قال ابن نصر الله في " حواشيه على المحرر": ومن التغليظ التغليظ بالهيئة؛ ككون الحالف قائما؛ كالملاعن، وكونة مستقبل القبلة. انتهى. (ومن أبى تغليظا) بأن قال: ما أحلف إلا بالله فقط: (لم يكن ناكللا) عن اليمين.
قال في " الإنصاف ": لو أبى من وجبت عليه اليمين التغليظ: لم يصر ناكلا. وحكى إجماعا، وقطع به الأصحاب.
قال في " النكت ": لأنه قد بذل الواجب عليه. فيجب الاكتفاء به، ويحرم التعرض له.
قال: وفيه نظر؛ لجواز أن يقال: يجب التغليظ إذا رآه الحاكم وطلبه.
قال الشيخ تقي الدين: قصة مروان مع زيد تدل على أن القاضي إذا رأى التغليظ فامتنع من الإجابه ادعى ما ادعى به. ولو لم يكن كذلك ما كان في التغليظ زجر قط. قال في " النكت ": وهذا الذي قاله صحيح. والردع والزجر علة التغليظ.
فلو لم يجب برأي الإمام لتمكن كل أحد من الامتناع منه؛ لعدم الضرر عليه في ذلك، وانتفت فائدته.
وقال الشيخ تقي الدين أيضا: متى قلنا هو مستحب فينبغي أنه إذا امتنع منه الخصم يصير ناكلا. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(وإن رأى حاكم تركه) أي: ترك التغليظ، (فتركه: كان مصيبا) في ذلك؛ لموافقته مطلق النص.
ومن وجبت عليه يمين فحلف وقال: إن شاء الله أعيدت عليه اليمين؛ لأن الاستثناء يزيل حكم اليمين. وكذلك إن وصل يمينه بشرط أو كلام غير مفهوم.
والله أعلم.
стр. 5392
[كتاب الإقرار]
هذا (كتاب الإقرار). والإقرار: الاعتراف بالحق. مأخوذ من المقر وهو المكان، كأن المقر جعل الحق في موضعه.
والأصل فيه: قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]،
وقال : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢].
وقد جاء في حديث الرجم قوله ﷺ : " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " (١).
واجمع المسلمون على صحة الإقرار، وذلك لأنه إخبار بالحق على وجه
منفية عته التهمة والريبة. فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضر بها. ولهذا قدم على الشهادة فيما إذا أقر المدعى عليه، فإن الشهادة لا تسمع إذا وإنما تسمع إذا أنكر، ولو (٢) كذب المدعي بينته (٣) لم تسمع وإذا أنكر ثم أقر سمع إقراره.
(وهو) أي: الإقرار في عرف الفقهاء: (إظهار مكلف) فلا يصح من صغير ولا مجنون، لقوله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقط " (٤).
стр. 5393
ولأنه قول ممن لا يصح تصرفه. فلم يصح، كفعله.
(مختار) " لقوله ﷺ : " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١) .
ولأنه قول أكره عليه بغير حق. فلم يصح، كالبيع.
(ما عليه) أي: إظهار مكلف مختار الذي عليه من الحق، سواء كان إظهاره (بلفظ، أو كتابة، أو إشارة أخرس، أو) إظهار مكلف مختار ما (على موكله، أو) ما على (موليه، أو) ما على (مورثه، بما) أي: بشيء (يمكن صدقه) فيه. يحترز بذلك عما لو ادعى عليه جناية منذ عشرين سنة وعمره عشرون سنة أو أقل فهذا لا يصح إقراره بذلك. صرح به في " التلخيص " وغيره. (وليس) الإقرار (بإنشاء)، بل هو إخبار عما في نفس الأمر.
إذا علمت ذلك (فيصح) إقرار الإنسان لغيره (ولو مع إضافة الملك إليه) أي: إلى المقر " كما لو قال: عبدي هذا لزيد فيكون ذلك إقرار بالعبد لزيد. قال في "الفروع": ويصح مع إضافة الملك إليه. انتهى.
ونقل ابن منصور عن أحمد إذا قال: فرسي هذا لفلان فإقراره جائز.
(و) يصح الإقرار أيضا ولو (من سكران)، لأن أفعاله تجري مجرى أفعال الصاحي فكذلك أقراله.
(أو) من (أخرس بإشارة معلومة). أما غير الأخرس فلا يصح إقراره بإشارة بغير خلاف في المذهب.
(أو) من (صغير، أو) من (قن أذن لهما في تجارة في قدر ما أذن لهما فيه) من المال.
قال أحمد في رواية مهنا في اليتيم: إذا أذن له يعني: وليه في التجارة
стр. 5394
وهو يعقل البيع والشراء فبيعه وشراؤه جائز. وإن أقر أنه اقتضى شيئا من ماله جاز بقدر ما أذن له وليه فيه (١) .
(لا من مكره عليه) أي: على الإقرار.
وهذا محترز قوله: مختار، إلا أن يقر بغير ما أكره عليه مثل: أن يكره على إقرار بطلاق امرأة فيقر بطلاق غيرها، أو على الإقرار بدنانير فيقر بدراهم فيصح إقراره " لأنه أقر بما لم يكره (٢) عليه. فصح " كما لو أقر به ابتداء.
(ولا بإشارة معتقل لسانه)، لما تقدم أن غير الأخرس لا يصح إقراره
بالإشارة.
ويعتبر لصحة الإقرار: أن يكون (بمتصور من مقر التزامه). فلو أقر بمجهول نسبه أنه ابنه وهو في سنه، أو أكثر منه أو دون سنه ولكن لا يمكن كونه منه، كما لو كان المقر أسن من المقر به بتسع سنين لم يلتفت إلى إقراره. (بشرط كونه) أي: كون المقر به إن كان عينا (بيده) أي: بيد المقر (وولايته واختصاصه) يعني: أو ولايته أو اختصاصه. فلا يصح إقرار مقر بشيء في يد غيره أو في ولاية غيره؛ كما لو أقر اجنبي على صغير أو وقف في ولاية غيره أو اختصاصه.
(لا) كون المقر به (معلوما)؛ لصحة الإقرار بالمجهول. ويأتي الكلام على ذلك. ولا كون المقر به ليس بملك للمقر حال الإقرار.
(وتقبل) من المقر (دعوى إكراه) على الإقرار (بقرينة) تدل على الإكراه (كتوكيل به) أي: كترسيم عليه أو سجنه، (أو أخذ ماله، أو تهديد قادر) على ما يهدده به من ضرب أو سجن أو أخذ مال.
قال الأزجي: لو أقام بينة بأمارة الإكراه استفاد بها أن الظاهر معه. انتهى.
وقال في " شرح المقنع ": ومن أقر بحق ثم ادعى انه كان مكرها لم يقبل
стр. 5395
قوله إلا f بينة. سواء أقر عند سلطان أو عند غيره، لأن الأصل عدم الإكراه، إلا أن تكون هناك دلالة على الإكراه؛ كالقيد والحبس والتوكل به. فيكون القول قوله مع يمينه، لأن الحال تدل على الإكراه. انتهى.
(وتقدم بينة إكراه على) بينة (طواعية)، لأن مع بينه الإكراه زيادة علم.
(ولو قال من) أي: مقر (ظاهره الإكراه) بمقتضى توكيل به: (علمت
أنى لو لم أقر أيضا أطلقوني، فلم أكن مكرها: لم يصح) ذلك منه، (لأنه ظن منه، فلا يعار ض) ذلك (تقين الإكراه). قدمه في " الفروع ". ثم قال: وفيه احتمال؛ لاعترافه بأنه أقر طوعا.
ونقل ابن هانئ: فيمن تقدم إلى سلطان فهدده فيدهش فيقر يؤخذ به (١) فيرجع ويقول: هددنى ودهشت يؤخذ. وما علمه أنه أقر بالجزع والفزع. وترجم عليه أبو بكر في الرجل يقر عند الجزع. انتهى.
(ومن أكره ليقر بدرهم فأقر بدينار، أو) أكره ليقر (لزيد فأقر لعمرو)، أو أكره على أن يقر بدار فأقر بدابة: صح إقراره؛ لأنه أقر بما لم يكره عليه. فصح منه؛ كما لو أقر بذلك ابتداء.
(أو) أكره (على وزن مال فباع داره، ونحوه)؛ كعبده (في ذلك) أي:
فيما أكره على وزنه من المال: (صح) البيع. نص عليه؛ لأنه لم يكره على البيع، (وكره الشراء منه) أي: ممن باع المتاع في وزن مال أكره على وزنه للخلاف في صحة البيع.
(ويصح إقرار صبي: أنه بلغ باحتلام إذا بلغ عشرا) يعني: إذا تم له عشر سنين.
قال في " التلخيص ": فإذا ادعى أنه بلغ بالإحتلام في وقت إمكانه (٢) صدق. ذكره القاضي، إذ لا يعلم إلا من جهته.
стр. 5396
(ولا يقبل) منه أنه بلغ (بسمن إلا ببينة)، لإمكان علم ذلك من غير جهته.
(وإن أقر) من جهل حاله حال الإقرار (بمال، وقال بعد) تحقق (بلوغه:
لم أكن حين إقراري بالغا لم يقبل) منه ذلك ويلزمه ما أقر به.
