← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.

стр. 10886

وقولُه: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلنا لموسى إذ أحَسَّ (١) في نفسه خِيفةً: لا تَخَفْ إِنَّك أنت الأعْلَى على هؤلاء السحرة، وعلى فرعونَ وجنده، والقاهرُ لهم، ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾. يقولُ: والْقِ عصاك [التي في يمينك] (٢) تَبْتَلِعْ حبالَهم وعصيَّهم التي سحَروها حتى خُيِّل إليك (٣) أنها تَسْعَى. وقولُه: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾. [اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك (٤)؛ فقرَأَته عامةُ قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾] (٥) برفعِ ﴿كَيْدُ﴾ وبالألف في ﴿سَاحِرٍ﴾. بمعنى: إن الذي صنَعَه هؤلاء السحرةُ كيدُ مَنْ يَسحَرُ (٦). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: (إنما صنعوا كيدُ سِحْرٍ) برفع "الكيد" وبغير الألف في "السحرِ". بمعنى: إن الذي صنعوه كيدُ سحرٍ (٧). والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتَقاربتا المعنى، وذلك أن الكيدَ هو المكرُ والخُدْعةُ، فالساحرُ مَكْرُه وخُدْعتُه مِن سحرٍ يَسْحَرُه (٨)، ومكرُ السحرِ وخُدْعتُه تخييلُه (٩) إلى المسحور على خلاف ما هو به في حقيقتِه، فالساحرُ كائدٌ بالسحر، والسحرُ كائدٌ بالتَّخْييل، فإلى أيِّهما أضَفْتَ الكيد فهو

стр. 10887

صوابٌ. وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ: (كَيْدَ سِحْرٍ) بنصب "كَيْد" (١). ومَن قرأ ذلك كذلك، جعَل ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا، وأعْمَل ﴿صَنَعُوا﴾ في ﴿كَيْدُ﴾. وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءة بها؛ لإجماع الحجة من القرأة على خلافها. وقولُه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. يقولُ: ولا يَظْفَرُ الساحرُ بسحرِه بما طلب أين كان. وقد ذُكر عن بعضِهم أنه كان يقولُ: معنى ذلك: ذلك: أن الساحرَ يُقْتَلُ حيثُ وُجد. وذكر بعضُ نحويى البصرة (٢) أن ذلك في حرف ابن مسعود: (ولا يُفْلِحُ الساحرُ أين أتى). وقال: العربُ تقولُ: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومِن أينَ لا تَعْلَمُ. وقال غيرُه مِن أهل العربية الأُولِ (٣): جزاءٌ، يُقْتَلُ الساحرُ حيث أتَى وأين أتَى. وقال: وأما قولُ العرب: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومن أين لا تَعْلَمُ. فإنما هو جوابُ مَنْ (٤) لم يَفْهَمْ فَاسْتَفْهَم، كما قالوا: أين الماءُ والعُشْبُ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾.

стр. 10888

وفي هذا الكلام متروكٌ قد اسْتُغْنِى بدَلالة ما ذُكر (١) عليه، وهو: فأَلْقَى موسى عصاه فتلقَّفَت ما صنَعوا، فأُلْقى السحرةُ سُجَّدًا قالوا: آمنا بربِّ هارونَ وموسى. وذُكر أن موسى لما ألْقَى ما في يدِه تحَوَّل ثعبانًا، فالتهم كلَّ ما كانت السحرةُ ألقَته من الحبال والعصيِّ. ذكرُ الرواية [عمن قال ذلك] (٢) حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: لما اجْتَمَعوا وألْقَوْا ما في أيديهم من السحرِ خُيِّل إليه (٣) من سحرهم أَنها تَسْعَى، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ فأَلْقَى عصاه، فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، قال: فتَحَت فما لها مثل الدَّحْل (٤)، ثم وضَعَت مِشْفَرَها على الأرض، ورفَعَت الآخر، ثم استَوْعَبَت كُلَّ شيءٍ الْقَوْه مِن السحرِ، ثم جاء إليها فقبَض عليها، فإذا هي عصًا، فخرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. قال: فكان أول مَن قطع الأيدىَ والأرجلَ من خلافٍ فرعونُ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. قال: فكان أول مَن صلَب في جُذوع النخل فرعونُ (٥).

стр. 10889

حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فأَوْحَى الله إليه: لا تَخَفْ، وأَلْقِ ما في يمينك تَلْقَفْ ما يَأْفِكون. فألْقَى عصاه، فأكَلَت كلَّ حيةٍ لهم، فلمَّا رأَوْا ذلك سجَدوا، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١) [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: لما رأى ما أَلْقَوْا مِن الحبال والعصيِّ، وخُيِّل إليه أنها تَسْعَى، وقال: والله إن كانت لَعِصِيًّا في أيديهم، ولقد عادت حيَّاتٍ، وما تَعْدو عَصاىَ هذه - أو كما حدَّث نفسَه - فأَوْحَى اللهُ إليه أن: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. [وفُرِّج عن] (٢) موسى، فألْقَى عصاه من يدِهِ، فَاسْتَعْرَضَت ما أَلْقَوْا مِن حبالهم وعصيِّهم، وهي حياتٌ في عين فرعون وأعين الناسِ تَسْعَى، فجَعَلَت تَلْقَفُها؛ تَبْتَلِعُها حيةً حيةً، حتى ما يُرى بالوادى قليلٌ ولا كثيرٌ مما أَلْقَوْا، ثم أَخَذَها موسى فإذا هي عصًا في يده كما كانت، ووقع السَّحَرَةُ سُجَّدًا، قالوا: آمنَّا بربِّ هارونَ وموسى، لو كان هذا سحرًا (٣) ما غلَبَنا (١). وقولُه: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال فرعونُ للسحرةِ: أصدَّقْتُم وأَقْرَرْتُم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أُطْلِقَ ذلك لكم، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾. يقولُ: إن موسى لعظيمُكم الذي علَّمكم السحر. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثْتُ عن

