← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

لأن هذا هو الظاهر كما قلنا في قماش البيت عند تنازع الزوجين فيه. وقال القاضي: إن كانت أيديهما على ما في الدكان إنما هو لضرورة أن يدهما على الدكان يد على ما فيه؛ كالمظروف مع الظرف فالحكم على ما تقدم؛ لكون ذلك في يدهما الحكمية. أما ما كان في يد أحدهما من طريق المشاهدة؛ كما لو كان ممسكاً بيده من ذلك شيئاً أو في حجره منه شيء فإنه يكون له بيمينه؛ لأن اليد المشاهدة أقوى من اليد الحكمية. وما في المتن هو المذهب. فأما إذا لم تكن لأحدهما يد حكمية؛ كما لو تنازع رجل وامرأة في عين غير قماش بينهما، أو تنازع صانعان في آلة ليست بدكانهما: فلا نرجح أحدهما بشيء مما ذكرنا. بل إن كانت في أيديهما فهي بينهما، وإن كانت في يد أحدهما فهي له بيمينه، وإن كانت في يد غيرهما ولم ينازع: اقترعا عليها. (وكل من قلنا) عن شيء (هو له فـ) إنما يكون له (بيمنيه)؛ لاحتمال صدق غريمه. ومحل ذلك: إن لم يكن لواحد منهما بينة. (ومتى كان لأحدهما بينة: حُكم له بها) ولم يحلف في الأصح؛ لحديث الحضرمي والكندي (١) . ولأن البينة أحد حجتي الدعوى. فيكتفى بها؛ كاليمين. وهذا قول أهل الفتيا من أهل الأمصار. وقال شريح والنخعي والشعبي ومن وافقهم: يستحلف الرجل مع بينته. قيل لشريح: ما هذا الذي أحدثت في القضاء؟ فقال: رأيت الناس أحدثوا فأحدثت. (وإن كان لكلٍّ) من المتنازعين في شيء (بينة) به، (وتساوَتا) أي: بينتاهما (من كل وجه تعارضتا وتساقطتا) يعني: أن البينتين تسقطان

стр. 5252

بالتعارض؛ لأن كل بينة تشهد بعكس ماتشهد به الأخرى فلا يمكن العمل بواحدة منهما فيتساقطان ويصيران كمن لا بينة لهما في الأصح. (فيتحالفان، ويتنَاصفان ما بأيديهما). والأصل في هذا الباب حديث أبي موسى " أن رجلين ادعيا بعيراً على عهد رسول الله ﷺ . فبعث كل واحد منهما بشاهدين. فقسّمه النبي ﷺ بينهما نصفين" (١) . رواه أبو داود. (ويُقرع) بين المتنازعين (فيما) أي: في شيء (ليس بيد أحد، أو) في شئ (بيد ثالث ولم يُنازِع) واحداً من المتداعين. فمن قرع صاحبه حلف وأخذه على الأصح؛ كما لو لم يكن لواحد منهما بينة. روي هذا عن ابن عمر وابن الزبير. وبه قال إسحاق وأبو عبيد. وهو رواية عن مالك وقديم قولي الشافعي؛ لما روى ابن المسيب " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أمرٍ. وجاء كل منهما بشهودٍ عدول على عين واحدة. فأسهم النبي ﷺ بينهما ". رواه الشافعي في "مسنده". ولأن البينتين حجتان تعارضتا من غير ترجيح لإحداهما على الأخرى. فسقطتا؛ كالخبرين. (وإن كن) الشيء المتنازع فيه (٢) (بيد أحدهما) أي: أحد المتنازعين فيه وقد أقام كل واحد منهما بينة أنه له: (حُكم به للمدَّعِي) على الأصح. (وهو: الخارج ببينته، سواء أُقيمت بينة منكر) أي: رب اليد (وهو: الداخل بعد رفع يده أوْ لا) يعني: أو لم تقم، (وسواء شهدت له) أي: لرب اليد: (أنها نُتِجت في ملكه، أو قطيعة من إمام أوْ لا) يعنى: أو لم تشهد بذلك على الأصح؛ لقول النبي ﷺ : " البينة على المدَّعِي. واليمين محلى المدَّعَى عليه " (٣) . فجعل جنس البينة في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المدعى عليه بينة.

стр. 5253

ولأن بينة المدعي أكثُر فائدة. فوجب تقديمها؛ كتقديم بيّنة الجَرح على التعديل. ودليل كثرة فائدتها: أنها تثبت سبباً لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت ظاهراً تدل اليد عليه. فلم تكن مفيدة (١) ؛ لأن الشهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف، فإن ذلك جائز عند كثير من أهل العلم فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فتُقدم عليها بينة المدعي كما تُقدم على اليد. كما أن شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الأصل لم يكن لهما مزية عليهما. ومن قدمنا بينته لم يحلف معها؛ لوجوب الحكم بها منفردة، كما لو تعارض خبران خاص وعام أو أحدهما أرجح بوجه من الوجوه. نقل الأثرم: ظاهر الأحاديث (٢) اليمين على من أنكر، فإذا جاء بالبينة فلا يمين عليه. (وتُسمعُ بَينتُه) أي: بينة رب اليد (وهو مُنكرٌ) صحة دعوى الخارج؛ (لادّعائه الملك) أي: ملك ما بيده. (وكذا من ادُّعي عليه تعدياً ببلد ووقت معيَّنين، وقامت به بينة وهو منكر فادَّعى كذبها، وأقام بينة: أنه كان به) أي: بالزمن (بمحلٍّ بعيد عن ذلك البلد). قال في "الانتصار": لا تسمع إلا بينة مدع باتفاقنا. وفيه: وقد تثبت في جنبة منكر. وهو: ما إذا ادعى عليه عيناً بيده فيقيم بينة بأنها ملكه وإنما لم يصح أن يقيمها في الدين؛ لعدم إحاطتها به. ولهذا لو ادعى بأنه (٣) قتل وليه ببغداد يوم الجمعة فأقام بينة أنه كان فيه بالكوفة صح. (ولا تُسمع بينةُ داخلٍ، مع عدم بينة خارجٍ)؛ لعدم حاجته إليها؛ كما لو أقر مدعى عليه فإنه لا تسمع بينة مدع لعدم حاجته إليه.

стр. 5254

(ومع حضور البينتين، لا تُسمع بينة داخل قبل بينة خارج وتعديلها). قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وفيه احتمال. (وتسمع بعد التَّعديل: قبل الحكم، وبعده: قبل التسليم) وتُقدم بينة الخارج على الأصح. (وإن كانت بينة المنكر غائبة حين رفعْنا يده، فجاءت وقد ادَّعى مِلكاً مطلقاَ: فهى بينةُ خارجٍ. وإن ادَّعاه) أي: ادعى الملك (مستنِداً لما قبْل يدِه: فبينةُ داخلٍ). قال في " الترغيب ": ولو لم يكن للمنكر بينة حاضرة فرفعنا يده فجاءت بينته يعني: بينة المنكر: فإن ادعى ملكاً مطلقاً فبينة خارج، وإن ادعاه مستنداً إلى قبل رفع يده فبينة داخل. قال في " الفروع ": والمراد فمن يقدم بينة الداخل يقدمها وينقض الحكم ببينة الخارج. والمراد: إن كان يرى تقديمها عند التعارض؛ لأنه إنما حكم بناء على عدم بينه داخل فقد تبين إسناد ما يمنع (١) الحكم إلى حالة الحكم وهذا الأشهر للشافعية. انتهى. (وإن اقام الخارج بينةً: أنه اشتراها من الداخل، وأقام الداخل بينة: أنه اشتراها من الخارج قُدّمت بينة الداخل) في الأصح؛ (لأنه الخارج معنى)؛ لأنه ثبت بالبينة أن المدعي صاحب اليد، وأن يد الداخل ثابتة عنده. (وإن أقام الخارج بينة: أنها ملكه، و) أقام (الآخر) (٢) الذي العين بيده: (أنه) أي: أن الخارج (باعها منه) أي: من رب اليد، (أو وقفها عليه) أي: على من العين بيده، (أو) كان المدعى به استرقاق أمة أقرت له بالرق قبل الدعوى فأقامت بينة أنه (أعتقها قُدّمت) البينة (الثانية)؛ لأنها تشهد بأمر حادثٍ على الملك خفي، فثبت الملك للأول والبيع أو الوقف أو العتق منه، (ولم

стр. 5255

تَرفع بينة الخارج يده) أي: يد المدعى عليه؛ (كقوله: أبرأَني من الدَّين) ويقيم بذلك بينة. (أما لو قال: لي بينة غائبة) يعني: بالبيع أو الوقف أوالعتق، (طُولب بالتسليم) أي: تسليم المدعى به مع قيام البينة به؛ (لأن تأخيره يطول) وقد يكون كاذباَ. (ومتى أُرّختا) أي: بينة كل واحد من المتنازعين (والعيُن) يعني: والحال أن العين (بيدَيْهما) أي: يد المتنازعين فيها (في شهادةٍ بملك) بأن قالت إحدى البينتين: نشهد أن هذه العين ملك هذا في وقت كذا، وقالت الأخرى: نشهد أن هذه العين ملك هذا في وقت كذا، (أو) في شهادة بـ (يد، أو) أرخت (إحداهما فقط) يعني: ولم تؤرخ الأخرى: (فهما) أي: فالبينتان (سواء) في الأصح؛ لما روى أبو موسى " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين. فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما نصفين (١) " (٢) . رواه أبو داود. ولأن كل واحد منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها فتقدم (٣) بينة كل واحد منهما فيما بيده عند من يقدم بينة الداخل، وفيما بيد صاحبه عند من يقدم بينة الخارج فيستويان على كل واحد من القولين. وقال القاضي: إن أُرختا قدم أسبقهما تاريخاً؛ لأن من شهدت له بينة بالتاريخ المتقدم أثبتت له الملك في وقتٍ لم تعارضه فيه البينة الأخرى، وتعارضت البينتان في الملك في الحال فسقطتا، وبقي ملك السابق تحت استدامته. وما في المتن المذهب.

