← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

[فصل: إذا أقر بالعين لغير المدعي] (فصل. ومن ادُّعي عليه عيناً بيده) ولا بينة لمدعيها، (فأقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لحاضرٍ مكلفٍ) غير المدعي: (جُعل) المقَرُّ له بها (الخصم فيها)، لأن من بيده العين اعترف أن يده نائبة عن يد من أقر له بها، وإقرار الإنسان بما في يده لغيره إقرار صحيح، (وحُلّف مدعى عليه) أنها ليست للمدعي إن صدقه المقر له، وإلا فلا، لعدم التفويت في الأصح. (فإن نكل) المدعى عليه عن اليمين: (أُخذ منه) أي: أخذ المدعي منه (بدلُها)؛ كما لو أقر للمدعي بها بعد أن أقر بها لغيره. فإن من قال: هذه العين لزيد ثم قال: هي لعمرو فإنها تدفع لزيد ويغرم قيمتها لعمرو. ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمه اليمين مع الإنكار. فعلى هذا إن نكل عن اليمين مع طلبها أخذ منه مع النكول بدلها. (ثم إن صدقه المقَر له) أي: صدق المقَر له المقِر أن العين ملكه (فهو) أي: فالمقر له (كأحد مدَّعِيَيْن على ثالث أقرَّ له الثالثُ، على ما يأتي) في باب الدعاوى والبينات. (وإن قال) مدعى عليه عين في يده: (ليست لي ولا أعلَمُ لمن هي؟) وجُهل لمن هي سُلمت لمدع، (أو قال ذلك المُقَرُّ له) بأن أقر المدعى عليه بالعين لإنسان فقال المقر له: ليست لي ولا أعلم لمن هي؟ (وجُهل لمن هي سُلمّتْ لمدَّعٍ) في الأصح؛ لأنه يدعيها ولا منازع له فيها. ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل (١) قضينا له بها. فمع عدم ادعائه لها أولى.

стр. 5182

(فإن كانا) (١) أي: كان مدعيها (اثنين: اقترعا عليها) في الأصح. فمن خرجت له القرعة أخذها وحلف لصاحبه (٢) . (وإن عاد) المقر (ادَّعَاها) أي: العين (لنفسه، أو) ادعاها (لثالث) [في الأصح] (٣) غير المدعي وغير المقَر له [أوّلاً لم يقبل] (٤) ، (أو عاد المقَرُّ له أولاً إلى دعواه ولو قبل ذلك) أي: قبل أن يدعيها المقِر لنفسه في الأصح: (لم يُقبل). مثال ذلك: لو ادعى زيد داراً بيد عمرو. فقال عمرو: الدار لبكر وبكر حاضر مكلف صار بكر هو الخصم في الدار وصاحب اليد عليها؛ لأن عمراً اعترف أن يده نائبه عن يد بكر، وإقرار الإنسان بما في يده إقرار صحيح فيصير خصماً للمدعي. وحلف عمرو لريد أنها ليست له حيث لا بينة لزيد. فإن نكل عمرو عن اليمين أخذ منه زيد بدلها؛ لأنه لو أقر له بها لزمه؛ كما لو قال: هذه العين لزيد ثم قال: هي لعمرو فإنها تدفع إلى زيد ويغرم قيمتها لعمرو. ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمه اليمين مع الإنكار. فعلى هذا إن نكل عن اليمين مع طلبها أخذ منه بدلها، ثم إن صدق بكر عمرو على إقراره له بالدار، فإن بكراً يكون كأحد مدعيين على ثالث بعين فأقر له الثالث دون رفيقه بالعين على ما يأتى في باب الدعاوى والبينات. وإن كان عمرو قال في جواب دعوى زيد عليه بالدار: ليست لي ولا أعلم لمن هي؟ أو قال ذلك بكر المقَر له وجُهل لمن هي: سُلّمت لزيد في الأصح بلا بينة؛ لأنه لا منازع له فيها. ولأن عمراً لو ادعاها لنفسه ثم أقر بها لزيد قضي لزيد بها. فمع عدم ادعاء عمرو أولى. فلو كان مع زيد في هذه الصورة مدع آخر اقترعا على الدار، فمن خرجت له

стр. 5183

القرعة أخذها [وحلف لصاحبه] (١) . وإن عاد عمرو بعد ذلك ادعى الدار لنفسه أو ادعاها لثالث وهو غير من أقر له اوّلاً: لم يقبل منه ذلك؛ لأنه مكذب لهذه الدعوى، أو الإقرار بقوله: هي لفلان، أو بقوله: ليست لي ولا أعلم لمن هي؛ لأن ذلك نفي لها عن نفسه وعن غيره فلا يسمع منه خلافه. ولو عاد بكر فادعاها لنفسه بعد أن قال: ليست لي ولا أعلم لمن هي: لم تقبل دعواه ولو كانت قبل أن يدعيها المقر لنفسه في الأصح؛ لأن ذلك فيه تكذيب لنفسه بقوله: ليست لي. (وإن أقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لغائب) عن البلد (أوغيرمكلَّف) يعني: أوأقر بها لصغيرأومجنون (وللمدَّعي بينة) تشهد له بأنها ملكه: (فهى) أي: فالعين المدعى بها (له) ببينته؛ لأن جانبه قد ترجح بالبينة (بلا يمين) في الأصح، لأن البينة وحدها كافية، لخبر: " البينةُ على المدعِي. واليمينُ على من أنكر " (٢) . (وإلا) أي: وإن لم يكن للمدعي بينة، (فأقام المدَّعَى عليه بينة: أنها) أي: العين المدعى بها (لمن سّماه) المدعى عليه (لم يحلف)، وتسمع بينة المدعى عليه أنها لمن سماه؛ لزوال التهمة، وسقوط اليمين عنه. ولا يقضى بها؛ لأن البينة للغائب، والغائب لم يدعها هو ولا وكيله. (وإلا) أي: وإن لم يُقم المدعى عليه بينه أن العين لمن سماه: (استُحْلف) المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليم العين إلى المدعي. وأقرت العين بيده؛ لأن المدعي اندفعت دعواه باليمين. (فإن نكل) المدعى عليه عن هذه اليمين: (غَرِم بَدَلَها) أي: بدل العين المدعى بها. وبدلها مثلها إن كانت مثلية وقيمتها إن كانت متقومة (لمدَّعٍ. فإن كانا) أي: كان مدعيها (اثنين) كل

стр. 5184

واحد منهما يدعي جميعها (فـ) على الناكل (بدلان) لهما، لكل واحد بدل. (وإن أقرَّ) المدعى عليه (بها) أي: بالعين المدعى بها (لمجهول)؛ كما لو قال: هي لإنسان لا أسميه، أو لإنسان لا أعرفه، (قال) له (حاكم: عَرّفْه، وإلا جعلتك ناكلاً) [أي: ممتنعاً] (١) ، (وقضيتُ عليك)؛ لأن الإقرار بها لمجهول عدول عن الجواب؛ لأنه يجعل الخصم غير معين. فيقال له: إما أن تعين المقر له لتنتقل (٢) الخصومة إليه، أو تدعيها لنفسك لتكون الخصومة معك، أو تقر بها للمدعي لتندفع الخصومة عند. فإن عين المجهول وإلا قضي عليه بها. (فإن عاد ادَّعاها لنفسه: لم يُقبل منه) ذلك في الأصح؛ لأن ظاهر جوابه أولاً أنها لغيره فلا تقبل منه دعواها لنفسه؛ لمخالفته لدعواه الأولى.

стр. 5185

[فصل: في الدعوى على الغائب] (فصل. من ادَّعى على غائب) عن البلد (مسافةَ قصر بغير عمله) أي: عمل القاضي المدعى عنده، (أو) على (مستتر إما بالبلد أو بدون مسافة قصر، أو) على (ميتٍ، أو) على (غير مكلَّف وله بينة: سُمعت، وحُكم بها) إذا كملت الشروط. وبهذا قال مالك والشافعي. وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب، وعن أحمد مثله، وبهذا قال أبو حنيفة، واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي: " إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضي للأول (١) حتى تسمع كلام الآخر. فإنك لا تدري بما (٢) تقضي" (٣) . قال الترمذي: هذا حديث حسن. ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده. فلم يجز؛ كما لو كان الآخر في البلد. ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها. فلم يجز الحكم عليه. ولنا: " أن هنداً قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٤) . متفق عليه.

стр. 5186

فقضى لها ولم يكن أبو سفيان حاضراً. ولأن هذا المدعي له بينة عادلة. فجاز الحكم بها؛ كما لو كان الخصم حاضراً. وقد وافق (١) أبو حنفية في سماع البينة دون الحكم. ولأن ما تأخر عن سؤال المدعي إذا كان حاضراً يقدم عليه إذا كان غائباً؛ كسماع البينة. وأما حديثهم فنقول به: إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلامهما، وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين. ويفارق الحاضر الغائب، فإن البينة لا تسمع على حاضر إلا بحضرته والغائب بخلافه. وأما تقييد الغيبة بمسافة القصر، فإنها التي ينبني عليها الأحكام. وأما اعتبار كونه بغير عمل القاضي، فإنه إذا كان بعمله أحضره؛ ليكون الحكم عليه مع حضوره. وأما كون البينة تسمع على المستتر في البلد ويحكم عليه بمقتضاها؛ فلأنه متعذر الحضور. أشبه الغائب، بل أولى، فإن الغائب معذور ولا عذر للمستتر. نص عليه أحمد في رواية حرب. وروى حرب بإسناده عن أبي موسى قال: " كان الخصمان إذا اختصما إلى رسول الله ﷺ فأنفذ الموعد فوفى أحدهما ولم يوف الآخر قضى للذي وفى ". ولأنه لو لم يحكم على المستتر لجعل الاستتار وسيلة إلى تضيييع الحقوق. وأما كون الميت كالغائب بل أولى؛ فلأن (٢) الغائب قد يحضر. بخلاف الميت. قال الشاعر: وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب

