع عن اليمين. فكيف يقال إنه مقر مع إصراره على الإنكار ويجعل مكذباً لنفسه، وأيضاً فإن الإقرار إخبار وشهادة المرء على نفسه فكيف يجعل مقراً شاهداً على نفسه بسكوته.
(ولا كبَذْل) في الأصح؛ لأن البذل إباحة وتبرع وهو لم يقصد ذلك ولم يخطر على قلبه، وقد يكون المدعى عليه مريضاً مرض الموت. فلو كان النكول بذلاً أو إباحة اعتبر خروج المدعى به من الثلث. فيتبين أنه لا إقرار ولا إباحة وإنما هو جار مجرى الشاهد أو البينة، فإن البينة اسم لما بيّن الحق. ونكوله مع تمكنه من اليمين الصادقة التي يبرأ بها من المدعى به ويخلص بها من خصمه فى دليل ظاهر على صحة دعوى خصمه، وبيان أنها حق فقام مقام شاهد القرائن. ذكر ذلك أو معناه الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابه (١) المسمى بـ " الطرق الحكمية ".
(لكن) يدخل في عموم كلام الشيخ شمس الدين ابن القيم أن الصحيح أن النكول يقوم مقام الشاهد والبينة، لا مقام الإقرار ولا البذل صورة وهي: أنه لما تقرر أن المحجور عليه لفلس يتعلق حق غرمائه الذين أرادوا حجره من الحاكم بماله، فلا يقبل إقراره عليه لغيرهم، ولو قال أن الذي أقر به سابق على حجره بخلاف ما إذا ادعي عليه بمال لزم ذمته في زمن سابق على حجره وأقام المدعي بسبقه على الحجر بينة، فإنه يشاركهم في مال المحجور عليه وقت حجره. فإذا ادعى عليه إنسان بمائة اقترضها قبل حجره فأنكر المحجور عليه ذلك ولم يكن للمدعي بينة فالتمس يمين المحجور عليه أنه ما اقترض ذلك منه: قبل حجره فنكل عن اليمين فقضى عليه القاضى بمقتضى نكوله فإنه يشاركه. والحال: أنه (لا يُشارك من قضي له به) أي: بالنكول (على محجور لفلس، غُرماءَه) أي: غرماء المحجور عليه الذين حجر بطلبهم؛ لاحتمال تواطئ المحجور عليه مع المدعي على الدعوى والإنكار والنكول عن اليمين ليقتطعوا بذلك حق الغرماء من مال المحجور عليه وقت حجره.
стр. 5174
(وإن قال مدَّعٍ) أنكر خصمه وسُئل عن البينة: (لا أعلم لي بينة، ثم أتى بها) أي: أتى ببينة سُمعت، لأنه يجوز أن تكون له بينة لا يعلمها ثم علمها.
ولأن نفي العلم بها ليس بنفي لها فلا يكون مكذباً لها.
(أو قال عدلان: نحن نشهد لك، فقال: هذه بينتي سُمعت)، لما ذكرنا.
(لا إن قال) المدعي: (ما لي بينة ثم أتى بها) فإنها لا تسمع. نص على ذلك.
قال في"الإنصاف": وهو المذهب. نص عليه وجزم به في"المغني"و"الكافي"و
"الترغيب"و"الوجيز"و" الهداية"و"المذهب"و"الخلاصة"وغيرهم. وقدمه في"المحرر" و"الشرح "و"الرعايتين"و"الحاوي الصغير"و"الفروع"وغيرهم. وهو من مفردات المذهب. انتهى.
(أو قال) من قامت له بينة: (كذب شهودي، أو قال) مَنِ البينة في جهته: (كلُّ بينةٍ أُقيمُها فهى زُور، أو) هي (باطلة، أو) قال: فـ (لا حق لي فيها): لم تقبل منه بينة؛ لأنه مكذبٌ لها، ولإقراره أنه لا حق له فيها، أو أنها زور، أو أنها باطلة. (ولا تبطُل دعواه بذلك) في الأصح. فله تحليف المدعى عليه.
(ولا تُرَدُ) البينة (بذكرِ السبب) الذي سكت المدعي عنه في دعواه؛ لأنه لا منافاة بين الدعوى التي لم يذكر فيها السبب والبينة التي ذكرت السبب، (بل) ترد (بذكر سببٍ ذكر المدعي) في دعواه سبباً (غيره)، كما لو طالبه المدعي بألف قرضاً فشهدت البينة أن ذلك أجرة أو ثمن مبيع أو غصب؛ لوجود المنافاة بين ما ادعاه وبين ما شهدت به البينة.