стр. 5256

ووجهه: أن الشاهد بالملك الحادث أحق بالترجيح؛ لجواز أن يعمل به دون الأول؛ بدليل أنه لو ذكر (١) أنه اشتراه من الآخر أو أنه وهبه إياها (٢) لقدمت (٣) بينته بذلك اتفاقاً. فإذا لم يرجح بها فلا أقل من التساوي. وفيما إذا أفتت الأخرى ما يقتضي الترجيح من تقدم إحدى البينتين وأطلقت الأخرى قول: أنه يحكم بالعين لمن لم تؤقت بينته. وما في المتن هو المذهب؛ لأنه ليس في أحدهما ما يقتضي الترجيح من تقدم الملك ولا غيره. فوجب استواؤهما؛ كما لو أطلقا. (إلا أن تشهد المتأخرة) تاريخاً فيما إذا أُرختا (بانتقاله) أى: انتقال الملك (عنه) أي: عمن شهدت بينته بالملك في تاريخ متقدم. (ولا تقدم إحداهما) أي: إحدى البينتين على الأخرى (بزيادة نَتاج) يعني: في صورة ما إذا شهدت إحدى البينتين أن الدابة المتنازع فيها نتجت في ملكه بأن شهدت أنها بنت (٤) فرسه أو بنت بقرته ونحوه، (أو سببِ ملك) يعني: أنه لا تقدم البينة الشاهدة بسبب الملك على البينة الشاهدة بالملك فى دون سببه في الأصح في الصورتين؛ لأن البينتين تساوتا فيما يرجع إلى المختلف فيه وهو ملك العين الآن. فوجب تساويهما في الحكم. (أو اشتهارِعدالةٍ) يعني: أنه لا تقدم إحدى البينتين على الأخرى باشتهار عدالتها، (أو كثرةِ عددٍ)؛ كما لو كانت إحدى البينتين أربعة رجال والأخرى رجلين، (ولا) يقدم (رجلان على رجلٍ وامرأتين، أو) على رجل (ويمين) في الأصح؛ لأن الشهادة مقدَّرة بالشرع فلا تختلف بالزيادة. ولأن كل واحد من ذلك حجة بمفرده. فأشبه الرجلين مع الرجل والمرأتين.

стр. 5257

(ومتى ادَّعى أحدُهما) أي: أحد المتنازعين في عين: (أنه اشتراها من زيد وهي مِلكُه، و) ادَّعى (الآخر: أنه اشتراها من عمرو وهي مِلكُه، وأقاما بذلك بينتين) أي: أقام كل واحد بينة بما ادعاه: (تعارضَتَا) إن لم تكن العين بيد أحدٍ. ثم إن كانت العين بأيديهما تحالفا وتناصفاها، وإن كانت بيد ثالث أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وأخذها. وإن كانت بيد أحدهما انبنى على الروايتين في تقديم بينة الخارج أو الداخل. وإن كانت بيد أحد البائعين فأنكرهما وادعاها لنفسه حلف وكانت له؛ لتساقط البينتين. وإن أقر بها لأحدهما صار المقر له كداخل، والآخر كخارج. وفي ذلك تفصيل يأتي في المتن. (وإن شهدت إحداهما) أي: إحدى البينتين (بالملك) لأحد المتنازعين، (و) شهدت البينة (الأخرى بانتقاله عنه له) أي: بانتقال الملك عنه للآخر؛ (كما لو أقام رجل بينة: أن هذه الدار لأبي خلَّفها ترِكَة، وأقامت امرأته) أي: امراة أبيه (بينة: أن أباه أصْدَقَها إيَّاها) أي: أصدقها الدار (قُدمت الناقلةُ) وحُكم (١) بالدار للمرأة؛ لأن بينتها شهدت بالسبب المقتضى لنقل الملك، وقول الابن: أن أباه خلّفها تركة لا يعارضها؛ لأن مستندها استصحاب الملك وقد تبين قطعه بقيام البينة على سبب النقل فقدمت؛ (كبينة ملكٍ على بينة يدٍ). فإن بينة الملك تقدم على بينة اليد التي هي دليل الملك بغير خلاف. ***

стр. 5258

[فصل: إذا كانت العين بيد ثالث] (فصل) الحال (الرابع: أن تكون) العين المنتازع فيها (بيد ثالث) أي: غير المتنازعين فيها. (فإن) ادعياها على الثالث (١) و (ادَّعاها) الثالث (لنفسه: حلف لكل واحدٍ) من المتداعيين (يميناً) بغير خلاف؛ لأن المدعيين اثنان فوجب أن يحلف لكل واحد يميناً. (فإن نكل عنهما) أي: عن اليمينين: (أخذاها) أي: أخذا العين المتنازع فيها (منه) أي: من الثالث، (و) أخذا منه أيضاً (بدلها) وهو: قيمتها إن كانت متقومة، ومثلها إن كانت مثلية؛ لأن العين تلفت بتفريطه وهو ترك اليمين للأول. فوجب عليه بدلها؛ كما لو أتلفها، (واقترعا عليهما) أي: على العين وبدلها؛ لأن المحكوم له بالعين غير معين. فوجبت القرعة؛ لتعيينه. (وإن أقرَّ بها) أي: أقر الثالث بالعين (لهما) أي: بأن قال: هي للاثنين: أخذاها منه و (اقتسماها) نصفين، (و) لكل واحد منهما تحليفه على ذلك. فمتى طلبا يمينه (حلف لكل) منهما (يميناً بالنسبة إلى النصف الذي أقرَّ به لصاحبه)؛ لأن كل واحد منهما يدعي الزيادة على ما أقر له به من النصف، فهو في النصف الآخر مقر لغيره فيجب عليه اليمين لصاحبه؛ كما لو أقر بجميع العين لأحدهما فإنه يجب عليه يمين للآخر، (وحلف كل) من المدعيين (لصاحبه على النصف المحكوم له به)؛ كما لو كانت العين بأيديهما ابتداء. (وإن نكَل المقرُّ) بالعين لهما (عن اليمين لكلٍ منها) أي: من المدعيين للعين: (أُخذ منه بدلُها، واقتسماه أيضاً)؛ كما لو أقر لكل منهما بالعين.

стр. 5259

(و) إن أقر (لأحدهما بعينه) أي (١) : بالعين جميعها: (حلف) المُقَر له أنه لا حق لغيره فيها، (وأخذها)؛ لأنه لما أقَر له من هي في يده صارت العين كأنها في يده. فيكون الآخر مدعياً عليه وهو منكر له، فيحلف له لنفي دعواه، (ويحلفُ المقِرُّ للآخر) أي: للمدعي الآخر في الأصح إن التمس يمينه؛ لأنه يمكن أن يخاف من اليمين فيقر للآخر. (فإن نكل) عن حلفه للآخر: (أُخذ منه بدلُها) أي: بدل العين بالحكم بنكوله. (وإذا أخذها) أي: أخذ العين (المقرُّ له) بها بمقتضى إقرار من هي بيده له، (فأقام) المدعي (الآخر بينة) أنها ملكه: (أخذها منه) أي: من المقَر له؛ لثبوت الملك لمن شهدت البينة بملكه. قال في " الروضة ": (وللمُقَرّ له قيمتُها على المقِرّ) ولم يعرف ذلك لغير صاحب "الروضة ". (وإن قال) من العين بيده: (هي لأحدهما) أي: أحد المدعيين (وأجهَلَه فصدَّقاه) على جهله بمستحقها منهما: (لم يحلف)؛ لأنهما مصدقان له في دعواه فلا يمين. (وإلا) أي: وإن لم يصدقاه: (حلف) لهما (يميناً واحدة)؛ لأن صاحب الحق منهما واحد غير معين ولا يلزمه اليمين إلا بطلبهما جميعاً؛ لأن أحدهما لم يتعين مستحقاً لليمين، (ويُقرَعُ بينهما) أي: بين المدعيين للعين، (فمن قرع) صاحبه: (حلف وأخذها) نص عليه؛ لأن أبا هريرة روى " أن رسول الله ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا. فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف " (٢) . رواه البخاري. وفي لفظ: " أن رجلين تداعيا في دابة ليس لواحد منهما بينة. فأمر (٣)

стр. 5260

رسول الله ﷺ أن يستهما (١) على العين أحبا أو كرها " (٢) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. ولأن صاحب اليد أَقر بها لأحدهما لا بعينه، فصار ذلك المقَر له هو صاحب اليد دون الآخر، فبالقرعة يتعين المقر له فيحلف على دعواه. فيستحق؛ كما لو أقر له عيناً. (ثم إن بيَّنَهُ) أي. بين من كانت العين بيده المستحق لها بعد قوله: هي لأحدهما وأجهله (٣) . (قُبِل)؛ كتبيينه ابتداء. ونقل الميمونى: إن أبى اليمين من قرع أخذها أيضاً أي: بلا يمين. وقيل لجماعة من أصحابنا: لا يجوز أن يقال ثبت الحق لأحدهما لا بعينه بإقراره وإلا لصحت الشهادة لأحدهما لا بعينه، فقالوا: الشهادة لا تصح لمجهول ولا به. يعني: بخلاف الإقرار. (ولهما) أي: للمدعيين اللذين قال من العين بيده: هي لأحدهما وأجهله (القرعةُ بعد تحليفه الواجبِ وقبلَه) أي: قبل تحليفه؛ لأن القرعة لا تتوقف على يمينه ولذلك لو صدقاه لم تسقط القرعة، فهي سواء بالنسبة إلى اليمين قبلها وبعدها. (فإن نكل) من كانت العين بيده عن حلفه أنه لا يعلم عين المستحق للعين: (قُدّمت القرعة)؛لأن القرعة؛ تعين المقر له. فإذا خرج كان كمن أقر له فلا يمين له عليه؛ لأنه قد أخذ حقه فلم يبق له حق آخر. (ويحلف للمَقْروع إن كذَّبه) في عدم العلم؛ لأنه متى صدقه لم يكن له عليه يمين فيحلفه. (فإن نكل: أُخذ منه بدلُها) كما قلنا فيما إذا أقر لواحد منهما دون الآخر.

