والصحيح من المذهب: القبول. قدمه في " الفروع ". انتهى.
ووجه ذلك: أنها شهادة بحق. فجازت مع تقادم الزمان؛ كالشهادة بالقصاص.
ولأنه قد يعرض للشاهد (١) ما يمنع الشهادة حينها (٢) ويتمكن منها بعد ذلك.
(ومن قال) لرجلين: (احضُرا لتسمعا قذفَ زيدٍ لي، لزمهما) ذلك.
قال في"الفروع": قار في "الرعاية ": وإن قال احضرا لتسمعا قذف زيد لي لزمهما. ويتوجه إن لزم إقامة الشهادة. انتهى.
وقال في"الفروع" أيضاً: وإن دعى زوجٌ أربعة لتحملها بزنا امرأته جاز؛ لقول الله : ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ … ﴾ الآية [النساء: ١٥].
وقيل: لا. كغيره، أو لإسقاط الحد.
وفي " الأحكام السلطانية ": إن ظن قوم من المتطوعة استسرار قوم بمعصية في انتهاك حرمة يموت استدراكها؛ كقتل وزنا فلهم الكشف والإنكار؛ كالذي كان من شأن المغيرة وشهوده، ولم ينكر عليهم هجومهم وإنْ حدَّهم؛ لقصور الشهادة. انتهى.
(ومن عنده شهادة لآدمي) وذلك الآدمي (يعلمُها، لم يُقِمْها حتى يسأله) رب الشهادة إقامتها؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون " (٣) . رواه البخاري.
ولأن أداءها حق للمشهود له. فلا تستوفى إلا برضاه؛ كسائر حقوقه.
стр. 5287
(ولا يقدح فيه) يعني: ولا يقدح في عدالة الشاهد شهادته قبل أن يسأله صاحب الحق الشهادة (كشهادة حِسبة).
قال في " الفروع ": (ويقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم، ويحرُم كتمها).انتهى.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم رب الحق بأن هذا عنده شهادة له: (استُحبَّ) لمن عنده الشهادة (إعلامُه) اي: إعلام رب الحق بأن عنده له شهادة (قبل إقامتِها) وله إقامتها قبل إعلامه، لقوله ﷺ : "ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (١) . رواه مسلم.
وترك إطلاق هذا الحديث لأجل الحديث الآخر جمعاً بينهما.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب. وقطع به الأكثر وأطلقوا. وقال الشيخ تقى الدين: الطلب (٢) العرفي أو الحالي كاللفظي، علمها أو لا.
قلت: هذا عين الصواب.
ويجب عليه إعلامه إذا لم يعلم بها وهذا مما لا شك فيه. انتهى كلامه في"الإنصاف".
(ويجب إشهادٌ على نكاح)، لأن الإشهاد شرط فيه فلا ينعقد بدونه.
(ويُسن) الإشهاد (في كل عقدٍ سواه) أي: سوى النكاح، كالبيع والإجارة والرهن ونحو ذلك؛ لأن ذلك ليس من شرطه الإشهاد. ويحمل قوله : ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] على الاستحباب؛ لأنه قال بعده: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وهذا إنما يكون مع عدم الشهادة. فدل على أن المراد بالأمر: الاستحباب.
(ويحرُم أن يشهد) أحد (إلا بما يعلمه)؛بدليل قوله : ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].
стр. 5288
قال المفسرون هنا: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإتقان. ومعناه: لكن من شهد بالحق فيكون الاستثناء منقطعاً.
وقال ابن عباس: " سئل النبي ﷺ عن الشهادة. قال: ترى الشمس؟ قال على مثلها فاشهد أو دع " (١) . رواه الخلال في " جامعه ".
وقال : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦].
وتخصيص هذه الثلاثة بالسؤال؛ لأن العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر؛ لأن مدرك الشهادة غالباً: الرؤية والسماع، وهما بالبصر والسمع.
قال القرافي في الفرق السادس والعشرين والمائتين: تنبيه: اعلم أن قول العلماء: لا يجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره، فإن ظاهره يقتضي: أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به وليس كذلك، بل جائز له الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور، بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علماً فقط. فلو شهد بقبض (٢) الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف، وكذلك الثمن في المبيع (٣) مع احتمال دفعه، ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورِثه، ويشهد بالإجارة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب. والحاصل في هذه الصور كلها هو الظن الضعيف، ولا يكاد
стр. 5289
يوجد ما يبقى (١) فيه العلم إلا القليل من الصور. من ذلك: النسب والولاء فإنه لا يقبل النقض (٢) فيبقى العلم على حاله.
ومن ذلك: الشهادة بالإقرار، فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي وذلك لا يرتفع.
ومن ذلك: الوقف إذا حَكم به حاكم. أما إذا لم يحكم به حاكم، فإن الشهادة [إنما فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف؛ لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه. فتأمّل هذه المواطن، فأكثرها] (٣) إنما فيها الظن فقط. وإنفا العلم في أصل المدرك لا في دوامه.
قلت: وقوله: شهد بقبض الدين، وقوله: شهد بالإجارة كمسألة الإقرار؛ لأن وقوع الإجارة لفظ وقع في الزمن الماضي، وقبض الدين فعل وقع في الزمن الماضي فهو معلوم لا يرتفع. وإنما يرتفع بقاء حكمه، كما أن الإقرار لا يرتفع، بل هو معلوم. وإنما الظن في بقاء المقر به ودوام الإقرار. والذي يظهر أن مراده أنه شهد (٤) ببقاء الإجارة وبقاء المقبوض، وتصرفه يدل على هذا المراد. انتهى.
إذا علمت ذلك فإن مدرك العلم الذي يقع به الشهادة يكون (برؤيةٍ أو سماع غالباً، لجوازها) أي: جواز الشهادة (ببقية الحواسّ)، كالذوق واللمس (قليلاً)، كدعوى مشتر مأكولاً غبنه لمرارته أو نحو ذلك فتسمع البينة به. فإذا تحمل الشاهد الشهادة على من يعرفه بعينه واسمه ونسبه جاز أن يشهد عليه مع حضوره، وفي (٥) غيبته على الأصح.
(فإن جَهِلَ حاضراً) أي: جهل الشاهد اسم رجل ونسبه وقد تحمل الشهادة
стр. 5290
عليه، (جاز أن يشهد) عليه (في حضْرته) فقط؛ (لمعرفة عينه). نص على ذلك. قال مهنا: سألت أحمد عن رجل يشهد لرجل بحق على آخر وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا، إلا أنه يشهد له. فقال: إذا قال: أشهد أنّ لهذا على هذا كذا وهما شاهدان جميعاً فلا بأس، فإذا كان غائباً فلا يشهد حتى يعرف اسمه.
(و) أما (إن كان غائباً فعرَّفه به من يسكُن إليه) الشاهد ولو واحداً على الأصح. وعنه: اثنان. وعنه: جماعة: (جاز) له (أن يشهد) عليه، (ولو) كانت الشهادة (على امرأة).
وعنه: المنع، سواء كان الغائب رجلاً أو امرأة.
وعنه: إن عرفها لنفسه.
وعنه: أو نظر إليها شهد وإلا فلا.
ونقل حنبل: يشهد عليها بإذن زوجها. وعلله بأنه أملك لعصمتها. وقطع به في " المبهج" للخبر. وعلله بعضهم بأن النظر حق للزوج وهو سهو. قاله في " الفروع ".
(ولا تُعتبرُ إشارتُه) أي: إشارة الشاهد عند الشهادة (إلى) مشهود عليه (حاضر، مع) ذكر (نسبه ووصفه) في الأصح.
(وإن شهد) على إنسان (بإقرارٍ بحق: لم يُعتبر) أي: لم يشترط لصحة الشهادة (ذكرُ سببه) أي: سبب الحق؛ (كاستحقاق مال) أي: كما لا يشترط ذكر استحقاق المال مع الشهادة بالإقرار به، وكما لا يشترط ذلك لصحة الدعوى بالإقرار.
(ولا قوله: طَوْعاً في صحته مكلَّفاً) يعني: أن من شهد على إنسان أنه أقر بحق لم يشترط أن يقول: أنه أقر وهو مكلف مختار في حال صحته، (عملاً بالظاهر) أي: بظاهر الحال؛ لأن من سوى ذلك يحتاج إلى تقييد الشهادة بتلك الحالة.
стр. 5291
(وإن شهد) الشاهد (بسببٍ يوجبُ الحقَّ)، كتفريط (١) في أمانة، (أو) شهد بـ (استحقاق غيره) أي: غير ما يوجبه السبب؛ بأن قال: أشهد أن هذا يستحق في ذمة هذا كذا: (ذَكرَه) أي: اشترط ذكر الموجب للاستحقاق؛ لأنه قد لا يعتقده الحاكم موجباً.
(والرؤية تختصُّ الفعل؛ كقتل، وسرقة، وغصب، وشرب خمر، ورضاع، وولادة) والعيوب المرئية في المبيع ونحو ذلك؛ لأنه يمكن الشهادة على ذلك قطعاً فلا يرجع إلى غير ذلك.