стр. 5187

وكذا الصبي والمجنون المدعى عليهما يجوز سماع البينة عليهما والحكم عليهما بها؛ لأن كل واحد منهما لا يعبر عن نفسه فهو كالغائب. ولا يصح الحكم على الغائب فيما لا يقبل فيه كتاب القاضي. وإلى ذلك أشير بقوله: (لا في حقٍّ لله تعالى) سبحانه، (فيُقضَى في سرقةٍ) ثبتت على غائب (بغُرمٍ) أي: بالمال المسروق (فقط) يعني: دون القطع. (ولا يجب عليه) أي: على المحكوم له (يمين على بقاء حقّه) في ذمة الغائب أو المستتر أو الميت أو غيرهم على الأصح؛ لقوله ﷺ : " البينةُ على المدَّعِي. واليمينُ على المدَّعَى عليه " (١) ؛لأنه حصرها في جانب المدعى عليه. ولأنها بينة عادلة. فلم تجب اليمين معها؛ كما لو كانت على خصم حاضر. (إلا على روايةٍ). قال (المنقح: والعمل عليها) أى: على الرواية التي فيها وجوب اليمين (في هذه الأزمنة). انتهى. لفساد أحوال غالب الناس. وبهذا قال الشافعي؛ لأنه يجوز أن يكون استوفى ما شهدت له البينة به، أو ملّكه العين التي قامت بها البينة. ولو كان خصمه حاضراً أو حياً فادعى ذلك لوجبت اليمين، فإذا تعذر ذلك منه لغيبته أو موته أو نحوهما وجب أن يقوم الحاكم مقامه فيما يمكن دعواه. ولأن الحاكم مأمور با لاحتياط. (ثم إذا كُلّف غير مكلَّف ورَشَدَ) بعد الحكم عليه، (أو حضر الغائب) بعد الحكم عليه، (أو ظهر المستتر) بعد الحكم عليه: (فـ) هو (على حجته) إن كانت؛ لأن المانع إذا زال صار كالحاضر المكلف؛ لأن الحكم بثبوت أصل

стр. 5188

الحق لا يبطل دعوى القضاء ولا الإبراء ولا دعوى غيرهما مما يسقط الحق. (فإن جرحَ) المحكومُ عليه (البينةَ بأمرٍ، بعد أداء الشهادة أو مطلقاً) يعني: أو بأمرٍ ويطلق باًن لم يقل: قبل الشهاده ولا بعد الشهادة: الم يقبل) جرحه، ولم يبطل الحكم؟ لجواز أن يكون ما صدر منه مما يقتضي جرحه بعد الحكم. (وإلا) بأن جرحها بأمر قبل الحكم: (قُبِل) جرحه، وبطل الحكم؛ لفوات شرطه. (والغائب دون ذلك) أي: دون مسافة القصر: (لم تُسمع دعوى ولا بينة عليه، حتى يحضر كحاضر)؛ لأنه أمكن سؤاله. فلم يجز الحكم عليه قبل سؤاله؛ كحاضر المجلس. ويفارق الغائب البعيد فإنه لا يمكن سؤاله. (إلا أن يمتنع) من الحضور: (فيُسمَعا) أي: تسمع عليه الدعوى والبينة على الأصح. (ثم إن) كان المدعى به على الغائب عيناً وقضي بها للمدعي سُلمت إليه، وإن كان ديناً فإن (وَجد) الحاكم (له مالاً: وفَّاه) أي: وفى المدعي (منه. وإلا) أي: وإن لم يجحد للغائب مالاً (قال للمدَّعي: إن عرفتَ له مالاً وثبت عندي) أنه مال الغائب: (وفَّيتُك منه). قال أحمد في رواية حرب: في رجل أقام بينة أن له سهماً من ضيعةٍ في أيدي قوم فتواروا عنه: يُقسم عليهم شهدوا أو غابوا يعني: حضروا أو غابوا ويُدفع إلى هذا حقه. وروى عنه أبو طالب: في رجل وجد غلامه - يعني عبده- عند رجل فأقام البينة] أنه غلامه. فقال الذي عنده الغلام: أودعني هذا رجل. فقال أحمد: أهل المدينة يقضون على الغائب ويقولون أنه لهذا الذي أقام البينة] (١) وهو مذهبٌ حسن.

стр. 5189

ولأنه ثبت حقه بالبينة. فيسلم (١) إليه؛ كما لو كان المدعى عليه حاضراً. (والحكم للغائب لا يصحُّ)؛ لأنه لم تتقدم منه دعوى بنفسه ولا بوكيله، (إلا) أن يكون (تبعاً) لمدع حاضر؛ (كمن ادّعى موتَ أبيه عنه وعن أخ له غائب أو غير رشيد، وله) أي: وللميت (عند فلانٍ عينٌ أو دينٌ، فثبت) المدعى به على فلان (بإقرار) أي: إقراره (أو بينةٍ) قامت عليه أو نكولٍ: (أخَذ المدعي نصيبَه) أي: نصيب نفسه، (و) أخذ (الحاكم نصيب الآخر) أي: نصيب الأخ الغائب فجعله في يد أمينٍ للغائب، يكريه له إن كان مما يكرى أو يحفظه له حتى يحضر؛ لأن بقاءه في ذمة الغريم إذا كان ديناً معرض للتلف بفلس الغريم، أو موته، أو عزل الحاكم، أو تعذر البينة عند حضور الغائب، وكالمنقول، وكما لو أجره صغيراً أو مجنوناً. ثم إذا دفعنا للحاضر نصف العين أو نصف الدين لم يكن للمدعى عليه أن يطالبه (٢) بضمين؛ لأن في ذلك طعناً على الشهود. قال في"الفروع": وقيل يترك نصيبه من الدين في ذمة غريمه حتى يقدم ويرشد وتعاد البينة (٣) في غير الإرث. ذكره في "الرعاية ". (و) من أمثلة ما يكون الحكم فيه للغائب على سبيل التبعية: (كالحكم بوقف يدخُلُ فيه) أي: في الحكم بالوقف الحكم لـ (من لم يُخلَقْ) من المستحقين حال الحكم بالوقف، (تبعاً) لمسحتقه الآن. (وكإثبات أحد الوكيلين الوكالة في غيبة الآخر فتثبت (٤) له) أي: للوكيل الآخر (تبعاً). قال في"المغني": إن ادعى أحد الوكيلين الوكالة والآخر غائب وثَم بينةٌ حكم (٥) لهما. فإن حضر لم تعد البينة.

стр. 5190

(وسؤال أحد الغرماء الحجر) على المدين، (كالكل) يعني: كسؤال الكل. (فالقضية الواحدة المشتملة على عدد أو) على (أعيان، كولد الأبوين في) المسألة الملقبة بـ (المشرّكة) والجارية في كتاب الفرائض وهي: زوج وأم وإخوة لأم وإخوة لأبوين: (الحكم فيها لواحد أو عليه) يعني: أو على واحد فيها، (يعُمُّه و) يعم (غيره). قال في " الفروع " بعد أن ذكر أن سؤال غريم الحجر كالكل: فيتوجه أن يفيد أن القضية الواحدة المشتملة على عدد أو أعيان؛ كولد الأبوين في المشرّكة أن الحكم على واحد [أوْ لَه] (١) يعمه وغيره. وذكر شيخنا المسألة، وأخذها من دعوى موت موروثه، وحكمه بأن هذا يستحق هذا، أو الآن من وقف بشرط شامل يعم. (وحكمُه) أي: حكم الحاكم (لطبقةٍ) أي: لأهل طبقة في وقف (حُكمٌ للثانية) أي: يكون حكماً للطبقة الثانية: (إن كان الشرط) أي: شرط الواقف (واحداً) أي: غير مختلف، (حتى من أبدى) من أهل الطبقة الثانية (ما) أي أمراً (يجوز أن يمنع الأول من الحكم عليه) أي: على المستحق الأول الذي من الطبقة الأولى (لو عَلمه) الأول (٢) (فلثانٍ) أي: فللذي من الطبقة الثانية (الدَّفع به)؛كما لو كان ذلك الدفع للأول لو علمه. قال في"الفروع": [وهل هو نقض للأول كحكم مُغَيّى بغاية، أو هل هو نسخ؟ انتهى. قال في تصحيح " الفروع "] (٣) : هذا من تتمة كلام الشيخ تقي الدين. والمصنف قد قدم حكماً وهو قوله قبل ذلك: ويصح تبعاً. انتهى. ***

стр. 5191

[فصل: إذا أدعى أن الحاكم حكم له بحق] (فصل. ومن ادَّعى: أن الحاكم حَكَم له بحق، فصدَّقه) الحاكم على ما ادعاه من الحكم، لكونه ذاكراً له: (قُبل) قول الحاكم في ذلك (وحدَه) أي: من غير أن يشهد عليه رجلان حين الحكم، ويلزم خصمه بما حكم عليه. وليس هذا حكماً بالعلم، إنما هو إمضاء لحكمه السابق؛ (كقوله) أي: كقول الحاكم (ابتداء: حكمتُ بكذا) فإنه يقبل منه ذلك. (وإن لم يذكره) أي: وإن لم يذكر الحاكم أنه حكم بحق، (فشَهد به) أي: بحكمه (عدلان) بأن قالا للحاكم: نشهد عندك أنك حكمت لفلان على فلاناً بكذا: (قَبِلهما وأمضاه، لقدرته على إمضائه، على ما لم يتيقَّن صواب نفسه)؛كوجوب رجوع الإمام إلى اثنين فصاعداً من المأمومين ما لم يتيقن صواب نفسه. ولأنهما لو شهدا عنده بحكم حاكم غيره قبلهما فكذلك إذا شهدا عنده بحكم نفسه. وهذا (بخلاف من نسي شهادته، فشهدا) أي: فشهد عدلان (عنده) أي: عند من نسي شهادته (بها) بأن قالا: نشهد عندك أنك شهدت لفلان على فلان بكذا؛ لأن الحاكم يمضي ما حكم به إذا ثبتت عنده، والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته وإنما يمضيها الحاكم. (وكذا) أي: وكشهادة عدلين عنده أنه حكم بكذا في إمضاء ما شهدا به: (إن شهدا) عنده (أن فلاناً وفلاناً شهدا عندك بكذا) يعني: أنه يقبلهما ويمضى ما شهد به فلان وفلان عنده، كما يقبل شهادتهما على حق نفسه. (وإن لم يشهد بحكمه) ولا بأن أحداً شهد عنده بشيء (أحد، ووجده)