стр. 5261

(وإن أنكرهما) أي: أنكر من العين في يده كونها لهما أو لأحدهما (ولم يُنازع: أُقرع) بين المدعيين. قال في "الفروع": وإن أنكرهما الثالث ولم ينازع فنقل الجماعة وجزم به الأكثر: يقرع؛ كإقراره لأحدهما لا بعينه. وفي " الواضح ": وحكي عن أصحابنا: لا يقرع؛ لأنه لم يثبت لهما حق؛ كشهادة البينة بها لغيرهما، وتقر بيده حتى يظهر ربها. وكذا في "التعليق"منعاً. أومأ إليه أحمد ثم تسليماً. (فلو عُلم أنها للآخر) الذي خرجت القرعة لصاحبه: (فقد مضى الحكم) لمن خرجت له القرعة. قال في "الفروع": فعلى الأول إن اخذها من قرع ثم علم أنها للآخر فقد مضى الحكم. نقله المروذي. (وإن كان لأحدهما) أي: لأحد المدعيين (بينة: حُكم له بها)؛ كما لو أنكرهما رب اليد ونازع. (وإن كان لكلٍّ) من المدعيين (بينة: تعارضتَا)؛ لتساويهما في عدم اليد. فتسقطان بالتعارض؛ لأن كل واحدة تشهد بعكس ما تشهد به الأخرى فلا يمكن العمل بواحدة منهما، (سواء أقرَّ لهما) رب اليد، (أو) أقرَّ (لأحدهما لا بعينه، أو) كانت العين المدعى بها (ليست بيد أحد) فيصيران كمن لا بينة لهما على الأصح. (وإن أنكرهما) رب اليد (فأقاما بيّنتين، ثم أقرَّ لأحدهما بعينه: لم ترجح) بينة المقر له (بذلك، وحُكْم التعارضِ بحاله)؛لأنهما بينتان قامتا على ما ليس في يديهما. فلا تترجح واحدة منهما برجوع اليد إلى صاحبها؛ لأنها يد طارئة فلا عبرة بها، (وإقرارُه) [لأحدهما بعينه] (١) (صحيح) على المذهب.

стр. 5262

وهو رواية التساقط. فيعمل به؛ كما لو لم يكن لواحد منهما بينة، وأقر من العين بيده لواحد منهما. (وإن كان إقراره) لأحدهما (قبل إقامتهما) البينتين: (فالمقَرُّ له كداخل)؛ لأن اليد انتقلت إليه بإقرار من هي في يده له، فهو كما لو كانت بيده ابتداء، (والآخر كخارج)؛ لأنها ليست بيده حقيقة ولا حكماً. (وإن لم يدَّعِها) أي: وإن لم يدع العين لنفسه من هي بيده، (ولم يُقرّض بها لغيره، ولا بينة) لواحد من المدعيين: (فهى لأحدهما بقُرعة). فمن قرع صاحبه حلف وأخذها؛ لأنهما تساويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما ولا يد، والقرعة تميز عند التساوي؛ كما لو أعتق في مرض موته عبيداً لا مال له غيرهم. (فإن كان المدَّعَى به مكلَّفاً، وأقاما بينةً برِقّه) أي: أقام المدعيان بينة برقه، (وأقام) الرقيق (بينة بحريَّتِه: تعارضتا). قال في " الفروع ": وإن ادعيا رقَّ بالغٍ ولا بينة فصدقهما فهو لهما، وإن صدق أحدهما فهو له كمدَّعٍ واحد. وفيه رواية ذكرها القاضي وجماعة. وعنه: لا يصح إقراره؛ لأنه متهم. نصره القاضي وأصحابه. وإن جحد قُبل قوله. وحكي: لا. وإن أقاما بينتين تعارضتا. ثم إن أقرَّ لأحدهما لم يرجح به على رواية استعمالهما. وظاهر " المنتخب ": مطلقاً؛ لأنه إن كان حراً لم يصح إقراره بالعبودية، وإن كان مملوكاً فلا يَدَ له على نفسه. وإن أقاما بينة برقه وأقام بينه بحريته تعارضتا. وقيل: تقدم بينة الحرية. وقيل: عكسه. انتهى. (وإن لم يدَّع حريةً، فأقرَّ لأحدهما: فهو له. و) إن أقر (لهما: فهو لهما.

стр. 5263

وإلا) أي: وإن لم يكن مكلفاً حين قال: أنا عبدهما أو أنا عبد أحدهما: (لم يُلتفت إلى قوله) (١) أي: إلى إقراره بالرق؛ لعدم إقرار غير المكلف. (ومن ادَّعى داراً و) ادعى (آخرُ نصفها، فإن كانت) الدار (بأيديهما) أي: أيدي المدعيين، (وأقاما بينتين) أي: أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه: (فهى لمدَّعِي الكل) بناء على المذهب في تقديم بينة الخارج؛ [لأن مدعي النصف [مقر بالنصف] (٢) الآخر لصاحبه فلا منازع له فيه، والنصف الآخر يدعيه صاحب الكل ويد صاحب النصف عليه لاستوائهما في اليد. فإذا قلنا تقدم بينة الخارج] (٣) فهو له؛ لأنه هو الخارج. (وإن كانت) الدار (بيد ثالث، فإن نازع) الثالث: (فلمدع كلها نصفٌ)؛ لأن مدعي صاحب النصف مقر بعدم استحقاقه، (و) النصف (الآخر لرب اليد بيمينه) في الأصح؛ لأنه صاحب اليد وهو مدعى عليه ولا بينة للمدعي (٤) ؛لأن البينتين سقطتا للتعارض. (وإن لم يُنازع) الثالث: (فقد ثبت أخذ نصفها لمدَّعي الكل)؛لما ذكرنا، (ويقترعان علي) النصف (الباقي)،بناءاً على المذهب في تساقط البينتين، ولكونه في يد غير المدعيين. (وإن لم تكن بينة) لواحد منهما وهي بيد ثالث ولم ينازع: (فلمدَّعي كلّها نصفها)؛ لأنه لا منازع (٥) له فيه، (و) يقترعان على النصف الباقي. ثم (من قرع) أي: خرجت له القرعة (في النصف) الباقي: (حلف) أنه لا حق للآخر فيه (وأخذه)؛ لأن النصف الباقي هو المتنازع فيه، والقاعدة في مثل ذلك: القرعة. وتقدم (٦) دليل ذلك.

стр. 5264

(ولو ادَّعى كلٌ) منهما (نصفها) أي: نصف الدار أو نحوها، (وصدَّق من بيده العينُ أحدِهما) أي: أحد المدعيين، (وكذَّب الآخر، ولم يُنازع) في نصف الذي كذبه: أخذ المصدق نصفه، وأما النصف الآخر (فقيل: يُسلَّّم إليه) أي: إلى مدعيه؛ لأنه لا مدعي له غيره. (وقيل: يَحفظه حاكمٌ)؛ كالمال الضائع. (وقيل: يُبقَى بحالِه) بيد من هو بيده حتى يظهر مستحقه.، ***

стр. 5265

[فصل: مسائل في تعاوض البينتين] (فصل. ومن بيده عبد ادّعَى: أنه اشتراه من زيد، وادَّعى العبد: أن زيداً أعتقه)، وأقام كل واحد منهما بما ادعاه بينة: صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ. (أو ادَّعى شخص: أن زيداً باعه) هذا العبد، (أو وهبه له، وادَّعى آخرُ مثلَه، وأقام كلٌ) منهما (بينةً) بصحة دعواه: (صحَّحنا أسبَق التصرُّفين: إن عُلِم التاريخ)؛ لأن التصرف الثانى صادف ملك غيره. فوجب أن يبطل لذلك. (وإلا) بأن جُهل التاريخ أو اتفق البينتان على تاريخ واحد: (تساقطتا) أي: بينتاهما في الأصح؛ لأنه لا مرجح لواحدة منهما. (وكذا: إن كان العبد بيد نفسه) على الأصح إلغاءً لهذه اليد للعلم بمستندها. نص على ذلك أحمد. واختاره أبو بكر؛ لأنا نعلم أن هذه اليد مستندها الدعوى، والدعوى لم تثبت فتكون اليد عادِيَة فلا ترجح بذلك؛ كما لو كان في يده عبد فادعى أنه اشتراه من زيد فأنكره زيد، فإنه لا يحكم بهذه اليد كذلك هذا (١) . (ولو ادَّعيا) أي: ادعى اثنان (زوجيَّة امرأة) فأنكرتهما، أو أنكرت أحدهما دون الآخر، (وأقام كلٌ) منهما (البينة) بدعواه، (ولو كانت) المرأة (بيد أحدهما) أي: أحد المتداعيين؛ لأن اليد لا تثبت على الحرة: (سقطتَا) يعنى: البينتين، لأن كل واحدة تشهد بضد ما تشهد به الأخرى. فكانا كمن لابينة لهما. قاله في " شرح المقنع ": إذا ادعى رجل زوجيَّة امرأة فأَقرت بذلك: قُبل إقرارها؛ لأنها أقرت على نفسها وهي غير متهمة؛ لأنها لو أرادت ابتداء النكاح

