عمداً ما يحرم تركه فبطلت.
[ولأنه لما تردد في وجوبه كان الواجب عليه فعله احتياطاً للعبادة، قياساً
على المتردد في عدد ما صلى من الركعات من وجوب بنائه على اليقين.] فلم يبن على اليقين] (١) وتشهد وسلم لزمه إعادة الصلاة؛ لتركه ما أمر به من الاحتياط وهو البناء على الأقل. وهذا بخلاف من ترك واجباً جاهلاً حكمه، بأن لم يخطر بباله قط أن عالماً قال بوجوبه فإن حكم ذلك ملحق بما لو تركه سهواً. فإذا علم بذلك قبل فوات وقت سجود السهو كفاه سجود السهو ولم تلزمه إعادة الصلاة.] (٢) .
***
стр. 702
[فصل: في سنن الصلاة]
(فصل. و) الضرب الثالث من أقوال الصلاة وأفعالها (سننها).
وهي: (ما كان فيها، ولا تبطل) الصلاة (بتركه) أي: بترك المصلى له (ولو عمداً. ويباح السجود لسهوه) أي: لتركه سهواً فلا يكون مشروعاً لا واجباً ولا مستحباً.
وهي على قسممين: قولية وفعلية. فأما القولية فثنتي عشرة (١) (وهي: استفتاج، وتعوذ) من الشيطان الرجيم قبل القراءة، (وقراءة " بسمم الله الرحمن الرحيم "، وقراءة سورة في فجر وجمعة وعيد وتطوع وأوَّلَتي مغرب ورباعية، وقول: " آمين "، وقول: " ملء السماء ") … إلى آخره (بعد التحميد، لغير مأموم) فإن المأموم لم يزد على قول: ربنا ولك الحمد، (وما زاد على مرة في تسبيح) ركوع وسجود، (و) ما زاد على مره في (سؤال المغفره، و) منها (دعاء في تشهد أخير، وقنوت في وتر). وزاد بعضهم: الجهر والإخفات، وقد ناقش بعض المتأخرين في عد الجهر والإخفات من السنن القولية؛ لأنهما هيئة للقول لا قول.
(وسنن الأفعال مع الهيئات خمس وأربعون). وقيل: خمس وخمسون. وقيل: غير ذلك، وأنا أذكر منها ما تيسر ذكره وصحت. (وسميت هيئة) وممن سماها هيئة صاحب " المستوعب "؛ وذلك (لأنها) أي: الهيئة (صفة في غيرها) أي: غير السنة:
الأولى منها: رفع اليدين.
الثانية: كونهما مبسوطتين.
стр. 703
الثالثة: كونهما مضمومتي الأصابع عند الإحرام بالصلاة. الرابعة رفعهما كذلك عند الركوع.
الخامسة: كونهما كذلك عند الرفع من الركوع.
السادسة: حطهما بعد ذلك.
السابعة: وضع اليمين (١) على الشمال.
الثامنة: جعلهما تحت السرة.
التاسعة: نظره إلى موضع لسجوده.
العاشره: الجهر بتكبيرة الإحرام.
الحادية (٢) عشر (٣) : ترتيل القراءة.
الثانية عشر: تخفيف الصلاة إن كان إماماً.
الثالثة عشر: الإطالة في الأولى.
الرابعة عشر: التقصير في الثانية.
الخامسة عشر: قبض ركبتيه بيديه.
السادسه عشر: تفريق أصابعه في ركوعه.
السابعه عشر: مد ظهره.
الثامنةعشر: جعل راسه حياله.
التاسعةعشر: مجافاة يديه (٤) عن جنبيه.
العشرون: البداءة بوضع ركبتيه.
الحادية والعشرون: [أن يثني بوضع يديه.
стр. 704
الثانية والعشرون [ (١) : تمكين جبهته من الأرض في سجوده.
الثالثة والعشرون: تمكين أنفه أيضاً.
الرابعه والعشرون: مجافاة عضديه عن جنبيه.
الخامسة والعشرون: مجافاة بطنه عن فخذيه.
السادسة والعشر ون: مجافاة فخذيه عن ساقيه.
السابعة والعشرون: تفريق بين ركبتيه.
الثامنة والعشرون: إقامة قدميه.
التاسعة والعشر ون: جعل بطون أصابعهما على الأرض.
الثلاثون: وضع يديه حذو منكبيه.
الحادية والثلاثون: كونهما مبسوطتين.
الثانية والثلاثون: كون أصابعهما موجهة للقبلة.
الثالثة والثلاثون: كونها مضمومة.
الرابعة والثلاثون: مباشرة المصلى بيديه.
الخامسة والثلاثون: قيامه إلى الركعة الثانية على صدور قدميه. السادسة والثلاثون: قيامه إلى الركعة الثالثة كذلك.
السابعة والثلاثون: قيامه إلى الركعه الرابعة كذلك.
الثامنة والثلاثون: اعتماده على ركبتيه في نهوضه إلى بقية صلاته. التاسعة والثلاثون: افتراشه في جلوسه بين السجدتين.
الأربعون: افتراشه في التشهد الأول.
الحادية والأربعون: التورك في التشهد الثانى.
الثانية والأربعون: وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى في تشهده.
стр. 705
الثا لثة والأربعون: كونها مقبوضة.
الرابعة والأربعون: كونها محلقة إبهامها مع وسطها (١) .
الخامسة والأربعون: الإشارة بالسبابة.
السادسة والأربعون: وضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى.
السابعة والأربعون: كونها مضمومة الأصابع.
الثامنة والأربعون: كونها أطرافها موجهة نحو القبلة.
التاسعة والأربعون: الإشارة بوجهه نحو القبلة في ابتداء السلام.
الخمسون: التفاته يميناً.
الحادية والخمسون: التفاته شمالاً.
الثانية والخمسون: تفضيل الشمال على اليمين في الالتفات.
(فدخل) في سنن الأقوال والأفعال) جهر وإخفات، وترتيل وتخفيف، وإطالة وتقصير). والحكم في جمع ذلك واحد.
(ويسن) في الصلاة (خشوع) وهو من عمل القلب.
قال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (ضضض ١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] أي: خائفون من الله، متذللون له، يلزمون أبصارهم مساجدهم. وقال في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] أي: المخبتين. والخشوع: الإخبات، ومنه: الخشعة للرملة المتطامنة. والخضوع: اللين والانقياد ولذلك يقال: الخشوع بالجوارج والخضوع بالقلب. انتهى.
لكن قال الجوهري: الخشوع: الخضوع، والإخبات: الخشوع. فالثلاثة عنده مترادفة.
وقيل: يجب. واحتج للوجوب بأن الخصال المذكورة في سورة المؤمنون
стр. 706
الذي من جملتها الخشوع كلها (١) واجبة. فيكون الخشوع واجباً.
ورد (٢) عليه بأن (٣) منها الإعراض عن اللغو وليسى وجوبه مطلقاً بل قد يكون مستحباً كالإعراض عما لا فافدة فيه ولا إثم من الكلام، وكلغو اليمين. وعلى وجوبه لو غلب الوسواس على أكثر صلاته بطلت.
والمذهب الصحيح أنه سنة؛ " لأن ﷺ وسلم لم يأمر العابث بلحيته بإعادة الصلاة مع قول النبي ﷺ : " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " (٤) . وهذا منه يدل على انتفاء خشوعه في صلاته كلها. والله أعلم.
***
стр. 707
[باب: أحكام السهو]
هذا (باب) يذكر فيه أحكام السهو، وما يجب السجود له، وما يستحب. (سجود السهو يُشرع لزيادة) في الصلاة (ونقص) منها سهواً؛ لأن الشرع
إنما ورد به في السهو.
فأما حديث النفس فلا يشرع له السجود؛ لأن الشرع لم يرد به فيه.
ولأنه معفو عنه؛ لكونه يعسر التحرز عنه.
(لا عمداً) يعني: لا إذا زاد أو نقص عمداً وفاقاً لأبي حنيفه.
وقال الشافعي: يسجد لتركه سجود السهو والقنوت عمداً؛ لأن ما تعلق الجبر بسهوه متعلق بعمده؛ كجبرانات الحج.
ولنا: أن السجود يضاف إلى السهو فدل على اختصاصه به. والشرع إنما
ورد به فيه، ولا يلزم من انجبار السهو به انجبار العمد؛ لوجود العذر في السهو.