(ومتى شهدت) البينة (بغير مدَّعىً به)؛كما لو ادعى بدنانير فشهدت بدراهم، أو ادعى أنه غصبه فرساً فشهدت أنه غصبه بغلاً ونحو ذلك (فهو) أي: فالدعوى (مكذّبٌ لها) فيما شهدت به فلا تسمع في الأصح.
قال في"الفروع ": ولو ادعى شيئاً فشهدوا له بغيره فهو مكذب لهم. قاله أحمد وأبو بكر. واختار في " المستوعب ": تُقبل فيدعيه ثم يقيمها. وفيه وفي
стр. 5175
" الرعاية ": إن قال: أستحقه وما شهدوا به وإنما ادعيت بأحدهما لأدعي الآخر وقتاً آخر ثم ادعاه ثم شهدوا به قبلت. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ومن ادَّعى شيئاً: أنه له) أي: أنه يملكه (الآن، لم تُسمع بيّنتُه) إذا شهدت: (أنه كان له أمس، أو) كان (في يده) أمس في الأصح، (حتى تُبين) البينة (سبب يد الثانى، نحو: غاصبةٍ.
بخلاف ما لو شهدت) البينة: (أنه كان مِلْكَهُ بالأمس، اشتراه من ربّ البلد فإنه يُقبل). قاله في " الإنصاف ".
وقال الشيخ تقي الدين: إن قال: ولا أعلم له مزيلاً قُبِل، كعلم الحاكم بلبس عليه.
وقال أيضاً: لا يعتبر في أداء الشهادة قوله: وأن الدَّين باق في ذمة الغريم إلى الآن. بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال إذا ثبت عنده سبق (١) الحق إجماعاً.
وقال أيضاً: فيمن بيده عقار فادعى رجل بثبوته (٢) عند الحاكم: أنه كان لجده إلى موته ثم لورثته ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه لا ينزع [منه بذلك؛ لأن الأصلين تعارضا وأسباب انتقاله أكثر من الإرث، ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة. ولو فتح هذا لانتزع] (٣) كثير من عقار الناس بهذه الطريق.
وقال: فيمن بيده عقار فادعى آخر أنه كان ملكاً لأبيه فهل تسمع بغير بينة؟
قال: لا تسمع إلا بحجة شرعية، أو إقرار من هو في يده أو تحت حكمه.
وقال في بينة شهدت له بملكه إلى حين وقفه وأقام الوارث بينة: أن موروثه اشتراه من الواقف قَبْل وقفه: قدمت بينة وارث؛ لأن معها مزيد علم؛ كتقديم من شهد بأنه ورثه من أبيه وآخر أنه باعه. انتهى.
стр. 5176
(ومن ادُّعي عليه بشيء، فأقرَّ) المدعى عليه (بغيره: لزمه) أي: لزم المدعى عليه ما أقر به للمدعى عليه (إذا صدّقه المقَرُّ له. والدعوى) بما ادعاه المدعي (بحالها). نص عليه فللمدعي تحليفه وله إقامة البينة بدعواه.
(وإن سأل) مدع له بينة بدعواه (إحلافَه) أي: إحلاف المدعى عليه (ولا يُقيمُها) أي: ولا يقيم بينة (فحلف) المدعى عليه: (كان له) أي: للمدعي (إقامتُها) أي: إقامة البينة بعد قوله للمدعى عليه: احلف ولا أقيمها في الأصح من الوجهين؛ لأن البينة لا تبطل بالاستحلاف؛ كما لو كانت غائبة عن البلد. وإن كان للمدعي شاهد واحد بالمال عرفه الحاكم أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق. فإن قال: لا أحلف وأرضى أنا بيمينه استحلف له، فإذا حلف سقط الحق عنه. فإن عاد المدعي بعدها وقال: أنا احلف مع شاهدي لم يستحلف ولم يسمع منه.
قال في " شرح المقنع ": ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأن اليمين فعله وهو قادر عليها فأمكنه أن يسقطها. بخلاف البينة. وإن عاد قبل أن يحلف المدعى عليه فبذل اليمين لم يكن له ذلك في هذا المجلس. انتهى.
فأما إن وجد المدعي شاهداً آخر فشهدا عند القاضي بحقه كملت بينته وقضي له بها.
