← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

(فصل: في صلاة الليل] (فصل. وصلاة الليل أفضل) من صلاة النهار. قال أحمد: ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل. انتهى. وذلك لما روى مسلم من حديث أبي هريرة: " أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (١) . وفيه أيضاً: " إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه " (٢) . ولأن الليل محل الغفلة فاشتغاله بالعبادة أفضل؛ لما فيه من الإسرار. وعمل السر أفضل من عمل العلانية. (ونصفه) أي: نصف الليل (الأخير أفضل من) نصفه (الأول، و) أفضل (من الثلث الأوسط، والثلث بعد النصف) أي: الذي يلي النصف الأول (أفضل مطلقاً) نص عليه؛ لقول النبي ﷺ : " أفضل الصلاة صلاه داود. كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه " (٣) . ولما روى عمرو بن عنبسة قال: " قلت: يا رسول الله لِلَّهِ أي الليل أسمع؛ قال؟ جوف الليل الآخر. فصل ما شئت " (٤) . وفي حديث ابن عباس في صفة تهجد رسول الله ﷺ " أنه نام حتى انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل، ثم استيقظ فوصف تهجده. قال: ثم أوتر ثم

стр. 772

اضطجع حتى جاءه المؤذن " (١) . وعن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويحيي آخره. ثم إن كان له حاجة أتى أهله فقضى حاجته، ثم ينام. فإذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم تكن له حاجة توضأ " (٢) . وقالت: " ما ألفى رسول اللهءصلى الله عليه وسلم السحر الأعلى في بيتي إلا نائما (٣) " (٤) . متفق عليهما. ولأن ذلك أنشط للمتهجد. قال أحمد: إذا نام بعد تهجده لم يبن عليه السهر. وعنه: أن الاستغفار في السحرأفضل من الصلاة " لأن الله حث على الاستغفار با لأسحار فقال: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]. وفي " الصحيحين ": " ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؛ من يستغفرني فأغفر له؟ " (٥) .

стр. 773

وفي رواية لمسلم: " حين يمضي ثلث الليل " (١) . وفي أخرى له: " إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه " (٢) . قال ابن حبان في " صحيحه ": يحتمل أن يكون النزول في بعض الليالي هكذا، وفي بعضها كذا. (ويسن قيام الليل)؛ لما في الحديث: " عليكم بقيام الليل. فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم " (٣) . وفيه أيضاً: " من صلى بمائة آية لم يكتب من الغافلين. ومن صلى في ليلة بمائتي آية فإنه يكتب من القانتين المخلصين " (٤) . رواهما الحاكم من رواية أبي هريرة. وقال: إنهما صحيحان. الأول: على شرط البخاري، والثانى: على شرط مسلم. وأجمعت الأمة على استحباب التهجد. ونسخ وجوبه لا يلزم من استحبابه. وسن لمن قام يتهجد أن يقول ما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا قام يتهجد من الليل قال: اللهم! لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق؛ النار حق، والساعة حق،، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق. اللهم! لك اسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خا صمت، وإليك

стр. 774

حاكمت. فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت. أنت المقدم، وأنت المؤخر. لا إله إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك " (١) . متفق عليه. (و) يسن (افتتاحه) أي: افتتاج قيام الليل (بركعتين خفيفتين)، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " إذا قام أحد كم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين " (٢) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود. (و) تسن (نيته) أي: نية قيام الليل (عند النوم)، ليفوز بقوله ﷺ : " من نام ونيته أن يقوم كتب له ما نوى. وكان نومه صدقة عليه " (٣) . حديث حسن. رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي الدرداء. (وكان) قيام الليل (واجباً على النبي ﷺ ، لقوله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إلى آخر الآية [المزمل: ١ - ٤]. (ولم ينسخ). قال في " التنقيح " بعد قوله: ولم ينسخ: وقطع في " الفصول " و" المستو عب " بنسخه. انتهى. (ووقته) أي: وقت قيام الليل (من الغروب) أي: غروب الشمس (إلى طلوع الفجر). قال أحمد: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر.

стр. 775

(وتكره مداومته) أي: مداومته قيام الليل وفاقاً للشافعية. قاله في "الفروع ". (ولا يقومه) أي: يقوم الليل (كله إلا ليلة عيد)] فطر وأضحى] (١) . قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم: ولا ليالي العشر. فيكون قول عائشة: " انه ﷺ أحيا الليل " (٢) أي: كثيرا منه، أو أكثره. ويتوجه بظاهره (٣) احتمال وتخريج من ليلة العيد، ويكون قولها: " ما علمت أن رسول الله ﷺ قام ليلة حتى الصباح " (٤) أي: غير العشر، أو لم يكثر ذلك منه. واستحبه شيخنا. وقال قيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السنة. انتهى. (وصلاة ليل ونهار مثنى) أي: يسلم فيها من كل (٥) ركعتين؛ لما روى ابن عمر ان النبي ﷺ قال: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى " (٦) . رواه الخمسة. واحتج به [احمد في رواية] (٧) أحمد بن حازم المعروف بأبي جعفر الإمام. وليس هذا بمناقض للحديث الذي خص فيه الليل بذلك، وهو قوله: " صلاة الليل مثنى مثنى " (٨) . متفق عليه. لأنه وقع جوابا عن سؤال سائل عينه

стр. 776

في سؤاله. ومثل هذا لا يكون مفهومه حجة باتفاقنا. ولأنه سيق لبيان حكم الوتر فلذلك خصه بالليل. ولأنها صلاة نفل مشفوعة (١) . فكانت سنتها ركعتين، كتحية المسجد والتراويح. ولأن مجاوزة الركعتين يتعرض به لكثرة السهو، والاقتصار عليهما (٢) أبعد منه. فكان أولى. والنصو ص بمطلق الأربع لم تنف الفصل بالسلام. (وإن تطوع نهارا بأربع فلا بأس) أي: فلا كراهة " لما روى أبو أيوب " أن النبي ﷺ كان يصلي قبل الظهر أربعاً، لا يفصل بينهن بتسليم " (٣) . رواه أبو داود وابن ماجه. (و) كون الأربع (بتشهدين) كالظهر (أولى) من كونها سردا. قال في " الفروع ": ومن زاد على ثنتين ولم يجلس إلا في آخرهن فقد ترك الأولى. انتهى. (و) إذا تطوع في النهار بأربع فإنه (يقرأ في كل ركعة) من الأربع (مع الفاتحة سورة) كسائر التطوعات. (وإن زاد على أربع) أي: أربع ركعات (نهارا أو ثنتين ليلا ولو جاوز ثمانية بسلام وأحد: صح) منه ذلك (وكره). قال في " شرح الهداية ": " لأن النبي ﷺ قد صلى الوتر خمساً وسبعاً وتسعا بسلام واحد " (٤) . وهو تطوع. فألحقنا به سائر التطوعات. وروي عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أم هانئ قالت: " صلى