(و) يشرع سجود السهو أيضاً (لشكٍّ في الجملة)، وإنما قلت. في الجملة؛ لأنه قد يحصل له في الصلاة شك ولا يجب السجود له؛ كما لو شك في التشهد الأخير هل صلى أربعاً أو خمساً، أو شك وهو في الصلاة هل زاد في الصلاة ركوعاً أو سجوداً أو شيئاً مما يسجد لزيادته سهواً لو تحققت فإنه لا يسجد؛ لأن الأصل عدم الزيادة فيلحق بالمعدوم يقيناً.
(لا إذا كثر) الشك (حتى صار كوسواس). ذكره ابن أبي موسى؛ وذلك
لأن الوسواس يخرج به إلى نوع من المكاثرة. فيفضي به إلى زيادة في الصلاة مع تيقن إتمامها. فوجب إطراحه واللهو عنه لذلك.
(بنفل) متعلق بيشرع يعني: أن سجود السهو يشرع بنفل (وفرض).
стр. 708
وهذا قول عأمة أهل العمل.
وقال ابن سيرين: لا يشرع في النفل.
ولناعموم قول ﷺ : " إذا نسي أحد كم فليسجد سجدتين " (١) . وقوله ﷺ : " إذا نسي أحد كم فزاد أو نقص فليسجد سجدتين " (٢) .
ولأن النفل صلاة ذات ركوع وسجود. فيشرع لها السجود؛ كالفريضة. (سوى) صلاة (جنازة) فإنه لا يشرع سجود للسهو فيها؛ لأنها لا سجود
في صلبها ففي جبرها أولى.
(و) سوى (سجود تلاوة، و) سجود (شكر)؛ لأنه لو شرع في وأحد
منها سجود كان الجبر زائداً على الأصل.
(و) سوى سجود (سهو) نص عليه أحمد وحكاه إسحاق إجماعاً؛ لأنه يفضي إلى التسلسل.
ولو سهى بعد سجود السهو لم يسجد لذلك. والله أعلم.
إذا تقرر هذا (فمتى زاد) سهواً (فعلاً من جنسها) أي: جنس الصلاة سواء
كان ذلك الفعل) قياماً أو قعوداً ولو) كان القعود عقب ركعة وكان (قدر جلسة الاستراحة)؛ لأنه زاد جلسة فأشبه ما لو كان قائماً فجلس ساهياً،) أو) كان ما زاده (ركوعاً أو سجوداً) سهواً، (أو نوى القصر) أي: قصر الرباعية (فأتم) أي: أتمها أربعاً (سهواً: سجد له). ولقول رسول الله ﷺ : " إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين " (٣) . رواه مسلم.
(أو) إن كان فعله ذلك (عمداً بطلت) صلاته إجماعاً (إلا في الإتمام) يعني: إلا فيما إذا نوى قصر الرباعية فأتمها عمداً. فإن صلاته لا تبطل بذلك؛ لأن ذلك رجوع إلى الأصل.
стр. 709
(وإن قام) المصلي (لـ) ركعة (زائدة جلس متى ذكر، ولا يتشهد إن)
كان (تشهد. وسجد) للسهو (وسلّم) يعني: أن المصلي متى قام إلى خامسة في رباعية، أو إلى رابعة في مغرب، أو إلى ثالثة في صبح فمتى ذكر لزمه أن يجلس في الحال. فإن كان قد تشهد عقب الرابعة التي تمت بها صلاته سجد للسهو ثم سلم، وإن لم يكن تشهد، تشهد ثم سجد للسهو ثم سلم. وإن لم يذكر حتى فرغ منها سجد لها؛ لما روى عبد الله بن مسعود قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً. فلما انفتل توشوش القوم بينهم. فقال: ما شاًنكم؟ قالوا يا رسول الله لِلَّهِ هل زيد في الصلاة؟ قال: لا. قالوا: فإنك صليت خمساً. فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم. وقال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون. فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين " (١) .
وفي رواية قال: " إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون. ثم سجد سجدتي السهو (٢) " (٣) .
وفي رواية قال: " فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين " (٤) . رواه بطرقه مسلم.
(ومن نوى) أن يصلي (ركعتين) نفلا (فقام إلى ثالثة نهاراً فالأفضل) له
(أن يتمـ) ـها (أربعاً، ولا يسجد لسهو) لإباحة ذلك. وإن شاء أن لا يتمها رجع وسجد للسهو.
(و) إن نوى ركعتين نفلاً فقام إلى ثالثة (ليلاً فـ) حكم ذلك (كقيامه إلى ثالثة بـ) صلاة (فجر). نص عليه؛ لقوله ﷺ : " صلاة الليل مثنى مثنى " (٥) .
стр. 710
ولأنها صلاة شرعت ركعتين. أشبهت صلاة الفجر.
(ومن نبَّهه ثقتان فأكثر- ويلزمهم تنبيهه-) وهم مشاركون له في العبادة؛
كما لو كان إماماً لهم، أو غير مشاركين له في العبادة؛ كما لو كان يصلي منفرداً وهم يشاهدونه (١) : (لزمه الرجوع) إلى تنبيههم؛ لأن ما كان طريقه الأمارة لا فرق فيه بين المشاركة في العبادة وعدم المشاركة، ألا ترى أنه لو شهد برؤية هلال رمضان حائض أو مسافر أو مريض لا يقدر على الصوم قبلت شهادتهم كما تقبل ممن يلزمه الصوم.
وقيل: لا يلزمه أن يرجع إلى تنبيه من لم يكن شريكه في العباده.
والأول أصح وأشبه بكلام أحمد؛ لأنه قال في رواية أبي طالب: لو اختلف رجلان فقال أحدهما: طفنا سبعاً، وقال الآخر: ستاً فقال: لو كانوا ثلاثه فقال: اثنان طفنا سبعاً، وقال الآخر: طفنا ستاً قبل قولهما؛ لأن النبى ﷺ قبل قول القوم يعني في قصة ذي اليدين (٢) . فقد أثبت الرجوع إلى قول الاثنين في الطواف، وإن كان كل واحد منهم غير مشارك للآخر في طوافه كذلك هاهنا. (ولو ظن خطأهما) أي: خطاً المنبهين. وذكره بعضهم نص أحمد؛ لأن النبي ﷺ أمر المأمومين بالتسبيح ليذكروا إمامهم (٣) . فلولا أنه كان يلزمه قبول قولهم لما كان لأمرهم بالتسبيح فائدة.
ولأنه ﷺ رجع إلى قول أبي بكر وعمر في حديث ذي اليدين (٤) .
مثنى … ، كلاهما من حديث ابن عمر ﵄.
стр. 711
ومحل لزوم رجوع المصلي إلى المنبهين: (ما لم يتيقن صواب نفسه) فلا يجوز له الرجوع كما لا يجوز للحاكم الحكم ببينة علم كذبها.
(أو) ما لم (يختلف عليه من ينبهه) فإنه يسقط قولهم كالبينتين إذا تعارضتا.
وا لا) يلزم إماماً رجوع (إلى فعل مأمومين) من قيام وقعود ونحوه من غير تنبيه؛ لأمر الشارع بالتنبيه بالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء (١) .
فظاهر كلامهم: أنه كما يجب الرجوع إلى تنبيه ثقتين من الرجال يجب الرجوع إلى تنبيه ثقتين من النساء وإلا لم يكن في تنبيه المرأة فائدة، ولما كره تنبيهها بالتسبيح ونحوه.
(فإن أباه) أي: أبى الرجوع (إمام) وجب عليه وقد (قام لزائدة بطلت صلاته)؛ لأنه ترك عمداً ما وجب عليه. أشبه ما لو ترك غيره من الواجبات عمداً؛ (كـ) بطلان صلاته (متبعه) أي: من اتبعه (عالماً) ببطلان صلاته (ذاكراً) أي: غير ساهٍ في متابعة؛ لأنه إن قيل ببطلان صلاة الإمام لم يجز اتباعه فيها، وإن قيل بصحتها فالمتبع يعتقد خطأه وأن الركعة التي قام إليها ليست من صلاته وهو أصح الروايات في المسألة. وعلى هذا يجب عليهم مفارقته؛ لجواز المفارقه للعذر.
وعلم مما تقدم أنهم إن تابعوه جاهلين بالحكم لم تبطل صلاتهم؛ لأن الجاهل كالناسى في ذلك، ولذلك تابع الصحابة النبي ﷺ وفي الخامسة حيث لم يعلموا وتوهموا التسليم ولم يؤمروا بالإعادة.
والرواية الثانية: تبطل صلاة المأمومين تابعوه أو فارقوه.
والرواية الثالثة: ينتظرونه جلوساً في التشهد إلى أن يفرغ من الركعة الزائدة ويسلم بهم.
والرواية الرابعة: أنه يستحب متابعته ويجوز مفارقته.
