← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. قال: فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ. فقال: يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز. فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة " (١) . متفق عليه. (وتُكره) لإمام (سرعة تمنع مأموماً فعل ما يسن) له فعله من مسنونات الصلاة؛ لما في ذلك من تفويت المأموم ما يستحب له فعله. قال في " الفروع ": وقال شيخنا: تلزمه مراعاة المأموم، أن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه وقال: ليس له أن يزيد على القدر المشروع، وأنه ينبغي أن يفعل غالبا ما كان النبي ﷺ يفعله غالبا، ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي ﷺ يزيد وينقص أحيانا. انتهى. ومحل استحباب التخفيف: (ما لم يؤثر مأموم التطويل)؛ لأنه إنما استحب التخفيف؛ لأن توفر الجماعة به أقرب. ولأن التطويل ينفرهم كما علله النص. فأما إذا اختاروه لم يكره؛ لزوال علة الكراهة. (و) يسن للإمام وغيره في الصلاة إلا فيما يُستثنى (تطويل قراءة) الركعة (الأولى عن) قراءة الركعة (الثانية)؛ لما روى أبو قتادة قال: " كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الصبح " (٢) . رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود. وزاد له قال: " فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك

стр. 842

الناس الركعة الأولى " (١) . ولأن تطويل الركعة الأولى أقرب إلى تتابع الجماعة] عند سماع الإقامة، ويستظهر ذو الوسواس (٢) منهم على وظيفة الركعة [ (٣) . فحينئذ يدركون أو أكثرهم جميع الركعات فكان أولى. ويعضد ذلك ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: " كان النبي ﷺ يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يُسْمَعَ وَقْعُ قدَم " (٤) . رواه أحمد وأبو داود. وما روي عنه من التسوية محمول على أنه كان يفعله أحيانا؛ لتبيين جوازه. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله: (إلا في صلاة خوف في الوجه الثأنى) وهو ما إذا كان العدو بغير جهة القبلة وقسم المأمومين طائفتين (فالثانية) من الركعتين (أطول) من الأولى؛ لأنه إذا قام إلى الثانية يطيل القراءة حتى تتم الطائفة الأولى صلاتها، وتمضي لتحرس وتأتي الأخرى فتدخل معه في الصلاة. (و) إلا في (جمعة) إذا قرأ (بسبح والغاشية)؛ لوروده. (و) يسن للإمام أيضاً (أنتظار داخل) أحس به في ركوع وغيره؛ لأن الانتظار ثبت عن النبي ﷺ في صلاة الخوف؛ لإدراك الجماعة وذلك موجود هنا. فدل ذلك على استحباب الانتظار في الصلاة؛ لتحصيلها للغير، ولحديث ابن أبي أوفى المتقدم. ولأن ذلك تحصيل مصلحة بلا مضرة. فكان مستحبا؛ كرفع الصوت بتكبيرة الإحرام. ومحل استحباب ذلك: (إن لم يشق) انتظار الإمام (على مأموم)؛ لأن

стр. 843

حرمة المأموم الذي معه في الصلاة أعظم حرمة من المأموم الذي لم يدخله معه في الصلاة. فلا يشق على من معه لنفع الداخل معه. (ومن استأذنته امرأته) إلى المضي إلى المسجد، (أو) استأذنته (أمته إلى المسجد، كُره) له (منعها)؛ لقوله ﷺ " لا تمنعوا إماءَ الله مساجد الله " (١) . (وبيتها خير لها)؛ لقوله ﷺ " وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تَفِلات " (٢) . رواه أحمد وأبو داود. وتخرج غير متطيبة؛ لهذا الخبر. وقال ﷺ " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن " (٣) . متفق عليه. وظاهره: أن لها حضور صلاة الرجال جماعة؛ للخبر. وعنه: الفرض. وكرهه القاضي وابن عقيل للشابة. وذكره ابن هبيرة اتفاقاً. والمراد المستحسنة: خوف الفتنة بها. قال بعض الحنفية: والفتوى اليوم على الكراهة في كل الصلوات؛ لظهور الفساد. وقيل: يحرم في الجمعة. قال في " الفروع ": ويتوجه في غيرها مثلها وأن مجالس الوعظ كذلك وأولى. وإطلاق القول: بأن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها بالمسجد يشمل حتى مسجد النبي ﷺ . وروى أحمد حدثنا هارون أخبرنى عبد الله بن وهب حدثنا داود بن قيس عن

стр. 844

عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته أم حُميد أمرأة أبي حميد الساعدي " أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله لِلَّهِ إنى أحب الصلاة معك قال: قد علمتُ أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي. قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيتها. فكانت تصلي حتى لقيت الله " (١) . وهذا حديث حسن أن شاء الله. (ولأب) أي: أبي امرأة (ثم ولي) لها (محرم) كأخيها وعمها، (منعُ مَوْلَّيته) من الخروج من بيتها (إن خشيَ) بخروجها (فتنة، أو) خشي بخروجها (ضررا، ومن الانفراد) عنه. قال في " الفروع ": وعلى المذهب ليس للأنثى أن تنفرد، وللأب منعها منه؛ لأنه لا يؤمن دخول من يفسدها ويلحق العار بها وبأهلها. فهذا ظاهر في أن له منعها من الخروج. وقول أحمد: الزوج أملك من الأب يدل على أن الأب ليس كغيره في هذا. فأن لم يكن أب قام أولياؤها مقامه. أطلقه الشيخ. والمراد: المحارم استصحابا للحضأنة. وعلى هذا في رجال ذوي الأرحام؛] كالخال أو الحاكم الخلاف [ (٢) في الحضأنة. ويتوجه أن علم أنه لا مانع ولا ضرر حرم المنع على ولي أو على غير أب. انتهى.

стр. 845

] فصل: في أحكام الجن] (فصل) في جملة من أحكام الجن. (الجن مكلفون في الجملة) إجماعاً. وسنده قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)] الذاريات: ٥٦ [، (يدخل كافرهم النار) إجماعا، (و) يدخل (مؤمنهم الجنة) وفاقا لمالك والشافعي. لا أن مؤمنهم يصير ترابا كالبهائم، وأن ثوابه النجاة من النار خلافا لأبي حنيفة. (وهم) أي: مؤمنوا الجن (فيها) أي: في الجنة (كغيرهم) من الآدميين على قدر ثوابهم خلافا لمن قال: لا يأكلون ولا يشربون فيها، أو أنهم في ربض الجنة يعني: فيما حولها. (وتنعقد بهم) أي: بمسلمي الجن (الجماعة)، لا الجمعة. وقال في " النوادر ": تنعقد الجمعة والجماعة بالملائكة وبمسلمي الجن، وهو موجود زمن النبوة. وذكره (١) أيضاً عن أبي البقاء من أصحابنا. قال في " الفروع ": كذا قالا. والمراد في الجمعة: من لزمته كما هو ظاهر كلام ابن حامد المذكور، لأن المذهب لا تنعقد الجمعة بآدمي لا تلزمه؛ كمسافر وصبي فها هنا أولى. وعن سلمان الفارسي يرفعه قال: " إذا كان الرجل بأرض قِيّ- أي: قفر- فحانت الصلاة فليتوضأ. فإن لم يجد فليتيمم. فإن أقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه " (٢) . رواه عبد الرزاق شيخ الإمام أحمد في " كتاب الصلاة " له. انتهى.