стр. 5192

مكتوباً عنده (ولو في قِمَطْرِه (١) تحت ختمه) ولم يذكره لم يعمل به على الأصح؛ لأنه حكم حاكم لم يعلمه. فلم يجز إنفاذه إلا ببينة؛ كحكم غيره. ولأنه يجوز أن يزوّر عليه وعلى خطه وختمه والخط يشبه الخط. (أو) وجد شاهد (شهادته بخطّه، وتيقَّنه ولم يذكره) أي: يذكر الأمر المشهود به: (لم يَعمل به) أي: بما وجده بخطه ولم يذكره على الأصح. نص عليه؛ لأنه يحتمل أنه زور على خطه وقد وجد ذلك كثيراً، (كـ) وجدان (خط أبيه بحكمٍ) يعني: أن الحاكم لو وجد حكم أبيه مكتوباً بخط أبيه لم يجز له إنفاذه، (أو) وجد أنه خط أبيه بـ (شهادة) فإنه لا يجوز أن يشهد بها على شهادة أبيه. إذا علمت ذلك فلا يجوز لحاكمٍ وجد حكمه في قِمَطْره تحت ختمه أن يعمل به، ولا يجوز لشاهد رأى شهادته بخطه وتيقنه ولم يذكر المشهود به أن يشهد بها، (لا على) قو ل (مرجوح). قا ل (المنقح: وهو أظهر، وعليه العمل). انتهى. قال في"شرح المقنع ": قال شيخنا: - يعني الموفق- وهذا الذي رأيته عن أحمد في الشهادة؛ لأنه إذا كان في قِمَطْره تحت ختمه لم يحتمل أن يكون إلا صحيحاً. انتهى. (ومن تحقَّق الحاكم منه أنه لا يُفرّق بين أن يذكر الشهادة) التي يشهد بها (أو يعتمد على معرفة الخط) وأنه (يتجوَّز بذلك) أي: بعدم الفرق بين الصورتين: (لم يجز) للحاكم الذي يتحقق منه ذلك (قول شهادته. وإلا) أي: وإن لم يتحقق الحاكم منه ذلك: (حرُم) عليه (أن يسأله عنه). قال في " الفروع ": (ولا يجب أن يخبره بالصفة) ذكره ابن الزاغونى يعني: أنه لا يجب على الشاهد إذا سأله الحاكم أن يخبره بالصفة التي شهد بها يعني: هل ذكر ما شهد به أو رآه مكتوباً عنده بخطه ولم يذكره عند أداء الشهادة به.

стр. 5193

وقال أبو الخطاب: لا يلزم الحاكم سؤالهما عن ذلك ولا يلزمهما جوابه. وقال أبو الوفاء: إذا علم تجوزهما فهما كمغفل ولم يجز قبولهما. (وحُكم الحاكم لا يزيل الشيء) أي: لا يحيله (عن صفته باطناً) أي: في باطن الأمر ولو عقداً أو فسخاً على الأصح. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق نفذ حكمه ظاهراً وباطناً. وعلى هذا لو أن رجلين تعمدا الشهادة على رجل أنه طلق امرأته فقبلها القاضي لظاهر عدالتهما ففرق بين الزوجين لجاز لأحد الشاهدين نكاحها بعد قضاء عدتها وهوعالم بتعمد الكذب. ولو أن رجلاً ادعى نكاح امرأة وهو يعلم أنه كاذب وأقام شاهدي زور فحكم الحاكم: حلت له بذلك وصارت زوجته. قال ابن المنذر: وتفرد أبو حنيفة فقال: لو استأجرت امرأة شاهدين شهدا لها بطلاق زوجها وهما يعلمان كذبها وتزويرها فحكم الحاكم بطلاقها، يحل لها أن تتزوج، وحل لأحد الشاهدين نكاحها، واحتج بما روي عن علي رضي الله تعالى عنه " أن رجلاً ادعى على امرأة نكاحاً فرفعها إلى علي. فشهد له شاهدان بذلك فقضى بينهما بالزوجية. فقالت: والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين. اعقد بيننا عقداً حتى أحل له. فقال: شاهداك زوجاك ". فدل على أن النكاح ثبت بحكمه. ولأن اللعان يُفسخ به النكاح. وإن كان أحدهما كاذباً فالحكم أولى. ولنا: قول النبي ﷺ " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضَكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحوِ ما أسمع منه: فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما اقطع له قطعةً من النار " (١) . متفق عليه. وهذا يدخل فيه: من ادعى أنه اشترى منه شيئاً فحكم له.

стр. 5194

ولأنه حكم بشهادة زور. فلا يحل له ما كان محرماً عليه؛ كالمال المطلق. وأما الخبر عن علي رضي الله تعالى عنه إن صح فلا حجة فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه. ولم يجبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعناً على الشهود. فأما اللعان فإنما حصلت الفرقة به لا بصدق الزوج، ولهذا لو قامت البينة لم ينفسخ النكاح. إذا ثبت هذا (فمتى علمها حاكم كاذبة) أي: علم الحاكم أن البينه كاذبة: (لم ينفُذ) حكمه بها، (حتى ولو في عقد وفسخ. فمن حَكم له) حاكم (ببينةِ زور بزوجيَّة امرأة) لم تحل له باطناً، (فإن وطئ مع العلم) أي: مع علمه بأنها لم تحل له: (فكزنا) يعني: فإنه يجب عليه الحد بذلك في الأصح. وعليها أن تمتنع منه ما أمكنها فإن أكرهها فالإثم عليه دونها. (ويصح نكاحُها غيره) يعني: ولها أن تتزوج غيره في الأصح؛ لأن ذلك النكاح كلا نكاح. (وإن حكم) حاكم (بطلاقها ثلاثاً، بشهود زور: فهى زوجته باطناً، ويُكره له اجتماعه بها ظاهراً)؛لأن في ذلك طعناً على الحاكم. (. ولا يصحُّ نكاحها غيره ممن يَعلم بالحال)؛لأنها باقية في عصمة الأول. (ومن حكم لمجتهدٍ أو عليه) يعني: أو على مجتهد، (بما يُخالف اجتهاده: عَمِل) المجتهد (باطناً) أي: في باطن أمره (بالحكم) الذي حكم به عليه الحاكم في الأصح. ذكره القاضي وقدمه في "الفروع ". (وإن باع حنبلي متروك التسمية، فحكم بصحته) أي: بصحة البيع حاكم (شافعي: نفذ) حكمه. قال في " الفروع ": عند أصحابنا خلافاً لأبي الخطاب. وكذا إن حكم حنفي لحنبلي بشفعة جوار في الأصح؛ لشمول الرواية لها. وقال الشيخ تقي الدين: اختلفت الرواية عن أحمد لو حكم الحاكم بما يرى المحكوم له تحريمه فهل يباح بالحكم؟ على روايتين. فحكى الخلاف روايتين ثم

стр. 5195

قال: والتحقيق في هذا أنه ليس للرجل أن يطلب من الإمام ما يرى أنه حرام عليه. فليس له أن يطلب أن يحكم. له بشفعة أو ميراث (١) وهو في حال طلبه يرى أن ذلك حرام عليه؛ لأنه جمع بين طلب شيء وبين اعتقاد تحريمه. ومن فعل هذا فقد فعل ما يعتقد تحريمه وهذا لا يجوز. لكن لو كان الطالب غيره أو ابتدأ الإمام بحكم أو قسم فهنا (٢) يتوجه القول بالحل؛ لأنه لم يصدر منه فعل محرم. ثم قال: والأشبه (٣) أن هذا لا يحرم عليه. انتهى. (وإن ردَّ حاكم شهادة واحد بـ) روية هلال (رمضان: لم يُؤثر) ذلك في الحكم بعدالته؛ (كـ) ما لو شهد بـ (ملك مطلق) عند من لا يرى رفع اليد بذلك (وأولى) ممن (٤) شهد بالملك المطلق؛ (لأنه) أي: لأن الحاكم (لا مَدخل لحكمه في عبادةٍ ووقتٍ، وإنما هو) أي: رد شهادته برمضان (فتوى. فلا يقال: حَكَم بكذبه، أو بأنه لم يرَه) أي: لم ير الهلال. (ولو رُفع إليه) أي: إلى الحاكم (حُكمٌ في مختلَف فيه)؛كحكمه بنكاح امرأة زوجت نفسها ونحوه من كل حكم مختلف فيه: (لم يلزمه نقضُه، ليُنفّذه: لزمه تنفيذُه، وإن لم يره) أي: وإن لم ير ما حكم به ذلك الحاكم صحيحاً عنده؛ لأنه حكم ساغ الخلاف فيه. فإذا حكم به حاكم لم يجز نقضه، فوجب تنفيذه لذلك. (وكذا إن كان نفس الحكم مختلَفاً فيه؛ كحكمه بعلمه، وتزويجه يتيمة)، وكالحكم على غائب، وكالحكم بصحة الثبوت بطريق الشهادة على الخط ونحو ذلك في الأصح. وفي "المحرر": لم يلزمه تنفيذه، إلا أن يحكم به حاكم آخر قبله. قال شارح"المحرر": وأما إذا كان نفس الحكم مختلفاً فيه فإن نفس