стр. 712
والرواية الخامسة: تلزمهم متابعته في الركعة الخامسة؛ لاحتمال ترك ركن
من ركعة قبلها سهواً.
(ولا يَعتدّ بها) أي: بالركعة الزائدة (مسبوقٌ) أدرك الإمام فيها. يعني:
أنه لو سها المأمومون مع الإمام وقاموا إلى خامسة فجاء مسبوق يجهل أنها خامسة فدخل معه فيها لم يعتد بها على الصحيح من المذهب.
ثم متى علم في أثناء صلاته أنها خامسة فدخل معهم فيها فإن صلاته لم يعتد
بها على الصحيح من المذهب؛ لأنها زيادة لا يعتد بها للإمام، ولا يجب على من علم الحال متابعته فيها. فلم يعتد بها للمأموم.
(و) على المذهب وهو وجوب المفارقة على من علم بطلان صلاة الإمام
(يسلم المفارق) بعد إتمام تشهده إن كان قد بقي عليه شيء منه.
(ولا تبطل) صلاة الإمام) إن أبى أن يرجع لجبران نقص)، كما لو نهض
قبل أن يتشهد التشهد الأول فسبح به اثنان قبل أن يستتم قائماً فلم يرجع فإن صلاته لا تبطل بذلك، لما روي " أن المغيرة بن شعبة نهض من الركعتين فسبح به من خلفه فمضى. فلما أتم صلاته وسلم سجد سجدتي السهو. فلما انصرف قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنيع كما صنعت " (١) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحبح.
وسيأتي الكلام على ذلك بأتم من هذا.
(وعمل) في صلاة) متوال مستكثرٌ عادة) أي: في العادة (من غير جنسها) أي: جنس الصلاة كالمشي واللبس ولف العمامة ونحو ذلك) ويبطلها عمده وسهوه وجهله)؛ لما فيه من قطع الموالاة بين أركان الصلاة.
ومحل البطلان بالعمل الكثير: (إن لم تكن ضرورة) تدعو إليه) كخوف وهرب من عدو ونحوه)؛ كالهرب من سيل أو حريق أو غيرهما؛ لأن
стр. 713
الضرورات تبيح المحظورات.
(وإشارة أخرس كفعله) لا كقوله. فلا تبطل بها الصلاة إلا إن كثرت عادة. (وكره) عمل (يسير) في الصلاة من غير جنسها (بلا حاجة) إليه، (ولا يشرع له سجود) ولو فعله سهواً.
(ولا تبطل) الصلاة (بعمل قلب) وإن طال. نص عليه.
وقيل: إن طال بطلت.
(و) لا تبطل الصلاة ايضاً بـ (إطالة نظر إلى شئ) ولو إلى كتاب وقرأ ما
فيه بقلبه دون لسانه على الصحيح من المذهب.
وروي عن الإمام أحمد: أنه فعله.
وقيل: إن طال نظره في الكتاب بطلت.
(و) لا تبطل الصلاة أيضاً (بأكل وشرب يسيرين عرفاً سهواً أو جهلاً) على الصحيح من المذهب إلحاقاً للجهل بالسهو الذي هو والنسيان بمعنى واحد. وإنما لم تبطل الصلاة بذلك؛ لعموم قوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " (١) . ولأنه يسوى فيه بين قليله وكثيره حال العمد. فعفي عنه في الصلاة إذا كان سهواً؛ كالعمل من جنسها.
وعلم مما تقدم بطلان الصلاة بأحدهما إذا كثر؛ لأن غيرهما من الأعمال تبطل الصلاة به إذا كثر فالأكل والشرب أولى.
(ولا) تبطل الصلاة أيضاً (ببلع) المصلي (ما بين أسنانه بلا مضغ، ولو لم
يجر به) أي: بالذي بين أسنانه (ريق) نصاً. قاله في " التنقيح " وتبعه عليه تلميذه العسكري في " قطعته ". وتبع (٢) العسكري تلميذه الشويكي في كتابه " التوضيح ".
стр. 714
وقال الحجاوي: وما لا يجري به ريقه بل يجري بنفسه وهو ما له جرم تبطل
به.١ نتهى.
ولا تبطل الصلاة أيضاً بترك لقمة بفمه لم يمضغها ولم يبتلعها حتى فرغ من الصلاة. ويكره ذلك. فإن لاكها فيها (١) فهو كالعمل إن كثر بطلت، وإلا فلا. ذكره في " الكافي " و"الرعاية ".
(ولا) يبطل (نفل) صلاة (بيسير شرب عمداً) نصا؛ لما روي " أن ابن " الزبير وسعيد بن جبير شربا في التطوع ".
قال الخلال: سَهَّل أبو عبد الله في ذلك، وذكر ابن هبيرة أنه المشهور عنه؛
لأن مد النفل وإطالته مستحبة مطلوبة فيحتاج كثيراً إلى جرعة ماء؛ لدفع العطش. كما سومح فيه: أن يصلي جالساً وعلى الراحلة.
وعلم مما تقدم أن كثير الأكل والشرب عمداً يبطل به الفرض والنفل، وأن
يسير الشرب عمداً يبطل به الفرض فقط.
قال في " الفروع ": ويبطل فرضه بيسير أكل أو شرب عرفاً عمداً وفاقاً.
وعنه (٢) : أو سهواً أو جهلاً وفاقاً لأبي حنيفة؛ لأنها عبادة بدنيه. فيندر
ذلك فيها، وهي أدخل في الفساد بدليل الحدث والنوم. بخلاف الصوم.
ولأنه مقتطع عن القياس.
ولم يذكر جماعة: أو جهلاً.
وعنه: ونفله وفاقاً، والأشهر عنه بالأكل. انتهى.
(وبلعُ ذَوْبِ سكر ونحوه) مما يذوب (بفم)؛ كالسيرختك والترنجيل
والحلو ى (كأكل) وفاقاً.
(وسن) لمصلٍ (سجودٌ) أي: سجود سهو؛ (لإتيانه بقول مشروع في
غير موضعه) حال كون ذلك (سهواً؛ كقراءته سورة في الأخيرتين) من
стр. 715
رباعيه، (أو) في الثالثة من مغرب، وقراءته (قاعدأ أو ساجداً، و) كـ (تشهده قائماً)؛ لعموم قوله ﷺ : إذا نسي أحد كم فليسجد سجدتين وهو جالس ") (١) . رواه مسلم.
ولأنه ذكر مشروع أتى به في غير محله سهواً. فيسجد له؛ كالسلام من نقصان.
وعنه: لا يسن ولا يجب؛ لأن عمده لا يبطل الصلاة.
وإن أتى بما لم يرد به الشرع فيها من ذكر أو دعاء كقوله: آمين يا رب (٢) العالمين، وقوله في التكبير: الله أكبر كبيراً ونحوه. لم يشرع له سجود؛ لأنه روي عن النبي ﷺ "أنه سمع رجلاً يقول في الصلاة: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه " (٣) . فلم يأمره بالسجود
(وإن سلم قبل إتمامها) أي: إتمام صلاته حال كون سلامه (عمداً: بطلت) صلاته بلا نزاع؛ لأنه تكلم فيها، والباقي منها إما ركن أو واجب وكلاهما تبطل الصلاة بتركه عمداً.
(و) إن سلم قبل إتمامها (سهواً) لم تبطل بذلك، وجاز له إتمامها رواية واحدة؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوه وبَنوا على صلاتهم؛ لأن جنسه مشروع فيها. أشبه الزيادة فيها من جنسها. لكن تارة يذكر ما بقى من صلاته قريباً، وتارة لا يذكره إلا وقد طال الفصل.
(فإن ذكر) ذلك (قريباً ولو خرج من المسجد) نص عليه في رواية ابن منصور، (أو شرع في) صلاة (أخرى، وتُقطع) أي: التي شرع فيها مع قرب الفصل وعاد إلى الأولى (أتمهاوسجد) يعني: للسهو؛ لما روى عمران بن حصين قال: " سلم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل
стр. 716
الحجرة. فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله لِلَّهِ فخرج فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم " (١) . رواه مسلم.
(وإلا) أي: وإن لم يذكر قريباً أنه سلم عن نقص، (أو أحد ث، أو تكلم مطلقاً) أي: سواء كان إماماً أو غيره، وسواء كان الكلام عمداً أو سهواً أو جهلاً، وسواء كان طائعاً أو مكرهاً، أو وجب عليه كتحذير ضرير ونحوه. وعمومه يشمل الفرض والنفل على المذهب، والكلام لمصلحتها أو لغير مصلحتها، وفي صلبه وبعد سلامه سهواً، (أو قهقهة هنا) أي: بعد سلامه سهواً، (أو في صلبها: بطلت).