стр. 846

] وقوله: ﷺ : "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة" (١) . يدل على أنه لم يبعث إليهم نبي قبل نبينا] (٢) . (وليس منهم رسول). ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما، وأجابوا عن قوله: (يمعشر الجن والإنس. . .)] الأنعام: ١٣٠ [، وهي قوله: (ألم يأتكم رسل منكم) (٣) ] الأنعام: ١٣٠ [أنها كقوله: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)] الرحمن: ٢٢ [، وإنما يخرج من أحدهما، وكقوله: (وجعل القمر فيهن نورا)] نوح: ١٦ [، وإنما هو في سماء واحدة. وللمفسرين قولأن. والقول بأن منهم رسل قول الضحاك وغيره. قالي ابن الجوزي: وهو ظاهر الكلام. قال ابن حامد: الجن كالإنس في التكليف والعبادات. قال: ومذاهب (٤) العلماء إخراج الملائكة عن التكليف، والوعد والوعيد. قال في " الفروع ": وقال شيخنا: ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة. فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساوياً لما على الإنس في الحد والحقيقة. لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم، بلا نزاع أعلمه بين العلماء. فقد يدل ذلك على مناكحتهم وغيرها، وقد يقتضيه إطلاق أصحابنا. وفي " المغني " وغيره: أن الوصية لا تصح لجني، لأنه لا يملك بالتمليك كالهبة. فيتوجه من انتفاء التمليك منا (٥) منع الوطء؛ لأنه في مقابلة ماله. قال (٦) (والله جعل لكم من أنفسكم أزوجا)] النحل: ٧٢ [، وقال:

стр. 847

(ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها) (١) ] الروم: ٢١ [. وقد ذكر أصحابنا هذا المعنى في شروط الكفاءة. فها هنا أولى. ومنع منه غير واحد من متأخري الحنفية وبعض الشافعية. وجوزه منهم ابن يونس في "شرح الوجيز ". وفى " مسائل حرب ": باب مناكحة الجن، ثم روى عن الحسن وقتادة والحكم وإسحاق كراهتها. وروى من رواية ابن لهيعة عن يونس عن الزهري "نهى النبي ﷺ عن نكاح الجن ". وعن زيد العَمّي: اللهم! ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كنت. ولم يذكر حرب عن أحمد شيئاً. وفي " كتاب الإلهام والوسوسة " لأبي عمر سعيد بن العباس الرازي عن مالك: لا بأس به في الدين، ولكني أكره إذا وجدت امرأة حامل فقيل: من زوجك؛ قالت: من الجن. فيكثر الفساد. وعن أبي هريرة مرفوعا: " أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل أمرئ منهم زوجتان اثثتان، يُرى مُخُّ سُوقِهما من وراء اللحم " (٢) . رواه البخاري ومسلم وزاد: " ما في الجنة أعزب " (٣) . ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً: " للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين " (٤) . وهو لأحمد أيضاً من حديث أبى سعيد. لكنه من رواية عطية العوفي، وهو ضعيف. وقد روي من حديث عبد الله مرفوعاً: " لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين ".

стр. 848

قال الحافظ الضياء: هذا عندي على شرط الصحيح. وقد روي من حديث أبي هريرة مرفوعا في حديث الصُّور وفيه: " فيدخل رجل منهم على ثلاثة وسبعين زوجة مما ينشئ الله وثنتين من ولد آدم "، وهو حديث ضعيف فيه رجل مجهول، وفيه إسماعيل بن رافع المدنى ضعّفه أحمد ويحيى وجماعة، وتركه الدارقطني وغيره. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها مما فيه نظر. وللترمذي من روايه درّاج أبي السمح وهو ضعيف عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا: " أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمأنون ألفَ خادم واثنتان وسبعون زوجة " (١) . ولم أجد في الأخبار ذكراً لمؤمنى (٢) الجن الذكر والأنثى. وقد احتج على دخولهم الجنة بقوله: (لم يطمثهن ٠٠٠) الآية] الرحمن: ٧٤] فأن دخلوا فظاهر الخبر: أن الرجل منهم يتزوج كما يتزوج الآدمى. لكن الآدمى كما يتزوج من الحور العين يتزوج من جنسه. وأما المؤمن (٣) الجني فيتزوج من الحور العين ويتزوج من جنسه على ظاهر الخبر؛ لأنه ليس في الجنة أعزب. لكن تزويجه بآدمية وتزويج الآدمى بجنية فيه نظر، ورأيت من يقول ظاهر الخبر النفي، ورأيت من يعكس ذلك. فأن ثبت هذا في الجنة فهل يلزم جوازه في الدنيا؟ فيه نظر. ] ويأتي في آخر المحرمات في النكاح وفي حد الوطء ما يتعلق بذلك. والله أعلم] (٤) . ثم قال: وأن صح نكاح جنية فيتوجه أنها في حقوق الزوجية كالآدمية لظواهر الشرع، إلا ما خصه الدليل، وقد ظهر مما سبق أن نكاح الجن للآدمية كنكاح

стр. 849

الآدمى للجنية، وقد يتوجه القول بالمنع هنا، وإن جاز عكسه لشرف جنس الآدمى، وفيه نظر، لمنع كون (١) لهذا الشرف تأثير في منع النكاح. وقد يحتمل عكس هذا الاحتمال "لأن الجني يملك فيصح تمليكه للآدمية، ويحتمل أن يقال: ظاهر كلام من لم يذكر عدم صحة الوصية لجني صحة ذلك، ولا نص في الهبة لتعتبر الوصية بها، ولعل هذا أولى، لأنه إذا صح تمليك المسلم للحربي فهو من الجن أولى. انتهى. (ويُقبل قولهم: أن ما بيدهم ملكهم مع إسلامهم) فتصح معاملتهم، ولا دليل على المنع. لكن لا بد من شروط صحة ذلك بطريق شرعي، ويجري التوارث بينهم. (وكافرهم كالحربي) فيجوز قتله إن لم يُسلم. وقد علم مما سبق: أنه يعتبر لصحة صلاتهم ما يعتبر لصحة صلاة الآدميين، وإذا ثبت دخولهم في بعض العمومات إجماعاً، كآية الوضوء، وآية الصلاة. فما الفرق بين ذلك وبين غيره؛ ولهذا روى أحمد ومسلم عن ابن مسعود: " أن الجن لما سألوا النبي ﷺ الزاد قال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة لدوابكم. فلا تستنجوا بهما. فأنهما طعام إخوأنكم الجن (٢) " (٣) . وأنه في الصوم كالآدمى، وأنه في الحج كذلك. (ويحرم عليهم ظُلم الآدميين، وظلم بعضهم بعضا) كما هو ظاهر الأدلة. وفي حديث أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: " يا عبادي! أنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً. فلا تظالموا " (٤) . رواه مسلم.

стр. 850

قال في " الفروع ": ومعلوم أن من ظلم وتعدى بمخالفة ما أوجبه الله فإنه يجب ردعه وزجره حسب الإمكان، إذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين. وكان شيخنا إذا أتى بالمصروع وعظ من صرعه، وأمره ونهاه. فإن انتهى وفارق المصروع أخذ عليه العهود أن لا يعود، وأن لم يأتمر ولم ينته ولم يفارقه، ضربه حتى يفارقه. والضرب يقع في الظاهر على المصروع، وأنما يقع في الحقيقه على من صرعه، ولهذا يتألم من صرعه به ويصيح ويخبر المصروع إذا أفاق (١) بأنه لم يشعر بشيء من ذلك. وأظن أنى رأيت عن الإمام أحمد نحو فعل شيخنا، والأثبت عن أحمد: أنه أرسل إلى من صرع ففارقه، وأنه عاود بعد موت أحمد فذهب أبو بكر المروذي بنعل أحمد وقال له فلم يفارقه، ولم ينقل أن المروذي ضربه ليذهب. فأمتناعه لا يدل على عدم جوازه. فلعله لم يرى المحل قابلا، أو لم (٢) يمكن من ذلك، أو الوقت ضيق، أو لم يعرف له فيه سلفاً فتورع عنه وهابه، أو لم يستحضر مثل هذا الفعل ولا نبه عليه (٣) . والله أعلم. وإذا شرع ردع (٤) الظالم والمتعدي منهم عمل بالطريق الشرعي. قال النبي ﷺ : "أن الله قد فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها (٥) " (٦) . و" لما عرض ذلك الشيطان للنبي ﷺ بالنار في صلاته قال: ألعنك بلعنة الله، وخنقه " (٧) . والخبر مشهور في " صحيح مسلم ".

стр. 851

ومن المعلوم: أن كل من دخل في عمومات الشرع عمه كلام المكلف العام، إلا أن يمنع منه مأنع. لكن الأصل عدمه. فعلى مدعيه الدليل، وهذا واضح. وقد احتج القاضي في " العمدة " على العموم بأن لفظة " من " إذا استعملت في الاستفهام كقولك: مَن عندك، ومَن كلمت، صلح أن تجيب بذكر كل عاقل. فثبت أن اللفظ يتناول الجميع. وكذلك إذا استعملت " من " في المجازاة كقوله: من دخل داري أكرمته، صلح أن يستثني أي عاقل. فلولا أن اللفظ يتناول الجميع لما صلح استثناؤهم؛ لأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما لولاه كان داخلا فيه، ألا تراه لما لم يتناول غير العقلاء لم يصح استثناؤهم. انتهى. (وتحل ذبيحتهم) أي: ذبيحة الجن. قال في " الفروع ": ويتوجه في حل ذبيحته كذلك بل تحل لوجود المقتضي وعدم المانع، ولعدم اعتبار التكليف فيه. انتهى. وأما ما يذبحه الآدمى؛ لئلا يصيبه أذى من الجن. فمنهي عنه. (وبولهم وقيؤهم طاهران). قال في " الفروع ": وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: " ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح. قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه " (١) . متفق عليه. خص الأذن، لأنها حاسة الإنتباه. قال إبراهيم الحربي: ظهر عليه وسخر منه، ويتوجه احتمال أنه على ظاهره. قال بعض العلماء: ولهذا " لما سَمّى ذلك الرجل في أثناء طعامه قاء الشيطان كل شيء أكله " (٢) . رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم.