(وإن قال) المدعي: (لي بينة وأُريد يمينه، فإن كانت) البينة (حاضرة بالمجلس فليس له إلا أحدهما) أي: أن يقيم البينة أو تحليف خصمه في الأصح؛ لقول النبي ﷺ : "شاهداك أو يمينه. ليس لك إلا ذلك" (١) .و"أو"للتخيير بين شيئين. فلا يكون له الجمع بينهما.
ولأنه أمكن فصل الخصومة بالبينة. فلم يشرع غيرها معها مع إرادة المدعي إقامتها وحضورها؛ كما لو لم يطلب يمينه.
ولأن اليمين بدل. فلم يجب الجمع بينها وبين مبدلها؛ كسائر الأبدال مع مبدلاتها.
стр. 5177
(وإلا) أي: وإن لم تكن البينة حاضرة بالمجلس: (فله ذلك)؛لقول عمر رضي الله تعالى عنه: " البينة الصادقة أحب إليّ من اليمين الفاجرة ".
وظاهر هذه البينة الصدق ويلزم من صدقها فجور اليمين المتقدمة فتكون أولى.
ولأن كل حالة يجب عليه الحق فيها بإقراره يجب عليه البينة كما قبل اليمين. (وإن سأل) المدعي (ملازمتَه) أي: ملازمة المدعى عليه (حتى يُقيمها) أي: يقيم بينته: (أُجيب) إن كانت بينته بمحل يمكن إحضارها منه (في المجلس) في الأصح؛ لأنه لا ضرر على المدعى عليه بذلك.
ولأن ذلك من ضرورة إقامة البينة فإنه لو (١) لم يتمكن من ملازمته لذهب من مجلس الحاكم، ولا يمكن إقامتها إلا بحضرته.
ولأنه لما تمكن من إحضاره مجلس الحكم حتى يقيم البينة عليه تمكن من ملازمته فيه حتى يحضر البينة. وتفارق البينة البعيدة ومن لا يمكن حضورها، فإن إلزامه الإقامة إلى حين حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه.
(فإن لم يُحضِرْها فيه) أي: يحضر المدعي البينة في المجلسلى: (صرَفَه) ولم يكن له ملازمة خصمه. نص عليه أحمد؛ لأنه لم تثبت له قبله حق يحبس به ولا يقيم به كفيلاً.
ولأن الحبس عذاب فلا يلزم معصوماً ما لم يتوجه عليه حق. ولو جاز ذلك لتمكن كل ظالم من حبس ما شاء من الناس من غير حق.
(وإن سألها) أي: سأل المدعى ملازمة خصمه (حتى يَفرُغَ له الحاكم من شغله مع غيبةِ بينته وبُعدِها) بضم الباء. يعني: ومع بعدها: (أُجيب) في الأصح.
قال الميمونى حكاية عن الإمام أحمد: لم أره يذهب في الملازمة إلى أن
стр. 5178
يعطله (١) من عمله، ولم يمكن أحداً من عنت خصمه (٢) .
(وإن سكت مدعىً عليه) بأن لم يقر بالدعوى ولم ينكرها، (أو قال) المدعى عليه: (لا أُقِرُّ ولا أُنكر، أو) قال: (لا أعلم قدر حقّه ولا بينة) للمدعي بما ادعاه (قال الحاكم) للمدعى عليه في الأصح: (إن أجبتَ، وإلا جعلتُك ناكلاً وقضيتُ عليك. ويُسن تكرارُه ثلاثاً) فإن أجاب وإلا جعله ناكلاً وحكم عليه؛ لأنه ناكل عما توجه عليه الجواب فيه. فيحكم عليه بالنكول عنه؛ كالنكول عن اليمين.
(ولو قال) المدعى عليه في جوابه للمدعي: (إن ادعيت ألفاً بِرهنِ كذا لي. بيدك: أجتـ) ـك، (أو) قال: (إن ادعيت هذا) المبلغ (ثمن (٣) كذا بِعتَنيه ولم أقبضه: فنعم، وإلا) فإن ادعيت من غير ذلك: (فلا حقَّ عليَّ) لك قبلي (فجواب صحيح).
قال في "شرح المحرر": لأنه مقر له على قيدٍ يحترز به عما سواه منكراً له فيما سواه.
(لا إن قال) المدعى عليه في جوابه: (لي مَخرجٌ مما ادَّعاه) فإنه لا يكون جواباً صحيحاً؛ لأن الجواب أحد أمرين: إما إقرار أو إنكار. وليس هذا واحد منهما.