اما كونه لا يتمها مع طول الفصل ويستأنفها؛ لأنها صلاة وأحد ة. فلا يجوز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل؛ كما لوأحد ث.
وأما كونها تبطل بالكلام مطلقاً؛ فلقول النبي ﵇: " إن هذه الصلاة
لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " (٢) . رواه مسلم.
وعن زيد بن أرقم قال: " كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [المقرة: ٢٣٨].
فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام " (٣) . رواه مسلم.
وهذا نهي عام. فيشمل الأحوال كلها.
(لا إن نام) المصلي وهو قائم أو جالس نوماً يسيراً (فتكلم) في ذلك النوم اليسير، (أو سبق على لسانه) كلام (حال قراءته): فلا تبطل؛ لأنه مغلوب على الكلام في الحالتين. أشبه ما لو غلط في القرآن فأتى بكلمة من غيره.
стр. 717
ولأن النائم مرفوع عنه القلم.
(وككلام) في الحكم: (إن تنحنح بلا حاجة) فبان حرفان، (أو نفخ فبان حرفان) يعني: أن صلاته تبطل.
قال شارح " المقنع ": فأما النحنحه فقال أصحابنا: هي كالنفخ، إن بان
منها حرفان بطلت صلاته. انتهى.
وذلك لما روي عن ابن عباس أنه قال: " من نفخ في صلاته فقد تكلم " (١) .
رواه سعيد، وعن أبي هريرة نحوه (٢) . لكن قال ابن المنذر: لا يثبت عنهما (٣) . لكن المثبت مقدم على النافي (٤) .
وعنه: تبطل ولو لم يبن حرفان.
وعنه: لا تبطل ولو بان حرفان.
(لا إن انتحب) المصلي (خشية) أي: خشية الله، (أو غلبه سُعال أو عُطاس أو تثاؤب ونحوه) كبكاء. فلا يكون كالكلام ولو بان حرفان في المنصوص عنه فيمن غلبه البكاء.
وقال مهنا: صليت إلى جنب أبي عبد الله فتثاءب خمس مرات وسمعت لتثاوبه هاه هاه. وذلك لأن هذا لا ينسب إليه ولا يتعلق به حكم من أحكام الكلام.
***
стр. 718
[فصل: في السجود للنقص]
(فصل). قد تقدم أن سجود السهو يشرع لزيادة ونقص وشك. ولما انتهى الكلام على السجود للزيادة شرع في الكلام على السجود للنقص فقال:
(ومن ترك ركناً غير تكبيرة الإحرام) سهواً من ركعة كركوع أو سجود أو طمأنينة في أحدهما أو غير ذلك من الأركان، (فذكره) أي: فذكر ما تركه من تلك الركعة (بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى: بطلت) الركعة (التي تركه) أي: ترك ذلك الركن (منها) وقامت الركعة التي تليها مقامها. نص على ذلك في رواية الجماعة.
قال الأثرم: سألت (١) أبا عبد الله عن رجل صلى ركعة ثم قام إلى أخرى فذكر أنه إنما سجد سجدة واحدة في الركعة الأولى فقال: إن كان ذلك أول ما قام قبل أن يحدث عملا للثانية فإنه ينحط ويسجد ويعتد بها، وإن كان قد أحدث عملاً لها جعل هذه الأولى وألقى ما قبلها. فقلت: فيستفتح أو يجتزئ بالاستفتاح الأول؛ قال: يجزئه الأول. قلت: فنسي سجدتين من ركعتين قال: لا يعتد بتلك الركعتين. وهذا المذهب.
ووجهه: أنه ترك ركن الركعة التي نسيه منهما ولم يمكنه استدراكه؛ لتلبسه بفرض قراءة الركعة التي بعدها. فلغت ركعته.
وعنه: إن كان المتروك قراءة الأولى أتى بالقراءة في الثانية مرتين، وإن كان قراءة الأولى والثانية أتى بالقراءة في الثالثة والرابعة مرتين مرتين، وصحت صلاته، ويسجد للسهو.
وقيل: إن ذكر الركن المتروك من الأولى قبل السجود في الثانية انحط فسجد
стр. 719
للأولى وأجزأته، وإن ذكره بعد سجوده في الثانية وقعت السجدة عن الأولى وكملت بها.
وإنما استثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام؛ لأنه لو تركها لم تنعقد صلاته.
(فـ) على المذهب (لو رجع) إلى الأولى بعد شروعه في قراءة الركعة التي بعدها (عالماً) بتحريم الرجوع (عمداً: بطلت صلاته)؛ لأن رجوعه بعد شروعه في مقصود القيام وهو القراءة يحصل به إلغاء عمل من ركعتين.
(و) إن ذكر ما ترك (قبله) أي: قبل الشروع في القراءة فإنه يلزمه أن يعود
إلى الركعة المتروك منها الركن فيأتي به، لأنه ركن لا يسقط بالسهو. ويأتي بما بعده، لأن ما بعده قد أتى به في غير محل؛ لأن محله بعد ذلك الركن المنسي. فـ (إن لم يعد) ليفعل ما تركه وكان عدم عوده (عمداً: بطلت) صلاته،
لأنه ترك ركناً أمكنه الإتيان به في محله عالماً عمداً؛ كما لو ترك سجدة من ركعة أخيرة وذكرها بعد (١) السلام. فإنه لم يسجد لها في الحال بطلت صلاته.
(و) إن كان عدم عوده (سهواً بطلت الركعة) المتروك منها ذلك الركن وصارت التى بعدها عوضاً عنها.
(و) إن لم يذكر ما ترك إلا (بعد السلام فـ) إن ذلك يكون (كترك ركعة) كاملة. فيأتي بركعة ويسجد للسهو، لأن الركعة التي لغت لترك ركنها صار وجودها كعدمها. فكأنه سلم عن ترك ركعة فيأتي بها ويبن ما لم يطل الفصل. (ما لم يكن) المتروك الذي ذكره بعد السلام (تشهداً أخيراً، أو) يكون (سلاماً: فيأتي به ويسجد) للسهو (ويسلم) من سجود السهو أيضاً.
والحاصل من ذلك: أن المصلي متى مضى في موضع يلزمه الرجوع أو رجع
في موضع يلزمه المضي عالماً بتحريمه: بطلت صلاته؛ لأنه كترك الواجب عمداً، وإن فعله يعتقد جوازه لم تبطل؛ لأنه تركٌ غير متعمد. أشبه ما لو مضى قبل ذكر المتروك.
стр. 720
(وإن نسي من أربع ركعات أربع سجدات، وذكر- وقد قرأ في) ركعة (خامسة- فهى أُولاه).
ووجهه: أنه لما شرع في قراءة الثانية قبل أن يذكر السجدة التي نسيها من الأولى صارت الثانية أولاه. ولما شرع في قراءة الثالثة قبل أن يذكر السجدة التي نسيها من الثانية صارت الثالثة أولاه ولغت الثانية. ولما شرع في قراءة الرابعة قبل أن يذكر ما نسيه من الثالثة لغت وصارت الرابعة أولاه. ولما قام إلى خامسة سهواً وذكر ما نسيه من ترك الأربع سجدات وقد قرأ في الخامسة لغى ما قبلها وصارت أولاه.
(و) إن ذكر ما نسيه من السجدات (قبله) أي: قبل الشروع في قراءة الخامسة. فإنه يعود فـ (يسجد سجدة فتصح) له (ركعة، ويأتي بثلاث) أي: بثلاث ركعات، وهذا المنصوص (١) عن أحمد.
وعنه: تبطل صلاته.
قال أحمد: لأن هذا كان يلعب.
وعنه: يبني على تكبيرة الإحرام. فيصلي أربعاً من غير تجديد نية ولا تكبيرة
إحرام.
(و) إن لم يذكر ما نسيه إلا (بعد السلام: بطلت) صلاته على المذهب؛
لأن من أصلنا: أن من ترك ركناً من ركعة فلم يذكره حتى سلم أنه كمن ترك ركعة. فيبني على ما مضى من صلاته مع قرب الفصل، وهذا لم يصح له شيء من صلاته ينبني عليه. فتبطل الصلاة (٢) رأساً.
(و) إن نسي المصلي رباعية (سجدتين أو ثلاثاً) أي: ثلاث سجدات (من ركعتين جهلهما) من أربع صلاها فلم يدر أذلك من الأولى أو الثانية، أو من الأولى والثالثة، أو من الأولى والرابعة، أو من الثانية والثالثه، أو من الثانيه والرابعة، أو من الثالثة والرابعة: (أتى بركعتين) وجوباً؛ لاحتمال أن يكون
стр. 721
ترك ذلك من ركعتين قبل الرابعة: إما الأوليين أو المتوسطتين. فتصح له ركعتان. فيبني على ذلك ويقوم فيأتي بركعتين.