стр. 5196

الحكم في شيء لا يكون حكماً بصحة الحكم ديه. لكن لو أنفذه حاكم آخر لزمه إنفاذه؛ لأن الحكم المختلف فيه صار محكوماً به. فلزمه تنفيذه كغيره. انتهى. وهذا مبني على أن تنفيذ الحكم حكم بصحة الحكم المنفذ. وتقدم الخلاف الذي في التنفيذ. (وإن رَفع إليه) أي: إلى حاكم (خصمان عقداً فاسداً عنده) أي: عند ذلك الحاكم (فقط) أي: مع كون حاكم غيره يرى أن ذلك العقد صحيح، (وأقرَّا) أي: أقر الخصمان (بأن) حاكماً (نافذَ الحكم حَكم بصحته) أي: بصحة ذلك العقد الذي هو فاسد عند الحاكم الذي ترافعا إليه (فله إلزامُهما ذلك) العقد الذي أقرَّا أن نافذ الحكم حكم بصحته؛ لأنه حق أقرا به. فلزمهما؛ كما لو أقرا بغيره، (وله ردُّه والحكم) عليهما (بمذهبه)؛لأن حكم الحاكم به لا يثبت بإقرارهما، وإنما يثبت بالبينة ولا بينة هاهنا. فلا يلزمه العمل به؛ لعدم ثبوته عنده. ذكره القاضي واقتصر عليه في"المحرر"و"الفروع". (ومن قلَّد) مجتهداً (في صحة نكاح: لم يُفارق) زوجته (بتغيُّر اجتهاده) أي: اجتهاد المجتهد الذي قلده في صحته؛ (كحكمٍ) أي: كما لو حكم به حاكم مجتهد يرى صحته حال الحكم ثم تغير اجتهاده فرأى أنه باطل. (بخلافِ مجتهدٍ نَكح) امرأة بعقد أداه اجتهاده إلى صحته (ثم رأى بطلانَه) يعني: ثم أداه اجتهاد إلى أن العقد باطل فإنه يلزمه أن يفارق زوجته بتغير (١) اجتهاده إلى صحته في الأصح؛ لأنه صار يعتقد تحريم وطئها. (ولا يلزم) مجتهداً قلده عامي في صحة نكاح ثم تغير اجتهاده (إعلامُ المقلّد) أي: من قلده في صحة النكاح (بتغيُّره) أي: بتغير اجتهاده؛ لما تقدم من أن المقلد في صحة النكاح لم يلزمه فراق زوجته بتغير اجتهاد من قلده في ذلك. (وإن بان خطؤه). أي: خطأ لحاكم في حكمه (في إتلافٍ بمخالفة) دليل (قاطع) يعني: لا يحتمل التأويل، (أو) بان (خطأُ مفتٍ ليس أهلاً)

стр. 5197

بإتلافٍ؛ كقتل في شيء ظناه ردة، أو قطع في سرقة لم يجب فيها قطع، أوتلف ما يسري إليه جلد غير واجب؛ كشارب مسكر (١) كرهاً حدّه فمات: (ضمِنَا) أي: الحاكم والمفت ما تلف بالحكم أو الإفتاء؛ لأنه إتلاف حصل بفعلهما. فضمناه؛ كما لو باشرا ذلك بأيديهما. ***

стр. 5198

[فصل: من قدر على عين ماله المغضوب] (فصل. ومن غصبه إنسان مالاً جهراً، أو كان عنده) أي: عند إنسان (عينُ ماله) أي: عين مال غيره: (فله) أي: فللمغصوب منه مالاً جهراً (أخذ) أي: أن يأخذ (قدر) ماله (المغصوب) منه من مال الغاصب (جهراً). قال في " الفروع ": ذكره شيخنا وغيره. (و) لمالك العين التي عند غيره أن يأخذ (عين ماله) ممن هي عنده (ولو قهراً). قال في " الفروع ": ومن قدر على عين ماله أخذه قهراً. زاد في" الترغيب ": ما لم يفض إلى فتنة. انتهى. (لا أخذ قدر دَينه) أي: لا مَن له في ذمة إنسان دين أن يأخذ قدر دينه (من مال مَدين تعذَّر أخذُ دينِه منه بحاكم؛ لجحد أو غيره)؛ ككونه من سكان البوادي التي يتعذر إحضار الخصوم منها على الأصح. قال في " المقنع ": نص عليه واختاره عامة شيوخنا. انتهى. لقوله ﷺ : " أَدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخُن من خانك " (١) . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. ومتى أخذ قدر حقه من ماله بغير إذنه فقد خانه فيدخل في عموم الخبر. وقال ﷺ : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبِ نفسٍ منه " (٢) .

стр. 5199

ولأنه إن أخذ من غير جنس حقه كان معاوضة بغير تراض، وإن أخذ من جنسه فليس له تغيير الحق بغير رضى صاحبه. ألا ترى أنه لا يجوز له أن يقول: لا آخذ حقي إلا من هذا الكيس دون هذا. ولأن كل ما لا يجوز له تملكه إذا لم يكن له دين لا يجوز له أخذه إذا كان له دين، كما لو كان باذلاً. وعنه.: يجوز له ذلك. والحال ما ذكر. وذهب إليه بعض الأصحاب من المحدثين؛ لحديث هند: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (١) . والأول المذهب؛ لأن حديث هند قد أشار أحمد إلى الفرق بينه وبين ما تقدم: أن حقها واجب عليه في كل وقت. وهذا إشارة منه إلى الفرق بالمشقة في المحاكمة في كل وقت والمخاصمة كل يوم تجب فيه النفقة. بخلاف الدين. وفرّق أبو بكر بينهما بفرق آخر وهو: أن قيام الزوجية كقيام البينة. فكأن الحق صار معلوماً بعلم قيام مقتضيه. وبينهما فرقان آخران: أحدهما: أن للمرأة التبسط في مال الزوج بحكم العادة ما يؤثر في إباحة أخذ الحق وبذل اليد فيه بالمعروف. بخلاف الأجنبي. الثانى: أن النفقة تراد لإحياء النفس وإبقاء المهجة، وهذا مما لا صبر عنه. فجاز أخذ ما تندفع به هذه الحاجة. بخلاف الدين. حتى نقول: لو صارت النفقة ماضية لم يكن له أخذها، ولو وجب لها عليه دين آخر لم يكن لها أخذه بغير إذنه. فعلى المذهب: إن أخذ ربُّ الدين شيئاً بغير إذن المَدين لزمه رده إن كان باقياً، وإن كان تالفاً وجب عليه مثل المثلي وقيمة المتقوم، وإن كان من جنس دينه تقاصّا وتساقطا. قال في " شرح المقنع ": في قياس المذهب.

стр. 5200

ويستثنى من عدم جواز الأخذ ما أشير إليه بقوله: (إلا إذا تعذَّر على ضيفٍ أخذُ حقّه بحاكم). وتقدم ذلك في كتاب الأطعمة. وبقوله: (أو منَع زوج ومن في معناه) ممن تجب عليه نفقة غيره؛ كقريبه ومولاه (ما وجب عليه) لمستحقه (من نفقة، ونحوها)؛ كالكسوة. وتقدم ذلك في كتاب النفقات. فيجوز لكلٍّ من هؤلاء الأخذ بغير إذن في هذه الصور. (ولو كان لكلٍّ) أي: لكل واحد (من اثنين على الآخر دينٌ من غير جنسه) أي: من غير جنس ما على الآخر من الدَّين؛ كما لو كان دين أحدهما ذهباً ودين الآخر فضة، (فجحد أحدُهما) ما عليه من الدين لصاحبه: (فليس للآخر أن يجحد) ما عليه للذي جحده. قال في"الترغيب": ولو كان لكل منهما على الآخر دين من غير جنسه فجحد أحدهما فليس للآخر أن يجحد وجهاً واحداً؛ لأنه كبيع دين بدين لا يجوز ولو رضيا. انتهى. والله أعلم. ***

стр. 5201

(باب: حكم كتاب القاضي إلى القاضي) والأصل في المكاتبات الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله : ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]. وأما السنه؛ فـ " إن النبي ﷺ كاتب الصلوك فكتب إلى النجاشي، وإلى قيصر، وإلى كسرى يدعوهم إلى الإسلام " (١) . و" كاتب ولاته وعمّاله وسعَاته ". وأجمعت الأمة على قبول كتاب القاضي إلى القاضي، إذ الحاجة تدعو إلى ذلك: فإن مَن له حق في بلد غير بلده لا يمكنه إثباته والمطالبة به بغير ذلك، إذ يتعذر عليه السفر بالشهود. وقد يكون البلد الذي يسافرون إليه غير معروفين به فيتعذر إثبات الحق لهم عند حاكمه. فوجب أن يقبل المكاتبة فيه. (و) حيث تقرر هذا فإنه (يقبل) كتاب القاضي إلى القاضي (في كل حق لآدمي)، كالقرض، والغصب، والبيع، والإجارة، والرهن، والصلح، والوصية بالمال، والجناية الموجبة للمال رواية واحدة؛ لأن هذا في معنى الشهادة على الشهادة. وعلى الأصح (حتى فيما لا يُقبل فيه إلا رجلان؛ كقوَد وطلاق، ونحوهما)؛كنكاح، ونسب، وتوكيل في غير مال، وإيصاء على أولاده، وحد قذف، لأنه حق آدمي لا يدرأ بالشبهات. (لا في حدٍ لله تعالى؛ كحد زناً، و) حد (شربٍ) على الأصح؛ لأن حقوق الله مبنية على المساهلة والمسامحة، والستر والدرء