قال ابن رجب في " قواعده ": لو ادعى البالغ أنه كان صبيا حين البيع، أو
غير مأذون له، أو غير ذلك وأنكر المشتري، فالقول قول المشتري على المذهب. ونص عليه أحمد في صورة دعوى الصغر في رواية ابن منصور؛ لأن الظاهر وقوع العقود على وجه الصحة دون الفساد، وإن كان الأصل عدم البلوغ والإذن.
قال: وذكر الأصحاب وجها آخر في دعوى الصغر: أنه يقبل؛ لأنه لم يثبت تكليفه والأصل عدمه. بخلاف دعوى عدم الإذن من المكلف فإن المكلف لا يتعاطى في الظاهر إلا الصحيح.
قال الشيخ تقي الدين: وهكذا يجيء في الإقرار وسائر التصرفات إذا اختلفا
هل وقعت قبل البلوغ أو بعده؟. وقد سئل عمن أسلم أبوه فادعى أنه بالغ فأفتى بعضهم بأن القول قوله. وأفتى الشيخ تقي الدين بأنه إذا كان لم يقر بالبلوغ إلى حين الإسلام فقد حكم إسلامه قبل الإقرار بالبلوغ، بمنزلة ما إذا ادعت انقضاء العدة بعد أن ارتجعها.
قال: وهذا يجيء في كل من أقر بالبلوغ] بعد حق ثبت في حق الصبى. مثل: الإسلام وثبوت أحكام الذمة تبعا لأبيه، ولو ادعى البلوغ [ (١) بعد تصرف الولي وكان رشيدا أو بعد تزويج ولي أبعد منه. انتهى.
(وإن أقر من شك في بلوغه، ثم أنكر بلوغه حال الشك: صدق) في ذلك (بلايمين).
قال في " شرح المقنع " ومعناه في " المغني ": فإن أقر مراهق غير مأذون له
ثم اختلف هو والمقر له في بلوغه فالقول قول المقر، إلا أن تقوم بينة ببلوغه؛ لأن الأصل الصغر. ولا يحلف المقر؛ لأننا حكمنا بعدم بلوغه. انتهى.
стр. 5397
(وإن) أدر من أنبت و (ادعى أنه أنبت بعلاج أو دواء، لا ببلوغ لم يقبل)
منه ذلك ولزمه ما أقر به.
قال في " الفروع ": ذكره الشيخ في " فتاويه " واقتصر عليه.
ووجه ذلك: أن الأصل عدم ما يدعيه.
(ومن) أقر بشيء ثم (ادعى جنونا) حال إقراره: (لم يقبل) ذلك منه (إلا ببينة).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وذكر الأزجي: يقبل أيضا إن عهد منه جنون في بعض أوقاته، وإلا فلا.
قال في " الفروع ": ويتوجه قبوله ممن غلب عليه. انتهى.
(والمريض ولو) كان مرضه (مرض الموت المخوف يصح إقراره
بوارث).
قال في " الفروع ": على الأصح.
قال ابن نصر الله: يسأل عن صورة الإقرار بوارث هل معناه أن يقول: هذا
وارثي ولا يذكر سبب إرثه، أو معناه أن يقول: هذا أخي أو عمي أو ابني أو مولاي فيذكر سبب الإرث؛ وحينئذ يحتاج إلى ثبوت شرط صحة الإقرار بذكر النسب. فإن كان السبب نسبا اعتبر صحة إقراره بذلك النسب (١) من الإمكان والتصديق وأن لا يدفع به نسبا معروفا. انتهى.
(و) يصح إقرار المريض أيضا (بأخذ دين من غير وارث)، لأن ذلك إقرار
لمن لايتهم في حقه فقبل.
(و) يصح إقرار المريض أيضا (٢) (بمال له) أي: لغير الوارث على الأصح، لأنه غير متهم في حقه.
стр. 5398
قال في " شرح المقنع ": قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز.
وحكى أصحابنا رواية: أنه لا يقبل؛ لأنه إقرار في مرض الموت. أشبه
الإقرار للوارث.
وفيه رواية أخرى: أنه لا يصح بزيادة على الثلث. ذكرها أبو الخطاب؛
لأنه ممنوع من عطية ذلك للأجنبي كما هو ممنوع من عطية الوارث. فلا يصح إقراره بما لا يملك عطيته. بخلاف الثلث فما دون.
ولنا: أنه إقرار غير متهم فيه. فقبل؛ كالإقرار في الصحة. يحققه: أن
حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه، وإبراء ذمته (١) ، وتحري الصدق، فكان أولى بالقبول. وفارق الإقرار للوارث فإنه متهم فيه. انتهى كلامه في "الشرح ".
(ولا يحاص مقر له) في المرض (غرماء الصحة) أي: من أقر لهم في
حال صحته، بل يبدأ بمن أقر لهم في حال صحته.
قال في " الإنصاف ": وهذا مبني على المذهب. وهو الصحيح. انتهى.
ولا فرق بين أن يخبر بلزومه له قبل المرض أو بعده؛ لأنه أقر بعد تعلق الحق بتركته؛ كما لو أقر بالدين مفلس بعد الحجر عليه.
(لكن لو أقر) المريض (في مرضه بعين ثم بدين، أو عكسه) بأن أقر بدين
ثم بعين: (فرب العين أحق) بها (٢) من رب الدين؛ لأن الإقرار بالدين يتعلق بالذمة، والإقرار بالعين يتعلق بذاتها فتعلقه بالذات أقوى. ولهذا لو أراد بيع العين لم يصح ومنع منه؛ لحق المقر له بها.
(ولو أعتق) المريض (عبدا لا يملك غيره، أو وهبه ثم أقر بدين): لم
يؤثر إقراره فى العتق ولا في الهبة، و (نفذ عتقه وهبته، ولم ينقضا بإقراره).
стр. 5399
نص على ذلك أحمد.، لأنه تصرف منجز تعلق بعين مال أزاله عن ملكه. فلم ينقضه ما تعلق بذمته، كما لو أعتق أو وهب ثم حجر عليه لفلس.
ولأنه غير محجور عليه في حق صاحب الدين. فلم ينقض الدين عتقه وهبته، كالصحيح.
(وإن أقر) المريض (بمال لوارث: لم يقبل) إقراره بذلك (إلا ببينة، أو إجازة)، لأنه إيصال لماله إلى وارثه بقوله في مرض موته. فلم يصح بغير رضى بقية ورثته، كهبته.
ولأنه محجور عليه في حقه. فلم يصح الإقرار له.
إذا علمت ذلك: (فلو أدو لزوجته بمهر مثلها لزمه). نص عليه، وكان لزومه (بالزوجيه) يعني: بمقتضى كونها زوجته، (لا بإقراره)؛ لأن الز وجية دلت على المهر ووجوبه عليه، فإقراره إخبار بأنه لم يوفه. فوجب أن يقتل؛ كما لو كان عليه دين ببينة فأخبر ببقائه في ذمته. وإن كان أكثر مق مهر المثل رجع إلى مهر المثل، لأنه لو ثبت بإقراره لثبت جميعه عليه.
(وإن أقر لها) أي: لزوجته (بدين، ثم أبانها، ثم تزوجها: لم يقبل) إقراره لها، لأنه إقرار لوراث في مرض الموت. أشبه ما لو لم (١) يبنها. وفارق ما إذا صح من مرضه ثم مات من غيره، لأنه لا يكون مرض الموت.
ولأن الاعتبار إما بحال الإقرار أو بحال الموت، والزوجه وارثه في الحالين.
وفي " الرعايه الكبرى " لو أقر لها بدين ثم تزوجها ومات بطل، إلا أن تجيزه
الورثة.
(وإن أقرت) زوجة: (أنها لا مهر لها) على زوجها وهي مريضة مرض الموت المخوف (لم يصح) إقرارها ذلك، ولورثتها مطالبة زوجها بمهرها، (إلا أن يقيم) الزوج (بينة بأخذه) أي: بأخذ (٢) مهرها، (أو إسقاطه) عنه بحواله أو نحوها. نقله مهنا عن أحمد.
стр. 5400
(وكذا) أي: وكإقرار الزوجة بأخذ مهرها (حكم كل دين ثابت على وارث)
إذا اقر المريض بقبضه منه، فإنه لا يبرأ بذلك حتى يقيم البينة على أخذه منه. (وإن أقر) المريض بدين (لوارث وأجنبي: صح للأجنبي) في الأصح بحقه ولم يصح في حق الوارث، كما لو أقر بلفظين، أو كما لو جحد الأجنبي شركة الوارث.
وقيل: لايصح في حق الأجنبى، كما لو شهد لابنه وأجنبي بشيء فإن الشهادة لا تصح في حقهما.
وجوابه: أن الإقرار يفارق الشهادة لقوته. ولذلك لا يعتبر فيه العدالة ولو
أقر بشيء يتضمن دعوى على غيره قبل فيما عليه دون الذي له؛ كما لو قال لامرأته: خالعتك على ألف بانت بإقراره والقول قولها في نفى العوض. (والاعتبار) في لزوم إقرار المريض وعدم لزومه: (بحالة إقراره) على الأصح؛ لأنه قول تعتبر فيه التهمة. فاعتبرت حالة وجوده دون غيره، كهالشهادة.
(فلو أقر لوارث) حالة الإقرار، (فصار عند الموت غير وارث)، كما لو
أقر لأخيه من أبيه بشيء فحدث له أخ شقيق: (لم يلزم) إقراره، لاقتران التهمة به حال وجوده. فلا ينقلب لازما.