стр. 777

رسول الله ﷺ يوم الفتح الضحى ثمانى ركعات، لم يفصل بينهن " (١) . وهذا لا ينافي رواياتها الأخرى عنه: " أنه سلم من كل ركعتين " (٢) ، لأنه من الجائز أنها رأته يصليها مرتين أو أكثر. وعن سعيد بن مرجانة قال: " جلست وراء سعد بن أبي وقاص وهو يسبح من الضحى. فركع ثمانى ركعات أعدهن لم يقعد فيهن، حتى قعد في آخرهن فتشهد ثم سلم ". رواه (٣) المعمري (٤) في " كتاب عمل اليوم والليلة ". ولأنه عدد جاز أن يتنفل به في بتسليمتين. فجاز بتسليمة، كالأربع بالنهار. انتهى. (ويصح تطوع بركعة ونحوها) كثلاث وخمس في أصح الروايتين " لقول النبي ﷺ لأبي ذر: " الصلاة خير موضوع استكثر أو أقل " (٥) . رواه ابن حبان في "صحيحه ". ولما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه دخل المسجد فصلى ركعة. فتبعه رجل فقال: يا أمير المؤمنين لِلَّهِ إنما صليت ركعة، قال: هو تطوع. فمن شاء زاد، ومن شاء نقص " (٦) . وصح عن اثني عشر من الصحابة تقصير الوتر بركعة. وهو تطوع. (ولا تصح صلاة مضطجع غير معذور). قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب. قال المجد في " شرحه " وتبعه في " مجمع البحرين " والزركشي: ظاهر قول أصحابنا المنع، وقدمه في " الفروع " و" الرعاية ".

стр. 778

قال الشيخ تقي الدين: جوزه طائفة قليلة، ونقل ابن هانئ: تصح. فتكون على النصف من صلاة القاعد. واختاره بعض الأصحاب. انتهى. ووجه المذهب عموم الأدلة على افتراض الركوع والسجود والاعتدال عنهما، ولم ينقل عنه ﷺ فعل ذلك ليخصص (١) به العموم. (وأجر قاعد) أي: المصلي قاعدا (على نصف) أجر (صلاة قائم، إلا المعذور)، لقول رسول الله ﷺ : " من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم " (٢) . متفق عليه. ولفظ مسلم: " صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة ". قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: " إن النبي ﷺ لم يمت حتى كان كثير (٣) من صلاته وهو جالس " (٤) . رواه مسلم. ولأن كثيرا من الناس يشق عليهم طول القيام. فلو وجب في التطوع لترك أكثره. فسامح الشارع في ترك القيام فيه " ترغيبا في تكثيره. (وسن) لمن صلى جالساً لعذر أو غيره (تربعه بمحل قيام) في أصح الروايتين، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: " رأيت النبي ﷺ يصلي متربعا " (٥) . رواه الدارقطنى والنسائي وابن حبان والحاكم (٦) . وقال إنه: على شرط الشيخين.

стр. 779

ولأن القيام يخالف القعود. فينبغي أن يخالف هيئته في بدله هيئة غيره، كمخالفة القيام وغيره. ولأن ذلك أبعد له من السهو والاشتباه. (و) يسن له أيضاً (ثني رجليه بركوع وسجود) أي: في حالتي الركوع والسجو د. اما في حالة السجود فبغير خلاف؛ لمخالفة هيئة الساجد لهيئة القائم. وأما في حالة الركوع فعلى أصح الروايتين؛ لأن ذلك يروى عن أنس. وبه قال الثوري، وهو مخير في الركوع والسجود: إن شاء من قيام وإن شاء من قعود؛ لأن النبي ﷺ فعل الأمرين. قالت عائشة ﵂: " لم أر رسول الله ﷺ يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن. فكان يقرأ قاعدا، حتى إذا أراد ان يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية، ثم ركع " (١) . متفق عليه. وعنها: " أن رسول الله ﷺ كان يصلي ليلا طويلاً قاعداً. وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم. وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد " (٢) . رواه مسلم. (وكثرتهما) أي: كثره الركوع والسجود (أفضل من طول قيام) على أصح الروايات. وعنه: طول القيام أفضل. وعنه: هما سواء.

стр. 780

وجه الأولى قول النبي ﷺ : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " (١) . وروى ثوبان قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " عليك بكثرة السجود. فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة " (٢) . وعن ربيعة بن كعب السلمي: " أنه قال للنبي ﷺ : أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: أعني على نفسك بكثرة السجود " (٣) . رواهما أحمد ومسلم وأبو داود. وعن عبادة بن الصامت أنه سمع النبي ﷺ يقول: " ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ورفع له بها درجة فاستكثروا من السجود " (٤) . رواه ابن ماجه. ولأن السجود في نفسه أفضل وآكد. بدليل أنه يجب في الفرض والنفل. ولا يباح بحال إلا لله تعالى. والقيام يسقط في النفل. ويباح في غير الصلاة للوالدين والعالم وسيد القوم. والاستكثار مما هو آكد وأفضل أولى. (وتسن صلاة الضحى)؛ روى أبو هريرة قال: " أوصانى خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: صيام ثلاثه أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام " (٥) . رواه أحمد ومسلم. وعن أبي الدرداء نحوه (٦) متفق عليه.

стр. 781

وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : " يصبح على كل سلامى من أحد كم صدقة. فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة. ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى " (١) . رواه احمد ومسلم. ومعنى قوله: " على كل سلامى " أي: كل عظم. (غبا) [فتصلى في بعض الأيام دون بعض] (٢) ، لأن النبي ﷺ لم يكن يداوم عليها. ولما روى أبو سعيد الخدري قال: " كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها. ويدعها حتى نقول: لا يصليها " (٣) . رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن غريب. ولأن في المداومة عليها تشبيها بالفرائض والسنة المؤكدة، وهي دونهما. (وأقلها ركعتان، وأكثرها ثمان) أي: ثمان ركعات. أما كون أقلها ركعتين، فلما روى معاذ بن أنس أن النبي ﷺ قال: " من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى، لا يقول إلا خيرا، غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر " (٤) . رواه أبو داود. ولأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى الضحى أقل من ركعتين. وأما كونها تصلى أربعاً، فلما روي عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء " (٥) . رواه أحمد ومسلم.