(والسَّماع ضربان) أي: صنفان:
الأول: (سماعٌ من مشهود عليه؛ كعتق وطلاق، وعقد) من نكاح وغيره (وإقرار) بمال ونسب وحد وقود ورِق وغير ذلك، (وحكمٍ حاكمٍ وإنفاده) حكم غيره. فإذا سمع إنسان من غيره شيئاً من ذلك وعرف القائل يقيناً - كما ذكره في " الكافي "- (فتلزمه الشهادة بما سمع) منه، (سواء وقَّت الحاكمُ الحكمَ) بأن قال: حكمت بذلك في وقت كذا، أو لم يقل: في وقت كذا، (أو استَشْهده مشهود عليه) أو لم يستشهده. فإنا لو اشترطنا الاستشهاد لامتنع ثبوت الغصب وسائر الأفعال المتضمنة للعدوان بالإقرار، فإن فاعلها لا يشهد بها على نفسه، (أو كان الشاهد مستخفِياً حين تحمُّلِه أوْ لا) يعني: أو لم يكن مستخفياً.
ومن صور المستخفي: مثل: أن يكون لإنسان على آخر حق وهو ينكره بحضور من يشهد عليه فيسمع إقراره من لا يعلم به المقر، فإنه يجوز أن يشهد عليه بما سمعه منه، لأنه بسماعه من المقر حصل له العلم بالمشهود به، كما لو رآه يفعل شيئاً من غير أن يعلم الفاعل أن أحداً رآه فإنه يجوز أن يشهد عليه بما رآه فعله (٢) .
(و) الصنف الثانى من الشهادة بالسماع: (سماعٌ بالاستفاضة). وهي: أن يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم لبعض. ولا تسمع
стр. 5292
الشهادة بالاستفاضة إلا (فيما يَتعذَّر علمه) أي: علم المشهود به (غالباً بدونها) أي: بدون الاستفاضة، وذلك (كنسب) إجماعاً.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً من أهل العلم منع منه.
ولو مُنع ذلك لاستحالت معرفته به، إذ لا سبيل إلى معرفته قطعاً بغير ذلك، ولا تمكن المشاهدة فيه. ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحداً من أقاربه. وقد قال الله : ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وكولادة (وموتٍ، ومِلكٍ مطلَق) نصاً.
قال أحمد في رواية المروذي: أشهد أن دار بختان لبختان؛ لأن الولادة قد لا يباشرها إلا المرأة الواحدة، والموت قد لا يباشره إلا الواحد أو الاثنين (١) ممن يحضره ويتولى غسله وتكفينه، والملك قد يتقادم السبب المترتب عليه الملك (٢) . فلو توقفت الشهادة في ذلك على المباشرة لأدى ذلك إلى العسر وخاصة مع طول الزمان.
(و) كـ (عتيقٍ) وهو: أن يشهد (٣) أن هذا عتيق زيد، لا أن زيدً أعتقه.
(وولاءٍ وولايةٍ وعزل)، لأن ذلك إنما يحضره في الغالب آحاد الناس، ولكن انتشار ذلك في أهل المحلة أو القرية يغلب الظن على صحته عند الشاهد، بل ربما قطع به لكثرة المخبرين فجازت الشهادة به؛ لأن الحاجة داعية إليه.
(و) كـ (نكاح) عقد ودوامِه في الأصح.
وقال جماعة: دوامه لا عقده.
(وخُلعٍ وطلاق) نص عليهما أحمد، لأن ذلك مما يشيع ويشتهر غالباً، والحاجة تدعو إليه.
стр. 5293
(و) كـ (وقف) في الأصح. وهو: أن يشهد أن هذا وقف زيد، لا أن زيداً وقفه.
(و) كـ (مَصْرِفِه) يعني: أن مما تجوز فيه الشهادة بالاستفاضة في الأصح مصرف الوقف. وحكاه في"المغنى" عن الأصحاب. وجزم به في"الكافي"،وكذا ما أشبه ذلك.
قال الخرقي: وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل في النكاح والموت ولا في الملك المطلق. وقال صاحبه: تقبل في الولاء مثل: أن يشهد أن عكرمة مولى ابن عباس.
ولنا: أن هذه الأشياء يتعذر (١) الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها. فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة؛ كالنسب.
قال مالك: ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله ﷺ إلا بالسماع. وقال: السماع في الأحباس والولاء جائز.
فإن قيل: يمكن العلم بذلك بمشاهدة سببه؟
قلنا: الإمكان لا ينافي التعذر غالباً، ووجود السبب لا يفيد العلم بكونه سبباً صحيحاً يقيناً، فإنه يجوز أن يشتري ما ليس ملكاً للبائع، ويصطاد صيداً صاده غيره ثم انفلت منه. وإن تُصور ذلك فهو نادر.
وفي " عُمَد الأدلة ": تعليل أصحابنا بأن جهات الملك تختلف تعليل يوجد في الدَّين، فقياس قولهم: يقتضي أن يثبت الدين، بالاستفاضة.
(ولا يشهد) أي: ولا (٢) يجوز لأحد أن يشهد (باستفاضة، إلا) إن علم ما يشهد به (عن عددٍ يقع بهم) أي: بأخبارهم (العلم) في الأصح. وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي؛ لأن لفظ الاستفاضة مأخود من فيض الماء؛ لكثرته. ويكون ذلك العدد عدد التواتر؛ لأنها شهادة. فلا يجوز أن يشهد بها عن غير
стр. 5294
علم؛ لقوله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
ومحل النزاع: العدد الذي لا يحصل به العلم. فوجب أن لا يقبل لذلك. (ويلزم الحكم بشهادةٍ لم يُعلم تلقّيها من الاستفاضة.
ومن قال: شهدتُ بها، ففَرْع). هذه عبارة "الفروع" و"التنقيح".وعبارة " المستوعب ": ومتى لم يعلم الحاكم أنها تلقيت من طريق الخبر لزمه قبولها والحكم بها قولاً واحداً.
وفي " المغني ": شهادة أصحاب المسائل- يعني: عن الشهود (١) - شهادة استفاضة لا شهادة على شهادة. فيكتفى بمن يشهد بها كبقية شهادة الاستفاضة.
وفي " الترغيب ": ليس فيها فرع.
وفي " التعليق " وغيره: الشهادة بالاستفاضة خبر لا شهادة، وأنها تحصل بالنساء والعبيد.
قال في " الفروع ": وقال شيخنا: هي نظير أصحاب المسائل عن الشهود على الخلاف. وذكر ابن الزاغونى: إن شهد أن جماعة يثق بهم أخبروه بموت فلان، أو أنه ابنه، او أنها زوجته، فهي شهادة الاستفاضة، وهي صحيحة. وكذا أجاب أبو الخطاب: يقبل في ذلك ويحكم فيه بشهادة الاستفاضة. وأجاب أبو الوفاء: إن صرحا بالاستفاضة أو استفاض بين الناس قُبلت في الوفاة والنسب جميعاً. ونقل الحسن بن محمد: لا يشهد إذا ثبت عنده بعد موته. ونقل معناه جعفر، وهو غريب. وإذا شهد بالأملاك بتظاهر الأخبار فعمل ولاة المظالم بذلك أحق. ذكره في " الأحكام السلطانية "، وذكر القاضي: أن القاضي يحكم بالتواتر. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ومن سمع إنسانا يُقرُّ بنسبِ أبٍ أو ابنٍ، ونحوهما)، كأم وبنت (فصدَّقه المقَرُّ له): جاز أن يشهد له به؛ لتوافق المقر والمقر له على ذلك، (أو سكت) المقر له: (جاز أن يشهد له به) أيضاً على الأصح. نص عليه، لأن
стр. 5295
السكوت في النسب إقرار به أيضاً، بدليل من بُشّر بولد فسكت فإنه يلحق نسبه، ويكون سكوته كالإقرار به؛ لأن الإقرار على الانتساب الباطل غير جائز (١) . بخلاف سائر الدعاوى.
ولأن النسب يغلب فيه الإثبات. ألا ترى أنه يلحق بالإمكان في النكاح.
(لا إن كذّبه) المقر له، فإنه لا يجوز أن يشهد، لتكذيبه إياه.
(وإن قال المتحاسبان) لمن حضرهم: (لا تشهَدُوا علينا بما يجري بيننا لم يمنع ذلك الشهادة) عليهما بما يجري بينهما، (ولزوم إقامتها).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. انتهى.
ووجه ذلك: أن للشاهد أن يشهد بكل ما علمه وهذا منه. فكان له أن يشهد به وإن منعه المشهود عليه؛ كما لو غصب شيئاً بحضرة إنسان وقال له: لا تشهد عليَّ بذلك.
(ومن رأى شيئاً بيد إنسان يتصرَّفُ فيه مدة طويلة) عرفاً (كمالك) يعني: كتصرف الملاّك في أملاكهم، (من نقض وبناء، وإجارة وإعارة: فله الشهادة) يعنى: جاز أن يشهد له (بالملك) في الأصح؛ لأن التصرف فيه على هذا الوجه من غير منازع يدل على صحة الملك. فجاز أن يشهد به؛ (كمُعاينة السبب) أي: سبب الملك، (من بيع وإرث) مع أنه يحتمل أن البائع والمورّث ليس بمالك.
(وإلا) أي: وإن لم يره يتصرّف كما ذكر مدة طويلة: (فـ) إنما يشهد (باليد، والتصرُّف)؛لأن المدة القصيرة لا تدل على الملك غالباً.
***
стр. 5296
[فصل: من شهد بعقد اعتبر ذكرُ شروطه]
(فصل. ومن شهد بعقدٍ) أي عقد كأن: (اعتُبر) لصحة شهادته به (ذكرُ شروطه)؛ لاختلاف الناس في بعض الشروط. فربما يكون ترك فيه شرط يعتقد الشاهد صحته بدونه (١) دون الحاكم.
