لخفتها مثل: من يفضل عليا على سائر الصحابة، ونقف عن تكفير من كفرناه من المبتدعة.
وقال المجد أيضا: الصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها؛ كمن يقول بخلق القران، أو بأن ألفاظنا به مخلوقة، أو أنعلم الله مخلوق (١) ، أو أن أسمائه مخلوقة، أوأنه لا يرى في الآخرة،- أويسب الصحابة تدينا، أوأن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك. فمن كان عالما في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه: فهو محكوم بكفره. نص أحمد صريحا على ذلك في مواضع.
قال: واختلف عنه في تكفير القدرية بنفي خلق المعاصي، على روايتين.
وله في الخوراج كلام يقتضي في تكفيرهم روايتين.
نقل حرب: لا تجوز شهادة صاحب بدعة. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
وبعدم قبول شهادة المبتدعة يقول مالك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
قال القاضي شريك (٢) أربعة لا تجوز شهادتهم: رافضي يزعم أن له إماما مفترضه (٣) طاعته، وخارجي يزعم أن الدنيا دار حرث، وقدري يزعم أن المشيئه إليه، ومرجئ. ورد شهادة يعقوب وقال: ألا أرد شهادة قوم يزعمون أن الصلاة ليست من الإيمان؛.
(ولا) تقبل شهادة (قاذف حد أولا) يعني أولم يحد (حتى يتوب)؛
لقول الله ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] فدل
أنه لا تقبل شهادتهم قبل التوبة وهذا عام فيما قبل الحد وبعده.
ولأنه قال (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (ضضض ٤)) [النور: ٤] فأخرجه مخرج التعليل لرد
стр. 5322
الشهادة. ثم استثنى من ذلك الذين تابوا من بعد. ذلك. فدل على عدم الفسق مع التوبة. فوجب قبول الشهادة حينئذ؛ لزوال علة المنع وهي: الفسق بالتوبة. وروي عن عمر " أنه كان يقول لأبي بكرة حين شهد على المغيرة بن شعبة بالزنا: تب أقبل شهادتك " (١) . ولم ينكر ذلك منكر، فكان إجماعا.
قال سعيد بن المسيب: " شهد على المغيرة ثلاثة رجال: أبو بكرة، وشبل بن معبد، ونافع بن الحارث، ونكل زياد. فجلد عمر الثلاثة، وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما وأبى أبو بكرة فلم تقبل شهادته. وكان قد عاد مثل النصل من العبادة ".
ولأنه تائب من ذنبه. فقبلت شهادته، كالتائب من الزنا. يحققه: أن الزنا أعظم
من القذف به، وكذلك سائر الذنوب إذا تاب فاعلها قبلت شهادته. فهذا أولى. ومحل ذلك: ما لم يحقق القاذف قذفه ببينة، أو إقرار مقذوف، أو لعان قاذف أن كان زوجا، فإن حققه لم يتعلق بقذفه فسق ولا حد ولا رد شهادة. (وتوبته) أي: توبة القاذف: (تكذيب نفسه ولو كان صادقا) في الأصح. فيقول: كذبت فيما قلت. وهذا منصوص الشافعي.
قال ابن عبد البر: وممن قال بهذا سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والشعبي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي ﷺ " أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥]، قال: توبته إكذاب نفسه ".
ولأن عرض المقذوف تلوث بقذفه.، فإكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث.
ولأن الله سمى القاذف كاذبا إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق بقوله : ﴿لَوْلا جَاؤُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. فتكذيب الصادق نفسه يرجع
إلى أنه كاذب في حكم ألله وإن كان في نفس الأمر صادقا
стр. 5323
قال في " شرح المقنع ": والقاذف في الشتم ترد شهادته وروايته حتى يتوب، والشاهد بالزنا إذا لم تكمل (١) البينة تقبل روايته دون شهادته.
وحكي عن الشافعي: أن شهادته لا ترد.
ولنا: أن عمر رضي الله تعالى عنه: لم يقبل شهادة أبي بكرة وقال له:
" تب أقبل شهادتك (٢) . وروايته مقبولة. ولا نعلم خلافا في قبول روايه أبي بكرة مع رد عمر شهادته. انتهى.
(وتوبة غيره) أي: غير القاذف (ندم) بقلبه على ما مضى من ذنبه، (وإقلاع) بأن يترك فعل الذنب الذي تاب منه، (وعزم على أن لا يعود) وهو:
أن يضمر أن لا يعود إلى ذلك الذنب الذي تاب منه. ولا يعتبر مع ذلك إصلاج العمل على الأصح.
وعنه: يعتبر في التائب إصلاج الحمل سنة.
والأول المذهب؛ لأن الله يغفر الذنب بمجرد التوبة " لقوله سبحنه وتعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. ومع المغفرة يجب أن تترتب الأحكام لزوال المانع منها
وهو الفسق، لأنه لا فسق مع زوال الذنب.
(وإن كان) فسق الفاسق (بترك واجب: فلا بد) لصحة توبته (من فعله)
أي: فعل الواجب الذي تركه، (ويسارع). فمن تاب من ترك الصلاه أو نحوها سارع إلى قضائها، وإن كان فسقه بترك حق لآدمي (٣) ؛ كقصاص وحد قذف اشترط لصحته توبته التمكين من نفسه ببذلها للمستحق.
(ويعتبر رد مظلمة) يعني: وإن كان فسقه بترك رد مظلمة " كمغصوب ونحوه: رده أورد بدله إن تلف، فإن عجز عن ذلك نوى رده متى قدر عليه،
стр. 5324
(أويستحله) اي: يستحل رب المظلمة بأن يطلب أن يحالله (١) ، (ويستمهله معسر) أي: ويستمهل التائب رب المظلمة إن عجز عن ردها، لعسرته.
وأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها والرجوع عنها، واعتقاد ضد ما كان يعتقده من مخالفة أهل السنة.
(ولا تصح) التوبة (معلقة) على شرط لا (٢) في الحال ولا عند وجود الشرط.
(ولا يشترط لصحتها) أي: صحة التوبة إن كانت (من قذف وغيبة، ونحوهما)؛ كنميمة (إعلامه) اي: إعلام المقذوف أو إعلا الذي اغتابه التائب أو نم عليه (والتحلل منه) على الأصح.
قال أحمد: إذا قذفه ثم تاب لا ينبغي أن يقول له: قد قذفتك، هذا يستغفر الله. انتهى.
قال بعض الأصحاب: ولعل أحمد إنما منع من قوله له: قد قذفتك؛ لما
فيه من تكرير قذفه وتجديد اذاه صريحا. ولم يمنع أحمد من استحلاله بغير هذه الصفة، ولا بلفظ عام مبهم. فإن الإبراء من المجهول صحيح.
(ومن أخذ بالرخص) بأن كان يتبع الرخص من المذاهب فيعمل بها: (فسق).
قال في " الفروع ": ومن إخذ بالرخص فنصه: يفسق. وذكره ابن عبد البر إجماعا.
وقال شيخنا: كرهه العلماء. وذكر القاضي غير متأول ولا مقلد (٣) . ويتوجه أيضا تخريج ممن ترك شرطا أوركنا مختلفا فيه لا يعيد في رواية. ويتوجه تقييده بما لم ينقض فيه حكم حاكم.
стр. 5325
وقيل: لا يفسق إلا العالم مع ضعف الدليل فروايتأن.
وأما لزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال إلى غيره في مسألة فيها ففيها وجهان، وفاقا لمالك والشافعي، وعدمه أشهر.
وفي لزوم طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه. وهو خلاف الإجماع.
قاله شيخنا. وقال: جوازه فيه ما فيه. قال: ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. قال: وإن قال ينبغي كان جاهلآ ضالا. قال: ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو يكون لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته، بلا نزاع.
وقال أيضا: في هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام.
وقال أيضا: بل يجب، وأن أحمد نص عليه. انتهى كلامه في
" الفروع ".
(ومن إتى فرعا) من فروع الفقة) مختلفا فيه) أي: في جوازه؛) كمن تزوج بلا ولي، أو) تزوج (بنته من زنا، أوشرب من نبيذ ما لا يسكر) أي: شيئا (١) لم يسكر به، (أو أخر الحج قادرا) أي: حال كونه مستطيعا) أن أعتقد تحريمه) أي: تحريم شيء مما ذكر: (ردت) شهادته على الأصح المنصوص عن أحمد؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه عمدا. فوجب أن ترد شهادته؛ كما لو كان ذلك الفعل مجمعا على تحريمه.