стр. 782

وأما كونها تصلى ستا، فلما روى جابر بن عبد الله قال: " كنت أعرض بعيرا لي على النبي ﷺ فأبصرته يصلي الضحى ستا " (١) . رواه البخاري في " تاريخه". وأما كون أكثرها ثماني ركعات، فلحديث أم هانئ " أن النبي ﷺ عام الفتح صلى ثمان ركعات سبحة الضحى " (٢) . رواه الجماعة. ولأبي داود وابن ماجه: " يسلم في كل ركعتين ". وعن أنس قال: " رأيت النبى ﷺ فى سفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات " (٣) . رواه أحمد. (ووقتها) أي: وقت (٤) صلاة الضحى (من خروج وقت النهي)، لما روي عن النبي ﷺ قال: " قال الله : ابن آدم! اركع لي أربع ركعات من أول النهار اكفك آخره " (٥) . رواه الخمسة إلا ابن ماجه. يعني: أن أول وقتها من خروج وقت النهي وهو إذا علت الشمس. ويستمر (إلى قبيل الزوال) يعني: إلى دخول وقت النهي بقيام الشمس.

стр. 783

(وأفضله) أي: أفضل وقت تصلى فيه صلاة الضحى (إذا اشتد الحر)، لقول رسول الله ﷺ : " صلاة الأوابين حين ترمض الفصال " (١) . رواه مسلم. (و) تسن أيضاً (صلاة الاستخارة، ولو في خير) كحج وعمرة، (ويبادربه) أي: بذلك الخير (بعدها) أي: بعد الصلاة. وذلك لما روى جابر قال: " كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن. يقول: إذا هم أحد كم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة. ثم ليقل: اللهم! إنى أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم. فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم! إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله فيسره لي ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به. ويسمي حاجته " (٢) أخرجه البخاري والترمذي وفيه: " ثم رضني به ". وقد أطلق أحمد والأصحاب استحباب صلاتها عند أرادته أمراً من الأمور. فظاهره استحبابها عند إرادة شيء من العبادات كحج أو عمرة " لعموم كل في الحديث حيث قال: " في الأمور كلها ". (و) تسن أيضاً (صلاة الحاجة إلى الله تعالى) سبحانه، (أو) إلى (آدمي)، لما روى"عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصلي ركعتين، ثم ليثني على الله تعالى، وليصل (٣) على النبي ﷺ ثم

стр. 784

ليقل (١) : لا إله إلا الله الحكيم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم. سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها. يا أرحم الر احمين! " (٢) . رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث غريب. (و) تسن أيضاً (صلاة التوبة)؛ لما روي عن علي قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلى ركعتين ثم يستغفر الله، إلا غفر له. ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ … ﴾ إلى آخر الآية [ال عمران: ١٣٥] " (٣) . رواه ابو داود فى والترمذي وقال: حسن غريب، وفي إسناده مقال، لأنه من رواية أبي الورقاء وهو ضعيف. (و) تسن الصلاة أيضا (٤) (عقب الوضوء)، لما روى أبو هريرة " أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام. فإنى سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. فقال: ما عملت عملا أرجى عندي أنى لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي " (٥) . متفق عليه واللفظ للبخاري.

стр. 785

(لكل) من الاستخارة والحاجة والتوبة وعقب الوضوء (ركعتان). و (لا) تسن (صلاة التسبيح)؛ لقول أحمد: ما يعجبني. قيل: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح، ونفض يده كالمنكر ولم يرها مستحبة قال الموفق: وإن فعلها إنسان فلا بأس فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها، وقد رأى غير وأحد من أهل العلم صلاة التسبيح منهم ابن مبارك وذكروا الفضل فيها. ووجهها ما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس: " أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: يا عماه! ألا أعطيك، الا أمنحك، ألا أفعل بك، عشرة خصال: إذا أنت فعلت ذلك غفر الله ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته. عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة. فإذا فرغت من القراءة قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً. فذلك خمس وسبعون في كل ركعة. تفعل ذلك في أربع ركعات. إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل. فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة. فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة. فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة. فإن لم تفعل ففي عمرك مرة " (١) . ورواها سعيد بإسناد منقطع " أن النبي ﷺ علمها جعفر بن أبي طالب ". والله أعلم. ***

стр. 786

[فصل: في سجود التلاوة] (فصل). في أحكام سجود التلاوة والذكر والشكر. (وسجود تلاوة و) سجود (شكر كنافلة) أي: نافلة الصلاة ذات الركوع والسجود (فيما يعتبر) لها: من ستر العوره، واستقبال القبلة، والنية، والطهارة من الحدث والنجس في قول عامة أهل العلم. والأصل في مشروعية سجود التلاوة قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء ١٠٧]. وما روى ابن عمر قال: " كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحد نا موضعا لجبهته " (١) . ولمسلم: " في غير صلاة " (٢) . (ويسن) أي: سجود التلاوة (لتلاوة) أي: تلاوة آية سجدة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو واجب؛ لأنه مأمور به، مذموم على تركه. مستدلين بقوله : ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ا ٢]. وبقوله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ وبما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة،

стр. 787

وأمرت بالسجود فاً بيت فلي النار " (١) . رواه أحمد وابن ماجه. وبأنه سجود يفعل في الصلاة. أشبه سجود صلبها. ولنا: ما نقل صالح عن أحمد: أن سجود التلاوة لا يجب، واحتج بما روى زيد بن ثابت قال: " قرأت على النبي ﷺ والنجم. فلم يسجد فيها " (٢) . رواه الجماعة. وفي لفظ للدارقطني: " فلم يسجد منا أحد " (٣) . ولو كان السجود واجباً لما أقر على تركه. وبما روي " أن عمر قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس! إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر" (٤) . رواه البخاري في "صحيحه ". ورواه مالك في " الموطأ " وقال فيه: " إن الله لم يفرض علينا السجود، إلا