стр. 5266

لم تمنع منه. فإن ادَّعاها اثنان فأَقرت لأحدهما لم يقبل منها؛ لأن الآخر يدعي ملك نصفها وهي معترفة أن ذلك قد ملك عليها فصار إقرارها بحق غيرها. ولأنها متهمة فإنها لو أرادت ابتداء تزويج أحد المتداعيين لم يكن لها قبل الانفصال من دعوى الآخر. فإن قيل: فلو تداعيا عيناً في يد ثالث فأقر لأحدهما قُبل؟ قلنا: لا يثبت الملك بإقراره في العين إنما نجعله كصاحب اليد فيحلف، والنكاح لا يُستحق باليمين فلا يقع الإقرار به هاهنا. فإن كان لأحد المدعيين بينة حُكم له بها؛ لأن البينة حجة في النكاح وغيره. وإن أقاما بينتين تعارضتا وسقطتا، وحيل بينهما وبينها، ولا يرجح أحد المتداعيين بإقرار المرأة لما ذكرنا، ولا بكونها في بيته ويده؛ لأن اليد لا تثبت على حرة، ولا سبيل إلى القسمة هاهنا، ولا إلى القرعة؛ لأنه لا بد مع القرعة من اليمين. ولا مدخل لها هاهنا. انتهى. (ولو أقام كلٌّ ممن العين بيدَيْهما بينةً بشرائها من زيد، وهي ملكه) يعني: والعين ملك زيد (بكذا، و) قد (اتَّحد تاريخهما: تحالفا، وتناصفاها)؛ لأن بينة كل واحد منهما داخلة في أحد النصفين خارجة في النصف الآخر. فكانت العين بينهما نصفين. (ولكل) منهما (أن يرجع على زيد بنصف الثمن) الذي وقع عقده عليه إن كان قبضه. (و) لكل منهما أيضاً (أن يفسخ) العقد؛ لأن الصفقة تبعَّضت في حقه، (ويرجع بكلّه) أي: بكل الثمن مع فسخ العقد. (و) لكل منهما أيضاً (أن يأخذ كلَّها) أي: كل العين بكل الثمن (مع فسخ الآخر) العقد فيما يملكه من العين. (وإن سبق تاريخ) بينة (أحدهما: فهى له)؛ لأن نقل الملك حاصل لمن سبق. فوقوع العقد بعد ذلك لا يصح، (وللثاني) على زيد (الثَّمن) إن كان قبضه.

стр. 5267

(وإن أَطلَقتا) أي: بينتاهما (أو إحداهما: تعارضتَا في ملكٍ إذاً، لا في شراءٍ)؛ لجواز تعدده، (فيُقبل من زيد دعواها) لنفسه (بيمينٍ) واحدة في الأصح (لهما): أن العين لم تخرج عن ملكه. (وإن ادَّعى اثنان ثمن عين بيد ثالث، كلٌّ منهما) يذكر في دعواه: (أنه اشتراها) كلها (منه بثمن سمّاه) كل واحد في دعواه. (فمن صدَّقه) منهما من بيده العين (١) : أخذ ما ادعاه من الثمن، (أو) من (أقام) منهما (بينة) بدعواه: (أخذ ما ادَّعاه) من الثمن. (وإلا) أي: وإن لم يصدق واحداً منهما ولم تقم بينة لواحد منهما: (حلف) لكل واحد منهما يميناً؛ لجواز تعدد العقد. (وإن أقاما بينتين وهو منكِر) دعواهما (٢) ، (فإن اتَّحد تاريخُهما) أي: تاريخ ما شهدت به البينتان: تعارضتا و (تساقطتا)؛ لعدم إمكان الجمع بينهما. ويكون كما لو ادعيا عيناً في يد ثالث وأقاما بينتين. (وإن اختلف) تاريخهما بأن قالت إحدى البينتين: اشتراها منه في المحرم، وقالت الأخرى: اشتراها منه في رجب، (أو أطلقتَا) باًن قالت كل واحدة من البينتين: نشهد أنه اشتراها منه بكذا ولم تذكر واحدة منهما تاريخاً، (أو) أطلقت (إحداهما) دون الأخرى بأن قالت إحداهما: نشهد أنه اشتراها منه بكذا ولم تذكر تاريخاً، وقالت الأخرى: نشهد أنه اشتراها منه بكذا في شهر رمضان: (عُمِل بهما) أي: بالبينتين؛ لأن ظاهر هذا أنهما عقدان شهد بهما بينتان في عين واحدة على مشترٍ واحد. وعقد الشراء فيه دليل على اعتراف المشتري للبائع بالملك. ومن الجائز أن يكون اشتراه من الأول ثم انتقل عنه ببيع أو هبة إلى الثاني ثم اشتراه مرة ثانية. فيعمل بالبينتين ويجب عليه الثَّمنان (٣) المدعى بهما.

стр. 5268

(وإن) كانت بيد إنسان عين فجاء اثنان يدعيانها (قال أحدهما: غصَبَنِيها، و) قال (الآخر: ملَّكنيِها، أو) قال الآخر: (أقرَّ لي بها، وأقاما بينتين) أي: أقام كل واحد منهما بينة تشهد له بما ادعاه: (فهى للمغصوب منه) يعني: فالعين لمن شهد بالغصب منه؛ لأن عند بينة الغصب زيادة علم وهو سبب ثبوت اليد، والبينة الأخرى إنما تشهد بتصرفه فيها فلا معاوضة بينهما فيأخذ، (ولا يَغرم) المدعى عليه (للآخر) الذي ادعى أنه ملكه العين أو أقر بها (شيئاً)؛ لأنه لا يوجد منه ما يعود به عليه. وإنما بطل التمليك أو الإقرار؛ لثبوت الملك لغيره بغير فعله. بخلاف البيع فإنه يجب عليه رد الثمن؛ لأنه أخذ بغيرحق. وإن قال كل واحد من المدعيين: غصبنيها وأقاما بذلك بينتين، فالحكم فيها كالحكم فيما إذا ادعى كل واحد منهما أنه اشتراها منه على ما مضى من التفصيل. (وإن ادَّعى) رب دار على آخر: (أنه آجره البيت) أي: بيتاً معيناً من الدار (بعشرة، فقال المستأجر: بل) آجرتني (كلَّ الدار) بالعشرة، (وأقاما بينتين) تشهد كل واحد لمن أقامها بما ادعاه: (تعارضتا، ولا قِسمةَ هنا). قدمه في"المغني"و"الشرح"و"الرعاية الكبرى ". وقيل: تقدم بينة المستأجر للزيادة. وأطلقهما في " الفروع ". فائدة: قال في " شرح المقنع ": نقل ابن منصور عن أحمد في رجل أخذ من رجلين ثوبين أحدهما بعشرة والآخر بعشرين، ثم لم يدر أيهما ثوب هذا من ثوب هذا. فادعى أحدهما ثوباً من هذين الثوبين، وادعاه الآخر: يقرع بينهما. فأيهما أصابته القرعة حلف وأخذ الثوب الجديد والآخر للآخر. وإنما قال ذلك؛ لأنهما تنازعا ثوباً بيد غيرهما. انتهى. ***

стр. 5269

[باب: في تعارض البينتين] هذا (باب في تَعارُض البينتين. وهو: التَّعادُل من كلّ وجه). يقال: تعارضت البينتان إذا تقابلتا (١) . وعارض زيد عمراً: إذا أتاه بمثل ما أتاه به. وتساقط البينتين هو: اختلافهما بأن تُثبت كل واحدة ما تنفيه الأخرى. فلا يمكن العمل بواحدة منهما فيسقطان. (من قال لقِنّه) من ذكر أو أنثى: (متى قُتلتُ فأنت حر، لم تُقبل دعوى قنّه) بعد موت سيده (قَتْلَه) أي: أنه مات مقتولاً (إلا ببينة)؛ لأن الأصل عدم القتل، (وتُقدَّم) بينة القن أنه مات مقتولاً (على بينة وارثٍ) إن أقام الوارث بينة أنه مات حتف أنفه في الأصح؛ لأن بينة القن تشهد بزيادة وهو القتل. وإذا ادعى القن أنه مات مقتولاً ولم تكن له بينة كان له تحليف الورثة على نفي القتل (٢) . (وإن) قال من له عبدان: (متُّ في المحرم فسالم حر، و) إن متُّ (في صفر فغانم حر). ثم مات (وأقام كلٌ) من العبدين (بينةً بموجب عتقه: تساقَطَتا) أي: بينتاهما (ورُقَّا) في الأصح، لأن بينة كل واحد منهما تنفي ما شهدت به الأخرى. ولجواز أن يكون مات في غير المحرم وصفر؛ (كما لو لم تقم بينة) لواحد منهما (وجهل وقتُه) أي: وقت موته. (وإن عُلم موته في أحدهما) أي: أحد الشهرين، وجهل هل هو المحرم أو

стр. 5270

صفر: (أُقرع) بين العبدين. فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر. (و) إن قال: (إن متُّ في مرضي هذا فسالم حر، وإن برئتُ) منه (فغانم) حر. ثم مات (وأقاما بينتين) أي: أقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه: (تساقطَتَا) أي: بينتاهما (ورُقَّا) في الأصح. وحكاه في "المقنع" عن الأصحاب؛ لأن كل واحدة من البينتين تنفي ما شهدت به الأخرى. ثم قال في "المقنع": والقياس: أن يعتق أحدهما بالقرعة. وزيف في " شرح المقنع " ما نقله عن الأصحاب. (وإن جُهل: مِم َّ (١) مات؟ ولا بينة أقرع) بين العبدين. فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر؛ لأنه لا يخلو من أن يكون برئ أو لم يبرأ. فيعتق أحدهما على كل حال ولم يعلم عينه. فيخرج بالقرعة؛ كما لو أعتق أحدهما وأشكل علينا. (وكذا إن أتَى بـ "مِنْ" بدلَ "في") بأن قال: إن مت من مرضي هذا فسالم حر، وإن برئت منه فغانم حر (في) صورة (التعارض). وهي: ما إذا أقام سالم بينة أن سيده مات من مرضه الذي علق فيه، وأقام غانم بينة أنه لم يمت منه. فإن بينتاهما تتعارضان ويبقيان على الرق في الأصح، لاحتمال أن يكون مات في المرض بحادث. ومتى كان العتق متوقفاً على شرط فلا بد من وجود الشرط يقيناً. (وأما في صورة الجهل) وعدم البينة: (فيَعتِقُ سالم) في الأصح؛ لأن الأصل دوام المرض وعدم البرء. (وإن شَهِدَت على ميت بينة: أنه وصَّى بعتق سالم، و) شهدت بينة (أخرى) عليه: (أنه وصَّى بعتق غانم، وكل واحد) من سالم وغانم (ثلثُ ماله، ولم تُجِز الورثة) عتقهما معاً: (عتَقَ أحدُهما بقُرعة) في الأصح؛ لأنه لم تترجح بينة أحدهما على الأخرى، والقرعة مرجحة بدليل الإمامة في الصلاة.