(فيعتبر) في الشهادة (في نكاح) أن يشهد: (أنه تزوَّجها برضاها، أن لم تكن مُجبرة، و) أن يذكر (بقية الشروط) من كونه وقع بولي مرشد وشاهدي عدل، وأنها حين العقد خالية من الموانع.
قال في " الفروع ": ومن شهد بنكاح اعتبر ذكر شروطه، وعلله الشيخ وغيره؛ لئلا يعتقد الشاهد صحته وهو فاسد. فلعل ظاهره إذا اتحد مذهب الشاهد والحاكم لا يجب التبيين.
ونقل عبد الله: فيمن ادعى أن هذه الميتة امرأته وهذا ابنه منها فإن أقامها بأصل النكاح ويصلح ابنه فهو على أصل النكاح والفراش ثابت يلحقه.
وأن ادعت أن هذا الميت زوجها لم يقبل، إلا أن تقيم بينة بأصل النكاح وتعطى الميراث. والبينة أنه تزوجها بولي وشهود في صحة بدنه وجواز من أمره. ويأتي في أداء الشهادة لا يعتبر- يعني: أن يقول الشاهد- في صحته وجواز أمره. ومراده هنا: إما لأن المهر فوق المثل، أو رواية كمذهب مالك، أواحتياطا لنفي الاحتمال. انتهى.
(و) يعتبر في الشهادة (في رَضاع): أن يذكر الشاهد (عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها، أومن لبن حلب منه)؛ لأن الناس يختلفون في عدد الرضعات وفي الرضاع المحرم. فإن شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف؛ لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها. ولا بد أن يذكر أن ذلك في الحولين.
стр. 5297
(و) يعتبر في الشهادة (في قتل: ذكرُ القاتل، و) أن يذكر (أنه ضربه بسيف) فمات، (أوجرحه فقتله، أو) يشهد أنه (مات من ذلك) الجرح. (ولا يكفي) أن يشهد أنه (جَرحه فمات)؛ لجواز أن يكون مات بغير هذا. وقد روي عن شريح " أنه شهد عنده رجل فقال: اتكأ عليه بمرفقه فمات. فقال شريح: فمات منه أوقتله. فأعاد القول الأول. وأعاد عليه شريح سؤاله فلم يقل: فقتله أومات منه. فقال له شريح: قم فلا شهادة لك ". رواه سعيد. (و) يعتبر في الشهادة (في زناً: ذِكرُ) زانٍ، و (مزني بها، وأين) يعني: وفي أيّ مكان، (وكيف) زنى بها، من كونهما نائمين أوجالسين أوقائمين، (وفي أيّ وقت) زنى بها، لاحتمال أن يكون الزنا الذي يشهد به أحد الشهود غير الذي يشهد به الآخرون، فاعتبر ذكر ما يختلف به؛ ليزول هذا الاحتمال، (وأنه رأى ذَكَره في فرجها)؛ لأن اسم الزنا يطلق على ما لا يوجب الحد، وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنا زنا. فاعتبر ذكر صفته، واعتبر ذكر المرأة؛ لئلا تكون ممن تحل له، أوله في وطئها شبهة.
(و) يعتبر في الشهادة (في سرقة: ذكر مسروقُ منه، و) ذكر (نصاب،
و) ذكر (حرْزٍ، و) ذكر) صفتِها) أي: صفة السرقة. مثل أن يقول: خلع الباب ليلاً وأخذ الفرس، أوأزال رأسه عن ردائه وهو نائم في المسجد وأخذ الرداء أو نحو ذلك، لأن الحكم يختلف باختلاف السرقة، ولتتميز السرقة الموجبة للقطع من غيرها.
(و) يعتبر في الشهادة (في قذف: ذكرُ مقذوف) ليُعلم هل يجب بقذفه الحد أوالتعزير؛ (و) ذكر) صفة قذف) بأن يقول: أشهد أنه قال له: يا زانى، أوقال له: يا لوطي أوغير ذلك.
(و) يعتبر في الشهادة (في إكراه) على فعل أوقول يؤاخذ به لو لم يكن مكرها: أن يذكر (أنه ضربَه أوهدَّدَه) على ذلك (وهو قادر على وقوع الفعل) الذي هدده (به، ونحوه)؛ كما لو شهدا بأنه أوقع به شيئاً من العذاب، كعصر الساق ونحوه.
стр. 5298
(وإن شهدا: أن هذا ابنُ أمته) يعنى: شهد شاهدان أن (١) هذا العبد ابن أمة
هذا، (لم يحكم له به)؛ لجواز أن تكون ولدته قبل أن يملكها (حتى يقولا): وأنها (ولدته) وهي (في ملكه).
أوادعى إنسان ثمرة شجرة فشهد له شاهدان أنها ثمرة شجرته، لم يحكم له
بها حتى يقولا: وأنها أثمرتها وهي في ملكه. فإذا شهدا بذلك حكم له بالعبد والثمرة لأن البينة شهدت أن ذلك نماء ملكه، ونماء ملكه له ما لم يرد (٢) سبب بنقله عنه.
فإن قيل: فقد قلتم لا تقبل الشهادة بالملك السابق على الصحيح وهذه شهادة بملك سابق.
قلنا: الفرق بينهما على تقدير التسليم: أن النماء تابع للملك في الأصل،
فإثبات ملكه في الزمن الماضي [على وجه التبعية، وجرى مجرى ما لو قال: ملكته منذ سنة وأقام البينة بذلك فأن الملك يثبت في الزمن الماضي] (٣) تبعاً للحال. فيكون له النماء فيما مضى.
ولأن البينة هاهنا شهدت بسبب الملك وهو ولادة الجارية، أو وجود الثمرة
في ملكه فقويت بذلك. ولهذا لو شهدت بالسبب في الزمن الماضي فقالت: أقرضه ألفا، أو باعه سلعة بألف ثبت الملك وإن لم يذكره. فمع ذكره أولى.
(وإ ن شهدا: أن هذا الغزل من قطنه، أو) شهدا: أن هذا (الدَّقيق من
حنطته، أو) شهدا: أن هذا (الطير من بيضته حُكم له به)، لأنه لا يتصور أن يكون الغزل من قطنه قبل ملكه له، أو أن يكون الدقيق من حنطته قبل ملكه للحنطة، أو أن يكون الطير من بيضته قبل ملكه للبيضة.
ولأن الغزل ليس غير القطن وإنما تغيرت صفته، والدقيق ليس غير الحنطة
стр. 5299
وإنما تفرقت أجزاؤها، والطير ليس غير البيضة وإنما استحالت. فكأن البينة قالت: هذا غزله ودقيقه وطيره وليس كذلك الولد والثمرة، فأن ذلك غير الأم
والشجر ة (١) .
(لا إن شهدا: أن هذه البيضة من طَيره) فأنه لا يحكم له بالبيضة حتى يشهدا
أنها باضتها وهي في ملكه كما قلنا في ابن أمته؛ لجواز أن تكون الطيرة باضتها قبل أن يملكها، (أو) شهد شاهدأن: (أنه اشترى هذا) العبد، أوهذه الدار، أوهذا الثوب (من زيد، أو) شهدا أن زيداً (وقفه عليه، أو) شهدا لعبد زيد أن زيداً (أعتقه) لم يحكم بشيء من ذلك (حتى يقولا) أي: يقول الشاهدان: وأن زيداً باع ذلك أو وقفه أو أعتقه: (وهو في مِلكه)؛ لأنه يجوز أن يكون باع أو وقف أو أعتق ما ليس في ملكه.
ولأنه لو لم يشترط قول الشاهدين: وهو في ملكه لتمكن كل من أراد أن ينزع
شيئا من يد غيره أن يتفق هو وشخص ويبيعه إياه بحضره شاهدين ثم ينزعه المشتري من يد صاحبه ثم يقتسمانه، وفي ذلك ضرر عظيم لا يرد الشرع بمثله. (ومن ادَّعى إرْث ميتٍ، فشهدا) أي: شهد شاهدان: (أنه وارثُه،
لا يَعلمان) له وارثاً (غيره). فإن كانا من أهل الخبرة الباطنة سلم المال إليه
وجهاً واحداً، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي؛ لأن هذا مما لا يمكن علمه. فكفى فيه الظاهر مع شهادة الأصل بعدم وارث آخر.
وعلى المذهب: (أو قالا): لا نعلم له وارثاً غيره (في هذا البلد)؛ لأن
الأصل عدمه في غير هذا البلد وقد تيقنّا العلم به في هذا البلد. فصار في حكم المطلق.
وعلى المذهب: (سواء كانا) أي: الشاهدين (٢) (من أهل الخبرة الباطنة، أولا) وشهدا أنهما لا يعلمان له وارثاً مطلقاً أوفي هذه البلدة سواه:
стр. 5300
(سُلّم) المال (إليه بغير كفيل)؛ لأنه قد ثبت إرثه والأصل عدم الشريك فيه. فلا يطالب بكفيل، كغيره من الحقوق. (وبه) أي: ويسلم إليه المال بكفيل (إن) كان شاهداه (شهدا بإرثه فقط) أي: من غير أن يقولا: ولا نعلم له وارثاً سواه؛ لعدم قولهما ذلك.
قال الأزجي: فيمن ادعى إرثاً لا يحوج في دعواه إلى بيان السبب الذي يرث
به وإنما يدعي الإرث مطلقا؛ لأن أدنى حالاته أن يرثه بالرحم وهو صحيح على أصلنا، فإذا أتى ببينة فشهدت له بما ادعاه من كونه وارثا حكم له به. انتهى.