стр. 788

أن نشاء، ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا " (١) . وهذا قاله بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد. فصار إجماعا. وقوله: " إن الله لم يفرض علينا السجود " عام في الصلاة وغيرها. ولأنه لو وجب في الصلاة لبطلت بتركه؛ كسجود الصلب، وهو خلاف الإجماع. والأوامر به محمولة على الندب باًدلتنا (٢) . وإنما ذم من تركه تكذيبا واستكبارا كإبليس والكفار، ولهذا قال: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠]. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥]. فالمراد به التزام السجود واعتقاده. فإن فعله ليس بشرط في الإيمان إجماعا، ولهذا أقرنه بالتسبيح وهو قوله: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] وليس التسبيح بواجب. (ويكرره) أي: يكرر التالي السجود (بتكر ارها) أي: بتكر ار التلاوة؛ لأنها السبب المشروع من أجله؛ كتكرر ركعتي الطواف بتكرره. قال في " الفروع " بعد ذكره وإطلاقه فيها وجهين: وكذا يتوجه في تحية المسجد إن تكرر دخوله. انتهى. ويسن فعله (حتى في طواف) في أصح الروايتين (مع قصر فصل) بين التلاوة والسجود، أو بين الاستماع والسجود. (فيتيمم محدث بشرطه) وهو عادم الماء، والعاجز عن استعماله أو المتضرر به، (ويسجد مع قصره) أي: قصر الفصل بين السجود وسببه. فعلى هذا إن توضأ لم يسجد لما قبل الوضوء؛ لفوات سبب السجود بطول الفصل. وهذا المذهب. وعنه: ويتطهر محدث ويسجد وفاقاً لأبي حنيفة. قاله في " الفروع ". وإنما يسن سجود التلاوة القارئ ومستمع) وهو الذي يقصد السماع وفاقاً.

стр. 789

و (لا) يسن لى (سامع) روي ذلك عن عثمان وابن عباس وعمران بن حصين، وبه قال مالك؛ لما روي عن عثمان " أنه مر بقاص فقرأ القا ص سجدة ليسجد عثمان معه. فلم يسجد وقال: إنما السجدة على من استمع " (١) . وقال ابن مسعود وعمران: ما جلسنا لها. ولم يعلم لهما مخالف في عصرهم. ولأن السامع لا يشارك التالي في الأجر. فلم يشاركه في السجود؛ كغيره. أما المستمع؛ فقد قال رسول الله ﷺ : " التالي والمستمع شريكان في الأجر ". فلا يقاس غيره عليه. وما روي عن ابن عمر أنه قال: " إنما السجدة على من سمعها " (٢) . فيحمل على من سمعها قاصدا. (ولا) يسجد (مصل إلا متابعة لإمامه) يعني: أن المصلي المستمع إلى تال في غير الصلاة، أو في الصلاة، أو في صلاة وهو غير إمامه، أو كان إمامه ولم يسجد، لم يسجد المستمع. نص عليه؛ لأن المصلي غير المأموم مأمور باستماع قراءة نفسه والاشتغال بصلاته منهي عن استماع غيره، والمأموم مأمور باستماع قراءة إمامه. فلا تكون قراءة غير إمامه سببا لاستحباب السجود في حقه. إذا تقرر هذا فلا يسجد مصل إلا تبعا لسجود إمامه. (ويعتبر) لاستحباب السجود في حق المستمع (كون قارئ يصلح إماماً له) أي: للمستمع ولو في نفل فقط. (فلا يسجد) المستمع (إن لم يسجد) القارئ؛ لما روي: " أن رسول اله ﷺ أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة، ثم نظر إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إنك كنت إمامنا ولو سجدت سجدنا " (٣) . رواه الشافعي في " مسنده "، والجوزجاني في

стр. 790

" المترجم " عن عطاء عن النبي ﷺ . (ولا) يسجد المستمع (قدامه) أي: قدام القارئ، (او عن يساره) يعني: إن كان المستمع عن يسار القارئ (مع خلو يمينه) أي: يمين القارئ بأن لم يكن عن يمينه من يسجد لقراءته (١) ؛ لعدم صحة الائتمام في هذه الحالة. (ولا) يسجد (رجل) مستمع التلاوة أمراً ة، و) تلاوة (خنثى)؛ لعدم صحة ائتمامه بأحدهما. (ويسجد) مستمع من رجل وخنثى وأنثى (لتلاوة) رجل (أمي). وسيأنى تعريف الأمي، (و) لتلاوة (زمن)؛ لأن قراءة الفاتحة والقيام ليس واحد منهما بركن في السجود، (و) لتلاوة (صبي) لصحة إمامته في النفل. وسجود التلاوة من النوافل. وقيل: لا يسجد، والوجهان مبنيان على الوجهين في صحة إمامته شي النفل، والصحيح صحتها. (والسجدات أربع عشرة) سجده: في الأعراف، والرعد، والنحل، وسبحان، ومريم، و (في الحج ثنتان)، والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، واقرأ باسم ربك. وسجدة ص سجدة شكر. وعنه: أنها من عزائم السجود. وقيل: أن ثانية الحج ليست منها؛ لأنها ذكرت مع الركوع. فأشبه قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. والدليل على إثباتها ما روى عقبة بن عامر قال: " قلت: يا رسول الله لِلَّهِ أفضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؛ قال: نعم. ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما " (٢) . رواه أحمد وأبو داود. واحتج به أحمد في رواية ابنه عبد الله.

стр. 791

وإن كان في إسناده ابن لهيعة، وقد تكلم فيه. لكن أبا داود رواه من طريق ابن وهب عنه، وقد قال فيه ابن وهب: كان صادقا. وروى إمامنا بإسناده عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى " أنهم سجدوا في الحج سجدتين " (١) . ومواضع السجدات: آخر الأعر اف، وفي الرعد: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [١٥]، وفي النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [٥٠]، وفي بني إسرائيل: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [١٠٩]، وفي مريم ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾، وفي أول الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾، وفي الثانية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وفي الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، وفي النمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [٢٦]، وفي ألم تنزيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وفي حم السجدة: (وهم لا يسئمون) [٣٨]، وآخر النجم، وفي سورة الانشقاق: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾، وآخر: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. ومن أراد السجود للتلاوة وهو في الصلاة أو خارجها فإنه (يكبر) تكبيرتيبن تكبيرة (إذا سجد، و) تكبيرة (إذا رفع). وهذا المذهب، لأنه سجود منفرد. فشرع التكبير في ابتدائه، وفي الرفع منه كسجود السهو وكسجود الصلاة. وقيل؛ لا يلزمه إلا تكبيرة للسجود. فتكون مجزئة له عن تكبيره الرفع. وقال أبو الخطاب في " الهداية ": إن سجد خارج الصلاة فإنه يكبر قبل تكبيرة السجود تكبيرة للإحرام قياسا. فعلى هذا: يلزمه ثلاث تكبيرات. (و) إن كان خارج الصلاة فإنه (يجلس) إذا رفع رأسه. وإنما شرع جلوسه إذا كان خارج الصلاة، لأن السلام يعقبه. فشرع ليكون سلامه في حال