стр. 10890

وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: لما قالت السحرةُ: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. قال لهم فرعونُ، وأسف ورأى الغَلَبةَ البينةَ: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. أي: لَعظيمُ السُّحَّارِ الذي علَّمَكم (١). وقولُه: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. يقولُ: فَلأُقَطِّعَنَّ أَيديكم وأرجلَكم مُخالفًا بين قطع ذلك؛ وذلك أن يَقْطَعَ يمني اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين، فيكونُ ذلك قطعًا من خلافٍ. وكان فيما ذُكِر أول مَن فعَل ذلك فرعونُ، وقد ذكَرْنا الرواية بذلك (٢). وقولُه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. يقولُ: ولأُصَلِّبَنَّكم على جُذوع النخل، كما قال الشاعرُ (٣): هُمُ صَلَبوا العَبْدِيَّ في جِذْع نخلةٍ … فلا عطَسَت شَيْبانُ إلا بأجْدَعا يعني: على جذع نخلةٍ. وإنما قيل: ﴿فِي جُذُوعِ﴾. لأن المصلوبَ على الخشبة يُرْفَعُ في طولها، ثم يَصِيرُ عليها، فيقالُ: صُلب عليها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: لما رأى السحرةُ ما جاء به عرَفوا أنه من الله، فخرُّوا سجَّدًا وآمَنوا، عند ذلك قال عدوُّ الله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٤]. حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال فرعونُ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾:

стр. 10891

[فقتَّلَهم وقطَّعهم] (١)، كما قال عبد الله بنُ عباسٍ حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. وقال: كانوا في أول النهار سحرةً، وفى آخر النهارِ شُهداء (٢). وقولُه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. يقولُ: ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّها السحرةُ أَيُّنا أشدُّ عذابًا لكم وأدْوَمُ، أنا أو موسى. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالتِ السحرةُ لفرعونَ لما توعَّدهم بما توعَّدهم به: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ فنَتَّبِعَك ونُكَذِّبَ مِن أجلك موسى، ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾. يعنى: من الحجج والأدلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى، ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾. يقولُ: قالوا: لن نُؤْثِرَك على الذي جاءنا من البينات وعلى الذي فطَرَنا. ويعنى بقوله: ﴿فَطَرَنَا﴾: خَلَقَنا. فـ ﴿الَّذِى﴾ من قولِه: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾. خفضٌ (٣) عطفًا (٤) على قوله: ﴿مَا جَاءَنَا﴾. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنَا﴾. خفضًا على القسم، فيكونُ معنى الكلام: لن نُؤْثِرَك على ما جاءنا من البيناتِ واللَّهِ. وقولُه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. [يقولُ: قالوا: فاصْنَعْ ما أنت صانعٌ، واعْمَلْ بنا ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾] (٥). يقولُ: إنما تَقْدرُ أن

стр. 10892

تُعَذِّبَنا في هذه الحياة الدنيا التي تَفْنَى. ونصبُ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على الوقت، وجُعِلَت ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن منبهٍ: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾. أي: على اللهِ على ما جاءنا من الحجج مع نبيِّه (١)، ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. أي: اصْنَع ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ التي (٢) ليس لك سلطانٌ إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعدَه (٣). وقولُه: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أَقْرَرْنا بتوحيد ربِّنا، وصدَّقْنا بوعده ووَعيدِه، وأنَّ ما جاء به موسى حقٌّ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾. يقولُ: ليَعْفُو لنا عن ذنوبنا فيَسْتُرَها علينا، ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. يقولُ: ليَغْفِرَ لنا ذنوبَنا وتعلُّمنا ما تعلَّمْناه من السحر، وعمَلَنا (٤) به الذي أكرهْتنا على تعلُّمه والعمل به. وذُكر أن فرعون كان أخَذَهم بتعلُّمِ السحرِ.

стр. 10893

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا نعيمُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن أبي سعيدٍ (١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قول الله ﵎: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. قال: غِلْمانُ دفَعَهم فرعونُ إلى السحرةِ تُعَلِّمُهم السحر بالفَرَمَا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. قال: أمَرهم بتعلُّم السحر. قال: تركوا كتاب الله، وأمَروا قومَهم بتعلُّم (٣) السحرِ. ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. قال: أَمَرْتَنا أن نَتَعَلَّمَه (٤). وقولُه: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. يقولُ: والله خيرٌ منك يا فرعونُ جزاءً لمن أطاعه، وأبقى عذابًا لمن عصاه وخالف أمره. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. أي: خيرٌ منك ثوابًا، وأبقى عقابًا (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن [أبي مَعْشَرٍ] (٦)، عن

стр. 10894

محمد بن كعبٍ ومحمدِ بن قيسٍ في قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قالا: خيرٌ (١) منك إن أُطيع، وأبقى منك عذابًا إِنْ عُصِى (٢). القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل السحرة لفرعونَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ مِن خلقه ﴿مُجْرِمًا﴾. يقولُ: مُكتسبًا الكفر به، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: فإِنَّ له جهنَّمَ مأوًى ومسكنًا، جزاءً له على كفره، ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فَتَخْرُجَ نفسُه، ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ فتَسْتَقِرَّ نفسُه في مَقَرَّها فَتَطْمَئِنَّ، ولكنها تتعلَّق بالحَناجر منهم، ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾. [يقولُ: ومن يقدَم على ربِّه] (٢) موحِّدًا له لا يُشْرِكُ به، ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: قد عمل بما أمره به ربُّه، وانْتَهى عما نهاه عنه، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. يقولُ: فأولئك الذين [تلك صفتُهم] (٣)، لهم درجاتُ الجنةِ العُلَى. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. ثم بيَّن تلك الدرجاتِ العُلى ما هي، فقال: هن ﴿جَنَّاتُ