стр. 5202

بالشبهات، والسقوط بالرجوع عن الإقرار بها. ولهذا لا تقبل فيها الشهادة على الشهادة، فكذا كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأنه لا يقبل إلا فيما تقبل فيه الشهادة على الشهادة؛ لأنه في معناها. ولهذا قلت كغيري: (وفي هذه المسألة ذكر الأصحاب: أن كتاب القاضي حكمُه كالشهادة على الشهادة؛ لأنه شهادة على شهادة. وذكروا فيما إذا تغيَّرت حالُه) أي: حال القاضى الكاتب. (أنه أصل، ومن شهد عليه فرع) وجزم به ابن الزاغونى وغيره. (فلا يسوغ نقض حكم مكتوب إليه بإنكار) القاضي (الكاتب، ولا يقدح في عدالة البينة. بل يَمنعُ إنكارُه) أي: إنكار القاضي الكاتب (الحكم) أي: حكم المكتوب إليه إذا كان إنكار الكاتب قبل حكم المكتوب إليه، (كما يمنعه) أي: كما يمنع الحكم بالشهادة على الشهادة (رجوع شهود الأصل. فدلَّ: أنه) أي: أن القاضي الكاتب (فرعٌ لمن شهد عنده، وأصلٌ لمن شَهدَ عليه. و) دلَّ ذلك أيضاً: (أنه يجوز أن يكون شهودُ فرعٍ أصلاً لفرع) آخر (١) . يؤيده قول الأصحاب في التعليل: أن الحاجة داعية إلى ذلك وهذا المعنى موجود في فرع الفرع. (ويُقبل) كتاب القاضي (فيما حُكم به ليُنفّذَه، وإن كانا) أي: الكاتب والمكتوب إليه (ببلد واحد)؛لأن حكم الحاكم يجب إمضاوه على كل حال، (لا فيما ثبت عنده ليحكم به) المكتوب إليه، إلا في مسافة قصر فأكثر؛ لأنه نقل (٢) شهادة إلى المكتوب إليه. فلم يجز مع القرب؛ كالشهادة على الشهادة. (و) كذا (لا) يجوز (إذا سمع) القاضي (البينة وجعل تعديلَها إلى) القاضي (الآخر، إلا في مسافة قصر فأكثر) في الصورتين؛ لأن مسافة القصر غيبة. فجاز قبول كتاب القاضي في ذلك؛ كغيبة الشاهد إليها في قبول فرعه في الشهادة على الشهادة.

стр. 5203

واختلف الأصحاب في الثبوت هل هو حكم أو ليس بحكم؟ والأشهر: أنه ليس بحكم، بل خبر بالثبوت كشهود الفرع؛ لأن الحكم أمر ونهي يتضمن إلزاماً. قال الشيخ تقي الدين: ويجوز نقله إلى مسافة قصر فأكثر، ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به؛ لأن الذي ثبت عنده ذلك الشيء مخبر بثبوت ذلك عنده. أشبه الشاهد فإنه مخبر بوقوع ما شهد به وقد يكون لا يجيز الحكم به، ومع ذلك للمشهود عنده الحكم بشهادته فكذلك ما أثبته (١) الحاكم الأول وهو لا يجيزه. وللحاكم الذي اتصل به الثبوت الحكم به إذا كان يرى صحته. قال في " الفروع ": فيتوجه لو أثبت حاكمٌ مالكيٌ وقفاً لا يراه؛ كوقف الإنسان على نفسه بالشهادة على الخط، فإن حكم للخلاف في العمل بالخط كما هو المعتاد فلحاكم حنبلي يرى صحة الحكم أن ينفذه في مسافة قريبة، وإن لم يحكم المالكي بل قال: ثبت كذا (٢) فكذلك؛ لأن الثبوت عند المالكي حكم. ثم إن رأى الحنبلي الثبوت حكماً نفذه وإلا فالخلاف (٣) في قرب المسافة. ولزوم الحنبلي تنفيذه ينبني (٤) على لزوم (٥) تنفيذ الحكم المختلف فيه، وحكم المالكي مع علمه باختلاف العلماء في الخط لا يمنع كونه مختلفاً فيه. ولهذا لا تنفذه الحنفية حتى ينفذه حاكم، وللحاكم الحنبلى الحكم بصحة الوقف المذكور مع بعد المسافة، ومع قربها الخلاف. انتهى كلامه في"الفروع": (وله) أي: وللقاضي الكاتب (أن يكتُب إلى) قاض (معيَّن، و) أن يكتب (إلى من يَصِلُ إليه) كتابي هذا (من قُضاة المسلمين) وحكامهم من غير تعيين. ويلزم من وصله قبوله. وبهذا قال أبو ثور واستحسنه أبو يوسف.

стр. 5204

وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يكتب إلى غير معين. ولنا: أنه كتاب حاكم من ولايته وصل إلى حاكم. فلزمه قبوله؛ كما لو كان الكتاب إليه بعينه. (ويُشترط لقبوله) أي: قبول كتاب القاضي إلى القاضي والعمل به: (أن يُقرأ) الكتاب (على عدلَين، ويُعتَبر ضبطُهما لمعناهُ وما يتعلَّق به الحكم) منه (فقط) يعني: دون ما لا يتعلق به الحكم. قال الأثرم: سمعب أبا عبد الله يُسأل عن قوم شهدوا على صحيفة وبعضهم ينظر فيها وبعضهم لا ينظر. قال: إذا حفظ فليشهد. قيل: كيف وهو كلام كثير؟ قال: يحفظ ما كان عليه الكلام والوضع. قلب: يحفظ المعنى (١) ؟ قال: نعم. قيل له: والحدود واليمين وأشباه ذلك. قال: نعم. (ثم يقول) القاضي الكاتب إلى غيره: (هذا كتابي إلى فلان ابن فلان)،أو إلى من يصل إليه من القضاة، (ويدفعُه إليهما) أي: إلى العدلين اللذين شهدا عليه بما في الكتاب. (فإذا وصلا) بالكتاب إلى عمل المكتوب إليه (دفَعَاه إلى المكتوب إليه، وقالا: نشهد أنه) أي: هذا الكتاب (كتاب) القاضي (فلان إليك، كتبه بعمله) وأشهدنا (٢) عليه؛ لأن الكتاب لا يقبل إلا من قاضٍ، وذلك يستدعي وجود الكتابة والإشهاد عليه في موضع قضائه. (والاحتياط: ختمه بعد أن يُقرأ عليهما، ولا يُشترط) الختم؛ لأن الاعتماد على شهادتهما لا على الختم. وقال أبو حنيفة: لا يقبل الكتاب حتى يشهد شاهدان على ختم القاضي. ولنا " أن النبي ﷺ كتب كتاباً إلى قيصر ولم يختمه. فقيل له: إنه لا يقرأ كتابا غير مختوم فاتخذ الخاتم " (٣) .

стр. 5205

واقتصاره أوّلاً على الكتاب دون الختم دليل على أن الختم ليس بشرط في القبول. وإنما فعله النبي ﷺ ليقرأ كتابه. ولأن العدلين شهدا بما في الكتاب وعرفا ما فيه. فوجب قبوله؛ كما لو وصله مختوماً وشهدا بالختم. (ولا) يشترط أيضاً لقبول الكتاب (قولُهما) أي: قول العدلين: (وقُرِئ علينا، وأُشهِدْنا عليه، ولا قول كاتبٍ: اشهدا عليَّ) (١) بما فيه في الأصح؛ لأن المقول على شهادتهما بما يتعلق به الحكم دون غيره. (وإن أشهَدَهما) أي: أشهد القاضي الكاتب العدلين (عليه) أي: على كتابه، حال كونه (مدرُوجاً مختوماً: لم يصحَّ)؛لأن أحمد قال: فيمن كتب وصية وختمها ثم أشهد على ما فيها: فلا يشهد (٢) حتى يعلمه ما فيها. ويتخرج الجواز؛ لقول أحمد: إذا وجدت وصية الرجل مكتوبة عند رأسه من غير أن يكون أشهد أو أعلم أحدا بها عند موته وعُرف خطه وكان مشهوراً فإنه يُنفذ ما فيها. فعلى هذا إذا عَرف المكتوبُ إليه أنه خط الكاتب (٣) وختمه جاز قبوله. والعمل على الأول؛ لأن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر؛ كإثبات العقود. ولأن الخط يشبه الخط والختم يشبه الختم فيمكن التزوير عليه ويمكن الرجوع إلى الشهادة. فلم يعول على الخط؛ كالشاهد لا يعول في شهادته على الخط. (وكتابُه) أي: كتاب القاضي (في غير عمله، أو) كتابه (بعد عزله؛ كخبَره) أي: كما لو أخبر بحكم في غير عمله، أو أخبر بحكم بعد عزله. وتقدم الكلام على ذلك.

стр. 5206

(ويُقبل كتابه) أي: كتاب القاضي إلى القاضي (في حيوانٍ) في الأصح (بالصفة اكتفاء بها) أي: بالصفة؛ لأن الحيوان الموصوف ثبت في الذمة بعقد السلم كالدين؛ (كمشهود عليه، لا له) يعني: أنه متى كانت الشهادة على إنسان اكتفي فيها بالصفة؛ لأنه يبعد أن يجيء إنسان بصفته فيقول: أنا المشهود عليه. بخلاف ما إذا كانب الشهادة له بالصفة. ولأن المشهود له لايشهد له إلا بعد دعواه. بخلاف المشهود عليه والمشهود به. (فإن لم تثبُت مشاركته له) أي: للحيوان أو العبد المشهود فيه بالصفة (في صفتِه) بأن زال اللبس بعدم من يشاركه في صفته: (أخذَه مدَّعيه) المشهود له به (بكفيلٍ مختوماً عنقُه) أي: عنق الحيوان أو العبد المشهود فيه بالصفة وهو: أن في عنقه خيط أو نحوه ويختم عليه بشمع أو نحوه، (فيأتي به القاضي الكاتب لتشهد البينة على عينه)؛ليزول الإشكال ويرتفع الاختلاف، (ويُقضى له به ويكتُب له كتاباً) آخر إلى القاضي الذي سلمه له بكفيل، (ليبْرأ كفيلُه)، لئلا يُطلب به بعد ذلك. (وإن لم يثبُت ما ادَّعاه) بأن قال الشهود: ليس هذا المشهود به؛ (فكمغصوب) يعني: فحكمه في يده حكم المغصوب؛ لأنه واضع يده عليه بغيرحق. (ولا يحكم) القاضي (على مشهود عليه بالصفة) بأن قال الشهود: نشهد على رجل صفته كذا وكذا أنه اقترض من هذا كذا (حتى يُسمَّى) يعني: وينسب. قال في"الفروع": وظاهر كلامهم: أنه لا يعتبر ذكر الجد في النسب بلا حاجة. قال يعني: المجد في"المنتقى"في صلح الحديبية: فيه أن المشهود عليه إذا عُرف باسمه واسم أبيه أغنى عن ذكر الجد. وكذا ذكره (١) غيره أي: غير المجد.