ولأنه أقر لوارث. فلم يلزم؛ كما لو استمر وارثا.
(وإن أقر لغير وارث)؛ كما لو أقر مريض له ابن لأخيه بشئ: (لزم، ولو صار) المقر له (وارثا) للمقر؛ كما لو مات ابنه قبله؛ لوجود الإقرار من أهله خاليا عن التهمة. فثبت (١) الحق به ولم يوجد ما يسقطه. وكذا الحكم إن أعطاه وهو غير وارث ثم صار وارثا. ذكره في " الترغيب " وغيره.
стр. 5401
] فصل: إذا أقر قن بحد]
(فصل. وإن أقر قن ولو آبقا) أي: ولو كان إقراره في حال إباقه (بحد،
أو قود، أو طلاق، ونحوه)؛ كموجب تعزير وكفارة: (صح) إقراره (وأخد به في الحال)؛ لأنه أقر بما يمكن استيفاؤه من بدنه وذلك له دون سيده؛ لأن السيد لا يملك منه إلا المال.
ولقوله ﷺ : " الطلاق لمن أخذ بالساق " (١) .
ومن ملك إنشاء شيء ملك الإقرار به. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(ما لم يكن القود في نفس) ويكذبه سيده (فبعد عتق). يعني: فلا يؤخذ بإقراره بالقود في النفس إلا بعد العتق على الأصح. نص عليه أحمد؛ لأنه إقرار برقبته (٢) وهو لا يملكها.
ولأن هذا الإقرار يسقط به حق سيده. فأشبه الإقرار بقتل الخطأ.
ولأنه متهم في ذلك؛ لأنه يجوز أن يقر بذلك لإنسان ليعفو عنه ويستحق أخذه فيتخلص بذلك من سيده.
(فطلب جواب دعواه) أي: دعوى القود في النفس، (منه) أي: من
القن (ومن سيده جميعا) على المذهب. وعلى مقابل المذهب من القن وحده. وعليه أيضا ليس للمقر له به العفو على رقبته أو مال.
(ولا يقبل إقرار سيده) أي: سيد القن (عليه بغير ما يوجب مالا فقط)؛
لأن غير ما يوجب المال كالعقوبة إقرار على غير نفس المقر. فلم يقبل؛ كإقرار
стр. 5402
غير السيد عليه. بخلاف إقراره بما يوجب المال؛ لأنه إيجاب حق في مال السيد. فلزمه موجبه؛ كما لو ثبت بالبينة.
وفي " الكافي ": إن أقر السيد بقود على العبد وجب المال ويفدي السيد منه
ما يتعلق بالرقبة.
(وإن أقر) قن (غير مأذون له بمال أو بما يوجبه) أي: يوجب المال؛ كجناية الخطإ وإتلاف المال والقرض والعارية، (أو) أقر قن (مأذون له) في التجارة (بما) أي: بشيء (لا يتعلق بالتجارة فـ) الحكم فيه (كمحجور عليه) لا يؤخذ به في الحال؛ لأنه إقرار من محجور عليه في حق غيره، وإنما يؤخذ به بعد فك حجر الرق عنه. وحينئذ فإنه (يتبع به بعد عتقه). نص عليه عملا بإقراره على نفسه؛ كالمفلس.
(وما صح إقرار قن به فهو الخصم فيه) دون سيده، (وإلا) أي: وما لم يصح إقرار قن به: (فسيده) هو الخصم فيه.
(وإن أقر مكاتب بجناية) أي: بأنه جنى على غيره: (تعلقت) الجناية التى أقر بها على نفسه (بذمته) والأصح: (ورقبته) جميعا. يعني: أنه إن أعتق أتبع بها بعد العتق.
وإن عاد إلى الرق بعجزه فهي في رقبته؛ كما لو ثبتت بالبينة (١) .
(ولا يقبل إقرار سيده) أي: سيد المكاتب (عليه) أي: على المكاتب (بذلك) أي: بجنايته (٢) ؛ لأنه إقرار على غيره.
(و) إن أقر (قن بسرقة مال بيده) أو (٣) يد سيده (وكذبه سيده: قبل) إقراره (في قطع)؛ لأنه إقرار بما يمكن استيفاؤه من بدنه وذلك دون سيده. (دون مال)؛ لأن المال حق للسيد. فلم يقبل إقرار العبد به.
стр. 5403
وقيل: لا يقطع؛ لأن ذلك شبهة دارئة للحد.
قال في " المبدع ": وعلى الأول المنصوص: أنه لا يقطع حتى يعتق، ويتبع بالمال بعد العتق. ذكره في " المحرر " و" الرعاية ".
وعنه: يتعلق برقبته فيفديه سيده أو يسلمه به، لعدم التهمة. انتهى.
(وإن أقر) عبد (غير مكاتب لسيده، أو) اقر (سيده له بمال: لم يصح) إقرار واحد منهما.
اما إقرار العبد غير المكاتب لسيده بمال، لأنه لم يفد شيئا، لأنه لا يملك شيئا يقر به.
واما إقرار السيد لعبده، فلأن مال العبد لسيده. فلم يصح إقرار الإنسان لنفسه.
(وإن أقر) سيد: (أنه باعه) أي: باع عبده (نفسه بألف عتق)، كإقرار زوج أنه خلع زوجته على ألف فإنها تبين، (ثم إن صدقه) أي: صدق العبد السيد على ذلك: (لزمه) الألف، لاتفاقهما على ذلك ويكون كالكتابة. (وإلا) أي: وإن لم يصدقه العبد (حلف) على الأشهر، فإن نكل قضي
عليه بالألف.
(والإقرار) ممن يصح إقراره بشيء (لقن غيره: إقرار لسيده)، لأن السيد
هو الجهة التي يصح لها الإقرار فتعين جعل المال له. وحينئذ يلزم المقر ما أقر به بتصديق السيد ويبطل برده، لأن يد العبد كيد سيده.
(و) الإقرار (لمسجد، أو مقبرة، أو طريق، ونحوه)، كثغر وقنطرة: (يصح). وفي الأصح: (ولو أطلق) بأن لم يعين سببا، كغلة وقف ونحو ذلك، لأن ذلك إقرار ممن يصح إقراره. فلزمه، كما لو عين السبب.
(ولا يصح) الإقرار (لدار إلا مع) ذكر (السبب) من غصب أو استئجار أو غيرهما، لأن الدار لا تجري عليها صدقة في الغالب. بخلاف المسجد والمقبرة ونحوهما.
стр. 5404
(ولا) يصح الإقرار (لبهيمة إلا إن قال: علي كذا بسببها).
قال في " الفروع ": ولا يصح لبهيمة.
وقيل: يصح، كقوله: بسببها. زاد في " المغنى ": لمالكها، وإلا لم
يصح. انتهى.
(و) إن قال المقر عن مالك بهيمة (لمالكها: علي كذا بسبب حملها)
وهي حامل، (فانفصل) حملها (ميتا، وادعى) ما لكها: (أنه) أي: أن
المقر بها بسببه) أي: سبب الحمل الذي انفصل ميتا (صح) إقراره وأخذ منه ما
أقر به.
(وإلا) أي: وإن لم ينفصل حملها ميتا: (فلا) يصح إقراره؛ لتبين
بطلانه.
(ويصح لحمل) أي: حمل آدمية (بمال) وإن لم يعزه إلى سبب في
الأصح؛ لأنه يجوز أن يملك بوجه صحيح. فصح له الإقرار المطلق؛ كالطفل. (فإن وضع) الحمل (ميتا، أو لم يكن) في بطنها (حمل: بطل)
إقراره؛ لأنه إقرار لمن لا يصح أن يملك.
(وإن ولدت) أم الحمل (حيا وميتا: فللحي) جميع المقر به.
قال في " الإنصاف ": بلا نزاع. انتهى.
وذلك لفوات شرطه في الميت.
(و) إن ولدت (حيين: فلهما) ما أقر به (بالسوية ولو) كانا (ذكرا
وأنثى)؛ لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه؛ كما لو أقر لرجل وامرأه بمال،
(ما لم يعزه) أي: يعز إقراره (إلى ما) أي: إلى سبب (يوجب تفاضلا،
كإرث أو وصية يقتضيانه) أي: يقتضيان التفاضل: (فيعمل به) أي: يما يقتضيه. ذلك السبب الذي يقتضي التفاضل في الأصح؛ لأنه إقرار مستند إلى سبب صحيح فيعمل به.
] وقيل: يقسم بينهما أثلاثا.
стр. 5405
(وله علي) يعني: لو قال إنسان للحمل: علي (ألف جعلتها له، أو نحوه) أي: أو قال نحو ذلك؛ كقوله: وهبتها أو تصدقت عليه بها، أو أعددتها (١) له [ (٢) :
(فـ) قوله ذلك (وعد) لا يلزمه به (٣) شيء.
(و) إن قال: (للحمل: علي ألف أقرضنيه، يلزمه) الألف المقر به،
لأن قوله للحمل: علي ألف إقرار للحمل بألف، ولا يبطل بقوله بعد ذلك: أقرضنية. (لا إن قال) ابتداء: (أقرضني ألفا) فإنه لا يلزمه شيء؛ لأن الحمل لا يتصور منه قرض.
قال في " الفروع ": وإن قال: له علي ألف جعلتها له أو نحوه فوعد. ويتوجه: يلزمه؛ كقوله: علي (٤) ألف أقرضنيه، عند غير التميمي. وجزم الأزجي: لا يصح، كأقرضني ألفا.