стр. 10895

عَدْنٍ﴾. يعني: جناتُ إقامةٍ لا ظَعْنَ عنها، ولا نفادَ لها ولا فناء، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تجرى من تحت أشجارها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، يقولُ: ماكثين فيها إلى غيرِ غاية محدودةٍ. فـ "الجناتُ" مِن قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مرفوعةٌ بالردِّ على "الدرجات". كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. قال: عَدْنٌ. وقولُه: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾. [يقولُ: وهذه الدرجاتُ العُلى التي هي جناتُ عَدْنٍ على ما وصف ﷻ ثَوابُ ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾] (١). يعنى: مَن تَطَهَّر مِن الذُّنوب، فأطاع الله فيما أَمَرَه، ولم يُدَنِّسْ نفسَه بمعصيته فيما نهاه عنه. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقدْ أَوْحَيْنا إلى نبيِّنا موسى إذ تابَعْنا له الحججَ على فرعونَ، فأبَى أن يَسْتَجِيب لأمر ربِّه، وطغَى وتَمادَى في طُغْيانِه، أن أسْر ليلًا ﴿بِعِبَادِي﴾. يعني: بعبادي من بني إسرائيل، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾. يقولُ: فاتَّخِذْ لهم في البحر طريقًا يابسًا. واليَبْسُ واليَبْسُ يُجْمَعُ أَيْباسٌ، يقالُ: وقَعُوا في أيْباسِ مِن الأرضِ. واليَبْسُ المُخَفَّفُ يُجْمَعُ يُبُوسٌ. وبنحر الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.

стр. 10896

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَبَسًا﴾. قال: يابسًا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. وأما قولُه: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. فإنه يعنى: لا تَخافُ مِن فرعونَ وجنوده أن يُدركوك من ورائِك، ولا تَخْشَى غرقًا مِن بين يديك ووَحَلًا. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا [عبد الله] (٢)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. يقولُ: لا تخافُ مِن آل فرعونَ دَرَكًا، ولا تَخْشَى من البحر غرفًا (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [ثنا سعيد] (٤)، عن قتادة: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. يقولُ: لا تَخافُ أَن يُدْرِكَك فرعونُ مِن بعدك، ولا تَخْشَى الغرقَ أمامَك.

стр. 10897

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال أصحابُ موسى: هذا فرعونُ قد أدْرَكَنا، وهذا البحرُ [قد غَشِيَنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أصحاب فرعونَ، ﴿وَلَا تَخْشَى﴾] (١) مِن البحرِ وَحَلًا (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن بعض أصحابه في قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. قال: الوَحَلَ. واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصار غير الأعمش وحمزة: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ على الاستئناف (٣) بـ ﴿لَا﴾ كما قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢]. فرفَع، وأكثر ما جاء في (٤) الأمر الجوابُ مع "لا" بالرفع (٥). وقرَأ ذلك الأعمشُ وحمزةُ: (لَا تَخَفْ دَرَكًا) فجزَما "لا تخف" (٦) على الجزاءِ، ورفَعا: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ على الاستئناف (٧)، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]. فاسْتَأْنف بـ ﴿ثُمَّ﴾، ولو نوى بقوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾. الجزمَ وفيه الياءُ، كان جائزًا، كما قال الراجزُ (٨): هُزِّى إليك الجُذْعَ يجنِيك الجَنَى

стр. 10898

وأعجبُ القراءتين إليَّ أن أَقْرَأَ بها: ﴿لَا تَخَافُ﴾ على وجه الرفع؛ لأن ذلك أفصحُ اللغتين، وإن كانت الأُخرى جائزةً. وكان بعضُ نحويى البصرة يقولُ (١): معنى قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾. اضْرِبْ لهم طريقًا لا تَخافُ فيه دَرَكًا. قال: وحذف "فيه" كما تقولُ: زيدٌ أكْرَمْتُ. وأنت تُرِيدُ: أَكْرَمْتُه. وكما قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]. أي: لا تجزى فيه. وأما نحويو الكوفة (٢) فإنهم يُنْكرون حذف "فيه" إلا في المواقيت؛ لأنه يَصْلُحُ أن يقال فيها: قمتُ اليومَ، وفى اليوم. ولا يُجيزون ذلك في الأسماء. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأسرى (٣) موسى ببنى إسرائيلَ إِذ أَوْحَيْنا إليه أَن أَسْرِ بهم، فأتْبَعَهم فرعونُ بجنوده حين قطَعوا البحرَ، فغشي فرعونَ وجنودَه من البحر (٤) ما غشِيَهم، فغرقوا جميعًا، ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجارَ (٥) فرعونُ بقومه عن سواء السبيل، وأخَذ بهم على غيرِ استقامةٍ؛ وذلك أنه سلَك بهم طريقَ أهل النار، بأمرهم (٦) بالكفر بالله، وتكذيبِ

стр. 10899

رسولِه (١). ﴿وَمَا هَدَى﴾. يقولُ: وما سلَك بهم الطريقَ المستقيمَ، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يَهْدِهم بأمره إياهم بذلك، ولم يَهْتَدوا باتِّباعِهم إياه. القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما نجا موسى بقومِه من البحر، وغشِى فرعونَ وقومه من اليم ما عَشِيهم، قلنا لقومِ موسى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون (٢)، ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. وقد ذكَرْنا كيف كانت مواعدةُ الله موسى وقومه جانب الطور الأيمنَ (٢)، وبيَّنا المنَّ والسلوى باختلاف المختلفين فيهما، وذكرْنا الشَّواهدَ على الصواب من القول في ذلك فيما مضَى قبلُ، بما أغْنى عن إعادته في هذا الموضع (٣). واختَلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾؛ فكانت عامةُ قرأة المدينة والبصرة يَقْرءونه: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ بالنون والألف، وسائرُ الحروفِ الأُخرِ من كذلك (٤). وقرَأ ذلك عامةُ قرأة الكوفة: (قد أنْجيْتُكم) بالتاء (٥)، وكذلك سائرُ الحروف

стр. 10900

الأُخر، إلا قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فإنهم وانه الآخرين في ذلك، فقرءوه بالنون والألف (١). والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئُ ذلك فمصيبٌ. وقولُه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهم: كُلُوا يا بني إسرائيل مِن شَهِيَّاتِ رزقنا الذي رزَقْناكم، وحلاله الذي طيَّبْناه لكم، ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: ولا تَعْتَدوا فيه، ولا يَظْلِمُ فيه بعضُكم بعضًا. كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا [عبد الله] (٢)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: ولا تَظْلِموا (٣). وقولُه: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾. يقولُ: فتنزل عليكم عقوبتي. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾. يقولُ: فيَنْزِلَ عليكم غضبى (٤). واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ بكسر الحاء، ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بكسر اللام (٥). ووجَّهوا معناه إلى: فيَجبَ عليكم غضبي.