стр. 852

فيكون بوله وقيؤه طاهران، وهذا غريب قد يعابى به. انتهى. ويؤيده ما قال بعض العلماء: أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته، وأنا لو لم نقل بطهارة البول الذي في الأذن لزم أن تُطهر (١) ، ولزم إباحة تناول القيء على القول بنجاسته. والله أعلم.

стр. 853

(فصل) في الإمامة (الأولى بالإمامة: الأجود قراءة الأفقه)؛ لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إذا كان ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم " (١) . رواه مسلم. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم أقرؤكم " (٢) . رواه أبو داود. وعنه: أن الأولى بالإمامة الأفقه؛ لأن الحاجة من الفقه أهم؛ لكون الواجب من القرآن في الصلاة محصورا والحوادث في الصلاة لا تنحصر. و" لأن النبي ﷺ قدّم أبا بكر إلى الصلاة حيث قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس " (٣) مع أن غيره في ذلك الزمن كان أقرأ منه وأحفظ؛ كأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت. وأجاب الإمام أحمد عن قضية أبي بكر في التقديم على غيره: بأن النبي ﷺ إنما قدمه على من هو أقرأ منه؛ لتفهيم الصحابة من تقديمه في الإمامة الصغرى استحقاقه للإمامة الكبرى، وتقديمه فيها على غيره. وإنما قدم الأجود قراءة على الأقرأ والأكثر قرآنا؛ لأن المجود لقراءته أعظم أجرا؛ لقوله ﷺ : " من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات. ومن

стр. 854

قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة " (١) . رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وقال أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: " إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه " (ثم الأجود قراءة الفقيه، ثم) مع استوائهما في الفقه (الأقرأ، ثم) مع استوائهما في كون ليس أحدهما أقرأ من الآخر الأولى بالإمامة (الأكثر قرآنا الأفقه، ثم الأكثر قرآنا الفقيه، ثم قارئ أفقه، ثم قارئ فقيه، ثم قارئ عالم فقه صلاته) ثم قارئ لا يعلمه، ثم أفقه وأعلم بأحكام الصلاة " وذلك لما روى أبو مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة. فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا. ولا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه " (٢) . رواه مسلم. وقيل: يقدم الأكثر قرآنا على الأقرأ، لقوله ﷺ : " ليؤمكم أكثركم قرآنا " (٣) . وعلى القولين: لا بد أن يكون المقدم يعرف واجب الصلاة وما يحتاجه فيها. وعنه: يقدم الأفقه إذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة، لأنه قد ينوي في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه. فقدم، كالإمامة الكبرى والحكم. قال في " الفروع ": يقدم على الأفقه الأقرأ جودة. وقيل: كثرة العارف واجب الصلاة. وقيل: وسجود السهو. وقيل: وجاهل يأتي بها عادة لصحة إمامته خلافا لمالك.

стр. 855

وقال الآجري: يجب أن يتعلم علم الطهارة وعلم الصلاة، وإلا فقد تعرض لعظيم. وعنه: يقدم الأفقه وفاقا. (ثم) مع استوائهما في القراءة والفقه أولى بالإمامة (أسن) أي: الأكبر " لقوله ﷺ لمالك بن الحويرث: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم " (١) . متفق عليه. ولأنه أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء. وهذا أصح الأقوال. قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب جزم به في " الهداية " و" الإيضاح " و" المبهج" و" الخرقي " و" المذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة " و" الوجيز " و"المنتخب " و" المذهب الأحمد " و" إدراك الغاية "، واختاره ابن عبدوس في " تذكرته "، وصححه ابن الجوزي في " المذهب " و" مسبوك الذهب "، وقدمه في " الفر وع " و"الرعايتين " و" الحا ويين ". وظاهر كلام أحمد: تقديم الأقدم هجرة على الأسن. جزم به في " الإفادات " و" النظم " و" تجريد العناية " و" المنور "، وقدمه في " الكافي " و"المحرر" و" الفائق "، وصححه الشارح. قال الزركشي: اختاره الشيخان. وجزم في " النهاية " ونظمها " وتجريد العناية " بتقديم الأقدم إسلاما على المسن. (ثم) مع استوائهما في السن الأولى بالإمامة (أشرف) الرجلين (وهو القرشي) منهما إلحاقا للإمامة الصغرى بالكبرى (٢) . ولقوله ﷺ : " الأئمة من قريش " (٣) . ولقوله ﷺ : " قدّموا قريشًا

стр. 856

ولا تَقَدَّموها " (١) . والشرف يكون بعلو النسب (فتُقدم بنو هاشم، ثم قريش) غير بني هاشم. (ثم) مع الاستواء في الأشرفية الأولى بالإمامة (الأقدم هجرة بنفسه). قال في " الإنصاف ": جزم به في " الكافي ". وقيل: السبق بآبائه. قال الآمدي: الهجرة منقطعة في وقتنا، وإنما يقدم بها من كان لآبائه سبق. انتهى. (وسبق بإسلام كهجرة) يعني: أن السبق بالإسلام كالسبق بالهجرة. فيقدم بسبق بالإسلام كما يقدم بسبق بالهجرة. (ثم) مع الاستواء فيما تقدم الأولى بالإمامة (الأتقى والأورع)؛ لقوله سبحا نه وتعالى: (أن أكرمكم عند الله أتقاكم)] الحجرات: ١٣ [. فيقدمان على الأعمر للمسجد. وقيل: يقدم عليهما. ووجه المذهب: أن مقصود الصلاة هو الخضوع ورجاء إجابة الدعاء، والأتقى والأورع أقرب إلى ذلك، لاسيما الدعاء للمأمومين. فأنه من باب الشفاعة المستدعية] كرأمة الشافع [ (٢) عند المشفوع عنده، وقد قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)] الحجرات: ١٣]. والأتقى والأورع سيان على ظاهر ما في " الهداية " و" المستوعب " و"الفروع " والزركشي. فلهذا لم أقل: الأتقى ثم الأورع، والورع هو الكف. قال القشيري في " رسالته ": الورع اجتناب الشبهات. زاد القاضي عياض في " المشارق ": خوفاً من الله تعالى. والزهد: ترك ما زاد على الحاجة. فعلى المذهب: إن وُجد الاستواء في التقوى والورع أُقرع بين المستويين في

стр. 857

ذلك في أصح الروايتين. ولهذا قلت: (ثم يُقرع). وهذا إنما يكون مع التشاح في الإمامة. فمن خرجت له القرعة كان هو الأحق بالإمامة؛ " لأن سعدًا أقرع بين الناس في الأذان يوم القادسية " (١) ، والإمامة أولى. ولأنهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع. فأقرع بينهم؛ كسائر الحقوق. (وصاحب البيت) إذا أقيمت الجماعة فيه وهو حاضر صالح للإمامة، (وإمام المسجد) الراتب (ولو) كان (عبدًا: أحق) بالإمامة ممن حضرهم، ولو كان في الحاضرين من هو اقرأ أو أفقه منه. أما كون صاحب البيت أحق بالإمامة فيه، فلما روى أبو داود عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يؤمن الرجل في بيته ولا في سلطانه " (٢) . ولأبي داود أيضاً عن مالك بن الحويرث عن النبي ﷺ " من زار قوما فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم " (٣) . وأما كون إمام المسجد أحق " فلما روى البيهقي بسند جيد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما " أنه أتى أرضاً له وعندها مسجد يصلي فيه مولى له. فصلى ابن عمر معهم. فسألوه أن (٤) يؤمهم فأبى وقال: صاحب، المسجد أحق " (٥) . ولأن إمامة الراتب بمسجد حق له. فالتقدم عليه تأخير له عن حقه بغير حق. ولأن التقدم عليه يوجب للناس إساءة الظن في حقه، وتغيّرهم عنه " لإيهام أنه لا يستحق الإمامة. (إلا) أن صاحب البيت وإمام المسجد لا يكونان أحق (من ذي سلطان) حاضر (فيهما) أي: في البيت والمسجد. نص على ذلك وفاقاً للأئمة الثلاثة؛