стр. 5271

وقال أبو بكر وابن أبي موسى: يعتق نصف كل واحد منهما بغير قرعة؛ لأن القرعة إنما تجب إذا كان أحدهما عبداً والآخر حراً ولا كذلك هاهنا. فيجب أن تقسم الوصية بينهما، ويدخل النقص على كل واحد منها بقدر وصيته؛ كما لو أوصى لاثنين بمال. وجوابهما: أن الإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت. وقد ثبت في الإعتاق في مرض الموت: أنه يقرع بينهما؛ لحديث عمران بن حصين (١) . كذلك بعد الموت. ولأن المعنى المقتضي في أحد العبدين في الحياة موجود بعد الموت فيثبت. وعلم مما تقدم أن الورثة إذا أجازوا الوصيتين عتقا؛ لأن الحق لهم. فأشبه ما لو أعتقوهما بعد موته. (ولو كانت بينة غانمٍ وارثةً فاسقةً)، ولم تكذب الأجنبية: (عتَق سالم) بلا قرعة؛ لأن بينة سالم العادلة لا تعارضها بينة غانم الفاسقة، (ويعتِقُ غانم بقُرعة) بأن يكتب في رقعة: يعتق، وفي رقعة أخرى: لا يعتق وتُدرج كل رقعة في بُندقة من شمع أو طين بحيث لا تتميز إحداهما من الأخرى، ويقال لمن لم يحضر ذلك: أخرج بُندقة. فإن خرجت التي فيها: يعتق عتق، وإن خرجت الأخرى: لم يعتق. ووجه ذلك: أن البينة الوارثة مقرة بالوصية بعتق غانم أيضاً فاقتضى ذلك القرعة بين العبدين. لكن لما كانت بينة سالم عادلة عتق أولاً؛ لعدم المعارض، وأعتقنا غانماً بخروج القرعة له. (وإن كانت) الوارثة (عادلةٍ، وكُذّبتْ) البينة (الأجنبيَّةَ: عُمل بشهادتها، ولَغَا تكذيبُها) الأجنبية. (فينعكسُ الحكم) فيعتق غانم بلا قرعة ويقف عتق سالم على القرعة؛ لأن تصديقها أو تكذيبها للأخرى غير معتبر في

стр. 5272

حق المشهود له. لكن شهادتها إذا كانت عادلة معتبرة فيعتق غانم لشهادتها بعتقه وإقرارها أنه لم يعتق سواه، ويقف عتق سالم على القرعة؛ كما لو شهد بذلك البينتان من غير تكذيب. (ولو كانت) البينة الوارثة (فاسقةً، وكذَّبت) العادلةُ الأجنبيةَ، (أو شَهِدَت برجوعه عن عتقِ سالمٍ: عَتقا). أما عتق سالم؛ فلأنه لم يثبت عتق غانم. وأما عتق غانم؛ فلإقرارها بعتقه دون الآخر. ولأن شهادتها بالرجوع عن الوصية بعتق سالم يتضمن الإقرار بالوصية بعتق غانم وحده، فهو كما لو كانت مكذبة للأخرى. (ولو شهدت) الوارثة (برجوعه) عن عتق سالم، (و) الحال: أنه (لا فِسْقَ ولا تكذيب) يعني: أنها ليست فاسقة ولا مكذبة للبينة التي شهدت بأنه أوصى بعتق سالم: (عتق غانم) وحده؛ لأنها بينة عادلة شهدت بالرجوع عن الوصية بعتق سالم وليست متهمة فقبلت؛ (كأجنبية) يعني: كما لو كانت اجنبية؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما [نفعاً بشهادتهما بالرجوع، ولا يدفعان بذلك عن أنفسهما ضرراً. فإن قيل: إن الشاهدان برجوعهما عن عتق سالم يجران إلى أنفسهما] (١) ولاء غانم؟ قيل: وهما يسقطان ولاء سالم أيضاً. على أن الولاء إنما هو سبب ثبوت الميراث. ومثل ذلك لا ترد الشهادة فيه كما يثبت النسب بالشهادة. وإن كان الشاهد يجوز أن يرث المشهود له به، وتقبل شهادة الإنسان لأخيه بالمال وإن جاز أن يرثه. (فلو كان في هذه الصورة) وهي: ما إذا كانت البينة الشاهدة برجوعه عن عتق سالم وارثة (غانمٌ) أي: قيمته (سُدسَ مالِه: عَتقَا) أي: عتق سالم

стр. 5273

وغانم، (ولم تُقبل شهادتُهما) في حق سالم؛ لأنها متهمة بدفع السدس الآخر عنها، فلا تقبل شهادتها لذلك. (وخَبَرُ) بينة (وارثةٍ عادلةٍ، كـ) خبر وارثة (فاسقة). قال في "المحرر": والوراثة العادلة فيما تقوله خبراً لا شهادة؛ كالفاسقة في جميع ما ذكرنا. انتهى. فيكون خبرهما إقراراً. وهو سواء من العدل والفاسق في الحكم. (وإن شهدت بينة بعتق سالمٍ في مرضه، و) شهدت بينة (أخرى بعتق غانم فيه: عتَقَ السابق) تاريخ عتقه منهما؛ لأن المريض إذا تبرع تبرعات يعجز ثلثه عن جميعها، قدم الأول فالأول. (فإن جُهل) التاريخ بأن أطلقت بينتاهما أو أطلقت إحداهما وأرخت الأخرى: (فـ) إنه يعتق (أحدُهما بقُرعة)؛كما لو اتحد تاريخهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. فيعتق من خرجت له القرعة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون أعتقهما معاً فيقرع بينهما؛ كما فعل النبي ﷺ في العبيد الستة الذين أعتقهم سيدهم عند موته ولم يكن له مال غيرهم (١) ، أو يكون أعتق أحدهما قبل الآخر وأشكل علينا فُيخرج بالقرعة؛ كما في مسألة الطائر. وهي: ما لو طار طائر فقال سيد سالم وغانم: إن كان الطائر غراباً فسالم حر، وإن لم يكن غراباً فغانم حر، ومضى الطائر ولم يعلم هل هو غراب أو غير غراب؟ فإنه يُقرع بين العبدين. فمن خرجت له القرعة منهما عتق دون الآخر. (وكذا لو كانت بينة أحدِهما) أي: أحد العبدين (وارثةً) ولم تكذب الأجنبية يعني: فإنه يعتق السابق إن علم، وإن لم يعلم السابق منهما فإنه يعتق أحدهما بقرعة. (فإن سبقت) البينة (الأجنبية) يعني: بأن ذكرت تاريخاً سابقاً على ما ذكرته البينة الوارثة؛ بأن قالت الأجنبية: أعتق سالماً في أول المحرم أو أعتق

стр. 5274

غانم في ثانيه (فكذَّبتها الوارثة)؛بأن قالت: ما أعتق في أول المحرم إلا غانماً وأعتق سالماً في ثانيه: عتق العبدان. أما عتق سالم؛ فلشهادة البينة العادلة أنه السابق. وأما عتق غانم؛ فلإقرار الورثة أنه المستحق للعتق؛ لاعترافهم بسبق عتقه على عتق سالم. (أو سبقَت) البينة (الوارثة) البينة الأجنبية، (وهي) أي: والبينة الوارثة (فاسقةٌ) بأن قالت الوارثة الفاسقة: أعتق سالماً قبل غانم وشهدت البينة (١) العادلة أنه أعتق غانماً قبل سالم: (عَتَقا). أما عتق غانم؛ فلشهادة البينة العادلة أن عتقه سابق (٢) على عتق سالم. وأما عتق سالم؛ فلإقرار الورثة أنه هو المستحق للعتق دون غانم. (وإن جُهل أسبقُهما) أي: الأسبق عتقا منهما، بأن اتفقا على أنه عتق العبدين، وأنهما لا يعلمان أسبقهما عِتقاً: (عتَق واحدٌ) منهما (بقُرعةٍ)؛كما لو شهدا أنه أعتقهما بلفظ واحد؛ لأن جادة المذهب: أن كل متساويين في ثبوتٍ لا يمكن الجمع بين الدعوتين فيهما فإنه يجب إخراج المستحق منهما بالقرعة. (وإن قالت) البينة (الوارثة: ما أعتق إلا غانماً) وحده يطعنان بذلك في بينة سالم (عتَقَ) غانمُ (كلُّه)؛ لإقرار الورثة بعتقه، (وحُكْم سالم) في هذه الصورة (٣) [مع طعن الوارثة في نيته] (٤) (كحكمه) في الصور المتقدمة (لو لم تَطعن) الوارثة (٥) (في بينته: في أنه يعتِق إن تقدَّم عتقُه) أي: تاريخ عتقه، (أو خرَجت له القُرعة) حيث قلنا يقرع بينهما؛ لأن طعن الوارثة في الأجنية غير مقبول؛ لأن الأجبية مثبتة والوارثة نافية، والمثبت مقدم على النافي، وإذا لم