(وثلاثاً أو أربعاً) يعني: وإن نسي ثلاث سجدات أو أربع سجدات (من ثلاث) أي: ثلاث ركعات من رباعية ولم يدر كم (١) ترك من كل ركعة: (أتى بثلاث) أي: ثلاث ركعات وجوباً، لاحتمال أن يكون الترك من كل ركعة من
الثلاث.
(و) إن نسي (خمساً) أي: خمس سجدات (من أربع) أي: من أربع ركعات، (أو) نسي خمس سجدات من (ثلاث أتى بسجدتين) في الصورتين ليتم له بالسجدتين ركعة (ثم) يأتي (بثلاث ركعات) فيما إذا كان الترك من أربع ركعات، (أو بركعتين) فيما إذا كان الترك من ثلاث ركعات.
(و) من نسي (من) الركعة (الأولى سجدة، ومن) الركعة (الثانية سجدتين، ومن) الركعة (الرابعة سجدة: أتى بسجدة) ليتم له ركعتان وهما الثالثة والرابعة، (ثم) يأنى (بركعتين) فيتم له أربع.
(ومن ذكر) في أثناء صلاته (ترك ركن وجهله) أي: ولم يعلم أهو ركوع
او سجود، (أو) جهل (محله) مثل: إن ذكر في التشهد الأخير أنه ترك سجدة ولم يعلم أهي من الركعة الرابعة أم من غيرها: (عمل) وجوباً (بأسوأ التقديرين) في الصورتين. بأن يجعل الركن المجهول في الصورة الأولى ركوعاً، ويجعل السجدة التي نسي محلها مما قبل الركعة الرابعة. فيلزمه في الصورة الأولى: أن يقوم فيركع ثم يسجد السجدتين، ليحصل له تأدية فرض يقيناً. ويلزمه في الصورة الثانية: أن يأتي بركعة كاملة.
وعلى قياس هذا يأتي بكل ما يتيقن به إتمام صلاته، لئلا يخرج منها وه
شاك فيها فيكون مغرراً بها. وقد قال النبي ﷺ : " لا غرار في صلاة ولا تسليم " (٢) . رواه أبو داود.
стр. 722
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن تفسير هذا الحديث فقال: أما أنا فأرى أن
لا يخرج منها إلا على يقين أنها قد تمت.
(وتشهدٌ) أي: ومن نسي فجلس يتشهد (قبل سجدتي) ركعة (أخيرة)
فقد حصل منه (زيادة فعلية) يجب لها السجود، وهي جلوسه في غير محل الجلوس.
(و) تشهد بعد (١) سجدة اولى، و (قيل: سجدة ثانية): زياده (قولية) يسن السجود لها؛ لأن ما بين السجدتين محل للجلوس. فلم تكن زيادة في الصلاة إلا بالقول.
(ومن نهض) إلى الركعة الثالثة (عن ترك تشهد أول مع) ترك (جلوس
له، أو) عن تركه (دونه) أي: دون الجلوس له بأن جلس ثم نهض ولم يتشهد (ناسياً) لما تركه منهما أو من أحد هما: (لزم رجوعه) قبل أن يستتم قائماً؛ ليأتي بما نسيه من التشهد.
(وكُره) رجوعه (إن استتم قائماً)؛ وذلك لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: " إذا قام أحد كم من الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس. فإن (٢) استتم قائماً فلا يجلس] وليسجد سجدتين " (٣) . رواه أبو داود وابن ماجه.
أما كونه يكره له الرجوع إذا استتم قائماً؛ فلنهيه ﷺ عن رجوعه بقوله:
" فإن استتم قائماً فلا يجلس "] (٤) . وأقل أحوال النهي الكراهة.
وأم كونه لا يمتنع عليه الرجوع؛ فلكونه بقيامه لم يتلبس بفرض مقصود إذ وأخرجه أحمد في " مسنده " (٩٩٣٨) ٢: ٤٦١.
стр. 723
القيام ليس بمقصود في نفسه بدليل تركه عند العجز، لا إلى بدل. بخلاف غيره من الأركان الفعلية والقولية كالقراءة؛ لأنه مع عجزه عن الركوع والسجود يجوز له تركهما إلى بدل وهو الإيماء، ومع عجزه عن فرض القراءة يجوز تركها إلى بدل وهو إما قراءة أخرى أو التسبيح والتهليل.
وأم كون الأَولى له اذا استتم قائماً أن لا يرجع؛ فلما تقدم من حديث المغيره. (وحرُم) رجوعه (إن شرع في القراءة) قولاً واحداً، لأنه شرع في ركن مقصود وهو القراءة. فلم يجزله الرجوع كما لو شرع في الركوع، (وبطلت) صلاته إن رجع بعد الشروع في القراءة عمداً عالماً بالتحريم؛ لأنه زاد في الصلاة من جنسها متعمداً. أشبه ما لو زاد ركوعاً أو سجوداً.
(لا إن نسي أو جهل) تحريم رجوعه؛ لأن القلم مرفوع عن الناسي. ويلحق به الجاهل، لأن جهل ذلك مما يخفى على كثير من الناس، ولا يمكن تكليف كل أحد تعلمه.
(ويلزم المأموم مثابعته) أي: متابعة إمامه في قيامه ناسياً، لأن النبي ﷺ لما قام حين سها عن التشهد قام الناس معه وفعله جماعة من أصحابه. ولا يلزمه الرجوع إن سبحوا به بعد قيامه. وإن سبحوا به قبل قيامه ولم يرجع تشهدوا لأنفسهم ولم يتابعوه؛ لأنه ترك واجباً عليه فلم يكن لهم متابعته في تركه. ويلزمهم متابعته إذا رجع قبل شروعه في القراءة ولو شرعوا فيها، لا إن رجع بعد شروعه فيها لخطئه، وينوون مفارقته.
(وكذا) أي: وكترك التشهد الأول ناسياً (كل واجب) تركه المصلي ناسياً (فيرجع إلى تسبيح ركوع، و) إلى تسبيح (سجود قبل اعتدال) عن الركوع والسجود، (لا بعده) أي: لا بعد أن يعتدل قائماً عن ركوع نسي تسبيحه، ولا بعد أن يعتدل جالساً أو قائماً عن سجود نسي تسبيحه؛ لأن محل التسبيح ركن وقد وقع مجزئاً صحيحاً. فلو رجع إليه لكان زيادة في الصلاة وتكراراً للركن. ثم إن رجع في هذه الحالة عمداً عالماً بالتحريم بطلت صلاته، لا ناسياً أو جاهلاً.
стр. 724
(وعليه السجود) أي: سجود السهو (للكل) أي: كل ما تقدم من الصور.
ثم اعلم أن حكم ما تقدم جميعه فيما إذا دامت نية المصلي للصلاة التي هو فيها ذكراً أو حكماً وإلا فتبطل، وذلك كما لو أحرم بالعشاء ثم سلم من ركعتين ساهياً يظن أنها من التراويح، أو سلم من ركعتين من الظهر يظنها جمعة أو فجراً فائتة، ثم ذكر: فإنه يلزمه أن يعيد فرضه ولا يبني على الركعتين. نص عليه وبه قال محمد بن الحسن، لأن دوام النية للأولى ذكراً أو حكماً شرط، وكونه (١) اعتقد أنه في أخرى وعمل لها ما ينافي الأولى قد قطعها. فأشبه ما لو انتقل إلى صلاة أخرى عالماً بالأولى. وعكسه ما لو ذكر فيها قبل أن يعمل ما يخالف عملها.
وسئل أحمد: عن إمام صلى بقوم العصر فظن أنها الظهر فطول القراءة ثم
ذكر فقال: يعيد ويعيدون.
***
стр. 725
[فصل: في السجود للشك]
(فصل). لما انتهى (١) الكلام على ما يشرع له السجود من زيادة ونقص،
شرع في الكلام على ما يشرع له سجود السهو من الشك فقال:
(ويبني على اليقين مَن شك في) ترك (ركن) بأن تردد هل فعل ذلك أم لا؛ فيكون حكمه كما لو تيقن تركه؛ لأن الأصل عدم ما شك فيه. وكما لو شك في أصل الصلاة، (أو عدد ركعات) يعني: أنه يبني على اليقين أيضاً من شك في عدد الركعات بأن تردد هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؛ فالحكم في ذلك كما لو تيقن أنه صلى ثلاثاً.