стр. 792

جلوسه، وهذا منتفي فيما إذا سجد للتلاوة في الصلاة. (ويسلم) وجوبا على أصح الروايتين. فتبطل بتركه عمداً أو سهواً؛ لقول النبي ﷺ : "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " (١) . ولأنها صلاة ذات إحرام. فوجب السلام فيها؛ كسائر الصلوات. (ولا يتشهد ويرفع يديه) ندبا (ولو) كان (في صلاة). نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، وعلى هذا الجمهور. وعنه: لا يرفعهما. (وكره جمع آياته) أي: آيات السجود في وقت ليسجد لها. (و) كره أيضاً (حذفها) أي: أن يحذف القارئ آيات السجود بأن يختصرها؛ لئلا يسجد لها. سواء كان في الصلاة أو خارجها؛ لأن كلا منهما لم ينقل عن السلف، بل المنقول عنهم كراهته. (و) كره أيضاً (قراءة إمام سجدة) أي آية سجدة (بصلاة سر. و) كره (٢) أيضاً (سجوده لها) أي: للسجدة التي يقرأ آيتها في صلاة السر، وذلك أنه إذا قرأها فلا يخلو إما أن يسجد لها أو لا يسجد لها. فإن لم يسجد لها كان تاركا للسنة، [وإن سجد لها] (٣) أوجب ذلك الإيهام والتخليط على المأموم فتقابل المكروهان. فكان ترك السبب المفضي إليهما أولى. وقيل: لا يكره. (ويلزم المأموم متابعته) أي: متابعة إمامه في سجوده للتلاوة (في غيرها) أي: في غير صلاة السر؛ لأن المأموم في صلاة السر ليس بتال ولا مستمع. بخلاف صلاة الجهر. ولو كان هناك مانع يمنعه من السماع كبعد وطرش؛ لأن ذلك لا يمنع وجوب المتابعة كالإنصات.

стр. 793

(وسجود) التلاوة (عن قيام أفضل) من سجوده عن (١) قعود تشبيها له بصلاة النفل. وقد روى إسحاق بن راهويه بإسناده عن عائشة " أنها كانت تقرأ في المصحف. فإذا انتهت إلى السجدة قامت فسجدت " (٢) . (والتسليمة الأولى ركن) لسجود التلاوة، (وتجزئ) عن الثانية. نص عليه؛ لفعل ابن مسعود. ولأن الثانية لا نص فيها، ولا العمومات تقتضيها. ولأنها صلاة مبناها على الاختصار والتخفيف. فأشبهت الجنازة. وعنه: أن الواحدة لا تجزئ. فعليها (٣) لا بد من (٤) أن يسلم أخرى. (وسن) السجود (لشكر) أي: شكر الله (عند تجدد نعم) مطلقاً، (واندفاع نقم مطلقاً) أي: سواء كانت النعم أو اندفاع النقم خاصتين به أو عامتين له وللناس. وهذا المذهب نص عليه. وقيل: ليس له أن يسجد لأمر يخصه. وعلى المذهب فيشترط ظهور ما يسجد له من ذلك؛ كتجدد ولد أو مال، أو جاه، أو نصرة على عدو ونحو ذلك. وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك؛ لأن النبي ﷺ كان في أيامه الفتوح، استسقى فسقي ما ووى أبو بكرة " أن النبي مستحباً إذ أتاه أمر. يسر به خر ساجداً " (٥)

стр. 794

[رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي والحاكم مصححا له. وما روى البراء " أنه ﷺ خر ساجداً] (١) حين جاءه كتاب علي من اليمن بإسلام همدان " (٢) . رواه البيهقي في " المعرفة " وفي " السنن " وقال: هذا إسناد صحيح. وما روى سعد بن أبي وقا ص قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة فلما كنا قريباً من عزوراء (٣) نزل ثم رفع يديه، ودعا الله ساعة ثم خر ساجداً فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجداً. فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجداً ثلاثا، ثم قال: إنى سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطانى ثلث أمتي فخررت ساجداً شاكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطانى ثلث أمتي فخررت ساجداً شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فأعطانى الثلث الأخير فخررت ساجداً لربي " (٤) . رواه أبو داود ولم يضعفه فيكون حسنا. واحترز بقوله: " عند تجدد نعم " عن استمرارها فإنه لا يسجد لذلك " لأنه لا ينقطع. فلو شرع السجود له لاستغرق عمره به. (وإن سجد له) أي: للشكر (في صلاة: بطلت)، لأن سبب الشكر ليس له تعلق بالصلاه. بخلاف سجود التلاوة. ومحل البطلان: إن وجد ذلك من متعمد عالم كما لو زاد فيها سجوداً عالما عامداً، (لا) إن وجد ذلك (من جاهل وناس)، كما لو زاد فيها سجوداً جاهلاً أو ناسياً.

стр. 795

(وصفته) أي: صفة سجود الشكر، (وأحكامه كسجود تلاوة). ويستحب سجود الشكر أيضاً: عند رؤية مبتلى في بدنه أو دينه شكرا لله على سلامته. أما عند رؤية المبتلى في بدنه؛ فلما روى الحاكم " أن النبى ﷺ سجد لرؤية زمن، وأخرى لرؤية قرد، وأخرى لروية نغاشي " بالنون والغين والشين المعجمتين. قيل: أنه الناقص الخلقة. وقيل: هو المبتلى. وقيل: هو المختلط العقل. وأما سجوده عند رؤية المبتلى في دينه؛ فلأن مصيبة الدين أشد من مصيبة الدنيا، ولهذا كان من دعوات النبي: " اللهم! لا تجعل مصيبتنا في ديننا" (١) .

стр. 796

[فصل: في أحكام قراءة القرآن] (فصل) في جملة من أحكام القراءة. (تباح القراءة) أي: قراءة القرآن قائماً وقاعداً؛ لما روت عائشة قالت: " كان النبي ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن " (١) . متفق عليه. ومضطجعا؛ لما روي عن عائشة رضى الله عنها قالت: " أني لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري " (٢) . رواه الفريابي. وراكباً وماشياً و (في الطريق) نقله ابن منصور وغيره. خلافا للمالكية؛ لما روي عن إبراهيم التيمي قال: " كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق ". (ومع حدث أصغر، ونجاسة ثوب وبدن حتى فم). قال في " الفروع ": ولا تمنع نجاسة الفم القراءة. ذكره القاضي. وقال ابن تميم: الأولى المنع. (وحفظ القرآن فرض كفاية) إجماعاً. نقل الميموني: أن رجلا سأل أبا عبد الله: أيما أحب إليك أبدأ ابني بالقراءة أو بالحديث؛ قال: بالقرآن، قال أعلمه كله؛ قال: إلا أن يعسر فتعلمه منه، ثم قال لي: إذا قرأ أولاً تعود القراءة ثم لزمها. وقال في " الفروع ": وظاهر سياق هذا النص في غير المكلف،