стр. 858

" لأن النبي ﷺ أم عتبان بن مالك وأنساً في بيوتهما " (١) . ولأن للسلطان ولاية عأمة على صاحب البيت وإمام المسجد. (و) إلا مَن (سيده ببيته) يعني: أن سيد العبد ببيت العبد أحق بالإمامة فيه من العبد؛ لولايته على صاحب البيت. وعلم مما تقدم صحة إمامة العبد في غير الجمعة. ولا تكره خلافا لأبي حنيفة ومالك. (وحر أولى) بالإمامة (من عبد و) من (مبعّض). ذكره الأصحاب؛ لأنه أكمل في الأحكام، وأشرف، ويصلح إماما في الجمعة والعيدين. (وهو) أي: المبعض (أولى من عبد) لحصول بعض الأكملية والأشرفية فيه. (وحاضر) أي: مقيم أولى من مسافر سفر قصر؛ لأنه ربما يقصر. فيفوت المأمومين بعض الصلاة في جماعة. (وبصير) أولى من أعمى في أصح الوجهين؛ لأن البصير أقدر على توقي النجاسات واستقبال القبلة. (وحضري) وهو الناشئ في المدن والقرى أولى من بدوي وهو الناشئ بالبادية؛ لأن الغالب على أهل البدو الجفاء، وقلة المعرفة بحدود الله ، وأحكام الصلاة. ولذلك قال الله في حق الأعراب: (وأجدر ألايعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله)] التوبة: ٩٧ [. وذلك لبعدهم عمن يتعلمون منه. (ومُتوضئ) أولى من متيمم إجماعاً؛ لأن الوضوء رافع للحدث. بخلاف التيمم فإنه مباح.

стр. 859

(ومُعير) في البيت المعار أولى من مستعيره؛ لأنه قادر على منع المستعير من الانتفاع برجوعه في العارية. (ومُستأجر) في البيت المستأجر أولى من مؤجره " لأنه المالك لمنفعة البيت، والقادر على منع المؤجر من دخوله. وإلى ذلك أشار بقوله: (أولى من ضدهم) وهذا على المذهب. (وتكره إمامة غير الأولى) با لإمامة (بلا إذنه) أي: إذن الأولى. وإمامة المفضول بدون إذن الفاضل مكروهة على الصحيح من المذهب. نص عليه. وقيل: إلا خوف أذى. انتهى. (غير إمام مسجد) راتب (وصاحب بيت. فتحرم) الإمامة فيهما بدون إذن إمام المسجد وصاحب البيت. قال في " الفروع ": أطلق بعضهم النص، ولعل المراد: سوى إمام المسجد وصاحب البيت. فأنه يحرم كما سبق، وذكر بعضهم: يكره. انتهى. (ولا تصح إمامة فاسق مطلقا) أي: سواء كان فسقه من جهه الأفعال أو من جهة الاعتقاد على أصح الروايتين، لقوله تعالى: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون)] السجدة: ١٨]. ولما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعا: " لا تَؤُمَّنَّ أمرأة رجلا، ولا أعرابىّ مهاجرا، ولا فاجرٌ مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان، يخاف سوطه وسيفه " (١) . وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " اجعلوا أئمتكم خياركم. فأنهم وفدكم بينكم وبين ربكم " (٢) . لكن قال البيهقي عن هذا: إسناده ضعيف. ولأنه لا يقبل خبر الفاسق لمعنى في دينه. فأ شبه الكافر. ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة (٣) . فمن كان يعلن ببدعة ويتكلم بها

стр. 860

ويناظر عليها لا تصح إمامته. قال أحمد: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية أي: يظهرها ويدعو إليها. وعلى هذا حمل الموفق قول الخرقي: ومن صلى خلف من يعلن ببدعة أو بسكر أعاد. والمذهب: لا تصح خلف من علم فسقه، أعلن به أو أخفاه وفاقا لمالك. وعنه: يكره. وتصح وفاقا لأبي حنيفة والشافعى " كما تصح مع فسق المأموم. وعنه: تصح في نفل. وعلى المذهب: تصح خلف نائبه العدل " لصحة إمامته. وعنه: لا، لأنه لا يستنيب من لا يباشر. قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم لا يؤم فاسق فاسقا، وقاله القاضي وغيره " لأنه لا يمكنه رفع ما عليه من النقص. انتهى. وعلى المذهب: يستثنى من ذلك إمامة الفاسق في الجمعة والعيدين، وإلى ذلك أشير بقوله: (إلا في جمعة وعيد) على أصح الروايتين. ومحل ذلك: أن (تعذرا خلف غيره) أي: تعذر فعلهما خلف غير الفاسق بأن تعدم جمعة أخرى خلف عدل، لأن الجمعة والعيد من شعائر الإسلام الظاهرة وتليهما الأئمة دون غيرهم. فتركهما خلفهم يفضي إلى تركهما بالكلية. ولا يعيد الجمعة. قال في " الفروع ": ويصلي خلفه الجمعة. وعنه: ويعيد. واحتج في رواية المروذي بقوله ﷺ " يكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها " (١) .

стр. 861

ونقل ابن الحكم: أنه كان يصلي الجمعة ثم يصلي الظهر أربعا، قال: فإن كانت الصلاة فرضا فلا تضر صلاتي، وإن لم تكن كانت تلك الصلاة ظهرا أربعا انتهى (١) . (وإن خاف) إنسان (أذى) بسبب ترك الصلاة خلف الفاسق (صلى خلفه، وأعاد) نص عليه. (وإن وافقه في الأفعال منفردا) أي: ناويا الانفراد، (أو) وافقه في الأفعال (في جماعة خلفه بإمام) عدل (لم يعد)؛ لأنه لم يأتم بفاسق. وعلى المذهب: لا يشترط لصحة الصلاة العلم بعدالة الإمام. قال في " الفروع ": ويصلي خلف من لا يعرفه. وعنه: لا. قال بعضهم: وتصح. انتهى. (وتصح) صلاة الفرض والنفل (خلف أعمى أصم). قال في " الفروع ": وأن كان الأعمى أصم ففي صحة إمامته وجهان. انتهى. قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: تصح. وهو الصحيح، قدمه في " الكافي " و" المغني "، وصححه في الكتابين، وقدمه في " الشرح " و" شرح ابن رزين ". قلت: وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب. والثأنى: لا تصح. جزم به في " الأيضاح ". انتهى. ووجه المذهب: أن العمى والصمم فقد حاستين لا يخل بشيء من أفعال الصلاة ولا شروطها. فصحت مع ذلك الإمامة؛ كما لو كان أعمى فاقد الشم.

стр. 862

(و) تصح أيضاً خلف (أقلف) في أصح الروايتين؛ لأنه ذكر مسلم عدل قارئ. فصحت إمامته؛ كالمختتن، والنجاسة تحت القلفة بمحل لا تمكنه إزالتها منه معفو عنها؛ لعدم إمكان إزالتها، وكل نجاسة معفو عنها لا تؤثر في بطلان الصلاة. ووجه الرواية الثانية: أنه حامل للنجاسة في مكان تمكنه إزالتها بالختان فكان كالتعمد لحملها. وخص بعضهم الخلاف بالأقلف الرتيق (١) وهو الذي لا يقدر على فتق قلفته وغسل ما تحتها. فأما المفتوق القلفة الذي يمكنه فتقها وغسل ما تحتها فهذا أن ترك غسل ما تحت القلفة مما يمكن غسله لم تصح إمامته ولا صلاته قولا واحدا؛ لحمله نجاسه لا يعفى عنها مع القدرة على إزالتها. قال بعض الأصحاب: ولعل هذا مراد من أطلق من الأصحاب الخلاف. وهو ظاهر (٢) تعليلهم. (و) تصح الصلاة أيضاً خلف (أقطع يدين، أو) أقطع (رجلين أو إحداهما)، أو أقطع يد ورجل، (أو) أقطع (أنف) مع الكراهة في الجميع كما سيأتي. قال في " المقنع ": وفي إمامة أقطع اليدين وجهان. وقال في " المبدع ": وحكم أقطع الرجلين أو أحدهما كذلك. واختار في " المغني " و" الشرح ": أنه لا تصح إمامته، لأنه عاجز عن القيام. أشبه الزمن. وعلى المنع تصح إمامته بمثله. ذكره في " الكافي ". انتهى. وحكى الأمدي الخلاف الذي هو وجهان في " المقنع " روايتان. قال في " الإنصاف ": إحداهما: تصح مع الكراهة وهو المذهب. ثم قال: تنبيه: منشأ الخلاف: كون الإمام أحمد سئل عن ذلك فتوقف. انتهى.