стр. 10901

وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهل الكوفة: (فيَحُلَّ عليكم) بضمِّ الحاءِ (١). ووجَّهوا تأويلَه إلى ما ذكَرْنا عن قتادةَ من أنه: فيَقَعَ ويَنْزِلَ عليكم غضبي. والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأة، وقد حذَّر الله الذين قيل لهم هذا القولُ مِن بني إسرائيل وقوعَ بأسِه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصَوْه، وخوَّفهم وجوبه لهم، فسواءٌ قُرى ذلك بالوقوع أو بالوجوب؛ لأنهم كانوا قد خُوِّفوا المعنيين كليهما. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَجِبْ عليه غضَبى فينزِلْ به، ﴿فَقَدْ هَوَى﴾. يقولُ: فقد تردَّى فشَقى. كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾. يقولُ: فقد شَقِى (٢). وقولُه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾. يقولُ: وإني لذو عفوٍ (٣) لمن تاب من شركه فرجَعَ منه إلى الإيمان بي (٤)، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وأَخْلَصَ لى الألُوهةَ ولم يشرِكْ في عبادتِه إِيَّايَ غَيْرِي، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأَدَّى فَرائضِى التي افْتَرضتُها

стр. 10902

عليه، واجْتَنَب معاصيَّ، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. يقولُ: ثم لَزِمَ ذلك فاسْتقام ولم يُضَيِّعْ شيئًا منه. وبنحو الذي قُلنا في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِنَ الشِّركِ، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وَحَّدَ الله، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأدَّى فرائضى (١). وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِن [ذَنبِه، ﴿وَآمَنَ﴾ بربِّه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينَه وبينَ اللهِ. وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الشِّركِ] (٢)، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وأَخْلَصَ لله وعمل في إخْلاصِه. واختلَفوا في معنى قوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لم يَشْكُك في إيمانه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

стр. 10903

قوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. يقولُ: لم يَشْكُكْ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لَزم الإيمانَ والعملَ الصالح. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. يقولُ: ثم لَزم الإسلام حتى يموت علَيْه (٢). وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ثم اسْتَقام. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر الرازيِّ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: أَخَذ بسُنَّة نبيِّه ﵇ (٣). وقال آخرون: بل معناه: أصاب العملَ. [ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: أصاب العمل] (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: عرف أمرَ مُثيبه.

стр. 10904

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن الكلبيِّ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الذَّنبِ، ﴿وَآمَنَ﴾ من الشِّركِ، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أَدَّى ما افتَرَضتُ عليه، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ عرَف مُثيبَه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا (١). وقال آخرون بما حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى الفَزارِيُّ، قال: ثنا عمرُ بن شاكرٍ، قال: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقولُ في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: إلى ولاية أهل بيت النبيِّ ﵇ (٢). قال الطبريُّ: وإنما اخْتَرْنا القول الذي اخْتَرنا في ذلك من أجل أن الاهتداء هو الاستقامةُ على هُدًى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمَعه الإيمانُ والعملُ الصالحُ والتوبةُ (٣)، فمَن فعَل ذلك وثبت عليه فلا شَكَّ في اهْتِدَائِه. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾: وأَيُّ شيءٍ أَعْجَلَك ﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ فَتَقَدَّمتهم وخَلَّفْتَهم وراءَكَ ولم تكن معهم؟ ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾. يقولُ: قومى على أَثَرِى يَلْحَقون بي، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾. يقولُ: وعَجِلتُ أنا فسَبَقتُهم ربِّ كَيما ترضَى عَنِّي. وإنَّما قال الله جلَّ وعزَّ لموسى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾؛ لأنه جلَّ ثناؤُه، فيما بلَغَنا، حين نَجَّاه وبنى إسرائيل من فرعون وقومه وقَطَع بهم البحر،

стр. 10905

وعَدَهم جانبَ الطور الأيمنَ، فتَعَجَّلَ موسى إلى ربِّه، وأقام هارونُ في بني إسرائيلَ يسيرُ بهم على أَثَرِ موسى. [كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: وعبد الله موسى حينَ أَهْلَك فرعون وقومَه، ونجَّاه وقومَه، ثلاثين ليلةً، ثم أتَمَّها بعَشْرٍ، فَتَمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً، تَلَقَّاه فيها بما شاء، فاسْتَخْلَفَ موسى هارون في بني إسرائيل، ومعه السَّامِريُّ، يسيرُ بهم على أَثَرِ موسى ليُلْحِقَهم بهِ، فلمَّا كلَّم اللهُ موسى، قال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؟ قال: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾] (١). وحدَّثني يونُس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾. قال: لأرضِيَك. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال الله لموسى: فإنَّا يا موسى قد ابتَلَينا قومَك من بعدِك بعبادة العجل. وذلك كان فتنَتَهم من بعدِ موسى. ويعنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: من بعدِ فِراقِك إيَّاهم. يقولُ اللهُ : ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. وكان إضلالُ السامريِّ إياهم دعاءه إيَّاهم إلى عبادة العجل.

стр. 10906

وقولُه: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾. يقولُ: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد انقضاء الأربعين الليلة (١)، ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. [يعنى بقولِه: ﴿أَسِفًا﴾] (٢): مُتَغَيِّظًا على قومه، حزينًا لما أحْدَثوا بعده من الكفر بالله. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. يقولُ: حزينًا. وقال في "الزخرف": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]. يقولُ: أغْضَبونا. والأسفُ على وجهين: الغضبُ، والحُزْنُ (٣). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. يقولُ: حزينًا (٣). وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] أي: حزينًا على ما صَنَع قومُه مِن بعده (٤). وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَسِفًا﴾. قال: جزعًا (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.