(وإن تأول) أي: وأنفعل شيئا من ذلك مستدلا على حله (٢) باجتهاده أومقلدا للمستدل: (فلا) ترد شهادته؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يختلفون في " الفروع "، وقبلوا شهادة كل مخالف لهم فيها (٣) .
ولأنه اجتهاد سائغ. فلا يفسق به المخالف فيه؛ كالمتفق عليه.
стр. 5326
الشيء (الثانى) مما يعتبر للعدالة (استعمال المروءة).
قال في القاموس: مرؤ ككرم، مروءه فهو مريء، أي: ذو مروءة وإنسانية انتهى.
ويكون استعمالها (بفعل ما يجمله ويزينه) في العاده؛ كالسخاء وحسن الخلق، وبذل الجاه (١) ، وحسن المجاورة ونحو ذلك، (وترك ما يدنسه ويشينه عادة) اي: في العادة من الأمور الدنيئة (٢) المزرية (٣)
(فلا شهادة) مقبولة المصافع ومتمسخر ورقاص ومشعبذ ومغن.
ويكره الغناء) بالمد وكسر الغين المعجمة. وهو: رفع الصوت بالشعر،
أو ما قاربه من الرجز على نحو (٤) مخصوص (واستماعه.
وطفيلي ومتزي بزي يسخر منه).
قال في " القاموس ": سخر منه وبه كفرح، سخرا وسخرا وسخرة ومسخرا وسخرا وسخرا: هزى، كا ستسخر انتهى.
(ولا لشاعر يفرط في مدح بإعطاء، و) يفرط (في ذم بمنع) من إعطاء،
(أو يشبب بمدح خمر، أوبمرد، أو بامرأة معينة- محرمة، ويفسق بذلك، ولا تحرم روايته.
ولا للاعب بشطرنج غير مقلد كمع عوض.
أوترك واجب، أو) مع (فعل محرم إجماعا، أو) لاعب (بنرد. ويحرمان) اي: الشطرنج والنرد، (أو) لاعب (بكل ما فيه دناءة حتى في ارجوحة، أو رفع ثقيل.
وتحرم مخاطرته بنفسه فيه) اي: في رفع الثقيل، (وفي ثقاف، أو) لاعب (بحمام طيارة.
стр. 5327
ولا) شهادة مقبولة أيضا (لمسترعيها) أي (١) : مسترعي الحمام (من المزارع (٢) ، أو) لمن يقتنيها (٣) (ليصيد بها حمام غيره.
ويباح) اقتناؤها (للأنس بصوتها واستفراخها، وحمل كتب. ويكره حبس طير لنغمته. .
ولا) شهادة مقبوله أيضا (لمن يأكل بالسوق) شيئا كثيرا، (لا) شيئا (يسيرا؛ كلقمة وتفاحة، ونحوهما) من الأشياء اليسيرة.
(ولا) شهادة مقبولة ايضا لمن يمد رجليه بمجمع الناس، أويكشف من
بدنه ما العاده تغطيته)؛ كصدره وظهره، (أو يحدث بمباضعة أهله) أي: زوجته (أو أمته (٤) ، أو يخاطبهما بـ) ـخطاب (فاحش بين الناس، أو يدخل الحمام بغير مئزر، أو ينام يين جالسين، أويخرج عن مستوى الجلوس بلا عذر، أو يحكي المضحكات، ونحوه) أي: ونحو ذلك من كل ما فيه سخف ما ودناءة؛ لأن من رضيه لنفسه واستحسنه فليست له مروءة ولا تحصل الثقة بقوله.
وقد روى أبو مسعود البدري قال: قال رسول الله ﷺ : " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (٥) . يعنى: أن من لم يستحيي (٦) صنع ما شاء.
ولأن المروءة تمنع الكذب وتزجر عنه ولهذا يمنع منه ذو المروءة وأن لم يكن متدينا.
ولأن الكذب دناءة والمروءة تمنع من الدناءة، وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب اعتبرت في العدالة؛ كالدين.
стр. 5328
قال في " شرح المقنع ": ومن فعل شيئا من هذا مختفيا به لم يمنع من قبول شهادته؛ لأن مروءته لا تسقط به، وكذلك أن فعله مرة أوشيئا قليلا لم ترد شهادته؛ لأن صغير المعاصي لا يمنع قبول (١) الشهادة إذا قل فهذا أولى.
ولأن المروءة لا تختل بقليل هذا ما لم لكن عادة. انتهى.
ثم أعلم أن المصافعين هم: الذين يصفع بعضهم بعضا لا يرون بذلك بأسا.
وأما المتمسخرون هم: الذين يسمونهم العامه المحبظين.
وأما المشعبذون وهم: المشعوذون فصفتهم الشعوذ.
قال ابن فارس: ليست هذه الكلمة في كلام أهل البادية. وهي: خفة في اليدين كالسحر. انتهى.
وأما الغناء فقد تقدم في المتن: أنه مكروه. وهو الذي قدمه صاحب
" الرعاية "-وصا ب " الفروع ".
وعبارة " الرعاية ": ويكره سماع الغناء والنوح بلا آلة لهو، ويحرم معهما. وقيل: وبدونهما، من رجل وامرأة.
وقيل: يباح، ما لم يكن معه منكر اخر.
وأن داومه أو اتخذه صناعه يقصد له، أواتخذ مخلاصا أوجارية مغنيين يجمع عليهما الناس: ردت شهادته.
وأن ستتر به وأكثر منه: ردها من حرمه أو كره (٢) .
وقيل: أ. وأباحه، لأنه سفه ودناءة يسقط المروءه.
وقيل: الحداء ونشيد (٣) الأعراب، كالغناء في ذلك.
وقيل: يباح سماعهما. انتهى.
стр. 5329
وعبارة " الفروع ": ويكره غناء.
وقال جماعة: يحرم.
قال في " الترغيب ": اختاره الأكثر.
قال أحمد: لا يعجبني.
وقال في الوصى: يبيع أمة للصبي على أنها غير مغنية، وعلى أنها لا تقرأ
بالألحان.
وذكر في " الشفاء " للقاضي عياض: الإجماع على كفر من استحله.
وقيل: يباح، وكذا استماعه.
وفي " المستوعب " و " الترغيب " وغيرهما: يحرم مع آلة لهو، بلا خلاف بيننا. وكذا قالوا هم وابن عقيل: إن كان المغني امرأة أجنبية.
ونقل المروذي ويعقوب: أن أحمد سئل عن الدف في العرس بلا غناء: فلم يكرهه. انتهى.
وأما الحداء بضم الحاء المهملة وهو: الإنشاد الذي تساق به الإبل فمباح فعله واستماعه؛ لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر. وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال. وكان أنجشة مع النساء. فقالط النبي ﷺ لابن رواحة: حرك بالقوم. فاندفع ينشد فتبعه أنجشة فأعنقت الإبل. فقال النبى ﷺ لأنجشة: رويدك. رفقا بالقوارير. يعني: النساء" (١) .
وكذلك سائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء.
وأما الشعر: فقيل لأحمد في رواية ابن منصور ما تكره منه؟ قال: الهجاء والرقيق الذي يشبب به النساء، وأما الكلام فما أنفعه.
стр. 5330
وقال الشافعي: الشعر كالكلام حسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أن من الشعر حكما " (١) .
و"كأن يصنع لحسان منبرا يقوم عليه فيهجو من هجا رسول الله ﷺ والمسلمين".
وأنشده كعب بن زهير (٢) قصيدته:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
في المسجد (٣) .
وقال عمرو بن الشريد: " أردفني رسول الله ﷺ فقال: أمعك من شعر أمية؟ قلت: نعم. فأنشدته بيتا فقال: هيه. فأنشدته بيتا. فقال: هيه حتى أنشدته مائة قافية " (٤) .
قال في " شرح المقنع ": وليس لنا (٥) في إباحة الشعر اختلاف. وقد قاله الصحابة والعلماء، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية والاستشهاد به في التفسير، ويعرف معاني كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ويستدل به أيضا على النسب (٦) والتاريخ وأيام العرب، ويقال: الشعر ديوان العرب.
فإن قيل: فقد قال الله سبحاله وتعالى: [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ] [الشعراء: ٢٢٤].