(ثم إن شهدا لآخر: أنه وارثُه، شارَك الأول) يعني: أنه لو شهد (١) شاهدان ل إنسان بإرثه هذا الميت ثم شهدا لآخر أنه وارثه: شارك الأول في إرث الميت.
قال في " الفروع ": ذكره ابن الزاغونى وهو معنى كلام أبي الخطاب
وابي الوفاء.
وقيل: لا يقبل في المسألة الأولى وهي إذا قالا: لا نعلم غيره. انتهى.
قال الشيخ موفق الدين (٢) في فتأويه: إنما احتاج إلى إثبات لا وارث سواه "
لأنه يعلم ظاهراً، فإن (٣) بحكم العادة يعلمه جاره ومن يعرف باطن أمره. بخلاف دينه على الميت لا يحتاج إلى إثبات لا دين عليه سواه؛ لخفاء الدين. ولأن جهات الإرث يمكن الاطلاع على يقين انتفائها. نقله عنه في "الفروع ". (ولا تردُّ الشهادة على نفي محصورٍ، بدليل هذه المسألة، و) مسألة
(الإعسار، وغيرهما).
فألقي " الفروع ": ولا ترد الشهادة على النفي مطلقاً، بدليل المسألة المذكورة والإعسار. والبينة فيه تثبت ما يظهر ويشاهد. بخلاف شهادتهما.
стр. 5301
لا حقّ له عليه. ويدخل في كلامهم قبولها إذا كان النفي محصوراً؛ كقول الصحابي: " دُعي إلى الصلاة فقام فطرح السكين وصلى ولم يتوضأ " (١) .
ولهذا قيل للقاضي في " الخلاف ": أخبار الصلاة على شهداء أحد مُثْبِتة وفيها زيادة، وأخباركم نافية، وفيها نقصان والمثبِتُ أولى. فقال: الزيادة هاهنا مع النافي، لأن الأصل في الموتى الغسل والصلاة.
ولأن العلم بالترك والعلم بالفعل سواء في هذا المعنى، ولهذا نقول: أن من قال: صحبت فلاناً في يوم كذا فلم يقذف فلاناً قبلت شهادته، كما تقبل في الإثبات.
وذكر أيضاً: أنه لا تسمع بينة المدعى عليه بعينٍ بيده، كما لا تسمع بأنه
لا حقَّ عليه في دين ينكره. فقيل له: لا سبيل للشاهد (٢) إلى معرفته، فقال: لهما سبيل وهو: إذا كانت الدعوى ثمن مبييع فأنكره وأقام البينة على ذلك، فإن للشاهد سبيلاً إلى معرفة ذلك بأن يشاهده أبرأه من الثمن أوأقبضه إياه، فكان يجب أن يقبل.
وفي " الروضة " في مسألة النافي للحكم: لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي، فأن ذلك إنما يعرف بأن يلازمه الشاهد من أول وجوده إلى وقت الدعوى، فيعلم إنتفاء سبب اللزوم قولاً وفعلاً، وهو محال.
وفي " الواضح ": العدالة بجمع كل فرض وترك كل محظور، ومن يحيط
به علما، والترك نفي، والشهادة بالنفي لا تصح. انتهى كلامه في " الفروع ". (وإن شهد اثنان: أنه ابنُه) أي: ابن هذا الميت، (لا وارثَ له غيره، و) شهد (آخران: أن هذا ابنَه، لا وارثَ له غيرُه قسم الإرثُ بينهما) ولا تعارض؛ لأنه يجوز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الأخرى.
стр. 5302
[فصل: فيما تبطل به الشهادة]
(فصل. وأن شهدا) أي: شهد شاهدان (أنه طلَّق) من نسائه واحدة ونسيا عينها، (أو) أنه (أعتق) من إمائه واحده ونسيا عينها، (أو) أنه (أبطل من وصاياه وأحدةً ونسيَا عينها: لم تقبل) هذه الشهادة في الأصح؛ لأنها شهادة بغير معين فلا يمكن العمل بها؛ فلم تقبل؛ كما لو قال: نشهد أن إحدى هذين الأمتين معتقة.
(وإن شهد أحدهما) أي: أحد شاهدين على إنسان (بغصبِ ثوبٍ أحمر،
و) شهد (الآخر بغصب) ثوب (أبيض، أو) شهد (أحدهما: أنه غصبه) أي: غصب التوب (اليوم، و) شهد (الآخر: أنه) غصبه (أمس: لم تَكمُل) البينة في الصورتين؛ لأن اختلاف الشاهدين فيما ذكر يدل على تغاير الفعلين؛ لأن ما شهد به أحد الشاهدين غير ما شهد به الاخر.
(وكذا كلُّ شهادةٍ على فعلٍ مُتَّحدٍ في نفسه؛ كقتل زيد) فأنه لا يكون إلا مرة واحدة، (أو) على فعل متَّحدٍ (باتفاقهما) أي: باتفاق المشهود له والمشهود عليه على أن الفعل لم يقع إلا مرة واحدة، كمسألة الغصب المتقدمة، و (كسرقة) ونحو ذلك: (إذا اختلفا) أي: اختلف الشاهدان (في وقته) أي: وقت الفعل، (أومكانه، أوصفةٍ متعلّقةٍ به) أي: بالمشهود به، (كلونه، وآلة قتل مما يدُّل على تغايُر الفعلين) فأن البينة لم تكمُل للتنافي، لأن كل واحد من الشاهدين مكذب للآخر. فيتعارضان،؛ كما لو كان المشهود به قتلاً. ويسقطان في الأصح.
(وإن أمكن تعدُّده) أي: تعدد الفعل، (ولم يَشهدا) يعني: الشاهدين (بأنه) أي: بأن الفعل (متحد)، ولم يصدق المشهود له على أن الفعل
стр. 5303
واحد: (ف) يكون (بكل شيء شاهد، فيعمل بمقتضى ذلك) فله أن يحلف مع حل كل شاهد يمينا ويقضى له بشهادة الشاهدين واليمينين حيث ادعى وجود الفعلين، (ولا) يكون هناك (تنافى) بين شهادة الشاهدين.
(ولو كان بدله) أي: بدل كل شاهد (بينة: ثبتا) يعني: البينتين (هنا) اي: في صورة ما إذا لم يشهد أوصدق (١) المشهود له أن الفعل متحد (إن ادعاهما) أي: ادعى المشهود له وجود الفعلين.
(وإلا) أي: وإن لم يدع إلا أحد الفعلين: ثبت (ما ادعاه) دون الاخر، (وتساقطتا في) المساًلة (الأولى) وهي مساًله اتحاد الفعل في نفسه أوباتفاقهما.
(وكفعل من قول) يعني: وكحكم الفعل من الأقوال (نكاح وقذف فقط) يعني: دون غيرهما من الأقوال. فإذا شهد شاهد أنه تزوجها أمس وشهد آخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل البينة؛ لأن النكاح الذي وقع أمس غير النكاح الذي وقع اليوم، فلم يشهد بكل واحد من النكاح إلا شاهد واحد. فلم يثبت؛ كما لو كانت الشهادة على فعل.
ولأن من شرط صحته. حضور الشاهدين له، فإذا اختلفا فى الوقت لم يتحقق حصول الشرط. فلم يثبت المشروط مع عدم تحقق وجود شرطه.
وإذا شهد شاهد أنه قذفه غدوة وشهد آخر أنه قذفه عشية، أوشهد أحدهما أنه قذفه خارج البلد وشهد آخر أنه قذفه داخل البلد، أوشهد أحدهما أنه قذفه بالعجميه وشهد الآخر أنه قذفه بالعربية: لم تكمل البينة على قذفه في الأصح؛ لأناختلاف الشهود في الوقت ونحوه شبهه، والحدود تدرأ بالشبهات.
(ولو كانت الشهاده على إقرار بفعل)؛ كقتل وسرقة وغصب، (أوغيره) يعني: أوكان الإقرار بغير فعل ولو) كان المقر به (نكاحا أوقذفا)، كما لو شهد عليه شاهد أنه
أقر أنه غصب زيدا كذا (٢) وهو عندي بدمشق، أوأنه قتله أو
стр. 5304
قذفه، أوأن له في ذمته كذا، وشهد آخر أنه أقر عندي بهذا بمصر: جمعت شهادتهما، وعمل بمقتضاها وفاقا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن المقر واحد وفارق الشهادة على الفعل، فإن الشهادة هناك على فعلين مختلفين.
ونظير ذلك من الإقرار: أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر عندي أنه قتله يوم الجمعة، فإن شهادتهما لا تقبل هاهنها. ويحق ما ذكرناه: أنه لا يمكن جمع [الشهود لسماع الشهادة في حق كل أحد، والعادة جارية بطلب الشهود في أماكنهم لا في جمعهم إلى] (١) المشهود فيمضي إليهم في أوقات متفرقة وأماكن مختلفة فيشهدهم على إقراره.
(أوشهد) شاهد (واحد بالفعل، و) شهد شاهد (آخر على إقراره) بذلك الفعل: (جمعت) وحكم بها وذلك؛ كما لو شهد واحد أنه غصبه هذا العبد، وشهد أخر أنه أقر بغصبه منه؛ لأن الشهادة لم تختلف؛ كما لوشهدا على إقراره في وقتين أنه غصبه منه.