стр. 863

وعبارة " الفروع ": وتكره إمامة أقلف. وعنه: لا تصح. خلافاً للأئمة الثلاثة كبمثله (١) في أحد الوجهين، وكذا أقطع يد أو رجل أو هما وفاقا. قال ابن عقيل: وكذا تكره من قطع أنفه. انتهى. ولا يخفى: أن محل الصحة ما إذا أمكن قطع الرجلين القيام بأن يتخذ له رجلين من خشب أو نحوه، وأما إذا لم يمكنه القيام فلا تصح إمامته إلا بمثله. (و) تصح الصلاة أيضاً خلف (كثير لحن لم يُحل المعنى) كجر دال الحمد، ونصب هاء لله، ونصب باء رب العالمين، ونحو ذلك. سواء كان المؤتم مثله أو كان لا يلحن؛ لأن مدلول اللفظ باق. وهو مفهوم كلام الرب . لكن مع الكراهة كما يأتي في المتن. وعبارته في " المقنع ": وتكره إمامة اللحّان. قال في " الإنصاف ": يعني: الذي لا يحيل المعنى. وهذا المذهب وعليه الأصحاب. ونقل إسماعيل بن إسحاق الثقفي: لا يصلى خلفه. ثم قال: تنبيهان: أحدهما: قال فى " مجمع البحرين ": وقول الشيخ وتكره إمامة اللحان أي: الكثير اللحن، لا من سبق لسانه باليسير. فقل من يخلو من ذلك إمام أو غيره. الثأنى: أفادنا المصنف بقوله: وتكره إمامة اللحان صحة إمامته مع الكراهة. وهو المذهب مطلقا المشهور عند الأصحاب. وقال ابن المنجى في " شرحه ": فإن تعمد ذلك لم تصح صلاته " لأنه مستهزئ ومتعمد. قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلام ابن عقيل في " الفصول ". وقال: كلامهم في تحريمه يحتمل وجهين: أولاهما: يحرم.

стр. 864

وقال ابن عقيل في " الفنون " في التلحين المغير للنظم: يكره أن لم يحرم، لأنه أكبر من اللحن. قال الشيخ تقي الدين: ولا بأس بقراءته عجزاً. قا ل في " الفروع ": ومراده غير المصلي. انتهى. (و) تصح الصلاة أيضاً خلف (الفأفاء) بالمد (الذي يكرر الفاء، و) خلف (التمتام: الذي يكرر التاء، و) خلف (من لا يُفصح ببعض الحروف) كالقاف والضاد، (أو يُصرع. مع الكراهة) في الجمع. ونص عليها (١) فيمن يصرع. قال جماعة: ومن يُضحك صوته (٢) أو رؤيته. قال في " الفروع ": وقيل: الأمرد. وفي " المذهب " وغيره: تكره إمامة من اختلف في صحة إمامته. فقد يؤخذ منه: تكره إمامة الموسوس. وهو متجه، لئلا يقتدي به عأمي. وظاهر كلامهم: لا يكره. و" لما قال النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص: أم قومك. قال: يا رسول الله لِلَّهِ أني أجد في نفسي شيئا. فوضع كفه] في صدره [ (٣) ثم في ظهره بين كتفيه " (٤) . قال بعض العلماء: يحتمل أنه أراد خوف الكبر والعجب، ويحتمل أنه أراد الوسوسة في الصلاة. ولا يصلح للإمام الموسوس. و (لا) تصح الصلاة (خلف أخرس)، لأنه يترك ركناً وهو القراءة تركاً ميؤوسا من زواله. فلا تصح إمامته بناطق وفاقا، ولا بأخرس مثله نص عليه. خلافا لى" الأحكام السلطانية " و" الكافي "، لأنه لم يأت بالأصل ولا بالبدل،

стр. 865

والأمي يأتي بالبدل وهو الذِّكر. (و) لا تصح الصلاة أيضاً خلف (كافر) ولو مع جهل كفره ثم تبين؛ لأن صلاته لا تصح لنفسه. فلا تصح لغيره، ولعموم قوله ﷺ : " لا يَؤمَّن فاجر مؤمناً " (١) . والكفر لا يخفى غالبا. فالجاهل به مفرط. ولا فرق بين كونه أصلياً أو مرتداً، ولا بين من كان كفره من جهة بدعته، أو من جهة إنكاره شيئا من فروع الدين. وهذا المذهب. وعنه: لا يعيد من صلى خلف مكفر ببدعته. (وإن قال) إمام (مجهول) حاله (بعد سلامه) من الصلاة: (هو كافر وإنما صلى تهزؤًا أعاد مأموم) ائتم به صلاته على منصوص أحمد؛ كمن ظن كفره أو حدثه فبان بخلافه. وقيل: لا يعيد؛ كمن صلى خلف من جهل حاله واستمر جهله. (وأن عُلم له) أي: للإمام (حالان) أي: حال ردة وحال إسلام، (أو) حال (إفاقة و) حال (جنون، وأم فيهما) أي: في الحالين (ولم يدر) المأموم (في أيهما) أي: في أي الحالين (ائتم) به ففي المسألة ثلاثة أوجه: قال في " تصحيح الفروع ": أحدها (٢) : يعيد مطلقاً. قدمه في " الرعاية الكبرى " وصححه في " مجمع البحرين ". والوجه الثأنى: لا يعيد. قلت: وهو الصواب. والوجه الثالث: الفرق. وهو الصحيح من المذهب على ما اصطلحناه. جزم به في " المغني " و" الشرح " و" شرح ابن رزين " وغيرهم. انتهى. والفرق: هو ما أشير إليه بقوله: (فإن علم قبلها) أي: قبل حال الائتمام (إسلامه أو إفاقته، وشك في ردته أو جنونه لم يعد). يعني: وإلا أعاد.

стр. 866

قال في " المغني " ومن تبعه: فإن كان الإمام ممن يُسْلم تارة ويرتد أخرى لم يصل خلفه حتى يعلم على أي دين هو. فأن صلى خلفه ولم يعلم ما هو عليه نظرنا: فإن كان قد علم قبل الصلاة إسلامه وشك في ردته فهو مسلم. وإن علم ردته وشك في إسلامه لم تصح صلاته. انتهى. (ولا تصح إمامة من به حدث مستمر)؛ كمن به سلس بول، أو مذي، أو ريح، أو جراحة لا يرقى دمها؛ لأن في صلاته خللا غير مجبور ببدل؛ لكونه يصلي مع خروج النجاسة التي يحصل بها الحدث من غير طهارة. أشبه ما لو ائتم بمحدث يعلم بحدثه. وإنما صحت صلاته في نفسه للضرورة، وتصح أيضاً بمثله في أصح الوجهين؛ كإمامة الأمي بمثله. وكذا العاجز عن فعل ركن وهو ما أشير إليه بقوله: (أو عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ونحوه) كالاعتدال بعد الركوع، (أو) عاجز عن (شرط)؛] كمن بثوبه نجاسه ولم يجد ما يغسلها ولا يجد ثوبا غيره؛ لأنه أخل بشيء لا يسقط في النافلة. فلم تجزئ إمامته؛ كالقارئ بالأمي، وكالمتطهر بأحد الطهورين بعادمهما. (إلا بمثله. وكذا) العاجز (عن قيام) [ (١) إذا ائتم به من يقدر على القيام فإنه لا يصح؛ لأنه عاجز عن ركن من أركان الصلاة. فلم يصح الاقتداء به؛ كالعاجز عن القراءة. ويستثنى (٢) من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (إلا الراتب) أي: الإمام (٣) الحي الراتب (بمسجد)؛ لما في الحديث المتفق عليه من حديث عائشة " أن النبي ﷺ صلى في بيته وهو شاك. فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياماً. فأشار إليهم أن اجلسوا. فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به- إلى أن قال: وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " (٤) .