стр. 797

وإلا فالمكلف يتوجه: أن يقدم بعد القراءة الواجبة العلم، كما يقدم الكبير نفل العلم على (١) نفل القراءة. انتهى. (ويتعين) حفظ (ما يجب في صلاة) فقط. ثم الواجب عليه بعد ذلك تعلم ما يحتاج إليه من العلم في أمور دينه. ثم إن علم ذلك فهل الأفضل في حقه حفظ بقية القرآن أو الاشتغال بنافلة العلم النافع؟ فيه احتمالان. (وتسن القراءة في المصحف). ذكره الآمدي وغيره؛ لما فيه من إشغال حاسة البصر بالعبادة. وكان أبو عبد الله لا يكاد يترك القراءة (٢) فيه كل يوم سُبُعاً. (و) يسن (الختم) أي: ختم القرآن (كل أسبوع) مرة؛ لما روي أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: " اقرأ القرآن في كل سبع، ولا تزيدن على ذلك " (٣) . (ولا بأس به) أي: بالختم (كل ثلاث) أي: ثلاث ليالي؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو قال: " قلت يا رسول الله لِلَّهِ إن لي قوة قال: اقرأه في ثلاث " (٤) . رواه أبو داود. وذكر ابن حزم الاتفاق على إباحة قراءته كله في ثلاثة أيام. قال في " الفروع ": ويستحب ختم القرآن كله في سبع، وهل يكره في أقل، أم لا يكره، أم يكره دون ثلاث؛ فيه روايات. وعنه: هو على قدر نشاطه. انتهى. قال بعض الأ صحاب: الأظهر أن ذلك مقدر بالنشاط وعدم المشقة. فمن وجد نشاطا في ختمه في أقل من ثلاث لم يكره، وإلا كره؛ " لأن عثمان كان يختمه في ليلة ". وروي ذلك عن جمع من السلف.

стр. 798

(وكُره) أن يؤخر ختمه (فوق أربعين) يوما. قال أحمد: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين. ولأن تأخيره أكثر من هذا يفضي إلى نسيانه والتهاون به. قال أحمد: ما أشد ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه. وقيل: يحرم ذلك. ويستحب جمعه. (و) يسن لمن ختم القرآن أن (يكبر لآخر سورة من) سورة (الضحى) إلى آخر القرآن. قال في " تصحيح الفروع " عند قوله. وهل يكبر لختمه من (الضحى) أو (ألم نشرح) آخر كل سورة؟ فيه روايتان أحدهما: يكبر آخر كل سورة من (الضحى) وهو الصحيح. قال في " المغني " و" الشرح ": واستحسن أبو عبد الله التكبير عند آخر كل سورة من الضحى إلى أن يختم. وجزم به ابن رزين في " شرحه "، وابن حمدان في " رعايته الكبرى "، وقدمه ابن تميم والمصنف في " آدابه ". انتهى. (و) يسن له أيضاً أنه (يجمع أهله) عند ختمه. رجاء عود نفع ذلك وثوابه إليهم، وأن يكون الختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار. روي ذلك عن ابن المبارك، وأعجبَ ذلك الإمام أحمد، لما روى طلحة بن مصرف قال: أدركت من صدر أهل الخير هذه الأمة يستحبون الختم أول الليل وأول النهار. يقولون (١) : إذا ختم في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى [يمسى، وإذا ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى] (٢) يصبح. واختلف عن أحمد رحمه الله تعالى: أيما أفضل السرعة في القراءة مع تبيين الحروف، أو الترتيل؟ على روايتين:

стр. 799

إحداهما (١) : أن السرعة أفضل؛ لأن لكل حرف عشر حسنات. وثأنيهما: وهوالصحيح: أن الترتيل أفضل؛ لقوله : (ورتل القرءان ترتيلا) [المزمل: ٤]. أما السرعة مع عدم إبانة الحروف؛ فمكروهة. وروي عن أحمد كراهة السرعة مطلقاً. وتأولها القاضي على عدم إبانة الحروف. ويستحب أن يقرأ القرآن على أكمل أحواله. فأن خرج منه ريح حال قراءته سكت حتى ينفصي. وكره أحمد والأصحاب قراءة القرآن بالألحان وقال: هي بدعة، لما روي: " أن رسول الله ﷺ ذكر في أشراط الساعة: أن يتخذ القرآن مزامير يُقدّمون أحد هم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم غناء " (٢) . ولأن الإعجاز في لفظ القرآن ونظمه والألحان بغيره. أما تحسين القرآن والترجيع فلا يكره بل ذلك مستحب؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به " (٣) . رواه البخاري. وقال ﷺ : " زينو االقرآن بأصواتكم " (٤) . وقال: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " (٥) . وقد اختلف في معنى قوله: " يتغن بالقرآن " فقال أبو عبيدة وجماعة:

стр. 800

معنى يتغنى بالقرآن يستغني به، وقال طائفة معناه: تحسين قراءته والترنم، ورفع صوته بها. كما قال أبو موسى للنبي ﷺ : " لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبّرته لك تحبيرًا " (١) . وقال الشافعي: يرفع صوته به. وقال أبو عبد الله: يقرأه بحزن؛ كقراءة أبي موسى. وعلى كل حال فتحسين الصوت والترنم مستحب إذا لم يفض إلى زيادة حرف فيه أو تغيير لفظه. وأما قراءة جماعة له مجتمعين بصوت واحد. وهي الطريقة المعروفة في عصرنا بالنعمانى فغير مكروهة (٢) على الصحيح. وقيل: هي كقراءة الألحان. ولا يجوز رفع الصوت بالقرآن في الأسواق مع اشتغال أهلها بتجارتهم وعدم استماعهم له؛ لما فيه من الامتهان. قال في " الفروع ": ويتوجه يكره. وأما رفع الصوت بحيث يفضي إلى تغليط من بحضرته من المصلين فمكروه. ذكره في " الترغيب " وغيره؛ لما روى أبو سعيد قال: " اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد. فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له. فكشف الستور وقال: ألا كلكم مناج ربه. فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة، أو قال: في الصلاة (٣) . رواه أحمد. (ويسن) لكل مسلم مكلف (تعلم التأويل). والمراد بالتأويل هنا التفسير. قا ل في " القاموس ": وأولَ الكلام تأويلاً، وتأوله: دبره وقدره وفسره. انتهى.