ولأن المَخرج من الدعوى. أعم من أن يكون له قبله شيء وقضاه أو أبرأه، ومن أن يكون لا حق له عليه وغير ذلك فلا يكون جواباً لذلك.
(وإن قال) المدعى عليه في جوابه: (لي حسابٌ أريد أن أنظر فيه) وسأل الإنظار أنظر ثلاثة أيام في الأصح وللمدعي ملازمته فيها؛ لأن ما يدعيه ممكن فتكليفه الإقرار في الحال إلزام له بما لا يتحققه؛ لأنه يجوز أن يكون له حق
стр. 5179
لا يعلم به، ويخاف إن حلف عليه كاذباً وأن لا يكون عليه حق فيقر بما ليس عليه. فوجب إنظاره قدراً من الزمان لا ضرر على المدعي في إنظاره إليه وهو ثلاثة أيام جمعاً بين الحقين.
(أو) قال المدعى عليه (بعد ثبوت الدعوى) عليه (ببينة: قضَيْتُه) أي: قضيت المدعى به ولي بينة بقضائه، (أو) قال: (أبرأني) منه المدعي، (ولي بينة به) أي: بإبرائه (وسأل الإنظار: لزم إنظارُه ثلاثة أيام) فقط؛ لأن ما زاد على ذلك يكون تأخير الحق المستحق بلا ضرورة؛ لأنه يدعي محتملاً. فلو ألزمناه بالحق في الحال لكان ذلك تضييعاً لحقه. فوجب إنظاره قدراً يمكنه فيه تحصيل شهوده وغالبه ثلاثة أيام؛ لأن ما زاد على ذلك يكون تأخير الحق المستحق بلا ضرورة.
(وللمدَّعي ملازمتُه) زمن الإنظار، لئلا يهرب ولا يؤخر الحق عن المدة التي أُنظرها.
(ولا يُنظَرُ إن قال: لي بينة تدفع دعواه). ذكره الأصحاب ولم يذكروا فيه خلافا. (فإن عجز) المدعى عليه عن بينة بالقضاء أو بالإبراء في المدة المنتظر فيها: (حلف المدَّعِي على نفي ما ادَّعاه) المدعى عليه من القضاء أو الإبراء، (واستحقَّ) ما ادعى به. (فإن نكل) عن اليمين على ذلك: (حُكم عليه) بنكوله (وصُرِف)؛ لأنه منكر وجبت عليه اليمين. فنكل عنها فحكم عليه بالنكول؛ كما لو كان مدعى عليه ابتداء.
(هذا) كله يعني: قبول بينته إن أحضرها والقضاء بنكول المدعي وغير ذلك مما تقدم ذكره: (إن لم يكن) المدعى عليه (أنكر سبب الحق) ابتداء: (فأمَّا إن أنكره (١) ثم ثبت، فادَّعى قضاء أو) ادعى (إبراءً) صدر من المدعي (سابقاً على) زمن (إنكاره) أي: إنكار المدعى عليه: (لم يُقبل) ما يدعيه من ذلك؛ كما لو ادعى عليه ألفاً من قرض فيقول: ما اقترضت منه شيئاً، أو من ثمن مبيع
стр. 5180
فيقول: ما اشتريت منه شيئاً ثم ثبت أنه اقترض أو اشترى ببينة أو إقرار فيقول: قضيته من قبل هذا الوقت، أو أبرأنى من قبل هذا الوقت فإنه لا يقبل منه ذلك.
(وإن أقام به) أي: القضاء أو الإبراء (بيّنة) على الأصح. نص عليه؛ لأن القضاء أو الإبراء لا يكون إلا عن حق سابق. فإنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإبراء مثه، فيكون مكذباً لدعواه فلا تسمع لذلك. واحترز بقوله: سابقاً على إنكاره؛ كما لو ادعى قضاءً أو إبراء بعد إنكاره فإنه تسمع دعواه بذلك وتقبل بينته؛ لأن قضاءه بعد إنكاره كالإقرار به فيكون قاضياً لما هو مقر به. فتسمع دعواه به؛ كغير المنكر. وإبراء المدعي بعد الإنكار إقرار بعدم استحقاقه بذلك فلا تنافي بين إنكاره وإبراء المدعي فتسميع البينة بذلك.