стр. 867

قال ابن عبد البر: روي هذا مرفوعا من طرق متواترة؛ لأن إمام الحي يحتاج إلى تقديمه بخلاف غيره. والقيام أخف الأركان بدليل سقوطها في النفل. (المرجو زوال علته)؛ لئلا يفضي عدم اشتراط ذلك إلى ترك القيام على الدوام، أو مخالفة قوله ﷺ : " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون "، ولا حاجة إليه. (ويجلسون) أي: يجلس المأمومون القادرون على القيام (خلفه) أي: خلف إمام الحي إذا صلى بهم جالسا؛ للحديث المتقدم. قال في " الإنصاف ": هذا المذهب بلا ريب وعليه أكثر الأصحاب. وجزم به في " المحرر " و" الوجيز " وغيرهما وقدمه في " الفروع " وغيره، وهو من المفردات. انتهى. (وتصح) الصلاة خلفه (قياماً) في أصح الروايتين؛ " لأن النبي ﷺ لم يأمر من صلى خلفه قائما بالإعادة ". ولأن القيام هو الأصل وقد أتوا به. وقال القاضي عياض: صحة صلاتهم خلفه جلوسا استحسان، والقياس لا يصح؛ " لأنه ﷺ صلى في مرض موته قاعدا، وصلى أبو بكر والناس خلفه قياما " (١) . متفق عليه من حديث عائشة. وأجاب أحمد عنه بأنه: لا حجة فيه؛ لأن أبا بكر ابتدأ بهم الصلاة قائما. فوجب أن يتموها (٢) كذلك، والجمع أولى من (٣) النسخ. ثم يحتمل أن أبا بكر

стр. 868

كان هو الإمام. قال ابن المنذر: وقد روي عن عائشة " أن النبي ﷺ صلى في مرضه خلف أبي بكر في ثوب مُتوشّحا به " (١) . ورواه أنس أيضاً وصححهما (٢) الترمذي. قال: ولا يعرف أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر إلا في هذا الحديث. قال مالك: العمل عليه عندنا. (وأن) ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم (اعتلّ في أثنائها فجلس أتموا) خلفه (قياما)، لقصة أبي بكر. ولأن القيام هو الأصل. فإذا بدأ به في صلاة الفرض لزمه في جميعها مع القدرة عليه، كمن أحرم في الحضر ثم سافر. قال في " الإنصاف ": ولم يجز الجلوس. نص عليه. انتهى. وقد تقدم: أن المصلي إذا أتى بما يبطل الفرض فقط بطل فرضه وصحت نفلا. ومن ذلك: الجلوس في محل القيام وذلك قوله في المتن: ومن أتى بما يفسد الفرض فقط انقلب نفلا. فيحمل النص على ما إذا ضاق الوقت أو نحو ذلك " لأنه لا يجوز له ذلك مع ضيق الوقت. والله تعالى أعلم (٣) . ] أقول: والظاهر والله أعلم: أن هذا البحث غير متأت؛ لأنه وإن كان الوقت متسعا لا يجوز قطع الفرض، إلا أن يقال: هذا من قبيل قلب الفرض نفلا، لأمن قبيل قطعه] (٤) . وقال في " الإنصاف " أيضاً (٥) : لو أُرْتِجَ على المصلي في الفاتحة وعجز عن إتمامها. فهو كالعاجز عن القيام في أثناء الصلاة، يأتي بما قدر (٦) عليه،

стр. 869

ولا يعيدها. ذكره ابن عقيل في " الفصول ". . قال في " الفروع ": ويؤخذ منه ولو كان إماماً. والصحيح من المذهب: أنه يستخلف وعليه جماهير الأصحاب. انتهى. (وأن ترك إمام ركناً أو شرطاً مختلفا فيه بلا تأويل أو تقليد) لإمام، (أو ركناً أو شرطاً عنده وحده، عالماً) بأنه ركن أو شرط عند إمامه الذي قلده: (أعادا) أي: الإمام والمؤتم به. أما الإعادة في المسألة الأولى وهي: ما إذا ترك الإمام ركنا أو شرطا مختلفا فيه بلا تأويل ولا تقليد لإمام يعتد بخلافه. فهي على أصح الروايات، وذكر ذلك الآجري إجماعاً. ولهذا " أمر رسول الله ﷺ المسيء فى صلاته با لإعادة " (١) . والرواية الثانية: لا تلزمهما إعادة لخفاء العلم بطرق (٢) هذه المسائل عند الغالب. والرواية الثالثة: تلزم الإعادة ما لم يطل ما بين الصلاة والإعادة. وأما في المسألة الثانية وهي: ما إذا ترك الإمام ركنا أو شرطا عنده وحده عالما به. فإن الإمام والمأموم تلزمهما الإعادة؛ كما لو صلى حنبلي خلف حنفي سال من بدنه دم يسير بعد أن توضأ. فصلاته وصلاة من خلفه فاسدة، وإن كان من خلفه يخالفه في اعتقاد ذلك؛ لأنه ترك طهارة واجبة عليه في مذهبه. أشبه ما لو ترك شرطا مجمعا عليه. فيلزم الإمام والمأموم الإعادة على الصحيح من المذهب. (و) إن ترك الإمام ركناً أو شرطاً (عند مأموم وحده: لم يُعيدا) أي: لا الإمام ولا المأموم (٣) في أصح الروايتين؛ لأن كل مجتهد مصيب، أو كالمصيب في حق المأثم عنه وحصول الثواب له.

стр. 870

ولأن صلاته تصح لنفسه. فجازت خلفه؛ كما لو لم يترك شيئا. ولأن الصحابة كان يصلي بعضهم خلف بعض مع اختلافهم في " الفروع "، ولم ينقل عن أحد منهم أنه ترك الصلاة خلف من خالفه في شيء من ذلك. فعلى هذا تصح صلاة الحنبلي خلف حنفي مس ذكره بعد أن توضأ، أو ترك الطمأنينة. من غير كراهة؛ لما تقدم من فعل الصحابة والتابعين وغيرهم إلى زمننا. (وأن اعتقده مأموم) أي: اعتقد المأموم ما تركه الإمام (مجمعا عليه) أي: أنه (١) ركن أو شرط بالإجماع (فبان) ذلك (خلافه) أي: خلاف ما اعتقده المأموم بأن بان أنه ركن أو شرط عند المأموم وحده: (أعاد) المأموم وحده الصلاة؛ لأنه صلى معتقدا بطلان صلاة إمامه؛ كما لو لم يبن خلاف ما اعتقده. (وتصح) الصلاة (خلف من خالف) مأمومه (في فرع لم يفسق به) أي: بمخالفته في ذلك الفرع؛ كالصلاة خلف من لم ير المسح على الخف، أو يرى صحة النكاح بدون ولي ونحو ذلك وفاقا لفعل الصحابة ومن بعدهم. وأما التقييد بكونه لم يفسق به احترازا (٢) ممن يشرب من النبيذ ما لا يسكره مع اعتقاده تحريمه وإدمانه على ذلك. قال الشيخ تقي الدين: لو فعل الإمام ما هو محرم عند المأموم دونه مما يسموغ فيه الاجتهاد صحت صلاته خلفه، وهو المشهور عن أحمد. (ولا إنكار) من أحد على أحد (في مسائل الاجتهاد). قال ابن الجوزي في كتابه " السر المصون ": رأيت جماعة من المنتسبين إلى العلم يعملون عمل العوام. فإذا صلى الحنبلي في مسجد شافعي ولم يجهر (٣) غضبت الشافعية. وإذا صلى شافعي في مسجد حنبلى وجهر غضبت