стр. 5275

يقبل الطعن صار طعنها (١) كلا طعن، ولو لم تطعن الوارثة في الأجنبية لكان الحكم كما ذكر فكذا ما هو بمنزلته. فيعتقان جميعاً إن تقدم تاريخ عتق سالم أو خرجت له القرعة، ويرق إذا تأخر تاريخ عتقه أو خرجت القرعة لغيره. (وإن كانت (البينة) الوارثةُ فاسقةً، ولم تَطعن. في بينة سالم: عَتق) سالم (كُّله)؛ لأن البينة العادلة شهدت بعتقه ولم يوجد ما يعارضها، (ويُنظَرُ في غانم: فمعَ سبْق) تاريخ (عتقِه، أو) مع (خروج القرعة له يَعتق كلُّه)؛لإقرار الورثة أنه هو المستحق للعتق دون غيره، (ومع تأخُّره) أي: تأخر تاريخ عتق غانم (أو خروجِها) أي: خروج القرعة (لسالم، لم يَعتِق منه) أي: من غانم (شيء)؛لأن بينته لو كانت عادلة لم يعتق منه شيء. فإذا كانت فاسقة أولى. (وإن كذَّبت) الوارثة (بينةَ سالم) الأجنبية: (عتَقَا) أي: سالم وغانم جميعاً؛ لأن سالماً مشهود بعتقه، وغانماً مقر له بأنه لا مستحق للعتق سواه. (وتَدبِيرٌ) للرقيق (مع تَنْجيزٍ) للعتق في مرض الموت المخوف (كآخِرِ تنجيزَيْن مع أسبقهما)؛لأن التدبير تنجيز بالموت. فوجب أن يتأخر عن المنجز في الحياة. فلذلك ساوى (٢) أحد التنجيزين في الأحكام المذكورة. ***

стр. 5276

[فصل: من مات عن ابنين مسلم وكافر] (فصل. ومن مات عن ابنين مسلم وكافر. فادَّعى كلٌ) من الابنين: (أنه) أي: أن أباه (مات على دينه، فإن عُرف أصله) من إسلامٍ أو كفرٍ: (قُبل قولُ مدَّعِيه)؛لأن الأصل بقاء ما كان عليه من الدين؛ كسائر المواضع. (وإلا) أي: وإن لم يُعرف أصل دينه (فميراثه للكافر: إن اعترف المسلم بأُخُوَّتِه، أو ثبتت ببَيّنة) على الأصح؛ لأن المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الإسلام. ولأنه معترف بأن أباه كان كافراً وهو يدعي إسلامه. فجعل أصل دينه الكفر. والقول قول مدعي الأصل. (وإلا) أي: وإن لم يعترف المسلم أنه أخوه ولم يثبت ذلك ببينة: (فـ) ميراثه (بينهما)؛ لأنهما سواء في اليد والدعوى. أشبه ما لو تداعيا عيناً في أيديهما. (وإن جُهل أصل دينه، وأقام كل) منهما (بينة بدعواه: تساقطتَا) وتناصفا التركة؛ كما لو لم تكن لواحد منهما بينة. (وإن قالت بينة: نعرفُه مسلماً، و) قالت بينة (أخرى: نعرفُه كافراً، ولم يُؤَرّخا) أي: يؤرخ كل واحدة من البينتين معرفتها له بالدين الذي ذكرته، (وجُهل أصل دينه: فميراثُه للمسلم)؛لأن العمل بهما ممكن، إذ الإسلام يطرأ على الكفر، وعكسه خلاف الظاهر؛ لعدم إقرار المرتد على ردته. (وتُقدَّم الناقلة) أي: يقدم العمل بما تشهد به البينة الناقلة: (إذا عُرف أصل دينه فيهنَّ)؛ لأن المبقية له على أصل دينه ثبتت شهادتها (١) على الأصل الذي تعرفه، والبينة الأخرى معها عِلم لم تعلمه الأولى. فقدمت عليها؛ كما لو

стр. 5277

شهدا أن هذا العبد كان ملكاً لفلان إلى أن مات، وشهد آخران أنه أعتقه أو باعه قبل موته، فإن بينة البيع أو العتق (١) مقدمة. (ولو شهدت) بينة: (أنه مات ناطقاً بكلمة الإسلام، و) شهدت بينة (أخرى أنه مات ناطقاً بكلمة الكفر: تساقطتا) على الأصح. سواء (٢) (عُرف أصل دينه، أوْ لا) يعني: أو لم يعرف؛ لأن البينتين أَرختا وقتاً واحداً هو ساعة موته. فتعارضتا وتسا قطتا لذلك. (وكذا) أي: وكالحكم المتقدم فيما إذا خلَّف ابنين مسلماً وكافراً يكون الحكم (إن خلَّف أبوين كافرين وابنَيْن مسلمين، أو) خلّف (أخاً وزوجةً مسلمين وابناً كافراً)؛لأن هؤلاء مع ثبوت دعواهم ورثة لا فرق بين دعواهم ودعوى الابن. قال في " المستوعب ": وعلى كلٍّ يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. انتهى. قال في"الفروع": ويصلى عليه تغليباً له مع الاشتباه. قال القاضي: ويدفن معنا. وقال ابن عقيل: وحده. انتهى. (ومتى نصّفْنا المال) المخلّف عن الميت المختلف في دِينه فأعطينا الابنين المنازعين للأبوين (٣) نصفه: (فنصفه للأبوين على ثلاثة)، للأب ثلثاه وللأم ثلثه. ومتى أعطينا الابن المنازع للأخ والزوجة نصفه فإن الباقي (و) هو (نصفه) يكون (للزوجة والأخ على أربعة)، للزوجة ربعه وباقيه للأخ. (ومن) كان كافراً و (ادَّعى تقدم إسلامه على موت مورثه، أو) ادّعى تقدم إسلامه (على قَسم تركتِه) أي: تركة مُورّثه المسلم: (قبل) منه ذلك (ببينة) يقيمها، (أو تصديق وارث) معه على دعو اه. وإلا فلا.

стр. 5278

مثال ذلك: لو مات مسلم وله ابنان مسلم وكافر فأسلم الكافر، وقال: أسلمت قبل موت أبي، أو أسلمت قبل قسم تركة أبي، وقال أخوه: بل بعد ذلك: فلا إرث له؛ لأنه مقر بالكفر أولاً مدع للإسلام فيما قبل الموت أو فيما قبل قسم التركة، والأصل بقاؤه على كفره. فيكون القول قول أخيه المسلم بيمينه؛ لأنه منكر. إلا أن يقيم بينة بدعواه أو يصدقه أخوه فيرث؛ لأن الحق لا يعدوهما. (وإن قال) من كان كافراً: (أسلمتُ في محرَّمِ ومات) أي: مورثي (في صفر، وقال الوارث) الذي هو أخوه: (مات قبل محرَّم: وَرِثَ)، لأنهما اتفقا على الإسلام في محرم، وإنما اختلفا في أن الموت هل كان قبله أو بعده؟ والأصل حياة الأب. فيكون القول قول المدعي للموت آخراً. فلذلك يجب أن يكون الإرث بينهما. (ولو خلَّف حرٌ ابناً حراً وابناً كان قِناً، فادَّعى) الذي كان قناً: (أنه عَتَق وأبوه حي) أي: في حال حياته، (ولا بينة) له بما ادعاه: (صُدّق أخوه في عدم ذلك) أي: في أنه لم يعتق قبل موت أبيه؛ لأن الأصل بقاء الرق. (وإن ثبت عتقُه برمضان، فقال الحر: مات أبي في شعبان، وقال العَتيق: بل بشوال صُدّقَ العتيق)؛لأن الأصل بقاء حياة الأب إلى شوال. (و) متى أقام العتيق بينة أنه مات في شوال، وأقام الحر بينة أنه مات في شعبان: (تُقدَّم بينةُ الحرّ، مع التعارُض) أي: تعارض البينتين المذكورتين؛ لأن معها زيادة علم. (وإن شهد اثنان على اثنين بقتلٍ، فشهدا) المشهود عليهما (على الأوَّلين) اللذين شهدا عليهما أوّلًا (به) أي: بالقتل، (فصدَّق الوليُّ) أي: مستحق القصاص الشاهدين (الأوَّلين فقط) أي: دون المشهود عليهما أوّلاً: (حُكم بهما) أي: بالشاهدين الأولين؛ لرجحانه (١) بتصديق المشهود له.