стр. 801

(ويجوز التفسير بمقتضى اللغة) اتفاقاً. فعله أحمد ونصره القاضي وأبو الخطاب وغيرهما. و (لا) يجوز التفسير (بالرأي) عند جمهور أهل العلم. واستدلوا بقوله : (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [البقرة: ١٦٩]، وبقوله: (لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل: ٤٤]. وبما روي عن ابن عباس مرفوعا: " من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار " (١) . رواه أبو داود والنسائي والترمذي (٢) وحسنه. لكنه من حديث عبد الأعلى بن عامر الثعلبي ضعفه أحمد وأبو زرعة وغيرهما، ورواه ابن جرير في " تفسيره " من غير حديث عبد الأعلى موقوفا على ابن عباس. وعن سهيل بن أبي حزم عن أبي عمران الجوني عن جندب مرفوعا: " من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ " (٣) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: غريب، وسهيل ضعفه الأئمة. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال ابن معين: صالح. وقد روي هذا المعنى عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال عمر: " نهينا عن التكلف وقرأ: (وفاكهة وأبا) [عبس: ٣١] وقال (٤) : فما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا، أو قال: ما أمرنا بهذا " (٥) . روى ذلك البخاري.

стр. 802

وأصل التكلف تتبع ما لا منفعة فيه، أو ما لم يؤمر به، ولا يحصل إلا بمشقة. وأما ما أمر به أو فيه منفعة فلا وجه للذم. وقد فسر النبي ﷺ آيات، وفسر كثير من الصحابة كثيرًا من القرآن. وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سمع رسول الله ﷺ قوما يتمارون في القرآن فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض. وإنما نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ولا يكذب بعضه بعضا، ما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه " (١) . إسناد جيد، وحديث عمرو حسن. وروى سعيد بن منصور عن حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن الصديق رضي الله تعالى عنه قال: " أيُّ سماء تظلني، أو أي أرض تقلني، أو أين أذهب، أو كيف أصنع؟ إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله " (٢) . وذكر أبو الخطاب في " التمهيد " وغيره: يكره. (ويلزم الرجوع إلى تفسير صحابي، لا) إلى تفسير (تابعي). أما الرجوع إلى تفسير الصحابي؛ فلأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل فهو أمارة ظاهرة. ولأن قول الصحأبي حجة على المشهور. وأما كونه لا يلزم الرجوع إلى قول التابعي فيما لم ينقله (٣) عن العرب في أصح الروايتين، وهي ما نقل أبو داود عن أحمد أنه قال: إذا جاء الشيء عن الرجل من التابعين لا يوجد فيه عن النبي ﷺ ] شيء (٤) لا يلزم الأخذ به؛ فلأن التابعين لم يشاهدوا التنزيل ولم يحضروا التأويل.

стр. 803

ولأن قول التابعي ليس بحجة على المشهور. ولا يعارض نقل أبي داود ما نقله المروذي عن أحمد أنه قال: ننظر ما كان عن النبي ﷺ [ (١) . فإن (٢) لم يكن فعن أصحابه. فإن لم يكن فعن التابعين لإمكان حمل قوله في هذه الرواية: فعن التابعين على إجماعهم، لا على ما انفرد به أحدهم. قاله القاضي. (وإذا قال الصحابي ما يخالف القياس فهو) أي: فقوله (٣) المخالف للقياس (توقيف).

стр. 804

] فصل: في أوقات الصلاة المنهي عنها] (فصل) في ذكر الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها. (أوقات النهي خمسة). الوقت الأول: (من طلوع الفجر الثانى) في أصح الروايتين (إلى طلوع الشمس)؛ لقوله ﷺ : " إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر " (١) . احتج به أحمد في رواية صالح، ورواه هو وأبو داود من رواية ابن عمر. والرواية الثانية: أن النهي إنما هو متعلق بالصلاة فمن لم يصل الصبح أبيح له التنفل حتى يصلي؛ لأن النهي ورد مقيدا بذلك في حديث أبي سعيد وغيره أن النبي ﷺ قال: " لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس " (٢) . وهو أصح إسناداً. واحتج من نصر الأولى بأنه ثبت مراد النبي ﷺ من اللفظ المجمل ولا يعارضه تخصيص ما بعد الصلاة بالنهي. فأن ذلك دليل خطاب فالمنطوق أولى منه. وعلى الأول وهو المذهب فيستثنى ركعتا الفجر بلا خلاف للحديث. (و) الوقت الثانى من أوقات النهي: (من صلاة العصر) يعني: أن النهي متعلق بنفس صلاة العصر (ولو) كانت صلاة العصر (مجموعة) مع الظهر (وقت الظهر إلى) أن تأخذ الشمس في (الغروب). قال شارح " المقنع ": والنهي بعد العصر عن الصلاة متعلق بفعلها فمن لم

стр. 805

يصل العصر أبيح له التنفل، وإن صلى غيره. ومن صلى فليس له التنفل، وأن صلى وحده فلا نعلم في ذلك خلافا عند من منع الصلاة بعد العصر. انتهى. (وتفعل سنة الظهر بعدها) أي: بعد صلاة العصر (ولو في جمع تأخير) أي: ولو كانت صلاة الظهر مجموعة مع العصر في وقت العصر في أصح الروايتين؛ لما روت أم سلمة قالت: " دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم بعد العصر فصلى ركعتين فقلت: يا رسول الله لِلَّهِ صليت صلاة لم أكن أراك تصليها أبدا؛ فقال: إنى كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وإنه قدم وفد بني تميم فشغلوني عنهما. فهما هاتان الركعتان " (١) . متفق عليه. قال شارح " المقنع ": والصحيح أن السنن الراتبة تقضى بعد العصر؛ لأن النبي ﷺ فعله. فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة الذي ذكرناه، والاقتداء بما فعله النبي ﷺ متعين. ولأن النهي بعد العصر خفيف؛ لما روي في خلافه من الرخصة. انتهى. والرواية الثانية: لا تفعل؛ لعموم النهي. لكن الأخذ بالحديث الخا ص أولى. (و) الوقت الثالث من أوقات النهي: من (عند طلوعها) أي: طلوع الشمس (إلى ارتفاعها)؛ لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " (٢) . متفق عليه.