стр. 871

الحنابلة. وهذه مسألة اجتهادية، والقضية فيها مجرد هوى يمنع منه العلم (١) . قال ابن عقيل: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز. ولا أقول العوام بل العلماء. كانت أيدي الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يوسف فكانوا يستطيلون بالبغي على أصحاب الشافعي في " الفروع "، حتى ما يمكنوهم من الجهر بالبسملة والقنوت، وهي مسألة اجتهادية. فلما جاءت أيام النظأم ومات ابن يوسف وزالت شوكة الحنابلة استطال عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظلمة. فاستعدوا بالسجن، وآذوا العوام بالسعايات، والفقهاء بالنبذ بالتجسيم. قال: فتدبرتُ أهل الفريقين. فإذا بهم لم تعمل فيهم آداب العلم. وهل هذه إلا أفعال الأجناد يصولون في دولتهم، ويلزمون المساجد في بطالتهم. انتهى كلام ابن الجوزي. قال في " الفووع " بعد حكايته لكلام ابن الجوزي: فقد بينا الأمر على أن مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها. وذكر القاضي فيها روايتين، ويتوجه قول ثالث. وفي كلام أحمد أو بعض الأصحاب ما يدل عليه: أن ضعف الخلاف أنكر فيها، وإلا فلا. انتهى. (ولا تصح إمامة امرأة وخنثى لرجال أو لخناثى). أما إمامة المرأة للرجال فلا تصح في قول عامة أهل العلم؛ لما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعاً: " لا تؤمن امرأة رجلا " (٢) . ولأنها لا تؤذن للرجال. فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون. وكذا لا تصح إمامتها بالخنثى؛ لاحتمال أن يكون ذكرا. ولا فرق في ذلك بين الفرض والنفل على الصحيح من المذهب، وأنه لو صلى خلفها ولم يعلم لزمته إعادة الصلاة إن علم. ذكره السامري وغيره. وأما إمامة الخنثى للرجال فلا تصح أيضاً؛ لاحتمال أن تكون الخنثى امرأة،

стр. 872

ولا تصح إمامة الخنثى للخناثى؛ لاحتمال كون الإمام امرأة والمأموم رجلا. وعلم مما تقدم صحة إمامة المرأة والخنثى للنساء (١) ، لأنه غايته أن يكون امرأة وإمامتها بالنساء صحيحه. لكن تقف المرأة خلف الخنثى. ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (إلا عند أكثر المتقدمين أن كانا) أي: المرأة والخنثى (قارئين، والرجال أميّون في تراويح فقط). قال في " الإنصاف ": وعنه: تصح في التراويح. نص عليه، وهو الأشهر عند المتقدمين. قال أبو الخطاب: وقال أصحابنا: تصح في التراويح. قال في " مجمع البحرين ": اختاره أكثر الأصحاب. قال الزركشي: منصوص أحمد واختيار عأمة الأصحاب: يجوز أن تؤمهم في التراويح. ثم قال: فعلى هذه الرواية قيل: تصح إن كانت قارئة وهم أميون. جزم به في " المذهب " و" الفائق " وابن تميم و" الحاويين " والزركشي وقدمه ناظم "المفردات" و" الرعاية الكبرى ". وقيل: إن كانت أقرأ من الرجال. وقيل: إذا كانت أقرأ وذا رحم. وجزم به في " المستوعب ". وقيل: إن كانت ذا رحم أو عجوزا، واختاره القاضي. انتهى. وحيث قلنا بصحه إمامة المرأة في هذه الحالة فتصح إمامة الخنثى " لأن أدنى حاليه أن يكون امرأة. (ويقفان) أي: المرأة والخنثى (خلفهم) أي: خلف الرجال الأميين في حال الإمامة بهم " " لأن أم ورقه قالت: يا رسول الله لِلَّهِ أني أحفظ

стр. 873

القرآن، وأن أهل بيتي لا يحفظونه فقال: قدمي الرجال أمامك وقومي صلي من ورائهم " (١) ولأنه أستر. وقيل: لا بد أن يتقدمهم أحدهم. وعنه: أنهم يقتدون بها في القراءة، وتقتدي بهم في غيرها. قال في " الفروع ": واختار الأكثر الصحة في الجملة " لخبري أم ورقة العام والخاص. والجواب عن الخاص رواه أبو بكر المروذي بإسناد يمنع الصحة، وإن صح فيتوجه حمله على النفل، جمعا بينه وبين النهي، ويتوجه احتمال في الفرض. والنهي لا يصح، مع أنه للكراهه، وكذا الخنثى. انتهى. (ولا) تصح إمامة (مميز لبالغ في فرض) في أصح الروايتين، لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود ". وعن ابن عباس " لا يؤم الغلام حتى يحتلم " (٢) . رواهما الأثرم. ولم ينقل عن غيرهما من الصحابة خلافه. قال في " الفروع ": وتصح إمامة صبي لبالغ في نفل على الأصح. اختاره الأكثر خلافا لأبي حنيفة ومالك. وعنه: وفرض اختاره الآجري وفاقا للشافعي. وظاهر] المسألة: ولو قلنا تلزمه الصلاة، وصرح به ابن البنا في العقود، وبناؤهم المسألة على أن صلاته [ (٣) نافلة يقتضى صحة إمامته إن لزمته. قاله (٤) صاحب " النظم ". وهو

стр. 874

متجه. ويصح (١) بمثله وفاقا، وفي " المنتخب ": لا. انتهى. ووجه المذهب: أن الإمامة حال كمال والصبي ليس من أهلها؛ لما فيه من النقص " لعدم تكليفه، وعدم صحة إقراره. والإمام ضامن وليس هو من أهل الضمان؛ لأنه لا يؤمن منه الإخلال بشرط القراءة حال السر. (ويصح) إمامة الصبي لبالغ (في نفل)؛ كالتراويح والوتر وصلاة الكسوف والاستسقاء في أصح الروايتين؛ لأنه متنفل يؤم متنفلين وهي أخف، إذ الجماعة تنعقد به فيها إذا كان مأموماً. (و) تصح إمامة الصبي (في فرض)؛ كظهر وعصر (بمثله) أي: بصبي؛ لأن صلاة كل من الإمام والمأموم نفل في حقه. (ولا) تصح (إمامة محدث) حدثاً أكبر أو أصغر، (ولا) إمامة (نجس) أي: من ببدنه أو ثوبه نجاسة غير معفو عنها (يعلم ذلك) أي: وهو يعلم بحدثه أو نجاسته، لأنه أخل بشرط الصلاة مع القدرة. أشبه المتلاعب؛ لكونه لاصلاة له في نفسه. قال في " الفروع ":] ولا تصح إمامة محدث أو نجس [ (٢) ولو جهله المأموم فقط. نص عليه خلافا للإشارة، وبناه في " الخلاف " أيضاً على إمامه الفاسق لفسقه بذلك. وقيل للقاضي: هو أمين على طهارته لا تعرف إلا من جهته. فإذا عملنا (٣) بقوله لم يقبل رجوعه، كما لو أقرت بانقضاء العدة وزوجت ثم رجعت. فقال: يجب لهذا المعنى أن لا يقبل قوله قبل الدخول في الصلاة، وعلى أن دخولها في عقد النكاح اعتراف بصحته. فلم تصدق، وهذا من أمر الدين فقبل كقبل (٤) الصلاة، وعلله في " الفصول " بأنه فاسق، وإمامته عندنا لاتصح.

стр. 875

ولأنه متلاعب والمتلاعب ليس في صلاة. وإن علم هو أو المأموم فيها. قال في " الخلاف " وغيره: أو سبق بحدثه (١) استأنف المأموم. وعنه: يبني وفاقا لمالك والشافعي. انتهى. (فأن جهل) الإمام حدثه أو نجاسته (مع) جهل (مأموم) واستمر جهلهما (حتى انقضت) الصلاة: (صحت) الصلاة (لمأموم وحده) أي: دون الإمام (٢) ؛ لما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: " إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم ". رواه محمد بن الحسين الحرانى. ولما روي " أن عمر صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فإهراق الماء. فوجد في ثوبه احتلاما فأعاد الصلاة، ولم يعد الناس " (٣) . وقد روي مثل ذلك عن عثمان، وعبد الله بن عمر (٤) . وعن علي قال: " إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة أمره أن يغتسل ويعيد، ولا أمرهم أن يعيدوا " (٥) . رواهما الأثرم. وهذا في محل الشهرة فكان إجماعا. ولأن الحدث مما يخفى ولا سبيل إلى معرفته من الإمام للمأموم. فكان معذورا في الاقتداء به. وهذا هو الصحيح. وعنه: يعيد المأمومون أيضاً. قال القاضي: وهو القياس لولا الآثار الواردة في ذلك.