(لا (٢) إن شهد واحد، بعقد نكاح أو قتل خطأ، و) شهد (آخر على إقراه) بذلك فإنها لا تجمع.
قال في " الإنصاف ": لو شهد واحد بعقد نكاح أوقتل خطا (٣) وآخر على إقراره: لم تجمع.
(ولمدعي القتل أن يحلف مع أحدهما) أي: مع أحد الشاهدين، (ويأخذ الدية)، سواء حلف مع الشاهد بالقتل، أومع الشاهد على الإقرار به.
(ومتى حلف مع شاهد الفعل) وهو الشاهد بالقتل: (فعلى العاقلة) يعني: أخذ الدية من عاقلة القاتل؛ لأن القتل ثبت بالبينة.
(و) متى حلف (مع شاهد الإقرار) بالقتل: (ففي مال القاتل) يعني:
стр. 5305
أخذت الدية من مال القاتل؛ لأن القتل ثبت بالإقرار، والعاقلة لا تحمل ما ثبت بالإقار.
(ولو شهدا) أي: شهد شاهدان (بالقتل، أو) شهد شاهدأن (الإقرار به) أي: بالقتل، (وزاد أحدهما) في شهادته: كون القتل (عمدا) ولم يذكر الاخر كونه عمدا أوخطأ: (ثبت القتل)؛ لاتفاق الشاهدين عليه، (وصدق المدعى عليه) بالقتل (في صفته) أي: في كون القتل عمدا، أوخطاً بيمينه. (ومتى جمعنا) شهادة الشاهدين (مع اختلاف وقت) أي: مع اختلافهما
في وقت، وكانت شهادتهما (في قتل أوطلاق: فالإرث) فيما إذا جمعنا شهادتهما في القتل (والعدة) فيما إذا جمعنا شهادتهما في الطلاق (يليان آخر المدتين)؛ لأن الأصل بقاء الحياة أوبقاء الزوجية إلى اخر المدتين.
(وإن شهد احدهما) أي: أحد الشاهدين على إنسان: (أنه أقر له) أي: لآخر (بألف أمس، و) شهد (الآخر: أنه اقر له به) أي: بالألف (اليوم): كملت البينة، (أو) شهد (أحدهما: أنه باعه داره امس، و) شهد (الآخر: أنه باعه إياها اليوم: كملت) أيضا وثبت الإقرار والبييع؛ لأن الألف التي شهد بها أحدهما في صورة الإقرار هي الألف التي شهد بها الآخر؛ لأن الشاهدين شهدا باًلف واحد.
ولأن البيع الذي شهد به أحدهما في صورة البيع هو البيع الذي شهد به الآخر.
وكذا إذا شهد أحدهما أنه طلق زوجته أمس وشهد الاخر أنه طلقها اليوم؛
لأن المشهود به شيئ واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحدا، فاختلافهما في الوقت ليس باختلاف فيه. فلم يؤثر؛ كما لو شهد أحدهما أنه أقر أوباع أوطلق بالعربية وشهد الآخر أنه أقر أوباع أوطلق بالفارسية.
(وكذا كل شهادة على قول غير نكاح وقذف). وتقدمت الإشارة إلى تعليلها.
(ولو شهد أحدهما: أنه أقر له بألف، و) شهد (الآخر: أنه اقر له بألفين): كملت البينة بألف واحد؛ لاتفاقهما عليه. (أو) شهد (أحدهما:
стр. 5306
أن له عليه ألفا، والآخر: أن له عليه ألفين: كملت) البينة (بألف) أيضا) (١) ؛لاتفاقهما عليه. (وله) أي: وللمشهود له (٢) (أن يحلف على الألف الآخر مع شاهده) ويستحقه. وهذا فيما إذا أطلق الشهادة أو لم تختلف الأسباب والصفات. ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
(ولو شهدا) أي: شهد شاهد أن لآخر (بمائة، و) شهد (اخران بعدد
أقل) من المائة: (دخل) الأقل من المائة في المائة، (إلا مع ما) أي: مع شيء (يقتضي التعدد)، كما لو شهد اثنان بمائة قرضا وشهدا اخران بخمسين من ثمن مبيع: (فيلزمانه) يعني: أن يلزمه المائة والخمسون، لاختلاف سببهما. (ولو شهد واحد بألف) وأطلق، (و) شهد (آخر بألف من قرض: كملت) شهادتهما، حملا للمطلق على المقيد.
لا إن شهد واحد بألف من قرض، و) شهد (آخر بألف من ثمن مبيع) فإن شهادتهما لم تكمل، وكان للمشهود له أن يحلف مع واحد منهما ويستحقهما، أويحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به.
(وإن شهدا) أي: شهد شاهدان على إنسان: (أن عليه ألفا) لزيد،
(وقال أحدهما: قضاه بعضه: بطلت شهادته). نص عليه، وذلك لأنه شهد بأن الألف جميعه عليه. فإذا قضاه بعضه لم يكن الألف كله عليه. فيكون كلامه
متناقضا فتفسد شهادته.
(وإن شهدا: أنه اقرضه الفا، ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادتهما)، لأن ذلك رجوع عن الشهادة بخمسمائة وإقرار بغلط نفسه وهذا
لا يقول ذلك على وجه الرجوع. والمنصوص عن أحمد: أن شهادته تقبل بخمسمائة، فأنه قال: إذا شهدا بألف ثم قال أحدهما قبل الحكم: قضاه منه خمسمائة أفسد شهادته يعني: في الخمسمائة وللمشهود له ما اجتمعا عليه وهو
стр. 5307
خمسمائة. فصحح شهادته في نصف الألف الباقي وأبطلها في النصف الذي ذكر أنه قضماه، لأنه بمنزلة الرجوع عن الشهادة به. فأشبه ما لو قال: أشهد باًلف بل بخمسمائة
قال أحمد: ولو جاء بعد هذا المجلس فقال: أشهد (١) أنه قضاه منه خمسمائة لم يقبل منه، لأنه قد أمضى الشهادة.
قال في " شرح المقنع ": فهذا يحتمل أنه أراد إذا جاء بعد الحكم فشهد بالقضاء لم يقبل منه، لأن الألف قد وجب بشهادتهما وحكم الحاكم ولا تقبل لشهادته بالقضاء؛ لأنه لا يثبت بشاهد واحد. فأما إن شهدا (٢) أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما: قضاه منه خمسمائة قبلت شهادته في باقي الألف وجها واحدا، لأنه لا تناقض في كلامه ولا اختلاف. انتهى.
(ولا يحل لمن) تحمل شهادة بحق إذا (اخبره عدل باقتضاء الحق أوانتقاله، أن يشهد به).
قال في " الإنصاف ": لو شهد عند الشاهد عدلان أوعدل: أنه اقتضاه ذلك الحق، أوقد باع ما اشتراه: لم يشهد له. نقله ابن الحكم.
وسأله ابن هانئ: لو قضاه نصفه، ثم جحده بقيته: أله أن يدعيه أو بقيته؛ قال: يدعيه كله وتقوم البينة فتشهد على حقه كله، ثم يقول للحاكم: قضانى نصفه. نتهى.
(ولو شهدا) أي: شهد شاهدان (على رجل: أنه أخذ من صغير الفا) من الدراهم أوالدنانير أوغيرهما، (و) شهد (اخران على) رجل (آخر: أنه اخذ من الصغير الفا) من دراهم ودنانير أوغيرهما الزم وليه) أي: ولي الصغير (مطالبتهما) أي: أن يطالب الرجلين (بألفين)؛ لأن الأصل أن الألف التي أخذها أحد الرجلين غير التي أخذها الاخر، فيلزم الولي أن يطالب بمال
стр. 5308
محجوره خشية ضياعه، (إلا أن تشهد البينان على ألف بعينها) يعني: أن الألف الذي أخذها أحد الرجلين هى عين الألف التي أخذها الاخر: (فيطلبها) أي: يطلب الولي الألف المعينة (من أيهما) يعني: من أي الرجلين (شاء) الولي؛ لأنها مضمونة على كل من الرجلين،
(ومن له بينة بألف فقال: أريد أن تشهد إلي بخمسمائة لم يجز) على الأصح، (ولو كان الحاكم لم يول الحكم فوقها) أي: فوق الخمسمائة في الأصح.
قال أحمد: إذا شهد على ألف وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائتين فقال له صاحب الحق: أريد أن تشهد لي على مائة لم يشهد إلا بألف.
قال القاضي: وذلك أن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد. قال الله : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾] المائدة: ١٠٨].
ولأنه لو ساغ للشاهد أن يشهد ببعض ما شهد لساغ للقاضي أن يقضي ببعض
ما شهد به الشاهد.
ولأن شهادته بمائة ربما أوهم أن هذه المائة غير الألف فيؤدي إلى إيجاب المائة عليه مرتين، مرة في ضمن الألف ومرة عند الشهاده بها منفرده عن الألف. قال أحمد: إذا فال: أشهد على مائة درهم، ومائة درهم [ومائة درهم] (١) ، فشهد على مائة دون مائة: كره. إلا أن يقول: أشهدوني على مائة ومائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كان. انتهى كلام احمد.
وعبارته في " المحرر ": إذا قال من له بينة بألف: أريد أن تشهد بخمسمائة (٢) لم يجزذلك، إذا كأن الحاكم لم يول الحكم بأكثر منها. وأجازه ابو الخطاب. انتهى.
قال في " الإنصاف ": قال شيخنا في حواشيه على " المحرر ": وهذا مشكل من جهة المعنى والنقل.