стр. 10907

وقولُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾. يقولُ: ألم يَعِدْكم ربُّكُم أَنَّه غفَّارٌ لمن تاب وآمَن وعمل صالحًا ثم اهْتَدى؟ ويَعِدْكم جانبَ الطورِ الأيمنَ، ويُنَزِّلْ علَيكم المنَّ والسَّلوى؟ فكان ذلك وعبد الله الحسن بني إسرائيل الذي قال لهم موسى ﵇: ألم يَعِدُكُموه ربُّكم؟ وقولُه: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أفطال عليكم العهدُ بي، وبجميل نعم الله عندكم، وأياديه لدَيْكُم؟ ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أم أردتُم أن يجب عليكُم غضبٌ من ربِّكم فتَسْتَحِقُّوه بعبادتكم العجل وكفركم باللهِ؟ ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾. وكان إخلافُهم موعدَه، عُكوفَهم على العجل، وتَرْكَهم السيرَ على أَثَرِ موسى للمَوعِدِ الذي كان الله وعدَهم، وقولَهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجلِ، ودعاهم إلى السير معه على أثر موسى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١]. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ موسى لموسى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾. يعنون بموعِدِه عهدَه الذي كان عَهِدَه إِلَيْهم. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَوْعِدَكَ﴾. قال: عَهْدِى (١).

стр. 10908

وذلك العهدُ والموعدُ هو ما بيَّناه قبلُ (١). وقولُه: ﴿بِمَلْكِنَا﴾. يخبرُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنَّهم أقرُّوا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إِنَّا لم نُطِقْ حَمْلَ أنفُسِنا على الصواب، ولم تَملِكْ أمرنا حتى وَقَعْنا في الذي وقعنا فيه من الفِتْنَةِ. وقد اخْتَلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقَرَأته عامَّةُ قرأة المدينة: ﴿بِمَلْكِنَا﴾. بفتح الميم (٢). وقرَأته عامَّةُ قرأة الكوفة: (بِمُلكِنا) بضمِّ الميم (٣). وقرأه بعضُ أهل البصرة: (بِمِلْكنا) بالكسرِ (٤). فأما الفتحُ والضمُّ فهما بمعنًى واحدٍ، وهو قُدْرَتُنا وطاقَتُنا، غير أن أحدهما مصدرٌ، والآخر اسمٌ، وأمَّا الكسرُ فهو بمعنَى مِلكِ الشَّيءِ وكَوْنِه للمالكِ. واختلف أهلُ التأويل أيضًا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: ما أخْلَفْنا موعِدَك بأمرنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. يقولُ: بأَمْرِنا (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا

стр. 10909

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بِمَلْكِنَا﴾. قال: [بأمْرٍ ملْكِنا] (١) (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. وقال آخرون: معناه: بطَاقَتِنا. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: بطاقتِنا (٣). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. يقولُ: بطاقتِنا (٤). وقال آخرون: معناه: ما أخْلَفْنا موعدَك بهَوَانَا، ولكِنَّا لم نملِكْ أَنفُسَنا. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. قال: يقولُ: بهَوَانَا، قال (٥): ولكنَّه جاءت ثلاثةٌ. قال: ومعهم

стр. 10910

حُليٌّ اسْتَعاروه من آل فرعونَ وثيابٌ (١). وكلُّ هذه الأقوال الثلاثة في ذلك مُتقارِباتُ المعنى؛ لأن من لم يملك نَفْسَه لغَلَبة (٢) هواه على (٣) أمرٍ، فإنَّه لا تمتنعُ اللغةُ أن تقولَ: فعَل فلانٌ هذا الأمرَ وهو لا يملكُ نفسه، وفعَلَه وهو لا يَضْبطُها، وفعَلَه وهو لا يُطيقُ تَرْكَه. فإذا كان ذلك كذلك، فسواءٌ بأيِّ القراءات الثلاثِ قرأ ذلك القارئُ، وذلك أن من كسَر الميمَ مِنَ "المِلْكِ"، فإنما يوجِّهُ معنى الكلام إلى ما أخْلَفْنا موعدَك ونحنُ نملِكُ الوفاءَ بهِ لغَلَبة أنفسنا إيانا على خِلافِه. وجعَله من قولِ القائل: هذا ملكٌ فلانٍ. لما يَمِلكُه مِنَ المملُوكَاتِ، وأنَّ مَن فتَحها، فإنَّما يوجِّهُ معنى الكلام إلى نحو ذلك، غير أنه يجعَلُه مصدرًا من قول القائل: مَلَكتُ الشيءَ أَمْلِكُه مَلْكًا وَمَلَكةً، كما يُقالُ: غلبتُ فلانًا أَغْلِبُه غَلْبًا وغَلَبَةً، وأَنَّ مَن ضمَّها فإنَّه يوجِّه معناه إلى: ما أَخْلَفْنا موعدَك بسُلْطَانِنا وقُدرتنا. أي ونحنُ نقدر أن نمتنع منه؛ لأن كلَّ مَن قَهَر شيئًا فقد صار له السلطانُ عليه، وقد أنكَر بعضُ الناس قراءةَ مَن قرأَه بالضمِّ، فقال: أيُّ مُلكٍ كان يومئذٍ لبنى إسرائيل، وإنما كانوا بمصرَ مُسْتضعَفين؟! فأغْفَلَ معنَى القوم، وذهَب عن (٤) مرادِهم ذهابًا بعيدًا، وقارِئو ذلك بالضمِّ لم يَقْصِدوا المعنى الذي ظَنَّه هذا المُنكِرُ عليهم ذلك، وإنَّما قَصَدوا إلى أن معناه: ما أخْلَفنا موعِدَك بسلطانٍ كانت لنا على أنفْسِنا نَقْدِرُ أن نردَّها عما أتت؛ لأنَّ هوانا غلبنا على إخلافِك الموعدَ. وقولُه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. يقولُ: ولكِنَّا حُمِّلْنا أثقالًا وأحمالًا من زينة القومِ (٥). يعنُون مِن حُليِّ آل فرعونَ، وذلك أنَّ بني إسرائيل لما أرادَ