стр. 5331
وقال النبي ﷺ : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا " (١) . رواه أبو دأود وأبو عبيد (٢) .
وقال: معنى " يريه ": يأكل جوفه، يقال: وراه يريه.
قال الشاعر:
وراهن ربي مثل ما قد ورينني وأحمى على أكبادهن المكاويا
قلنا: أما الآية فالمراد بها من أسرف وكذب بدليل وصفه لهم بقوله:
[أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ] [الشعراء:
٢٢٥ - ٢٢٦]. ثم استثنى المؤمنين بقوله: [إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ٥] [الشعراء: ٢٢٧].
ولأن الغالب على الشعراء قلة الدين والكذب وقذف المحصنات وهجاء الأبرياء،
لا سيما من كان في ابتداء الإسلام ممن يهجو المسلمين ويهجو النبي ﷺ ويعيب الإسلام ويمدح الكفار. فوقع الذم على الأغلب واستثني منهم من لا يفعل الخصال المذمومة. فالآية دليل على إباحته ومدج أهله المتصفين بالصفات الجميلة.
وأما الخبر فقال أبو عبيد (٣) معناه: أن يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن والفقه.
وقيل: المراد به: ما كان هجاء وفحشا، فما كان من الشعر يتضمن هجاء المسلمين والقدح في أعراضهم أو التشبب بامرأة بعينها بالإفراط في وصفها فذكر أصحابنا أنه محرم (٤) . انتهى.
وأما ما اتخذه أرباب الدنيا من العادات والنزاهة التي لم يقبحها السلف ولا اجتنبها أصحاب رسول الله ﷺ مثل: تقذرهم عن حمل الحوائج وأقوات العيال،
стр. 5332
ولبس الصوف، وركوب الحمار، وحمل الماء على الظهر، والرزمة (١) إلى السوق فلا يعتبر شيء من ذلك فى المروءة الشرعية. فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ هذا يحمل الماء لأهله، وهذا يحمل الرزمة لسوقه وقد " ركب النبي ﷺ الحمار "، و " لبس الصوف واحتذى المخصوف " (٢) مع كونه قد أوتى مكارم الأخلاق، فلا ازدراء (٣) في ذلك ولا إسقاط مروءة. قاله في "المستوعب ".
وأما قراءة القرآن بالألحان من غير تلحين فلا بأس بها. وإن حسن صوته فهو أفضل، فإن النبي ﷺ قال: " زينوا أصواتكم بالقرآن" (٤) .
وروي أن النبي ﷺ قال لأبي موسى: " لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ، ولقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: لو أعلم أنك تسمع لحبرته. تحبيرا (٥) " (٦) .
وقال صالح في روايته: قلت لأبي: زينوا القرآن بأصواتكم ما معناه؟ قال: أن يحسنه.
وقيل له: ما معنى قوله ﷺ : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٧) قال: يرفع صوته به. وهكذا قال الشافعي.
وقال الليث: يتحزن به ويتخشع به ويتباكى به.
وقال ابن عيينة وعمرو بن الحارث ووكيع والقاضي وأبو يعلى: يستغني به.
стр. 5333
وقال ﷺ : " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر
به " (١) .
ومعنى قوله: " أذن " أي: استمع.
فأما من أسرف في المد والتمطيط وإشباع الحركات بحيث يجعل الضمة وأوا، والفتحة ألفا، والكسرة ياء: كره له ذلك.
وقد روي عن أحمد أن رجلا سأله عن ذلك. فقال له: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أيسرك أن يقال لك يا: موحامد؟
قال في " شرح المقنع ": واتفق العلماء على أنه يستحب قراءة القرآن بالتحزن (٢)
والتحسين.
وروى بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " اقروا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن" (٣) .
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله قال لرجل: لو قرأت. وجعل أبو عبد الله ربما تغرغرت عينه.
وقال زهير بن حرب: كنا عند يحيى القطان فجاء محمد بن سعيد الترمذي. فقال له يحيى: اقرأ. فقرأ فغشي على يحيى حتى حمل فأدخل.
وقال محمد بن صالح العدوي: قرأت عند يحيى بن سعيد القطان فغشي
عليه حتى فاته خمس صلوات. انتهى.
стр. 5334
وأما الطفيلي وهو: الذي يأتي طعام الناس من غير دعوة فترد شهادته. وبهذا قال الشافعي.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم فيه خلافا؛ وذلك لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: " من أتى إلى الطعام لم يدع إليه، دخل سارقا وخرج مغيرا " (١) .
ولأنه يأكل محرما ويفعل ما فيه سفه ودناءة وذهاب مروءة. انتهى.
وأما اللعب فكل لعب فيه قمار فهو حرام أي لعب كان. وهو من الميسر الذي أمر الله باجتنابه. ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته. وما خلا من القمار وهو العوض من الجانبين أومن أحدهما، فمنه ما هو محرم؛ كالنرد وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي؛ لما روى أبو موسى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من لعب بالنردشير فقد عصى الله ور سو له " (٢) .
وروى أبو دأود عن بريدة أن النبي ﷺ قال: " من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه " (٣) . رواهما أبو داود.
وأما الشطرنج فهو في معنى النرد في التحريم، إلا أن النرد آكد؛ لورود النص في تحريمه.
وممن ذهب إلى تحريم الشطرنج علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، وعروة، ومحمد بن علي بن الحسين، ومطر الوراق، وأبو حنيفة، ومالك.
وذهب الشافعي إلى إباحته، وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة وسعيد بن جبير.
فأن فعله من يعتقد إباحته لم ترد شهادته، إلا أن يشغله عن الصلاة في
стр. 5335
أوقاتها، [أويخرجه] (١) إلى الحلف الكاذب أو نحوه من المحرمات، أويفعل في لعبه ما يستخف به من أجله مما يخرجه عن المروءة فترد شهادته.
ومنه ما هو مباح؛ كالمسابقة بالخيل وغيرها، وكذا ما في معنى ذلك من الثقاف واللعب بالحراب.
وقد " لعب الحبشة بين يدي النبي ﷺ ، وقامت عائشة رضي الله تعالى عنها تنظر إليهم وتستتر به حتى ملت " (٢) .
وسائر اللعب إذا لم يتضمن ضررا ولا شغلا عن فرض فالأصل إباحته، فما كان منه فيه دناءة يترفع عنه ذو المروءات؛ كاللعب بحمام يطيرها منع الشهادة.
أما مع أذى جيرانه وإشرافه على دورهم ورميهم بالحجارة فحرام، وما كان من اللعب لا دناءة فيه لا ترد به الشهاده بحال.
وأما الذي يتحدث بمباضعته أهله أو أمته؛ فلما فيه من الدناءة وقلة المبالاة.
وقد روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: " أن من شر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة ثم ينشر سرها " (٣) .
(ومتى وجد الشرط) اي: شرط قبول الشهادة ممن منعنا قبولها قبل وجود الشرط: (بأن بلغ صغير، أوعقل مجنون، أو أسلم كافر، أو تاب فاسق: قبلت شهادته بمجرد ذلك)؛ لأن ردها إنما كان لمانع وقد زال.
وعنه: يعتبر في التائب إصلاح العمل سنة.
وعنه: يعتبر ذلك في توبة المبتدع.
وقيل: يعتبر مضي مدة يعلم حاله فيها.
* * *
стр. 5336
[فصل: فيما لا يشترط في الشاهد]
(فصل. ولا تشترط) في الشاهد (الحرية. فتقبل شهادة عبد وأمة في كل
ما يقبل فيه حر وحرة) على الأصح؛ لعموم آيات الشهادة وهو داخل فيها، فإنه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته وفتواه وأخباره الدينية.
وروى عقبة بن الحارث قال: "تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب. فجاءت أمة سوداء فقالت: قد (١) أرضعتكما. فذكرت ذلك لرسول الله وفقال: كيف وقد زعمت ذلك" (٢) . متفق عليه.
وفي رواية أبي داود: " فقلت يا رسول الله!: إنها لكاذبة. قال: وما يدريك؟ وقد قالت ما قالت. دعها عنك " (٣) .
ولأن القن إذا كان عدلا غير متهم، فإن شهادته تقبل؛ كالحر.
وقول المخالف: أنه ليس للقن مروءة ممنوع، بل هو كالحر ينقسم إلى من
له مروءة ومن لا مروءة له. وقد يكون من الأرقاء العلماء والأمراء والصالحون (٤) والأتقياء.
سئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد، فقال: أنا أرد شهادة عبد العزيز صهيب.
(ومتى تعينت) الشهادة (عليه) أي: على الرقيق: (حرم) على سيده (منعه) منها.
стр. 5337
نقل المروذي: من أجاز شهادته فلم يجز لسيده منعه من قيامها ولو عتق بمجلس الحكم فشهد: حرم رده.
قال في " الانتصار " و" المفردات ": فلو رده الحاكم مع ثبوت عدالته فسق أي:
الحاكم.
(ولا) يشترط أيضا (كون الصناعة) أي: صناعة الشاهد (غير دنيئة عرفا)
في الأصح؛ (فتقبل شهادة حجام وحداد وزبال) وهو: الذي يجمع الزبل.
(وقمام) وهو: الذي يقم المكان من زبل وغيره.
(وكناس) وهو: الذي يكنس الأسواق وغيرها.
(وكباش) وهو الذي يربي الكباش.
(وقراد) وهو: الذي يربي القرود ويطوف بها في الأسواق وغيرها متكسبا.
(ودباب) وهو: الذي يفعل بالدب كما يفعل القراد بالقرود.
(ونفاط) وهو: الذي يلعب بالنفط.
(ونخال) وهو: الذي تسميه العامة: المقلش. وهو: الذي يغربل في الطريق على فلوس وغيرها.
(وصباغ ودباغ وجمال وجزار، وكساح) وهو: الذي ينظف الحشوش.
(وحائك وحارس، وصائغ، ومكار، وقيم) إذا حسنت طريقتهم بأن كانوا محافظين على أداء الفرائض واجتناب المعاصي والريب؛ لأن بالناس حاجة إلى هذه الصناعات. فإن كل أحد لا يليها بنفسه. فلو قلنا: ترد الشهادة بذلك أفضى إلى أن يتركها الناس (١) فيشق ذلك عليهم.
(وكذا) تقبل شهادة (من لبس غير زي بلد يسكنه، أو زيه المعتاد بلا عذر: إذا حسنت طريقتهم) كما تقدم.
стр. 5338
(وتقبل شهادة ولد زنا)؛لأنه مسلم عدل في نفسه. فيدخل في عموم الآية، (حتى به) أي: حتى إذا شهد بالزنا؛ لأن كونه ولد من زنا ليس من فعله.
ولأنه لا مانع من جهته في شهادته بالزنا. فوجب أن يستوي في قبول شهادته الزنا وغيره.
(و) تقبل شهاده (بدوي على قروي) على الأصح. وفاقا لأبي حنيفة والشافعي.
وعن أحمد: أخشى أن لا تقبل.
واحتج من قال: لا تقبل بما روى أبو داود في " سننه " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " (١) .
ولأنه متهم حيث عدل عن أن يشهد قرويا، وأشهد بدويا.
قال أبو عبيد: ولا أرى شهادتهم ردت، إلا لما فيه من الجفاء لحقوق الله ، والجفاء في الدين.
واحتج من قال: تصح شهادته بأن الحديث محمول على من لم تعرف عدالته
من أهل البدو (٢) ونخصه بهذا.
(و) تقبل شهادة (أعمى بما سمع: إذا تيقن الصوت) خلافا لأبي حنيفه والشافعي، (وبالاستفاضة) وفاقا للشافعي.
قال المانع: لأن من لا تجوز شهادته على الأفعال لا تجوز على الأقوال؛ كالصغير.
ولأن الأصوات تشتبه فلا يحصل اليقين. فلم يجز أن يشهد بها؛ كالخط.
ولنا: قول الله سبحأنهوتعالى: [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ] [البقرة: ٢٨٢].
стр. 5339
ولأنه رجل عدل مقبول الرواية. فقبلت شهادته؛ كالبصير، وفارق الصغير
فأنه ليس برجل ولا عدل ولا مقبول الرواية.
ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين وقد يكون المشهود عليه ممن ألفه الأعمى، وكثرت (١) صحبته له، وعرف صوته يقينا ولا يشك فيه.
فوجب أتقبل شهادته؛ كالبصير. ولا سبيل إلى إنكار (٢) حصول اليقين في بعض الأحوال.
قال قتادة: السمع قيافة كقيافة البصر.
إذا ثبت هذا فأنه لا يجوز أن يشهد إلا إذا علم صوت المشهود عليه يقينا.
فأن جوز الأعمى أن يكون صوب غيره لم يجز أن يشهد على الصوت؛ كما لو
اشتبه على البصير المشهود عليه فإنه لا يشهد.
(و) تصح شهادة الأعمى أيضا (بمرئيات: تحملها قبل عماه) إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به؛ لأن العمى فقد حاسة تخل بالتكليف. فلم تمنع قبول الشهادة؛ كالصمم فيما طريقه السمع.
(و) كذا (لو لم يعرف المشهود عليه إلا بعينه: إذا وصفه للحاكم بما يتميز به) في الأصح؛ لأن المقصود تميز المشهود عليه من (٣) غيره وقد حصل. فوجب فبوله لذلك.
قال في " المقنع ": ويحتمل أن لا يجوز؛ لأنهذا مما لا ينضبط غالبا.
(وكذا) في الحكم: (إن تعذرت رؤية مشهود له، أو) مشهود (عليه، أو) مشهود (به لموت أوغيبة) فوصفه الشاهد للحاكم بما يتميز به.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: وكذا أن تعذر رؤية العين المشهود لها أو
عليها أو بها لموت أوغيبة واقتصر عليه ولم يذكر ما يخالفه.
стр. 5340
(والأصم كسميع فيما رآه) مطلقا؛ لأنه فيما رآه كغيره، (أو) فيما (سمعه قبل صممه) كغيره ممن ليس به صمم.
(ومن شهد بحق عند حاكم، ثم عمي أوخرس أوصم أوجن أو مات لم يمنع الحكم بشهادته أنكان عدلا)؛لأن ما طرأ بعد أداء الشهادة معنى لا يقتضي تهمته في حال الشهادة فلم يمنع قبولها. ولا يقاس ذلك على الفسق فأنه يورث تهمة حال الشهادة.
(وأنحدث مانع) للشاهد: (من كفر، أوفسق، أوتهمة قبل الحكم: منعه) أي: منع الحكم بشهادته؛ لاحتمال وجود ذلك عند الشهادة وانتفاء ذلك (١) حال الشهادة شرط (٢) لصحة الحكم. فوجب أن يمنعه.
(غير عداوة ابتدأها مشهود عليه: بأن قذف البينة، أو قاولها عند الحكومة)
فإن ذلك لا يمنع الحكم؛ لأنا لو منعنا الحكم بذلك لتمكن كل مشهود عليه من إبطال الشهادة عليه بابتداء عداوة الشاهد. فوجب أن لا يمنع لذلك.
قال في "الفروع": وإن شهد عنده ثم حدث مانع لم يمنع الحكم إلا فسق أو كفر أوتهمة، إلا عداوة ابتدأها المشهود عليه؛ كقذفه البينة، وكذا مقاولة وقت غضب ومحاكمة بدون عداوه ظاهرة سابقة.
قال في " الترغيب ": ما لم يصل إلى حد العداوة أو الفسق. وحدوث مانع
في شاهد أصل كحدوثه فيمن أقام الشهادة.
وفي " الترغيب ": إن كان بعد الحكم لم يؤثر. انتهى.
(وبعده) أي: وإن حدث المانع بعد الحكم وقبل استيفاء المحكوم به: (يستوفى مال) حكم به فقط، (لا حد مطلقا) أي: سواء كأن لله أو لآدمي؛ كحد قذف في الأصح، (ولا قود)؛ لأن ذلك إتلاف لا يمكن تلافيه.
стр. 5341
(وتقبل شهادة الشخص على فعل نفسه؛ كحاكم على حكمه بعد عزل (١) ، وقاسم ومرضعة على قسمته وإرضاعها ولو بأجرة)؛لأن كلا ممن ذكرنا يشهد لغيره. فصح على فعل نفسه؛ كما لوشهد على فعل غيره.
ولحديث عقبة بن الحارث في الرضاع (٢) . والباقي بالقياس عليه. والله أعلم.