стр. 5207

(أو) حتى (تشهد) البينة (على عينه)؛ ليزول اللبس. (وإذا وصل الكتاب) إلى القاضي المكتوب إليه، (فأُحضر الخصم المذكور فيه باسمه ونسبه وحِلْيته، فقال: ما أنا بالمذكور) في الكتاب (قُبل قوله بيمينه)، لأنه منكر، (فإن نكَل) عن اليمين: (قُضِي عليه) بالنكول. (وإن أقرَّ بالاسم والنَّسب، أو ثبت) اسمه ونسبه (ببينةٍ، فقال: المحكوم عليه غيري: لم يُقبل) منه ذلك، (إلا ببينة تَشهَدُ أن بالبلدِ) شخص (آخر كذلك) يعني: يساويه في الاسم والنسب والصفة. (ولو) كان المساوي له في الاسم والصفة (ميتاً يقع به إشكال، فيُتوقَّف) الحكم (حتى يُعلم الخصم) منهما. فيحضر الحاكم (١) المساوي له فيما ذكر ويسأله عن الحق، فإن اعترف به ألزمه وتخلص الأول، وإن أنكره (٢) وقف الحكم، ويكتب إلى القاضي الكاتب يُعلمه بما وقع من الإشكال حتى يحضر الشاهدين فيشهدا عنده (٣) على أحدهما بعينه فيلزمه بالحق (٤) . (وإن مات القاضي الكاتب أو عُزل: لم يَضُرَّ) أي: لم يمنع ذلك قبول كتابه والعمل به؛ (كبينة أصل) يعني: كشهادة [الشاهد [على الشاهد] (٥) إذا مات الأصل فإنه يحكم بشهادة الفرع مع رفيقه أو مع المدعي (٦) . (وإن فُسّقَ)] (٧) القاضي الكاتب: (فَيقدَحُ) ذلك (فيما ثبت عنده ليحكُم به) القاضي المكتوب إليه (خاصة) يعني: فلا يصح أن يحكم المكتوبُ إليه بما ثبت عند القاضي الكاتب مع تغير حاله بفسقه؛ لأن بقاء عدالة شاهدي الأصل

стр. 5208

شرط في الحكم بشاهدي الفرع، فكذلك بقاء عدالة الحاكم فيما ثبت عنده ولم يحكم به؛ لأنه بمنزلة شاهدي الأصل. وقوله: خاصة ليخرج ما لو حكم المكتوب إليه بما ثبت عند القاضى (١) الكاتب ثم فسق فإن (٢) ذلك لا يؤثر في حكم القاضي المكتوب إليه بما ثبت عند الكاتب؛ كما لو فسق الحاكم وقد حَكم بشيء فإنه لا يُنقض ما مضى من أحكامه. (ويلزم من وصل إليه) الكتاب من الحكام، (العمل به) أي: بالكتاب، (تغيَّر المكتوب إليه) الكتاب (أوْ لا). يعني: أنه متى عُزل القاضي المكتوب إليه أو فسق أو مات، فلمن قام مقامه قبول الكتابة والعمل به (اكتفاءً بالبينة، بدليل ما لو ضاع) الكتاب (أو انمحَى) وشهد شاهدان بما فيه؛ لكونهما يحفظانه. وقد حكي عن الحسن. أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتاباً فوصل إليه وقد عُزل وولي الحسن فعمل به؛ لأن المعول على شهادة الشاهدين الأول. قال في " شرح المقنع ": وقياس ما ذكرناه أن الشاهدين إذا حملا الكتاب إلى غير المكتوب إليه في حال حياته وشهدا عنده عَمل به، لما بيناه. فإن كان المكتوب إليه خليفة الكاتب فمات الكاتب أو عزل انعزل المكتوب إليه؛ لأنه نائب عنه. فينعزل بعزله وموته؛ كوكلائه. انتهى. (ولو شهدا) حاملا كتاب القاضي عند المكتوب إليه (٣) . (بخلاف ما فيه) أي: ما في الكتاب: (قُبل) ما شهدا به (اعتماداً على العلم) بما أشهدهما به القاضي الكاتب على نفسه. (ومتى قَدمََِ الخصم المُثبتُ عليه) الحق عند الكاتب قبل الحكم به (بلدَ الكاتب: فله الحكم عليه) أي: على القادم بلد الكاتب (بلا إعادة شهادة) عليه. قاله في "الانتصا"واقتصرعليه فى"الفروع" إذا سأله في ذلك رب الحق. ***

стр. 5209

[فصل: إذا سأل المحكوم له أن يُشهد له] (فصل. وإذا حَكم عليه المكتوبُ إليه) أي: حكم المكتوب إليه على من ثبت [عليه الحق فقط عند الكاتب، (فسأله) أي: سأل المحكومُ عليه من حكم عليه (أن يُشهدَ عليه بما جرى) عنده من] (١) الحكم عليه؛ (لئلا يحكُم عليه) القاضى (الكاتب) حكماً ثانياً أجابه لذلك في الأصح؛ لأنه من الممكن أن يلقاه الخصم في بلد الكاتب فيطالبه بالحق مرة أخرى. فوجب ذلك؛ لدفع الضرر عنه. (أو) سأل (من ثبتت براءتُه) عند الحاكم؛ (كمن أنكر وحلَّفه) الحاكم. (أو) سأل (من ثبت حقُّه عنده) أي: عند الحاكم، (أن يُشهِدَ له) عليه (بما جرى: من براءةٍ، أو ثبوت مجرَّدٍ، أو) ثبوت (متصل بحكم، أو) ثبوت حكم متصل بـ (تنفيذ. أو) سأل (الحكم له بما ثبت عنده: أجابه)،سواء ثبت حقه بإقرار أو بينة على الأصح؛ لأنه من الجائز أن يطول الزمان على الحق. فإذا أراد المطالبه به لم تكن بيده حجة. وربما نسي القاضي أو مات أو يطالبه الغريم في صورة البراءة مرة أخرى عنده إذا نسى، أو عند غيره. فوجب الإشهاد به؛ لئلا يضيع حقه من ذلك. (وإن سأله) أي: سأل الخصمُ الحاكم (مع الإشهاد) على الحاكم (كتابتَه، أتاهُ بورقةٍ)،أو كان هناك ورقة من بيت المال لذلك: (لزمه) إجابته لذلك في الأصح؛ لأن ذلك وثيقة للخصم، فلزمه وكتابتها؛ (كـ) كتابة (ساعٍ بأخذِ زكاة).

стр. 5210

ولأن في ترك (١) ذلك تضييعاً لحقه. قال في "المستوعب": وكل من قضي له بحق فاستوفاه وله به كتاب ثابت لم يلزمه تسليم الكتاب إلى الذي كان عليه الحق بعد الإشهاد على نفسه باستيفائه؛ لأنه ربما خرج ما قبضه مستحقاً فيحتاج إلى حجة بحقه. وكذلك بائع العقار لا يلزمه تسليم كتاب ابتياعه إلى المشتري منه بعد الإشهاد على نفسه بالبيع؛ لأن ذلك حجة له عند الدرك. انتهى. (وما تَضمَّنَ الحكم ببينة يُسمَّى: سِجِلًا، وغيرُه) أي: وغير ما تضمن الحكم بالبينة يُسمَّى: (مَحْضَراً) بفتح الميم والضاد المعجمة وهو: عبارة عن الصك. سمي محضراً؛ لما فيه من حضور الخصمين والشهود. والمحضر شرح ثبوت الحق عند الحاكم، لا الحكم بثبوته. وهذه التسمية اصطلاحية. أما السجل فأصله الصحيفة المكتوبة. قال ابن دريد: السجل: الكتاب. فعلى هذا كل كتاب يسمى سِجلاً، إلا أنه لما اختص غيره بصفة حضور المتداعيين وما جرى فيه سمي محضراً. وخصّ ما تضمنه الحكم باسم السجل اصطلاحاً على ذلك. (والأوْلى: جعل السجلّ نُسختين: نسخة يدفعها إليه)، لتكون وثيقة بيده، (و) يجعل النسخة (الأخرى عنده) أي: عند الحاكم؛ ليرجع إلى النسخة التي عنده عند ضياع ما بيد الخصم أو عند الاختلاف فيها؛ لأن ذلك أحوط. (وصفة المحضر: بسم الله الرحمن الرحيم حضرَ القاضيَ (بنصب الياء على أنه مفعول مقدم (فلانُ بن فلان) ويذكر ما يميزه (قاضيَ عبد الله الإمام على) مدينة (كذا. وإن كان) القاضي (نائباً كتب: خليفة القاضي فلان) بن فلان (قاضي عبد الله الإمام في مجلس حكمه وقضائه، بموضع كذا، مدَّعٍ) هذا