стр. 876

وعلى هذا المذهب يستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (إلا إن كانوا بجمعة وهم بإمام) محدث أو نجس أربعون، (أو بمأموم كذلك أربعون فيعيد الكل) أي: الإمام والمأمومون؛ لفقد العدد المعتبر في الجمعة؛ لأن المحدث أو النجس وجوده كعدمه. (ولا) تصح إمامة (أمي) نسبة إلى الأم كانه على الحالة التي ولدته أمه عليها. وقيل: إلى أمة العرب. وأصله في اللغة: لمن لا يكتب، ومن ذلك وصف النبي ﷺ بأنه النبي الأمي. (و) في عرف الفقهاء (هو: من لا يحسن الفاتحة) أي: لا يحفظها، (أو يُدغم فيها ما) أي: حرفاً (لا يدغم) كراء رب، (أو يبدل) منها (حرفا) لا يبدل بمأموم ليس بأمي مثله في أصح الروايتين التي عليها الجمهور؛ لعموم قوله ﷺ : " ليؤمكم أقرؤكم " (١) . رواه البخاري وأبو دا ود. وقال الزهري: مضت السنة أن لا يؤم الناس من ليس معه من القرآن شيء؛ لأنه بصدد تحمل القراءة عن المأموم. فإذا لم يحسن القراءة لم يصح التحمل. ويستثنى من إبدال الحرف صورة أشير إليها بقوله: (إلا ضاد المغضوب، و) ضاد (الضالين بظاء). فإن هذا الإبدال لا يصير به أمياً، وهذا أحد الو جوه. قال في " الإنصاف ": قدمه في " المغني " و" الشرح " واختاره القاضي. وظاهره سواء علم الفرق بينهما لفظا ومعنى، أو لا. والوجه الثانى: لا تصح إمامته. قال في " الإنصاف ": قال في " الكافي ": هذا قياس المذهب، واقتصر عليه. وجزم به ابن تميم في " شرحه ". والوجه الثالث: تصح مع الجهل.

стр. 877

قال في " الرعاية الكبرى ": قلت: إن علم الفرق بينهما لفظاً ومعنى بطلت صلاته، وإلا فلا. (أو يَلحن) معطوف على قوله: أو يبدل (فيها) أي: في الفاتحة (لحناً يُحيل المعنى، عجزا عن إصلاحه إلا بمثله) فلا يصح ائتمام قارئ بأمي؛ لأنه ائتم بعاجز عن ركن مع قدرته عليه؛ كقادر على ركوع وسجود ائتم بعاجز عنهما. (فأن تعمد) ذلك غير الأمي، (أو قدر) الأمي (على إصلاحه) ولم يصلحه، (أو زاد على فرض القراءة) أمي (عاجز عن إصلاحه) وكانت زيادته على فرض القراءة (عمدا: لم تصح) صلاته (١) ؛ لأنه بلحنه ومخالفة معناه أخرجه عن كونه قرآناً. فهو كسائر الكلام. فحكمه حكم غيره من الكلام. قال في " المحرر ": واللحن لا يبطل الصلاة إذا لم يخل المعنى. فأن أحاله كان عمده كالكلام، وسهوه كالسهو عن كلمته، وجهله كجهلها. انتهى. وعبارة " الفروع ": وإذا زاد تبطل بعمده وفاقاً، ويكفر إن اعتقد إباحته. انتهى. (وإن أحاله) أي: أحال المعنى (فيما زاد) على فرض القراءة (سهوًا أو جهلاً، أولآفة: صحت) الصلاة مع ذلك جعلاً له كالمعدوم، وقد تقدمت أمثلة اللحن الذي لا يحيل المعنى (٢) . (ومن) أمثلة اللحن (المحيل) للمعنى: (فتح همزة: (اهدنا)) وضم تاء: (أنعمت) وكسرها، وكسر الكاف من: (إياك). ومن اقتدى في صلاة سرية بمن لا يعرف حاله لم يجب البحث عن كونه قارئاً. بل يجوز حمل الأمر على الغالب. وهو: أنه لا يجوز أن يؤم

стр. 878

إلا القارئ؛ كما يجوز حمل الأمر على الغالب في أنه متطهر. فأن أنصرف منها فقال: سهوت أو نسيت إذا قرأ الفاتحة لزمه ومن وراءه الإعادة؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه صلى بهم المغرب فلما سلم قال: ما سمعتمونى قرأت؛ قالوا: لا، قال: فما قرأت في نفسى. فأعاد بهم الصلاة ". ولو اقتدى قارئ بإمام في صلاة جهرية فلم يجهر ففي وجوب الإعادة وجهان: أحدهما: يعيد. ذكره القاضي وابن عقيل؛ لأن الظاهر أنه لو كان قارئاً لجهر. والثأنى: لا إعادة؛ لأن الغالب (١) أنه لا يؤم الناس إلا قارئ، ويحمل إسراره على الجهل أو النسيأن. لكن تستحب الإعادة احتياطاً فلو سلم وقال: أسررت نسيانا، أو لكونه جائزًا لم تجب الإعادة قولا واحدا؛ لأن الظاهر صدقه. والله أعلم. ولا يصح اقتداء عاجز عن نصف الفاتحة الأول بعاجز عن نصفها الأخير ولا عكسه، ولا اقتداء قادرعلى الأقوال الواجبة بالعاجز عنها. فأن لم يحسنها وأحسن بقدرها من القرآن لم يجز أن يأتم بمن لا يحسن شيئا من القرآن. وجوزه الموفق. قال ابن تميم: وفيه نظر. (وكُره) للأجنبي (أن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل فيهن). ذكره بعض الأصحاب، " لأنه ﷺ نهى أن يخلو الرجل بالأجنبية (٢) . ولما فيه من مخالطة الوسواس. وحكم الواحدة ما زاد عليها. واقتضى ذلك أنه إذا أم محارمه أو أجنبيات

стр. 879

معهن رجل فلا كراهة؛ "] لأن النساء [ (١) كن يشهدن (٢) مع رسول الله ﷺ الصلاة " (٣) . (أو) أن يؤم أنسأن (قوماً أكثرهم يَكرهه بحق)؛ لما روى أبو إمامة مرفوعاً قال: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتب وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون " (٤) . رواه الترمذي وهو حسن غريب وفيه لين. " وأخبر ﵊ أن صلاته لا تقبل " (٥) . رواه أبو داود من رواية الإفريقي، وهو ضعيف عند الأكثر. وقوله: بحق قال في " الفروع ": قال الأصحاب: يكرهه لخلل في دينه أو فضله. اقتصر عليه في " الفصول " و" الغنية " وغيرهما. وقال شيخنا: إذا كان بينهم معاداه من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب لم ينبغ أن يؤمهم؛ لأن المقصود بالصلاة الجماعة إنما يتم بالائتلاف. ولهذا قال ﷺ : " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " (٦) . وقال: " اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم. فإذا اختلفتم فقوموا " (٧) . ثم قال بعد أسطر: واستحب القاضي حيث لم يكره أن لا يؤمهم صيانة لنفسه. انتهى. (ولا بأس بإمامة ولد زنا، ولقيط، ومنفي بلعان، وخصي، وجندي،

стр. 880

وأعرابي، إذا سَلِم دينهم وصلحوا لها) أي: للإمامة، لعموم قوله ﷺ " يؤم القوم أقرؤهم " (١) . وصلى التابعون خلف ابن زياد وهو ممن في نسبه نظر. وقالت عائشة في ولد الزنا: " ليس عليه من وزر أبويه شيء. قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)] فاطر: ١٨ [" (٢) . ولأن كلا منهم حر مرضي في دينه. فصلح لها، كغيره. وعنه: أحب أن أصلي خلف غير الجندي. وعنه: لا يعجبني إمامة الأعرابي، إلا أن يكون قد سمع وفقه. (ولا) بأس (أن يأتم متوضئ بمتيمم) " لفعل السلف. والمتوضئ أولى إجماعا. (ويصح ائتمام مؤدي صلاة) من ظهر أو عصر أو غيرهما (بقاضيها، وعكسه) وهو ائتمام قاضي صلاة بمؤديها، لأن الصلاة واحدة. وأنما اختلف الوقت في الصورتين. (و) يصح ائتمام (قاضيها) أي: قاضي الصلاة من ظهر وعصر وغيرهما (من يوم بقاضيها) أي: بقاضي تلك الصلاة بعينها (من) يوم (غيره) " لأن الصلاة واحدة. (لا) ائتمام مصلّ ظهرا مثلا (بمصل غيرها) كعصر في أصح الروايتين، لاختلاف الصلاتين. (ولا) يصح ائتمام (مفترض بمتنفل) في أصح الروايتين، لعموم قوله ﷺ : " أنما جعل الإمام ليؤتم به. فلا تختلفوا عليه " (٣) . متفق عليه.
следующие страницы →