* * *
стр. 5342
[باب: موانع الشهادة]
هذا (باب موانع الشهادة). الموانع: جمع مانع. وهو: اسم فاعل من منع الشيء، إذا حال بينه وبين مقصوده. فهذه الموانع تحول بين الشهادة ومقصودها. فإن المقصود من الشهادة قبولها والحكم بها.
(وهي) أي: موانع قبول الشهادة (سبعة:
أحدها: كون مشهود له يملكه) أي: يملك الشاهد له جميعه (أو بعضه)؛ لأن العبد يتبسط (١) في مال سيده، وتجب نفقته على سيده إن كان واحدا، أوعلى جميع المشتركين فيه، فهو كالأب مع ابنه.
(أو) كون مشهود له (زوجا) للشاهد (ولو في الماضي) يعني: ولو كانت شهادة أحد الزوجين للآخر بعد الطلاق البائن (٢) أوالخلع.
قال في " التنقيح ": ولو بعد الفراق.
وقال في " المبدع ": وظاهره ولو بعد الفراق. انتهى.
ولعل ذلك؛ لتمكنه من بينونتها ثم تشهد في حال البينونة ثم يعيدها.
ومنع قبول شهادة أحد الزوجين على الأصح؛ لتبسط كل واحد منهما في مال الآخر، واتساعه بسعته، وإضافة مال كل واحد من الزوجين إلى الآخر. قال الله سبحاله وتعالى: [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] [الأحزاب: ٣٣]. وقال : [لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ] [الأحزاب: ٥٣] فأضاف البيوت إليهن تارة، وإلى رسول الله ﷺ أخرى.
стр. 5343
ولأن يسار الرجل يزيد في نفقة امرأته، ويسارها يزيد في قيمة بضعها المملوك لزوجها.
ولأن كل واحد منهما يرث الآخر من غير حجب. فأوجب التهمة في شهادته.
(أو) كون مشهود له (من عمودي نسبه) أي: نسب الشاهد؛ فلا تقبل شهادة والد لولده، ولا ولد لوالده على الأصح. وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات. وسواء في ذلك الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، وآباؤهما وأمهاتهما من قبل الأب والأم وإن علو. (ولو لم يجر) الشاهد بما شهد (به نفغا غالبا) للمشهود له؛ (كـ) ما لو شهد له (بعقد نكاح أوقذف).
وذكر الترمذي أن هذا قول أكثر العلم. وذلك؛ لما روى الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في قرابة ولا ولاء " (١) . وفي إسناده يزيد بن زياد وهو ضعيف. قال الترمذي: لا يصح عندنا من قبل إسناده. ورواه الخلال بنحوه من حديث عمر وأبي هريرة.
والظنين: المتهم، وكل من الوالدين والأولاد متهم في حق صاحبه؛ لأنه يميل إليه بطبعه بدليل قوله ﷺ : " فاطمة بضعة (٢) مني يريبني ما أرابها " (٣) . وسواء اتفق دينهما أو اختلف.
(وتقبل) شهادة الشاهد (لباقي أقاربه؛ كأخيه وعمه).
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنشهادة الأخ (٤) لأخيه جائزة.
стр. 5344
روي ذلك عن ابن الزبير (١) . وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والشافعي وأصحاب الرأي؛ لعموم الآيات.
ولأنه عدل غير متهم. فتقبل شهادته له؛ كالأجنبي.
ولا يصح القياس على الوالد والولد؛ لأن بينهما بضعية (٢) وقرابة قوية.
بخلاف الأخ. وأما العم ونحوه كالخال فإنه لما أجيزت شهادة الأخ مع قربه كان ذلك تنبيها على قبول شهادة من هو أبعد منه بطريق الأولى.
(و) تقبل شهادة العدل (لولده) من زنا ورضاع (٣) ، (ووالده من زنا ورضاع) (٤) ؛لعدم وجوب الإنفاق والصلة، وعتق أحدهما على صاحبه، وعدم التبسط في ماله. قاله القاضي وأصحابه والموفق وصاحب "الترغيب".
(و) تقبل (لصديقه وعتيقه ومولاه).وهذا قول عامة أهل العلم؛ لعموم الآيات.
ولأنه لا تهمة في ذلك.
ورده ابن عقيل بصداقة وكيدة، وعاشق لمعشوقه؛ لأن العشق يطيش.
(وإن شهدا) أي: شهد عدلان (على أبيهما بقذف ضرة أمهما وهي تحته)
أي: وأمهما تحت أبيهما، (أو) بـ (طلاقها: قبلا) في الأصح.
قال في " الفروع ": وأنشهدا على أبيهما بقذف ضوة أمهما وهي تحته أو
طلاقها فاحتمالان في "المنتخب".وفي "المغني" في الثانية وجهان في القذف بناء على أن جر النفع (٥) للأم مانع. انتهى.
قال في " الإنصاف ": قطع الشارح بقبولها فيهما، وقطع الناظم بقبولها في
стр. 5345
الثانية. وفي " المغني ": في الثانية وجهان. قاله في " الفروع ".
قلت: قطع في " المغني " بالقبول في كتاب الشهادات عند قول الخرقي:
ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا. انتهى.
(ومن ادعى على معتق عبدين: أنه غصبهما منه) أي: غصب العبدين اللذين أعتقهما، (فشهد العتيقان بصدقه) أي: صدق مدعي غصبهما: (لم تقبل) شهادتهما، (لعودهما) بقبولها (إلى الرق).
قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي وغيره.
(وكذا لو شهدا) بعد عتقهما: (أن معتقهما كان حين العتق) أي: عتقه إياهما (غير بالغ، ونحوه)؛كشهادتهما أنه كان مجنونا حين عتقهما، (أو جرحا شاهدي حريتهما) فإن شهادتهما لا تقبل؛ لعودهما إلى الرق بذلك.
(ولو عتقا بتدبير أو وصية، فشهدا بدين)؛ كما لو شهدا بدين مستوعب للتركة، (أو
وصية مؤثرة في الرق: لم تقبل) شهادتهما؛ (لإقرارهما بعد الحرية برقهما لغير سيد).
قال في " الإنصاف ": ولا يجوز.
قلت: فيعايا بذلك كله. انتهى.
(الثانى) من موانع الشهادة: (أن يجر بها) أي: يجر الشاهد بشهادته (نفعا لنفسه؛ كشهادته) أي: شهادة (١) الإنسان (لرقيقه ولو) كان مأذونا له أو (مكاتبا)؛ لأن المكاتب رقيق، بدليل قول النبي ﷺ : " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (٢) .
(أو) شهادته (٣) (لمورثه بجرح قبل اندماله) فإنها لا تقبل؛ لأنه ربما
стр. 5346
يسري الجرح إلى النفس. فتجب الدية للشاهد بشهادته، فيصير كأنه شهد لنفسه.
(أو) شهادته (لموصيه) (١) ؛ لأنه ثبت له فيه حق التصرف فهو متهم في هذه الشهادة.
(أو) شهادته لـ (موكله فيما وكل فيه)؛ لأنه ثبت له فيه حق التصرف، حتى (ولو) كانت شهادة الوصي والوكيل (بعد انحلالهما) أي: انحلال الوصية والوكالة في الأصح.
قال في " الإنصاف ": ترد الشهادة من وصي ووكيل بعد العزل لموليه وموكله. على الصحيح من المذهب. انتهى.
ولعل ذلك: لوجود التهمة؛ لتمكنه من عزل نفسه ثم يشهد.
(أو) شهادته (لشريكه فيما هو شريك فيه).
قال في " المبدع ": لا نعلم فيه خلافا لاتهامه، وكذا المضارب بمال المضاربة. انتهى.
وإنما لم تقبل؛ لأنها شهادة لنفسه.
(أو) شهادة (لمستأجره بما استأجره فيه). نص عليه.
ومن أمثلة ذلك: ما لو استأجر إنسان قصارا على أن يقصر له ثوبا ثم نوزع في الثوب فشهد القصار أنه ملك لمن استأجره على قصارته فإنها لا تقبل.
(أو) شهادة ولي صغير أو مجنون أو سفيه لـ (من في حجره)؛ لأنها شهادة بشيء هو خصم فيه، فإنه الذي يطالب بحقوقهم ويخاصم فيها ويتصرف فيها. فلم تقبل شهادته بها؛ كما لو شهد بمال لنفسه.
ولأنه يأكل من أموالهم عند الحاجة فيكون متهما بالشهادة بها.