ولا فرق على المذهب بين: أن يكون إماماً أو منفرداً وفاقاً لمالك والشا فعي.
وعنه: أنه يبني على غالب ظنه إماماً كان أو منفرداً.
وعنه: أن المنفرد يبني على اليقين والإمام على غالب ظنه.
ولنا على المذهب ما روى عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " إذا شك أحد كم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين فليجعلها واحد ة، وإن لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها ثنتين، وإن لم يدر ثلاثا صلى أم أربعاً فليجعلها ثلاثا. ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين " (٢) . رواه أحمد والترمذي وصححه.
وما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا شك أحد كم في
стр. 726
صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعاً. فليطرج الشك وليبني على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان " (١) . رواه أحمد ومسلم.
وهذا عام في كل مصل.
وما رواه الجماعة إلا الترمذي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: " إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب وليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد (٢) سجدتين " (٣) . فتحري الصواب فيه محمول على استعمال اليقين؛ لأنه أحوط. ومتى شك في عدد الركعات أحد مأمومين فأكثر فإنه يرجع إلى فعل إمامه وفعل من معه من المأمومين.
(ولا يرجع) مأموم (واحد) أي: ليس معه مأموم غيره (إلى فعل إمامه).
قال في " شرح الهداية ": فإن كان الإمام يصلي بمأموم وحد لا غير فشك
المأموم فلم أجد فيها نصاً لأصحابنا. وقياس المذهب: أنه لا يقلد إمامه؛ لأن قول الواحد لا يكفي في مثل ذلك. بدليل ما لو كان الإمام هو الشاك فسبح به المأموم الواحد. فإذا ثبت أنه لا يقلد إمامه فإنه يبني على اليقين كالمنفرد. لكن
стр. 727
لا يفارقه قبل سلامه؛ لأنه لم يتيقن خطأه. فلا يترك متابعته بالشك. انتهى. (فإذا سلم إمامه أتى) المأموم (بما شك فيه) مع إمامه (وسجد وسلم.
ولو شك من أدرك الإمام راكعاً بعد أن أحرم: هل رفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعاً أم لا؛ لم يعتد بتلك الركعة).
قال في " شرح الهداية ": وكذلك إذا أدرك الإمام راكعاً فكبر، وشك هل
رفع الإمام قبل أن يلحقه في الركوع أم لا؛ فإنه لا يحتسب له عندنا بتلك الركعة، لأنه شاك في إدراكها، (ويسجد للسهو) في ذلك كله إذا أتى بما عليه بعد سلام إمامه " لأنه أدى آخر ركعة من صلاته على الشك منفرداً فكذلك لم يحمله عنه إمامه. انتهى.
(وإن) لم يمكن الشاك أن يرجع إلى الإمام ومن معه من المأمومين كما لو
أتى والإمام في الصلاة و (شك هل دخل معه في) الركعة (الأولى أو في) الركعة (الثانية؛ جعله) أي: جعل دخوله معه (في الثانية) بناء على اليقين كالمنفرد. (ولا سجود) أي: ولا يجب سجود الشك في) ترك (واجب، أو) لشك في (زيادة، إلا إذا شك) في الركعة الزائدة (وقت فعلها) أي: في أثنائها.
أما كونه، يسجد لشك في ترك واجباً، فلأنه شك في سبب وجوب سجود السهو، والأصل عدم وجود سببه. وهذا المذهب.
قال فى " الإنصاف ": وعليه أكثر الأصحاب. انتهى.
وفيه وجه: يجب.
وأما كونه لا يسجد لشك في زيادة كما لو شد هل زاد ركوعاً أو سجوداً، أو شك في تشهده هل صلى أربعاً أو خمساً، أو شك هل زاد شيئاً مما يسجد لزيادته " لأن الأصل عدم الزيادة. فتلحق بالمعدوم يقيناً.
وأما كونه يسجد إذا شك في زيادة وقت فعلها كما لو شك في أثناء الركعة الأخيرة هل هي رابعة أو خامسة؛ لأنه أدى جزءاً من صلاته متردداً في كونه منها،
стр. 728
او زائداً عليها. وذلك يوجب ضعف النية ويحوجها إلى الجبر بالسجود.
ومن شك في عدد ركعات فبنى على يقينه ثم زال شكه وعلم أنه مصيب فيما
فعله لم يسجد؛ إلا إن زال شكه (١) بعد أن فعل مع الشك ما يجوز أن يكون زائداً فيسجد. مثال ذلك: لو شك وهو في سجود رباعية هل هي أولاه أو ثانيته؟ فبنى على اليقين وصلى ركعة أخرى أو ركعتين ثم زال شكه لم يسجد؛ لأنه لم يفعل إلا ما هو مأمور به على كل تقدير. ولو صلى مع الشك ثلاثاً أو شرع في ثالثة ثم تحقق أنها رابعة سجد؛ لأنه فعل ما عليه وهو متردد في كونه زيادة؛ وذلك نقص من حيث المعنى. ولو شك وهو ساجد هل هو في السجدة الأولى أو الثانية؛ ثم زال شكه لما رفع رأسه فلا سهو عليه، ولو لم يزل حتى سجد ثانياً لزمه سجود السهو حين أدى فرضه متشككاً في كونه زائداً.
وقيل: لايسجد لفعل مع الشك.
(ومن سجد لشك ثم تبين) له (أنه لم يكن عليه سجود) لذلك الشك:
(سجد لذلك) أي: لكونه زاد في صلاته سجدتين غير مشروعتين. وهذه مسألة الكسائي مع أبي يوسف. قاله في " مجمع البحرين " و" النكت ".
ومن علم سهواً، ولم يعلم هل هو مما يسجد له أو لا؛ لم (٢) يسجد؛ لأنه
لم يتحقق سببه؛ لأن زيادة السجدتين لغير سبب عمداً مبطل. فإذا شك في السبب كان كالمتيقن عدمه؛ لأنه الأصل.
(ومن شك هل سجد لسهوه) المتحقق (أو لا)؛ يعني: أو أنه لم يسجد له
(سجد مرة) أي: سجدتين فقط؛ لأنه لو سها مرات كفاه سجود واحد فكذا هنا.
(وليس على مأموم) سها دون إمامه (سجود سهو؛ إلا أن يسهو إمامه
فيسجد معه)؛ لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " ليس على من خلف الإمام
стр. 729
سهو. فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه " (١) . رواه الدارقطني.
وقد صح عنه ﷺ " أنه لما سجد لترك التشهد الأول " (٢) و" السلام من نقصان " (٣) : سجد الناس معه.
فأما إذا سها الإمام فعلى المأموم [متابعته إلى السجود (ولم لم يتم) المأموم
(ما عليه من) واجب (تشهد، ثم يتمه) بعد سجوده مع الإمام] (٤) ؛ لقول النبي ﷺ : " إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا سجد فاسجدوا " (٥) .
قال في " شرح الهداية ": ومن سجد إمامه للسهو ولم يكمل فرض التشهد تابعه فيه ثم تمم فرض التشهد، ولم يعد سجود السهو؛ لأنه لم ينفرد عن إمامه. هذا حتى (ولو) كان المأموم (مسبوقاً) أو كان سهو الإمام (فيما) أي:
في حال (لم يدركه) المأموم فيه؛ لأن صلاته نقصت حيث دخل مع الإمام في صلاة ناقصة. وهذا قول الجمهور خلافاً لمالك إن لحق دون ركعة؛ لأنه أدراك لايعتدبه.
وعنه: إن سجد قبل السلام سجد معه، وإلا قضى بعد سلام إمامه ثم سجد.
وعنه: يقضي ثم يسجد.
وعنه: يخير في متابعته.
ولنا على المذهب ما تقدم من العمومات والمعنى. وكونه: لا يعتد به
لا يمنع المتابعة فيه كما لم يمنعها في بقية الركعة.
стр. 730
(فلو قام) المأموم (بعد سلام إمامه) ظاناً أن لا سجود عليه ثم سجد الإمام للسهو (رجع) المأموم (فسجد معه) أي: مع الإمام؛ لأنه من تمام صلاة الإمام. فأشبه السجود معه قبل السلام. وهذا المذهب.
وعنه: لا يجب متابعته فيه، ويأتي به إذا قضى ما فاته جبراً لنقص صلاته.
وعلى المذهب: (لا) يرجع المأموم (إن شرع في القراءة)؛ لأنه لا يرجع
إلى واجب وهو السجود بعد شروعه في ركن وهو القراءة؛ كما قلنا: فيمن نسي التشهد الأول حتى شرع في القراءة. وهذا التفصيل منصوص أحمد في رواية الأثرم.