стр. 5211

فاعل حضر (ذكَر: أنه فلان بن فلان، وأحضر معه مدَّعىً عليه ذكر: أنه فلان بن فلان. ولا يُعتبر ذكر الجد بلا حاجة) إليه. (والأوْلى ذكر حِليَتِهما) أي: حلية المدعي والمدعى عليه، (إن جهلهما. فادَّعى عليه) أي: فادعى فلان على فلان (كذا فأقرَّ له أو فأنكر، فقال) القاضي (للمدعي: ألك بينة؟ قال: نعم. فأحضرها وسأله سماعَها، ففعل أو فأنكر) المدعى عليه (ولا بينة) للمدعي، (وسأل) من القاضي (تحليفه فحلَّفه. وإن نكل) المدعى عليه عن اليمين: (ذكره، وأنه حكم) عليه (بنُكُوله وسأله) أي: وسأل الخصم الحاكم (كتابةَ مَحضَرٍ) بما جرى بينهما، (فأجابه) إلى ذلك وجرى ذلك (في يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا. ويعلّمُ) القاضي (في الأقرار والإنكار والإحلاف) على رأس المحضر: (جرى الأمرُ على ذلك. وفي) شهادة (البينة: شهدا عندي بذلك)؛لأن الشهادة تتضمن كل ما هو من مقدماتها من الدعوى والجواب وغير ذلك. (وإن ثبت الحق بإقرار، لم يُحتَج) أن يقال: (في مجلس حُكمه)؛لأن الإقرار يصح في غير مجلس الحكم. وإن كتب أنه شهد على إقراره شاهدان كان آكد. (وأما السجل، فـ) هو: (لإنفاذ ما ثبت عنده، والحكم به. وصفتُه): أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم (هذا ما أشهد عليه القاضي فلان) بن فلان- (كما تقدم) في أول المحضر- (مَن حضرَه من الشهود أشهدَهم: أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان، وقد عرفَهما بما رأى معه قبول شهادتهما، بمحضرٍ من خصمين ويذكُرُهما إن كانا معروفين. وإلا) أي: وإن لم يكونا معروفين (قال: مدَّعٍ ومدَّعىً عليه جاز حضورُهما وسماعُ الدعوى من أحدهما على الآخر، معرفة فلان بن فلان- ويذكر المشهود عليه- وإقرارُه طَوْعاً في صحةٍ منه وجوازِ أمرٍ، بجميع ما سُمي ووُصف) به (في كتابٍ نسختُه كذا. وينسَخُ الكتاب المثبِتَ أو المحْضَر جميعه حرفاً بحرف. فإذا فرغ) من نسخه (قال: وإن القاضي أمضاه وحَكم به على ما هو الواجب في مثله) يعني: على

стр. 5212

صورة الحكم التي تجب في مثله، (بعد أن سأله ذلك، و) سأل (الإشهاد به الخصم المدَّعِي وينْسُبُه. ولم يدفعه خصمه) الحاضر معه (بحجة. وجعل كل ذي حُجة) في ذلك (على حجته، وأشهد القاضي فلان على إنفاذه، وحكمه، وإمضائه مَن حضره من الشهود، في مجلس حُكمه، في اليوم المؤرَّخ أعلاه. و) أنه (أمَر بكَتْب هذا السجلّ نُسختين متساويتين: نسخة) تكون (بديوان الحُكم، ونسخة يأخُذها من كتبها له)؛لتكون كل واحدة من النسختين وثيقة بما أنفذه، ويكتب ذلك؛ ليعلم أن بها نسخة أخرى. (ولو لم يُذكر) في السجل: (بمحضر من الخصمين، جاز) ذلك؛ (لجواز القضاء على الغائب). وأما صفة كتاب القاضي إلى القاضي فقال في " شرح المقنع ": بسم الله الرحمن الرحيم. سبب هذه المكاتبة أطال الله بقاء من تصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم أنه ثبت عندي في مجلس حكمي وقضائي الذي أتولاه في مكان كذا وإن كان نائباً قال: الذي أنوب فيه عن القاضي فلان- بمحضر من خصمين مدعٍ ومدعىً عليه جاز استماع الدعوى منهما وقبول البينة من أحدهما على الآخر، بشهادة فلان وفلان. وهما من الشهود المعدلين عندي عرفتهما وقبلت شهادتهما بما رأيت معه قبولها معرفة فلان بن فلان الفلانى بعينه واسمه ونسبه. فإن كان في إثبات أسر أسير قال: وإن الفرنج خذلهم الله تعالى أسروه من مكان كذا، في وقت كذا، وحملوه إلى مكان كذا، وهو مقيم تحت حوطتهم، وأنه فقير من فقراء المسلمين ليس له شيء من الدنيا، لا يقدر على فكاك نفسه، ولا على شيء منه، وأنه مستحق الصدقة على ما يقتضيه كتاب المحضر المتصل أوله بآخر كتابي المؤرخ بكذا. وإن كان في إثبات دين قال: وأنه يستحق في ذمة فلان بن فلان الفلانى ويرفع في نسبه ويصفه بما يتميز به من الدين كذا وكذا ديناً له عليه، حالاً وحقاً واجباً لازماً، وأنه يستحق مطالبته به واستيفاؤه منه. وإن كان في إثبات عين كتب وأنه مالك لما. في يدي فلان من الشيء الفلانى، ويصفه بصفة يتميز بها مستحق، لأخذه وتسليمه على ما يقتضيه

стр. 5213

كتاب المحضر المتصل بآخر كتابي هذا المؤرخ بتاريخ كذا. وقال الشاهدان المذكوران إنهما عالمان بما شهدا به وله محققان (١) وأنهما لا يعلمان خلاف ما شهدا به إلى حين أقاما الشهادة عندي، فأمضيت ما ثبت عندي من ذلك وحكمت بموجبه بسؤال من جاز مسألته. وسألني من جاز سؤاله وشرعت الشريعة المطهرة إجابته للمكاتبة إلى القضاة والحكام فأجبته إلى ما التمسه لجوازه شرعاً، وتقدمت بهذا فكتبت وبإلصاق المحضر المشار إليه فألصق. فمن وقف عليه منهم وتأمل ما ذكرته وتصفح ما سطرته واعتمد في إنفاذه والعمل بموجبه ما يوجب الشرع المطهر. أَحْرز من الأجر أجْزله. وكتب من مجلس الحكم المحروس من مكان كذا في وقت كذا. ولا يشترط أن يذكر القاضى اسمه في العنوان ولا ذكر المكنوب إليه في باطنه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا لم يذكر اسمه فلا يقبله؛ لأن الكتاب ليس إليه ولا يكفي ذكر اسمه في العنوان دون باطنه؛ لأن ذلك لم يقع على وجه المخاطبة. ولنا: أن المعول فيه على شهادة الشاهدين على الحاكم الكاتب بالحكم وذلك لا يقدح. ولو ضاع الكتاب أو انمحى سمعت شهادتهما وحكم بها. انتهى. (ويَضُمُّ) الحاكم والشاهد (ما اجتمع) عنده: (من مَحضر وسجلِ ويَكتُب عليه) أي: على ما ضمه من ذلك: (مَحاضِرُ كذا من وقتِ كذا)؛ ليسهل عليه كشف ما يحتاج إليه من ذلك عند الاحتياج إليه. وألله أعلم. ***

стр. 5214

[باب: القسمة] هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام القِسْمة. ولما كان منها ما يقع بإجبار الحاكم على القسمة ناسب وضعها هنا (١) . وهي بكسر القاف، اسم مصدر: من قسمت الشيء إذا جعلته أقساماً. والقِسم بكسر القاف: النصيب المقسوم، وبفتحها مصدر قسمت الشيء فانقسم، وقاسمه المال وتقاسماه واقتسماه. وإذا أردت (٢) تعريفها قلت: (القِسْمَة: تمييزُ بعض الأنصباء عن بعض، وإفرازُها عنها). والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨]. وقوله : [وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ] [القمر: ٢٨]. وأما السنة؛ فمنها قوله ﷺ : " إنما الشفعة فيما لا (٣) يُقسم " (٤) . وقد " قسّم النبي ﷺ خيبر على ثمانية عشر سهماً " (٥) . وأجمعت الأمة على جواز القسمة: فروي (٦) أنه كان لعلي قاسم يقال له:

стр. 5215

علي بن يحيى، وكان يرزقه من بيت المال. ولم يوجد له مخالف من الصحابة ولا من بعدهم إلى عصرنا هذا. ولأن بالناس حاجة إلى قِسمة الأملاك المشتركة؛ لأن الناس تختلف أغراضهم وطباعهم. فربما حصل النزاع بين الشريكين في العين المشتركة فيؤدي [عدم القسمة] (١) إلى تعطيلها وترك الانتفاع بها؛ لما فيها من النزاع بينهما. فوجب قسمتها بينهما إذا أمكن ذلك، فناسب أن يفصل بينهما بالقسمة؛ لقطع النزاع، كما وجب الحكم بين المتنازعين؛ لقطع النزاع. (وهي) أي: القسمة (نوعان: أحدُهما) أي: أحد النوعين: (قسمةُ تَراض) وهي: ما يتفق فيها الشركاء على القسمة. (وتحرُم) القسمة (في) شيء (مشترَك لا ينقسم إلا بضرر) على الشريكين أو على أحدهما، (أو) بـ (ردّ عوض) منهما أو من أحدهما، إما لأنه يتعطل الانتفاع به مقسوماً؛ (كحمَّام ودورٍ صغارٍ)، أو لأنه لا تتعدل أجزاوه إلا بالتجزئة وهو جعلها أجزاء ولا بالقيمة (٢) (و) ذلك؛ كـ (شجر مفرد، وأرض ببعضها بئر أو بناء، ونحوه)؛ كمعدن. (ولا تتعدَّل بأجزاء ولا قيمة) فهذه تحرم قسمتها، (إلا برضا الشركاء كلّهم)؛لما في ذلك من الضرر. وقد روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً قال: " لا ضرر ولا ضرار " (٣) . رواه ابن ماجه والدارقطني.