стр. 806

وأول هذا الوقت بدو الشيء من قرص الشمس وآخره (١) إذا ارتفعت (قيد رمح) أي: قيد رمح في رأي العين. (و) الوقت الرابع من أوقات النهي: من (قيامها) أي: قيام الشمس (حتى تزول)؛ لما روى عمرو بن عبسة (٢) قال: " قلت يا رسول الله لِلَّهِ أخبرنى عن الصلاة؛ قال: صلِّ صلاة الفجر ثم اقصر عن الصلاة (٣) حتى تطلع الشمس وترتفع. فإنها تطلع حين تطلع على قرن الشيطان وحينئذ يسجد الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة مشهودةٌ محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تُسجَرُ جهنم. فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس. فإنها تغرب بين قرني الشيطان وحينئذ يسجد لها الكفار " (٤) . رواه أحمد ومسلم. (و) الوقت الخامس من أوقات النهي: من ابتداء (غروبها حتى يتم)؛ لما روى عقبة بن عامر قال: " ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبُرَ فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ للغروب حتى تغرب " (٥) . رواه مسلم. أما الظهيرة فهي شدة الحر، وقائمها هو البعير يكون باركا فيقوم من شدة حر الأرض. وتضيف بتاء مفتوحة بنقطتين من فوق ثم ضاد معجمة ثم ياء مشددة تحتانيه

стр. 807

أي: تميل، ومنه الضيف. تقول: أضفت فلانا إذا أملته إليك وأنزلته عندك. وكون أوقات النهي خمسة هو الصحيح وعليه الجمهور، وعدها بعض الأصحاب- منهم صاحب " الوجيز "- ثلاثة: الأول: من الفجر الثانى إلى علو الشمس رمحاً. والثانى: عند قيامها حتى تزول. والثالث: من صلاة العصر حتى يتم الغروب. فأهمل وقتين لتوهمه أنهما مندرجان في الثلاثة مع أن حالة الغروب يعم النهي فيها من صلى العصر، ومن لم يصله عاصيا بالترك أو غير عاص. فالكراهة في هذا الوقت لها سببأن: سبب في حق من صلى، وسبب في حق من لم يصل. فلا يصح أن يكون الوقتان (١) واحداً. (ويجوز فعل) صلاة (منذورة) مطلقا بأن لم تقيد بوقت. في أي وقت من أوقات النهي، (ونذرها فيها) أي: مقيدا بوقت من أوقات النهي بأن يقول: لله علي أن أصلى ركعتين عند طلوع الشمس، أو عند قيام الشمس، أو عند غروبها ونحو ذلك؛ لأنها صلاة واجبة. فأشبهت الفرائض. (و) يجوز فيها أيضاً (قضاء فرائض) فائتة وفاقا لمالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: لا تقضى الفوائت في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر، إلا عصر يومه يصليها قبل غروب الشمس، لعموم النهي. و" لأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر حتى (٢) طلعت الشمس أخّرها حتى أبيضت الشمس " (٣) . متفق عليه.

стр. 808

ولنا: قول النبي ﷺ : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (١) . متفق عليه. وفي حديث أبي قتادة: " إنما التفريط في اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها" (٢) . متفق عليه. وخبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين. فقيس (٣) محل النزاع على المخصوص. وقياسهم منقوض بذلك، وحديثهم يدل على جواز التأخير، لا على تحريم الفعل. وقالوا أيضاً: أن من طلعت الشمس عليه وهو في صلاة الصبح فسدت صلاته؛ لأنها صارت في وقت النهي. ولنا على وجوب إتمامها وعدم فسادها: ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " (٤) متفق عليه. وهذا نص خاص في المسألة. (و) يجوز فعل (ركعتي طواف، وإعادة جماعة أقيمت وهو بالمسجد) في الأوقات الخمسة على الصحيح من المذهب. أما جواز فعل ركعتي الطواف في الأوقات الخمسة؛ فلما روى جبير بن

стр. 809

مطعم أن رسول الله ﷺ قال: " يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى فيه في أي ساعة شاء من ليل أو نهار " (١) . رواه الأثرم والترمذي وقال: حديث صحيح. وهذا إذن منه ﷺ في فعلها في جميع أوقات النهي. ولأن الطواف جائز في كل وقت مع كونه صلاة كما ورد. فكذلك ركعتاه؛ لأنهما تبع له. وعنه: لا يجوز فعلها في الأوقات الثلاثة المذكورة في حديث عقبة بن عامر؛ لتأكد النهي فيها وقصرها. وصححها جماعة. وأما جواز فعل إعادة الجماعة في الأوقات الخمسة وفاقا للشافعي؛ فلتأكيد ذلك. للخلاف في وجوبه. وعنه: لا يجوز في الأوقات الثلاثة المذكورة في حديث عقبة بن عامر، وصححها جماعة. و (لا) تجوز (صلاة جنازة لم يخف عليها، إلا) في الوقتين الطويلين وهما (بعد فجر و) بعد (عصر) على أصح الروايتين؛ لقول عقبة بن عامر: " ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب " (٢) . رواه مسلم. وذكره للصلاة مقرونا بالدفن يدل على إرادة صلاة الجنازة. ولأنها صلاة من غير الخمس. أشبهت النوافل. وإنما أبيحت في الوقتين الطويلين؛ لطول مدتهما. فالانتظار فيها (٣) يخاف

стр. 810

منه عليها. بخلاف الأوقات الثلاثة. وعنه: يجوز فعلها في الأوقات الخمسة. والمذهب: أنه لا يجوز فعلها في واحد من الأوقات الثلاثة، إلا أن خيف عليها. (ويحرم إيقاع تطوع) صلاة (أو بعضه) أي: بعض التطوع (بعد سنة فجر قبلها) أي: قبل صلاة الفجر (في وقت من) الأوقات (الخمسة، حتى صلاة على قبر) أي: قبر ميت له دون شهر، (و) صلاة على ميت (غائب)، لأن المقتضى لجوازالصلاة على الجنازة الحاضرة في أوقات النهي خشية الانفجار بالانتظار بها إلى خروج وقت النهي، وهذا المعنى منتف في الصلاة على القبر أو على الغائب. (ولا ينعقد) التطوع (أن ابتدأه) المصلي (فيها) أي: في أوقات النهي (ولو) كان المصلي (جاهلا). قال في " الإنصاف ": وعلى المذهب: لو ابتدأ التطوع المطلق فيها لم ينعقد. على الصحيح من المذهب. جزم به في " الوجيز" والمجد في " شرحه " و" الرعاية الصغرى" و" الحاويين " والزركشي و" القواعد الفقهية " في التاسعة و" مجمع البحرين ". قال ابن تميم وصاحب " الفائق ": لم تنعقد في الأصح. قال في " التلخيص ": لم تنعقد على الأصح. وقدمه في " الفروع " و" الرعاية الكبرى ". وعنه: تنعقد. فعلى القول بعدم الانعقاد لا تنعقد من الجاهل. على الصحيح من المذهب. انتهى. وظاهره سواء كان جاهلا بالوقت أو بالحكم. (حتى ما له سبب) من التطوعات؛ (كسجود تلاوة، وصلاة كسوف،
следующие страницы →