стр. 5279

(وإلا) باًن صدق الجميع، أو كذب الجميع، أو صدق المشهود عليهما فقط: (فلا شيء) له؛ لأن شهاده المشهود عليهما غير معتبرة؛ لأنهما متهمان بالدفع عن أنفسهما بذلك، وتصديق الولي لهما غير معتبر. وكذا لو صدق الجميع بأن قال: قتلوه كلهم؛ لأن كل اثنين من البينتين تدفع عن نفسها القتل بالشهادة فلا يقبل. وكذا لو كذب الجميع؛ لأنه يصير كمن لا بينة له. (وإن شهدت) بينة (بتلف ثوب، وقالت: قيمتُه عشرون، و) شهدت (أخرى) أن قيمته (ثلاثون: ثبت الأقلُّ) وهو العشرون على الأصح؛ لأن الإتلاف ثابت في شيء واحد. وإنما اختلفا في قيمته، فهو كما لو اختلف المقومان في القيمة، فإنه يثبت ما اتفقا عليه دون ما اختلفا فيه. (وكذا: لو كان بكلّ قيمةٍ شاهدٌ) واحد؛ لأن بينة الأقل تثبت دون الأكثر. (و) العين (القائمةُ؛ كعينٍ ليتيم يُريد الوصيُّ بيعَها، أو) يريد (١) (إجارتَها إن اختلفا في قيمتها) عند إرادة بيعها (أو) اختلفا في (أِجر مثلها) عند إرادة إجارتها (أُخذ) أي: عمل (بـ) مقتضى (من يصدّقُها الحِسُّ) من البينتين. (فإن احتمَل) ما شهدتا (٢) به: (أُخذ ببينة الأكثر) أي: البينة التي تشهد بالأكثر، (كما لو شهدت بينة أنه آجَرَ حصَّة مَوْليّه) أي: من هو في حجره (بأجرة مثلها، و) شهدت (بينة) أخرى أنه آجرها (بنصفها) أي: بنصف أجرة مثلها. قال في " التنقيح " قلت: فلو كانت العين قائمة قدمت بينة من يصدقها الحسّ. فإن احتمل فقد قال ابن نصر الله: لو اختلفت (٣) بينتان في قيمة عين" قائمة ليتيم يريد الوصي بيعها أخذ ببينة الأكثر فيما يظهر. انتهى. وكذا فال الشيخ تقي الدين: لو شهدت بينة أنه آجر حصة موليه بأجرة مثله وبينة بنصفها. انتهى كلامه في " التنقيح ". والله أعلم. ***

стр. 5280

[كتاب الشهادات] هذا (كتاب الشهادات. واحِدُها شهادة). واشتقاقها من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده. يقال: شهد الشيء إذا رآه. ومن ذلك قيل لمحضر الناس مشهد؛ لأنهم يرون فيه ما يحضرونه. ومنه قوله : ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] يعني: علمه برؤية هلاله أو إخبار من رآه. والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال سبحانه وتعا لى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وأما السنة؛ فروى وائل بن حجر قال: " جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ . فقال الحضرمي: يا رسول الله! (١) إن هذا غلبني على أرضٍ لي. فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ : ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه قال: يا رسول الله! الرجل فاجر لا يبالي طى ماحلف عليه وليس يتورع من شيء. فال: ليس لك منه إلا ذلك. قال: فانطلق الرجل ليحلف له. فقال النبي ﷺ لما أدبر: لئن حلف على ماله ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض (٢) " (٣). فال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما الإجماع فمنعقد على قبول الشهادة في الجملة. ودليله ما تقدم.

стр. 5281

ولأن الحكمة تقتضي مشروعية الشهادة فإن الحاجة داعية إليها؛ لحصول التجاحد من الناس. فوجب الرجوع إليها. قال شريح: القضاء جَمر فنحه عنك بعودين- يعني: الشاهدين- وإنما الخصم داء والشهود شفاء. فأفرغ الشفاء على الداء. (وهي) أي: الشهادة: (حُجَّة شرعية)؛ لما تقدم من الحديث (تُظهٍرُ الحق) المدعى به أي: تُبينه، ولهذا سميت بينة (ولا تُوجبه). قاله في " الرعايتين " و" الحاوي ". إذا علمت ذلك (فهى) أي: فالشهادة: (الإخبار بما علمه) الشاهد، (بلفظٍ خاص) وهو: أشهد أو شهدت. وأما حكم الشهادة فقد أشير إليه بقوله: (تَحمُّل المشهود به) أي: الشهادة، في (غير حق الله) سبحانه و (تعالى) فدخل جميع حقوق الآدميين من الأموال وغيرها، (فرضُ كفاية) إذا قام به من يكفي سقط عن بقية المسلمين، فإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه. وإن كان عبدا لم يجز لسيده منعه. والأصل في ذلك قوله : ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقد قال ابن عباس وقتادة والربيع: المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم. ولأن الحاجة تدعو (١) إلى ذلك؛ لإثبات الحقوق والعقود. فكان واجباً؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولأن الشهادة لو لم تجب لامتنع الناس من تحملها وأدائها، وذلك يؤدي إلى ضياع الحقوق. (وتُطلَق الشهادة على التحمُّل وعلى الأداء). فيكون الأداء أيضاً فرض

стр. 5282

كفاية؛ لقول الله : ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وإنما خص القلب بالإثم، لأنه موضع العلم بها. ولأن الشهادة أمانة. فلزم أداؤها؛ كسائر الأمانات. وقد قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. (ويجبان) أي: التحمل والأداء: (إذا دُعي) إنسان من أهلها إلى واحد منهما؛ لأن مقصود الشهادة لا يحصل ممن ليس من أهلها. ومحل الوجوب: إذا دعي (لدون مسافة قصر). قال في " الفروع ": يجب في مسافة كتاب القاضي عند سلطان لا يخاف تعديه. نقله مهنا، أو حاكم عدل. قال في " المبدع ": وهذا إذا كان دون مسافة قصر (١) . وقيل: ما يرجع إلى منزله ليومه. حكاه ابن حمدان. انتهى. (و) محل ذلك أيضاً: إذا (قدَرَ بلا ضررٍ يَلحقُه). فلو كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء (٢) ، أو كان ممن لا يقبل الحاكم شهادته، أو يحتاج إلى التبذّل في التزكية: لم يلزمه؛ لقول الله : ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقول النبي ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار (٣) " (٤) . ولأنه لا يلزمه أن يضر نفسه لنفع غيره. وأما إذا كان الحاكم غير عدل فنقل ابن الحكم عن أحمد: كيف أشهد عند رجل ليس عدلاً؟ لا يشهد.

стр. 5283

قال في " الفروع ": وقال في رواية عبد الله: أخاف أن لا يسعه (١) أن لا يشهد عند الجهمية. عن ابن المبارك عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً: " يكوُن في آخر الزمان أمراءُ ظلمة، ووزراءُ فسقة، وقضاةُ خونة، وفقهاءُ كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكونن لهم كاتباً ولا عريفاً ولا شرطياً" (٢) . رواه الطبرانى وقال: لم يروه عن قتادة إلا ابن أبي عروبة، ولا عنه إلا ابن المبارك، تفرد به داود بن سليمان، وهو شيخ لا بأس به. انتهى كلامه في " الفروع ". إذا تقرر هذا (فلو) تحمّل شاهدان ثم (أدّى شاهدٌ، وأبى الآخر وقال) للمشهود له: (احلف بَدَلي: أثِم) اتفاقاً. قاله في " الترغيب ". (ولا يُقيمُها) أي: يقيم إنسان الشهادة (على مسلم، بقتل كافر). قال في " الفروع ": وظاهره: يحرم. (ومتى وجبتْ) أي: وجبت الشهادة على إنسان: (وجبتْ) عليه (كتابتُها). قال في " الفروع ": وكتابةٌ كشهادة في ظاهر كلام الشيخ وشيخنا. (وإن دعي فاسقٌ لتحمُّلها) أي: تحمل الشهادة: (فله الحضور مع عدم غيره). ذكره في " الرعاية ". وفي " المغني " وغيره: أن التحمل لا يعتبر له العدالة. فلو لم يؤد حتى صار عدلاً قبلت. (ولا يحرُم أداؤه) أي: أداء الفاسق الشهادة (ولو لم يكن فسقُه ظاهراً). قال في " المغني ": إن من شهد مع ظهور فسقه لم يعزر؛ لأنه لا يمنع صدقه. فدل على أنه لا يحرم أداء الفاسق، وإلا لعزر. ويؤيده أن الأشهر: لا يضمن من بان فسقه، ويتوجه التحريم عند من ضمنه، ويكون علة لتضمينه. قاله في " الفروع ".

стр. 5284

(ويحرُم أخذُ أجرة) على الشهادة (و) أخذ (جُعْل عليها) أيضاً، (ولو لم تتعَّين عليه) في الأصح؛ لأن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منه فرضاً، وذلك لا يجوز أخذ الجُعل عليه؛ كصلاة الجنازة. (لكن: إن عجز) من دعي إلى الشهادة (عن المشى) إلى محلها (أو تأَذّى به) أي: بالمشي، (فله أخذ أجرة مركوب). قال في " الإنصاف ": حيث قلنا بعدم الأخذ. فلو عجز عن المشي أو تأذى به، فأجرة المركوب على رب الشهادة. قاله في "الترغيب"وغيره، واقتصر عليه في " الفروع ". قال في " الرعاية ": فأجرة المركوب والنفقة على ربها. ثم قال: قلت: هذا إن تعذر حضور المشهود عليه إلى محل الشاهد، لمرضٍ، أو كبرٍ، أو حبسٍ، أو جاهٍ، أو خَفَرٍ. وقال أيضاً: وكذا حكم مزكٍ، ومُعرّفٍ، ومترجمٍ، ومُفتٍ، ومقيم حدٍ وقودٍ، وحافظ مال بيت المال، ومحتسب، والخليفة. واقتصر عليه في " الفر وع ". انتهى. (ولمن عنده شهادة بحد لله) سبحانه و (تعالى إقامتُها وتركُها) أي: أن يشهد بها وأن لا يشهد؛ لأن حقوق الله مبنية على المساهلة ولا ضرر في تركها على أحد وهو مأمور بالستر. وقد قال النبي ﷺ : " أَقيلُوا ذوي الهيئات عَثراتِهم " (١) . ولذلك اعتبر في الزنا أربعة شهود (٢) وشدَّد فيه على الشهود ما لم يشدد على غيرهم؛ طلباً للستر، ولئلا يثبت. قال في " الفروع ": واستحب القاضي وأصحابه وأبو الفرج والشيخ

стр. 5285

و" الترغيب " تركه، للترغيب في الستر. وهذا يخالف ما جزم به في آخر "الرعاية " من وجوب الإغضاء عمن ستر المعصية، فإنهم لم يفرقوا. وهو ظاهر كلام الخلال. ويتوجه فيمن عُرف بالشر والفساد أن لا يستر عليه. انتهى. (وللحاكم أن يُعرّض لهم) أي: للشهود (بالتوقُّف عنها) أي: عن الشهادة في الأصح، (كتعريضه لمُقِرٍ) بحد (ليرجع) عن إقراره؛" لأن عمر رضي الله تعالى عنه لما شهد عنده الثلاثة على المغيرة بالزنا وجاء زياد يشهد عَرّض له بالرجوع، وقال له: ما عندك يا سلح العقاب وصاح به. فلما لم يصرح بالزنا وقال: رأيت أمراً قبيحاً فرح عمر وحمد الله ". وكان هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد على عمر ذلك. وقد قال النبي ﷺ للسارق: " ما أخالك سرقت. مرتين " (١) . وأعرض عن المقر بالزنا حتى أقر أربعاً (٢) ، كل ذلك طلباً للرجوع. وعلم مما تقدم أنه إن شهد لم يُكره له ذلك؛ لأنه إخبار بما كان على وجهه فجاز، وأنه يجوز أن يقيم الشهادة في حدود الله من غير تقدم دعوى، [لأن أبا بكرة وأصحابه شهدوا على المغيرة من غير تقدم دعوى] (٣) . وشهد الجارود وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما على قدامة بن مظعون بشرب الخمر من غير تقدم دعوى فأجيزت شهادتهم (٤) . (وتُقبل) الشهادة (بحدٍّ قديم). قال في " الإنصاف ": قال في " الرعاية ": هل تقبل الشهادة بحد قديم؟ على وجهين. انتهى.