(أو) شهادة (غريم بمال لمفلس بعد حجر)؛ لتعلق حق غرمائه بماله
стр. 5347
بالحجر عليه، أو لمفلس مات، فأنه لو ثبت للمفلس أو للميت دين أو مال، تعلقت حقوقهم به فكأنهم شهدوا لأنفسهم.
(أو) شهادة (١) (أحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته)؛ لأنه متهم في ذلك بأخذ الشقص (٢) كله بالشفعة.
فإن قيل: فلم قبلتم شهادة الوارث لمورثه مع أنه إذا مات ورثه فقد جر إلى
نفسه بشهادته نفعا.
قلنا: لا حق له في ماله حين الشهادة، وإنما يحتمل أن يتجدد له حق.
وهذا لا يمنع قبول الشهادة؛ كما لو شهد لامرأة يحتمل أن يتزوجها أو لغريم له بمال يحتمل أن يوفيه منه أو يفلس فيتعلق حقه به. وإنما المانع ما يحصل به نفع حال الشهادة.
فإن قيل: فقد منعتم شهادته لموروثه بالجرح قبل الاندمال لجواز أن يتجدد
له وإن لم يكن له حق في الحال، فإن قلتم: قد انعقد سبب حقه. قلنا: فالشاهد لموروثه المريض بحق، فإن شهادته تقبل مع انعقاد سبب استحقاقه بدليل أن عطيته له لا تنعقد، وعطيته لغيره تتوقف على الخروج من الثلث.
قلنا: إنما منعنا الشهادة لموروثه بالجرح؛ لأنه ربما أفضى إلى الموت به.
فتجب الديه للوارث الشاهد به ابتداء. فيكون شاهدا لنفسه، موجبا له بها حقا ابتداء. بخلاف الشاهد للمريض أو المجروح بمال فإنه إنما يجب للمشهود له.
ثم يجوز أن ينتقل ويجوز أن لا ينتقل. فلم لمنع الشهادة له؛ كالشهادة لغريمه.
فإن قيل: قد أجزتم شهادة الغريم لغريمه بالجرح قبل الاندمال كما أجزتم شهادته له بالمال.
قلنا: إنما أجزناها؛ لأن الدية لا تجب للشاهد إبتداء إنما تجب للقتيل أو لورثته ثم يستوفي الغريم منها. فأشبهت الشهادة بالمال.
стр. 5348
(أو) شهادة (من له كلام أو استحقاق وإن قل) ذلك (في رباط أو مدرسة بمصلحة لها).
قال في " الإنصاف ": قال في " الفروع ": ظاهر كلام الأصحاب: عدم القبول ممن له الكلام في شيء، أويستحق منه، وإن قل نحو مدرسة ورباط.
قال الشيخ تقي الدين في قوم في ديوان أجروا شيئا: لا تقبل شهادة أحد منهم على مستأجره؛ لأنهم وكلاء أو ولاة.
قال: ولا شهادة ديوان الأموال السلطانية على الخصوم. انتهى.
(وتقبل) شهادة الوارث (لمورثه في مرضه بدين) في الأصح؛ لأن المانع من قبول الشهادة ما يحصل للشاهد به نفع حال أداء الشهادة، وهذا الذي يجوز أن ينتقل إلى الشاهد، ويجوز أن لا ينتقل. (وإن حكم بها) أي: بهذه الشهادة (ثم مات) المريض فانتقل الدين إلى الشاهد، (فورثه: لم يتغير الحكم)؛ لوقوعه صحيحا ولم يطرأ عليه ما يفسده.
ولأنه حكم ساغ فيه الخلاف. فلا ينقض؛ كسائر الأحكام.
الأمر (الثالث) من موانع قبول الشهادة: (أن يدفع بها) أي: يدفع الشاهد بشهادته (ضررا عن نفسه؛ كـ) شهادة (العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ)؛ لأنهم متهمون؛ لما في ذلك من دفع الدية عن أنفسهم. حتى ولو كان الشاهد بالجرح فقيرا أوبعيدا في الأصح؛ لجواز أن يؤسر أو يموت من هو أقرب منه.
(و) كشهادة (الغرماء بجرح شهود دين على مفلس)؛ لما في ذلك من توفير المال عليهم، وكشهادة الولى بجرج الشاهد على من في حجره، وكشهادة الشريك بجرج الشاهد على شريكه للتهمة.
(و) كشهادة (كل من لا تقبل شهادته له: إذا شهد بجرح شاهد عليه)؛ كالسيد يشهد بجرح من شهد على مكاتبه أوعبده يدين؛ لأنه متهم فيها؛ لما يحصل بها من دفع الضررعن نفسه. فكأنه شهد لنفسه.
وقد قال الزهري: مضت السنه في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا
стр. 5349
ظنين، والظنين: المتهم، وروى طلحة بن عبد الله بن عوف قال: " قضى رسول الله ﷺ أن لا شهادة لخصم ولاظنين " (١) .
الأمر (الرابع) من موانع قبول الشهادة: (العداوة)، ويعتبر كونها (لغير الله) سبحانه و (تعالى، سواء كانت موروثة أو مكتسبة).
وفي " الترغيب ": ظاهره (كفرحه بمساءته، أوغمه بفرحه، وطلبه له الشر).
قال في " الفنون ".: اعتبرت الأخلاق فإذا أشدها وبالا الحسد.
وقال ابن الجوزي: الإنسان مجبول على حب الترفع على جنسه، وإنما يتوجه الذم إلى من عمل بمقتضى التسخط على القدر، أو ينتصب لذم المحسود. قال: وينبغي أن يكره ذلك من نفسه.
قال في " الفروع ": وذكر شيخنا أن عليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه ويستعمل معه الصبر والتقوى، وذكر قول الحسن: لا يضرك ما لم تعد به يدا أو لسانا. قال: وكثير ممن عنده دين لا يعين من ظلمه، ولا يقوم بما يجب من حقه، بل إذا ذمه أحد لم يوافقه، ولا يذكر محامده، وكذا لو مدحه أحد لسكت، وهذا مذنب في ترك المأمور لا معتد.
وأما من اعتدى بقول أو فعل فذاك يعاقب.
ومن اتقى وصبر نفعه الله بتقواه، كما جرى لزينب بنب جحش.
وفي الحديث: " ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الحسد والظن والطيرة. وسأحدثكم بالمخرج من ذلك: إذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض ". انتهى.
(فلا يقبل) من شهد (على عدوه) في شيء (إلا في عقد نكاح). وتقدم ذلك في النكاح؛ لأن العدو متهم في حق عدوه وفاقا لمالك والشافعي.
стр. 5350
إذا علصت ذلك (فتلغو) الشهادة (من مقذوف على قاذفه، ومقطوع عليه الطريق على قاطعه) فلا تقبل شهادتهم إن شهدوا أن هؤلاء قطعوا الطريق علينا أوعلى القافلة، بل على هؤلاء. وليس للحاكم أن يسأل هل قطعوها عليكم معهم أولم يقطعوها عليكم معهم، لأنه لا يبحث عما شهد به الشهود. وإن شهدت البينة أنهم (١) عرضوا لنا وقطعوا الطريق على غيرنا، ففي " الفصول ": تقبل.
قال: وعندي لا. يعني: لا تقبل.
(و) تلغوا الشهادة أيضا (من زوج) إذا شهد على امرأته (في زنا).
قال في " المغني ": لأنه يقر على نفسه بعداوته لها، لإفسادها فراشه.
(بخلاف) شهادته عليها في (قتل وغيره)؛كسرقة ومال؛ لما في ذلك من بيع آخرته بدنيا غيره فافترقا.
(وكل من) قلنا (لا تقبل شهادته له)؛كعمودي النسب ونحو ذلك ممن قلنا لا تقبل شهادته له (فإنها) أي: فإن شهادته (تقبل عليه)؛ لأنه لا تهمة.
فوجب أن تقبل عليه، كغيره.
الأمر (الخامس) من موانع الشهادة: (الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، قبل الدعوى أوبعدها).
قال في " الإنصاف ": فائدتان:
إحداهما: قال في " الترغيب ": ومن موانع الشهادة: الحرص على أدائها
قبل استشهاد من يعلم بها، قبل الدعوى أوبعدها. فترد.
وهل يصير مجروحا بذلك؟ يحتمل وجهين.
وكذا ذكره في " الفروع " عن صاحب " الترغيب " وأقره عليه. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(إلا في عتق وطلاق، ونحوهما)؛ كظهار؛ لعدم اشتراط تقدم الدعوى على الشهادة بذلك.