وفي " مختصر ابن رزين ": يصح بمال لحمل يعزوه. ثم ذكر خلافا في اعتباره من الموت أو من حينه. انتهى.
(ومن أقر لمكلف بمال في يده ولو برق نفسه) مع جهل نسبه، (أو كان
المقر به قنا فكذبه المقر له) فيما أقر به: (بطل) إقراره، لأنه إقرار لمن لم يصدقه فبطل لذلك، (ويقر) المقر به (بيد المقر) في الأصح، لأنه مال في يده لا يدعيه غيره. فيقر بيده؛ كما لو كان لقطة.
وقيل: يؤخذ منه لبيت المال " كالمال الضائع.
(و) على المذهب: (لا يقبل عود مقر له إلى دعواه) أي: أن يدعي المقر
به له، لأنه مكذب لنفسه.
(وإن عاد المقر، فمادعاه) أي: ادعى المقر به أنه (لنفسه، أو) أنه
стр. 5406
(لثالث: قبل) منه ذلك؛ لأنه في يده (١) ، فيقبل دعواه أنه لنفسه وإقراره به لغيره. وأما الإقرار بالرق فحكمه حكم الإقرار بالمال في الأصح، فيبقى من أقر برق نفسه وكذبه المقر له في يد نفسه ويبقى بيد من هو في يده] من (٢) أقر برقه لغير من هو في يده] (٣) .
стр. 5407
] فصل: مسائل من الإقرار]
(فصل. ومن تزوج من جهل نسبها، فأقرث برق لم يقبل مطلقا) يعني:
لا في حق نفسها ولا في حق زوجها وأولادها على الأصح، لأن الحرية حق لله فلم ترتفع بقول أحد؛ كالإقرار على حق الغير.
(ومن أقر بولد أمته: أنه ابنه، ثم مات ولم يبين: هل حملت به) وهي
(في ملكه أو غيره؟) يعني. أو حملت به وهي في غير ملكه (لم تصر به) أي: بإقرارها بولده (أم ولد) يعني: فلا تعتق بموته، لاحتمال أنها أتت به في غير ملكه. في الأصح، (إلا بقرينة) تدل على أنها حملت. به وهي في ملكه.
(وإن أقر رجل بأبوة صغير، أو) بأبوة (مجنون، أو) أقر (بأب، أو) أقرت المرأة بـ (زوج)، أو الرجل بزوجة، (أو) أقر مجهول النسب بـ (مولى أعتقه: قبل إقراره)، لأنه إقرار من مكلف مختار فقبل، حتى (ولو أسقط به وارثا معروفا)؛ لأنه غير متهم في إقراره، لأنه لا حق للوارث فهي الحال وإنما يستحق الإرث بعد الموت بشرط خلوه عن مسقط.
ويشترط لصحة الإقرار المذكور ثلاثة شروط:
الأول: ما أشير إليه بقوله: (إن أمكن صدقه)] أي، صدق المقر [ (١) ،
لئلا يكذبه فيه ظاهر حاله (٢) . فإن لم يمكن صدقه، كإقرار الإنسان لمن (٣) في سنه أو أكبر منه: لم يقبل.
стр. 5408
الشرط الثانى: ما أشير إليه بقوله: (ولم يدفع به نسبا لغيره)؛ بأن يقر
بولد له أب معروف، أو بإعتاق مولى وله عتق معروف فإنه لا يقبل؛ لأنه إقرار في حق غيره.
الشرط الثالث: ما أشير إليه بقوله: (وصدقه (١) مقر به، أو كان) المقر به (ميتا) ويرثه المقر في الأصح.
(ولا يعتبر تصديق ولد) مقر به (مع صغر أو جنون) أي: صغر الولد أو جنونه. (ولو بلغ) الصغير (وعقل) المجنون (وأنكر) كونه ابنا للمقر: (لم يسمع إنكاره).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وقيل: يبطل نسب المكلف باتفاقهما على الرجوع عنه. انتهى (٢) .
(ويكفي في تصديق والد بولد، وعكسه) وهو تصديق ولد بوالد (سكوته:
إذا أقر به)؛ لأنه يغلب في ذلك ظن التصديق. (ولا يعتبر في تصديق أحدهما) الآخر (٣) (تكراره) أي: تكرار التصديق بالسكوت.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. ونص (٤) عليه وعليه
أكثر الأصحاب.
(فيشهد الشاهد بنسبهما، بدونه) أي: بدون تكرار التصديق بالسكوت فى الأصح.
(ولا يصج إقرار من له نسب معروف، بغير هؤلاء الأربعة) وهم الأب والابن والزوج والمولى؛ كالجد يقر بابن ابن وكابن الابن يقر بجد، وكالأخ يقر بأخ، والعم يقر بابن أخ، (إلا ورثة أقروا بمن لو أقر به مورثهم: ثبت نسبه)؛
стр. 5409
كالبنين يقرون بابن، والإخوة يقرون بأخ؛ فإنه يثبت نسبه بذلك؛ لانتفاء التهمة في حقهم. فإن الإنسان لا يقر بمن يشاركه في الميراث من غير حق.
ولأن الورثة قاموا مقام الميت في ماله وديونه والديون التي عليه وبيناته ودعاويه فكذلك في النسب.
(ومن ثبت نسبه، فجاءت أمه بعد موت مقر فادعت زوجيته) أي: زوجية المقر، (أو) جاءت (أخته غير توأمته) فادعت (البنوة: لم يثبت بذلك)، لأنها مجرد دعوى. فلم يثبت بها ذلك؛ كما لو كان حيا؛ لاحتمال أن يكون المقر به من وطء شبهة أو نكاح فاسد.
وعلم مما تقدم أن المراد جميع الورثة. فلو كان المقر بعض الورثة لم يثبت النسب؛ لأنه إقرار على بقية الورثة بإلحاق نسبه بهم. لكن يعطى المقر له ما فضل في يد المقر من حقه إن لم يسقطه، كما لو ماتت امرأة وخلفت زوجا وأخا فأقر الزوج بابن لها فإنه يعطيه الربع؛ لأنه مقر أن الزائد على الربع مما في يده حق لمن أقر به فوجب دفعه إليه لذلك. أو جميعه إن كان يسقطه؛ كما لو أقر الأخ بالابن وأنكر الزوج، فإن الأخ يعطيه النصف الذي بيده؛ لأن إقراره يتضمن أنه حقه فوجب دفعه إليه لذلك. وإلى ذلك أشير بقوله (١) :
(ومن أقر بأخ في حياة أبيه، أو) أقر (بعم في حياة جده: لم يقبل.
وبعد موتهما ومعه وارث غيره: لم يثبت النسب، وللمقر له من الميراث ما فضل بيد مقر أو كله) أي: كل ما بيد مقر: (إن اسقطه) أي: أسقط المقر. (وإلا) أي: وإن لم يكن معه وارث غيره؛ كما لو كان الوارث ابنا فأقر بأخ
له: (ثبت) نسبه من الميت؛ لأنه غير متهم.
(وإن أقر مجهول نسبه - ولا ولاء عليه - بنسب وارث حتى أخ وعم، فصدقه، وأمكن) صدقه: (قبل)، لأن نسبه لا يعرف من غيره وهو غير متهم فيه. فوجب تصديقه فيه؛ كما لو أقر بحق غيره.
стр. 5410
(لا مع ولاء حتى يصدقه مولاه) يعني: وأما إن كان عليه ولاء فلا يقبل إقراره حتى يصدقه مولاه. نص عليه، لأنه إقرار يسقط به حق مولاه من ميراثه. فلا يقبل حتى يصدقه مولاه؛ لأنه متهم بدفع مولاه عن ميراثه فلا يقبل لذلك. (ومن عنده أمة: له منها أولاد فأقر بها لغيره: قبل) إقراره (عليها) أي:
على الأخذ. فللمقر له أخذها من المقر، (لا على الأولاد) يعني: أنه لا يقبل إقراره على أولاده منها برقهم لأحد. نقله ابن مشيش عن أحمد.
قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال: يقبل مطلقا تبعا، واحتمال: يقبل عليها (١) في حق نفسه فيغرم القيمة.
وقال القاضي: المسألة على أنه وطئ يعتقدها ملكه ثم علمها ملك غيره. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ومن أقرت بنكاح - على نفسها - ولو) كانت (سفيهة، أو) كان إقرارها بالنكاح (لاثنين: قبل) إقرارها على الأصح. وهذه المسألة تشتمل على صورتين:
إحداهما: إذا كان المدعي لنكاحها واحد (٢) فهذا فيه روايتان: أصحهما: يقبل إقرارها، لأنه حق عليها. فيقبل (٣) إقرارها به؛ كما لو أقرت بمال، ولزوال التهمة بإضافة الإقرار إلى شرائطه؛ كما لو أقرت أن وليها (٤) باع أمها قبل بلوغها.
الصورة الثانية: إذا كان المدعي لنكاحها أكثر من واحد (٥) وهذه الصورة فيها روايتان أيضا: أصحهما: يصح إقراره.
(فلو أقاما) من اقرت لهما بالنكاح (بينتين: قدم أسبقهما) تاريخا، (فإن
стр. 5411
جهل) التاريخ (فقول ولي) يعني: فإنه يقدم منهما من صدقه الولي إن كان على سبق تاريخ نكاحه، (فإن جهله) أي: جهل الولي أسبقهما: (فسخا) أي. فسخ النكاحان. نقله الميمونى عن أحمد.