стр. 10911

موسى أن يسيرَ بهم ليلًا من مصرَ بأمر الله إياه بذلك، أمرَهم أن يَسْتَعيروا من أمتعَة آل فرعونَ وحُلِّيهم، وقال: إن الله مُغْنِمُكم ذلك. ففعَلوا، واسْتَعاروا منهم (١) من حُليِّ نسائِهم وأمتعاتِهم (٢)، فذلك قولُهم لموسى حينَ قال لهم: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: فهو ما كان مع بني إسرائيل من حُليِّ آل فرِعونَ، يقولُ: [حَظِينا بها] (٣)، أصَبْنا من حُليِّ عدوِّنا (٤). وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَوْزَارًا﴾. قال: أثقالًا. قوله: ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. قال: وهى الحُليُّ التي اسْتَعارُوا من آل فرعونَ، وهى الأثقالُ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن

стр. 10912

مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا﴾. قال: [أثقالًا. ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. قال] (١): حُليتهم (٢). وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، السديِّ: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. يقولُ: مِن حُليِّ [القبْط (٣). وحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. قال: الحُليُّ] (٤) الذي اسْتَعاروه والثيابُ، لَيْسَت من الذُّنوب في شيءٍ، لو كانت الذُّنوب كانت: حُمَّلْناها نتحمَّلُها (٥)، فليست من الذُّنوب في شيءٍ (٦). واختَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة المدينة وبعضُ المكِّيِّين: ﴿حُمِّلْنَا﴾ بضمِّ الحاءِ وتشديد الميم (٧)، بمعنى أنَّ موسى حمَّلهم ذلك. وقرَأته عامَّةُ قرأة الكوفة والبصرة وبعضُ المكِّيين: (حَمَلْنَا) بتخفيف الحاءِ والميم وفتحهما (٨)، بمعنى أنهم حمَلوا ذلك من غيرِ أن يكَلِّفَهم حَمْلَه أحدٌ. والقولُ في ذلك عندى أنَّهما قراءتان مَشْهُورتان متقاربتا المعنى؛ فإن

стр. 10913

القومَ حَمَلُوا، وأنَّ موسى قد أمرهم بحَمْلِه، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ. وقولُه: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾: يقولُ: فأَلْقَيْنا تلك الأوزارَ مِن زينة القومِ في الحُفْرَةِ، ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾. يقولُ: فكما قَذَفْنا نحنُ تلك الأثقالَ، فكذلك ألْقَى السامريُّ ما كان معه من تُرْبَةِ حافرِ فرس جبريلَ ﵇. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال: فأَلْقَيْناها، ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فكذلك صَنَع (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال: فأَلْقَيناها. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فكذلك صَنَع. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: فنَبَذْناها. وقولُه: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. يقولُ: فأَخْرَج لهم السامريُّ مما قذَفوه وممَّا أَلْقَاه ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾، ويعنى بالخُوارِ الصوتَ،

стр. 10914

وهو صوت البقر. ثم اختلف أهل العلم في كيفيَّة إخراجِ السامريِّ العجلَ؛ فقال بعضُهم: صاغه صِياغَةٌ، ثم ألْقَى من تُرابِ حافر فرس جبريل في فيهِ، فَخَارَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾. قال: كان الله وقَّت لموسى ﵇ ثلاثين ليلةً، ثم أتمَّها بِعَشْرٍ، فلمَّا مضَت الثلاثون قال عدوُّ الله السامريُّ: إنَّما أصابكم ما أصابكم عقوبةً بالحليِّ الذي كان معكم، فهَلُمُّوا. وكانت حُليًّا تَعَوَّروها من آل فرعون، فساروا وهى معهم، فقَذَفوها إليه، فصوَّرها صورةً بقرة، وكان قد صَرَّ في عِمامَتِه أو في ثوبه قَبْضَةً مِن أُثرِ الفرس، فرس جبريل ﵇، فقَذَفها مع الحليِّ والصُّورة، ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. فَجَعَل يخُورُ خُوارَ البَقَرَةِ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾. حدَّثنا الحسن (١)، قال: حدثنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لما اسْتَبْطَأ موسى قومه قال لهم السامريُّ: إنما احْتَبَس عنكم من أجل ما عندكم من الحليِّ. وكانوا اسْتَعارُوا حُليًّا من آل فرعونَ، فَجَمَعوه فأعطَوْه السامريَّ، فصاغ منه عِجْلًا، ثم أخذ القَبْضَةَ التي قبض من أَثَرِ الفرس فرس الملك، فنبذها في جوفِه، فإذا هو عجلٌ جَسَدٌ له حُوارٌ، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، ولكنَّ موسى نَسِي ربَّه عِندَكم (٢).

стр. 10915

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: أخذ السامريُّ مِن تُربةِ الحافر، حافرِ فرس جبريل، فانطلق موسى واسْتَخْلَفَ هارون على بنى إسرائيلَ، وَوَاعَدَهم ثلاثين ليلة، وأتمَّها اللهُ بِعَشْرٍ، فقال لهم هارون: يابني إسرائيل إن الغنيمة لا تحلُّ لكم، وإن حُليَّ القبط إنما هو غنيمةٌ، فاجمعوها جميعًا، فاحْفروا لها حُفْرةً فادفنوها، فإن جاء موسى فأحَلَّها أَخَذْتُموها، وإلا كان شيئًا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحليَّ في تلك الحفرة، وجاء السامريُّ بتلك القبضة فقَذَفها، فأَخْرَج الله مِن الحُليِّ عِجْلًا جَسَدًا له خوارٌ، وعَدَّت بنو إسرائيل موعِدَ موسى، فعَدُّوا الليلة يومًا، واليومَ يومًا، فلمَّا كان لعشرين (١) خرَج لهم العجلُ، فلمَّا رَأَوْه قال لهم السامريُّ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. فعكفوا عليه يعبُدونه، وكان يخورُ ويمشى. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: ذلك حين قال لهم هارونُ: احْفِروا لهذا الحليِّ حُفْرةً واطْرَحوه فيها. فطَرَحوه، فقَذَف السامريُّ تُربَتَه (٢). وقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾. يقولُ: فقال قوم موسى الذين عَبدوا العجلَ: هذا مَعْبُودُكم ومعبود موسى. وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ يقولُ: فَضَلَّ وتَرَك. ثم اختلف أهل التأويل في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. من قائلُه، ومَن الذي وُصِف به، وما معناه؟ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ من الله عن السامريِّ، والسامريُّ هو الموصوف بهِ. قالوا: ومَعْناه أنَّه ترك الدِّينَ الذي بعث الله به موسى، وهو الإسلام.