стр. 5309
أما من جهة المعنى: فأنه إذا كان قد ولى بأكثر منها، فليس معنا حاجة داعية
إلى الشهادة بالبعض. بخلاف العكس فأنه إذا لم يول بأكثر منها، فالحاجة داعيه إلى الشهادة بالبعض. وهو المقدار الذي يحكم به. ولهذا لم يذكر الشيخ في " المقنع "
وهذا القيد، ولا " الكافي " " لأنه- والله أعلم- فهم أنه ليس بقيد يحترز به.
ولا يقال: أنه لم يطلع عليه، لأنه في كلام أبي الخطاب وهو قد نقل كلامه.
وأما النقل فقال الإمام أحمد: إذا قال: اشهد على مائة درهم، ومائة درهم، ومائة درهم، فشهد على مائة دون مائة: كره. إلا أن يقول: أشهدوني على مائة ومائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كأن.
وقال الإمام أحمد: إذا شهد على ألف وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائة ومائتين. فقال صاحب الحق: أريد أن تشهد لي على مائة لم يشهد إلا بالألف. وأطال الكلام على ذلك ولعل في كلام " المحرر " تقديم وتأخير تقديره
- والله أعلم-: وأجازه أبو الخطاب إذا كأن الحاكم لم يول الحكم بأكثر منها.
(ولو شهد اثنان- في محفل- على واحد منهم: أنه طلق أو أعتق، أو على خطيب: أنه قال أو فعل على المنبر في الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما، مع المشاركة في سمع وبصر: قبلا). ذكره في " المغني " وغيره.
(ولا يعارضه) أي: يعارض ما تقدم (قول الأصحاب: إذا انفرد) شاهد (واحد فيما) أي: في نقل شيء (تتوفر الدواعي على نقله) أي: تدعو الحاجة إلى نقله، (مع مشاركة) خلق (كثيرين، رد) قوله، للفرق بين ما إذا شهد واحد، وبين ما إذا شهد اثنان، وبين تقييدهم بكون ذلك الشيء مما تتوفر الدواعي على نقله، وبين عدم ذلك القيد. والله أعلم.
стр. 5310
[باب: شروط من تقبل شهادته]
هذا (باب شروط من تقبل شهادته). وذلك لأنه لو لم يعتبر لقبول من يقول: أشهد بكذا شروط يغلب على الظن صدقه مع توفرها فيه لأدى ذلك إلى أن يشهد الفجار بعضهم لبعض، فتؤخذ الأموال بذلك بغير حق ولا سابق ملك. فلذلك اعتبر أحوال الشهود بخلوهم عما يوجب التهمة فيهم، ووجود ما يوجب تيقظهم وتحرزهم.
(وهي) أي: والشروط المعتبرة لذلك (ستة:
أحدها: البلوغ. فلا تقبل) الشهادة (من صغير)، ذكرا كان أو أنثى (ولو) كان الصغير ممن هو (في حال أهل العدالة مطلقا) أي: سواء شهد بعضهم على بعض، أوفي جراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها على الأصح، وفاقا لأبي حنيفة وأصحابه والشافعي؛ لقول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والصبي لا يسمى رجلا.
ولأنه غير مقبول القول في حق نفسه. ففي حق غيره أولى.
ولأنه غير كامل العقل. فهو في معنى المعتوه.
(الثانى: العقل، وهو: نوع من العلوم الضرورية) يستعد بها لفهم دقيق العلوم وتدبير الصنائع الفكرية. وإنما قالوا نوع منها؛ لأنه لو كان جميعها لوجب أن يكون الفاقد للعلم (١) بالمدركات لعدم الإدراك المعلق عليها غير عاقل. والعلم الضروري هو الذي لا يمكن ورود الشك عليه.
стр. 5311
(والعاقل: من عرف الواجب عقلا- الضروري وغيره- والممكن، والممتنع)، كوجود البارئ ، وكون الجسم الواحد ليس في مكانين، واستحالة اجتماع الضدين، وكون الواحد أقل من الاثنين، (و) عرف (ما ينفعه و) ما (يضره غالبا)، لأن الناس لو اتفقوا على معرفة ذلك لما اختلفت الآراء.
ولأن من لا عقل له لا يمكنه لحمل الشهاده ولا أداؤها (١) لاحتياجها إلى الضبط وهو لا يعقله.
إذا تقرر هذا (فلا تقبل) الشهادة (من معتوه، ولا مجنون إلا من يخنق أحيانا: إذا شهد) أي. تحمل الشهاده وأداها (فى إفاقته)، لأنها شهادة من عاقل. أشبه من لم يخنق (٢) .
(الثالث: النطق) أي: كون الشاهد متكلما.
وقال مالك والشافعي وابن المنذر: تقبل الشهادة من الأخرس إذا فهمت إشارته " لقيام الإشارة منه مقام نطقه في أحكامه من طلاق ونكاح وغير ذلك فكذلك في شهادته. واستدل ابن المنذر بأن النبي ﷺ أشار وهو جالس إلى الناس وهم قيام أن اجلسوا فجلسوا (٣) .
ولنا: أنها شهادة بالإشارة فلم تجز كإشارة الناطق؛ لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين. ولذلك لا يكتفى بإيماء الناطق. وإنما اكفتي بإشارة الأخرس في أحكامه المختصة به للضرورة.
وما استدل به أبن المنذر لا يصح، فأن النبي ﷺ كان قادرا على الكلام وعمل بإشارته في الصلاة. ولو شهد الناطق بالإشارة أو الإيماء (٤) لم تصح شهادته إجماعا.
стр. 5312
إذا تقرر هذا (فلا تقبل) الشهادة (من أخرس). نص على ذلك أحمد،
(إلا إذا أداها) الأخرس (بخطه) في الأصح. واختاره في " المحرر ".
قال في " الإنصاف " قلت: وهو الصواب.
(الرابع) من شروط الشهادة: (الحفظ)؛ لأن من لا يحفظ لا تحصل
/ الثقة بقوله ولا يغلب على الظن صدقه، لاحتمال أن يكون من غلطه.
إذا تقرر هذا (فلا تقبل) الشهادة (من مغفل، و) لا من (معروف- بكثرة
غلط و) كثرة (سهو).
وعلم مما تقدم أنها تقب ممن يقل منه الغلط والسهو، لأن ذلك لا يسلم منه أحد.
(الخامس: الإسلام) إلا في مساًله تأتي، لقول الله : (وأشهدوا ذوي عدل منكم) الطلاق: ٢ [والكافر ليس منا.
وقوله (واستشهدوا شهيدين من رجالكم)] البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس من رجالنا ولو قبلت شهادة غير
المسلمين لم يكن لقوله "منكم" فائدة.
ولأن الكافر غير مأمون.
وعنه: تقبل شهادة بعضهم على بعض. نقلها حنبل، لما روى جابر " أن
النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض (١) . رواه ابن ماجه
وكالمسلمين. -
وجواب ذلك: أن الخبر مردود بضعفه، فأنه من رواية مجالد (٢) . ولو سلم فيحتمل أنه أراد اليمين، لأنها تسمى شهاد؛ لقوله سبحانه، وتعالى (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) [النور: ٦].
стр. 5313
ولأن من لا تقبل شهادته على غير أهل دينه لا تقبل شهادته على أهل دينه.
إذا تقر هذا (فلا تقبل) الشهادة (من كافر- ولو على مثله- غير رجلين كتابيين، عند عدم) أي: عدم مسلم، (بوصية ميت بسفر مسلم أوكافر) أي: سواء كان الموصي مسلما أوكافرا على أصح الروايتين. نقلها الجماعه عن أحمد حتى قال الموفق وغيره: روى ذلك عن أحمد نحو من عشرين نفسا. (ويحلفهما) أي: يحلف الشاهدين الكتابيين (حاكم وجوبا) في الأصح. وقيل: لا يجب بل يندب.
(بعد العصر)؛ لخبر أبي موسى الآتي.
وقال ابن قتيبة: لأنه وقت تعظمه أهل الأديأن.
فيحلفان لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى، وما خانا ولا حرفا، وإنها لوصيته) أي: وصية الرجل الموصي.
قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر الماضين.
والأصل في ذلك قوله : ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ﴾] المائدة: ١٠٦]. وممن قال بذلك شريح والنخعي والأوزاعي
ويحيى بن حمزة. وقضى بذلك عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما.
(فإن عثر على أنهما) يعني: الشاهدين الكتابيين (استحقا إثما، قام اخران) أي: رجلأن (من أولياء الموصي فحلفا بالله تعالى: لشهادتنا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما. ويمضى لهم)؛ لقوله (١) : ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ
стр. 5314
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧].
وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقالوا: لا تقبل، لأن من
لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل على الوصية، كالفاسق. واختلفوا في تأويل الآيه فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء، ومنهم من قال المراد بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: من غير عشيرتكم، ومنهم من قال المراد بالشهادة: اليمين.
ولنا: نص الكتاب.
وقد قضى به رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده؛ فروي عن ابن عباس قال:
" خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن زيد. فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم. فلما قدما بتركته فقدوا جام (١) فضة مخوصا بذهب. فأحلفهما رسول الله ﷺ . ثم وجد الجام بمكة. فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي: فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام (٢) لصاحبهم. فنزلت فيهم: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ … ﴾ الآية [المائد-: ١٠٦] " (٣) .