стр. 5351
الأمر (السادس) من موانع الشهادة: (العصبية. فلا شهادة لمن عرف بها وبالإفراط في الحمية).
قال في " الإنصاف " عن صاحب " الترغيب ": ومن موانعها العصبية. فلا شهادة لمن عرف بها، وبالإفراط في الحمية؛ كتعصب قبيلة على قبيلة وإن لم يبلغ رتبة العداوة. انتهى.
واقتصر عليه في " الفروع ".
وقال في " الرعايتين " و " الحاوي ": ومن حرص على شهادة لم يعلمها، وأداها قبل سؤاله: ردت، إلا في عتق وطلاق ونحوهما من شهاده الحسبة.
قلت: والصواب عدم قبولها مع العصبية خصوصا في هذه الأزمنة. وهو في بعض كلام ابن عقيل. لكنه قال: في حيز العداوة. انتهى كلامه في "الإنصاف ". الأمر (السابع) من موانع الشهادة: (أن ترد) شهادة شاهد (لفسقه ثم يتوب، ويعيدها فلا تقبل للتهمة) فى أدائها؛ لكونه يعير بردها. فربما قصد بأدائها أن تقبل لإزالة العار الذي يلحقه بردها.
ولأنها ردت باجتهاد فقبولها نقض لذلك الاجتهاد.
وعنه: تقبل. حكاها في " الرعاية ".
(ولو لم يؤدها حتى تاب: قبلت)؛ لأن التهمة إنما كانت من أجل العار الذي يلحقه في الرد وهو منتف هنا.
(ولو شهد) إنسان حال كونه (كافرا، أو) شهد حال كونه (غير مكلف، أو) شهد حال كونه (أخرس، فزال ذلك) المانع، بأن أسلم الكافر، أو بلغ الصغير، أو زال الخرس، (وأعادوها) بعد ذلك: (قبلت)؛ لأن رد الشهادة في الحالات المذكورة لا غضاضة فيها فلا تقع تهمة في إعادة الشهادة. بخلاف المسألة التي قبلها.
(لا إن شهد) إنسان (لمورثه بجرح قبل برئه) فردت، (أو) شهد إنسان (لمكاتبه) بشيء فودت، (أو) شهد شريك (بعفو شريكه في شفعة عنها)
стр. 5352
أي: عن شفعته (١) (فردت) شهادته، (أو ردت)؛ لكونها (لدفع ضرر، أو جلب نفع، أوعداوة فبرأ مورثه) من الجرح، (وعتق مكاتبه، وعفا الشاهد عن شفعته، وزال المانع ثم أعادوها) فإنها لا تقبل في الأصح؛ لأن ردها كان باجتهاد الحاكم. فلا ينقض بالاجتهاد (٢) الثانى.
ولأنها ردت للتهمة. أشبهت المردودة للفسق.
(ومن شهد بحق مشترك بين من ترد شهادته له وأجنبى ردت).نص عليه؛ (لأنها) أي: الشهادة (لا تتبعض في نفسها).
وقيل: تصح للأجنبي. والله أعلم.
* * *
стр. 5353
[باب: أقسام المشهود به]
هذا (باب أقسام المشهود به) من جهة عدد الشهود؛ لأن عدد الشهود يختلف باختلاف المشهود به. قال الله : [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ] [البقرة: ٢٨٢]. وهذا في الأموال.
وقال في الزنا: [لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] [النور: ١٣].فدل هذا على اعتبار العدد في الجملة.
(وهي) أي: وأقسامه (سبعة:
أحدها: الزنا. وموجب حده)؛كاللواط. (فلا بد) في ثبوته (من أربعة رجال) عدول ظاهرا وباطنا (يشهدون به) أي: بالزنا أو اللواط، (أو أنه) أي: المشهود عليه بذلك (أقر أربعا) أي: أربع مرات بذلك على الأصح؛ لقوله : [لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ] [النور: ١٣].فجعلهم كاذبين إذ لم يأتوا بالأربعة. فوجب أن لا تقبل الثلاثة؛ لأن الله أثبت كونهم كاذبين، وقد قال النبي ﷺ لهلال بن أمية: "أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك " (١) .
وأما اعتبار الأربعة في الإقرار بالزنا؛ فلأنه إثبات للزنا. فاعتبر فيه أربعة؛ كشهود الفعل.
القسم (الثاني: إذا ادعى من عرف بغنى: أنه فقير) ليأخذ الزكاة، (فلا بد من ثلاثة رجال). وتقدم دليل ذلك في باب ذكر أهل الزكاة.
стр. 5354
القسم (الثالث: القود) أي: ما يوجبه، (والإعسار، ووطء يوجب التعزير).
قال ابن نصر الله عند قول صاحب " الفروع": ومن عزر بوطء فرج ثبت برجلين، وقيل: أربعة: يدخل في هذا مني وطئ زوجته في حيض، أو إحرام، أو صوم، أو واطئ البهيمة (١) ونحو ذلك. فأما إن (٢) كان الوطء مباحا لا يوجب حدا ولا تعزيرا؛ كوطء الرجل أمته أو زوجته إذا احتاج إلى إثبات ذلك فالظاهر أن حكمه كذلك. وهو: أن يثبت برجلين؛ لأنه لا يوجب حدا وليس مما يختص به النساء غالبا حتى يكتفى فيه بامرأة. ولم أجد هذه المسألة في كلام الأصحاب مصرحا بها. انتهى.
(وبقية الحدود)؛ كحد القذف وحد الشرب (فلا بد من رجلين).
وعنه: لا يقبل في القود إلا أربعة.
والأول المذهب؛ لأنه أحد نوعي القصاص. فيقبل فيه اثنان؛ كقطع الطرف.
وأما كونه لا يقبل فيه شهادة النساء؛ فلأن الشهادة بذلك شهادة بما يحتاط فيه ويسقط بالشبهة. فلم يقبل فيه شهادة النساء؛ لنقصهن بدليل قوله : [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى] [البقرة: ٢٨٢].
ولأنه لا تقبل شهادتهن منفردات وإن كثرن.
(ويثبت القود بإقرار مرة).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وعنه: أربع.
نقل حنبل: يردد، ويسأل عنه لعل به جنونا أوغير ذلك، على ما ردد النبي ﷺ انتهى.
стр. 5355
القسم (الرابع: ما ليس بعقوبة ولا مال، ويطلع عليه الرجال غالبا؛ كنكاح ورجعة، وخلع وطلاق، ونسب وولاء. وكذا توكيل وإيصاء في غير مال فـ) إن حكم ذلك (كالذي قبله) على الأصح؛ لأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال. فلم يكن للنساء في شهادته مدخل؛ كالحدود والقصاص.
قال القاضي: المعول عليه في المذهب أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال.
وقد نص أحمد ﵀ في رواية الجماعة على أنه لا تجوز شهادة النساء في النكاح والطلاق.
وقد نقل عن أحمد (١) في الوكالة: إن كانت بمطالبة دين- يعني: تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين- فأما غير ذلك فلا.
ووجه ذلك: أن الوكالة في اقتضاء الدين يقصد منها المال. فيقبل فيها شهادة رجل وامرأتين؛ كالحوالة.
القسم (الخامس: المال، وما يقصد به المال؛ كقرص، ورهن، ووديعة، وغصب، وإجارة، وشركة، وحوالة، وصلح، وهبة، وعتق، وكتابة، وتدبير، ومهر وتسميته، ورق مجهول، وعارية، وشفعة، وإتلاف مال وضمانه)، وعلى الأصح (وتوكيل) فيه (وإيصاء فيه، ووصية به لمعين ووقف عليه، وبيع وأجله وخيار، وجناية خطأ وعمدا: لا توجب قودا بحال، أو توجب مالا وفي بعضها قود؛ كمأمومة وهاشمة ومنقلة، له قود موضحة في ذلك، وفسخ عقد معاوضة، ودعوى قتل كلافر لأخذ سلبه، ودعوى أسير تقدم إسلامه لمنع رقه، ونحوه) أي: ونحو ذلك مما يقصد به المال؛ لأن المال لما انحطت رتبته عن غيره من الأشياء المشهود بها لكونه يدخله البدل والإباحة وتكثر
فيه المعاملة، وهو مما يطلع عليه النساء والرجال وسع الشرع باب ثبوته.