стр. 5286

والصحيح من المذهب: القبول. قدمه في " الفروع ". انتهى. ووجه ذلك: أنها شهادة بحق. فجازت مع تقادم الزمان؛ كالشهادة بالقصاص. ولأنه قد يعرض للشاهد (١) ما يمنع الشهادة حينها (٢) ويتمكن منها بعد ذلك. (ومن قال) لرجلين: (احضُرا لتسمعا قذفَ زيدٍ لي، لزمهما) ذلك. قال في"الفروع": قار في "الرعاية ": وإن قال احضرا لتسمعا قذف زيد لي لزمهما. ويتوجه إن لزم إقامة الشهادة. انتهى. وقال في"الفروع" أيضاً: وإن دعى زوجٌ أربعة لتحملها بزنا امرأته جاز؛ لقول الله : ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ … ﴾ الآية [النساء: ١٥]. وقيل: لا. كغيره، أو لإسقاط الحد. وفي " الأحكام السلطانية ": إن ظن قوم من المتطوعة استسرار قوم بمعصية في انتهاك حرمة يموت استدراكها؛ كقتل وزنا فلهم الكشف والإنكار؛ كالذي كان من شأن المغيرة وشهوده، ولم ينكر عليهم هجومهم وإنْ حدَّهم؛ لقصور الشهادة. انتهى. (ومن عنده شهادة لآدمي) وذلك الآدمي (يعلمُها، لم يُقِمْها حتى يسأله) رب الشهادة إقامتها؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون " (٣) . رواه البخاري. ولأن أداءها حق للمشهود له. فلا تستوفى إلا برضاه؛ كسائر حقوقه.

стр. 5287

(ولا يقدح فيه) يعني: ولا يقدح في عدالة الشاهد شهادته قبل أن يسأله صاحب الحق الشهادة (كشهادة حِسبة). قال في " الفروع ": (ويقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم، ويحرُم كتمها).انتهى. (وإلا) أي: وإن لم يعلم رب الحق بأن هذا عنده شهادة له: (استُحبَّ) لمن عنده الشهادة (إعلامُه) اي: إعلام رب الحق بأن عنده له شهادة (قبل إقامتِها) وله إقامتها قبل إعلامه، لقوله ﷺ : "ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (١) . رواه مسلم. وترك إطلاق هذا الحديث لأجل الحديث الآخر جمعاً بينهما. قال في " الإنصاف ": هذا المذهب. وقطع به الأكثر وأطلقوا. وقال الشيخ تقى الدين: الطلب (٢) العرفي أو الحالي كاللفظي، علمها أو لا. قلت: هذا عين الصواب. ويجب عليه إعلامه إذا لم يعلم بها وهذا مما لا شك فيه. انتهى كلامه في"الإنصاف". (ويجب إشهادٌ على نكاح)، لأن الإشهاد شرط فيه فلا ينعقد بدونه. (ويُسن) الإشهاد (في كل عقدٍ سواه) أي: سوى النكاح، كالبيع والإجارة والرهن ونحو ذلك؛ لأن ذلك ليس من شرطه الإشهاد. ويحمل قوله : ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] على الاستحباب؛ لأنه قال بعده: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وهذا إنما يكون مع عدم الشهادة. فدل على أن المراد بالأمر: الاستحباب. (ويحرُم أن يشهد) أحد (إلا بما يعلمه)؛بدليل قوله : ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].

стр. 5288

قال المفسرون هنا: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإتقان. ومعناه: لكن من شهد بالحق فيكون الاستثناء منقطعاً. وقال ابن عباس: " سئل النبي ﷺ عن الشهادة. قال: ترى الشمس؟ قال على مثلها فاشهد أو دع " (١) . رواه الخلال في " جامعه ". وقال : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦]. وتخصيص هذه الثلاثة بالسؤال؛ لأن العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر؛ لأن مدرك الشهادة غالباً: الرؤية والسماع، وهما بالبصر والسمع. قال القرافي في الفرق السادس والعشرين والمائتين: تنبيه: اعلم أن قول العلماء: لا يجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره، فإن ظاهره يقتضي: أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به وليس كذلك، بل جائز له الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور، بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علماً فقط. فلو شهد بقبض (٢) الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف، وكذلك الثمن في المبيع (٣) مع احتمال دفعه، ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورِثه، ويشهد بالإجارة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب. والحاصل في هذه الصور كلها هو الظن الضعيف، ولا يكاد

стр. 5289

يوجد ما يبقى (١) فيه العلم إلا القليل من الصور. من ذلك: النسب والولاء فإنه لا يقبل النقض (٢) فيبقى العلم على حاله. ومن ذلك: الشهادة بالإقرار، فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي وذلك لا يرتفع. ومن ذلك: الوقف إذا حَكم به حاكم. أما إذا لم يحكم به حاكم، فإن الشهادة [إنما فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف؛ لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه. فتأمّل هذه المواطن، فأكثرها] (٣) إنما فيها الظن فقط. وإنفا العلم في أصل المدرك لا في دوامه. قلت: وقوله: شهد بقبض الدين، وقوله: شهد بالإجارة كمسألة الإقرار؛ لأن وقوع الإجارة لفظ وقع في الزمن الماضي، وقبض الدين فعل وقع في الزمن الماضي فهو معلوم لا يرتفع. وإنما يرتفع بقاء حكمه، كما أن الإقرار لا يرتفع، بل هو معلوم. وإنما الظن في بقاء المقر به ودوام الإقرار. والذي يظهر أن مراده أنه شهد (٤) ببقاء الإجارة وبقاء المقبوض، وتصرفه يدل على هذا المراد. انتهى. إذا علمت ذلك فإن مدرك العلم الذي يقع به الشهادة يكون (برؤيةٍ أو سماع غالباً، لجوازها) أي: جواز الشهادة (ببقية الحواسّ)، كالذوق واللمس (قليلاً)، كدعوى مشتر مأكولاً غبنه لمرارته أو نحو ذلك فتسمع البينة به. فإذا تحمل الشاهد الشهادة على من يعرفه بعينه واسمه ونسبه جاز أن يشهد عليه مع حضوره، وفي (٥) غيبته على الأصح. (فإن جَهِلَ حاضراً) أي: جهل الشاهد اسم رجل ونسبه وقد تحمل الشهادة

стр. 5290

عليه، (جاز أن يشهد) عليه (في حضْرته) فقط؛ (لمعرفة عينه). نص على ذلك. قال مهنا: سألت أحمد عن رجل يشهد لرجل بحق على آخر وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا، إلا أنه يشهد له. فقال: إذا قال: أشهد أنّ لهذا على هذا كذا وهما شاهدان جميعاً فلا بأس، فإذا كان غائباً فلا يشهد حتى يعرف اسمه. (و) أما (إن كان غائباً فعرَّفه به من يسكُن إليه) الشاهد ولو واحداً على الأصح. وعنه: اثنان. وعنه: جماعة: (جاز) له (أن يشهد) عليه، (ولو) كانت الشهادة (على امرأة). وعنه: المنع، سواء كان الغائب رجلاً أو امرأة. وعنه: إن عرفها لنفسه. وعنه: أو نظر إليها شهد وإلا فلا. ونقل حنبل: يشهد عليها بإذن زوجها. وعلله بأنه أملك لعصمتها. وقطع به في " المبهج" للخبر. وعلله بعضهم بأن النظر حق للزوج وهو سهو. قاله في " الفروع ". (ولا تُعتبرُ إشارتُه) أي: إشارة الشاهد عند الشهادة (إلى) مشهود عليه (حاضر، مع) ذكر (نسبه ووصفه) في الأصح. (وإن شهد) على إنسان (بإقرارٍ بحق: لم يُعتبر) أي: لم يشترط لصحة الشهادة (ذكرُ سببه) أي: سبب الحق؛ (كاستحقاق مال) أي: كما لا يشترط ذكر استحقاق المال مع الشهادة بالإقرار به، وكما لا يشترط ذلك لصحة الدعوى بالإقرار. (ولا قوله: طَوْعاً في صحته مكلَّفاً) يعني: أن من شهد على إنسان أنه أقر بحق لم يشترط أن يقول: أنه أقر وهو مكلف مختار في حال صحته، (عملاً بالظاهر) أي: بظاهر الحال؛ لأن من سوى ذلك يحتاج إلى تقييد الشهادة بتلك الحالة.
следующие страницы →