(ولا ترجيح بيد) يعني: أنه لا يرجح أحدهما بكونها (١) بيده.
قال في " الإنصاف ": لو ادعى الزوجية اثنان، وأقرت لهما، وأقاما بينتين: قدم أسبقهما. فإن جهل: عمل بقول الولي. ذكره في " المبهج " (٢) و" المنتخب ". ونقله الميمونى وقدمه في " الفروع".
وقال في " الرعاية ": يعمل بقول الولي المجبر. انتهى.
وإن جهله: فسخا. نقله الميموني.
وقال في " المغني ": يسقطان، ويحال بينهما وبينها (٣) . ولم يذكر الولي.
ولا يحصل الترجيح باليد. على الصحيح من المذهب.
وقال الشيخ تقي الدين: مقتضى كلام القاضي: أنها إذا كانت بيد أحدهما: مسألة الداخل والخارج. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
(وإن أقر به) أي: بالنكاح (عليها) أي: على المرأة (وليها وهي مجبرة)
قبل إقراره عليها. نص على ذلك؛ لأن المرأة لا قول لها في حالة الإجبار، (أو) لم تكن مجبرة ولكنها (مقرة بالإذن: قبل) إقراره عليها بالنكاح. نص على ذلك؛ لأنه يملك عقد النكاح عليها بمقتضى الإذن. فملك الإقرار به؛ كالوكيل. (ومن ادعى نكاح صغيرة بيده) ولم تقم له بينة بدعواه: (فسخه حاكم) وفرق بينهما. (ثم إن صدقته إذا بلغت: قبل.
فدل أن. من ادعت: أن فلانا زوجها، فأنكر فطلبت الفرقة: يحكم عليه)
] بالفرقة.
стр. 5412
قال في " الإنصاف ": لو ادعى نكاح صغيرة بيده فرق بينهما وفسخه
حاكم. فلو صدقته بعد بلوغها: قبل.
قال في " الرعاية ": قبل (١) على الأظهر.
قال في " الفروع ": فدل ان من ادعت أن فلانا زوجها، فأنكر، فطلبت
الفرقة: يحكم عليه] (٢) .
وسئل عنها المصنف- يعني: الموفق- فلم يجب فيها بشيء. انتهى كلامه
في " الإنصاف ".
(وإن أقر رجل، أو) أقرت (امرأة بزوجية الآخر، فسكت) صح وورثه؛
لأنه إذا صح الإقرار ثبتت الزوجية. فوجب أن يرث؛ لقيام الزوجية بينهما.
(أو جحده) يعني: أو أقر أحدهما بزوجية الآخر فجحده (ثم صدقه:
صح) أيضا (وورثه) في الأصح؛ لأن الإقرار حصل من الميت، والتصديق قد
وجد من المقر له في حياة المقر، ولا يضر جحده قبل إقراره " كالمدعى عليه
يجحد ثم يقر بالحق.
(لا إن بقي) الجاحد (على تكذيبه) المقر (حتى مات) المقر، لأنه متهم
في تصديقه بعد موته.
(وإن أقر ورثة يدين على مورثهم: قضوه) وجوبا (من تركته) يعني: إن
خلف الميت تركة. فإن لم يخلف تركة لم يلزمه الوارث شيئا؛ لأنه لا يلزمه أداء
دينه إذا كان حيا مفلسا فكذلك إذا كان ميتا. وإن خلف تركة تعلق الدين بها تعلق جناية، فإن أحب الوارث تسليمها في الدين فله ذلك، وإن أحب استخلاصها
ووفاء الدين من ماله فله ذلك. ويلزمه أقل الأمرين من قيمة التركة أو قدر الدين
بمنزلة الجانى. وكذا إذا (٣) ثبت الدين ببينة أو إقرار الميت.
стр. 5413
(وإن أقر) بالدين على الميت (بعضهم) أي: بعض الورثة دون باقيهم (بلا شهادة) بالدين من الورثة أو من غيرهم: أن المقر يلزمه من الدين: (بقدر إرثه) من التركة، (إن ورث النصف) من التركة: (فـ) إنه يكون عليه (نصف الدين)، وإن ورث الربع فربع الدين وهكذا، قل أو كثر؛ (كإقراره) أي: إقرار بعض الورثة (بوصية) دون باقيهم، لأن كل جزء من الدين تعلق بمثله من التركة. فوجب أن يوزع عليها؛ كما يثبت بالبينة. والخيرة إلى المقر من الورثة في تسليم نصيبه في الدين أو استخلاصه ووفاء قدره من ماله.
(وإن شهد منهم) أي: من الورثة لرب الدين (عدلان أو عدل) واحد (وحلف معه) رب الدين: (ثبت) الدين، لأنه حق شهد به عدلان أو عدل مع يمين المشهود له. فوجب أن يثبت؛ كما لو شهد على غير مورثهم.
(و) متى كان على الميت دين آخر ثابت ببينة أو إقرار الميت فإنه (يقدم ثابت ببينة) نصا، (فبإقرار ميت على ما) أي: على دين (أقر به ورثة)؛ لأن إقرار الورثة إقرار في حقهم، وإنما يستحقون التركة بعد أداء الدين الثابت عليها. فوجب أداء ما ثبت] بغير إقرارهم أولا ثم ما ثبت [ (١) بإقرارهم، لأنه إقرار على ما بقي من التركة بعد الدين الثابت بغير إقرارهم.
والله أعلم.
стр. 5414
] باب: ما يحصل به الإقرار]
هذا (باب ما) (١) أي: اللفظ الذي (يحصل به الإقرار وما) إذا وصل
بإقراره ما (يغيره) أي: يغير الإقرار.
(من ادعي عليه بألف) مثلا، (فقال) في جوابه: (نعم، أو) قال: (أجل) بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام وهو حرف تصديق كنعم.
قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام. ويدل على ذلك قول الله : ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ﴾] الأعراف ٤٤].
و" قيل لسلمان (٢) رضي الله تعالى عنه: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. قال: أجل " (٣) .
(أو) قال مدعى عليه بشيء في جوابه: (صدقت). وفي الأصح: (أو) قال: (مقر به، أو) قال: (إنى مقر به، أو) قال: إني مقر (بدعواك، أو) قال: (مقر فقط) فقد أقر؛ لأن هذه الألفاظ تدل على تصديق المدعي.
(أو) كان المدعى به دنانير أو دراهم أو نحوها فقال المدعى عليه في جواب الدعوى: (خذها أو اتزنها أو اقبضها أو أحرزها، أو) قال: (هي صحاح، أو) قال: (كأنى جاحد لك، أو كأنى جحدتك حقك فقد أقر)؛ لوقوع ذلك عقب الدعوى فنصرفه إليها.
ولأن الضمير يرجع إلى ما تقدم.
стр. 5415
وكذا إذا قال: أقررت فقط.
قال الله : ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا﴾] آل عمران: ٨١ [، ولم يقولوا: إقررنا بذلك، فكان منهم إقرارا.
(لا إن قال) مدعى عليه في جوابه: (أنا أقر) فإنه لا يكون إقرارا في
الأصح؛ لأنه وعد بإقرار، والوعد بالشيء لا يكون إقرارا به.
(أو) قال: أنا (لا أنكر)؛ لأنه لا يلزم من عدم الإنكار الإقرار. فإن بينهما قسما آخر وهو السكوت عنهما.
(أو) قال في جوابه: (يجوز أن يكون محقا)؛ لجواز أن لا (١) يكون محقا. (أو) قال في جوابه: (عسى، أو) قال: (لعل)، لأنهما وضعا للشك.
(أو) قال: (أظن، أو أحسب، أو أقدر)؛ لأنها تستعمل في الشك أيضا.
(أو) قال: (خذ)؛ لاحتمال أن يكون مراده: خذ الجواب مني.
(أو) قال: (اتزن، أو) قال: (احرز، أو) قال: (افتح كمك)؛ لاحتمال ان يكون ذلك شيء غيرالمدعى به.
(و) قول المدعى عليه: (بلى في جواب: أليس لي عليك كذا؛ إقرار)
بلا خلاف. (لا) قوله: (نعم إلا من عامي) في الأصح.
قال في " الفروع ": وإن قال: أليس لي عليك ألف؛ فقال: بلى. فقد أقر، لا نجم. ويتوجه: بلى من عامي، كقوله: عشره غير درهم- بضم الراء- يلزمه تسعة. ويتوجه في غيره احتمال.
وفي " مختصر ابن رزين ": إذا قال: لي عليك كذا؛ فقال: نعم أو بلى. فمقر.
وفى " عيون المسائل ": لفظ الإقرار مختلف باختلاف الدعوى. فإن قال:
لي عليك كذا فجوابه: نعم، وكان إقرارا. وإن قال: أليس لي عليك كذا؛ كان الإقرار بـ " بلى". وفي قصة إسلام عمرو بن عبسة: " فقدمت المدينة
стр. 5416
فدخلت عليه. فقلت. يا رسول الله لِلَّهِ أتعرفني؛ فقال: نعم. أنت الذي لقيتنى بمكة؛ قال: فقلت: بلى" (١) .
قال في " شرح مسسلم ": فيه صحة الجواب ببلى، وإن لم يكن قبلها نفي، وصحه الإقرار بها، قال: وهو الصحيح من مذهبنا، انتهى.