وعن الشعبي " أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا (٤) ولم يجد حدا
من المسلمين يشهد على وصيته. فاًشهد رجلين من أهل الكتاب. فقدما الكوفة. فآتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته. فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ . فاًحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته
стр. 5315
فأمضى شهادتهما" (١) . رواه أبو داود. وروى الخلال حديث أبي موسى بإسناده. وأما حمل الاية على أنه أراد من غير عشيرتكم لا يصح، لأن الاية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين.
وقد فسر الآية بما قلنا سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وعبيدة وسعيد بن جبير وسليمان التيمي وغيرهم. ودلت عليه (٢) الأحاديث.
ولأنه لو صح ما ذكروه لم يجب عليهما يمين، لأن الشاهدين من المسلمين
لاقسامة عليهما.
وحملها على التحمل لا يصح أيضا، لأنه أمر بإحلافهم ولا يمين في التحمل. وحملها على اليمين لا يصح أيضا، لقوله : ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
وقد روى أبو عبيدة في " الناسخ والمنسوخ ": أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان.
قال أحمد: أهل المدين ليس عندهم حديث أبي موسى من أين يعرفونه؛
وقد ثبت هذا الحكم بكتاب الله ، وقضاء رسول الله ﷺ ، وقضاء الصحابة به، وعملهم بما ثبت (٣) في الكتاب والسنة فتعين المصير إليه والعمل به، سواء وافق القياس أوخالفه.
الشرط (السادس: العدالة). وهي في اللغة: عبارة عن الاستقامة
وا لاستواء " لأن العدل ضد الجور، والجور: الميل.
(وهي) في الشرع: (استواء أحواله) أي: أحوال المتصف بها (في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله.
стр. 5316
ويعتبر لها) أي: لكون ال إنسان متصفا بها (شيئان): -
أحدهما: (الصلاح في [الدين. وهو) نوعان:
أحدهما: (أداء الفرائض) أي: الصلوات الخمس والجمعة (برواتبها) أي: بسننها الراتبة في الأصح. وأومأ إلى ذلك أحمد بقوله فيمن يواضب (١) على ترك سنن الصلاة: رجل سوء.
ونقل أبو طالب: الوتر سنة سنها النبي ﷺ فمن ترك سنة من سننه فهو رجل سوء.
ووجه ذلك: أن تهاون ال إنسان بالسنن يدل على عدم محافظته على أسباب
إذا تقرر هذا (فلا تقبل) شهادة (ممن داوم على تركها) أي: ترك السنن
الراتبة.
وعلم مما تقدم أن الشهاده تقبل ممن تركها في بعض الأيام.
(و) الثاني من النوعين: (اجتناب المحرم)، وذلك: (بأن لا يأتي كبيرة
ولا يدمن) أي: يداوم (على صغيره) في الأصح.
وقيل: ولا يتكرر منه صغيرة.
وقيل: ثلاثا.
وفي " الترغيب ": بأن لا يكثر منها ولا يصر على واحدة منها (٢) .
وفي الخبر الذي رواه الترمذي: " لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار (٣) .
وذلك لأن اعتبار اجتناب كل محرم يؤدي إلى أن لا تقبل شهادة أحد، لأنه
стр. 5317
لا يخلو من ذنب. وقد قال الله ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]
مدحهم [الله سبحاله وتعالى] (١) " لاجتنابهم ما ذكر، وأن كان وجد منهم الصغائر.
واللمم: صغائر الذنوب.
وقيل: أن يلم بالذنب ولا يعود فيه.
ولأن التحرز من ذلك عسر. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: " أن تغفر اللهم
تغفر جما وأي عبد لك لا ألما (٢) أي: لم يلم. فأن" لا " مع الماضي بمنزلة " لم "مع المستقبل.
وقد نهى الله عن قبول شهادة القاذف؛ لكون القذف كبيرة فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة.
(والكذب صغيرة). فلا ترد الشهادة بالكذبة الواحدة.
وعنه: ترد بكذبه. وهو ظاهر " المغني "،] لأن الشهادة إخبار عما يعلمه، ومن علم منه كذب فهو غير مأمون في شهادته فوجب رد شهادته] (٣) . (إلا) الكذب (في شهادة زور، وكذب على نبي، و) كذب في (رمي فتن، ونحوه) " ككذب على أحد الرعية عند حاكم ظالم: (فكبيرة).
قال أحمد: ويعرف الكذب بخلف المواعيد. نقله عبد الله.
(ويجب) الكذب التخليص مسلم من قتل). جزم به في " الفروع ".
قال ابن الجوزي: أو كان المقصود واجبا.
(ويباج) الكذب الإصلاج) بين الناس، (و) لى (حرب، و) لى (زوجة فقط) في الأصح، للخبر (٤) .
стр. 5318
وقال ابن الجوزي: وكل مقصود محمود لا يتوصل إليه إلا به، وهو التورية
في ظاهر نقل حنبل وظاهر نقل ابن المنصور والأصحاب مطلقا.
ومن جاءه طعام فقال: لا آكله ثم أكله فكذب لا ينبغي أن يفعل. نقله المروذي. ومن كتب لغيره كتابا فأملى عليه كذبا لم يكتبه. نقله الأثرم.
وقال ابن حامد: وقد يقع الفسق بكل ما فيه ارتكاب لنهي وأن خلا عن حد
أو وعيد. وأنه مذهب مالك. وأن الشافعي لم يفسقه بشرب مسكر للخلاف، ولا بكذبة أوتدليس، في بيع وغش في تجارة.
قال في " الفروع ": وظاهر " الكافي ": العدل من رجح خيره ولم يأت كبيرة؛ لأن الصغائر تقع مكفرة أولا فأولا فلا تجتمع.
قال ابن عقيل: لولا الإجماع لقلنا به. - وظاهر " العدة " للقاضي: ولو أتى كبيرة.
قال شيخنا: صرح به في قياس الشبه.
واحتج في " الكافي " و" العدة " بقوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ … ) الآية [المؤمنون: ١٠٢]،.
وعنه: فيمن أكل الربا: إن أكتر لم يصل خلفه.
قال القاضي وابن عقيل: فاعتبر الكثرة.
وفي " المغنى ": إن أخذ صدقة محرمة وتكرر ردت.
(والكبيرة (١) : ما) أي: كل شيء (فيه حد في الدنيا)؛ كالزنا والسرقة، (أو) فيه (وعيد) خاص (في الآخرة)؛ كأكل الربا، وأكل مال اليتيم،
стр. 5319
وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وما أشبه ذلك. والصغيرة ما دون ذلك من المحرمات مثل: التجسس، وسب الناس بما دون القذف، واستماع كلام النساء الأجانب لغير ضرورة، والنظر المحر، والنبز باللقب
قال البيضاوي فى قوله : ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]: ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء، فإن النبز يختص بلقب السوء عرفا. انتهى. وفي " الفصول " و " الغنية " و " المستوعب ": الغيبة والنميمة من الصغائر.
إذا تقرر هذا (فلا تقبل شهادة فاسق بفعل؛ كزان وديوث، أو باعتقاد، كمقلد في خلق القرآن، أو) في (نفي الرؤية، أو) في (الرفض، أو) في (التجهم) بتشديد الهاء، (ونحوه) " كمقلد في التجسيم وفيما يعتقده الخوارج والقدرية ونحوهم على الأصح.
(ويكفر مجتهدهم الداعية). فالرافضة: هم الذين يعتقدون كفر الصحابة
أو فسقهم بتقديم غير علي عليه في الخلافة.
والجهمية: هم الذين يعتقدون أن الله ليس بمستو على عرشه، وأن القرآن المكتوب في المصاحف ليس بكلام الله ، بل هو عبارة عنه. والمعتزلة: هم الذين يقولون أن الله ليس بخالق للشر، وإن العبد يخرج من الإيمان بالمعصية، وينكرون الشفاعة.
قال في " الإنصاف ": من قلد في خلق القرآن، ونفي الرؤية ونحوهما:
فسق على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب.
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر. قاله في " الواضح ".
وعنه: يكفو كمجتهد.
وعنه فيه: لا يكفر. اختاره المصنف في رسالته إلى صاحب
" التلخيص "؛ لقول أحمد للمعتصم: يا أمير المؤمنين
стр. 5320
ونقل يعقوب الدورقي- فيمن يقول: القرآن مخلوق-: كنت لا أكفره حتى قرأت: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾] النساء: ١٦٦ [وغيرها.
فمن زعم أنه لا يدري: علم الله مخلوق أولا؛ كفر.
وقال في " الفصول "- في الكفارة، في جهمية وواقفيه وحرورية وقدرية ورافضية (١) - إن ناظر ودعا: كفر، وإلا لم يفسق؛ لأن أحمد قال: يسميع حديثه ويصلى خلفه.
قال: وعندي أن عامة المبتدعة فسقة كعامة أهل الكتابين كفار مع جهلهم.
قال: والصحيح لا كفر، لأن أحمد أجاز الرواية عن الحرورية والخوارج. وذكر ابن حامد: أنقدرية أهل الأثر، كسعيد بن أبي عروبة، والأصم: مبتدعة. وفي شهادتهم وجهان، وأن الأولى: لا تقبل " لأن اقل ما فيه: الفسق. وذكر جماعة في خبر غير الداعية: روايات. الثالثة: إن كانت مفسقة: قبل، وإن كانت مكفرة: رد.
واختار الشيخ تقي الدين: لا يفسق أحد. وقاله القاضي في " شرح الخرقي " في المقلد، " الفروع ".