(وإن قال مدَّعىً عليه بعين) كانت بيده مجيباً لمدعيها: (كانت بيدِك) أمس، (أو) قال له: كانت (لك أمس، لزمه) أي: لزم المدعى عليه (إثبات سبب زوالء يده) أي: يد المدعي عن العين المدعى بها؛ لأن الأصل بقاء اليد أو بقاء الملك. فإن عجز عن إثبات سبب زوال اليد حلف المدعي أن العين باقية في ملكه لم تخرج عنه بوجه وأخذها.
***
стр. 5181
[فصل: إذا أقر بالعين لغير المدعي]
(فصل. ومن ادُّعي عليه عيناً بيده) ولا بينة لمدعيها، (فأقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لحاضرٍ مكلفٍ) غير المدعي: (جُعل) المقَرُّ له بها (الخصم فيها)، لأن من بيده العين اعترف أن يده نائبة عن يد من أقر له بها، وإقرار الإنسان بما في يده لغيره إقرار صحيح، (وحُلّف مدعى عليه) أنها ليست للمدعي إن صدقه المقر له، وإلا فلا، لعدم التفويت في الأصح. (فإن نكل) المدعى عليه عن اليمين: (أُخذ منه) أي: أخذ المدعي منه (بدلُها)؛ كما لو أقر للمدعي بها بعد أن أقر بها لغيره. فإن من قال: هذه العين لزيد ثم قال: هي لعمرو فإنها تدفع لزيد ويغرم قيمتها لعمرو. ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمه اليمين مع الإنكار.
فعلى هذا إن نكل عن اليمين مع طلبها أخذ منه مع النكول بدلها. (ثم إن صدقه المقَر له) أي: صدق المقَر له المقِر أن العين ملكه (فهو) أي: فالمقر له (كأحد مدَّعِيَيْن على ثالث أقرَّ له الثالثُ، على ما يأتي) في باب الدعاوى والبينات.
(وإن قال) مدعى عليه عين في يده: (ليست لي ولا أعلَمُ لمن هي؟) وجُهل لمن هي سُلمت لمدع، (أو قال ذلك المُقَرُّ له) بأن أقر المدعى عليه بالعين لإنسان فقال المقر له: ليست لي ولا أعلم لمن هي؟ (وجُهل لمن هي سُلمّتْ لمدَّعٍ) في الأصح؛ لأنه يدعيها ولا منازع له فيها.
ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل (١) قضينا له بها. فمع عدم ادعائه لها أولى.
стр. 5182
(فإن كانا) (١) أي: كان مدعيها (اثنين: اقترعا عليها) في الأصح. فمن خرجت له القرعة أخذها وحلف لصاحبه (٢) .
(وإن عاد) المقر (ادَّعَاها) أي: العين (لنفسه، أو) ادعاها (لثالث) [في الأصح] (٣) غير المدعي وغير المقَر له [أوّلاً لم يقبل] (٤) ، (أو عاد المقَرُّ له أولاً إلى دعواه ولو قبل ذلك) أي: قبل أن يدعيها المقِر لنفسه في الأصح: (لم يُقبل).
مثال ذلك: لو ادعى زيد داراً بيد عمرو. فقال عمرو: الدار لبكر وبكر حاضر مكلف صار بكر هو الخصم في الدار وصاحب اليد عليها؛ لأن عمراً اعترف أن يده نائبه عن يد بكر، وإقرار الإنسان بما في يده إقرار صحيح فيصير خصماً للمدعي. وحلف عمرو لريد أنها ليست له حيث لا بينة لزيد. فإن نكل عمرو عن اليمين أخذ منه زيد بدلها؛ لأنه لو أقر له بها لزمه؛ كما لو قال: هذه العين لزيد ثم قال: هي لعمرو فإنها تدفع إلى زيد ويغرم قيمتها لعمرو.
ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمه اليمين مع الإنكار.
فعلى هذا إن نكل عن اليمين مع طلبها أخذ منه بدلها، ثم إن صدق بكر عمرو على إقراره له بالدار، فإن بكراً يكون كأحد مدعيين على ثالث بعين فأقر له الثالث دون رفيقه بالعين على ما يأتى في باب الدعاوى والبينات. وإن كان عمرو قال في جواب دعوى زيد عليه بالدار: ليست لي ولا أعلم لمن هي؟ أو قال ذلك بكر المقَر له وجُهل لمن هي: سُلّمت لزيد في الأصح بلا بينة؛ لأنه لا منازع له فيها.