قال في " الإنصاف ": لو قال: أليس لي عليك ألف؟ فقال: بلى فهو إقرار، ولا يكون مقرا بقوله " نعم ".
قال في " الفروع "؛ ويتوجه أن يكون مقرا من عامي؛ كقوله: عشرة غير درهم يلزمه تسحعة.
قلت: وهذا التوجيه عين الصواب الذي لا شك فيه. وله نظائر كثيرة. ولا يعرف ذلك إلا الحذاق من أهل العربية. فكيف يحكم بأن. العامى يكون كذلك؛ هذا من أبعد ما يكون. انتهى.
(وإن قال) إنسان لآخر: (اقضني ديني عليك ألفا) فقال: نعم، (أو)
قال له: (اشتر) (٢) ثوبي هذا فقال: نعم، (أو) قال له: (أعطني) ثوبي هذا فقال: نعم، (أو) قال له: (سلم إلي ثوبي هذا) فقال: نعم، (أو) قال له: سلم إلي (فرسي هذه) فقال: نعم، (أو) قال له: أعطني (ألفا من الذي عليك) فقال: نعم، (أو) قال له: (هل لي) عليك ألف؛ فقال: نعم، (أو) قال له: (ألي عليك ألف؛ فقال: نعم) فقد أقر له؛ لأن نعم للتصديق. (أو) فقال له: (أمهلني يوما أو) أمهلني (حتى أفتح الصندوق) فقد أدر له؛ لأن طلبه الإمهال يقتضى أن الحق عليه. (أو) قال: (له علي ألف إن شاء الله) فقد أقر له به. نص على ذلك أحمد؛ لأنه وصل إقراره بما يرفعه كله ولا يصرفه إلى عير الإقرار. فلزمه ما أقر به وبطل ما وصله به؛ كما لو قال له علي ألف إلا ألفا.
стр. 5417
ولأنه عقب الإقرار بما لا يفيد حكم آخر ولا يقتضي دفع الحكم. أشبه ما لو قال: له علي ألف في مشيئة الله.
(أو) قال: له علي ألف (لا تلزمني إلا أن يشاء الله) فقد أقر له بالألف؛
لأنه علق رفع الإقرار على أمر لا يعلم فلم يرتفع.
(أو) قال: له علي الف لا تلزمني (إلا أن يشاء زيد) فقد أقر له بالألف في الأصح في الصورتين؛ لأنه علقه بما يرفعه فصح الإقرار دون ما يرفعه؛ كما لو قال له: علي ألف إلا ألفا.
(أو) قال: له علي ألف (إلا أن أقوم) فقد أقر له به؛ لأن القيام
لا يسقطه. وكذا لو قال: إلا أن أنام ونحو ذلك.
(أو) قال: له علي ألف (في علمي، أو) قال: في (علم الله، أو) قال: (فيما أعلم.
لا) إن قال: (فيما أظن فقد أقر) له بالألف؛ لأنه مثبت لإقراره بالعلم به
إذ ما في علمه لا يحتمل غير الوجوب.
(وإن علق) الإقرار (بشرط قدم) عليه؛ (كـ) قوله: (إن قدم زيد) فلعمرو علي كذا، (أو) قال: إن (شاء) زيد فله علي كذا، (أو) قال: إن (جاء رأس الشهر: فله علي كذا) لم يكن مقرا؛ لأنه لم يثبت على نفسه في الحال شيئا. وإنما علق ثبوته على شرط؛ لأن الإقرار إخبار بحق سابق فلا يتعلق على شرط مستقبل. ويفارق التعليق على مشيئة الله فإن مشيئة الله تذكر في الكلام تبركا وصلة وتفويضا إلى الله ، لقول الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾] الفتح: ٢٧ [وقد علم الله أنهم سيدخلونه بلا شك،
ومشيئة الآدمي يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا يتوقف الأمر على وجودها، والماضي لا يمكن وقفه. فيتعين حمل الأمر هاهنا على المستقبل، فيكون وعدا لا إقرارا.
(أو) قال: (إن شهد به) أي: بكذا علي (زيد فهو صادق)، أو صدقه
стр. 5418
(لم يكن مقرا)؛ لأن ذلك وعد بالتصديق على الشهادة لا تصديق في الأصح.
(وكذا) أي: وكالحكم الذي في تقديم الشرط (إن أخر) الشرط؛
(كـ) ما لو قال: (له علي كذا إن قدم زيد، أو شاء) زيد، (أو شهد به) زيد، (أو) قال: له علي كذا إن (جاء المطر، أو) إن (قمت) فإن إقراره
لا يصح في الأصح؛ لما بين الأخبار والمعلق على شرط مستقبل من التنافي. ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:
(إلا إذا قال): له علي كذا (إذا جاء وقت كذا) فإنه يكون مقرا، لأنه قد
بدأ بالإقرار فعمل به.
وقوله: إذا جاء رأس الشهر يحتمل أنه اراد المحل، فلا يبطل الإقرار بأمر محتمل.
(ومتى فسره) أي: فسر قوله: إذا جاء وقت كذا (بـ " أجل "، أو
" وصية ": قبل) ذلك منه (بيمينه)؛ لأن ذلك لا يعلم إلا منه ويحتمله لفظه؛ وذلك (كمن أقر) بحق (بغير لسانه) الذي يعرفه، (وقال: لم أدر ما قلت) فإنه يقبل ذلك منه بيمينه.
(وإن رجع مقر بحق آدمي، أو) مقرب (زكاة، أو كفارة: لم يقبل) منه رجوعه؛ لتعلق حق الآدمي المعين، أو حق أهل الزكاة به.
стр. 5419
] فصل: إذا وصل بإقراره ما يغيره]
(فصل. فيما إذا وصل به) أي: بإقراره (ما يغيره).
ومن ذلك: (إذا قال.) إنسان عن آخر: (له علي من ثمن خمر ألف، لم يلزمه) شيء؛ لأنه أقر بثمن خمر وقدره بألف فلا يلزمه؛ لأن ثمن الخمر لايجب.
(و) لو قال: (له علي ألف من مضاربة، أو) قال: له علي ألف من (وديعة، أو) قال: له علي ألف (لا تلزمني، أو) قال: له علي ألف (قبضه، أو) قال: له علي ألف (استوفاه، أو) قال: له علي ألف (من ثمن خمر، أو) قال: له علي ألف من (ثمن مبيع لم أقبضه، أو) قال: من ثمن مبيع (تلف قبل قبضه، أو) قال: له علي ألف من (مضاربة تلفت وشرط علي ضمانها، أو) قال: له علي ألف (بكفالة) تكلفت بها (على أني بالخيار) فيها، (لزمه) الألف في جميع ذلك؛ لأن ما يذكره بعد قوله: له علي ألف رفع لجميع ما أقر به. فلا يقبل؛ كاستثناء الكل. وتناقض كلامه غير خاف فإن ثبوت الألف عليه في هذه الأمثلة لا يتصور، وإقراره إخبار بثبوته فتنافيا (١) .
ولأنه أقر بالألف وادعى ما لم يثبت معه فلم يقبل منه.
ولأنه في صورة ما إذا قال.: قبضه أو استوفاه إقرار على المقر له بالقبض أو الاستفياء، والإنسان لا يقبل إقراره على فعل غيره.
(و) إن قال: (له) علي كذا ويسكت، (أو) قال: (كان له علي كذا ويسكت: إقرار) في الصورتين.
стр. 5420
قال في " شرح المقنع ": فإن قال: كان له علي ألف وسكت لزمه الألف
في ظاهر قول أصحابنا. وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
وقال في الآخر: لا يلزمه شيء، وليس هذا بإقرار، لأنه لم يذكر عليه شيئا
في الحال إنما أخبر بذلك في زمن ماض فلا يثبت في الحال. وكذلك لو شهدت البينة به لم يثبت.
ولنا: أنه أقر بالوجوب ولم يذكر ما يرفعه فبقي (١) على ما كان عليه. ولهذا
لو تنازعا دارا فأقر أحدهما للآخر أنها كانت ملكه حكم له بها. إلا أنه هاهنا إن عاد فادعى القضاء أو الإبراء سمعت دعواه، لأنه لا تنافي بين الإقرار وبين ما يدعيه. وهذا على أحد الروايتين. انتهى.
وقال في " الإنصاف ": لو قال: كان له علي ألف وسكت فهو إقرار. قاله الأصحاب، ويخرج أنه ليس بإقرار. قاله في " المحرر " وغيره. انتهى.
(وإن وصله) أي: وصل إقراره في الصورتين (بقوله: وبرئت منه، أو) بقوله: (وقضيته، أو) بقوله: وقضيت (بعضه، أو قال) مدعي مائة: (لي عليك مائة، فقال: قضيتك منها) ولم يقل من المائة التي علي (عشرة ولم يعزه) أي: يعز إقراره (لسبب) مثل أن يقول: كان له (٢) علي كذا من قرض أو من ثمن دار أو نحو ذلك: (فمنكر) أي: فهو غير مقر: (يقبل قوله بيمينه) طبق جوابه، ويخلى سبيله إن لم تقم عليه بينة على الأصح، لأنه رفع ما أثبته بدعوى القضاء متصلا. فكان القول قوله.
قال في " المحرر ": وإذا قال: له علي كذا وقضيته فهو منكر والقول قوله
مع يمنيه. نص عليه في رواية ابن منصور وغيره.