وعنه: يرجع مطلقاً؛ لأن إمامه بعد في الأداء. فلا يمضي في القضاء.
(وإن أدركه) أى: أدرك المأموم الإمام (في آخر سجدتي السهو سجد) ها (معه) أي: مع الإمام. (فإذا سلم) الإمام (أتى) المأموم (بـ) السجدة (الثانية، ثم قضى صلاته). نص على ذلك في رواية صالح.
(وإن أدركه) أي: أدرك المأموم الإمام (بعدهما) أي: بعد سجدتي السهو (وقبل السلام لم يسجد) المأموم؛ لأنه لم يدرك معه بعضاً من سجود السهو حتى أنه يقضي البعض الفائت.
(ويسجد) مسبوق (إن سلم معه) أي: مع إمامه (سهواً) بعد إتمام صلاته لقضاء ما فاته؛ لعموم قوله ﷺ : "إذا سها أحد كم في صلاته فليسجد سجدتين " (١) .
(أو) يسجد مسبوق أيضاً (لسهوه) أي: لسهو المسبوق دون إمامه (معه) أي: مع إمامه فيما أدركه معه كما لو كان منفرداً.
(و) يسجد المسبوق أيضاً إذا سها (فيما انفرد به) من الصلاة بعد سلام
الإمام؛ لأنه قد صار منفرداً. فلم يتحمل عنه الإمام السجود. وكل مأموم سها إمامه لزمه أن يتابعه في سجود السهو. (فإن لم يسجد) الإمام لم يسقط عن
стр. 731
المأموم مسبوقاً كان أو غير مسبوق؛ لأن صلاته نقصت بنقصان صلاة إمامه. فلزمه جبرها، و (سجد مسبوق إذا فرغ) من قضاء ما فاته مع الإمام، (و) يسجد (غيره) أي: غير المسبوق وهو من دخل مع الإمام من أول صلاته (بعد إياسه) أي: إياس المأموم (من سجوده) أي أى سجود إلامام؛ لأنه ربما ذكر قريباً فسجد، أو ربما يكون ممن يرى السجود بعد السلام. فلا يعلم أنه تارك للسجود إلا بالإياس منه. وهذا فيما إذا كان الإمام لا يرى وجوبه أو ترك السجود سهواً. وأم إذا كان يعتقد وجوبه وترك ما قبل السلام منه عمداً فتبطل صلاته. قال في " شرح الهداية ": في ظاهر المذهب. وهل تبطل صلاة من خلفه؟ على روايتين يأتي أصلهما. انتهى.
قال الزركشي: فالظاهر أنه يخرّج على ترك الإمام ما يعتقد المأموم (١) وجوبه. والله أعلم.
***
стр. 732
[فصل: في سجود السهو]
(فصل). لما انتهى (١) الكلام على ما يسجد له من زيادة ونقص وشك شرع
في الكلام على سجود السهو نفسه ومحله وكيفيته، وعلى ما يترتب على تركه فقال:
(وسجود السهو لما) أي: لفعل شيء أو تركه (يبطل) الصلاة (عمده) أي: تعمده: واجب، كالسلام عن نقص، وزيادة ركعة كاملة، أو ركوع أو سجود، وترك التسبيح والتشهد ونحو ذلك. فأما إن كان سببه لا يبطل عمده؛ كترك السنن والهيئات والقراءة في الركوع أو السجود والتشهد في القيام: فالسجود له سنة لا يجب رواية واحدة.
وقال الشافعي: هو سنة بكل حال. ويعضده قول النبي ﷺ في خبر
أبى سعيد: " فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة والسجدتان نافلة له " (٢) .
ولنا على وجوبه في الجملة: أن النبي ﷺ فعله وأمر به في غير حديث والأمر للوجوب.
وقال في حديث ابن عمر: "فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه
(لسهو " (٣) . ولفظة " على ": للوجوب.
ولأنه جبران يقوم مقام ما يجب فعله أو تركه. فكان واجباً، كجبرانات الحج. وعكسه ما كان. لترك سنة.
وأما خبر أبي سعيد فمعناه: أنه يقع موقع النفل في زيادة الثواب، لا أنه
стр. 733
نافلة في الحكم؛ لأن هذا ليس بموضع التنفل في الركعة (١) ولا يجوز أن يؤديها بنية النفل. وهذا كما روى عثمان عن النبي ﷺ " أنه توضأ وقال: من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة " (٢) . رواه مسلم.
(و) سجود السهو أيضاً (للحن يحيل المعنى) في قراءة السورة (سهواً أو جهلاً: واجب)؛ لأن عمده مبطل فوجب السجود للسهو.
قال في " الإنصاف ": وهذا ظاهر ما قطع به في " الفروع ". انتهى.
وعنه: يشترط السجود لصحة الصلاة.
فعلى هذه الرواية: تبطل الصلاة بتركه عمداً أو سهواً.
وعلى المذهب: لا تبطل الصلاة بتركه (إلا إذا ترك منه) أي: من سجود السهو الواجب (ما محله) أي: ما ندب كونه (قبل السلام)، ويأتى بيانه. (فتبطل) الصلاة (بتعمد تركه).
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
لأنه ترك واجباً في الصلاة عمداً.
(ولا سجود لسهوه) أي: ولا يشرع سجوده لترك سجود السهو سهواً.
(ولا تبطل) الصلاة (بتعمد ترك) سجود سهو (مشروع) أي: مستحب مطلقاً، (ولا) سجود سهو (واجب محله بعد السلام. وهو) أي: والسجود الذي محله بعد السلام: (ما إذا سلم) من الصلاة (قبل إتمامها).
أما كون الصلاة لا تبطل بتعمد ترك السجود المستحب؛ كالسجود لترك سنة، أو زيادة ذكر (٣) في غير محله سهواً؛ فلعدم إخلاله في الصلاة بشيء من الو اجبات.
стр. 734
وأم كونها لا تبطل بتعمد ترك ما محله بعد السلام؛ فلأنه خارج عنها. فلم
يؤثر في إبطالها وإن كان مشروعاً لها كالأذان. لكن يأثم بتركه عمداً.
وعنه: تبطل بتعمد تركه.
(وكونه) أي: وكون سجود السهو (قبل السلام أو بعده) أي: بعد السلام (ندب) يعني أن ما قلنا محله بعد السلام يجوز فعله قبله، وما قلنا محله بعد السلام يجوز فعله قبله؛ لورود الأحاديث بكل من الأمرين عن النبي ﷺ ، وذكر
ذلك بعض المالكية والشافعية إجماعاً. لكن اختلف في الأفضل على روايات. أصحها ما في المتن. نص على ذلك في رواية الأثرم فقال: أنا أقول (١) كل سهو جاء عن النبي ﷺ أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام.
قال شارح " المقنع ": وهو الأصح (٢) في المعنى؛ لأنه من شأن الصلاة.
فيقضيه قبل التسليم كسجود صلبها. انتهى.
وعنه: أنه كله قبل السلام وفاقاً للشافعي.
وعنه. عكسه وفاقاً لأبي حنيفة.
وعنه: ما كان لنقص فبعد السلام، وما كان لزيادة فقبله.
وعنه: عكسه وفاقاً لمالك.
(وإن نسيه) أي: نسي سجود السهو المندوب فعله (قبله) أي: قبل
السلام (قضاه) وجوبا بالشروط الآتية. (ولو) كان (شرع في) صلاة (أخرى فـ) إنه يقضيه (إذا سلم) منها. والشروط الموعود بها هي (٣) كون ذلك مع قرب الفصل، وعدم الحدث، وعدم الخروج من المسجد.
(وإن طال فصلٌ عرفاً، أو أحد ث، أو خرج من المسجد لم يقضه) أي: لم
يقض سجود السهو (وصحت) صلاته.
стр. 735
وعنه: إن خرج من المسجد أعادها وفاقاً لمالك.
وعلى المذهب هل يصير عائداً إلى الصلاة بالسجود أولا؛ على وجهين: أحدهما: يصير عائداً؛ لأنه سلم ناسياً لسجود السهو، ولو كان ذاكراً لما سلم، والنسيان يخرجه عن كونه محللاً؛ كما إذا سلم ناسياً لركن ثم تذكره. والثانى: لا يصير عائداً؛ لأن التحلل حصل بالسلام. بدليل أنه لا يجب
عليه أن ينوي العود إلى الصلاة ويبني على الوجهين.
مسائل:
منها: بطلان الصلاة بوجود مفسد في السجود من حدث أو غيره: إن قلنا:
هو عائد إليها فسدت، وإلا فلا.