إذا علمت ذلك: (فيثبت المال برجلين، ورجل وامرأتين)؛ لقوله سبحانه
стр. 5356
وتعالى: [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ] [البقرة: ٢٨٢].وسياق الآية يدل على اختصاص ذلك بالأموال. والإجماع منعقد على ذلك.
(و) يثبت المال أيضا (برجل ويمين)؛ لما روى ابن عباس "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد " (١) .رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. وأحمد في رواية:
"إنما ذلك في الأموال" (٢) .
وعن جابر " أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد " (٣) .رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
ولأحمد من حديث عمارة بن حزم وحديث سعد بن عبادة مثله (٤) .
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي " أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق " (٥) .
و" قضى به علي رضي الله تعالى عنه بالعراق " (٦) .رواه أحمد والدارقطني وذكره الترمذي.
وعن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة قال: " قضى رسول الله ﷺ باليمين
стр. 5357
مع الشاهد الواحد " (١) . رواه ابن ماجه والترمذي وأبو داود.
وهذا الحديث هو الذي كان سهيل يقول: حدثني ربيعة عني أنى حدثته؛ لأنه كان أصاب سهيلا علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه. وهذا الحديث يروى عن ثمانية من الصحابة على وابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن عمر وأبي وزيد بن ثابت وسعد بن عبادة، وعن عمارة بن حزم أيضا كما سبق.
ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه ولذلك شرعت في حق
صاحب اليد والمنكر، لقوة جانبهما. فصاحب اليد بالتصرف، والمنكر لموافقة الأصل، والمدعي هاهنا قوي جانبه بالشاهد وظهر صدقه. فوجب أن يشرع اليمين في حقه لذلك. وسواء كان المدعي مسلما أو كافرا، رجلا أو امرأة؛ لأن من شرعت اليمين في حقه لا يختلف حكمه باختلاف هذه الأوصاف كالمنكر.
(لا) بشهادة (امرأتين ويمين) يعني: أنه لا يثبت المال بشهادة امرأتين ويمين مكان رجل ويمين في الأصح، لأن النساء لا تقبل شهادتهن في الأموال منفردات. ولهذا لو شهد أربع نسوة لم يقبلن (٢) . فكذلك هاهنا.
(ويجب تقديم الشهادة) أي: شهادة الرجل الواحد (عليه) أي: على الحلف (٣) ؛ لأن اليمين إنما شرعت في حق من قوي جانبه، ولا يقوى جانب المدعي إلا بشهادة الشاهد قبل حلفه. ولا يشترط أن يقول المدعي في حلفه: وأن شاهدي صادق في شهادته في الأصح، لأنه لا يعتبر يمين المشهود له في ثبوت شهادة الشاهد. ولذلك لو طلب المشهود عليه ذلك لم يلزمه أن يجيبه. وقد ثبتت (٤) شهادة الشاهد هاهنا. فلم يجب حلف المشهود له على صحتها؛ كما لو كان مع الشاهد غيره.
стр. 5358
(ولو نكل عنه) أي: عن الحلف (من أقام شاهدا) واحدا: (حلف مدعى عليه، وسقط الحق. فإن نكل) المدعى عليه عن الحلف (حكم عليه) بالنكول. نص عليه. ولا ترد اليمين على المدعي؛ لأنها كانت في جنبته وقد أسقطها بنكوله عنها وصارت في جنبة غيره. فلم تعد إليه؛ كالمدعى عليه إذا نكل عنها.
(ولو كان لجماعة حق بشاهد) واحد (فأقاموه. فمن حلف: أخذ نصيبه)؛ لكمال النصاب من جهته. (ولا يشاركه) فيما يأخذه (من لم يحلف)؛ لأنه لاحق له فيه؛ لأنه لم يجب له شيء قبل حلفه. (ولاتحلف ورثة ناكل) أقام شاهدا ونكل عن اليمين مع شاهده ثم مات، إلا أن يموت قبل امتناعه من الحلف فيحلف وارثه ويأخذ ما شهد به الشاهد.
القسم (السادس) من أقسام المشهود به: (داء دابة وموضحة، ونحوهما)؛ كداء بالعين. (فيقبل) في ذلك (قول طبيب) واحد، (وبيطار واحد)، وكحال واحد؛ (لعدم غيره في معرفته) أي: معرفة ما تقدم ذكره ونحوه. نص أحمد على ذلك؛ لأن ما يقوله الطبيب أوالبيطار (١) [أو الكحال] (٢) في ذلك حكم يخبر به عن بصره واجتهاده. فوجب قبول قوله وإن كان واحدا؛ كالقاضي يخبر عن حكمه في غير ذلك. واطلق في
" الروضة " قبول الواحد.
(فإن لم يتعذر) بأن كان بالبلد أكثر من واحد يعلم ذلك: (فاثنان) يعني: فلا يثبت ذلك إلا بشهادة طبيبين، أو بيطارين، أوكحالين.
(وإن اختلفا) بأن قال أحدهما بوجود الداء، وقال الآخر بعدمه: (قدم قول مثبت) على قول ناف؛ لأنه يشهد بزيادة لم يدركها النافي.
القسم (السابع) من أقسام المشهود به: (ما لا يطلع عليه الرجال غالبا؛
стр. 5359
كعيوب النساء تحت الثياب، والرضاع والاستهلال، والبكارة والثيوبة، والحيض ونحوه) فيدخل في ذلك البرص في الجسد تحت الثياب، والرتق والقرن والعفل ونحو ذلك، (وكذا جراحة وغيرها في حمام وعرس، ونحوهما مما لا يحضره رجال. فيكفي فيه امرأة عدل) على الأصح. (والأحوط اثنتان)؛ لما روى حذيفة " أن النبي أجاز شهادة القابلة وحدها " (١) . ذكره الفقهاء في كتبهم.
وروى أبو الخطاب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال:
" يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة ".
ولأن ذلك معنى يثبت بقول النساء المنفردات (٢) .فلا يشترط فيه العدد؛ كالرواية وأخبار الديانات.
(وإن شهد به) أي: بما يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة (رجل) واحد، (فأولى) أي: فالاكتفاء بقبوله فيه أولى؛ (لكماله) أي: لأنه أكمل من المرأة.
ولأن كل ما يقبل فيه قول المرأة يقبل فيه قول الرجل؛ كالرواية.
* * *
стр. 5360
[فصل: مسائل في الشهادة]
(فصل. ومن ادعت إقرار زوجها بأخوة رضاع) أي: بأن زوجته أخته من الرضاع، (فأنكر) ذلك الإقرار: (لم يقبل فيه) أي: في ثبوته (إلا رجلان)؛ لأن الإقرار بذلك ليس بمال ولا يقصد به المال، ومما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال.
(وإن شهد بقتل العمد رجل وامراتأن: لم يثت شيء) يعني: لا قصاص ولا دية على الأصح؛ لأن قتل العمد يوجب القصا ص، والمال بدل منه. فإذا لم يثبت الأصل لم يجب بدله. وإن قلنا موجبه أحد شيئين لم يتعين أحدهما إلا بالاختيار. فلو أوجبنا بذلك الدية أوجبنا معينا بدون الاختيار.
ومن ادعى على رجل أنه ضرب أخاه بسهم عمدا فقتله ونفذ إلى أخيه الآخر فقتله خطأ، وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أوشاهدا وحلف معه ثبت قتل الثانى لأنه خطأ موجبه المال (١) ولم يثبت قتل الأول؛ لأنه عمد موجب للقصاص.
(وإن شهدوا) أي: الرجل والمرأتان (بسرقة: ثبت المال)؛ لكمال بينته (دون القطع)؛ لأن السرقة توجب المال والقطع. فإذا قصرت عن أحدهما ثبت الآخر. (ويغرمه ناكل) يعني: أنه متى ادعى إنسان على آخر بسرقة فأنكر فالتمس يمينه فنكل عن اليمين غرم المال، ولا يلزمه قطع؛ لأنه لا يقضى بنكول في غير المال.
(وإن ادعى زوج خلعا) أي: عوضا في خلع: (قبل فيه رجل وامرأتان، أو) رجل (ويمينه)؛ لأنه يدعي بالمال الذي خالعته به زوجته. (فيثبت العوض) بشهادة الرجل والمرأتين، (وتبين بمجرد دعواه).ذكره أصحابنا.