стр. 5216

ولهما أيضاً من حديث عمرو بن يحيي المازنى عن أبيه عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" (١) . رواه مالك في"الموطأ"عن عمرو عن أبيه مرسلاً (٢) . قال الثوري: حديث حسن وله طرق يقوي بعضها بعضاً. ولأن فيها إما ضرر أو رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان عليه. (وحُكم هذه) القسمة (كبيع) يعني: لا (يجوز فيها) إلا (ما يجوز فيه) أي: في البيع (خاصة)؛لما فيها من الرد وبهذا تصير بيعاً، لأن صاحب الرد بذل المال عوضاً عما حصل له من حق شريكه وهذا هو البيع. (لمالك وولي) هذه عبارة " الفروع ". ومعنى ذلك: أن قسمة التراضي المذكورة تتعقد وتلزم من مالك النصيب ومن وليه إذا لم يكن مكلفاً كشراء ولي اليتيم لليتيم، وبيع ماله للمصلحة. (ولو قال أحدهما) أي: أحد الشريكين: (أنا آخذ الأدنى) أي: الأسفل، (ويبقي لي في الأعلى تتمَّة حصَّتي فلا إجبار) أي: لم يجبر شريكه على ذلك. قاله في"الترغيب" وغيره. وقدمه في"الفروع". ولعل ذلك؛ لما فيه من إسقاط حق شريكه من الأدنى بغير رضاه. (ومن دعا شريكه إلى بيعٍ فيها) أي. في قسمة التراضي: (أُجبر) على البيع، (فإن أبى) [أي: امتنعٍ] (٣) شريكه أن يبيع معه: (بِيع عليهما) يعني: باعه الحاكم عليهما (وقُسّم الثمن) عليهما على قدر حصصهما. قال في " الفروع ": نقله الميمونى وحنبل. وذكره القاضي وأصحابه، وذكره في "الإرشاد"و"الفصول"و"الإيضاح"و"الترغيب" وغيرهما. وكلام الشيخ و"المحرر" يقتضي المنع. انتهى.

стр. 5217

(وكذا لو طلب) أحد الشريكين (الإجارة) أي: أن يؤجر معه ما هو مشترك بينهما، (ولو) كان شريكاً (في وقف) يعني: فإن الممتنع من الاجارة يجبر عليها، فإن أبى أجّره الحاكم عليهما وقسم الأجرة بينهحا على قدر حصصهما. قال في " الفروع ": وكذا الإجارة ولو في وقف. ذكره شيخنا. وللشافعية وجهان في الإجارة. قال أبو عمرو بن الصلاح: وددت لو محي من المذهب. قال: وقد عُرف من أصلنا أنه إذا امتنع السيد من الإنفاق على مماليكه باعهيم الحاكم عليه، فإذا صرنا إلى ذلك دفعاً للضرر عن شريك له علمه حق وملك فلمَ لا نصير إلى ذلك دفعاً للضرر (١) عن شريك لا حق له ولا ملك؟. انتهى. (والضرر المانع من قسمة الإجبار: تقص القيمة بها) أي: بالقسمة على الأصح. وعنه: عدم النفع به مقسوماً منفعته التي كانت قبل القسمة. اختاره الخرقي. والأول المذهب، سواء انتفعوا به مقسوماً أو لم ينتفعوا. قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال في رواية الميموني: إذا قال بعضهم نقسم وبعضهم لا نقسم: فإن كان فيه نقصان من ثمنه بيع وأعطي الثمن. فاعتبر نقصان الثمن. [وهذا ظاهر] (٢) كلام الشافعي؛ لأن نقص قيمته ضرر والضرر منفي شرعاً. وقال مالك: يجبر الممتنع وإن استضر قياساً على ما لا ضرر (٣) فيه. قال في"شرح المقنع": ولا يصح؛ لقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (٤) . من " المسند ".

стр. 5218

ولأن في قسمته ضرراً. فلم يجبر عليه؛ كقسمة الجوهرة بكسرها. ولأن في قسمته إضاعة مال. وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال. ولا يصح القياس على ما لا ضرر فيه؛ لما بينهما من الفرق. انتهى. (وإن انفرد أحدُهما) أي: أحد الشريكين (بالضرر، كرب ثلُث مع رب ثلثين) يعني: كما لو كان لأحدهما الثلث ولشريكه الثلثان: (فـ) أيهما طلب القسمة وأبى شريكه لم يجبر على الأصح " (كما لو تضرَّرَا). قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب: أنه لا إجبار على الممتنع من القسمة منهما. وعليه أكثر الأصحاب. وحكاه المصنف والشارح عن الأصحاب. وقالوا: هو المذهب. وقدمه في " الفروع ". قال الزركشي: جزم به القاضي في "الجامع"،والشريف وأبو الخطاب في"خلافيهما "، والشيرازي. وهو ظاهر رواية حنبل. انتهى. قال في "الفروع"بعد أن قدم المذهب: واختار جماعة إن طلبها المتضرر يعني: صاحب الثلث: أجبر الآخر. وعنه: عكسه. انتهى. ووجه المذهب: " نهي النبي ﷺ عن إضاعه المال" (١) . ولأن طلب القسمة من المستضر سفه فلا تجب إجابته إلى السفه. قال الشريف: متى كان أحدهما يستضر لم يجب إلى القسمة. (وما تَلاصَق من دُورٍ) مشتركة (وعَضائدَ، وأقْرِحَةٍ، وهي: الأراضي التي لا ماء فيها ولا شجر؛ كمتفرّقٍ) يعني: (فـ) إنه (يُعتبر الضرر) وعدمه (في كل عين) منه (على انفرادها)؛لأنها أعيان تختص كل واحدة منها (٢) باسم وصورة، لأنها لو بيعت إحداها (٣) لم تجب الشفعة لمالك التي بجانبها. فاعتبرت كل عين منها على حدتها.

стр. 5219

(ومَن بَيْنَهما عبيدٌ، أو) بينهما (بهائم، أو) بينهما (ثياب، ونحوها)؛كالأوانى وهي (من جنس) واحد؛ كالعبيد إذا كانت كلها من النوبة أو من الحبش، والبهائم إذا كانت كلها بقراً أو جمالاً، والثياب إذا كانت كلها من كتان أو من قطن، والأوانى إذا كانت كلها من زجاج أو نحاس، (فطلب أحدهما) أي: أحد الشريكين فيها (قسْمَها أعياناً بالقيمة) أي: بأن تعدل بالقيمة وأبى شريكه: (أُجبر الممتنع إن تساوت القِيَم) على الأصح؛ لحديث عمران بن حصين " أن رجلاً أعتق في مرضه ستة أعبد. وأن النبي ﷺ جّزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرَقّ أربعة" (١) . وهذه قسمة لهم؛ لأن ذلك عين أمكن قسمتها ولا ضرر ولا رد عوض. فأجبر الممتنع؛ كما لو كانت أرضاً. (وإلا) أي: وإن لم تكن قيمها متساوية: (فلا) يجبر الممتنع؛ (كما لو اختلف الجنس)، بأن كان بعض العبيد بيضاً وبعضهم سوداً ونحو ذلك. (وآجرٌّ) وهو اللبن المشوي (ولَبِن) بكسر الباء الموحدة وهو غير المشوي. والحال: أن كلاً منهما (متساوي القوالِب) في الصغر أو الكبر (من قِسمة الأجزاء) لتساويهما في القدر، (ومتفاوتُهما من قسمة التعديل) بالقيمة. (ومَن بينهما) أي: بين اثنين شركة (حائط، أو) كان بينهما (عَرْصَة حائط وهي: التي) كان بها حائط وصارت (لا بناء فيها فطلب أحدُهما) أي: أحد الشريكين (قَسْمَه) أي: قسم الحائط (ولو) كان طلبه لقسم الحائط (طولاً في كمال العرض) وذلك بأن يكون لأحدهما من الحائط قطعة من أسفلها إلى

стр. 5220

أعلاها في كمال عرض الحائط وللآخر كذلك وأبى شريكه: لم يجبر في الأصح. (أو) طلب أحدهما قسمة (العَرْصة عَرْضاً ولو وَسعِت حائطين) وامتنع شريكه: (لم يُجبر ممتنع) من القسمة في الأصح. قال في " الإنصاف ": وإن كان بينهما حائط: لم يجبر الممتنع من قَسْمِه. فإن استَهْدَم يعني: حتى بقي عرصة: لم يُجبر على قَسْمِ عَرْصَتِه. هذا أحد الوجهين، والمذهب منهما. انتهى. وقال في " المحرر ": وإن كان بينهما حائط أو عرصة حائط فقيل: لا إجبار في قسمتها بحال وهو الأصح. انتهى. قال شارحه: لأنه إن كان الحائط مبنياً لم تمكن قسمته عرضاً في تمام طوله بدون نقصه لينفصل أحدهما من الآخر وذلك لا يجوز الإجبار عليه. ولا طولاً في تمام العرض؛ لأن كل قطعة من الحائط ينتفع بها على حدتها والنفع فيها مختلف. فلا يجوز إجبار واحد منهما على ترك انتفاعه بمكان منه وأخذ غيره؛ كما لو كانا دارين أو عضادتين (١) متلاصقتين. وهذا بخلاف الأرض الواسعة فإن الانتفاع بالجميع منها على وجه واحد. وإن كان الحائط غير مبني فهو كالعرصة الضيقة، والعرصة الضيقة لا يجوز الإجبار في قسمتها فكذلك هذه. انتهى. وذلك ايضاً، (كمن بينهما دارٌ لها عُلوٌ وسُفل: طلب أحدهما) أي: أحد الشريكين في العلو والسفل (جعل السفل لواحد) منهما (والعُلوّ للآخر) وامتنع شريكه: لم يجبر الممتنع؛ لأن السفل والعلو يختلفان في المنفعة والاسم. ولو كان كل واحد منهما لواحد فباع أحدهما لم تجب الشفعة للآخر، فهما كالدارين المتلاصقين المشتركين إذا طلب أحدهما أن يقسما بينهما كل دار لواحد وأبى الآخر: لم يجبر الممتنع؛ لأنه طلب نقل حقه من عين إلى أخرى بغير رضاه فلا يجبر (٢) كذلك هنا (٣) .
следующие страницы →