ومنها: لزوم الإتمام على من يجوز له القصر إذا نوى الإتمام في سجود السهو: إن قلنا: هو عائد أتم، وإن قلنا بعدمه فلا.
ومنها: لو كان إماماً وأدركه فيه مسبوق: إن قلنا: هو عائد صح اقتداوه،
وإن قلنا بعدمه فلا.
(ويكفي لجمع السهو سجدتان) لعني: أن ممن سها سهوين فأكثر واتفق محل السهوين كما لو سها عن تسبيح الركوع في ركعتين أو أكثر، فإنه لكفيه لذلك سجدتان بغير خلاف.
(و) كذا (لو اختلف محلهما) على المذهب؛ كما لو سها عن تسبيح السجود ثم سلم عن نقص. حكاه ابن المنذر عن أحمد. وهوقول مالك والشافعي وأصحاب الراي.
قال في " الفروع ": ويكفيه سجود في الأصح لسهوين، أحد هما:
جماعة، والآخر: منفرداً ٠ انتهى.
وقيل: عليه لكل سهو سجدتان؛ لقول النبي ﷺ : " لكل سهو سجدتان " (١) . رواه أبو داود وابن ماجه.
стр. 736
ووجه المذهب قول النبي ﷺ : " إذا نسي أحد كم فليسجد سجدتين " (١) . وهذا يتناول السهو في موضعين.
ولأنه شرع للجبر فكفى فيه سجود واحد؛ كما لو كان من جنس واحد. وحديث: " لكل سهو سجدتان " في إسناده مقال. ثم إن المراد به لكل سهو في صلاه، والسهو وإن كثر داخلٌ في لفظ السهو؛ لأنه اسم جنس. فيكون التقدير: لكل صلاة فيها سهو سجدتان.
(و) متى اجتمع ما محله قبل السلام وما محله بعده فإنه (يغلّب ما) أي: السجود الذي محله (قبل السلام) على الذي محله بعده؛ كما لو سلم عن نقص وكان معه سهو غير ذلك. فإنه يسجد لهما سجدتين قبل السلام؛ لأنه أسيق وآكد.
ولأن الذي قبل السلام قد وجد سببه، ولم يوجد قبله ما يمنع وجوبه
ولا يقوم مقامه. فلزم الإتيان به. وإذا سجد له سقط الثانى لإغناء الأول عنه. (ومتى سجد بعده) أي: بعد السلام (جلس) إذا رفع من السجدة الثانية (فتشهد وجوباً التشهد الأخير، ثم سلم) سواء كان محل السجود بعد السلام أو كان قبل السلام ونسيه (٢) إلى ما بعده. وهذا المذهب.
وقيل: لا يتشهد.)
ووجه المذهب: ما روى عمران بن حصين " أن النبى ﷺ بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم " (٣) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (١٢١٩) ١: ٣٨٥ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن سجدهما
بعد السلام.
стр. 737
ولأن السجود المفعول بعد السلام في حكم المستقل بنفسه من وجه. فاحتاج إلى التشهد كما احتاج إلى السلام، إلحاقاً له بما قبله. بخلاف سجود تلاوة وشكر. فإنه ليس قبلهما ما يلحقان به، وبخلاف المفعول قبل السلام فإنه جزء من الصلاة من كل وجه وتابع. فلم يفرد له تشهد؛ كما لم يفرد له سلام. ويدل لذلك حديث عبد الله بن بحينة قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ ركعتين
ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه. فلما قضى صلاته وانتظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين قبل السلام ثم سلم " (١) . متفق عليه.
ويتورك في تشهده إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية.
قال في " الإنصاف ": بلا نزاع أعلمه.
(ولا يتورك في ثُنائيَّة) بل يجلس مفترشاً على الصحيح من المذهب.
وقيل: يتورك.
(وهو) أي: وسجود السهو (وما يقال فيه، و) ما يقال (بعد رفع) منه (كسجود صلب)؛ لأنه أطلقه في قصة ذي اليدين. فلو خالف عادة بينه. وقيل: إن سجد بعد السلام كبر مرة وحد ة وسجد سجدتين. والله أعلم.
стр. 738
[باب: صلاة التطوع]
هذا (باب) يذكر فيه أفضل التطوع من صلاة وغيرها من العبادات، وما يلحق بذلك من تفصيل أحكام نوافل الصلاة، والمحل والوقت التن تكون فيه أفضل، وذكر أوقاته، وشيء من أحكام قراءة القرآن.
ثم التطوع في الأصل: فعل الطاعة.
وشرعاً وعرفاً: طاعة غير واجبة. والنفل والنافلة: الزيادة، والتنفل: التطوع.
إذا علمت ذلك فـ (صلاة التطوع بعد جهاد) وهو قتال الكفار، (فـ) بعد (توابعه) أي: توابع الجهاد وهي النفقة فيه، (فـ) بعد (علم تعلمه وتعليمه من حديث وفقه ونحوهما) كتفسير (أفضل تطوع البدن) خبر قوله: صلاة التطوع. قال في " الفروع ": أفضل تطوعات البدن الجهاد. أطلقه الإمام أحمد والأصحاب فالنفقة فيه أفضل.
ونقل جماعة: الصدقة على قريبه المحتاج أفضل مع عدم حاجة إليه. ذكره الخلال وغيره.
وعن خُرَيم بن فاتك مرفوعاً: " من أنفق نفقةً في سبيل الله كُتبت له بسبعمائة ضعف " (١)
стр. 739
ولأحمد وغيره: " من عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها. ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضعف " (١) ٠ انتهى.
وقيل: رباطٌ أفضل من جهاد. وحكي رواية.
ثم يلي التطوع بالجهاد. تعلم العلم وتعليمه. نقل مهنا: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته. قيل له: فأي شيء تصحيح النية؟ قال: ينوي بتواضع فيه، وينفي عنه الجهل. وقال لأبي داود: شرط النية شديد، حبب إليَّ فجمعته. وسأله ابن هانئ: يطلب الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به. قال: العلم لا يعدله شيء. ونقل ابن منصور: أن تذاكر بعض ليلة أحب إلى أحمد من إحيائها، وأنه العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم. قلت: الصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا؛ قال: نعم. انتهى.
والأشهر عن أحمد: الاعتناء بالحديث والفقه والتحريض على ذلك.
وقال: ليس قوم خيراً من أهل الحديث، وعاب على محدث لا يتفقه.
ودال: يعجبني أن يكون الرجل فهماً في الفقه.
وقال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى: عليك بالفقه فإنه كالتفاح الشامي يحمل من عامه. وقال: ليس في العلم شيء أنفع من الفقه.
وفي خطبة " المحيط " للحنفية: أفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين معرفة الفقه.
وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة مرفوعاً: " تجدون الناس معادن. فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " (٢) .
قال في " الفروع ": وكلام الأصحاب هنا يدل على ان من العلم ما يقع
стр. 740
نفلاً. وجزم به في " الرعايه " في الجهاد في طلب العلم بلا إذن، وصرح به من الأئمة إسحاق نقله ابن منصور؛ لأنه لا تعارض بين نفل وواجب. ثم قال: وليحذر العالم ويجتهد فإن ذنبه أشد.
نقل المروذي: العالم يقتدى به. ليس العالم مثل الجاهل.
ومعناه لابن المبارك وغيره.
وقال الفضيل بن عياض: يغفر لسبعين جاهلاً قبل أن يغفر لعالم واحد.
وقال شيخنا: أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. فذنبه
من جنس ذنب اليهود. والله أعلم.
وفي " آداب عيون المسائل ": العلم أفضل الأعمال. وأقرب العلماء
إلى الله وأولاهم به أكثرهم له خشية.
وذكر أكثر الأصحاب بعد الجهاد والعلم: الصلاة. خلافاً للشافعي في تقديمها؛ للأخبار في (أنها أحب الأعمال إلى الله وخيرها " (١) .
ولأن مداومته ﷺ على نفلها أشد، ولقتل من تركها تهاوناً، ولتقديم فرضها.
وإنما أضاف الله تعالى إليه الصوم في قوله: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم
فإنه لي " (٢) ؛ لأنه لم يعبد به غيره في جميع الملل. بخلاف غيره. وإضافة عبادة إلى غير الله قبل الإسلام لا توجب عدم أفضل يتها في الإسلام. فإن الصلاة في الصفا والمروة أعظم منها في مسجد من مساجد قرى الشام إجماعاً، وإن كان ذلك المسجد ما عبد فيه غير الله قط، وقد أضافه إليه بقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