стр. 10916

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنى محمد بن إسحاق، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يقولُ الله: ﴿فَنَسِيَ﴾. أي: ترك ما كان عليه من الإسلام. يعنى السامريَّ (١). وقال آخرون: بل هذا من خبر الله تعالى ذكرُه عن السامريِّ أنَّه قاله (٢) لبنى إسرائيل، وأنَّه وصف موسى بأنَّه ذهَب يطلب ربَّه، فأضلَّ موضعه، وهو هذا العجل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ - يعنى زينة القوم - حين أمرنا السامريُّ لمَّا قبض قبضةً مِن أَثَرِ جبريل، فأَلْقَى القبضة على حُليِّهم، فصار عِجْلًا جسَدًا له خوارٌ ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ الذي انطلق يطلبُه ﴿فَنَسِيَ﴾. يعني: نَسِيَ موسى. يعني (٣): ضَلَّ عنه فلم يَهْتَدِ له (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَنَسِيَ﴾. يقولُ: طلب هذا موسى فخالَفَه الطريق (٥). وحدَّثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ:

стр. 10917

﴿فَنَسِيَ﴾. يقولُ: قال السامريُّ: موسى نَسِيَ ربَّه عِندَكم (١). وحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ موسى. قال: هم يقُولُونَه (٢)؛، أخطأ الربَّ؛ العِجْلَ (٣). [حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَنَسِيَ﴾. قال: نَسى موسى، أخطأ الربَّ. للعجل] (٤) (٥)، قوم موسى يَقُولُونَه. حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَنَسِيَ﴾ يقولُ: ترك موسى إلَهَه ههنا وذهَب يطلبه (٦). وحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. قال: يقولُ: فنَسِيَ حيثُ وعَدَه رَبُّه، هاهنا وعَدَه (٧)، ولكنَّه نَسِيَ (٨). حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. يقولُ: نَسِيَ

стр. 10918

موسى ربَّه فأخْطَأه، وهذا العجلُ إِلَهُ موسى. والذي هو أولى بتأويل ذلك القولُ الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خيرٌ من الله جلَّ وعزَّ عن السامريِّ أنَّه وصف موسى بأنَّه نَسِيَ ربَّه، وأَنَّ رَبَّه الذي ذهب (١) يريده هو العجلُ الذي أخرجه السامريُّ؛ لإجماع الحجَّةِ مِن أهل التأويل عليه، وأنَّه عَقِيبَ ذكر موسى، فهو بأن يكون خبرًا من السامريِّ عنه بذلك أَشْبَهُ مِن غيرِه. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾. يقول تعالى ذكره مُوَبِّخًا عبدة العجل والقائلين له: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. وعائبَهم بذلك، ومُسَفِّه أحلامهم بما فعلوا وقالوا (٢) منه: أفلا يَرَوْنَ أن العجل الذي زعموا أنَّه إلههم وإله موسى لا يُكَلِّمُهم، وإن كلَّموه لم يردَّ عليهم جوابًا، ولا يقدر لهم على ضَرٍّ ولا نَفْعٍ، فكيف يكون ما كانت هذه صِفَتُه إلهًا؟. كما حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾: العجلُ (٣).

стр. 10919

وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، قال: العجلُ. وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: قال الله : ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾، ذلك العجلُ الذي اتَّخَذوه، ﴿قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. وقولُه: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾. [يقولُ: ولقد قال لعَبَدَةِ العجل من بني إسرائيل هارونُ من قبل] (١) رجوع موسى إليهم، وقيله لهم ما قال ممَّا أخبر الله جلَّ ثناؤُه عنه: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: إنما اخْتبَر الله إيمانكم ومحافظَتَكم على دينكم بهذا العجل الذي أحْدَث فيه الخُوارَ؛ ليعلمَ به الصحيحَ الإيمانِ مِنكُم من المريض القلب، الشاكِّ في دينِه. كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال لهم هارُونُ: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: إِنَّما ابْتُليتُم به. يقولُ: بالعجل (٢). وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. يقولُ: وإن ربَّكم الرحمنُ الذي تَعُمُّ جميعَ الخلقِ نعمتُه، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ على ما آمُرُكم بهِ مِن عبادة اللهِ وتَركِ عبادة العجل، ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فيما آمُرُكم به من طاعةِ اللهِ وإخلاص العبادةِ له. وقولُه: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. يقولُ: قال عَبَدَةُ العجل من قومِ موسى: لن نزالَ على العجلِ مُقِيمِينَ نَعْبُدُه حتى يَرْجع إلينا موسى.