ولأن عمراً لو ادعاها لنفسه ثم أقر بها لزيد قضي لزيد بها. فمع عدم ادعاء عمرو أولى.
فلو كان مع زيد في هذه الصورة مدع آخر اقترعا على الدار، فمن خرجت له
стр. 5183
القرعة أخذها [وحلف لصاحبه] (١) . وإن عاد عمرو بعد ذلك ادعى الدار لنفسه أو ادعاها لثالث وهو غير من أقر له اوّلاً: لم يقبل منه ذلك؛ لأنه مكذب لهذه الدعوى، أو الإقرار بقوله: هي لفلان، أو بقوله: ليست لي ولا أعلم لمن هي؛ لأن ذلك نفي لها عن نفسه وعن غيره فلا يسمع منه خلافه. ولو عاد بكر فادعاها لنفسه بعد أن قال: ليست لي ولا أعلم لمن هي: لم تقبل دعواه ولو كانت قبل أن يدعيها المقر لنفسه في الأصح؛ لأن ذلك فيه تكذيب لنفسه بقوله: ليست لي.
(وإن أقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لغائب) عن البلد (أوغيرمكلَّف) يعني: أوأقر بها لصغيرأومجنون (وللمدَّعي بينة) تشهد له بأنها ملكه: (فهى) أي: فالعين المدعى بها (له) ببينته؛ لأن جانبه قد ترجح بالبينة (بلا يمين) في الأصح، لأن البينة وحدها كافية، لخبر: " البينةُ على المدعِي. واليمينُ على من أنكر " (٢) .
(وإلا) أي: وإن لم يكن للمدعي بينة، (فأقام المدَّعَى عليه بينة: أنها) أي: العين المدعى بها (لمن سّماه) المدعى عليه (لم يحلف)، وتسمع بينة المدعى عليه أنها لمن سماه؛ لزوال التهمة، وسقوط اليمين عنه. ولا يقضى بها؛ لأن البينة للغائب، والغائب لم يدعها هو ولا وكيله.
(وإلا) أي: وإن لم يُقم المدعى عليه بينه أن العين لمن سماه: (استُحْلف) المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليم العين إلى المدعي. وأقرت العين بيده؛ لأن المدعي اندفعت دعواه باليمين. (فإن نكل) المدعى عليه عن هذه اليمين: (غَرِم بَدَلَها) أي: بدل العين المدعى بها. وبدلها مثلها إن كانت مثلية وقيمتها إن كانت متقومة (لمدَّعٍ. فإن كانا) أي: كان مدعيها (اثنين) كل
стр. 5184
واحد منهما يدعي جميعها (فـ) على الناكل (بدلان) لهما، لكل واحد بدل. (وإن أقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لمجهول)؛ كما لو قال: هي لإنسان لا أسميه، أو لإنسان لا أعرفه، (قال) له (حاكم: عَرّفْه، وإلا جعلتك ناكلاً) [أي: ممتنعاً] (١) ، (وقضيتُ عليك)؛ لأن الإقرار بها لمجهول عدول عن الجواب؛ لأنه يجعل الخصم غير معين. فيقال له: إما أن تعين المقر له لتنتقل (٢) الخصومة إليه، أو تدعيها لنفسك لتكون الخصومة معك، أو تقر بها للمدعي لتندفع الخصومة عند. فإن عين المجهول وإلا قضي عليه بها.
(فإن عاد ادَّعاها لنفسه: لم يُقبل منه) ذلك في الأصح؛ لأن ظاهر جوابه أولاً أنها لغيره فلا تقبل منه دعواها لنفسه؛ لمخالفته لدعواه الأولى.
стр. 5185
[فصل: في الدعوى على الغائب]
(فصل. من ادَّعى على غائب) عن البلد (مسافةَ قصر بغير عمله) أي: عمل القاضي المدعى عنده، (أو) على (مستتر إما بالبلد أو بدون مسافة قصر، أو) على (ميتٍ، أو) على (غير مكلَّف وله بينة: سُمعت، وحُكم بها) إذا كملت الشروط. وبهذا قال مالك والشافعي.
وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب، وعن أحمد مثله، وبهذا قال أبو حنيفة، واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي: " إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضي للأول (١) حتى تسمع كلام الآخر. فإنك لا تدري بما (٢) تقضي" (٣) . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده. فلم يجز؛ كما لو كان الآخر في البلد. ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها. فلم يجز الحكم عليه.
ولنا: " أن هنداً قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٤) . متفق عليه.