وعنه: أنه مقر بالحق مدع لقضائه، فيحلف خصمه أو يأتى بيينة به.
وعنه: أن هذا ليس بجواب صحيح، فيطالب برد الجواب.
стр. 5421
وإن قال: له علي كذا وقضيته إياه ففيه الروايتان الأولتان.
وعنه: ثالثة أنه قد أقر بالحق وكذب نفسه في الوفاء، فلا يسمع منه ولو أتى ببينة.
وإذا قال: كان له علي كذا وسكت فهو إقرار. ويتخرج أنه ليس بإقرار. انتهى.
وقال في " الإنصاف ": وإذا قال: كان له علي ألف وقضيته أو قضيت منه خمسمائة فقال الخرقي: ليس بإقرار. والقول قوله مع يمينه. وهو المذهب. اختاره القاضي وقال: لم أجد عن أحمد رواية بغير هذا.
قال أبو يعلى الصغير: اختاره عامة شيوخنا.
قال الزركشي: هذا منصوص أحمد في رواية جماعة.
وجزم به الجمهور: الشريف وأبو الخطاب والشيرازي وغيرهم.
وجزم به أيضا (١) في " الوجيز " و" المنور " و" منتخب الأدمي " وغيرهم. وقدمه في " المحرر " و" الفروع " وغيرهما. وصححه في " الخلاصة " و" النظم " وغيرهما.
وعنه: يقبل قوله في الخمسمائة مع يمينه. ولا يقبل قوله في الجميع.
وقال أبو الخطاب: يكون مقرا مدعيا للقضاء. فلا يقبل إلا ببينة. فإن لم
تكن بينه: حلف المدعي أنه لم يقبض ولم يبرأ واستحق.
وقال: هذا رواية واحدة. ذكرها ابن أبي موسى.
قال في " الفروع ": وعنه يكون مقرا. اختاره ابن أبي موسى وغيره. فيقيم
بينه بدعواه ويحلف (٢) خصمه. اختاره أبو الخطاب وأبو الوفاء وغيرهما كسكوته
] قبل دعواه [ (٣) . انتهى.
стр. 5422
قلت: واختاره ابن عبدوس في " تذكرته ". وقدمه في " المذهب "
و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير ".
وعنه: أن ذلك ليس بجواب. فيطالب برد الجواب.
قال في "الترغيب " و"الرعاية": وهي أشهر. انتهى كلامه في "الإنصاف ".
ثم قال أيضا: لو قال: له علي ألف وقضيته، ولم يقل " كان " ففيها طرق للأصحاب:
أحدها: أن فيها الروايه الأولى.
ورواية أبي الخطاب ومن تابعه.
ورواية ثالثة: يكون قد أقر بالحق، وكذب نفسه في الوفاء فلا يسمع منه،
ولو أتى ببينة.
وهذه الطريقة: هي الصحيحة من المذهب. جزم بها في " المحرر " وغيره. وقدمها في " الفروع " وغيره. وقد علمت المذهب من ذلك. انتهى كلامه في "الإنصاف ".
وذكر فيه بعد ذلك ثلاث طرق غير هذه الطريقة.
وقد علمت من كلام الأصحاب أن ليس فيه ما يدل على ذكر السبب؛ لأف إذا
ذكر السبب فقد اعترف بما يوجب الحق من عقد أو غصب أو غيرهما فلا يقبل قوله في أنه بريء منه إلا ببينة.
ويصح الاستثناء في الإقرار. والاستثناء: إخراج ما تناوله موضوع اللفظ
بـ: " إلا " أو إحدى أخواتها. مأخوذ من ثنيت الدابة بالعنان إذا صرفتها عن وجهها.
أما استثناء ما دون النصف فيصح وجها واحدا. وقد جاء به الكتاب والسنة.
قال الله : ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾] العنكبوت: ١٤]. وقال النبي ﷺ في الشهيد: " تكفر عنه خطاياه كلها إلا الدين " (١) .
стр. 5423
وذلك في كلام العرب كثير.
وأما استثناء النصف ففيه وجهان: أصحهما يصح.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. انتهى.
وأما استثناء ما زاد على النصف فلا يصح.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. حتى قال صاحب "الفروع " في أصوله؛ استثناء الأكثر باطل عند أحمد وأصحابه. ونص عطيه الإمام أحمد في الطلاق في رواية إسحاق.
قال في " النكت ": قطع به أكثر الأصحاب.
فال المصنف في " المغني ": لايختلف المذهب فيه. وجزم به في
" الوجيز " وغيره. انتهى.
وقيل: يصح استثناء أكثر من النصف. وهو قول أكثر أهل العلم؛ لقوله : ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾] ص: ٨٢ - ٨٣].
وجوابه: أن المخلصين من بني آدم أقل ممن سواهم. وقد قال الزجاج:
لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير. ولو قال: مائة إلا تسعة وتسعين لم يكن متكلما بالعربية. ومعناه قول القتبي (١) وغيره.
(و) حيث تقرر ذلك فإنه (يصح استثناء النصف فأقل) من النصف: (فيلزمه) أي: يلزم المقر لإنسان (ألف) في قوله: له علي ألف (إلا ألفا، أو) في قوله: له علي ألف (إلا ستمائة)؛ لعدم صحة الاستثناء.
(و) يلزمه (خمسة في) قوله: (ليس لك علي عشرة إلاخمسة)؛ لصحة استثناء النصف.
стр. 5424
ويشترط لصحه الاستثناء ما أشير إليه بقوله،: (بشرط أن لايسكت) المستثني بين ذكره المستثنى والمستثنى منه (ما) أي: زمنا (يمكنه كلام فيه)، وألا يأتى بينهما بكلام أجنبي. والحاصل: أنه لا يصح الاستثناء إلا إذا كان الكلام متصلا بعضه ببعض؛ لأنه إذا سكت ما يمكنه كلام فيه، أو عدل عن إقراره إلى شيء آخر استقر حكم ما أدر به فلم يرتفع. بخلاف ما إذا كان كلامه متصلا فإنه لا يثبت حكمه وينتظر ما يتم به كلامه ويتعلق به حكم الاستثناء.
(و) يشترط لصحة الاستثناء أيضا (أن يكون) المستثنى (من الجنس والنوع) أي: من جنس المستثنى منه ونوعه؛ لأن الاستثناء إخراج بعض ما يتناوله اللفظ بموضوعه وغير ذلك لا يتناوله اللفظ؛ لأنه ليس بموضوع له.
(فـ) من قال عن إنسان: (له علي هؤلاء العبيد العشر إلا واحدا) فاستثناوه (صحيح)؛ لأنه مما تناوله اللفظ بموضوعه. (ويلزمه تسليم تسعة). ويرجع في تعيين المستثنى إليه؛ لأن الحكم تعلق بقوله وهو اعلم بمراده. (فإن ماتوا، أو قتلوا، أو غصبوا إلا واحدا، فقال: هو المستثنى قبل) ذلك منه (بيمينه) في الأصح.
وحكم الاستثناء بباقي أدواته حكم الإستثناء بـ " إلا ". فإذا قال: له علي عشرة سوى درهم، أو ليس درهماً، أو خلا درهما، أو عدا درهما، أو ما خلا درهما، أو ما عدا درهما (١) ، أو لا يكون درهما، أو غيرهم بفتح الراء كان مقرا بتسعة.
وإن قال: غير درهم بضم الراء وهو من أهل العربية كان مقرا بعشرة"، لأنها تكون صفة للعشرة المقر بها، ولا يكون استثناء فإنها لو كانت استثناء كانت منصوبة، وإن لم يكن في أهل العربية لزمه تسعة، لأن الظاهر أنه يريد الاستثناء وإنما ضمها جهلا منه بالعربيةلا قصد الصفة.
(و) من قال عن إنسان: (له هذه الدار ولى نصفها، أو) قالب: (إلا
، أو) قال؛ (إلا هذا البيت، أو) قال؛ (هذه الدار له، وهذا البيت
стр. 5425
لي: قبل) منه ذلك حيث لا بينة بما يخالف ذلك. (ولو كان) ذلك البيت (أكثرها) أي: أكثر الدار؛ لأن البيت لم يدخل في إقراره في الصورة التي ليس فيها " إلا "، وأما التي فيها "إلا " فاستثناء صحيح؛ لأنه استثناء النصف.
ولأن الإشارة حصرت الإقرار (١) فيما عدا المستثنى وعينته (٢) . فيكون المقر
به معينا. فوجب أن يصح وإن كان أكثر الدار.
(لا إن قال: إلا ثلثيها ونحوه)، كما لو قال: إلا ثلاثة أرباعها، لأن المقر به شائع (٣) وهو أكثر من النصف فوجب أن لا يقبل.
(و) من قال عن إنسان: (له) على (درهمان وثلاثة إلا درهمين، أو) قال: له علي (خمسة) أي: خمسة دراهم (إلا درهمين ودرهما، أو) قال: له علي (درهم ودرهم إلا درهما)، فإنه (يلزمه في) الصورتين (الأوليين خمسة خمسة) في الأصح فيهما.
أما في الصورة الأولى فإن الاستثناء يعود إلى أقرب المذكورين وهو الثلاثة،
لأن عوده إلى ما يليه متيقن، وما زاد مشكوك فيه. فيكون استثناؤه الدرهمين من الثلاثة وهما أكثر من نصف الثلاثه. فلا (٤) يصح الاستثناء.