وعنه: للداعية، كتفضيل علي على الثلاثة أو أحدهم، أولم ير مسح الخف أوغسل الرجل.
وعنه: لا يفسق من فضل عليا على عثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
قال في " الفروع ": ويتوجه فيه- وفيمن رأى " الماء من الماء " ونحوه: التسوية.
نقل ابن هانى: في الصلاة خلف من يقدم عليا على ابي بكر وعمر: إن كان جاهلا لا علم له: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال المجد: الصحيح أن كل بدعة لا توجب الكفر لا يفسق المقلد فيها
стр. 5321
لخفتها مثل: من يفضل عليا على سائر الصحابة، ونقف عن تكفير من كفرناه من المبتدعة.
وقال المجد أيضا: الصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها؛ كمن يقول بخلق القران، أو بأن ألفاظنا به مخلوقة، أو أنعلم الله مخلوق (١) ، أو أن أسمائه مخلوقة، أوأنه لا يرى في الآخرة،- أويسب الصحابة تدينا، أوأن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك. فمن كان عالما في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه: فهو محكوم بكفره. نص أحمد صريحا على ذلك في مواضع.
قال: واختلف عنه في تكفير القدرية بنفي خلق المعاصي، على روايتين.
وله في الخوراج كلام يقتضي في تكفيرهم روايتين.
نقل حرب: لا تجوز شهادة صاحب بدعة. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وبعدم قبول شهادة المبتدعة يقول مالك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
قال القاضي شريك (٢) أربعة لا تجوز شهادتهم: رافضي يزعم أن له إماما مفترضه (٣) طاعته، وخارجي يزعم أن الدنيا دار حرث، وقدري يزعم أن المشيئه إليه، ومرجئ. ورد شهادة يعقوب وقال: ألا أرد شهادة قوم يزعمون أن الصلاة ليست من الإيمان؛.
(ولا) تقبل شهادة (قاذف حد أولا) يعني أولم يحد (حتى يتوب)؛
لقول الله ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] فدل
أنه لا تقبل شهادتهم قبل التوبة وهذا عام فيما قبل الحد وبعده.
ولأنه قال (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (ضضض ٤)) [النور: ٤] فأخرجه مخرج التعليل لرد
стр. 5322
الشهادة. ثم استثنى من ذلك الذين تابوا من بعد. ذلك. فدل على عدم الفسق مع التوبة. فوجب قبول الشهادة حينئذ؛ لزوال علة المنع وهي: الفسق بالتوبة. وروي عن عمر " أنه كان يقول لأبي بكرة حين شهد على المغيرة بن شعبة بالزنا: تب أقبل شهادتك " (١) . ولم ينكر ذلك منكر، فكان إجماعا.
قال سعيد بن المسيب: " شهد على المغيرة ثلاثة رجال: أبو بكرة، وشبل بن معبد، ونافع بن الحارث، ونكل زياد. فجلد عمر الثلاثة، وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما وأبى أبو بكرة فلم تقبل شهادته. وكان قد عاد مثل النصل من العبادة ".
ولأنه تائب من ذنبه. فقبلت شهادته، كالتائب من الزنا. يحققه: أن الزنا أعظم
من القذف به، وكذلك سائر الذنوب إذا تاب فاعلها قبلت شهادته. فهذا أولى. ومحل ذلك: ما لم يحقق القاذف قذفه ببينة، أو إقرار مقذوف، أو لعان قاذف أن كان زوجا، فإن حققه لم يتعلق بقذفه فسق ولا حد ولا رد شهادة. (وتوبته) أي: توبة القاذف: (تكذيب نفسه ولو كان صادقا) في الأصح. فيقول: كذبت فيما قلت. وهذا منصوص الشافعي.
قال ابن عبد البر: وممن قال بهذا سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والشعبي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي ﷺ " أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥]، قال: توبته إكذاب نفسه ".
ولأن عرض المقذوف تلوث بقذفه.، فإكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث.
ولأن الله سمى القاذف كاذبا إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق بقوله : ﴿لَوْلا جَاؤُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. فتكذيب الصادق نفسه يرجع
إلى أنه كاذب في حكم ألله وإن كان في نفس الأمر صادقا
стр. 5323
قال في " شرح المقنع ": والقاذف في الشتم ترد شهادته وروايته حتى يتوب، والشاهد بالزنا إذا لم تكمل (١) البينة تقبل روايته دون شهادته.
وحكي عن الشافعي: أن شهادته لا ترد.
ولنا: أن عمر رضي الله تعالى عنه: لم يقبل شهادة أبي بكرة وقال له:
" تب أقبل شهادتك (٢) . وروايته مقبولة. ولا نعلم خلافا في قبول روايه أبي بكرة مع رد عمر شهادته. انتهى.
(وتوبة غيره) أي: غير القاذف (ندم) بقلبه على ما مضى من ذنبه، (وإقلاع) بأن يترك فعل الذنب الذي تاب منه، (وعزم على أن لا يعود) وهو:
أن يضمر أن لا يعود إلى ذلك الذنب الذي تاب منه. ولا يعتبر مع ذلك إصلاج العمل على الأصح.
وعنه: يعتبر في التائب إصلاج الحمل سنة.
والأول المذهب؛ لأن الله يغفر الذنب بمجرد التوبة " لقوله سبحنه وتعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. ومع المغفرة يجب أن تترتب الأحكام لزوال المانع منها
وهو الفسق، لأنه لا فسق مع زوال الذنب.
(وإن كان) فسق الفاسق (بترك واجب: فلا بد) لصحة توبته (من فعله)
أي: فعل الواجب الذي تركه، (ويسارع). فمن تاب من ترك الصلاه أو نحوها سارع إلى قضائها، وإن كان فسقه بترك حق لآدمي (٣) ؛ كقصاص وحد قذف اشترط لصحته توبته التمكين من نفسه ببذلها للمستحق.
(ويعتبر رد مظلمة) يعني: وإن كان فسقه بترك رد مظلمة " كمغصوب ونحوه: رده أورد بدله إن تلف، فإن عجز عن ذلك نوى رده متى قدر عليه،
стр. 5324
(أويستحله) اي: يستحل رب المظلمة بأن يطلب أن يحالله (١) ، (ويستمهله معسر) أي: ويستمهل التائب رب المظلمة إن عجز عن ردها، لعسرته.
وأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها والرجوع عنها، واعتقاد ضد ما كان يعتقده من مخالفة أهل السنة.
(ولا تصح) التوبة (معلقة) على شرط لا (٢) في الحال ولا عند وجود الشرط.
(ولا يشترط لصحتها) أي: صحة التوبة إن كانت (من قذف وغيبة، ونحوهما)؛ كنميمة (إعلامه) اي: إعلام المقذوف أو إعلا الذي اغتابه التائب أو نم عليه (والتحلل منه) على الأصح.
قال أحمد: إذا قذفه ثم تاب لا ينبغي أن يقول له: قد قذفتك، هذا يستغفر الله. انتهى.
قال بعض الأصحاب: ولعل أحمد إنما منع من قوله له: قد قذفتك؛ لما
فيه من تكرير قذفه وتجديد اذاه صريحا. ولم يمنع أحمد من استحلاله بغير هذه الصفة، ولا بلفظ عام مبهم. فإن الإبراء من المجهول صحيح.
(ومن أخذ بالرخص) بأن كان يتبع الرخص من المذاهب فيعمل بها: (فسق).
قال في " الفروع ": ومن إخذ بالرخص فنصه: يفسق. وذكره ابن عبد البر إجماعا.
وقال شيخنا: كرهه العلماء. وذكر القاضي غير متأول ولا مقلد (٣) . ويتوجه أيضا تخريج ممن ترك شرطا أوركنا مختلفا فيه لا يعيد في رواية. ويتوجه تقييده بما لم ينقض فيه حكم حاكم.
стр. 5325
وقيل: لا يفسق إلا العالم مع ضعف الدليل فروايتأن.
وأما لزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال إلى غيره في مسألة فيها ففيها وجهان، وفاقا لمالك والشافعي، وعدمه أشهر.
وفي لزوم طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه. وهو خلاف الإجماع.
قاله شيخنا. وقال: جوازه فيه ما فيه. قال: ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. قال: وإن قال ينبغي كان جاهلآ ضالا. قال: ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو يكون لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته، بلا نزاع.
وقال أيضا: في هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام.
وقال أيضا: بل يجب، وأن أحمد نص عليه. انتهى كلامه في
" الفروع ".
(ومن إتى فرعا) من فروع الفقة) مختلفا فيه) أي: في جوازه؛) كمن تزوج بلا ولي، أو) تزوج (بنته من زنا، أوشرب من نبيذ ما لا يسكر) أي: شيئا (١) لم يسكر به، (أو أخر الحج قادرا) أي: حال كونه مستطيعا) أن أعتقد تحريمه) أي: تحريم شيء مما ذكر: (ردت) شهادته على الأصح المنصوص عن أحمد؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه عمدا. فوجب أن ترد شهادته؛ كما لو كان ذلك الفعل مجمعا على تحريمه.
(وإن تأول) أي: وأنفعل شيئا من ذلك مستدلا على حله (٢) باجتهاده أومقلدا للمستدل: (فلا) ترد شهادته؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يختلفون في " الفروع "، وقبلوا شهادة كل مخالف لهم فيها (٣) .
ولأنه اجتهاد سائغ. فلا يفسق به المخالف فيه؛ كالمتفق عليه.