стр. 10920

القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ (١) أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لأخيه هارون لمَّا فرغ من خطاب قومه ومراجَعته إيَّاهم على ما كان من خطأ فِعْلِهم: يا هارونُ أَيُّ شيءٍ منعك إذ رأيتَهم ضَلُّوا عن دينهم، فكَفَروا بالله وعَبَدوا العجل - ألا تَتَّبعَنى. واخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنى الذي عَذَل (٢) موسى عليه أخاه من تَرْكِه اتَّباعَه؛ فقال بعضُهم: عَذَلَه على تَرْكه السير بمَن أطاعَه في أثره على ما كان عهد إليه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قال القومُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ أقام هارونُ في من معه (٣) من المسلمين ممَّن لم يَفتَتنْ، وأقام مَن يعبُدُ العجل على عبادة العجل، وتخوَّف هارونُ إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرَّقْتَ بين بنى إسرائيلَ ولم تَرْقُبْ قولى. وكان له هائبًا مُطِيعًا (٤). وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ عزَّ

стр. 10921

وجلَّ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾. قال: تَدَعَهم (١). وقال آخرون: بل عَذَلَه على تَرْكِه أن يُصْلِحَ ما كان من فسادِ القومِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾. قال: أمر موسى هارون أن يُصلِحَ ولا يَتَّبِعَ سبيلَ المُفسدين، فذلك قولُه: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بذلك (٢). وقولُه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾. وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرِك ذكرُه استغناءً بدلالة الكلام عليه، وهو: ثم أخذ موسى بلحْية أخيه هارونَ ورأسه يجرُّه إليه، فقال هارونُ: يابنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيتى ولا برأسي. وقولُه: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. فاختَلَف أهلُ العلم في صفة التفريق بينهم الذي خَشِيَه هارونُ؛ فقال بعضُهم: كان هارونُ خاف أن يسيرَ بمن أطاعَه وأقامَ على دينه في أَثَرِ موسى، ويخلُفَ عَبَدَةَ العجلِ، وقد قالوا له: لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجعَ إلينا موسى. فيقولَ له موسى: فرَّقْتَ بين بني إسرائيلَ بسَيْرِك بطائفةٍ، وتَرْكِكَ منهم طائفةً وراءَك. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. قال: ﴿خَشِيتُ

стр. 10922

أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: خَشِيتُ أن يتَّبعَنى بعضُهم ويتخلَّفَ بعضُهم (١). وقال آخرون: بل معني ذلك: خَشِيتُ أن نَقْتَتِلُ فيَقْتُلَ بعضُنا بعضًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: كُنَّا نكونُ فِرقَتَين فيقتُلُ بعضُنا بعضًا حتى نَتَفَانى. وأولى القولين في ذلك بالصواب القولُ الذي قاله ابن عباسٍ، من أن موسى عَذَل أخاه هارون على تَرْكه اتباعَ أمْرِه بَمَن اتَّبَعه من أهل الإيمان، فقال له هارونُ: إني خَشِيتُ أن تقولَ: فرَّقت بين جماعتِهم، فتَرَكْتَ بعضَهم وراءَك، وجئتَ ببعضِهم. وذلك بَيِّنٌ في قول هارون للقوم: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. وفى جواب القومِ له، وقيلهم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. وقولُه: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. يقولُ: ولم تَنْظُرْ قَوْلى وتحْفَظْه. مِن مراقبة الرجل الشيءَ، وهى مُناظَرتُه لحفظه (٢). كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال: لم تَحفَظْ قَوْلى (٣).

стр. 10923

القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾: قال موسى للسامريِّ: فما شأنُك يا سامريُّ؟ وما الذي دعاكَ إلى ما فعَلتَ؟ كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ قال: ما أَمْرُك؟ ما شأنُك؟ ما هذا الذي أدْخَلك فيما دخَلتَ فيه؟ وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. قال: ما لَكَ يا سامريُّ (١). وقولُه: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾. يقولُ: قال السامريُّ: علمتُ ما لم يَعْلَموه (٢). وهو "فعلتُ" من البَصيرة، أي: صِرْتُ بما عملتُ بصيرًا عالمًا. [وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل] (٣). ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: لما قتل فرعونُ الولدان قالت أمُّ السامريِّ: لو نَحَّيتَه عنِّى حتى لا أراه، ولا أرى (٤)

стр. 10924

قَتْلَه. فَجَعَلَتْه في غارِ، فأتى جبريلُ، فجعَل كفَّ نَفْسِهِ فِي فِيهِ، فَجَعَل يَرْضَعُ العسل واللبنَ، فلم يزلْ يختَلِفُ إليه حتى عرَفه، فمن ثَمَّ معرفتُه إيَّاه حين قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. وقال آخرون: هو (١) بمعنى: أبْصَرتُ ما لم يُبْصروه. وقالوا: يقالُ: بَصُرتُ بالشيء وأَبْصَرتُه. كما يقالُ: أسرَعتُ وسَرُعْتُ؛ ماشيتُ (٢). ذكرُ مَن قال: هو بمعنى: أبْصَرتُ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾. يعني: فرسَ جبريل ﵇. وقولُه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. يَعْنى (٣): فقبضتُ قبضةً من أثر حافرِ فرس جبريلَ. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قذف بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آلِ فرعونَ في النارِ، وتكسَّرت، ورأى السامريُّ أثَرَ فرس جبريل ﵇، فأخذ تُرابًا من أثر حافرِه، ثم أقبل إلى النار فقذَفه فيها، وقال: كُنْ عِجْلًا

стр. 10925

جسَدًا له خُوَارٌ. فكان للبلاء (١) والفتنة (٢). وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قبض قبضةً (٣) من أثر جبريل، فألْقى القبضةَ على حُليِّهم، فصار عِجْلًا جسَدًا له خُوارٌ، فقال: هذا إِلَهُكم وإلَهُ موسى (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. قال: من تحت حافرِ فرس جبريل، فنبَذه السامريُّ على حلية بني إسرائيل، فانْسَبك عِجْلًا جَسَدًا له خُوارٌ، حفيفُ الريح فيه فهو خُوارُه (٥). قال أبو جعفر: والعجلُ ولدُ البقرة. واختلفت القرأةُ في قراءةِ هذين الحرفين؛ فقرأته عامَّةُ قرأة المدينة والبصرة: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بالياء (٦) بمعنى: قال السامريُّ: بَصُرتُ بما لم يَبصُرْ به بنو إسرائيلَ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) بالتاءِ (٧)، على وَجْهِ
следующие страницы →