وأما في الصورة الثانية، فلأنه استثنى ثلاثه (٥) من خمسة وهي أكثر من نصفها. فلم يصح الاستثناء.
) و) يلزمه) في) الصورة) الثالثة) وهي قوله: درهم ودرهم إلا درهما
) درهمان) في الأصح، لأنه استثناء للكل فلم يصح.
(و) من قال عن إنسان: (له علي مائة درهم إلا ثوبا، أو) قال: علي
مائة درهم (إلا دينارا: تلزمه المائة) درهم في الصورتين، لأنه استثناء من غير
стр. 5426
الجنس. فلم يصح؛ لأن الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه، وغير الجنس ليس بداخل في الكلام. فإذا ذكره فما صرف الكلام عن صوبه فلا يكون استثناء. وإنما سمي استثناء تجوزا وإنما هو في الحقيقة استدراك. وإلا الواردة في نحو قول الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس (١)
بمعنى: لكن. هكذا قال أهل العربية منهم ابن قتيبة، وحكاه عن سيبويه. والاستدراك لا يأتى إلا بعد الجحد، ولذلك لم يأت الاستثناء في (٢) كتاب الله من غير الجنس (٣) إلا بعد النفي، ولا يأتي بعد الإثبات إلا أن يوجد بعده جملة.
إذا تقرر هذا فلا مدخل للاستدراك في الإقرار؛ لأنه إثبات للمقر به. فإذا
ذكر الاستدراك بعده كان باطلا. وإن ذكر بعده جملة كأنه قال: له عندي مائة درهم إلا ثوبا لي عليه، فمكون مقرا بشيء مدعيا لشيء سواه. فيقبل إقراره وتبطل دعواه.
(ويصح الاستثناء من الاستثناء)؛ لقوله سبحانه وتعالي: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾
] الحجر: ٥٨ - ٦٠].
ولأن الاستثناء إبطال، والاستثناء منه رجوع إلى موجب الإقرار.
إذا تقرر هذا (فـ) من قال عن إنسان: (له علي سبعة، إلا ثلاثة، إلا درهما)، فإنه (يلزمه خمسة)؛ لأنه كما صح الاستثناء من الأصل صح من المستثنى، فيعود كل استثناء إلى ما قبله. فيعود استثناء الدراهم إلى الثلاثة فيبقى درهمان، تعود إلى السبعة فيبقى خمسة وهي المقر بها.
стр. 5427
(وكذا) يلزمه خمسة في الأصح فيما إذا قال: له علي (عشرة إلا خمسة،
لا ثلاثة، إلا درهمين، إلا درهما)؛ لأن استثناء الثلاثه يبطل وما بعده. فكأنه استثنى خمسة فقط؛ لأن الاستثناء يستدعي ثبوت المستثنى منه. فإذا لم يكن ثابتا بطل لذلك.
وفي هذه المسألة أربعة أوجه غير المذكور:
أحدها: يلزمه ستة.
وفي الآخر: سبعة.
وفي الآخر: ثمانية.
وفي الآخر: عشرة.
وإن قال: له علي ثلاثة دراهم، إلا ثلاثة دراهم، إلا درهمين: بطل الاستثناء كله؛ لأن الاستثناء الأول باطل فكذا فرعه.
стр. 5428
] فصل: إذا أقر بمؤجل]
(فصل. إن قال) إنسان عن إنسان: (له علي ألف) اي: ألف درهم مثلا (مؤجلة إلى كذا) أي: إلى زمن معين: (قبل قوله في تأجيله). نص عليه، لأنه مقر بالمال بصفة التأجيل. فلم يلزمه إلا كذلك؛ كما لو قال: له علي ألف درهم سواء. وفي الأصح: (حتى ولو عزاه) أي: عزى التأجيل (إلى سبب قابل للأمرين) أي: للحلول والتأجيل، كقوله: ضمنت له عن فلان ألفا مؤجلة، أو له علي ألف من ثمن مبيع مؤجلة إلى كذا، لأنه مقر به كذلك. (وإن) قال: له علي مائة درهم ثم (سكت ما) أي: زمنا (يمكنه كلام فيه، ثم قال: مؤجلة، أو) قال: (زيوف، أو) قال: (صغار لزمته) مائة درهم (حالة جياد وافية)، لأن الإقرار حصل منه بالمائة مطلقا. فينصرف إلى الجيد الحال الوافي.
ولأن ما أتى به بعد سكوته لا يلتفت إليه، كما لو لم يأت به.
(إلا من) كان (ببلد أوزانهم) أي: أوزان أهلها (ناقصة، أو نقدهم مغشوش: فيلزمه من دراهمها) أي: دراهم تلك البلد في الأصح، لأن إطلاق الدراهم تنصرف إلى نقد البلدة (١) التي هو (٢) فيها. ولهذا لو قال: بعتك بعشرة دراهم انصرف إليه فكذلك الإقرار.
(و) لو قال: (له علي ألف زيوف، قبل تفسيره) الدراهم (بمغشوشة)،
لأن الدراهم المغشوشة تسمى زيوفا، (لا) تفسيره (بما) أي: بشيء (لا فضة فيه)؛ لأن ما لا فضة فيها لا تسمى دراهم فلا ينصرف إقراره إليها.
стр. 5429
(وإن قال): له علي مائة درهم (صغار، قبل) تفسيره (بناقصة) أي: بالدراهم الناقصة. وهي دراهم طبرية كان كل درهم منها أربعة دوانق وذلك ثلثا درهم. (وإن قال): له علي مائة درهم (ناقصة، فـ) تلزمه دراهم (ناقصة)؛
لأن الدراهم يعبر بها عن (١) الموازنة والمناقصة والزيوف والجيدة. فإذا وصفها بشيء من ذلك تقيدت به، كالثمن.
(وإن قال): له على مائة درهم (وازنة، لزمه العدد والوزن) في الأصح.
قاله في تصحيح " الفروع " وهو الصواب. وقدمه في " الرعاية الكبرى ".
(وإن قال): له علي مائة درهم (عددا، وليس) المقر (ببلد يتعاملون) أي: يتعامل أهلها (بها) أي: بالدراهم (عددا: لزماه) أي: لزمه العدد والوزن في الأصح.
(و) إن قال: (له علي درهم) وأطلق، (أو) قال: (درهم كبير، أو) قال:
] (دريهم: فـ) إنه يلزمه (درهم إسلامي وازن)؛ لأن الدرهم كبير في العرف، والتصغير قد يكون لصغر (٢) في ذاته، وقد يكون لقلة قدره عنده، وقد [ (٣) يكون لمحبته؛ كما قال الشاعر:
بذيالك الوادي أهيم (٤) ولم أقل بذيالك الوادي وذياك من زهد
(و) من قال عن إنسان: (له عندي ألف، وفسره بدين، أو) فسره
بـ (وديعة: قبل) منه ذلك.
قال في " شرح المقنع ": لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا، سواء فسره بكلام متصل أومنفصل، لأنه فسر لفظه بما يقتضيه فقبل. انتهى.
(فلو) فسره بوديعة، ثم (قال: قبضه، أو) قال: (تلف قبل ذلك،
أو) قال: (ظننته) أي: ظننت الألف الذي هو وديعة (باقيا ثم علمت تلفه:
стр. 5430
قبل) قوله بيمينه؛ لثبوت أحكام الوديعة بتفسيره بالوديعة. وإن فسره بدين عليه قبل أيضا؛ لأنه مقر على نفسه بما هو أغلظ فيؤخذ به.
(وإن قال) من ادعي عليه بألف هو: (رهن، فقال المدير): بل (وديعة): فالقول قول المدعي بيمينه؛ لأن العين ثبتت بالإقرار له، وادعاء المدعى عليه دينا لا يعترف له به المدعي القول قوله فيه؛ لأنه منكر.
ولأنه أقر بمال لغيره وادعى أن له به تعليقا. فلم يقبل منه، كما لو ادعاه بكلام منفصل.
وكذا لو أقر له بدار وقال: استأجرتها سنة، أو أقر له بثوب وادعى أنه قصره
له بأجرة، أو خاطه له بأجرة: يلزم المقر الثوب ولا تقبل دعواه؛ لأنه مدع على غيره حقا فلا يقبل منه إلاببينة.
نقل أحمد بن سعيد عن الإمام أحمد: إذا قال: لي عندك وديعة، قال:
هي رهن علي كذا فعليه البينه أنها رهن.
(أو قال): لزيد علي ألف (من ثمن مبيع لم أقبضه، فقال) مدعي ذلك: (بل) هو (دين في ذمتك: فقول مدع) بيمينه أنه دين في الأصح؛ لأنه اعترف له بالألف وادعى عليه مبيعا. أشبه ما لو قال: له علي ألف ولي عنده مبيع (١) لم أقبضه.
(و) لو قال: (له علي) ألف وفسره متصلا بوديعة، (أو) قال المقر:
لزيد (في ذمتي ألف، وفسره متصلا بوديعة: قبل) تفسيره بالوديعة في الصورتين في الأصح، لأن الوديعة عليه حفظها وردها.
(ولا يقبل دعوى تلفها، إلا إذا انفصلت عن تفسيره).
قال في " الفروع ": وإن قال: له علي أو في ذمتي ألف: لم يقبل تفسيره بوديعة.
وقيل: بلى، كمتصل، فإن زاد المتصل وقد تلفت لم يقبل. ذكره القاضي